← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6675–6714 · переход к 6680.

стр. 6675

فأسْلَمَ على أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاتَيْنِ فَقَبِلَ مِنْه. رَوَاهُ أحمدُ (١). وفي لفْظٍ آخرَ لهُ (٢): على أنْ لَا يُصلِّي إلَّا صَلَاةً فَقَبِل مِنْهُ). [إسناد رجاله ثقات] ٨/ ٣٢٢٢ - وعَنْ وَهْب قالَ: سألْتُ جابرًا عَنْ شأنِ ثَقِيفٍ إذْ بَايَعَتْ، فقالَ: اشْتَرَطَتْ على النَّبِيِّ ﷺ أنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، وأنّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ بَعدَ ذلِكَ يَقُولُ: "سَيَتَصَدَّقُونَ ويُجاهِدُونَ". رواهُ أبو داوُدَ) (٣). [صحيح] ٩/ ٣٢٢٣ - (وعَنْ أَنَسٍ أنّ رسُولَ الله ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "أَسْلِمْ"، قالَ: أَجِدُنِي كَارِهًا، قالَ: "أسْلِمْ وَإنْ كُنْتَ كارِهًا". رَوَاهُ أحمد) (٤). [إسناده صحيح] هذه الأحاديث فيها دليل على أنه يجوز مبايعة الكافر وقبول الإسلام منه وإن شرط شرطًا باطلًا، وأنه يصح إسلام من كان كارهًا. وقد سكت أبو داود (٥) والمنذري (٦) عن حديث وهب المذكور، وهو وهب بن منبه، وإسناده لا بأس به. وأخرج أبو داود (٧) أيضًا من حديث الحسن البصري عن عثمان بن أبي

стр. 6676

العاص أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا عليه أن لا يحشروا [ولا يعشروا ولا يُجبُّوا] (١)، فقال رسول الله ﷺ : "لكم أن لا تحشروا، ولا تعشروا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع". قال المنذري (٢): قد قيل: إنَّ الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص. والمراد بالحشر: جمعهم إلى الجهاد والنفير إليه، وبقوله: "يعشروا" أخذ العشور من أموالهم صدقة، وبقوله: "ولا يجبوا" بفتح الجيم وضم الباء الموحدة المشددة، وأصل التجبية أن يقوم الإنسان مقام الراكع. وأرادوا أنهم لا يصلون. قال الخطابي (٣): ويشبه أن يكون إنما سمح لهم بالجهاد والصدقة؛ لأنهما لم يكونا بعد واجبتين في العاجل؛ لأن الصدقة إنما تجب بانقطاع الحول، والجهاد إنما يجب بحضوره. وأمَّا الصلاة فهي راتبة؛ فلم يجز أن يشترطوا تركها. انتهى. ويعكر على ذلك حديث نصر بن عاصم (٤) المذكور في الباب، فإنَّ فيه أن النبي ﷺ قبل من الرجل أن يُصلِّي صلاتين فقط، أو صلاةً واحدةً - على اختلاف الروايتين - ويبقى الإشكال في قوله في الحديث الذي ذكرناه: "لا خير في دين ليس فيه ركوع" (٥).

стр. 6677

فإنَّ ظاهره يدلُّ على أنه لا خير في إسلام من أسلم بشرط أن لا يُصلي. ويمكن أن يقال: إن نفي الخيرية لا يستلزم عدم جواز قبول من أسلم بشرط أن لا يصلي، وعدم قبوله ﷺ لذلك الشرط من ثقيف لا يستلزم عدم جواز القبول مطلقًا. [الباب الرابع] بابُ تَبَعِ الطِّفلِ لأبويهِ في الكفْرِ ولمَنْ أسْلَمَ مِنْهُمَا في الإسلامِ وصِحَّةِ إسلامِ المميِّزِ ١٠/ ٣٢٢٤ - (عَنْ أبي هُرَيْرة أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "ما مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولدُ على الْفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنصِّرانِهِ أَوْ يُمجِّسانهِ، كما تُنتِجُ البهيمَةُ جَمْعاءَ هَلْ تُحِسُّون فِيها مِنْ جَدْعاء؟ "، ثمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١) الآية. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وفي رِوَايَةٍ مُتَّفَق عَلَيْها (٣) أَيْضًا قالوا: يا رسُولَ الله أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ وهْوَ صَغِيرٌ؟ قالَ: "الله أعلَمُ بمَا كانُوا عامِلينَ"). [صحيح] ١١/ ٣٢٢٥ - (وعن ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمَّا أَرَادَ قَتْلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبي مُعَيْظ، قالَ: مَنْ للصِّبْيَةِ؟ قالَ: "النَّارُ". رواهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) والدّارقطنيُّ في

стр. 6678

الأفْرَادِ (١)، وقالَ فيهِ: "النَّارُ لهُمْ ولأَبِيهِمْ"). [حسن] ١٢/ ٣٢٢٦ - (وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "ما مِنَ النَّاس مُسلِمٍ يَمُوتُ لهُ ثَلَاثةٌ مِنَ الْوَلدِ لمْ يَبْلُغوا الْحِنْثَ إلَّا أَدْخَلَهُ الله الجنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ". رَواهُ البُخاريُّ (٢) وأحْمَدُ (٣)، وقالَ فيهِ: "ما مِنْ رجُلٍ مسلمٍ" [صحيح] وَهْوَ عامُّ فِيما إذَا كانُوا مِنْ مسْلِمَة أوْ كافِرَةٍ. قالَ البُخاريُّ: فكانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ أنَّهُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبيهِ على دِينِ قَوْمِهِ). حديث ابن مسعود سكت عنه أبو داود (٤) والمنذري (٥) ورجال إسناده ثقات، إلا علي بن حسين الرقي، وهو صدوق كما قال في التقريب (٦). وأخرج نحوه البيهقي (٧) من طريق محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه عن جدّه أن رسول الله ﷺ لما أقبل بالأسارى فكان بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت فضرب عنق عقبة بن أبي معيط صبرًا، فقال: من للصبية يا محمد؟ قال: "النار لهم ولأبيهم". قوله: (على الفطرة) للفطرة معان، (منها): الخلقة، (ومنها): الدين. قال في القاموس (٨): والفطرة: صدقة الفطر، الخلقة التي خلق عليها المولود في رحم أمه والدين. انتهى. والمناسب ههنا هو المعنى الآخر، أعني الدين: أي كل مولود يولد على

стр. 6679

الدين الحق فإذا لزم غيره [فذلك] (١) لأجل ما يعرض له بعد الولادة من التغييرات من جهة أبويه أو سائر من يربيه. قوله: (جمعاء) بفتح الجيم، وسكون الميم، بعدها عين مهملة، قال في القاموس (٢): والجمعاء: الناقة المهزولة، ومن البهائم التي لم يذهب من بدنها شيء. انتهى. والمراد ههنا المعنى الآخر بقوله: "هل تحسون فيها من جدعاء؟ "، والجدع قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة كما في القاموس (٣)؛ قال: والجدعة محركة ما بقي بعد القطع. انتهى. والمعنى أن البهائم كما أنها تولد سليمة من الجدع كاملة الخلقة، وإنما يحدث لها نقصان الخلقة بعد الولادة بالجدع ونحوه، كذلك أولاد الكفار يولدون على الدين الحق الكامل وما يعرض لهم من التلبس بالأديان المخالفة له فإنما هو حادث بعد الولادة بسبب الأبوين ومن يقوم مقامهما. وحديث أبي هريرة (٤) فيه دليل على أن أولاد الكفار يحكم لهم عند الولادة بالإسلام، وأنه إذا وجد الصبي في دار الإسلام دون أبويه كان مسلمًا، لأنه إنما صار يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا بسبب أبويه، فإذا عدما فهو باق على ما ولد عليه وهو الإسلام. قوله: (اللهُ أعلمُ بما كانُوا عاملين) فيه دليل على أن أحكام أولاد الكفار عند الله إذا ماتوا صغارًا غير متعينة بل منوطة بعمله الذي كان يعمله لو عاش. وفي حديث ابن مسعود (٥) المذكور دليل على أنه من أهل النار لقوله فيه: "النار لهم ولأبيهم"، ويشكل ذلك على مذهب العدلية (٦) لعدم وقوع موجب التعذيب منهم.

стр. 6680

والحاصل: أن مسألة أطفال الكفار باعتبار أمر الآخرة من المعارك الشديدة لاختلاف الأحاديث فيها، ولها ذيول مطولة لا يتسع لها المقام (١). وفي الوقف عن الجزم بأحد الأمرين سلامة من الوقوع في مضيق لم تدع إليه حاجة ولا ألجأت إليه ضرورة، وأما باعتبار أحكام الدنيا، فقد ثبت في صحيح البخاري (٢) في باب أهل الدار من كتاب الجهاد أن النبي ﷺ سئل عن أولاد المشركين هل يقتلون مع آبائهم؟ فقال: "هم منهم".

стр. 6681

قال في الفتح (١): أي في الحكم في تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم [بهم] (٢) جاز قتلهم. انتهى. وأخرج أبو داود (٣) أن النبي ﷺ لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان. ويحمل هذا على أنه لا يجوز قتلهم بطريق القصد. وأخرج الطبراني في الأوسط (٤) من حديث ابن عمر قال: لما دخل

стр. 6682

رسول الله ﷺ مكة أُتي بامرأة مقتولة فقال: "ما كانت هذه تقاتل"، ونهى عن قتل النساء والصبيان. وأخرج نحوه أبو داود في المراسيل (١) من حديث عكرمة. وقد ذهب مالك (٢) والأوزاعي (٣) إلى أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم. وذهب الشافعي (٤) والكوفيون (٥) وغيرهم إلى الجمع بما تقدم، وقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها. ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود (٦) والنسائي (٧) وابن حبان (٨) من حديث رباح بن الربيع التميمي قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فرأى الناس مجتمعين فرأى امرأة مقتولة، فقال: "ما كانت هذه لتقاتل". فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت.

стр. 6683

وقد نقل ابن بطال (١) وغيره الاتفاق على منع القصد إلى قتل النساء والولدان. وأما حديث أنس (٢) المذكور في الباب فمحله كتاب الجنائز، وإنما ذكره المصنف ههنا للاستدلال به على أن الولد يكون مسلمًا بإسلام أحد أبويه لما في قوله: "ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد". فإنه يقتضي أن من كان له ذلك المقدار من الأولاد دخل الجنة، وإن كانوا من امرأة غير مسلمة، ونفعهم لأبيهم في ذلك الأمر إنما يصح بعد الحكم بإسلامهم لأجل إسلام أبيهم. ١٣/ ٣٢٢٧ - (وعَنْ جَابرٍ قالَ: قالَ رَسُول الله ﷺ : "كُلُّ مَوْلودٍ يُولدُ على الفِطْرَةِ حتَّى يُعْرِبَ عَنهُ لِسَانُهُ، فإذَا أَعْرَبَ عَنْهُ لِسانُهُ، إمَّا شَاكِرًا وإمَّا كفُورًا". رواهُ أحمدُ) (٣). [إسناده ضعيف] ١٤/ ٣٢٢٨ - (وقَدْ صَحَّ عنهُ ﷺ أَنَّهُ عَرَضَ الإِسلَامَ على ابْنِ صَيَّادٍ صغِيرًا، فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انطَلَقَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في رَهْطٍ مِنْ أَصحابِهِ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ حتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ معَ الصِّبْيانِ عِنْدَ أطُمِ بَنِي مُغَالَةَ، وَقَدْ قارَبَ ابْنُ صيَّادٍ يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ فلَمْ يَشْعُرْ حتَّى ضَرَبَ رَسُولُ الله ﷺ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثمَّ قالَ رسُولُ الله ﷺ لابْنِ صَيّادٍ: "أتشْهَدُ أنِّي رَسُولُ الله؟ "، فَنَظَرَ إليهِ ابْن صَيَّادٍ، فقالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رسُولُ الأُمِّيّينَ، فقالَ ابْنُ صَيّادٍ لِرَسُولِ الله ﷺ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ الله فَرَفَضَهُ رسُولُ الله ﷺ وقالَ: "آمنْتُ بالله وَبِرُسُلِهِ" وذَكَرَ الحَديثَ (٤). [صحيح]

стр. 6684

١٥/ ٣٢٢٩ - (وعَنْ عُرْوةَ قالَ: أَسْلَمَ عَليٌّ وهْوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ. أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ (١). [إسناده ضعيف] وأَخْرَجَ أَيضًا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ محمَّدٍ عَنْ أَبيهِ قالَ: قُتلَ عَلِيٌّ وهْوَ ابْنُ ثَمَانٍ وخَمْسينَ سَنةً (٢). [إسناده ضعيف] قُلْت: وهذا يُبَيِّنُ إسْلَامَهُ صَغِيرًا لأنَّهُ أسْلَمَ في أوَائِلِ المَبْعَثِ). ١٦/ ٣٢٣٠ - (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: كانَ عَلِيٌّ أَوّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ خَدِيجَةَ. رَوَاهُ أحمد (٣). [ضعيف] وفي لفْظٍ: أوَّلُ مَنْ صَلَّى عَليٌّ. رَواهُ التِّرمِذيُّ) (٤). [صحيح لغيره] ١٧/ ٣٢٣١ - (وعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرّةَ، عَنْ أبي حَمْزةَ عَنْ رجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ قالَ: سَمِعْت زَيدَ بْنَ أَرْقَمَ يقُولُ: أَوّل مَنْ أسلَمَ عَليٌّ. قالَ عَمْرو بْنُ مُرّةَ:

стр. 6685

فذكَرْتُ ذلِكَ لإبْرَاهِيمَ النَّخَعيِّ، قال: أوّلُ مَنْ أسلَمَ أبُو بكْرٍ الصِّدِيقُ. رواهُ أحمدُ (١) والتِّرمذيُّ (٢) وصحّحُهُ. [إسناده صحيح] وقَدْ صَحّ أنّ مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ إلى وفاتِهِ نحْوُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وأنّ عَلِيًا عاشَ بَعْدَهُ نحْوَ ثَلَاثينَ سَنَةً، فيَكُونُ قد عمّرَ بَعدَ إسلَامِهِ فَوْقَ الخمْسينَ وَقَدْ مَاتَ ولمْ يَبلُغِ السِّتِّينَ، فعُلِمَ أَنَّهُ أسلَمَ صَغِيرًا). حديث جابر أصله في الصحيحين (٣). وحديث ابن عمر الذي ذكره المصنف في شأن ابن صياد لم يذكر من أخرجه ولم تجر له عادة بذلك، وهو في الصحيحين (٤) وسنن أبي داود (٥) والترمذي (٦) والموطأ (٧). وفي بعض النسخ قال: متفق عليه (٨)، ثم قال رسول الله ﷺ : "ماذا ترى؟ " قال: يأتيني صادقٌ وكاذب، فقال ﷺ : "خلط عليك الأمر". ثم قال له ﷺ : "إني قد خبأت لك خبيئًا"، فقال ابن صياد: هو الدخ، فقال ﷺ : "اخسأ فلن تعدو قدرك". فقال عمر: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال ﷺ : "إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله". زاد الترمذي (٩) بعد قوله: "خبأت لك خبيئًا"، وخبأ له: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١٠).

стр. 6686

وحديث عروة (١) مرسل. وكذلك حديث جعفر بن محمد عن (٢) أبيه. وحديث ابن عباس، قال الترمذي (٣) بعد إخراجه: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه من حديث شعبة عن أبي بلج إلا من حديث محمد بن حميد، وأبو بلج اسمه يحيى بن أبي سليم (٤). وقال بعض أهل العلم: أول من أسلم من الرجال أبو بكر وأسلم علي وهو غلام ابن ثمان سنين، وأول من أسلم من النساء خديجة. انتهى. وحديث زيد بن أرقم قال الترمذي (٥) بعد إخراجه: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. وفي إسناده ذلك الرجل المجهول، ولم يقع التصريح بأنه من الصحابة حتى تغتفر جهالته كما قررنا ذلك غير مرة، بل روايته بواسطة تدل على أنه ليس من الصحابة فلا يكون حديثه حينئذ صحيحًا ولا حسنًا. وأما قول إبراهيم النخعي فهو مرسل فلا يصح لمعارضة ما رواه زيد بن أرقم وابن عباس. وقد أخرج الترمذي (٦) أيضًا عن أنس بن مالك قال: "بعث النبي ﷺ يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء". قال الترمذي (٧): هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث مسلم الأعور، ومسلم الأعور ليس عندهم بذاك القوي. وقد روي هذا عن مسلم، عن حبَّة عن عليٍّ نحو هذا. اهـ. والأولى الجمع بين ما ورد مما يقتضي أن عليًا أول الناس إسلامًا، وأن أبا بكر أوَّلهُم إسلامًا؛ بأن يقال: علي كان أول من أسلم من الصبيان، وأبو بكر أول من أسلم من الرجال، وخديجة أول من أسلم من النساء.

стр. 6687

قوله: (حتى يعرب عنه لسانه)، فيه دليل على أنه لا يحكم للصبيِّ ما دام غير مميز إلا بدين الإسلام، فإذا أعرب عنه لسانه بعد تمييزه حكم عليه بالملة التي يختارها. قوله: (قِبَلَ ابن صيَّاد) بكسر القاف وفتح الموحدة: أي جهته. وابن صيادٍ اسمه صاف وأصله من اليهود. وقد اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا شديدًا، وأشكل أمره حتى قيل فيه كل قول. وظاهر الحديث المذكور (١) أن النبي ﷺ كان مترددًا في كونه هو الدجال أم لا؟ ومما يدل على أنه هو الدجال ما أخرجه الشيخان (٢) وأبو داود (٣) عن محمد بن المنكدر قال: "كان جابر بن عبد الله يحلف بالله: إنَّ ابن صياد الدجال، فقلت: أتحلف بالله؟ فقال: إني سمعت عمر بن الخطاب يحلف على ذلك عند رسول الله ﷺ فلا ينكره". وقد أجيب عن التردد منه ﷺ بجوابين: (الأول): أنه تردد ﷺ قبل أن يعلمه الله بأنه هو الدجال، فلما أعلمه لم ينكر على عمر حلفه. (والثاني): أن العرب قد تخرج الكلام مخرج الشك وإن لم يكن في الخبر شك. ومما يدلُّ على أنه هو الدجال: ما أخرجه عبد الرزاق (٤) بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عمر قال: "لقيت ابن صياد يومًا ومعه رجل من اليهود فإذا عينه قد طفيت وهي خارجة مثل عين الحمار، فلما رأيتها قلت: أنشدك الله يا ابن صياد متى [طفيت] (٥) عينك؟ قال: لا أدري والرحمن، قلت: كذبت. وهي في رأسك،

стр. 6688

قال: فمسحها ونخر ثلاثًا، فزعم اليهود أني ضربت بيدي صدره، وقلت: اخسأ فلن تعدو قدرك، فذكرت ذلك لحفصة، فقالت حفصة: اجتنب هذا الرجل فإنا نتحدث أن الدجال يخرج عند غضبة يغضبها". وأخرج مُسلم (١) هذا الحديث بمعناه من وجهٍ آخر عن ابن عمر، ولفظه: "لقيته مرتين" فذكر الأولى ثم قال: ثم لقيته لقيةً أخرى، وقد نفرت عينه، فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ فقال: لا أدري، فقلت: لا تدري وهي في رأسك، قال: إن شاء الله فعلها في عصاك هذه ونخر كأشد نخير حمار سمعت، فزعم أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت وأنا والله ما شعرت، قال: وجاء حتى دخل على حفصة فحدثها، فقالت: ما تريد إليه، ألم تسمع أنه قد قال ﷺ : "أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه؟ ". ثم قال ابن بطَّال (٢): فإن قيل: هذا أيضًا يدل على التردد في أمره. فالجواب أنه قد وقع الشكُّ في أنَّه الدَّجال الذي يقتله عيسى ابن مريم، ولم يقع الشك في أنه أحد الدجالين الكذابين الذين أنذر بهم النبي ﷺ في قوله: "إنَّ بين يدي الساعة دجالين كذابين"، وهو في الصحيحين (٣). وتعقَّبه الحافظ (٤) بأن الظاهر أن حفصة، وابن عمر، أرادا الدجال الأكبر، واللام في القصة الواردة عنهما للعهد لا للجنس، وكذلك حلف عمر وجابر السابق على أن ابن صياد هو الدجال. وقد أخرج أبو داود (٥) بسند صحيح أن ابن عمر كان يقول: والله لا أشك أن المسيح الدجال هو ابن صياد. وأخرج مسلم (٦) عن أبي سعيدٍ قال: صحبني ابن صياد إلى مكة فقال: ماذا

стр. 6689

لقيت من الناس يزعمون أني الدجال، ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه لا يولد له؟ "، قلت: بلى، قال: "فإنه قد ولد لي"، قال: أوَلست سمعته يقول: لا يدخل المدينة ولا مكة؟ قلت: بلى، قال: "فقد ولدت بالمدينة وأنا أريد مكة". وأخرج مسلم (١) أيضًا عن أبي سعيد أنه قال له ابن صياد هذا: "عذرت الناس ما لي وأنتم يا أصحاب رسول الله، ألم يقل نبي الله: إن الدجال يهودي، وقد أسلمت؟ "، فذكر نحو الأول. وفي مسلم (٢) أيضًا عن أبي سعيد أنه قال له ابن صياد: لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة ثم أختنق به مما يقول الناس، يا أبا سعيد من خفي عليه حديث رسول الله ما خفي عليكم يا معشر الأنصار، ثم ذكر نحو ما تقدم وزاد. قال أبو سعيد: حتى كدت أعذره. وفي آخر كل من الطرق أنه قال: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن. قال أبو سعيد: فقلت له: تبًا لك سائر اليوم (٣). وأجاب البيهقي بأنَّ سكوت النبيّ ﷺ على حلف عمر يحتمل أن يكون النبيّ ﷺ كان متوقفًا في أمره، ثم جاءه التثبت من الله تعالى بأنه غيره؛ على ما تقتضيه قصة تميم الداري، وبه تمسك من جزم بأنَّ الدجال غير ابن صياد وطريقه أصحُّ، وتكون الصِّفة التي في ابن صياد وافقت ما في الدَّجال. وقد أخرج قصة تميم مسلم (٤) من حديث فاطمة بنت قيس. قال البيهقي: وفيها أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر النبي ﷺ بخروجهم. وقد خرج أكثرهم وكان الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا قصة تميم. "وقد خطب بها النبي ﷺ وذكر أن تميمًا أخبره أنه لقي هو وجماعة معه

стр. 6690

- في دير في جزيرة لعب بهم الموج شهرًا حتى وصلوا إليها - رجلًا كأعظم إنسان رأوه قط خلقًا وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه بالحديد فقالوا له: ويلك ما أنت؟ "، فذكر الحديث. وفيه: "أنه سألهم عن نبي الأميين هل بعث؟ وأنه قال: إن تطيعوه فهو خير لكم". وفيه أنه قال: "إني مخبركم عني أنا المسيح الدجال، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة". وفي بعض طرقه أنه شيخ. قال الحافظ (١): وسندها صحيح. وهذا الحديث ينافي ما استدلَّ به على أن ابن صياد هو الدجال ولا يمكن الجمع أصلًا، إذ لا يلتئم أن يكون من كان في الحياة النبوية شبه المحتلم، ويجتمع به النبي ﷺ ، ويسأله أن يكون شيخًا في آخرها مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر موثقًا بالحديد يستفهم عن خبر النبي ﷺ هل خرج أم لا؟ فينبغي أن يحمل حلف عمر وجابر على أنه وقع قبل علمهما بقصة تميم. قال ابن دقيق (٢) العيد في أوائل "شرح الإلمام" ما ملخصه: إذا أخبر شخص بحضرة النبي ﷺ عن أمر ليس فيه حكم شرعي، فهل يكون سكوته ﷺ دليلًا على مطابقته ما في الواقع كما وقع لعمر في حلفه على ابن صياد أنه الدجال كما فهمه جابر حتى صار يحلف عليه ويستند إلى حلف عمر أو لا يدل؟. فيه نظر. قال (٣): والأقرب عندي أنه لا يدل، لأن مأخذ المسألة ومناطها هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقيق البطلان ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة.

стр. 6691

قال الخطابي (١): اختلف السلف في أمر ابن صياد بعد كبره؛ فروي أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا وجهه حتى يراه الناس وقيل لهم: اشهدوا. وقال النووي (٢): قال العلماء: قصة ابن صيَّاد مشكلة وأمره مشتبه (٣)، ولكن لا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النبي ﷺ لم يوحَ إليه في أمره بشيء، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة. فلذلك كان ﷺ لا يقطع في أمره بشيء. انتهى. وقد أخرج أبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان (٤) ما يؤيد كون ابن صياد هو الدجال: عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما افتتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهود فرسخٌ، فكنا نأتيها فنمتار منها، فأتينا يومًا فإذا اليهود يزفنون، فسألت صديقًا لي منهم، فقال: هذا ملكنا الذي نستفتح به العرب، فدخلت فبت على سطح فصليت الغداة؛ فلما طلعت الشمس إذا الوهج من قبل العسكر، فنظرت فإذا هو ابن صياد، فدخل المدينة فلم يعد حتى الساعة. قال الحافظ في الفتح (٥) بعد أن ساق هذه القصة: وعبد الرحمن بن حسان ما عرفته والباقون ثقات. وقد أخرج أبو داود (٦) بسند صحيح عن جابر قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة، وفتح أصبهان كان في خلافة عمر، كما أخرجه أبو نعيم في تاريخها. وقد أخرج الطبراني في الأوسط (٧) من حديث فاطمة بنت قيس مرفوعًا: أن الدجال يخرج من أصبهان.

стр. 6692

وأخرجه (١) أيضًا من حديث عمران بن حصين، وأخرجه أيضًا (٢) بسند صحيح كما قال الحافظ (٣) من حديث أنس لكن عنده من يهودية أصبهان. قال أبو نعيم: وإنما سميت يهودية أصبهان لأنها كانت تختص بسكنى اليهود. قال الحافظ في الفتح (٤): وأقرب ما يجمع بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال، أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأنَّ ابنَ صيَّادٍ شيطانٌ تبدَّى في صورةِ الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها. وقصة تميم السابقة قد توهم بعضهم من عدم إخراج البخاري لها أنها غريبة وهو وهم فاسد، وهي ثابتة عند أبي داود (٥) من حديث أبي هريرة. وعند ابن ماجه (٦) عن فاطمة بنت قيس. وأخرجها أبو يعلى (٧) عن أبي هريرة من وجه آخر.

стр. 6693

وأخرجها أبو داود (١) بسند حسن من حديث جابر وغير ذلك، وفي هذا المقدار كفاية. وإنما تكلمنا على قصة ابن صياد مع كون المقام ليس مقام الكلام عليها؛ لأنها من المشكلات المعضلات التي لا يزال أهل العلم يسألون عنها، فأردنا أن نذكر ههنا ما فيه تحليل ذلك الإشكال وحسم مادة ذلك الإعضال. قوله: (عند أُطُم) (٢) بضم الهمزة والطاء المهملة: وهو البناء المرتفع. قوله: (أتشهد أني رسول الله) استدل به المصنف رحمه الله تعالى على صحة إسلام المميز كما ذكر ذلك في ترجمة الباب، وكذلك يدل على ذلك بقية الأحاديث المذكورة في الباب في إسلام علي بن أبي طالب، وقد اختلف في مقدار سنه عند الموت على أقوال مذكورة في كتب التاريخ. [الباب الخامس] بابُ حُكْمِ أموالِ المرتدِّينَ وجِنَايَاتِهم ١٨/ ٣٢٣٢ - (عنْ طارِقِ بْنِ شِهَابٍ قالَ: جاءَ وفْدُ بُزَاخَةَ مِنْ أسَدٍ وَغَطْفَانَ إلى أَبي بَكْرٍ يسْأَلونَهُ الصُّلْحَ، فخَيّرَهُمْ بَيْنَ الحَرْبِ المُجْلِيَةِ، والسِّلْم المُخْزية، فقالوا: هذِهِ [المُجليةُ] (٣) قَدْ عَرَفْناهَا، فما المُخْزيةُ؟ قالَ: نَنْزعُ منْكُم الْحَلَقَةَ، والْكُرَاعَ، ونَغنَمُ ما أَصَبْنَا مِنْكُمْ وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا ما أَصَبْتُمْ مِنّا، وتدُونَ قَتلَانا وَتكُونُ قتْلَاكُمْ في النّار، وَتَتْرُكُونَ أَقْوَامًا يَتبعُونَ أَذْنَابَ الإبلِ حتّى يُرِيَ الله خَليفة رَسُولِهِ والمُهاجِرِينَ والأنْصارَ أَمْرًا يَعْذُرونَكُمْ به. فعَرَضَ أَبُو بَكْرٍ ما قالَ على القَوْمِ، فقام عمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فقالَ: قَدْ رَأَيْتُ

стр. 6694

رَأيًا وَسَنُشيرُ عَلَيْكَ، أَمَّا ما ذكَرْتَ مِنَ الْحَرْبِ [المُجْلِيَةِ] (١)، والسِّلْمِ المُخْزِيَةِ فَنِعْمَ ما ذكَرْتَ، وأَمّا ما ذكَرْتَ أَنْ نَغْنَمَ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ وَتَرُدُّونَ ما أَصَبْتُمْ مِنَّا فَنِعْمَ ما ذكَرْتَ، وأمّا ما ذكَرْتَ تَدُونَ قَتْلانَا وَتكُونُ قَتْلَاكُمْ في النّارِ فإِنَّ قَتْلَانا قَاتَلَتْ فَقُتِلَتْ على أمْرِ الله، أجُورُهَا على الله لَيْسَ لَهَا دِيَاتٌ، فَتَبَايَعَ الْقَوْمُ على ما قالَ عُمَرُ. رَواهُ الْبَرْقانِيُّ على شَرْطِ البُخارِيّ) (٢). [صحيح] هذا الأثر أخرج بعضه البخاري في صحيحه (٣)، وأخرج بقيته البرقاني في مستخرجه (٤) بطوله كما ذكره المصنف. وأخرجه أيضًا البيهقي (٥) من حديث ابن إسحاق عن [عاصم بن حمزة] (٦). قوله: (بُزَاخَةَ) بضم الباء الموحدة ثم زاي [مخففة] (٧) وبعد الألف خاءٌ معجمةٌ: هو موضع، قيل: بالبحرين، وقيل: ماء لبني أسد، كذا في التلخيص (٨).

стр. 6695

وفي القاموس (١): وبزاخة بالضم: موضعٌ به وقعة أبي بكر ﵁. انتهى. قوله: ([المجلية]) (٢) يحتمل أن يكون بالخاء المعجمة، أي: المهلكة. قال في القاموس (٣): خلا مكانه: مات، وقال أيضًا: خلا المكان خلوًا، وخلاءً، وأخلى، واستخلى: فرغ، ومكان خلاء: ما فيه أحد، وأخلاه: جعله أو وجده خاليًا، وخلا: وقع في موضع خال لا تزاحم فيه. ويحتمل أن يكون بالجيم، قال في القاموس (٤): جلا القوم عن الموضع، ومنه جَلَوْا وجلاءً وأَجْلَوا: تفرقوا، أو جلى من الخوف، وأجلى من الجدب. انتهى. والمراد: الحرب المفرِّقة لأهلها لشدة وقعها وتأثيرها. وقال في الفتح (٥): المجليةُ - بضم الميم، وسكون الجيم، بعدها لام مكسورة، ثم تحتانية - من الجلاء - بفتح الجيم وتخفيف اللام مع المد -، ومعناه الخروج عن جميع المال. قوله: (والسلم المخزية) بالخاء المعجمة والزاي: أي المذلة، قال في القاموس (٦): خزي كرضي خِزيًا بالكسر، وخزًى: وقع في بلية وشهرة فذل بذلك، كاخْزَوزَى وأخزاه الله: فضحه، ومن كلامهم لمن أتى بمستهجن: ما له أخزاه الله؟ قال: وخَزِيَ بالكسر: استحيا. انتهى. قوله: (الحلقة) بفتح الحاء المهملة وسكون اللام بعدها قاف. قال في القاموس (٧): الحلقة: الدرع والخيل. انتهى. وقال في النهاية (٨): والحلقة بسكون اللام: السلاح عامًّا، وقيل: الدروع خاصة، والمراد بالكراع: الخيل.

стр. 6696

قال في القاموس (١): هو اسم [لجميع الخيل] (٢)، فعلى هذا يكون المراد بالحلقة: الدروع أو هي سائر السلاح الذي يحارب به. قوله: (يتبعون أذناب الإبل) أي يمتهنون بخدمة الإبل ورعيها والعمل بها لما في ذلك من الذلة والصغار. وقد استُدلَّ بالأثر المذكور على أنه يجوز مصالحة الكفار المرتدين على أخذ أسلحتهم وخيلهم، وردِّ ما أصابوه من المسلمين. وقد اختلف هل يملك الكفار ما أخذوه على المسلمين؟ فذهب الهادي (٣) وأبو حنيفة (٤) وأبو يوسف ومحمد إلى أنهم يملكون علينا ما استولوا عليه قهرًا، وإذا استولينا عليه فصاحبه أحقُّ بعينه ما لم يقسم، فإن قسم لم يستحقه إلا بدفع القيمة لمن صار في يده. وذهب أبو بكر الصديق (٥)، وعمر (٥)، وعبادة بن الصامت (٥)، وعكرمة، والشافعي (٦)، والمؤيد بالله إلى أنهم لا يملكون علينا، ولو أدخلوه قهرًا فصاحبه أحق به قبل القسمة وبعدها بلا شيء. وأما ما أخذوه من أموال أهل الإسلام في دارهم قهرًا كالعبد الآبق، فذهب الهادي (٧) والنفس الزكية وأبو حنيفة (٨) إلى أنهم لا يملكونه علينا؛ إذ دار الحرب دار إباحة، فالملك فيها غير حقيقي.

стр. 6697

وذهب مالك (١) والأوزاعي (٢)، والزهري (٢)، وعمرو بن دينار (٢)، وأبو يوسف، ومحمد، إلى أنهم يملكونه علينا، وهو مروي عن أبي طالب، ولعله يأتي تحقيق هذا البحث إن شاء الله تعالى. تمَّ ولله الحمد والمنّة الجزء الثالث عشر من نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار ويليه الجزء الرابع عشر منه وأوله: الكتاب الأربعون: كتاب الجهاد والسِّيَر

стр. 6698

الكتاب الأربعون: كتاب الجهاد والسير أولًا: أبواب مقدمات الجهاد وبيان آدابه وأحكامه: الباب الأول: باب الحث على الجهاد، وفضل الشهادة والرباط والحرس. الباب الثاني: باب أن الجهاد فرض كفاية، وأنه شرع مع كل بر وفاجر. الباب الثالث: باب ما جاء في إخلاص النية في الجهاد، وأخذ الأجرة عليه والإعانة. الباب الرابع: باب استئذان الأبوين في الجهاد. الباب الخامس: باب لا يجاهد من عليه دين إلا برضا غريمه. الباب السادس: باب ما جاء في الاستعانة بالمشركين. الباب السابع: باب ما جاء في مشاورة الإمام الجيش ونصحه لهم ورفقه بهم وأخذهم بما عليهم. الباب الثامن: باب لزوم طاعة الجيش لأميرهم ما لم يأمر بمعصية. الباب التاسع: باب الدعوة قبل القتال. الباب العاشر: باب ما يفعله الإمام إذا أراد الغزو من كتمان حاله، والتطلع على حال عدوه. الباب الحادي عشر: باب ترتيب السرايا والجيوش واتخاذ الرايات وألوانها. الباب الثاني عشر: باب ما جاء في تشييع الغازي واستقباله. الباب الثالث عشر: باب استصحاب النساء لمصلحة المرضى والجرحى والخدمة. الباب الرابع عشر: باب الأوقات التي يستحب فيها الخروج إلى الغزو والنهوض إلى القتال.

стр. 6699

الباب الخامس عشر: باب ترتيب الصفوف وجعل سِيْما وشعار يُعرف، وكراهة رفع الصوت. الباب السادس عشر: باب استحباب الخيلاء في الحرب. الباب السابع عشر: باب الكف وقت الإغارة عمن عنده شعار الإسلام. الباب الثامن عشر: باب جواز تبييت الكفار ورميهم بالمنجنيق وإن أدى إلى قتل ذراريهم تبعًا. الباب التاسع عشر: باب الكف عن قصد النساء والصبيان والرهبان والشيخ الفاني بالقتل. الباب العشرون: باب الكف عن المُثلة، والتحريق، وقطع الشجر، وهدم العمران إلا لحاجة ومصلحة. الباب الحادي والعشرون: باب تحريم الفرار من الزحف إذا لم يزد العدو على ضعف المسلمين إلا المتحيز إلى فئة وإن بعدت. الباب الثاني والعشرون: باب من خشي الأسر فله أن يستأسر، وله أن يقاتل حتى يقتل. الباب الثالث والعشرون: باب الكذب في الحرب. الباب الرابع والعشرون: باب ما جاء في المبارزة. الباب الخامس والعشرون: باب من أحب الإقامة بموضع النصر ثلاثًا. الباب السادس والعشرون: باب أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، وأنها لم تكن لرسول الله ﷺ . الباب السابع والعشرون: باب أن السلب للقاتل وأنه غير مخموس. الباب الثامن والعشرون: باب التسوية بين القوي والضعيف ومن قاتل ومن لم يقاتل. الباب التاسع والعشرون: باب جواز تنفيل بعض الجيش لبأسه وغِنَائه أو تحمُّلِهِ مكروهًا دونهم.

стр. 6700

الباب الثلاثون: باب تنفيل سرية الجيش عليه واشتراكهما في الغنائم. الباب الحادي والثلاثون: باب بيان الصفي الذي كان لرسول الله ﷺ ، وسهمه مع غيبته. الباب الثاني والثلاثون: باب من يرضخ له من الغنيمة. الباب الثالث والثلاثون: باب الإسهام للفارس والراجل. الباب الرابع والثلاثون: باب الإسهام لمن غيبه الأمير في مصلحة. الباب الخامس والثلاثون: باب ما يذكر في الإسهام لتجار العسكر وأجزائهم. الباب السادس والثلاثون: باب ما جاء في المدد يلحق بعد تقضِّي الحرب. الباب السابع والثلاثون: باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم. الباب الثامن والثلاثون: باب حكم أموال المسلمين إذا أخذها الكفار ثم أخذت منهم. الباب التاسع والثلاثون: باب ما يجوز أخذه من نحو الطعام والعلف بغير قسمة. الباب الأربعون: باب أن الغنم تقسم بخلاف الطعام والعلف. الباب الحادي والأربعون: باب النهي عن الانتفاع بما يغنمه الغانم قبل أن يقسم إلا حالة الحرب. الباب الثاني والأربعون: باب ما يُهدى للأمير والعامل أو يؤخذ من مباحات دار الحرب. الباب الثالث والأربعون: باب التشديد في الغلول وتحريق رحل الغال. الباب الرابع والأربعون: باب المنّ والفداء في حق الأسارى. الباب الخامسُ والأربعون: باب أن الأسير إذا أسلم لم يزل ملك المسلمين عنه. الباب السادس والأربعون: باب الأسير يدعي الإسلام قبل الأسر وله شاهد. الباب السابع والأربعون: باب جواز استرقاق العرب.

стр. 6701

الباب الثامن والأربعون: باب قتل الجاسوس إذا كان مستأمنًا أو ذميًّا. الباب التاسع والأربعون: باب أن عبد الكافر إذا خرج إلينا مسلمًا فهو حر. الباب الخمسون: باب أن الحربي إذا أسلم قبل القدرة عليه أحرز أمواله. الباب الحادي والخمسون: باب حكم الأرضين المغنومة. الباب الثاني والخمسون: باب ما جاء في فتح مكة. هل هو عنوة أو صلح؟ الباب الثالث والخمسون: باب بقاء الهجرة إلى دار الإسلام وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها. ثانيًا: أبواب الأمان والصلح والمهادنة: الباب الأول: باب تحريم الدم بالأمان وصحته من الواحد. الباب الثاني: باب ثبوت الأمان للكافر إذا كان رسولًا. الباب الثالث: باب ما يجوز من الشروط مع الكفار ومدة المهادنة وغير ذلك. الباب الرابع: باب جواز مصالحة المشركين على المال وإن كان مجهولًا. الباب الخامس: باب ما جاء فيمن سار نحو العدو في آخر مدة الصلح بغتة. الباب السادس: باب الكفار يحاصرون فينزلون على حكم رجل من المسلمين. الباب السابع: باب أخذ الجزية وعقد الذمة. الباب الثامن: باب منع أهل الذمة من سكنى الحجاز. الباب التاسع: باب ما جاء في بداءتهم بالتحية وعيادتهم. الباب العاشر: باب قسمة خمس الغنيمة ومصرف الفيء. ثالثًا: أبواب السبق والرمي: الباب الأول: باب ما يجوز المسابقة عليه بعوض. الباب الثاني: باب ما جاء في المحلل وآداب السبق.

стр. 6702

الباب الثالث: باب الحث على الرمي. الباب الرابع: باب النهي عن صبر البهائم، وإخصائها، والتحريش بينها، ووسمها في الوجه. الباب الخامس: باب ما يستحب ويكره من الخيل واختيار تكثير نسلها. الباب السادس: باب ما جاء في المسابقة على الأقدام والمصارعة واللعب، بالحراب وغير ذلك. الباب السابع: باب تحريم القمار واللعب بالنرد وما في معنى ذلك. الباب الثامن: باب ما جاء في آلة اللهو. الباب التاسع: باب ضرب النساء بالدف لقدوم الغائب وما في معناه.

стр. 6703

[الكتاب الأربعون] كتابُ الجهاد والسِّيَر [أولًا: أبواب مقدمات الجهاد وبيان آدابه وأحكامه] [الباب الأول] بابُ الحث على الجهاد وفضل الشهادة والرباط والحرس ١/ ٣٢٣٣ - (عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبيّ ﷺ قالَ: "لَغَدْوةٌ أَوْ رَوْحَةٌ في سَبيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَما فِيها". مُتَّفقٌ عَلَيهِ) (١). [صحيح] ٢/ ٣٢٣٤ - (وعَنْ أَبي عَبْسٍ الْحَارِثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "مَنِ اغْبَرَّتْ قدَماهُ في سَبيلِ الله حَرّمَهُ الله على النَّارِ". رَواهُ أَحْمَدُ (٢) والبُخاريُّ (٣) والنَّسائيُّ (٤) والتِّرمذيُّ) (٥). [صحيح] ٣/ ٣٢٣٥ - (وعَنْ أَبي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : "غَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ في سَبيلِ الله خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَليهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) ومُسْلمٌ (٧) والنَّسائيُّ (٨). [صحيح] وَللْبُخَارِيِّ (٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ). [صحيح] ٤/ ٣٢٣٦ - (وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ قاتَلَ في سَبيلِ الله فُوَاقَ ناقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ". رَوَاهُ أَحمدُ (١٠) والتِّرمذيُّ) (١١). [حسن]

стр. 6704

٥/ ٣٢٣٧ - (وعَنْ أَبي مُوسى قَالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ أَبْوابَ الْجَنَّةِ تحْتَ ظِلَالِ السُّيوفِ". رَوَاهُ أحمدُ (١) ومُسلمٌ (٢) والتِّرْمِذيُّ) (٣). [صحيح] ٦/ ٣٢٣٨ - (وعَنِ ابْنِ أبي أَوْفى أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إنَّ الْجَنةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ". رَوَاهُ أَحمدُ (٤) والبُخاريُّ) (٥). [صحيح] ٧/ ٣٢٣٩ - (وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَما عَليهَا، ومَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَما عَليهَا، والرَّوحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ أوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَليهَا". مُتَّفَقٌ عَليهِ) (٦). [صحيح] حديث أبي هريرة الآخر قال الترمذي (٧): هو حديث حسن، ولفظه عن أبي هريرة: "قال: مَرَّ رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلتُ الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة". قوله: (كتاب الجهاد) قال في الفتح (٨): الجهاد - بكسر الجيم - أصله لغة:

стр. 6705

المشقة، يقال: جهدت جهادًا، أي: بلغت المشقة، وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفار؛ ويطلق أيضًا على مجاهدة النفس، والشيطان والفساق. فأمَّا مجاهدة النفس: فعلى تعلُّم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان: فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات. وأما مجاهدة الكفار: فتقع باليد، والمال، واللسان، والقلب. وأمَّا الفساق: فاليد، ثم اللسان، ثم القلب. ثم قال (١): واختلف في جهاد الكفار؛ هل كان أولًا فرض عينٍ، أو كفاية؟ ثم قال في باب وجوب النفير: فيه قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي. وقال الماوردي (٢): كان عينًا على المهاجرين دون غيرهم. ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حقِّ كُلِّ من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام. وقال السهيلي (٣): كان عينًا على الأنصار دون غيرهم. ويؤيده مبايعتهم النبي ﷺ ليلة العقبة: على أن يؤووا رسول الله ﷺ وينصروه. فيخرج من قولهما: أنه كان عينًا على الطائفتين، كفايةً في حقِّ غيرهم، ومع ذلك فليس في حقِّ الطائفتين على التعميم، بل في حقِّ الأنصار إذا طرق المدينة طارقٌ، وفي حقِّ المهاجرين إذا أريد قتال أحدٍ من الكفار ابتداءً. وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبي ﷺ دون غيرها. والتحقيق: أنَّه كان عينًا على من عيَّنه النبي ﷺ في حقه وإن لم يخرج. وأما بعده ﷺ فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة، كأن يدهم

стр. 6706

العدُّو، ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور (١). ومن حججهم: أن الجزية تجب بدلًا عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرَّةٍ اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك. وقيل: يجب كلما أُمِرَ وهو قويٌّ. قال: والتحقيق أن جنس جهاد الكفَّار متعين على كلِّ مسلم؛ إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه، انتهى. وأوَّل ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقًا. قوله: (لغدوةٌ أو روحةٌ) الغدوة (٢) - بالفتح واللام للابتداء - وهي: المرَّة الواحدة من الغدوّ، وهو: الخروج في أيّ وقت كان من أوَّل النهار إلى انتصافه. والروحة (٣): المرَّة الواحدة من الرواح، وهو: الخروج في أيِّ وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها. قوله: (في سبيل الله) أي الجهاد. قوله: (خيرٌ من الدُّنيا وما فيها) قال ابن دقيق العيد (٤): يحتمل وجهين: (أحدهما): أن يكون من باب تنزيل الغائب منزلة المحسوس تحقيقًا له في النَّفس لكون الدُّنيا محسوسةً في النفس مستعظمةً في الطباع، ولذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم: أن جميع ما في الدُّنيا لا يساوي ذرّةً مما في الجنة. (والثاني): أن المراد: أن هذا القدر من الثواب خيرٌ من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلُّها لأنفقها في طاعة الله تعالى. ويؤيد هذا الثاني: ما رواهُ ابن المبارك في كتاب الجهاد (٥) من مرسل

стр. 6707

الحسن قال: "بعث رسول الله ﷺ جيشًا، فيهم عبد الله بن رواحة، فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي ﷺ . فقال له النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم". والحاصل: أن المراد تسهيل أمر الدنيا، وتعظيم أمر الجهاد، وأنَّ من حصل له من الجنَّة قدر سوط يصير كأنَّه حصل له أعظم من جميع ما في الدُّنيا، فكيف بمن حصّل منها أعلى الدرجات. والنكتة في ذلك: أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا. قوله: (من اغبرَّت قدماه)، زاد أحمد (١) من حديث أبي هريرة: "ساعة من نهار". وفيه دليل على عظم قدر الجهاد في سبيل الله، فإنَّ مجرّد مسِّ الغبار للقدم إذا كان من موجباتِ السَّلامة من النَّار فكيف بمن سعى، وبذل جهده، واستفرغ وسعه. قوله: (خير مما طلعت عليه الشمس وغربت)، هذا هو المراد بقوله في الحديث الأول (٢): "خير من الدنيا وما فيها". قوله: (فُوَاق ناقة) هو قدر ما بين الحلبتين من الاستراحة.

стр. 6708

قوله: (تحت ظلال السيوف) الظلال: جمع ظلٍّ، وإذا تدانى الخصمان صار كل واحد منهما تحت ظلِّ سيف صاحبه، لحرصه على رفعه عليه، ولا يكون ذلك إلا عند التحام القتال. قال القرطبي (١): وهو من الكلام النفيس، الجامع، الموجز، المشتمل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحضَّ على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحضَّ على مقاربة العدوِّ، واستعمال السيوف، والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظلُّ المتقاتلين. وقال ابن الجوزي (٢): المراد أن الجنة تحصل بالجهاد. قوله: (وموضع سوط أحدكم) في رواية للبخاري (٣): "وقاب قوس أحدكم" أي: قدره. ٨/ ٣٢٤٠ - (وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قاتَلَ في سَبيلِ الله مِنْ رجُلٍ مُسْلمٍ فُواقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لهُ الجَنةُ، ومَنْ جُرِحَ جُرْحًا في سَبيلِ الله أوْ نُكِبَ نَكْبَةً، فإِنهَا تَجيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأغْزَرِ ما كانَتْ لوْنُها الزَّعْفَرَانُ وَرِيحُها الْمِسْكُ" رَوَاهُ أَبُو داود (٤) والنَّسائيُّ (٥) والتِّرْمذيُّ وصحَّحَهُ) (٦). [صحيح] ٩/ ٣٢٤١ - (وعَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقُولُ: "رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبيلِ الله خَيْرٌ مِنْ ألفِ يَوْمٍ فيما سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ". رَوَاهُ أحمدُ (٧) والترْمذِيُّ (٨) والنَّسائيُّ (٩) [حسن]

стр. 6709

(وَلابْنِ ماجَهْ مَعْناهُ) (١). [صحيح] ١٠/ ٣٢٤٢ - (وعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيامِ شَهْرٍ وَقِيامِهِ، وإنْ ماتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الذِي كانَ يعْمَلُهُ وأُجْرِيَ عَليهِ رِزْقُهُ، وَأُمِنَ الْفَتَّانَ". رَوَاهُ أحمدُ (٢) ومُسلمٌ (٣) والنسائيُّ) (٤). [صحيح] ١١/ ٣٢٤٣ - (وعَنْ عثْمانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "حَرَسُ لَيْلَةٍ في سَبيلِ الله أفضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ بقِيامِ لَيْلِها وَصِيَامِ نَهَارِها". رَوَاهُ أَحمدُ) (٥). [حسن] ١٢/ ٣٢٤٤ - (وعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "عَيْنانِ

стр. 6710

لا تَمَسُّهُما النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله. وعَيْنٌ باتَتْ تَحْرُسُ في سَبيلِ الله" رَوَاهُ التِّرمذيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ) (١). [حسن لغيره] ١٣/ ٣٢٤٥ - (وعَنْ أبي أَيُّوبَ قالَ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هذِهِ الآيةُ فِينا مَعْشَرَ الأنْصارِ لَمَّا نَصَرَ الله نَبيَّهُ ﷺ وأَظْهَرَ الإسلَامَ، قُلْنَا: [هَلْ] (٢) نُقِيمُ في أَمْوَالِنَا ونُصْلِحُها؟

стр. 6711

فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) فالإِلقَاءُ بأيْدِينَا إلى التَّهْلُكَةِ أنْ نُقِيمَ في أمْوَالِنَا ونُصلِحَها ونَدَعَ الْجِهَادَ. رَوَاهُ أبُو داوُد) (٢). [صحيح] ١٤/ ٣٢٤٦ - (وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جاهِدُوا المُشْرِكِينَ بأمْوَالِكُمْ وَأيْدِيكُمْ وأَلْسِنَتِكُمْ". رَوَاهُ أحمدُ (٣) وأَبُو داوُدَ (٤) والنَّسائي) (٥). [صحيح] حديث معاذ أخرجه أيضًا ابن ماجه (٦)، وإسناد ابن ماجه والترمذي صحيح، وأما إسناد أبي داود ففيه بقية بن الوليد وهو متكلم فيه (٧)، ولفظه عند أبي داود (٨): "من قاتلَ في سبيلِ الله فواقَ ناقة فقد وجبت له الجنةُ، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقًا، ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد، ومن جُرح جرحًا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك، ومن خرج به خراج في سبيل الله فإن

стр. 6712

عليه طابع الشهداء" وذكر المصنف ﵀ أن الترمذي صحح حديث معاذ المذكور، ولم نجد ذلك في جامعه، وإنما صحح (١) حديث أبي هريرة بمعناه، ولكنه قد وافق المصنف على حكاية تصحيح الترمذي لحديث معاذ جماعة منهم المنذري في مختصر السنن (٢) والحافظ في الفتح (٣)، وصححه أيضًا ابن حبان (٤) والحاكم (٥). وحديث عثمان قال الترمذي (٦) بعد إخراجه: إنه حديث حسن صحيح غريب. وحديث سلمان الفارسي أخرجه أيضًا الترمذي (٧). وحديث عثمان الثاني أشار إليه الترمذي (٨). وحديث ابن عباس قال الترمذي (٩) بعد إخراجه: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن [زريق] (١٠). وحديث أبي أيوب أخرجه أيضًا النسائي (١١) والترمذي (١٢) وقال: حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن حبان (١٣) والحاكم (١٤)، ولفظ الحديث عن أبي داود (١٥) عن أسلم بن عمران قال: "غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو فقال الناس: مه مه لا إله إلا الله يلقي بيده إلى التهلكة؟ فقال أبو أيوب: إنما أنزلت هذه الآية فذكره".

стр. 6713

وفي الترمذي (١) فضالة بن عبيد بدل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. وحديث أنس سكت عنه أبو داود (٢) والمنذري (٣)، ورجال إسناده رجال الصحيح وصححه النسائي. والأحاديث في فضل الجهاد كثيرة جدًّا لا يتسع لبسطها إلا مؤلف مستقل (٤). قوله: (من جُرِحَ جُرْحًا) ظاهرُ هذا: أنه لا يختصُّ بالشهيد الذي يموت [من] (٥) تلك الجراحة، بل هو حاصلٌ لكل مَنْ جُرِح، ويحتمل أن يكون المراد بهذا الجرح: هو ما يموت صاحبه بسببه قبل اندماله لا ما يندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحة وسيلان الدم يزول ولا ينفي ذلك كونه له فضل في الجملة. قال في الفتح (٦): قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهد فضيلته ببذل نفسه في طاعة الله. قوله: (أو نُكِبَ نكبةً) بضم النون من نكب وكسر الكاف. قال في القاموس (٧): نكبَ عنه كنصر وفَرِحَ نَكْبًا ونَكَبًا ونكُوبًا: عدل، كنكَب وتنكِّب ونكَبهُ تنكيبًا: نَحَّاهُ لازمٌ مُتَعَد، وطريقٌ منكوب على غير قصدٍ، ونكَّبَه الطريقَ ونَكَّبَ به عنه: عدل، والنَّكْبُ: الطَّرْحُ، انتهى. وقال في الفتح (٨): النكبةُ: أن يصيب العضوَ شيءٌ فيدميه، انتهى. قوله: (لونها الزعفران) في حديث أبي هريرة عند الترمذي (٩) وغيره: "اللون لون الدم والريح ريح المسك".

стр. 6714

قوله: (رباطُ يوم في سبيل الله) بكسر الراء، وبعدها موحدةٌ، ثم طاءٌ مهملةٌ. قال في القاموس (١): المرابطة: أن يربط كلٌّ من الفريقين خيولَهم في ثغره وكلٌّ معدٌّ لصاحبه، فسُمِّيَ المقَامُ في الثغر رباطًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (٢)، انتهى. قوله: (وأمن الفتَّان) بفتح الفاء، وتشديد التاء الفوقية، وبعد الألف نون. قال في القاموس (٣): والفتَّان: اللصُّ، والشيطان، كالفاتن، والصانع، والفتَّانان: الدِّرهم والدِّينار، ومنكرٌ ونكيرٌ. قال في النهاية (٤): وبالفتح هو الشيطان لأنه يفتن الناس عن الدين، انتهى. والمراد هاهنا: الشيطان أو منكر ونكير. قوله: (حرس ليلة) هو مصدر حرس. والمراد هنا حراسة الجيش يتولاها واحد منهم فيكون له ذلك الأجر لما في ذلك من العناية بشأن المجاهدين والتعب في مصالح الدين، ولذلك قال في الحديث الآخر: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله". قوله: (فالإلقاءُ بأيدينا إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا … إلخ) هذا فرد من أفراد ما تصدق عليه الآية لأنها متضمنة للنهي لكل أحد عن كل ما يصدق عليه أنه من باب الإلقاء بالنفس إلى التهلكة والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كانت تلك الصورة التي قال الناس إنها من باب الإلقاء لما رأوا الرجل الذي حمل على العدوّ كما سلف من صور الإلقاء لغةً أو شرعًا فلا شك أنها داخلة تحت عموم الآية ولا يمنع من الدخول اعتراض أبي أيوب بالسبب الخاصّ.
следующие страницы →