← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6745–6784 · переход к 6750.

стр. 6745

الساعدي (١) قال: "خرج رسول الله ﷺ حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة، قال: من هؤلاء؟ قالوا: بنو قينقاع رهط عبد الله بن سلام، [قال] (٢): أو تُسلموا؟ قالوا: لا، فأمرهم أن يرجعوا. وقال: إنا لا نستعين بالمشركين، فأسلموا". وحديث عائشة (٣) فيه دليل: على أنها لا تجوز الاستعانة بالكافر، وكذلك حديث خبيب بن عبد الرحمن (٤)، ويعارضهما في الظاهر حديث ذي مخبر (٥)، وحديث الزهري (٦) المذكوران. وقد جمع بأوجه، منها: ما ذكره البيهقي (٧) عن نص الشافعي: أن النبي ﷺ تفرس الرغبة في الذين ردَّهم فردَّهم رجاء أن يسلموا، فصدَّق الله ظنه". وفيه نظر لأن قوله: "لا أستعين بمشرك" نكرة في سياق النفي (٨) تفيد العموم. ومنها: أن الأمر في ذلك إلى رأي الإمام، وفيه النظر المذكور بعينه. ومنها: أن الاستعانة كانت ممنوعةً، ثم رُخِّص فيها، قال الحافظ في التلخيص (٩): وهذا أقربها، وعليه نصّ الشافعيِّ، وإلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين ذهب جماعة من العلماء، وهو مروي عن الشافعي (١٠).

стр. 6746

وحكى في البحر (١) عن العترة، وأبي حنيفة، وأصحابه، إنها تجوز الاستعانة بالكفار والفساق حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه. واستدلوا باستعانته ﷺ بناس من اليهود كما تقدم (٢)، وباستعانته ﷺ بصفوان بن أمية يوم حنين، وبإخباره ﷺ بأنها ستقع من المسلمين مصالحة الروم، ويغزون جميعًا عدوًا من وراء المسلمين. قال في البحر (٣): وتجوز الاستعانة بالمنافق إجماعًا لاستعانته ﷺ بابن أُبيّ وأصحابه. وتجوز الاستعانة بالفساق على الكفار إجماعًا وعلى البغاة عندنا، لاستعانة علي ﵇ بالأشعث، انتهى. وقد روي عن الشافعي (٤) المنع من الاستعانة بالكفار على المسلمين؛ لأن في ذلك جعل سبيل للكافر على المسلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٥)، وأجيب بأن السبيل وهو اليد وهي للإمام الذي استعان بالكافر، وشرط بعض أهل العلم ومنهم الهادوبة أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق إلا حيث مع الإمام جماعة من المسلمين يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية على الذين استعان بهم ليكونوا مغلوبين لا غالبين كما كان عبد الله بن أبيّ ومن معه من المنافقين يخرجون مع النبي ﷺ للقتال وهم كذلك. ومما يدل على جواز الاستعانة بالمشركين: "أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله ﷺ يوم أحد، وهو مشركٌ، فقتل ثلاثةً من بني عبد الدار حملة لواء المشركين، حتى قال ﷺ : "إنَّ الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر" كما ثبت ذلك عند أهل السير (٦).

стр. 6747

وخرجت خزاعة مع النبي ﷺ على قريش عام الفتح. والحاصل: أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركًا مطلقًا لما في قوله ﷺ : "إنا لا نستعين بالمشركين" من العموم، وكذلك قوله: "أنا لا أستعين بمشركٍ"، ولا يصلح مرسل الزهري (١) لمعارضة ذلك لما تقدم من أن مراسيل الزهري ضعيفة، والمسند فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف. ويؤيد هذا قوله [تعالى] (٢): ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٣). وقد أخرج الشيخان (٤) عن البراء قال: "جاء رجلٌ مقنَّعٌ بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: "أسلم ثم قاتل"، فأسلم، ثم قاتل فقتل، فقال ﷺ : "عمل قليلًا، وأجر كثيرًا". وأما استعانته ﷺ بابن أبيّ: فليس ذلك إلا لإظهاره الإسلام.

стр. 6748

وأما مقاتلة قزمان مع المسلمين: فلم يثبت أنه ﷺ أذن له بذلك في ابتداء الأمر، وغاية ما فيه: أنه يجوز للإمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين. قوله: (بحرَّة الوَبِرَةِ) الحرَّة - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء -، والوبرة - بفتح الواو والباء الموحدة، بعدها راءٌ، وبسكون الموحَّدة - أيضًا: موضعٌ على أربعة أميالٍ من المدينة (١). قوله: (بالشجرة) اسم موضع (٢)، وكذلك البيداء. قوله: (ولا تنقشوا على خواتيمكم عربيًا) - بفتح العين المهملة، والراء وبعدها موحدة -. قال في القاموس (٣) في مادة عرب: "ولا تنقشوا على خواتيمكم عربيًا"، أي: لا تنقشوا محمد رسول الله؛ كأنه قال: نبيًا عربيًا، يعني: نفسه ﷺ ، انتهى. نهى ﷺ أن ينقشوا على خواتيمهم مثل ما كان ينقش على خاتمه، وهو: محمد رسول الله (٤) لأنه كان علامة له في ذلك الوقت يختم به كتبه. [الباب السابع] بابٌ من جاءَ في مشاورةِ الإمام الجيشَ ونُصْحِهِ لهم وَرِفْقِهِ بهم وأخذِهِهم بما عليهم ٣٨/ ٣٢٧٠ - (عَنْ أنَسٍ أن النَّبِيّ ﷺ شاورَ حِينَ بَلَغَهُ إقْبالُ أبي سُفْيَانَ، فَتَكَلَّم أبُو بَكْرٍ فأعْرَضَ عَنْهُ، ثمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فأعْرَضَ عَنهُ، فَقامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ فقالَ: إيَّانا تُرِيدُ يا رَسُولَ الله، وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَوْ أمَرْتَنا أنْ نُخيضَهَا الْبَحْرَ لأخَضْنَاهَا، وَلوْ أمَرْتَنا أن نَضربَ أكْبادَها إلى بِرَكِ الْغِماد لَفَعلْنا، قالَ: فَنَدَبَ

стр. 6749

رسُولُ الله ﷺ النَّاس فانْطَلَقُوا. رَوَاهُ أحمدُ (١) ومُسْلمٌ) (٢). [صحيح] ٣٩/ ٣٢٧١ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: ما رأيْتُ أحدًا قَطُّ كانَ أكْثَرَ مَشُورَةً لأصْحابِهِ مِنْ رسُولِ الله ﷺ ، رواهُ أحمدُ (٣) والشَّافِعيُّ) (٤). [مرسل] قوله: (حين بلغه إقبال أبي سفيان) هذا الأمر كان في غزوة بدر، وقد اقتصر المصنف ههنا على أول. الحديث لكونه محلَّ الحاجة. وتمامه: فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا [ووردت] (٥) عليهم روايا قريش، وفيهم غلامٌ أسود لبني الحجاج، فكان أصحابُ رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه، فيقول [لهم] (٦): ما لي علمٌ بأبي سفيان، ولكنْ هذا أبو جهلٍ، وعتبة، وشيبة وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال ذلك ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف فقال: والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتتركونه إذا كذبكم، ثم قال: هذا مصرع فلان ويضع يده على الأرض ههنا وههنا، قال: فوالله ما ماط أحد منهم عن موضعه (٧). قوله: (أن نخيضها) أي: الخيل وهو - بالخاء المعجمة بعدها مثناة تحتية ثم ضاد معجمة -. قال في القاموس (٨): خاض الماء يخوضه خوضًا وخياضًا: دخله كخوضه واختاضه، وبالفرس أورده كأخاضه. اهـ.

стр. 6750

قوله: (بِرَك) (١) - بكسر الباء الموحدة وفتحها مع سكون الراء -، والغماد بغين معجمة مثلثة كما في القاموس (٢)، وهو موضع في ساحل البحر بينه وبين جدّة عشرة أميال: وهو البندر القديم. وحكى صاحب القاموس (٣) عن ابن عُلَيم في "الباهر" أنه أقصى معمور الأرض. قوله: (ما رأيت أحدًا قطُّ … إلخ) فيه دليل: على أنه يشرع للإمام أن يستكثر من استشارة أصحابه الموثوق بهم دينًا وعقلًا. وقد ذهبت الهادوية (٤) إلى وجوب استشارة الإمام لأهل الفضل، واستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٥). وقيل: إن الأمر في الآية للندب إيناسًا لهم وتطييبًا لخواطرهم. وأجيب بأن ذلك نوع من التعظيم وهو واجب، والاستدلال بالآية على الوجوب إنما يتم بعد تسليم أنها غير خاصة برسول الله ﷺ ، أو بعد تسليم أن الخطاب الخاص به يعم الأمة أو الأئمة، وذلك مختلف فيه عند أهل الأصول (٦). ٤٠/ ٣٢٧٢ - (وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "ما مِنْ عَبْدٍ يَسْترْعِيهِ الله رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهْوَ غاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ الله عَليْهِ

стр. 6751

الجنَّةَ". مُتَّفَقٌ عَليْهِ (١). [صحيح] وَفي لَفْظٍ: "ما مِنْ أمِيرٍ يَلي أمُورَ المُسْلِمينَ، ثمَّ لا يجْتَهِدُ لَهُمْ وَلا يَنْصَحُ لهُمْ إلَّا لمْ يَدْخُلِ الجنَّةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٢). [صحيح] ٤١/ ٣٢٧٣ - (وَعَنْ عائشةَ قالَتْ: سَمعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ مَنْ وَليَ مِنْ أمْرِ أمَّتي شَيْئًا فَشقَّ عليْهِم فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَليَ مِنْ أمْرِ أمَّتي شَيْئًا فَرَفَقَ بهِمْ فارْفُقْ بهِ". رواهُ أحمدُ (٣) ومسلمٌ) (٤). [صحيح] ٤٢/ ٣٢٧٤ - (وعنْ جابرٍ قالَ: كانَ رسولُ الله ﷺ يَتَخَلَّفُ في المَسِيرِ فَيُزْجِي الضَّعِيفَ وُيرْدِفُ وَيدْعُو لهُمْ. رَواهُ أبُو داوُدَ) (٥). ٤٣/ ٣٢٧٥ - (وعنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: غَزَوْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ كَذَا وَكَذَا، فَضيَّقَ النَّاسُ الطَّرِيقَ، فَبَعَثَ رسُولُ الله ﷺ مُنادِيًا فَنادَى: مَنْ ضَيَّق مَنزِلًا، أوْ قَطَعَ طَرِيقًا فَلا جِهادَ لَهُ. رَواهُ أحمدُ (٦) وَأبُو داوُدَ) (٧) [حسن]

стр. 6752

حديث جابر سكت عنه أبو داود (١) والمنذري (٢)، ورجال إسناده رجال الصحيح إلا الحسن بن شَوْكَر، وقد قيل: إن البخاري روى له كما ذكره صاحب التقريب (٣). وحديث سهل بن معاذ في إسناده إسماعيل بن عياش، وفيه مقال قد تقدم، وسهل بن معاذ ضعيف كما قال المنذري (٤). قوله: (إلا حرَّم الله عليه الجنة)، في روايةٍ للبخاري (٥): "لم يجد رائحة الجنة"، زاد الطبراني (٦): "وعَرْفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًا". وأصل هذا الحديث أن عبيد الله بن زياد لما أفرط في سفك الدِّماء، وكان معقل بن يسار حينئذٍ مريضًا مرضه الذي مات فيه فأتى عُبيدُ الله يعوده، فقال له معقل: إني محدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ … فذكره. وفي مسلم (٧): أنَّه لما حدثه بذلك قال: "ألا كنت حدثتني قبل هذا اليوم؟ قال: لم أكن لأحدثك قبل سبب ذلك"، والمراد بهذا السبب هو ما كان يقع منه من سفك الدماء.

стр. 6753

ووقع في رواية الإسماعيليِّ (١) من الوجه الذي أخرجه مُسلمٌ: "لولا أني ميتٌ ما حدثتك". فكأنه كان يخشى بطشه، فلما نزل به الموت؛ أراد أن يكفَّ بعض شرِّه عن المسلمين. وأخرج الطبراني في الكبير (٢) عن الحسن قال: "قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرًا؛ أمَّره علينا معاوية غلامًا سفيهًا، يسفك الدماء سفكًا شديدًا، وفينا عبد الله بن معقل المزني، فدخل عليه ذات يومٍ فقال له: انته عما أراك تصنع، فقال له: وما أنت وذاك؟ قال: ثم خرج إلى المسجد فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟ فقال: إنَّه كان عندي علم فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس، ثم قام فما لبث أن مرض مرضه الذي توفي فيه، فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فذكر نحو حديث الباب. فيحتمل أن تكون القصة وقعت للصحابيين. قوله: (ما من أميرٍ) في رواية للبخاري (٣): "ما من والٍ يلي رعية من المسلمين". قوله: (ثم لا يجتهد) في رواية أبي المليح (٤): "ثم لا يجد له" بجيم ودال مشددة من الجِدِّ بالكسر ضد الهزل.

стр. 6754

قوله: (يلي) قال ابن التين (١): يلي: جاء على غير القياس لأنَّ ماضيه ولي بالكسر، فمستقبله يولي بالفتح، وهو مثل ورث، يرث. قال ابن بطال (٢): هذا وعيد شديدٌ على أئمة الجور، فمن ضيَّع من استرعاه الله، أو خانهم، أو ظلمهم؛ فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يقدر على التحلُّل من ظلم أمةٍ عظيمة؟ ومعنى: حرَّم الله عليه الجنة: أي أنفذ عليه الوعيد ولم يُرض عنه المظلومين. ونقل ابن التين عن الداودي (١) نحوه. قال: ويحتمل أن يكون هذا في حق الكافر لأن المؤمن لا بد له من نصيحة. قال الحافظ (٣): وهو احتمال بعيد جدًّا، والتعليل مردودٌ، والكافر أيضًا قد يكون ناصحًا فيما تولاه، ولا يمنعه ذلك الكفر، انتهى. ويمكن أن يجاب عن هذا؛ بأنَّ النُّصح من الكافر لا حكم له لعدم كونه مثابًا عليه. والأولى في الجواب أن يقال: إن الواقع في الحديث نكرة في سياق النفي [وهي] (٤) تعم الكافر، والمسلم؛ فلا يقبل التخصيص إلا بدليل. وقال بعضهم: يحمل على المستحل. قال الحافظ (٥): والأولى: أنَّه محمولٌ على غير المستحلِّ، وإنما أريد به الزجر والتغليظ. قال: وقد وقع في رواية لمسلم (٦) بلفظ: "لم يدخل معهم الجنة"، وهو يؤيد أن المراد أنه لا يدخل الجنة في وقت دون وقت، انتهى. ويجاب: بأنَّ الحمل على الزجر والتغليظ خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلا لدليل. ورواية مُسلمٍ لا تدلُّ على أنَّ عدم الدخول في بعض الأوقات لأنَّ النفي فيها مطلقٌ، وغاية ما فيه: أنَّه غير مؤكد، كما في النفي بلن. قال الطيبي (٧): إنَّ قوله: (وهو غاشٍ) قيد للفعل، مقصودٌ بالذكر، يريد:

стр. 6755

أن الله تعالى إنما ولاه على عباده ليديم لهم النصيحة، لا ليغشَّهم حتى يموت على ذلك، فمن قلب القضية استحقَّ أن يعاقب. قولى: (فيزجي الضعيف) - بضم التحتية وسكون الزاي بعدها جيم -. قال في القاموس (١): زجاه: ساقه ودفعه كزجاه وأزجاه. قوله: (ويردِفُ) قال في القاموس (٢): الردف بالكسر: الراكبُ خلفَ الراكبِ، انتهى. والمراد أنه ﷺ كان يردِفُ خلفه من ليس له راحلة إذا كان يضعف عن المشي، وهذا من حسن خُلُقه الذي وصفه الله تعالى به وذكر عظمه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣)، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). قوله: (فلا جهاد له) فيه أنه لا يجوز لأحد تضييق الطريق التي يمر بها الناس، ونفي جهاد من فعل ذلك على طريق المبالغة في الزجر والتنفير، وكذلك لا يجوز تضييق المنازل التي ينزل فيها المجاهدون لما في ذلك من الإضرار بهم. [الباب الثامن] بابُ لزومِ طاعةِ الجيش لأميرهم ما لم يأمر بمعصيةٍ ٤٤/ ٣٢٧٦ - (عَنْ مُعاذِ بْنِ جبَلٍ عَنْ رسُولِ الله ﷺ قالَ: "الغَزْوُ غَزْوَانِ: فأمَّا من ابْتَغَى وَجْهَ الله، وَأَطَاعَ الامَامَ، وَأَنْفَقَ الْكَرِيمةَ، وَياسَرَ الشَّريكَ، وَاجتَنَبَ الْفسَادَ، فإنَّ نَوْمَهُ وَنَبْهَهُ أَجْرُ كلّهُ؛ وَأمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَسُمْعةً وعَصَى الإمامَ، وأَفْسدَ في الأرْضِ فإنَّهُ لَنْ يَرْجِعَ بالْكَفافِ". رَوَاهُ أَحمدُ (٥) وَأَبُو دَاودَ (٦) وَالنَّسائي) (٧) [حسن]

стр. 6756

٤٥/ ٣٢٧٧ - (وعَنْ أبِي هُرَيرَة أَنّ النَّبِيَّ ﷺ : "قالَ مَنْ أَطَاعَني فَقدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَاني فقد عَصَى الله، ومَنْ يُطعِ الأمِيرَ فقدْ أَطاعني، ومَنْ يَعص الأمِيرَ فَقدْ عَصاني". متَّفق عَليهِ) (١). [صحيح] ٤٦/ ٣٢٧٨ - (وعنِ ابْنِ عبَّاسٍ في قوْلِهِ تعَالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢). قالَ: نَزَلتْ في عَبدِ الله بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قيْسٍ بن غَدِيّ، بَعَثَهُ رسُولُ الله ﷺ في سَرِيَّةٍ. رَوَاهُ أَحمدُ (٣) والنَّسائِيُّ) (٤). [صحيح] ٤٧/ ٣٢٧٩ - (وعَنْ عليٍّ قالَ: بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ سَرِيَّة واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رجُلًا مِنَ الأنْصَارِ وأَمَرَهُمْ أنْ يَسْمَعُوا لهُ ويُطِيعُوا فَعَصَوْهُ في شيءٍ، قالَ: اجْمَعُوا لِي حَطبًا فجَمعُوا، ثمَّ قالَ: أَوْقِدُوا نارًا فَأَوْقَدُوا، ثمَّ قالَ: أَلمْ يأمُرْكُمْ رسُولُ الله ﷺ أَنْ تَسْمَعُوا وتُطِيعُوا؟ قالُوا: بَلَى، قالَ: فادْخُلُوهَا، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ وقالُوا: إنَّمَا فرَرْنا إلى رسُولِ الله ﷺ مِنَ النَّارِ، فكانُوا كَذلِكَ حتّى سَكَنَ غَضبُهُ وطُفِئَتِ النَّارُ، فلمَّا رَجَعُوا ذكَرُوا ذلِكَ لرسُولِ الله ﷺ ، فقالَ: "لوْ دَخَلُوهَا لَمْ يَخْرُجُوا مِنْها أَبدًا"، وقالَ: "لَا طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ الله، إنَّما الطَّاعةُ في المَعْرُوفِ". متّفَّقٌ عَليهِ) (٥). [صحيح]

стр. 6757

حديث معاذ في إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال. قال في التقريب (١): صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وقد صرح بالتحديث في سند هذا الحديث عن [بُجَيْرٍ] (٢). وحديث ابن عباس أخرجه أبو داود (٣). قال المنذري في مختصر السنن (٤): وأخرجه البخاري (٥) ومسلم (٦) والترمذي (٧) والنسائي (٨). قوله: (وأنفق الكريمة) هي الفَرَس التي يُغزى عليها. قال في القاموس (٩): والكريمان: الحج والجهاد، ومنه: "خير الناس مؤمن بين كريمين" (١٠)، أو معناه بين فرسين يغزو عليهما، أو بعيرين يستقي عليهما. اهـ.

стр. 6758

ويحتمل أن يكون المراد: إنفاق الخصلة الكريمة عند المنفق المحبوبة إليه من غير تعيين. قوله: (وياسر الشريك) أي: سامحه، وعامله باليسر ولم يعاسره. قوله: (ونبهه) بفتح النون، وسكون الموحدة، أي: انتباهه في سبيل الله. قوله: (فلن يرجع بالكفاف) (١) أي: لم يرجع لا عليه؛ ولا له من ثواب تلك الغزوة وعقابها، بل: يرجع وقد لزمه الإثم؛ لأنَّ الطاعات إذا لم تقع بصلاح سريرةٍ انقلبت معاصي، والعاصي آثم. قوله: (من أطاعني فقد أطاع الله … إلخ)، هذا الحديث فيه دليل على أن طاعة من كان أميرًا طاعة له ﷺ ، وطاعته طاعة لله وعصيانه عصيان له، وعصيانه عصيان لله. وقد قدَّمنا من الأدلة الدَّالة على وجوب طاعة الأئمة، والأمراء في باب الصَّبر على جور الأئمة من آخر كتاب الحدود ما فيه كفايةٌ، فليرجع إليه (٢). وقد نص القرآن على ذلك فقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) وهي نازلة في طاعة الأمراء كما في رواية ابن عباس المذكورة في الباب (٤). وقد قيل: إن أولي الأمر هم العلماء، كما وقع في الكشاف (٥) وغيره من

стр. 6759

كتب التفسير (١). قوله: (رجلًا من الأنصار) روى أحمد (٢) وابن ماجه (٣) وصححه ابن خزيمة وابن حبان (٤) والحاكم (٥) من حديث أبي سعيد أن الرجل المذكور هو علقمة بن مُجَزِّز، وكذا ذكر ابن إسحاق. وقيل: إنه عبد الله بن حذافة السهمي وكان من أصحاب بدر وكانت فيه دعابة. ويجمع بينهما بأن كل واحد منهما كان أميرًا على بعض من تلك السرية. ويدل على ذلك حديث أبي سعيد الذي أشرنا إليه، ولفظه: "بعث رسول الله ﷺ علقمة بن مجزز على بعث أنا فيهم، حتى إذا انتهينا إلى رأس غزاتنا إذ كنا ببعض الطريق إذ بطائفة من الجيش وأمّر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي وكان من أصحاب بدر وكان فيه دعابة" الحديث. وقد بوّب البخاري (٦) على هذا الحديث فقال: باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي وعلقمة بن مجزز المدلجي. قوله: (فأوقدوا نارًا … إلخ) قيل: إنه لم يقصد دخولهم النار حقيقة، وإنما أشار بذلك إلى أن طاعة الأمير واجبة، ومن ترك الواجب دخل النار فإذا شق عليكم دخول هذه النار فكيف بالنار الكبرى، وكان قصده أنه لو رأى منهم الجد في ولوجها لمنعهم. قوله: (لو دخلوها لم يخرجوا منها) قال الداوودي (٧): يريد تلك النار لأنهم يموتون بتحريقها فلا يخرجون منها أحياء.

стр. 6760

قال: وليس المراد بالنار نار جهنم ولا أنهم يخلدون فيها؛ لأنه قد ثبت في حديث الشفاعة أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان. قال: وهذا من المعاريض التي فيها مندوحةً. يريد أنه سيق مساق الزَّجر، والتخويف ليفهم السامع: أن من فعل ذلك خلد في النار، وليس ذلك مرادًا، وإنما أريد الزجر والتخويف، وقد ذكر له صاحب الفتح توجيهات في كتاب المغازي (١). قوله: (لا طاعة في معصية الله) أي لا يجب ذلك بل يحرم على من كان قادرًا على الامتناع. وفي حديث معاذ عند أحمد (٢): "لا طاعة لمن لم يطع الله". وعند البزار (٣) في حديث عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري: "لا طاعة في معصية الله" وسنده قوي.

стр. 6761

وفي حديث عبادة بن الصامت عند أحمد (١) والطبراني (٢): "لا طاعة لمن عصى الله"، ولفظ البخاري في حديث الباب (٣): "فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". وهذا تقييد لما أطلق في الأحاديث المطلقة القاضية بطاعة أولي الأمر على العموم، والقاضية بالصبر على ما يقع من الأمير مما يكره، والوعيد على مفارقة الجماعة، والمراد بقوله: لا طاعة في معصية الله: نفي الحقيقة الشرعية لا الوجودية، وقوله: "إنما الطاعة في المعروف" فيه: بيان ما يطاع فيه من كان من أولي الأمر، وهو الأمر المعروف لا ما كان منكرًا، والمراد بالمعروف: ما كان من الأمور المعروفة في الشرع لا المعروف في العقل أو العادة؛ لأن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها على ما تقرر في الأصول (٤). [الباب التاسع] بابُ الدَّعوةِ قَبْلَ القِتَالِ ٤٨/ ٣٢٨٠ - (عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: ما قاتَلَ رسُولُ الله ﷺ قَوْمًا قطُّ إلَّا

стр. 6762

دَعَاهُمْ. رَواهُ أحمد) (١). [صحيح] ٤٩/ ٣٢٨١ - (وعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قالَ: كانَ رسُولُ الله ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا على جَيْشٍ أو سَرِيَّةٍ أوْصَاهُ في خاصَّتِهِ بتَقْوى الله ومَنْ مَعهُ مِنَ المُسْلِمينَ خَيْرًا، ثمَّ قالَ: "اغْزُوا بسْمِ الله في سَبيلِ الله، قاتِلوا مَنْ كفَر بالله، اغْزُوا ولَا تَغُلُّوا، وَلا تَغْدُرُوا، ولَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وإذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكينَ فادْعُهُمْ إلى ثَلاثِ خِصالٍ - أو خِلالٍ - فأَيتهُنَّ مَا أَجابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عنْهُمْ، ادْعُهُمْ إلى الاسْلامِ، فإنْ أَجابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ وكفَّ عَنهُمْ، ثمَّ ادْعُهُمْ إلى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلى دَارِ المُهاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِين وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِين، فإِنْ أبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلوا مِنْها فأخبِرْهُمْ أنَّهُمْ يَكُونُون كأعْرَابِ المُسلِمِينَ يَجْرِي علَيْهِمْ الَّذِي يَجْرِي على المُسْلِمِينَ، ولا يكون لهُمْ في الْفَيءِ والغَنيمَةِ شِيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجاهِدُوا مَعَ المُسلِمِينَ، فإنْ هُمْ أَبَوْا فسَلْهُمْ الجِزْيَة، فَإن أجَابوكَ فَاقْبل مِنْهُم وكفَّ عَنْهُم، وإنْ أَبَوا فَاسْتَعِن بِاللهِ عَلَيهِم وقاتِلهُم، وَإِذَا حاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فأرادُوكَ أَنْ تجعَلَ لهمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبيِّهِ، فَلا تجْعلْ لهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، ولكِنِ اجعَلْ لهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصحابكَ، فإنَّكُمْ إنْ تخْفُروا ذِمَّتَكُمْ وَذِمَّةَ أَصحابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ رسُولهِ، وَإِذا حاصَرْتَ أَهْل حِصْن وَأَرادُوكَ أَنْ تُنْزِلهُمْ على حُكْمِ الله فلا تُنْزِلهُمْ على حُكْمِ الله، وَلكِنْ أَنزِلْهُمْ على حُكْمِكَ، فإِنَّكَ لا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهمْ حُكْمَ الله أَم لَا"، رَواهُ أَحمدٌ (٢) وَمُسلمٌ (٣) وابْنُ ماجَهْ (٤) والتِّرْمذيُّ وصحّحَهُ (٥). [صحيح]

стр. 6763

وَهْوَ حُجَّةٌ في أَنْ قَبُولَ الْجِزْيَةِ لا يختَصُّ بأهْلِ الْكِتابِ، وَأَنْ ليْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، بَلِ الحقُّ عِنْدَ الله واحِدٌ، وَفِيهِ المنْعُ منْ قَتْلِ الولْدَانِ وَمِنْ التَّمثِيلِ). حديث ابن عباس أخرجه أيضًا الحاكم (١) من طريق عبد الله بن أبي نجيح عن أبيه عنه. قال في مجمع الزوائد (٢): أخرجه أحمد (٣) وأبو يعلى (٤) والطبراني (٥)، ورجاله رجال الصحيح. وظاهره قوله: "إلا دعاهم" يخالف حديث نافع عن ابن عمر (٦): "أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون". قوله: (أو سرية) هي القطعة من الجيش تنفصل عنه ثم [تعود] (٧) إليه، وقيل: هي قطعة من الخيل زهاء أربعمائة، كذا قال إبراهيم الحربي (٨). وسميت سرية: لأنها تسري ليلًا على خفية. قوله: (ولا تغلوا) بضم الغين، أي: لا تخونوا إذا غنمتم شيئًا. قوله: (ولا تغدِروا) بكسر الدال وضمها، وهو ضد الوفاء. قوله: (وليدًا) هو الصبيُّ.

стр. 6764

قوله: (ادعهم) وقع في نسخ مسلم: "ثم ادعهم"، قال عياض (١): الصواب: إسقاط ثم، وقد أسقطها أبو عبيد في كتابه (٢)، وأبو داود في سننه (٣) وغيرهما لأنه تفسير للخصال الثلاث. وقال المازري (٤): إن "ثم" دخلت لاستفتاح الكلام. وفي هذا دليل على أنه يشرع للإمام إذا أرسل قومه إلى قتال الكفار ونحوهم أن يوصيهم بتقوى الله وينهاهم عن المعاصي المتعلقة بالقتال كالغلول والغدر والمثلة وقتل الصبيان. وفيه دليل على وجوب تقديم دعاء الكفار إلى الإسلام قبل المقاتلة. وفي المسألة ثلاثة مذاهب: (الأول): أنه يجب تقديم الدعاء [للكفار] (٥) إلى الإسلام من غير فرق بين من بلغته الدعوة منهم ومن لم تبلغه، وبه قال مالك (٦) والهادوية (٧) وغيرهم، وظاهر الحديث معهم. (والمذهب الثاني): أنه لا يجب مطلقًا، وسيأتي في هذا الباب دليل من قال به. (المذهب الثالث): أنه يجب لمن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب. قال ابن المنذر: وهو قول جمهور أهل العلم (٨)، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث. وقد زعم الإمام المهدي (٩) أن وجوب تقديم دعوة من لم تبلغه الدعوة مجمع عليه. ويرد ذلك ما ذكرنا من المذاهب الثلاثة، وقد حكاها كذلك

стр. 6765

المازري (١) وأبو بكر ابن العربي (٢). قوله: (ثم ادعهم إلى التحوُّل) فيه: ترغيب الكفار بعد إجابتهم وإسلامهم إلى الهجرة إلى ديار المسلمين؛ لأنَّ الوقوف بالبادية ربما كان سببًا لعدم معرفة الشريعة لقلَّة من فيها من أهل العلم. قوله: (ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء … الخ) ظاهر هذا: أنَّه لا يستحقُّ من كان بالبادية ولم يهاجر نصيبًا [في] (٣) الفيء والغنيمة إذا لم يجاهد، وبه قال الشافعي وفرق بين مال الفيء والغنيمة وبين مال الزكاة، وقال: إن للأعراب حقًّا في الثاني دون الأول. وذهب مالك (٤) وأبو حنيفة (٥) والهادوية (٦) إلى عدم الفرق بينهما، وأنه يجوز صرف كلِّ واحدٍ منهما في مصرف الآخر. وزعم أبو عبيد (٧) أن هذا الحكم [منسوخ] (٨)، وإنما كان في أوائل الإسلام. وأجيب بمنع دعوى النسخ. قوله: (فسلهم الجزية) ظاهره عدم الفرق بين الكافر العجمي والعربي والكتابي وغير الكتابي، وإلى ذلك ذهب مالك (٩)، والأوزاعي، وجماعةٌ من أهل العلم. وخالفهم الشافعي (١٠) فقال: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس عربًا كانوا أو عجمًا، واستدل بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (١١) بعد ذكر أهل الكتاب وقوله ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (١٢)، وأما سائر

стр. 6766

المشركين فهم داخلون تحت عموم: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١)، وذهبت العترة (٢) وأبو حنيفة (٣) إلى أن الجزية لا تقبل من العربي غير الكتابي وتقبل من الكتابي ومن العجمي، ولعله يأتي لهذا البحث مزيد بسط. قوله: (ذمة الله) الذمة: عقد الصلح والمهادنة؛ وإنما نهى عن ذلك لئلا ينقض الذمة من لا يعرف حقَّها، وينتهك حرمتها بعض من لا تمييز له من الجيش، فيكون ذلك أشدَّ؛ لأن نقض ذمة الله ورسوله أشدُّ من نقض ذمة أمير الجيش أو ذمة جميع الجيش، وإن كان نقض الكل محرمًا. قوله: (أن تُخْفِرُوا) بضم التاء الفوقية، وبعدها خاء معجمة، ثم فاء مكسورة، وراء، يقال: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، وخفرته بمعنى أمَّنته وحميته. قوله: (فلا تنزلهم على حكم الله … إلخ)، هذا النهي محمول على التنزيه والاحتياط، وكذلك الذي قبله والوجه ما سلف، ولهذا قال ﷺ : "فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟ ". وفيه دليل لمن قال: إنَّ الحق مع واحدٍ، وأنَّ ليس كل مجتهد مصيبًا، والخلاف في المسألة مشهور مبسوط في مواضعه (٤). والحقُّ: أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، من الصواب لا من الإصابة.

стр. 6767

وقد قيل: إنَّ هذا الحديث لا ينتهض للاستدلال به: على أن ليس كلُّ مجتهدٍ مصيبًا؛ لأنَّ ذلك كان في زمن النبي [ ﷺ ] (١) والأحكام الشرعية إذ ذاك لا تزال تنزل وينسخ بعضها بعضًا، ويخصص بعضها ببعضٍ، فلا يؤمن أن ينزل على النبي ﷺ حكم خلاف الحكم الذي قد عرفه الناس. ٥٠/ ٣٢٨٢ - (وعَنْ فرْوةَ بْنِ مُسَيكٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله أقاتِلُ بِمُقْبلِ قوْمِي مُدْبرِهِم؟ قالَ: "نعَمْ"، فلمَّا ولَّيْتُ دَعاني، فقالَ: "لا تُقاتلهمْ حَتَّى تدْعُوَهُمْ إلى الإسْلامِ". رواهُ أَحمد) (٢). [حسن] ٥١/ ٣٢٨٣ - (وعَنِ ابْنِ عَوْنٍ قالَ: كَتَبْتُ إلى نافِع أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعاءِ قَبْلَ الْقِتال، فَكَتَبَ إليَّ إنما كانَ ذلِكَ في أَوْلِ الإسْلام، وَقدْ أَغارَ رسُولُ الله ﷺ على بَني المُصْطلِقِ وَهُمْ غارُّونَ وَأَنْعامُهُمْ تُسقى على الماءِ فقَتَلَ مُقاتِلتهُمْ، وسَبى ذراريهُمْ، وأَصابَ يوْمَئِذ جُوَيريَة ابْنةَ الْحارِث، حَدَّثني بِهِ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ وكانَ في ذلِكَ الجيشِ. مُتَّفقٌ عَليهِ (٣). [صحيح] وَهْوَ دلِيلٌ على اسْترْقاقِ الْعَربِ). ٥٢/ ٣٢٨٤ - (وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَومَ خَيْبَرَ، فقالَ: "أَيْنَ عَليُّ؟ "، فقِيلَ: إِنَّهُ يَشْتكِي عَيْنَيْهِ، فأمَرَ فدعيَ لهُ فَبَصَقَ في عَيْنَيْهِ فبَرَأَ مَكانهُ حتَّى كَأَنْ لمْ يَكُنْ بهِ شيء، فقالَ: نُقاتِلهُم حتّى يكُونُوا مِثْلَنا، فقالَ: "على رِسْلِكَ حتى تنْزِل بسَاحَتِهمْ، ثمّ ادْعُهُمْ إلى الاسْلَامِ وَأَخْبرْهُم بمَا يَجِبُ عَليهِم، فوَالله لأنْ يَهْتَدِي بكَ رجُلٌ وَاحِدٌ خيرٌ لكَ مِن حُمرِ النَّعمِ". مُتَّفَق عَليهِ) (٤). [صحيح] ٥٣/ ٣٢٨٥ - (وعَنِ الْبَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ رهْطًا مِنَ

стр. 6768

الأنصَارِ إلى أبي رَافِع فدَخلَ عَبدُ الله بنُ عَتِيكٍ بَيتَهُ ليلًا فقَتَلهُ وهوَ نائِمٌ. رَواهُ أَحمدُ (١) والبُخاريُّ) (٢). [صحيح] حديث فروة أخرجه أبو داود (٣) والترمذي وحسنه (٤)، وقد أورده الحافظ في التلخيص (٥) وسكت عنه. قوله: (على بني المصطلق) بضم الميم، وسكون المهملة، وفتح الطاء، وكسر اللام، بعدها قافٌ. وهو بطنٌ شهيرٌ من خزاعة. والمصطلق أبوهم، وهو: المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة، ويقال: المصطلق: لقبه، واسمه: جذيمة بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة. قوله: (وهم غارُّون) بغين معجمة وتشديد الراء جمع غار بالتشديد، أي: غافلون، والمراد بذلك الأخذ على غرة: أي غفلة. قوله: (وسبى ذراريهم) فيه دليل: على جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق عربٌ من خزاعة، كما سلف. وسيأتي الكلام على ذلك في باب جواز استرقاق العرب (٦). قوله: (فبصق في عينيه فبرأ مكانه) فيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، وفيه منقبةٌ لعلي ﵇؛ فإنَّ هذه الغزوة هي التي قال فيها النَّبيُّ ﷺ : "لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يحبُّ الله ورسوله، ويحبه اللهُ ورسوله"، فتطاول الناس لها، فقال: "ادعوا لي عليًا، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه ودفع إليه الراية، ففتح الله عليه"

стр. 6769

هذا لفظ مسلم (١) والترمذي (٢). قوله: (حتى يكونوا مثلنا) المراد من المثلية المذكورة: أن يتصفوا بوصف الإسلام، وذلك يكون في تلك الحال بالتكلم بالشهادتين، وليس المراد: أنهم يكونون مثلهم في القيام بأمور الإسلام كلِّها، فإنَّ ذلك لا يمكن امتثاله حال المقاتلة. قوله: (على رِسلك) بكسر الراء وسكون السين؛ أي: امش إليهم على الرفق والتؤدة. قال في القاموس (٣): الرسل بالكسر: الرفق والتؤدة. قوله: (بساحتهم) قال في القاموس (٤): الساحة: الناحية، وفضاءٌ بين دور الحيّ، الجمع: ساحٍ وسوحٌ، وساحاتٌ، انتهى. قوله: (فوالله لأن يهتدي بك رجل … إلخ) فيه الترغيب في التسبب لهداية من كان على ضلالةٍ، وأنَّ ذلك خيرٌ للإنسان من أجلُّ النعم الواصلة إليه في الدنيا. وفي حديث فروة (٥)، وسهل بن سعد (٦)، دليل على وجوب تقديم دعاء الكفار إلى الإسلام على الإطلاق، وقد تقدم الخلاف في ذلك. والصواب الجمع بين الأحاديث المختلفة بما سلف لحديث ابن عمر (٧) المذكور، فإن فيه التصريح بأن النبي ﷺ لم يقدم الدعوة لبني المصطلق. قوله: (إلى أبي رافع) هو عبد الله بن أبي الحقيق، وهذا طرف من الحديث الذي أورده المصنف ههنا لأنه محل الحاجة باعتبار ترجمة الباب لتضمنه وقوع

стр. 6770

[القتل] (١) لأبي رافع قبل تقديم الدعوة إليه وعدم أمره ﷺ لمن بعثه لقتله بأن يقدم الدعوة له إلى الإسلام، والقصة مشهورة ساقها البخاري بطولها في المغازي من صحيحه (٢). قوله: (رهطًا من الأنصار) هم عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة. وعند ابن إسحاق (٣): ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة وخزاعي بن الأسود. قوله: (ابن عتيك) بفتح المهملة وكسر المثناة، وهو ابن قيس بن الأسود من بني سلمة بكسر اللام، وكان سبب أمره ﷺ بقتله أنه كان يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه كما في الصحيح. [الباب العاشر] باب ما يفعله الإمام إذا أراد الغزو من كتمان حاله والتطلع على حال عدوه ٥٤/ ٣٢٨٦ - (عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ : أنَّهُ كانَ إِذَا أرَادَ غَزْوةً وَرَّى بغَيْرِهَا. متَّفقٌ عَليهِ (٤)، وهْوَ لأبي داودَ (٥)، وَزَادَ: والْحَرْبُ خُدْعَةٌ). [صحيح] ٥٥/ ٣٢٨٧ - (وعَنْ جابرٍ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "الحَرْبُ خُدْعَةٌ") (٦). [صحيح] ٥٦/ ٣٢٨٨ - (وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: سمَّى النَّبِيُّ ﷺ : الْحَرْبُ خُدْعَة) (٧). [صحيح]

стр. 6771

٥٧/ ٣٢٨٩ - (وعَنْ جابرٍ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنْ يَأتِينِي بِخَبَرِ الْقَومِ؟ " يَوْمَ الأَحْزَابِ، فقالَ الزُّبَيْرُ: أَنا، ثمّ قالَ: "مَنْ يأتِيني بخَبَرِ القومِ؟ "، قالَ الزُّبَيرُ: أنا، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لكلِّ نبيٍّ حَوَارِيّ وَحَوَارِيي الزُّبَيرُ". مُتَّفقٌ عليهنَّ) (١). [صحيح] ٥٨/ ٣٢٩٠ - (وعَنْ أنَسٍ قالَ: بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ بُسْبَسًا عَيْنًا ينْظُرُ ما صَنَعَتْ عِيرُ أَبي سُفْيانَ فجاء فحَدثَهُ الحَدِيثَ، فخَرَجَ رسُولُ الله ﷺ فَتَكَلَّمَ فقالَ: "إِنَّ لَنَا طِلْبَةً فَمَنْ كانَ ظَهْرُهُ حاضِرًا فلْيَرْكَبْ مَعَنا"، فَجَعَلَ رِجالٌ يَسْتَأذِنُونهُ في ظَهْرهِم في عُلُوِّ المَدِينةِ، فقالَ: "لَا، إِلَّا مَنْ كانَ ظهْرُهُ حاضِرًا"، فانْطَلقَ رسُولُ اللهِ ﷺ وأَصحابُهُ حتَّى سَبقُوا رَكْبَ المُشْرِكينَ إلى بَدْرٍ. رواهُ أحمدُ (٢) ومسلِمٌ) (٣). [صحيح] قوله: (ورَّى) أي ستره (٤) ويستعمل في إظهار شيء مع إرادة غيره. وأصله من الوَرْي - بفتح الواو وسكون الراء - هو: ما يجعل وراء الإِنسان (٥)؛ لأن من ورَّى بشيء كأنه جعله وراءه. وقيل: هو في الحرب أخذ العدوِّ على غرة. وقيَّدَه السيرافي في "شرح كتاب سيبويه" (٦) بالهمزة. قال: وأصحاب الحديث لم يضبطوا فيه الهمزة فكأنهم سهَّلوها. قوله: (خدعة) بفتح الخاء المعجمة وضمها مع سكون الدال المهملة وبضمِّ أوله وفتح ثانيه.

стр. 6772

قال النووي (١): اتفقوا على أن الأولى أفصحُ، وبذلك جزم أبو ذر الهروي (٢)، والقزاز (٢). والثانية ضبطت كذلك في رواية الأصيلي (٢)، ورجح ثعلب (٣) الأولى وقال: بلغنا بها النبي ﷺ . قال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أن النبي ﷺ كان يستعمل هذه البنية كثيرًا لوجازة لفظها ولكونها تعطي معنى البنيتين الآخرتين. قال: ويعطي معناهما أيضًا الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن ولو مرة، قال: فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى. ومعنى: خدع بالإِسكان: أنها تخدع أهلها. مِنْ وصف الفاعل باسم المصدر، أو: من وصف المفعول، كما يقال: هذا الدرهم ضرب الأمير: أي مضروبه. وقال الخطابي (٤): معناه أنها مرة واحدة: أي إذا خدع مرة واحدة لم تقل عثرته. وقيل: الحكمة في الإِتيان بالتاء للدلالة على الوحدة، فإن الخداع إن كان من المسلمين فكأنه حضهم على ذلك ولو مرة واحدة، وإن كان من الكفار فكأنه حذرهم من مكرهم، ولو وقع مرة واحدة فلا ينبغي التهاون بهم لما ينشأ عنه من المفسدة ولو قل، وفي اللغة الثالثة صيغة المبالغة كهُمَزَةٍ ولُمزةٍ. وحكى المنذري (٥) لغة رابعة بالفتح فيهما. قال: وهو جمع خادع: أي أن أهلها بهذه الصفة فكأنه قال: أهل الحرب خَدَعَةٌ. وحكى مكيٌّ، ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسةً: كسر أوله مع الإِسكان، وأصله إِظهار أمر وإضمار خلافه.

стр. 6773

وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحوب، والندب إلى خداع الكفَّار، وأنَّ من لم يتيقظ لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه. قال النووي (١): واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيف ما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عَهْدٍ، أو أمانٍ، فلا يجوز. قال ابن العربي (٢): الخداع في الحوب يقع بالتعريض، وبالكمين ونحو ذلك. وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة. قال ابن المنير (٣): معنى الحوب خدعة: أي الحرب الجيدة لصاحبها؛ الكاملة في مقصودها؛ إنما هي المخادعة، لا المواجهة وذلك لخطر المواجهة ولحصول الظفر مع المخادعة بغير خطرٍ. قوله: (بسبسًا) بضم الباء الموحدة الأولى وبعدها سينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، وبعدها باءٌ موحدة مفتوحةٌ، ثم سين مهملة، وهو: ابن عمرو ويقال ابن بشر. وفي سنن أبي داود (٤) بسبسة بزيادة تاء التأنيث. وقيل فيه أيضًا بسيسة بالباء الموحدة مضمومة في أوله وفتح السين المهملة ثم ياء مثناة تحتية ساكنة. قوله: (فقال: إن لنا طلبة) بكسر اللام كما في القاموس (٥)، وفي النهاية (٦): الطلبة: الحاجة هذا فيه إبهام للمقصود. وقد أورده المصنف للاستدلال به على أن الإِمام يكتم أمره كما وقع في الترجمة.

стр. 6774

[الباب الحادي عشر] باب ترتيبِ السَّرايا والجُيوش واتخاذِ الرَّاياتِ وألوانِها ٥٩/ ٣٢٩١ - (عَنْ ابْنِ عباسٍ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائةٍ، وخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلاف، ولَا تُغْلَبُ اثْنَا عشَرَ آلفًا مِنْ قِلَّةٍ". رَوَاهُ أَحمدُ (١) وأَبُو داوُد (٢) والتِّرْمذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (٣). [صحيح] وَذَكَرَ أَنَّهُ في أَكْثَرِ الرِّوايَاتِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسلًا. وَتَمَسَّكَ بهِ مَنْ ذَهَبَ إلى أَنَّ الجَيْشَ إذَا كانَ اثْنَي عشَرَ أَلْفًا لمْ يَجُزْ أَنْ يَفِرّ مِنْ أَمْثَالِهِ وأضعَافِهِ وإنْ كَثُرُوا). ٦٠/ ٣٢٩٢ - (وعَنْ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: كانَتْ رَايَة النَّبِيِّ ﷺ سَوْداءَ وَلِوَاؤهُ أَبْيَضَ رواهُ التِّرْمذيُّ (٤) وابْنُ ماجَهْ) (٥). [حسن]

стр. 6775

٦١/ ٣٢٩٣ - (وعَنْ سِمَاكٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ عَنْ آخَرَ منْهُمْ قالَ: رَأَيْتُ رَايَةَ النَّبِيِّ ﷺ صَفْرَاءَ. رَواهُ أَبُو داودَ) (١). [ضعيف] ٦٢/ ٣٢٩٤ - (وعَنْ جابر أن النَّبِيَّ ﷺ دخَلَ مَكةَ ولِوَاؤهُ أَبْيَضُ. رواهُ الخمْسةُ إِلَّا أحمدَ) (٢). [صحيح]

стр. 6776

٦٣/ ٣٢٩٥ - (وعَنِ الحارثِ بْنِ حَسَّانَ الْبَكْرِيِّ قالَ: قَدِمْنَا المَدِينَةَ فإذَا رسُولُ اللهِ ﷺ على الْمِنْبَرِ وَبِلَالٌ قائمٌ بَينَ يَدَيْهِ مُتَقَلِّدٌ بالسَّيفِ، وإذَا رَايَاتٌ سُود، فسألْت: ما هذِهِ الرَّايَاتُ؟ فقالُوا: عمْرُو بْنُ الْعاصِ قَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ. رَوَاهُ أحمدُ (١) وابْنُ ماجهْ (٢). [حسن] وفي لفظٍ: قَدِمْتُ المَدينَةَ فَدَخَلْتُ المَسْجِد فإِذَا هو غاصّ بالنَّاسِ، وإذَا رَايَاتٌ سُودٌ، وإذَا بِلَالٌ مُتَقلِّدٌ بالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ رسُولِ الله ﷺ ، قُلْتُ: ما شَأنُ النَّاسِ؟ قالوا: يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ عَمْرو بْنَ الْعاص وَجْهًا. رواهُ التِّرمذيُّ) (٣). [حسن] ٦٤/ ٣٢٩٦ - (وعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عازبٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَايَةِ رسُولِ اللهِ ﷺ ما كانَتْ؟ قالَ: كانَتْ سَوْداءَ مُرَبَّعَةً مِنْ نُمْرَةٍ. رواهُ أحمَدُ (٤) وأبُو داوُدَ (٥) والترمذيُّ) (٦). [صحيح دون قوله: "مربعة"]

стр. 6777

حديث ابن عباس الأول سكت عنه أبو داود (١)، واقتصر المنذري في مختصر السنن (٢) على نقل كلام الترمذي، وأخرجه أيضًا الحاكم (٣). وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين [ولم يخرجاه] (٤). وحديث ابن عباس الثاني أخرج نحوه أبو داود (٥) والنسائي (٦). وفي إسناد حديث الباب يزيد بن حيان (٧) أخو مقاتل بن حيان. قال البخاري: عنده غلط كثير. وأخرج البخاري هذا الحديث في تاريخه (٨) مقتصرًا على الراية. وحديث سماك في إسناده رجل مجهول (٩)، وهو الذي روى عنه سماك، ومجهول آخر وهو الذي قال: رأيت راية النبي ﷺ ، ولكن جهالة الرجلِ الآخر غير قادحة إن كان صحابيًا لما قررنا غير مرة أن مجهول الصحابة مقبول، وليس في هذا الحديث ما يدل على أنه صحابي؛ لأنه يمكن أنه رأى راية رسول الله ﷺ بعد موته، ولم تثبت رؤيته للنبي ﷺ . وحديث جابر أخرجه أيضًا الحاكم (١٠) وابن حبان (١١).

стр. 6778

وقال الترمذي (١): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم عن شريك. قال: وسألت محمدًا، يعني البخاري عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم عن شريك. وحديث الحارث بن حسَّان: رواهُ ابن ماجه (٢)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن الحارث بن حسان، فذكره، وهؤلاء رجال الصحيح. وهذا الحديث إنما أشار إليه الترمذي (٣) في كتاب الجهاد إشارةً؛ لأنه قال بعد إخراج حديث البراء المذكور (٤) ما لفظه: وفي الباب عن علي، والحارث بن حسان، وابن عباس، ولم يذكر اللفظ الذي ذكره المصنف، ونسبه إليه، ولعلَّه ذكره في موضعٍ آخر من جامعه. وحديث البراء (٤) قال الترمذي (٥) بعد إخراجه: هذا حديثٌ حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، انتهى. وفي إسناده أبو يعقوب الثقفي، واسمه إسحاق بن إبراهيم. قال ابن عدي (٦) الجرجاني: روى عن الثقات ما لا يتابع عليه. وقال أيضًا: وأحاديثه غير محفوظة، انتهى. وفي الباب عن سلمة في الصحيحين (٧): "أن النبي ﷺ قال: لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فأعطاها عليًا". وعن يزيد بن جابر [الغفري] (٨) عند ابن السكن (٩) قال: "عقد رسول الله ﷺ رايات الأنصار وجعلهن صفرًا".

стр. 6779

وعن أنس عند النسائي (١): "أن ابن أم مكتوم كانت معه راية سوداء في بعض مشاهد النبي ﷺ "، قال المنذري (٢): وهو حديث حسن. وقال ابن القطان (٣): صحيح. وعن أبي هريرة عند ابن عدي (٤). وعن بريدة عند أبي يعلى (٥). وعن أنس حديث آخر عند أبي يعلى (٦) رفعه: "إن الله كرَّمَ أمتي بالألوية" وإسناده ضعيف. وعن ابن عباس غير ما تقدم عند أبي الشيخ (٧) بلفظ: "كان مكتوبًا على راية النبي ﷺ لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وسنده ضعيف أيضًا. قوله: (خير الصحابة أربعةٌ) فيه دليل: على أن خير الصحابة أربعة أنفارٍ، وظاهره: أن ما دون الأربعة من الصحابة موجودٌ فيها أصل الخير من غير فرق

стр. 6780

بين السفر والحضر. ولكنَّه قد أخرج أهل السنن (١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب" وصححه الحاكم (٢) وابن خزيمة (٣). وأخرجه أيضًا الحاكم (٤) من حديث أبي هريرة وصححه، وظاهره أن ما دون الثلاثة عصاة: لأن معنى قوله: شيطان، أي: عاص. وقال الطبري: هذا الزجر زجر أدب وإرشاد لما يخشى على الواحد من الوحشة والوحدة، وليس بحرام؛ فالسائر وحده في فلاة، وكذا البائت في بيت وحده لا يأمن [من] (٥) الاستيحاش لا سيما إذا كان ذا فكرة رديئة وقلب ضعيف. والحق أن الناس يتباينون في ذلك، فيحتمل أن يكون الزجر عنه لحسم المادة فلا يتناول ما إذا وقعت الحاجة لذلك. وقيل في تفسير قوله: "الراكب شيطان"، أي: سفره وحده يحمله عليه الشيطان، أو أشبه الشيطان في فعله. وقيل: إنما كره ذلك لأن الواحد لو مات في سفره ذلك لم يجد من يقوم عليه، وكذلك الاثنان إذا ماتا أو أحدهما لم يجد الآخر من يعينه، بخلاف الثلاثة ففي الغالب تؤمن الوحشة والخشية. وفي صحيح البخاري (٦) عن ابن عمر: "لو يعلم الناس ما في الوحدة ما

стр. 6781

أعلم ما سار راكبٌ بليلٍ وحده". وقد ثبت في الصحيح (١) أن الزبير انتُدِب وحدَهُ ليأتي النبيَّ بخبر بني قريظة. قال ابن المنير (٢): السير لمصلحة الحرب أخصُّ من السفر، فيجوز السفر للمنفرد للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلا بالإِفراد، كإرسال الجاسوس، والطليعة، والكراهة لما عدا ذلك. ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدةً بالحاجة عند الأمن، وحالة المنع مقيدةٌ بالخوف، حيث لا ضرورة. وقد وقع في كتب المغازي (٢) بعث جماعة منفردين (منهم): حذيفة، ونعيم بن مسعود، وعبد الله بن أنيس، وخوّات بن جبير، وعمرو بن أمية، وسالم بن عمير، وبسبسة، وغيرهم. وعلى هذا فوجود أصل الخير في سائر الأسفار غير سفر الحرب ونحوه إنما هو في الثلاثة دون الواحدة والاثنين، والأربعة خير من الثلاثة كما يدل على ذلك حديث الباب. قوله: (وخير الجيوش أربعة آلاف) ظاهر هذا: أن هذا الجيش خيرٌ من غيره من الجيوش، سواءٌ كان أقلَّ منه أو أكثر، ولكن الأكثر إذا بلغ إلى اثني عشر ألفًا لم يُغْلَبْ من قلَّةِ، وليس بخيرٍ من أربعة آلاف، وإن كانت تُغْلَب من قلةٍ كما يدلُّ على ذلك مفهوم العدد. قوله: (راية النبي ﷺ سوداء ولواؤه أبيض) اللِّواءُ - بكسر اللام والمدِّ - هو الراية ويسمى أيضًا: العلم، وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش، ثم صارت تحمل على رأسه، كذا في الفتح (٣). وقال أبو بكر بن العربي (٤): اللواء غير الراية، فاللواء ما يعد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية: ما يعد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح. وقيلَ: اللِّواءُ دون الراية.

стр. 6782

وقيل: اللواءُ: العَلَمُ الضَّخمُ. والعلمُ: علامةٌ [لمحلِّ] (١) الأمير يدور معه حيثُ دار، والرايةُ يتولاها صاحبُ الحربِ، وجنح الترمذي (٢) إلى التفرقة فترجَم: الألويةَ، وأوردَ حديثَ جابر المتقدم، ثم ترجم (٣): الرايات وأوردَ حديث البراء المتقدم أيضًا. قوله: (من نمرة) هي ثوب حبرة. قال في القاموس (٤): النُّمرة - بالضم - النكتةُ: من أي لون كان والأنمرُ: ما فيه نمرةٌ بيضاء، وأخرى سوداء، ثم قال: والنمرةُ: الحِبَرَةُ، وشملةٌ فيها خطوطٌ بيض وسود، أو بُرْدَةٌ من صوفٍ يلبسها الأعراب انتهى. [الباب الثاني عشر] بابُ ما جاءَ في تشييعِ الغازِي واستقبَالِهِ ٦٥/ ٣٢٩٧ - (عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قالَ: "لأنْ أُشَيِّعَ غازِيًا فأكْفيَهُ في رَحْلِهِ غَدْوَةً أَوْ رَوْحَةً أَحَبُّ إليَّ مِنَ الدُّنْيَا وَما فِيهَا". رواهُ أَحمدُ (٥) وابْنُ ماجهْ) (٦). [ضعيف]

стр. 6783

٦٦/ ٣٢٩٨ - (وعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: لمَّا قَدِمَ رسُولُ الله ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ خَرَجَ النَّاسُ يَتَلَقَّوْنَهُ منْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، قالَ السَّائبُ: فخرَجْتُ مَعَ النَّاسِ وَأَنا غُلَامٌ. رواهُ أبو داوُدَ (١) والتِّرْمِذيُّ وصحَّحهُ (٢). وللبُخاري نَحْوُهُ) (٣). [صحيح] ٦٧/ ٣٢٩٩ - (وعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: مَشى مَعَهُمْ رسولُ الله ﷺ إلى بقِيعِ الْغَرْقَدِ ثمّ وَجَّههُمْ ثمَّ قالَ: "انْطَلِقُوا على اسْمِ الله"، وقالَ: "اللَّهُمّ أعِنْهُمْ" يَعْنِي النَّفَرَ الَّذِينَ وجَّهَهُمْ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ. رَواهُ أحمدُ) (٤). [إسناد حسن] حديث معاذ في إسناده أبو بكر ابن أبي مريم، وهو ضعيفٌ، وفي إسناده أيضًا رجل لم يُسَمَّ. وقد أخرجه الطبراني (٥). وحديث ابن عباس في إسناده ابن إسحاق وهو مدلِّسٌ، وبقية إسناده رجاله رجال الصحيح. وقد أخرجه أيضًا البزار (٦) والطبراني (٧).

стр. 6784

وفي الباب ما في الصحيحين (١) "أن ابن الزبير، وابن جعفر، وابن عباس، لقوا النبي ﷺ وهو قادم فحمل اثنين منهم وترك الثالث". وأخرج البخاري (٢) عن ابن عباس. قال: "لما قدم رسول الله ﷺ مكة استقبله أغيلمة لبني عبد المطلب فحمل واحدًا بين يديه وآخر خلفه". وأخرج أحمد (٣) والنسائي (٤) عن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ حمله خلفه، وحمل قثم بن عباس بين يديه. قوله: (أشيع غازيًا) التشييع (٥): الخروج مع المسافر لتوديعه، يقال: شيع فلانًا: خرج معه ليودعه ويبلغه منزله. قوله: (أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها) قد تقدم الكلام على مثل هذه العبارة في أول كتاب الجهاد. وفي هذا الحديث الترغيب في تشييع الغازي، وإعانته على بعض ما يحتاج إلى القيام بمؤنته؛ لأنَّ الجهاد من أفضل العبادات، والمشاركة في مقدماته من أفضل المشاركات. قوله: (من ثنية الوداع) قال في القاموس (٦): الثنية: العقبة، أو طريقها، أو الجبل، أو الطريق فيه، أو إليه، انتهى. قال في القاموس (٧) أيضًا: وثنية الوداع بالمدينة سميت؛ لأنَّ من سافر إلى مكة كان يودع، ثَمَّ ويشيع إليها، انتهى. قوله: (بقيع الغرقد) قد تقدم ضبطه وتفسيره. وفي الحديث دليلٌ: على مشروعية تلقي الغازي إلى خارج البلد لما في
следующие страницы →