← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6710–6749 · переход к 6715.

стр. 6710

لا تَمَسُّهُما النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله. وعَيْنٌ باتَتْ تَحْرُسُ في سَبيلِ الله" رَوَاهُ التِّرمذيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ) (١). [حسن لغيره] ١٣/ ٣٢٤٥ - (وعَنْ أبي أَيُّوبَ قالَ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هذِهِ الآيةُ فِينا مَعْشَرَ الأنْصارِ لَمَّا نَصَرَ الله نَبيَّهُ ﷺ وأَظْهَرَ الإسلَامَ، قُلْنَا: [هَلْ] (٢) نُقِيمُ في أَمْوَالِنَا ونُصْلِحُها؟

стр. 6711

فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) فالإِلقَاءُ بأيْدِينَا إلى التَّهْلُكَةِ أنْ نُقِيمَ في أمْوَالِنَا ونُصلِحَها ونَدَعَ الْجِهَادَ. رَوَاهُ أبُو داوُد) (٢). [صحيح] ١٤/ ٣٢٤٦ - (وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جاهِدُوا المُشْرِكِينَ بأمْوَالِكُمْ وَأيْدِيكُمْ وأَلْسِنَتِكُمْ". رَوَاهُ أحمدُ (٣) وأَبُو داوُدَ (٤) والنَّسائي) (٥). [صحيح] حديث معاذ أخرجه أيضًا ابن ماجه (٦)، وإسناد ابن ماجه والترمذي صحيح، وأما إسناد أبي داود ففيه بقية بن الوليد وهو متكلم فيه (٧)، ولفظه عند أبي داود (٨): "من قاتلَ في سبيلِ الله فواقَ ناقة فقد وجبت له الجنةُ، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقًا، ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد، ومن جُرح جرحًا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك، ومن خرج به خراج في سبيل الله فإن

стр. 6712

عليه طابع الشهداء" وذكر المصنف ﵀ أن الترمذي صحح حديث معاذ المذكور، ولم نجد ذلك في جامعه، وإنما صحح (١) حديث أبي هريرة بمعناه، ولكنه قد وافق المصنف على حكاية تصحيح الترمذي لحديث معاذ جماعة منهم المنذري في مختصر السنن (٢) والحافظ في الفتح (٣)، وصححه أيضًا ابن حبان (٤) والحاكم (٥). وحديث عثمان قال الترمذي (٦) بعد إخراجه: إنه حديث حسن صحيح غريب. وحديث سلمان الفارسي أخرجه أيضًا الترمذي (٧). وحديث عثمان الثاني أشار إليه الترمذي (٨). وحديث ابن عباس قال الترمذي (٩) بعد إخراجه: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن [زريق] (١٠). وحديث أبي أيوب أخرجه أيضًا النسائي (١١) والترمذي (١٢) وقال: حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن حبان (١٣) والحاكم (١٤)، ولفظ الحديث عن أبي داود (١٥) عن أسلم بن عمران قال: "غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو فقال الناس: مه مه لا إله إلا الله يلقي بيده إلى التهلكة؟ فقال أبو أيوب: إنما أنزلت هذه الآية فذكره".

стр. 6713

وفي الترمذي (١) فضالة بن عبيد بدل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. وحديث أنس سكت عنه أبو داود (٢) والمنذري (٣)، ورجال إسناده رجال الصحيح وصححه النسائي. والأحاديث في فضل الجهاد كثيرة جدًّا لا يتسع لبسطها إلا مؤلف مستقل (٤). قوله: (من جُرِحَ جُرْحًا) ظاهرُ هذا: أنه لا يختصُّ بالشهيد الذي يموت [من] (٥) تلك الجراحة، بل هو حاصلٌ لكل مَنْ جُرِح، ويحتمل أن يكون المراد بهذا الجرح: هو ما يموت صاحبه بسببه قبل اندماله لا ما يندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحة وسيلان الدم يزول ولا ينفي ذلك كونه له فضل في الجملة. قال في الفتح (٦): قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهد فضيلته ببذل نفسه في طاعة الله. قوله: (أو نُكِبَ نكبةً) بضم النون من نكب وكسر الكاف. قال في القاموس (٧): نكبَ عنه كنصر وفَرِحَ نَكْبًا ونَكَبًا ونكُوبًا: عدل، كنكَب وتنكِّب ونكَبهُ تنكيبًا: نَحَّاهُ لازمٌ مُتَعَد، وطريقٌ منكوب على غير قصدٍ، ونكَّبَه الطريقَ ونَكَّبَ به عنه: عدل، والنَّكْبُ: الطَّرْحُ، انتهى. وقال في الفتح (٨): النكبةُ: أن يصيب العضوَ شيءٌ فيدميه، انتهى. قوله: (لونها الزعفران) في حديث أبي هريرة عند الترمذي (٩) وغيره: "اللون لون الدم والريح ريح المسك".

стр. 6714

قوله: (رباطُ يوم في سبيل الله) بكسر الراء، وبعدها موحدةٌ، ثم طاءٌ مهملةٌ. قال في القاموس (١): المرابطة: أن يربط كلٌّ من الفريقين خيولَهم في ثغره وكلٌّ معدٌّ لصاحبه، فسُمِّيَ المقَامُ في الثغر رباطًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (٢)، انتهى. قوله: (وأمن الفتَّان) بفتح الفاء، وتشديد التاء الفوقية، وبعد الألف نون. قال في القاموس (٣): والفتَّان: اللصُّ، والشيطان، كالفاتن، والصانع، والفتَّانان: الدِّرهم والدِّينار، ومنكرٌ ونكيرٌ. قال في النهاية (٤): وبالفتح هو الشيطان لأنه يفتن الناس عن الدين، انتهى. والمراد هاهنا: الشيطان أو منكر ونكير. قوله: (حرس ليلة) هو مصدر حرس. والمراد هنا حراسة الجيش يتولاها واحد منهم فيكون له ذلك الأجر لما في ذلك من العناية بشأن المجاهدين والتعب في مصالح الدين، ولذلك قال في الحديث الآخر: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله". قوله: (فالإلقاءُ بأيدينا إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا … إلخ) هذا فرد من أفراد ما تصدق عليه الآية لأنها متضمنة للنهي لكل أحد عن كل ما يصدق عليه أنه من باب الإلقاء بالنفس إلى التهلكة والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كانت تلك الصورة التي قال الناس إنها من باب الإلقاء لما رأوا الرجل الذي حمل على العدوّ كما سلف من صور الإلقاء لغةً أو شرعًا فلا شك أنها داخلة تحت عموم الآية ولا يمنع من الدخول اعتراض أبي أيوب بالسبب الخاصّ.

стр. 6715

وقد تقرر في الأصول (١) رجحان قول من قال إن الاعتبار بعموم اللفظ، ولا حرج في اندراج التهلكة باعتبار الدين وباعتبار الدنيا تحت قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢)، ويكون ذلك من باب استعمال المشترك في جميع معانيه وهو أرجح الأقوال الستة المعروفة في الأصول في استعمال المشترك (٣). وفي البخاري في التفسير (٤) أن التهلكة هي ترك النفقة في سبيل الله. وذكر صاحب الفتح (٥) هنالك أقوالًا أخر فليراجع. وقد أخرج الحاكم (٦) من حديث أنس: "أن رجلًا قال: يا رسول الله أرأيت إن انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت أإلى الجنة؟ قال: نعم، فانغمس الرجل في صف المشركين فقاتل حتى قتل". وفي الصحيحين (٧) عن جابر قال: "قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات كنّ بيده ثم قاتل حتى قتل". وروى ابن إسحاق في المغازي (٨) عن عاصم بن عمر [بن] (٩) قتادة قال: "لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن الحارث: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال: أن يراه غمس يده في القتال يقاتل حاسرًا، فنزع درعه ثم [تقدم] (١٠) فقاتل حتى قتل".

стр. 6716

قوله: (جاهدوا المشركين … إلخ) فيه دليل: على وجوب المجاهدة للكفار بالأموال، والأيدي والألسن. وقد ثبت الأمر القرآنيُّ بالجهاد بالأنفس والأموال في مواضع، وظاهر الأمر الوجوب. وقد تقدم الكلام على ذلك، وسيأتي أيضًا. الباب الثاني بابُ أن الجهادَ فرضُ كفايةٍ وأنَّهُ شُرِعَ معَ كُلِّ بَرٍّ وفاجِر ١٥/ ٣٢٤٧ - (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١). ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ (٢) نَسَخَتْها الآيَةُ التِي تَليهَا ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣). رَواهُ أَبُو داوُد) (٤) [حسن] ١٦/ ٣٢٤٨ - (وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الجَعْدِ الْبَارِقيِّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ الأجْرُ والمَغْنَمُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ". مُتَّفقٌ عَليهِ (٥). [صحيح] ولأحمدَ (٦) ومُسلمٍ (٧) والنَّسائيِّ (٨) مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ مِثْلُهُ. [صحيح] وَفيهِ مُسْتَدَلٌّ بِعُمُومِهِ على الإِسْهَامِ لجَمِيعِ أَنْواعِ الخَيْلِ وَبمَفْهُومِهِ على عَدَمِ الإِسْهَامِ لِبَقِيَّةِ الدَّوَابِّ). ١٧/ ٣٢٤٩ - (وعَنْ أنَسٍ قالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : "ثلَاثٌ مِنْ أَصْلِ

стр. 6717

الإيْمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قالَ: لَا إِلهَ إِلَّا الله لَا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ وَلَا نُخْرِجُهُ مِنَ الإسلَامِ بِعَمَلٍ، والْجهَادُ ماضٍ مُذْ بَعَثَنِي الله إلى أنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أمَّتي الدَّجَّالَ لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جائرٍ، وَلَا عَدْلُ عادِلٍ، وَالإيمانُ بالأقْدَارِ". رَواهُ أبُو داوُدَ (١)، وَحكاهُ أَحمدُ في روايَةِ ابْنِهِ عَبدِ الله). [ضعيف] حديث ابن عباس سكت عنه أبو داود (٢) والمنذري (٣) وإسناده ثقات إلا عليّ [بن الحسين] (٤) بن واقد وفيه مقال وهو صدوقٌ (٥)، وبوب عليه أبو داود (٦) باب في نسخ نفير العامة بالخاصة. وحسنه الحافظ في الفتح (٧). وأخرج أبو داود (٨) عن ابن عباس أنه سأله نجدة بن نفيع عن هذه الآية: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٩) قال: فأمسك عنه المطر وكان عذابهم. ونَجْدَة بن نُفَيْع الحنفيُّ مجهول كما [قاله] (١٠) صاحب الخلاصة (١١). وحديث أنس سكت عنه أبو داود (١٢) والمنذري (١٣) وفي إسناده يزيد بن أبي نشبة وهو مجهول.

стр. 6718

وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور (١) وفيه ضعف، وله شواهد. قوله: (نسختها [الآية] (٢) التي تليها: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾) (٣) قال الطبري (٤): يجوز أن يكون: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥) خاصًّا، والمراد به من استنفره النبي ﷺ فامتنع. قال الحافظ (٦): والذي يظهر أنها مخصوصة وليست بمنسوخة، وقد وافق ابن عباس على دعوى النسخ عكرمة والحسن البصري كما روى ذلك الطبري (٧) عنهما، وزعم بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ (٨) ناسخةً لقوله [تعالى] (٩): ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (١٠) وثُباتٍ جمع ثبة ومعناه [جماعات] (١١) متفرقة. ويؤيده قوله تعالى بعده: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ (٨). قال الحافظ (١٢): والتحقيق: أنه لا نسخ بل المرجع في الآيتين، يعني هذه وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾ (٥) مع قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٣) إلى تعيين الإمام وإلى الحاجة. قوله: (الخيل معقود … إلخ) المراد بها المتخذة للغزو؛ بأن يقاتل عليها أو تُرْتَبط لأجل ذلك، وقد روى أحمد (١٣) من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعًا: "الخيل في نواصيها الخير معقود أبدًا إلى يوم القيامة فمن ربطها عدة في

стр. 6719

سبيل الله، وأنفق عليها احتسابًا كان شبعها وجوعها وريُّها وظمؤها وأرواثها وأبوالها فلاحًا في موازينه يوم القيامة". قوله: (الأجر والمغنم) بدل من قوله: "الخير" أو: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الأجر؟ والمغنم. ووقع عند مسلم (١) من رواية جرير: "فقالوا: لم ذاك يا رسول الله؟ قال: "الأجر والمغنم"". قال الطيبي (٢): يحتمل أن يكون الخير الذي فسر بالأجر، والمغنم: استعارة لظهوره وملازمته، وخصَّ الناصية لرفعة قدرها، فكأنه شبهه لظهوره بشيءٍ محسوسٍ معقودٍ على ما كان مرتفعًا، فنسب الخير إلى لازم المشبه به، وذكرُ الناصية تجريدٌ للاستعارة. والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة، قاله الخطابي (٣) وغيره. قالوا: ويحتمل أن يكون كنى بالناصية عن جميع ذات الفرس كما يقال: فلان مبارك الناصية، [ويبعده] (٤) ما رواه مسلم (٥) من حديث جرير قال: "رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرسه بأصبعه ويقول … " فذكر الحديث. فيحتمل أن تكون خصت بذلك لكونها المقدم منها إشارة إلى أن الفضل في الإِقدام بها على العدو دون المؤخر لما فيه من الإشارة إلى الإدبار. قول: (والجهاد ماضٍ … إلخ) فيه دليل: على أن الجهاد لا يزال ما في أم الإسلام والمسلمون إلى ظهور الدجال. وأخرج أبو داود (٦) وأبو يعلى (٧) مرفوعًا وموقوفًا من حديث أبي هريرة:

стр. 6720

"الجهاد ماضي مع البر والفاجر"، ولا بأس بإسناده إلا أنه من رواية مكحول عن أبي هريرة ولم يسمع منه. وأخرج أبو داود (١) من حديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال". قوله: (لا يُبطله جور جائر ولا عدل عادل) فيه دليل: على أنه لا فرق في حصول فضيلة الجهاد بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل، أو الجائر. وقد استدل المصنف بما ذكره في الباب: على أن الجهاد فرض كفاية. وقد تقدم الكلام على ذلك في أول الكتاب. وقد حكى في البحر (٢) عن العترة، والشافعية (٣) [والحنفية] (٤) أنه فرض كفاية، وعن ابن المسيب (٥) أنه فرض عين. وعن قوم (٦) فرض عين في زمن الصحابة. الباب الثالث باب ما جاء في إخلاص النية في الجهاد وأخذ الأجرة عليه والإعانة ١٨/ ٣٢٥٠ - (عَنْ أَبي مُوسى قالَ: سُئلَ رسُولُ الله ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شجَاعَة وَيقاتِلُ حَمِيَّةً وَيقَاتِلُ رِياءً، فأيُّ ذلِكَ في سَبيلِ الله؟ فقالَ: "مَنْ قاتَلَ لِتكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُليَا فهوُ في سَبيلِ الله"، رَوَاهُ الجمَاعةُ) (٧). [صحيح]

стр. 6721

١٩/ ٣٢٥١ - (وعَنْ عَبدِ الله بن عَمْرٍو قالَ: سَمعْتُ رسُول الله ﷺ يقُولُ: "ما مِنْ غازِيةٍ تَغْزُو في سَبيلِ الله فَيُصِيبُونَ غَنِيمَةً إلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِم في الآخِرَةِ وَيبقى لهُمْ الثُّلثُ، وإنْ لمْ يُصِيبُوا غَنيمَةً تمَّ لهُمْ أَجْرهُمْ". رواهُ الجَماعةُ إلَّا البُخاريّ والتِّرْمذيَّ) (١). [صحيح] ٢٠/ ٣٢٥٢ - (وعَنْ أَبي أُمَامةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأجْرَ وَالذِّكْرَ ما لَهُ؟ فقالَ رسُول الله ﷺ : "لَا شيء لَهُ" فأعادَها ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رسُولُ الله ﷺ : "لَا شيْء لَهُ"، ثمَّ قالَ: "إنَّ الله لَا يقْبَلُ مِنَ الْعَمل إلَّا ما كانَ لَهُ خالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ". رَوَاهُ أَحمدُ (٢) والنسائيُّ) (٣). [صحيح لغيره] حديث أبي أمامة جود الحافظ إسناده في فتح الباري (٤). وقد أخرج أبو موسى المديني في الصحابة (٥) عن لاحق بن ضميرة الباهلي

стр. 6722

قال: وفدت على النبي ﷺ فسألته عن الرجل يلتمس الأجر والذكر، فقال: "لا شيء له" وفي إسناده ضعف. وأخرج أبو داود (١) من حديث أبي هريرة: "أن رجلًا قال للنبي ﷺ : رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضًا من عرض الدنيا، فقال النبي ﷺ : "لا أجر له"، فأعاد ذلك مرة أخرى ثم ثالثة والنبي ﷺ يقول: "لا أجر له". قوله: (يقاتل شجاعة) في رواية للبخاري (٢) في الجهاد: "والرجل يقاتل للذكر"، أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة. قوله: (ويقاتل رياء) في رواية للبخاري (٣): "والرجل يقاتل ليرى مكانه"، ومرجعه إلى الرياء، والمراد بالمقاتلة لأجل الحمية أن يقاتل لمن يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب. ويحتمل أن تفسر الحمية بالقتال لدفع المضرة، والقتال غضبًا لجلب المنفعة. وفي رواية للبخاري (٤): "والرجل يقاتل للمغنم"، وفي أخرى له (٥): "والرجل يقاتل غضبًا". والحاصل من الروايات أنَّ القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب، وكلٌّ منها يتناوله المدح والذم، ولهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي. قوله: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، المراد بكلمة الله: دعوة الله إلى الإسلام. ويحتمل أن يكون المراد به أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببًا من الأسباب المذكورة أخل به.

стр. 6723

وصرح الطبري (١) بأنه لا يخل إذا حصل ضمنًا لا أصلًا ومقصودًا، وبه قال الجمهور كما حكاه صاحب الفتح (٢)، ولكنه يعكر على هذا ما في حديث أبي أمامة المذكور (٣) من أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، ويمكن أن يحمل على قصد الأمرين معًا على حد واحد فلا يخالف ما قاله الجمهور. فالحاصل أنه إما أن يقصد الشيئين معًا، أو يقصد أحدهما فقط، أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمنًا، والمحذور: أن يقصد غير الإعلاء؛ سواء حصل الإعلاء ضمنًا أو لم يحصل، ودونه أن يقصدهما معًا فإنه محذورٌ على ما دلَّ عليه حديث أبي أمامة (٣) والمطلوب أن يقصد الإعلاء فقط سواء حصل غير الإعلاء ضمنًا أو لم يحصل. قال ابن أبي جمرة (٤) ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما ينضاف إليه وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه. وأما حديث عبد الله بن عمرو المذكور (٥) فليس فيه ما يدلّ على جواز قصد غير الغزو في سبيل الله؛ لأن الغنيمة إنما حصلت بعد أن كان الغزو في سبيل الله ولم يكن مقصوده في الابتداء، ولهذا قال في أول الحديث: "ما من غازية تغزو في سبيل الله … " إلخ. قال في الفتح (٦): والحاصل مما ذكر: أن القتال منشؤه القوَّة العقلية، والقوّة الغضبية، والقوة الشهوانية؛ ولا يكون في سبيل الله إلا الأول. وقال ابن بطال (٧): إنما عدل النبيّ ﷺ عن لفظ جواب السائل لأن الغضب والحمية قد يكونان لله، فعدل النبيّ ﷺ عن ذلك إلى لفظ جامع، فأفاد رفع

стр. 6724

الالتباس وزيادة الإفهام وفيه بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة، وأن الفضل الذي ورد في المجاهدين يختصّ بمن ذكر. ٢١/ ٣٢٥٣ - (وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضى يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْهِ رَجَلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَمَا عمِلْت فيها؟ قالَ: قَاتَلْتُ فيكَ حتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قالَ: كَذبتَ [ولكِنْ] (١) قاتَلْتَ [أَنْ] (٢) يُقالَ: جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِه فَسُحِبَ على وَجْهِهِ حَتى يُلْقَى في النَّار؛ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلمهُ، وقَرَأَ الْقُرآنَ، فَأُتِيَ بِه فَعَرفَهُ نِعمهُ فَعَرَفَها، فَقالَ: ما عَمِلْتَ فِيها؟ قالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ القُرْآنَ، قالَ: كَذَبْتَ، وَلكِنَّكَ تَعَلمتَ العِلْمَ ليقالَ: عالمٌ، وَقَرَأت الْقُرآنَ لِيُقالَ: هُوَ قارئ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أمِرَ بِه فسُحِب على وَجْهِه، حتى ألْقي في النَّار، ورَجلٌ وَسَعَ الله عَليه وأَعْطاهُ مِنْ أَصْنافِ المالِ كُلِّهِ، فأتِي بِه فَعَرَّفَه نِعَمهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَمَا عَمِلْتَ فيها؟ قالَ: ما تَرَكْتُ مِنْ سَبيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيها إلَّا أَنْفَقْتُ فيهَا لَكَ، قالَ: كذَبْتَ، وَلكِنَّكَ فَعَلْتَ ليُقالَ: هُوَ جَواد فقدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِه فَسُحِبَ على وَجْهِهِ فألْقي في النَّار" رَوَاهُ أَحمدُ (٣) ومُسلمٌ) (٤). [صحيح] ٢٢/ ٣٢٥٤ - (وعَنْ أَبي أَيَّوبَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "سَتُفْتَحُ عَليْكُمُ الأمصارُ، وَسَتَكُونونَ جُنودًا مجَنَّدَةً يُقْطَعُ عليْكُمْ بُعُوث فَيكْرَهُ الرَّجُلُ مِنْكُمُ الْبَعْثَ فِيها فَيتَخلَّصُ مِنْ قوْمِهِ، ثمَّ يَتصَفَّحُ الْقَبَائِلَ يَعْرضُ نَفْسَهُ عَليْهِمْ يقُولُ: مَنْ أكْفِيهِ بَعْثَ كَذَا، مَنْ أَكْفِيهِ بَعْثَ كَذَا، ألا وذَلكَ الأجِيرُ إلى آخرِ قطْرَة مِنْ دَمِهِ". رواهُ أَحمدُ (٥) وأبُو دَاوُودَ) (٦). [ضعيف]

стр. 6725

٢٣/ ٣٢٥٥ - (وعَنْ عَبدِ الله بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "لِلْغَازِي أَجْرُهُ، وَللْجاعلِ أجْرُهُ وأَجْرُ الْغازِي". رَوَاهُ أبُو دَاوُد) (١). [صحيح] ٢٤/ ٣٢٥٦ - (وعَنْ زيدِ بْنِ خالِدٍ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنْ جَهَّز غَازِيًا في سَبيلِ الله فَقَدْ غَزا، ومَنْ خَلفَهُ في أَهْلِهِ بخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا". مُتَّفقٌ عَليهِ) (٢). [صحيح] حديث أبي أيوب سكت عنه أبو داود (٣) والمنذري (٤)، وفي إسناده أبو سَورة ابن أخي أبي أيوب [وفيه ضعف] (٥). وكذلك حديث عبد الله بن عمرو سكتا عنه، ورجال إسناده ثقات. قوله: (إن أول الناس … إلخ) لفظ الترمذي (٦): أوّل ما يدعى به يوم القيامة رجلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله تعالى للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلتُ على رسولي؟ فيقول: بلى يا ربِّ، قال: فما عملت فيما علمت؟ فيقول: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت؛ إنما أردت أن يقال: فلان

стр. 6726

قارئٌ. وقد قيل ذلك، وذكر نحو ذلك في الذي قتل في سبيل الله، والذي له مالٌ كثير. قوله: (نِعمه) بكسر النون وفتح العين المهملة جمع نعمة بسكون العين. وهذا الحديث فيه دليل: على أن فعل الطاعات العظيمة مع سوء النية من أعظم الوبال على فاعله، فإن الذي أوجب سحبه في النار على وجهه هو فعل تلك الطاعة المصحوبة بتلك النية الفاسدة، وكفى بهذا رادعًا لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. اللهمَّ إنا نسألك صلاح النية وخلوص الطوية. وقد أخرج مُسلمٌ (١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك [فيه معي] (٢) غيري تركته وشركه". وأخرج الترمذي (٣) عن كعب بن مالك قال: سمعت [رسول الله] (٤) يقول: "من طلب العلم ليجاري به العلماء ويماري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار". وأخرج الترمذي (٥) أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تعوذوا بالله من جبّ الحزن" قالوا: يا رسول الله، وما جبّ الحزن؟ قال: "وادٍ في جهنم تتعوّذ منه جهنم كلَّ يومٍ مائة مرَّةٍ"، قيل: يا رسول الله ومن يدخله؟ قال: "القرّاء المراءون بأعمالهم".

стр. 6727

وأخرج الترمذي (١) أيضًا عن أبي هريرة وابن عمر قالا: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر الزمان رجالٌ يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضَّان، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: أبي تغترّون أم عليَّ تجترئون، فبي حلفتُ: لأبعثنَّ على أولئك منهم فتنة [تذر] (٢) الحليم فيهم حيران". وأخرج الشيخان (٣) عن أبي وائل قال: سمعت أسامة يقول: قال النبيّ ﷺ : "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فتجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه". وأخرج الحاكم (٤) من حديث معاذ يرفعه قال: "إن يسير الرياء شرك". قال الحاكم (٥): هذا حديث صحيح الإسناد ولا يحفظ له علة. وأخرج ابن حبان في صحيحه (٦) والحاكم (٧) وصححه من حديث عائشة مرفوعًا: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل".

стр. 6728

وفي الباب عن أبي سعيد رواه أحمد (١). وعن أبي موسى (٢)، وأبي بكر (٣)، وحذيفة (٤)، ومعقل بن يسار (٥)، رواها الهيثمي (٦). وأخرج أحمد (٧) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "من سمع بعلمه سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره".

стр. 6729

قوله: (بعوث) (١) جمع بعث: وهو طائفة من الجيش يبعثون في الغزو كالسرية، وفيه دليل على أنه يحرم على الرجل أن يمتنع من الخروج إلى الغزو مع قومه ثم يذهب يعرض نفسه على غير قومه ممن طلبوا إلى الغزو ليكون عوضًا عن أحدهم بالأجرة، فإن من فعل ذلك كان خروجه للدنيا لا للدين، ولهذا قال ﷺ : "فهو الأجير إلى آخر قطرة من دمه"، أي: لا يكون في سبيل الله من دمه شيء، بل في سبيل ما أخذه من الأجرة. قوله: (وللجاعل أجره وأجر الغازي) فيه دليل: على أنه لا يستحقُّ أجر الغزو من خرج بالأجرة بل يكون أجره للمستأجر وهو الذي أعطاه الجعالة، أي: ما جعله له من الأجرة ويكون ذلك أي أجر المجعول [له] (٢) منضمًا إلى أجر الجاعل إذا كان غازيًا، وإن لم يكن غازيًا فله أجر الذي دفعه من الأجرة وأجر المجعول له. قوله: (من جهز غازيًا) أي هيأ له أسباب سفره وما يحتاج إليه مما لا بد منه. قوله: (فقد غزا) قال ابن حبان (٣): معناه أنَّه مثله في الأجر، وإن لم يغز حقيقة. ثم أخرج الحديث (٤) من وجهٍ آخر بلفظ: "كتب له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجره شيءٌ"، وأخرج ابن ماجه (٥)، وابن حبان (٦) أيضًا من حديث [ابن

стр. 6730

عمر] (١) بلفظ: "من جهَّز غازيًا حتى يستقلَّ كان له مثل أجره حتى يموت، أو يرجع"، وأمَّا ما أخرجه مُسلم (٢) من حديث أبي سعيدٍ: "أن رسولَ الله ﷺ بعث بعثًا. وقال: "ليخرج من كل رجلين رجلٌ والأجر بينهما""، وفي رواية له (٣): "ثم قال للقاعد: أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخيرٍ كان له مثل نصف أجر الخارج"، ففيه إشارة: إلى أن الغازي إذا جهز نفسه وقام بكفاية من يخلفه بعده كان له الأجر مرتين. وقال القرطبي (٤): لفظة نصف يحتمل أن تكون مقحمة من بعض الرواة (٥). وقد احتجَّ بهذا من ذهب إلى أن المراد بالأحاديث التي وردت بمثل ثواب الفعل حصول أصل الأجر له بغير تضعيف، وأنَّ التضعيف يختص بمن باشر العمل. قال: ولا حجة له في هذا الحديث لوجهين: (أحدهما): أنَّه لا يتناول محل النزاع لأن المطلوب إنما هو أن الدال على الخير مثلًا هل له مثل أجر فاعله مع التضعيف أو بغير تضعيف. والحديث المذكور إنما يقتضي المشاركة والمشاطرة فافترقا. (ثانيهما): ما تقدم من احتمال كون لفظة نصف زائدة قال الحافظ (٦): لا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي

стр. 6731

يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير، فإنَّ الثَّواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر فلا تعارض بين الحديثين. وأما من وعد بمثل ثواب العمل وإن لم يعمله إذا كانت له فيه دلالةٌ، أو مشاركة أو نيَّة صالحة فليس على إطلاقه في عدم التضعيف لكلّ أحد، وصرف الخبر عن ظاهره يحتاج إلى مستندٍ. وكأن مستند القائل: أن العامل يباشر المشقة بنفسه بخلاف الدَّالِّ ونحوه، لكن من يجهز الغازي بماله مثلًا، وكذا من يخلفه فيمن ترك بعده يباشر شيئًا من المشقة أيضًا، فإنَّ الغازي لا يتأتى منه الغزو إلا بعد أن يكفى ذلك العمل فصار كأنه يباشر معه الغزو بخلاف من اقتصر على النية مثلًا، انتهى. قوله: (ومن خلفه في أهله بخير) بفتح الخاء المعجمة واللام الخفيفة أي قام بحال من يتركه. الباب الرابع باب استئذانِ الأبوينِ في الجهاد ٢٥/ ٣٢٥٧ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: سألْتُ رَسُولَ الله ﷺ : أَيُّ العمَلِ أَحَبُّ إلى الله؟ قالَ: "الصَّلَاةُ على وقْتهَا"، قلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ"، قلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: "الجِهَادُ في سبيلِ الله" حَدَّثَنِي بِهنَّ، وَلَوِ استَزَدْتُهُ لزَادَنِي. متَّفَقٌ عَليهِ) (١) [صحيح] ٢٦/ ٣٢٥٨ - (عَنْ عَبدِ الله بْنِ عمْرٍو قالَ: جاءَ رجُلٌ إلى النَّبِيّ ﷺ فاستْأذَنَهُ في الْجِهَادِ، فقالَ: "أَحيّ وَالداكَ؟ "، قالَ: نَعَمْ، قالَ: "ففِيهِما فجَاهِدْ". رواهُ البُخارِيُّ (٢) والنَّسائيُّ (٣) وأبُو داوُدَ (٤) والترْمذيُّ وصحَّحهُ) (٥). [صحيح]

стр. 6732

٢٧/ ٣٢٥٩ - (وفي روايةٍ: أتى رجُلٌ فقالَ: يا رسول الله إنِّي جِئتُ أرِيدُ الجِهادَ مَعَكَ، ولَقَدْ أتَيْتُ وَإنَّ وَالِدَيَّ يَبْكِيانِ، قالَ: "فارْجِعْ إلَيْهمَا فاضحكهُمَا كما أبْكَيْتَهُما". رواهُ أحمدُ (١) وَأبُو داوُدَ (٢) وابْنُ ماجهْ) (٣) [صحيح] ٢٨/ ٣٢٦٠ - (وعنْ أبي سعيدٍ أنَّ رجُلًا هاجَرَ إلى النَّبِيّ ﷺ مِنَ الْيَمَن، فقالَ: "هَلْ لكَ أحَدٌ بالْيَمَنِ؟ "، فقالَ: أبَوايَ، فقالَ: "أَذِنا لكَ"؟ فقالَ: لَا، قالَ: "ارْجعْ إليْهِمَا [فاسْتأذِنْهُما] (٤) فإنْ أَذِنا لكَ فَجَاهِدْ وإلَّا فَبرَّهُما". رَوَاهُ أبُو داود) (٥). [صحيح لغيره] ٢٩/ ٣٢٦١ - (وعَنْ مُعَاوَيةَ بْنِ جاهِمَةَ السُّلمِيِّ أن جَاهِمَةَ أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رسُولَ الله أردْت الْغَزْوَ وَجِئْتُكَ أسْتَشيرُكَ، فقالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ أمّ؟ "، قالَ: نَعَم، فقال: "الْزَمْها فإن الجَنَّةَ عِندَ رجلَيْها". رواهُ أحمدُ (٦) والنَّسائيُّ) (٧). [صحيح] وهذا كُلُّهُ إن لمْ يتعيَّنْ عَليهِ الجهادُ، فإذَا تعَيّن فَتْركُهُ معْصيَة، ولَا طَاعَةَ لمَخْلوقٍ في معْصِيَة الله .

стр. 6733

الرواية الثانية من حديث. عبد الله بن عمرو أخرجها أيضًا النسائي (١) وابن حبان (٢)، وأخرجها أيضًا مسلم (٣) وسعيد بن منصور (٤) من وجه آخر في نحو هذه القصة. قال: "ارجع إلى والدتك فأحسن صحبتها". وحديث أبي سعيد صححه ابن حبان (٥). وحديث معاوية بن جاهمة أخرجه أيضًا البيهقي (٦) من طريق ابن جريج عن محمد بن طلحة بن ركانة عن معاوية. وقد اختلف في إسناده على محمد بن طلحة اختلافًا كثيرًا، ورجال إسناد النسائي ثقات إلا محمد بن طلحة وهو صدوق يخطئ. قول: (أي العمل أحب إلى الله؟) في رواية للبخاري (٧) وغيره (٨): "أي العمل أفضل؟ "، وظاهره أن الصلاة أحب الأعمال وأفضلها. قال في الفتح (٩): وحاصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث ونحوه مما اختلف فيه الأجوبة بأنَّه أفضل الأعمال: أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين بأن أعلم كلَّ قومٍ بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبةٌ، أو بما هو لائقٌ بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات؟ بأنْ يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في أول الإسلام أفضلُ الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها.

стр. 6734

وقد تضافرت النصوص: على أن الصلاة أفضل من الصدقة. ومع ذلك ففي وقت مواساة الفقراء المضطرين تكون الصدقة أفضل، أو: أن أفضل ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق، أو المراد: من أفضل الأعمال؛ فحذفت (مِن) وهي مرادةٌ. وقال ابن دقيق العيد (١): الأعمال في هذا الحديث محمولةٌ على البدنية، وأريد بذلك الاحتراز عن الإيمان لأنه من أعمال القلوب، فلا تعارض بينه وبين حديث أبي هريرة (٢): "أفضل الأعمال إيمان بالله"، الحديث. وقال غيره: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين لأنه يتوقف على إذن الوالدين فيكون برهما [مقدمًا] (٣) عليه. قوله: (الصلاة على وقتها) قال ابن بطال (٤): فيه أن البدار إلى الصلاة في أول الوقت أفضل من التراخي فيها لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب. قال الحافظ (٥): وفي أخذ ذلك من اللفظ المذكور نظر. قال ابن دقيق العيد (٦): ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أولًا ولا آخرًا، وكأنَّ المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء. وتعقب: بأن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ أحب يقتضي المشاركة في الاستحباب فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت. وأجيب بأن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله من غيرها من الأعمال فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج عن وقتها من معذور كالنائم والناسي، فإن

стр. 6735

إخراجهما لها [عن] (١) وقتها لا يوصف بالتحريم ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوبًا لكن إيقاعها في الوقت أحب. وقد روى الحديث الدارقطني (٢) والحاكم (٣) والبيهقي (٤) بلفظ: "الصلاة في أول وقتها"، وهذا اللفظ: مما تفرد به علي بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم. قال الدارقطني: ما أحسبه حفظه لأنه كبر وتغير حفظه. قال الحافظ (٥): ورواهُ الحسين المعمريُّ في "اليوم والليلة" (٦) عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة كذلك. قال الدارقطنيُّ: تفرَّد به المعمريُّ، فقد رواهُ أصحاب أبي موسى عنه بلفظ: "على وقتها"، ثم أخرجه الدارقطنيُّ عن المحامليِّ، عن أبي موسى كراوية الجماعة، وكذا رواهُ أصحاب غندر عنه، والظَّاهر أن المعمريَّ وهم فيه؛ لأنَّه كان يُحِّدث من حفظه. وقد أطلق النووي في شرح المهذب (٧) أن رواية: "في أول وقتها" ضعيفة. وتعقبه الحافظ (٨) بأن لها طريقًا أخرى أخرجها ابن خزيمة في صحيحه (٩)، والحاكم (١٠)، وغيرهما (١١) من طريق عثمان بن عمر، عن مالك بن مغولٍ، عن

стр. 6736

الوليد، وتفرد عثمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مغول كرواية الجماعة، وكأن من رواها كذلك ظن أن المعنى واحدٌ، ويمكن أن يكون أخذه من لفظة على؛ لأنها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فتعين أوله، والظاهر: أن على بمعنى اللام، أي: لوقتها. قال القرطبي (١) وغيره: إنَّ اللام في (لوقتها) للاستقبال مثل ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢)؛ أي مستقبلات عدتهن. وقيل: للابتداء كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٣)، وقيل: بمعنى في، أي: في وقتها. وقيل: إنها لإرادة الاستعلاء على الوقت، وفائدته تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه. قوله: (ثم أيُّ:) (٤) قيل: الصواب أنه غيرُ منونٍ؛ لأنه موقوف عليه في الكلام، والسائلُ ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه، ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه، ثم يؤتى بما بعده. قال الفاكهاني (٥): وحكى ابن الجوزي، وابن الخشَّاب الجزم بتنوينه لأنه معربٌ غير مضاف. وتعقب (٦) بأنه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوفٌ لفظًا، والتقدير: ثم أيُّ العمل أحبُّ فوقف عليه بلا تنوين.

стр. 6737

قوله: (برُّ الوالدين) كذا للأكثر، وللمستملي: ثم برُّ الوالدين بزيادة ثم. وفي الحديث فضل تعظيم الوالدين وأن أعمال البدن يفضل بعضها على بعض. وفيه فوائد غير ذلك. قوله: (ففيهما فجاهد) أي: خصصهما بجهاد النفس في رضاهما. قال في الفتح (١): ويستفاد منه: جواز التعبير عن الشيء بضدِّه إذا فُهِم المعنى، لأنَّ صيغة الأمر في قوله: فجاهد، ظاهرها: إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما بهما، وليس ذلك مرادًا قطعًا، وإنما المراد: إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد، وهو تعبُ البدن [وبذل] (٢) المال. ويؤخذ منه: أن كل شيءٍ يتعب النفس يسمى جهادًا. اهـ. ولا يخفى أن كون المفهوم من تلك الصيغة إيصال الضرر بالأبوين إنما يصحُّ قبل دخول لفظ: "في" عليها. وأما بعد دخولها كما هو الواقع في الحديث: فليس ذلك المعنى هو المفهوم منها، فإنه لا يقال: جاهد في الكفار بمعنى: جاهدهم، كما يقال: جاهد في الله، فالجهاد الذي يراد منه: إيصال الضرر لمن وقعت المجاهدة له هو: جاهده، لا جاهد فيه وله. وفي الحديث دليل: على أن بر الوالدين قد يكون أفضلَ من الجهاد. قوله: (فإن أذنا لك فجاهد) فيه دليل: على أنه يجب استئذان الأبوين في الجهاد، وبذلك قال الجمهور (٣)، وجزموا بتحريم الجهاد إذا منع منه الأبوان أو أحدهما، لأنَّ برَّهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيَّن الجهاد فلا إذن. ويشهد له ما أخرجه ابن حبان (٤) من حديث عبد الله بن عمرو قال: "جاء

стр. 6738

رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فسأله عن أفضل الأعمال؟ قال: الصلاة، قال: ثم مه؟ قال: الجهاد، قال: فإن لي والدين، فقال: آمرك بوالديك خيرًا، فقال: والذي بعثك نبيًا لأجاهدن ولأتركنهما، قال: فأنت أعلم". وهو محمول على جهاد فرض العين توفيقًا بين الحديثين. وهذا بشرط أن يكون الأبوان مسلمين؛ وهل يُلحَق بهما الجد والجدَّة؟ الأصح عند الشافعية (١) ذلك، وظاهره عدم الفرق بين الأحرار والعبيد. قال في الفتح (٢): واستدل بالحديث على تحريم السفر بغير إذنهما؛ لأن الجهاد إذا منع منه مع فضيلته فالسفر المباح أولى، نعم إن كان سفره لتعلم فرض عين حيث يتعين السفر طريقًا إليه فلا منع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف. [الباب الخامس] بابُ لا يُجاهِدُ مَنْ عليهِ دَيْنٌ إلَّا بِرِضَا غَرِيمه ٣٠/ ٣٢٦٢ - (عَنْ أبي قَتادَةَ عَنْ رسُولِ الله ﷺ : أنَّهُ قامَ فِيهمْ فذكَرَ لَهُمْ أن الجِهَادَ في سَبيلِ الله وَالإيمانَ بالله أفْضَلُ الأعْمالِ، فقامَ رَجلٌ فقَالَ: يا رَسُولَ الله أرأيْتَ إِنْ قُتِلْتُ في سَبيلِ الله يُكَفَّرُ عَنِّي خَطايايَ؟، فَقالَ لَهُ رسُولُ الله ﷺ : "نعْمْ إنْ قُتلْتَ في سَبيلِ الله وأنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِل غيْرُ مُدْبِرٍ"، ثمَّ قالَ رسُولُ الله ﷺ : "كَيْفَ قلْتَ؟ "، قالَ: أرَأيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سَبيلِ الله تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "نَعَمْ وأنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إلَّا الدَّيْنَ، فإنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قالَ لِي ذلِكَ". رواهُ أحمدُ (٣) ومُسْلِمٌ (٤) والنسائيّ (٥) والترمذيُّ وصَحَّحَهُ (٦). [صحيح]

стр. 6739

وَأحمدَ (١) والنَّسائي (٢) مِنْ حدِيثِ أبي هُريْرة مِثْلُهُ). [صحيح] ٣١/ ٣٢٦٣ - (وعَنْ عَبدِ الله بْنِ عمْرٍو أن رسُولَ الله ﷺ قالَ: "يَغْفِرُ الله لِلشَّهيدِ كُلَّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ فإنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قالَ لِي ذلِكَ". رَواهُ أحْمَدُ (٣) ومُسلِمٌ) (٤) [صحيح] ٣٢/ ٣٢٦٤ - (وعنْ أَنَسٍ قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : "الْقَتْلُ في سَبيلِ الله

стр. 6740

يُكَفِّرُ كلَّ خَطيئَةٍ"، فقالَ جِبْرِيلُ: إلَّا الدَّيْنَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إلا الدَّيْنَ". رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ (١). [صحيح] حديث أبي هريرة: رجال إسناده في سنن النسائي ثقاتٌ. وقد أشار إليه الترمذي (٢) فقال بعد إخراجه لحديث أبي قتادة. وفي الباب عن أنس (٣)، ومحمد بن جحش (٤)، وأبي هريرة (٥). اهـ. قولى: (أفضل الأعمال) فيه دليل: على أنَّ الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل من غيرهما من أعمال الخير، وهو يعارض في الظاهر ما تقدم في الباب الأول، ويتوجه الجمع بما سلف. قوله: (نعم) فيه دليل: على أن الجهاد بشرط أن يكون في سبيل الله مع الاحتساب وعدم الانهزام من مكفرات جميع الذنوب والخطايا، فيكون الشهيد بالشهادة مستحقًا للمغفرة العامة إلا ما كان من الديون اللازمة للآدميين؛ فإنَّها لا تغفر للشهيد، ولا تسقط عنه بمجرَّد الشهادة، وذلك لكونه حقًّا لآدميّ، وسقوطه إنما يكون برضاه واختياره، ولهذا امتنع ﷺ من الصلاة على من عليه دين كما تقدم في الضمانة. ويلحق بالدين ما كان حقًّا لآدمي من دم أو عرض بجامع أن كل واحد حق لآدمي يتوقف سقوطه على إسقاطه. قوله: (فإنَّ جبريل قال لي ذلك)، لعلَّ الجواب منه ﷺ بقوله نعم من غير استثناء كان بالاجتهاد، ثم لما أخبره جبريل بما أخبر استعاد النبي ﷺ من السائل

стр. 6741

سؤاله، ثم أخبره: بأن استثناء الدَّين ليس هو من جهته، وإنما هو بأمر الله له بذلك. وقد استدلَّ بأحاديث الباب: على أنَّه لا يجوز لمن عليه دين أن يخرج إلى الجهاد إلا بإذن من له الدَّين؛ لأنه حقٌّ لآدميٍّ، والجهاد حق لله تعالى، وينبغي أن يلحق بذلك سائر حقوق الآدميين، كما تقدم لعدم الفرق بين حقّ وحقّ. ووجه الاستدلال بأحاديث الباب على عدم جواز خروج المديون إلى الجهاد بغير إذن غريمه: أن الدَّين يمنع من فائدة الشهادة وهي المغفرة العامة، وذلك يبطل ثمرة الجهاد. وقد أشار صاحب البحر (١) إلى مثل ذلك، فقال: ومن عليه دَين حالّ لم يخرج إلا بإذن الغريم لقوله ﷺ : "نعم إلا الدَّين" الخبر، فإذا منع الشهادة بطلت ثمرة الجهاد. اهـ. ولا يخفى أن بقاء الدين في ذمة الشهيد لا يمنع من الشهادة، بل هو شهيد مغفور له كل ذنب إلا الدين، وغفران ذنب واحد يصح جعله ثمرة للجهاد فكيف بمغفرة جميع الذنوب إلا واحدًا منها، فالقول بأن ثمرة الشهادة مغفرة جميع الذنوب ممنوع، كما أن القول بأن عدم غفران ذنب واحد يمنع من الشهادة ويبطل ثمرة الجهاد ممنوع أيضًا. وغاية ما اشتملت عليه أحاديث الباب هو أن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه إلا ذنب الدين، وذلك لا يستلزم عدم جواز الخروج إلى الجهاد إلا بإذن من له الدين، بل إن أحب المجاهد أن يكون جهاده سببًا لمغفرة كل ذنب استأذن صاحب الدين في الخروج، وإن رضي بأن يبقى عليه ذنب واحد منها جاز له الخروج بدون استئذان وهذا إذا كان الدين حالًّا. وأمَّا إذا كان مؤجلًا ففي ذلك وجهان: قال الإمام يحيى (٢): أصحُّهما يعتبر الإذن أيضًا إذ الدين مانعٌ للشهادة.

стр. 6742

وقيل: لا كالخروج للتجارة، قال في البحر (١): ويصح الرجوع عن الإذن قبل التحام القتال، إذ الحقّ له لا بعده لما فيه من الوهن. [الباب السادس] باب ما جاء في الاستعانة بالمشركين ٣٣/ ٣٢٦٥ - (عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ؛ فلمَّا كانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أدْركَهُ رجُلٌ قَدْ كانَ يُذْكَرُ منْهُ جُرْأَةٌ ونجْدَةٌ، فَفَرِحَ بِهِ أصحَابُ رسُولِ الله ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فلمَّا أدْرَكَهُ قالَ: جئْتُ لأتَّبِعَك فأُصيبَ مَعَكَ، قالَ لهُ رسُولُ الله ﷺ : "تُؤمُنُ بالله ورسولِه؟ "، قالَ: لا، قالَ: "فارْجِع فلْنْ أسْتَعِينَ بمُشركٍ"، قالتْ: ثمَّ مَضى حتَّى إذَا كانَ بالشجَرةِ أدْركَهُ الرَّجُلُ، فقالَ لهُ كَمَا قالَ أوّلَ مَرَّةٍ، فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ كما قالَ أوّلَ مَرَّةٍ، فقالَ: لَا، قالَ: "فَارْجِعْ فلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ"، قالَ: ثُمَّ رَجَعَ فأدْرَكَهُ بالْبَيْدَاءِ فقالَ لهُ كما قال أوَّلَ مَرَّةٍ: "تُؤمِنُ بالله ورَسولِهِ؟ " قالَ: نَعَمْ، فقالَ لهُ: "فانْطَلِقْ". رواهُ أحمدُ (٢) ومُسلِمٌ) (٣). [صحيح] ٣٤/ ٣٢٦٦ - (وعَنْ خُبَيْب بْنِ عَبدِ الرَّحمنِ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدَّهِ قالَ: أتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ يُريدُ غَزْوًا أنا ورجُلٌ مِنْ قَوْمِي وَلمْ نُسْلِمْ، فُقْلنا: إنَّا نَسْتَحِي أنْ [يَشْهَدَ] (٤) قَوْمُنَا مَشْهَدًا لَا نَشْهَدُهُ مَعَهُمْ، فقالَ: "أسْلَمْتما؟ ")، فقُلْنا: لَا، فقالَ: "إنَّا لَا نَسْتعِينُ بالمُشْرِكِينَ على المُشْرِكينَ"، فأسْلَمْنَا وَشهِدْنا مَعهُ. رَوَاهُ أحمْدُ) (٥). [إسناده ضعيف … ]

стр. 6743

٣٥/ ٣٢٦٧ - (وعَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لَا تَسْتَضيئُوا بِنَارِ المُشْرِكينَ وَلَا تَنْقُشُوا على خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيًّا". رواهُ أحمدُ (١) والنَّسائيُّ) (٢) [ضعيف] ٣٦/ ٣٢٦٨ - (وعَنْ ذِي مَخْبَرٍ قالَ: سمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا وتَغْزُونَ أنْتُمْ وهُمْ عَدُوًّا مِنْ ورائكُمْ". رَواهُ أحمدُ (٣) وأبُو دَاوُد) (٤). [صحيح] ٣٧/ ٣٢٦٩ - (وعَنِ الزُّهْريِّ أن النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعانَ بِنَاسٍ مِنَ الْيهُودِ في خيْبَرَ في حَرْبِهِ فأسْهمَ لهُمْ. رواه أبو داوُد في مَرَاسيلِهِ) (٥). [إسناده صحيح إلى الزهري]

стр. 6744

حديث خبيب بن عبد الرحمن أخرجه الشافعي (١) والبيهقي (٢). وأورده الحافظ في التلخيص (٣) وسكت عنه. وقال في مجمع الزوائد (٤): أخرجه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات. وحديث أنس في إسناده عند النسائي (٥) أزهر بن راشد (٦) وهو ضعيف وبقية رجال إسناده ثقات. وحديث ذي مخبر أخرجه أيضًا ابن ماجه (٧) وسكت عنه أبو داود (٨) والمنذري (٩)، ورجال إسناد أبي داود رجال الصحيح. وحديث الزهري أخرجه أيضًا الترمذي (١٠) مرسلًا، والزهري مراسيله ضعيفة. ورواه الشافعي (١١) فقال: أخبرنا يوسف، حدثنا حسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: "استعان النبي ﷺ فذكر مثله، وقال: ولم يسهم لهم". قال البيهقي (١٢): لم أجده إلا من طريق الحسن بن عمارة وهو ضعيف. والصحيح ما أخبرنا الحافظ أبو عبد الله فساق بسنده إلى أبي حميد

стр. 6745

الساعدي (١) قال: "خرج رسول الله ﷺ حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة، قال: من هؤلاء؟ قالوا: بنو قينقاع رهط عبد الله بن سلام، [قال] (٢): أو تُسلموا؟ قالوا: لا، فأمرهم أن يرجعوا. وقال: إنا لا نستعين بالمشركين، فأسلموا". وحديث عائشة (٣) فيه دليل: على أنها لا تجوز الاستعانة بالكافر، وكذلك حديث خبيب بن عبد الرحمن (٤)، ويعارضهما في الظاهر حديث ذي مخبر (٥)، وحديث الزهري (٦) المذكوران. وقد جمع بأوجه، منها: ما ذكره البيهقي (٧) عن نص الشافعي: أن النبي ﷺ تفرس الرغبة في الذين ردَّهم فردَّهم رجاء أن يسلموا، فصدَّق الله ظنه". وفيه نظر لأن قوله: "لا أستعين بمشرك" نكرة في سياق النفي (٨) تفيد العموم. ومنها: أن الأمر في ذلك إلى رأي الإمام، وفيه النظر المذكور بعينه. ومنها: أن الاستعانة كانت ممنوعةً، ثم رُخِّص فيها، قال الحافظ في التلخيص (٩): وهذا أقربها، وعليه نصّ الشافعيِّ، وإلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين ذهب جماعة من العلماء، وهو مروي عن الشافعي (١٠).

стр. 6746

وحكى في البحر (١) عن العترة، وأبي حنيفة، وأصحابه، إنها تجوز الاستعانة بالكفار والفساق حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه. واستدلوا باستعانته ﷺ بناس من اليهود كما تقدم (٢)، وباستعانته ﷺ بصفوان بن أمية يوم حنين، وبإخباره ﷺ بأنها ستقع من المسلمين مصالحة الروم، ويغزون جميعًا عدوًا من وراء المسلمين. قال في البحر (٣): وتجوز الاستعانة بالمنافق إجماعًا لاستعانته ﷺ بابن أُبيّ وأصحابه. وتجوز الاستعانة بالفساق على الكفار إجماعًا وعلى البغاة عندنا، لاستعانة علي ﵇ بالأشعث، انتهى. وقد روي عن الشافعي (٤) المنع من الاستعانة بالكفار على المسلمين؛ لأن في ذلك جعل سبيل للكافر على المسلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٥)، وأجيب بأن السبيل وهو اليد وهي للإمام الذي استعان بالكافر، وشرط بعض أهل العلم ومنهم الهادوبة أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق إلا حيث مع الإمام جماعة من المسلمين يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية على الذين استعان بهم ليكونوا مغلوبين لا غالبين كما كان عبد الله بن أبيّ ومن معه من المنافقين يخرجون مع النبي ﷺ للقتال وهم كذلك. ومما يدل على جواز الاستعانة بالمشركين: "أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله ﷺ يوم أحد، وهو مشركٌ، فقتل ثلاثةً من بني عبد الدار حملة لواء المشركين، حتى قال ﷺ : "إنَّ الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر" كما ثبت ذلك عند أهل السير (٦).

стр. 6747

وخرجت خزاعة مع النبي ﷺ على قريش عام الفتح. والحاصل: أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركًا مطلقًا لما في قوله ﷺ : "إنا لا نستعين بالمشركين" من العموم، وكذلك قوله: "أنا لا أستعين بمشركٍ"، ولا يصلح مرسل الزهري (١) لمعارضة ذلك لما تقدم من أن مراسيل الزهري ضعيفة، والمسند فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف. ويؤيد هذا قوله [تعالى] (٢): ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٣). وقد أخرج الشيخان (٤) عن البراء قال: "جاء رجلٌ مقنَّعٌ بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: "أسلم ثم قاتل"، فأسلم، ثم قاتل فقتل، فقال ﷺ : "عمل قليلًا، وأجر كثيرًا". وأما استعانته ﷺ بابن أبيّ: فليس ذلك إلا لإظهاره الإسلام.

стр. 6748

وأما مقاتلة قزمان مع المسلمين: فلم يثبت أنه ﷺ أذن له بذلك في ابتداء الأمر، وغاية ما فيه: أنه يجوز للإمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين. قوله: (بحرَّة الوَبِرَةِ) الحرَّة - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء -، والوبرة - بفتح الواو والباء الموحدة، بعدها راءٌ، وبسكون الموحَّدة - أيضًا: موضعٌ على أربعة أميالٍ من المدينة (١). قوله: (بالشجرة) اسم موضع (٢)، وكذلك البيداء. قوله: (ولا تنقشوا على خواتيمكم عربيًا) - بفتح العين المهملة، والراء وبعدها موحدة -. قال في القاموس (٣) في مادة عرب: "ولا تنقشوا على خواتيمكم عربيًا"، أي: لا تنقشوا محمد رسول الله؛ كأنه قال: نبيًا عربيًا، يعني: نفسه ﷺ ، انتهى. نهى ﷺ أن ينقشوا على خواتيمهم مثل ما كان ينقش على خاتمه، وهو: محمد رسول الله (٤) لأنه كان علامة له في ذلك الوقت يختم به كتبه. [الباب السابع] بابٌ من جاءَ في مشاورةِ الإمام الجيشَ ونُصْحِهِ لهم وَرِفْقِهِ بهم وأخذِهِهم بما عليهم ٣٨/ ٣٢٧٠ - (عَنْ أنَسٍ أن النَّبِيّ ﷺ شاورَ حِينَ بَلَغَهُ إقْبالُ أبي سُفْيَانَ، فَتَكَلَّم أبُو بَكْرٍ فأعْرَضَ عَنْهُ، ثمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فأعْرَضَ عَنهُ، فَقامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ فقالَ: إيَّانا تُرِيدُ يا رَسُولَ الله، وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَوْ أمَرْتَنا أنْ نُخيضَهَا الْبَحْرَ لأخَضْنَاهَا، وَلوْ أمَرْتَنا أن نَضربَ أكْبادَها إلى بِرَكِ الْغِماد لَفَعلْنا، قالَ: فَنَدَبَ

стр. 6749

رسُولُ الله ﷺ النَّاس فانْطَلَقُوا. رَوَاهُ أحمدُ (١) ومُسْلمٌ) (٢). [صحيح] ٣٩/ ٣٢٧١ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: ما رأيْتُ أحدًا قَطُّ كانَ أكْثَرَ مَشُورَةً لأصْحابِهِ مِنْ رسُولِ الله ﷺ ، رواهُ أحمدُ (٣) والشَّافِعيُّ) (٤). [مرسل] قوله: (حين بلغه إقبال أبي سفيان) هذا الأمر كان في غزوة بدر، وقد اقتصر المصنف ههنا على أول. الحديث لكونه محلَّ الحاجة. وتمامه: فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا [ووردت] (٥) عليهم روايا قريش، وفيهم غلامٌ أسود لبني الحجاج، فكان أصحابُ رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه، فيقول [لهم] (٦): ما لي علمٌ بأبي سفيان، ولكنْ هذا أبو جهلٍ، وعتبة، وشيبة وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال ذلك ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف فقال: والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتتركونه إذا كذبكم، ثم قال: هذا مصرع فلان ويضع يده على الأرض ههنا وههنا، قال: فوالله ما ماط أحد منهم عن موضعه (٧). قوله: (أن نخيضها) أي: الخيل وهو - بالخاء المعجمة بعدها مثناة تحتية ثم ضاد معجمة -. قال في القاموس (٨): خاض الماء يخوضه خوضًا وخياضًا: دخله كخوضه واختاضه، وبالفرس أورده كأخاضه. اهـ.
следующие страницы →