стр. 6815
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 1218
نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق
الشوكاني
Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6815–6854 · переход к 6820.
стр. 6816
قال الحافظ (١) أيضًا: ولم أقف لرفيقه على ذكر في الصحابة، فلعله مات قبل أن يسلم.
قوله: (وإن النار لا يعذب بها إلا الله) هو خبر بمعنى النهي.
وقد اختلف السلف في التحريق، فكره ذلك عمر، وابن عباس، وغيرهما مطلقًا سواءٌ كان في سبب كفرٍ أو في حال مقاتلة أو قصاص. وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما.
قال المهلب (٢): ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع، ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة. "وقد سمل النبي ﷺ أعين العرنيين بالحديد" كما تقدم (٣).
وقد أحرق أبو بكر بالنار في حضرة الصحابة. وحرق خالد بن الوليد ناسًا من أهل الردة. وكذلك حرق علي كما تقدم في كتاب الحدود (٤).
قوله: (ولا تعقرنَّ) بالعين المهملة، والقاف، والراء، في كثير من النسخ، وفي نسخ "ولا تعزقنَّ" بالعين المهملة، والزاي المكسورة والقاف ونون التوكيد.
قال في النهاية (٥): هو القطع.
وظاهر النهي في حديث الباب التحريم، وهو نسخ للأمر المتقدم سواء كان بوحي إِليه، أو اجتهادٍ، وهو محمولٌ على من قصد إلى ذلك في شخصٍ بعينه.
٩٨/ ٣٣٣٠ - (وعَنْ جَريرِ بْنِ عَبدِ الله قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا تُريحُنِي مِنْ ذِي الخلَصةِ؟ "، قالَ: فانْطَلَقْتُ في خَمْسينَ وَمائةِ فارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وكانُوا أَصحَاب خَيْل، وكانَ ذُو الخَلَصَةِ بَيْتًا في الْيَمَنِ لِخَثْعَمَ وَبَجِيْلَةَ فِيهِ نُصُبٌ [يعْبَدُ] (٦) يُقالُ لهُ كَعْبَةُ الْيَمانِيَّةِ، قالَ: فأتاها فحَرَقَها بالنَّارِ وكَسَرَها، ثمَّ بَعَثَ رَجُلًا
стр. 6817
مِنْ أَحْمَسَ يُكنَّى أَبَا أرْطَاةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُبَشِّرُهُ بذلكَ، فلمَّا أتاهُ قالَ: يا رسولَ الله، والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ ما جِئْتُ حتَّى ترَكْتُها كأنَّها جَمَلٌ أَجْرَبُ، قالَ: فبرَّك النَّبِيُّ ﷺ على خَيلِ أحْمَسَ ورِجالهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ. متَّفقٌ عَليهِ) (١). [صحيح]
٩٩/ ٣٣٣١ - (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وحَرَقَ وَلها يقُولُ حسَّانٌ (٢):
وَهانَ علَى سَرَاةِ بَنِي لُؤيٍّ … حَرِيقٌ بالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
وفي ذلكَ نَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ (٣) الآيةَ، مُتَّفقٌ عَليهِ (٤)، وَلمْ يَذْكرْ أَحمدُ الشِّعْرَ). [صحيح]
١٠٠/ ٣٣٣٢ - (وعَنْ أسامَةَ بْنِ زيدٍ قالَ: بَعَثَنِي رسولُ الله ﷺ إلى قَرْيةٍ يُقالُ لَهَا أُبْنَى، فقالَ: "ائْتِها صبَاحًا ثمَّ حَرِّقْ". رَواهُ أحمدُ (٥) وأَبُو داوُد (٦) وابْنُ ماجَهْ (٧)، في إسْنَادِهِ صَالِحُ بْنُ أَبي الأخْضَرِ، قالَ البُخاريُّ (٨): هُوَ لَيِّنٌ). [حسن لغيره]
حديث أسامة بن زيد سكت عنه أبو داود (٩) والمنذري (١٠). وفي إسناده من ذكره المصنف.
وقال يحيى بن معين: وهو ضعيف. وقال أحمد: يعتبر به. وقال العجلي: يكتب حديثه وليس بالقوي. وقال في التقريب (١١): ضعيف.
стр. 6818
قوله: (ذي الخلصة) بفتح [الخاء] (١) المعجمة واللام والمهملة. وحكي بتسكين اللام.
قال في القاموس (٢): وذو الخلصة: محركة، وبضمتين: بيت كان يُدْعَى: الكعبةُ اليمانية لخثعم، كان فيه صنم اسمه الخلصة، أو: لأنه كان منبت الخلصة. اهـ. وهي نبات له حب أَحمر.
قوله: (من أحْمَس) بالمهملتين على وزنِ [أحمرَ] (٣)، قال في القاموس (٤): الحمس الأمكنة الصلبة جمع أحمس، [وهو] (٥) لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية لتحمسهم في دينهم أو لالتجائهم بالحمساء وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيضُ إلى السَّواد.
والحماسةُ: الشجاعةُ، والأحَمْسُ: الشُّجاع كالحميس، كذا في القاموس (٦).
وفي الفتح (٧): هم رهط ينسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار. قال: وفي العرب قبيلةٌ أخرى يقال لها: أحمس ليست مرادة هنا، ينسبون إلى أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار.
стр. 6819
قوله: (نُصُب) بضم النون والصاد، أي: صنم.
قوله: (كعبة اليمانيَّة) أي: كعبة الجهة اليمانيَّة.
قوله: (فبرَّك) بفتح الموحدة، وتشديد الراء: أي دعا لهم بالبركة.
قوله: (كأنَّها جملٌ أجرب) بالجيم والموحدة، وهو كناية عن نزع زينتها، وإذهاب بهجتها.
وقال الحافظ (١): أحسب المراد: أنها صارت مثل الجمل المطليِّ بالقطران من جربه، أشار إلى أنها صارت سوداء، لما وقع فيها من التحريق.
قوله: (سراة) بفتح المهملة، وتخفيف الراء: جمع سري، وهو الرئيس.
قوله: (بني لؤيٍّ) بضم اللام، وفتح الهمزة، وهو: أحد أجداد النبيّ ﷺ ، وبنوه هم قريش، وأراد حسان تعيير مشركي قريش بما وقع في حلفائهم من بني النضير.
قوله: (بالبويرة) بالباء الموحدة تصغير بورة وهي الحفرة، وهي هنا: مكانٌ معروفٌ بين الحديبية وتيماء (٢)، وهي من جهة قبلة مسجد قباء إلى جهة الغرب، ويقال لها أيضًا: البويلة - باللام بدل الراء -.
قوله: (من لينةٍ) قال السهيليُّ (٣): في تخصيص اللينة بالذكر إيماءٌ: إلى أن الذي يجوز قطعه من شجر العدوِّ هو ما لا يكون معدًّا للاقتيات؛ لأنهم كانوا يقتاتون العجوة والبرني دون اللينة، وكذا ترجم البخاري في التفسير (٤) فقال: ما قطعتم من لينةٍ: نخلةٍ ما لم تكن برنيةً أو عجوةً.
وقيل: اللينة: الدقل.
وفي "معالم التنزيل" (٥): اللينة: فعلة من اللون، وتجمع على ألوان، وقيل: من اللين، ومعناه النخلة الكريمة، وجمعها: ليان.
وقال في القاموس (٦): إنها الدقل من النخل.
стр. 6820
قوله: (يقال لها: أُبنى) بضمِّ الهمزة، والقصر ذكره في النهاية (١).
وحكى أبو داود (٢) أن أبا مسهر قيل له أبنى فقال: نحن أعلم هي يُبْنَى فلسطين.
والأحاديث المذكورة فيها دليل على جواز التحريق في بلاد العدوِّ (٣).
قال في الفتح (٤): ذهب الجمهور إلى جواز التحريق، والتخريب في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي (٥) والليث وأبو ثور (٦).
واحتجُّوا بوصية أبي بكر لجيوشه: أن لا يفعلوا شيئًا من ذلك .. وقد تقدمت في أول الباب.
وأجاب الطبري (٧) بأنَّ النهي محمولٌ على القصد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في حال القتال، كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحوٌ مما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم.
وقال غيره (٧): إنما نهى أبو بكر عن ذلك لأنه قد علم أنَّ تلك البلاد تفتح، فأراد بقاءها على المسلمين، انتهى.
ولا يخفى: أن ما وقع من أبي بكر لا يصلح لمعارضة ما ثبت عن النبي ﷺ لما تقرَّر من عدم حجية قول الصحابي (٨).
стр. 6821
[الباب الحادي والعشرون] بابُ تحريمِ الفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ إذَا لم يزدِ العدوُّ علي ضِعْفِ المسلمينَ إلا المتحيّز إلى فئةٍ وإنْ بعُدَتْ
١٠١/ ٣٣٣٣ - (عَنْ أَبي هُرَيْرةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبقَاتِ"، قالوا: [ومَا هُنْ] (١) يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "الشِّركُ بالله، والسِّحْرُ، وَقتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ الله إلَّا بالحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبَا، وأَكْلُ مالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغافِلَاتِ المُؤمِنَاتِ". مُتفقٌ عَليهِ) (٢). [صحيح]
١٠٢/ ٣٣٣٤ - (وعنِ ابْنِ عبَّاسٍ لمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٣)، فَكَتَبَ عَليهمْ أَنْ لَا يَفرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائتَيْنِ ثمَّ نَزَلَتْ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (٤) الآية. فَكَتَبَ أَنْ لَا تَفِرَّ مِائةٌ مِنْ مِائتَيْنِ. رَواهُ البُخاريُّ (٥) وأبو داوُدَ) (٦). [صحيح]
١٠٣/ ٣٣٣٥ - (وعَن ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنْتُ في سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رسُولِ الله ﷺ ، فحاصَ النَّاس حَيْصَة، وكُنتُ فِيَمنْ حاصَ، فقُلْنا كَيْفَ نَصْنَعُ وقَدْ فَرَرْنا منْ الزَّحْفِ، وبُؤنا بالْغَضَبِ، ثمَّ قُلْنا: لوْ دَخَلْنَا المَدِينَةَ فبتْنا، ثمَّ قُلْنا لوْ عَرَضنا نفُوسَنَا على رَسُولِ الله ﷺ ، فإِنْ كانَتْ لنَا تَوْبَةٌ، وإلا ذهَبْنا فأتَيْناهُ قَبْلَ صَلاة الغَدَاةِ، فَخَرَجَ فقالَ: "مَنِ الْفَرَّارُون؟ "، فقُلْنا: نَحْنُ الفرارون، قالَ: "بَلْ أَنْتُم الْعَكَّارُونَ، أَنَا فِئَتُكُمْ وَفِئةُ المُسْلمينَ"، قالَ: فأتيْنَاهُ حتَّى قَبَّلنا يَدَهُ. رَوَاهُ أحمدُ (٧) وأَبُو داودَ) (٨). [ضعيف]
стр. 6822
حديث ابن عمر أخرجه أيضًا الترمذي (١) وابن ماجه (٢). وقال الترمذي (٣): حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد، انتهى. ويزيد بن أبي زياد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
قوله: (الموبقات) أي المهلكات.
قال في القاموس (٤): وبق، كوعد، ووجل، وورث، وبوقًا: هلك، كاستوبق، وكمجلس: المهلِكُ، والموعدُ، والمجلس ووادٍ في جهنَّم، وكلُّ شيءٍ حالٍ بين شيئين، وأوبقه: حبسه وأهله. اهـ.
وفي الحديث دليل: على أن هذه السبع المذكورة من كبائر الذنوب. والمقصود من إيراد الحديث ههنا هو قوله فيه: "والتولي يوم الزحف"، فإنَّ ذلك يدلُّ: على أن الفرار من الكبائر المحرَّمة.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم: إلى أن الفرار من موجبات الفسق.
قال في البحر (٥): مسألة: ومهما حرمت الهزيمة فسق المنهزم لقوله تعالى: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٦).
وقوله: "الكبائر سبع إلا متحرفًا لقتال" (٧)، وهو: أن يرى القتال في غير موضعه أصلح وأنفع فينتقل إليه.
стр. 6823
стр. 6824
ومن ذلك قوله في حديث الباب (١): "أنا فئتكم وفئة المسلمين"، والأصل في جواز ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٢)، وقد جوَّزت الهادوية (٣) الفرار إلى منعةٍ من جبلٍ، أو نحوه، وإن بعدت، ولخشية استئصال المسلمين، أو ضرر عامّ للإِسلام، وأما إذا ظنُّوا: أنهم يُغلبون إذا لم يفرُّوا ففي جواز فرارهم وجهان.
قال الإِمام يحيى (٤): أصحهما: أنَّه يجب الهرب، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٥) ولا، [إذ] (٦) قال رجل: "يا رسول الله أرأيت لو انغمست في المشركين؟ ". وقد تقدم في أول الجهاد. وتقدم تفسير الآية.
قوله: (لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ (٧) … إلخ). قال في البحر (٨) مسألة: وكانت الهزيمة محرمة وإن كثر الكفار لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٩) ثم خفف عنهم بقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (١٠)، فأوجب على كلِّ واحدٍ مصابرة عشرة، ثم خفف عنهم، وأوجب على الواحد مصابرة اثنين بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (١١) الآية.
واستقرَّ الشرع على ذلك، فحينئذٍ حرمت الهزيمة لقول ابن عباس: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر، انتهى.
قوله: (فحاص الناس حيصة) بالمهملات. قال ابن الأثير (١٢): حصت عن الشيء: حدت عنه وملت عن جهته، هكذا قال الخطابي (١٣).
قال المصنف (١٤) رحمه الله تعالى: وقوله: "حاصوا"، أي: حادوا حيدة،
стр. 6825
ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (١) ويروى جاضوا جيضة (٢) - بالجيم والضاد المعجمتين - وهو بمعنى حادوا، انتهى.
قوله: (ثم قلنا: لو دخلنا المدينة … إلخ) لفظ أبي داود (٣) فقلنا: ندخل المدينة، فنبيت فيها، لنذهب ولا يرانا أحد، فدخلنا فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ؛ فإن كانت لنا توبة أقمنا؛ وإن كان غير ذلك ذهبنا، فجلسنا لرسول الله ﷺ قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرَّارون، فأقبل إلينا فقال: "لا، أنتم العكارون"، فدنونا فقبَّلنا يده، فقال: أنا فئة المسلمين.
قوله: (العكَّارون) - بفتح العين المهملة وتشديد الكاف - قيل: هم الذين يعطفون إلى الحرب.
وقيل: إذا حاد الإِنسان عن الحرب ثم عاد إليها يقال: قد عكر، وهو عاكر، وعكَّار.
قال في القاموس (٤): العكَّار: الكرَّار، العطَّاف، واعتكروا: اختلطوا في الحرب، [والعسكر] (٥): رجعَ بعضهُ فلم يُقدر على عدِّه، انتهى.
[الباب الثاني والعشرون] بابُ مَنْ خَشِيَ الأَسْرَ فلَهُ أن يُسْتَأسَرَ، وله أنْ يُقَاتِلَ حتى يُقْتَلَ
١٠٤/ ٣٣٣٦ - (عَنْ أَبي هُرَيْرة قال: بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ عَشْرَةً رَهْطًا عَيْنًا، وأَمَّرَ عَليْهمْ عاصِمَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ فانْطَلَقُوا حتَّى إذَا كانُوا بالهَدْأةِ وهوَ بيْنَ عُسْفَانَ وَمكَّةَ ذُكِرُوا لِبَني لِحْيانَ فَنَفَرُوا لهُمْ قَرِيبًا مِنْ مائَتَيْ رَجُلٍ كلُّهُمْ رَامٍ
стр. 6826
فاقْتَصُّوا أَثَرهُمْ؛ فلمَّا رآهُمْ عاصِمُ وأَصحَابُهُ لجَأوا إلى فدْفدٍ وأحاطَ بهمُ القَوْمُ، فقالوا لهُمُ: انْزِلوا وأَعْطوا بأيْدِيكُمْ ولكُمُ العَهْدُ والْمِيثَاقُ أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا، قالَ عاصِمُ بْنُ ثابِتٍ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ: أَمّا أَنَا فوَالله لَا أَنْزلُ اليَوْمَ في ذِمَّةِ كافِرٍ، اللَّهمّ خَبِّرْ عنّا نَبِيّكَ، فرَمُوْهُمْ بالنّبْلِ فَقَتَلُوا عاصمًا فَي سَبْعةٍ، فنزَلَ إليْهِمْ ثلَاثةُ رهْطٍ بالْعَهْدِ والْمِيثَاقِ، منْهُمْ: خُبَيْبٌ الأنْصَارِيُّ، وابْنُ دَثِنةَ وَرجُلٌ آخَرُ، فلمّا اسْتَمْكَنوا منْهُمْ أَطَلقُوا أَوْتارَ قِسِيِّهمْ فأوْثقُوهُمْ، فقالَ الرّجُلُ الثّالِثُ: هذا أَوّلُ الْغَدْرِ وَالله لَا أَصْحَبُكُمْ إنّ لِي في هؤُلاءِ لأُسْوة، يُريدُ القَتْلَى، فَجرّرُوهُ وَعالجُوهُ على أنْ يَصْحَبَهُمْ فأبَى فقَتَلُوهُ وانْطَلقُوا بخُبَيْبٍ وابْنِ دَثِنةَ حتّى باعُوهُما بمكّةَ بَعدَ وَقْعةِ بَدْرٍ، وَذكَرَ قِصّةَ قَتْلِ خُبَيْبٍ، إلى أَنْ قالَ: اسْتَجابَ الله لِعَاصِم بْنِ ثابِتٍ يَومَ أُصِيبَ، فأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصحابَهُ خَبَرَهُم وَما أصِيبُوا. مُخْتَصَرٌ لأحمدَ (١) والبُخاريِّ (٢) وأَبي داوُد) (٣). [صحيح]
تمام الحديث: فاشترى خُبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل - وكان خُبيبُ هو قتل يوم بدر الحارث - فمكث عندهم أسيرًا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدَّ بها فأعارته، قالت: فغفلتُ عن صبيٍّ لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما أُريته فزعت فزعةً حتى عرف ذلك مني وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل إن شاء الله تعالى، وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قطُّ خيرًا من خُبيبٍ، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذٍ ثمرة، وإنه لموثق بالحديد، وما كان إلا رزقًا رزقه الله خُبيبًا، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال: دعوني أُصَلِّي ركعتين، ثمَّ انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدتُ. فكان أول من سن الركعتين عند القتل، وقال: اللهمَّ أحصهم عددًا، وقال:
ولستُ أبالي حينَ أُقْتَلُ مسلمًا … عَلى أيِّ شِقٍّ كانَ في اللهِ مَصْرَعِي
стр. 6827
وذلكَ في ذاتِ الإِلهِ وإنْ يَشَأ … يُبَارِكْ على أوصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ثم قام إليه عقبة بن الحارث، فقتله، وبعثت قريش إلى عاصمٍ ليأتوا بشيءٍ من جسده بعد موته، وكان قَتَلَ عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من [الدَّبْرِ] (١) فَحَمَتْهُ من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيءٍ، هكذا في صحيح البخاري (٢) وسنن أبي داود (٣).
قوله: (عينًا) العين: الجاسوس على ما في القاموس (٤) وغيره (٥)، وفيه: مشروعية بعث الأعيان.
وقد أخرج مسلم (٦) وأبو داود (٧) من حديث أنس: "أن النبيّ ﷺ بعث بسبسة عينًا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان".
قوله: (بالهدأة) بفتح الهاء، وسكون الدال المهملة، بعدها همزة مفتوحة كذا للأكثر، وللكشميهني (٨) بفتح الدال، وتسهيل الهمزة. وعند ابن إسحاق (٩) الهدَّة بتشديد الدال بغير ألف. قال: وهي على سبعة أميالٍ من عسفان.
قوله: (لبني لحيان) هم قبيلة معروفة اسم أبيهم لحيان بكسر اللام، وقيل بفتحها وسكون المهملة، وهو: ابن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر.
قوله: (فنفروا لهم) أي: أمروا جماعة منهم أن ينفروا إلى الرهط المذكورين.
قوله: (الفدفد) (١٠) بفاءين ودالين مهملتين: الموضع الغليظ المرتفع.
стр. 6828
قال في مختصر النهاية (١): هو المكان المرتفع.
قوله: (خبيب) بضم الخاء المعجمة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، وآخره موحدة أيضًا، وهو ابن عديٍّ من الأنصار.
قوله: (ابن دثنة) بفتح الدال المهملة، وكسر المثلثة، بعدها نون، واسمه زيد.
قوله: (ورجل آخر) هو عبد الله بن طارق، قوله: وعالجوه، أي: مارسوه؛ والمراد: أنهم خدعوه ليتبعهم فأبى.
والاستحداد (٢): حلق العانة.
والقطف (٣): العنقود، وهو اسمٌ لكل ما تقطفه.
والشلو (٤): العضو من الإنسان.
والممزع (٥) - بتشديد الزاي بعدها مهملة -: المفرق، والظلَّة (٦): الشيء المظلُّ من فوق.
والدبر (٧) - بتشديد الدال [المهملة] (٨) وسكون الباء وبعدها راء مهملة -: جماعة النحل.
وقد استدل المصنف - رحمه الله تعالى - بهذا الحديث: على أنه يجوز لمن يقدر على المدافعة ولا أمكنه الهرب أن يستأسر، وهكذا ترجم البخاريُّ (٩) على هذا الحديث: "باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر" أي: هل يسلم نفسه للأسر أم لا؟.
ووجه الاستدلال بذلك: أنه لم ينقل أن النبي ﷺ أنكر ما وقع من الثلاثة
стр. 6829
المذكورين من الدخول تحت أسر الكفار، ولا أنكر ما وقع من السبعة المقتولين من الإِصرار على الامتناع من الأسر، ولو كان ما وقع من إحدى الطائفتين غير جائز لأخبر ﷺ أصحابه بعدم جوازه وأنكره، فدلَّ ترك الإِنكار: على أنه يجوز لمن لا طاقة له بعدوّه؛ أن يمتنع من الأسر، وأن يستأسر.
[الباب الثالث والعشرون] بابُ الكَذِب في الحَرْبِ
١٠٥/ ٣٣٣٧ - (عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَف فإِنَّهُ قَدْ آذى الله ورَسولَهُ". قالَ مُحَمَّدُ بْن مَسلْمَةَ: أتحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "نَعَمْ"، قالَ: فائْذَنْ لي فأقُولَ قالَ: "قَدْ فَعَلْتُ"، قالَ: فأتاهُ فقالَ: إنَّ هذا - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَنَّانا وَسألنا الصَّدَقَةَ، قالَ: وَأَيضًا وَالله قالَ: فإِنا قَدِ اتَّبعْنَاهُ، فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتى نَنْظُرَ إلى ما يَصِيرُ أَمْرُهُ، قالَ: فَلمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح]
١٠٦/ ٣٣٣٨ - (وعَنْ أَمِّ كُلثُومِ بِنْتِ عُقْبَةَ قالَتْ: لمْ أَسْمَعِ النَّبِيَّ ﷺ يُرَخِّصُ في شَيْء مِنَ الْكَذِبِ مِمَّا تَقُولُ النَّاسُ، إِلَّا في الحرْب وَالإِصْلَاح بَيْنَ النَّاسِ وَحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَديْثِ المرْأَةِ زَوْجَها. رواهُ أَحمَدُ (٢) وَمُسلِمُ (٣) وأبُو داوُدَ) (٤). [صحيح]
حديث جابر: هو في بعض الروايات كما ساقه المصنف مختصرًا، وفي بعضها: أنَّه قال له بعد قوله: حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمره: قد أردت أن تسلفني سلفًا، قال: فما ترهنني؛ ترهنني نساءكم؟ قال: أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا؟! قال: فترهنون أبناءكم؟ قال يسبُّ ابن أحدنا فيقال: رهن في وسق، أو وسقين من تمر، ولكن نرهنك اللامة، يعني: السلاح، قال: نعم. وواعده أن يأتيه
стр. 6830
بالحارث، وأبي عبس بن جبر، وعبَّاد بن بشر، قال: فجاؤوا، فدعوه ليلًا، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: إنِّي لأسمع صوتًا كأنه صوت الدَّم، فقال: إنما هو محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إنَّ الكريم إذا دعي إلى طعنةٍ ليلًا أجاب.
قال محمد: إذا جاء فسوف أمدُّ يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه، فدونكم، قال: فنزل وهو متوشحٌ، فقالوا: نجد منك ريح الطيب، فقال: نعم؛ تحتي فلانةٌ أعطر نساء العرب، فقال محمد: فتأذن لي أن أشمَّ منك؟ قال: نعم، فشمَّ، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: نعم، فاستمكن منه ثم قال: دونكم، فقتلوه. أخرجه الشيخان (١) وأبو داود (٢).
وحديث أم كلثوم هو أيضًا في صحيح البخاري (٣) في كتاب الصلح منه ولكنه مختصرٌ.
وقد ورد في معنى حديث أم كلثوم أحاديث أخر، (منها) حديث أسماء بنت يزيد عند الترمذي (٤)، قالت: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس ما يحملكم أن [تتايعوا] (٥) عليّ الكذب [كتتايع] (٥) الفراش في النار، الكذب كله على ابن آدم حرامٌ إلا في ثلاث خصالٍ: رجل كذب على امرأته ليرضيها، ورجل كذب في الحرب فإنَّ الحرب خدعة، ورجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما".
و [التتايع] (٥): التهافت في الأمر. والفراش الطائر: الذي يتواقع في ضوء السراج. فيحترق.
стр. 6831
وأخرج مالك في "الموطأ" (١) عن صفوان بن سليم الزرقي أن رجلًا قال: يا رسول الله أكذب امرأتي؟ فقال ﷺ : "لا خير في الكذب"، قال: فأعدها وأقول لها، فقال ﷺ : "لا جناح عليك".
وأخرج أحمد (٢) والنسائي (٣) وابن حبان (٤) والحاكم وصححاه (٥) من حديث أنس في قصة الحجَّاج بن عِلاط في استئذانه النبي ﷺ أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة، وأذن له النبيّ ﷺ ، وإخباره لأهل مكة: أن أهل خيبر هزموا المسلمين.
وأخرج الطبراني في الأوسط (٦): "الكذب كلُّه إثم إلا ما نفع به مسلم، أو دفع به عن دين".
وأخرج الشيخان (٧) وغيرهما (٨) من حديث أبي هريرة قال: قال
стр. 6832
رسول الله ﷺ : لم يكذب إبراهيم [النبي] (١) ﵇ إلا ثلاث كذبات: ثنتين في كتاب الله تعالى قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٢)، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٣) وواحدة في شأن سارة، الحديث.
قوله: (فائذن لي فأقول) أي: أقول ما لا يحلُّ في جانبك.
قوله: (عَنَّانا) بفتح العين المهملة، وبتشديد النون الأولى: أي كلفنا بالأوامر، والنواهي.
وقوله: (سألنا الصدقة) أي: طلبها منَّا لنضعها مواضعها.
وقوله: (فنكره أن ندعه … إلخ) معناه نكره فراقه.
والحديث المذكور قد استدلَّ به على جواز الكذب في الحرب، وكذلك بوّب عليه البخاري باب الكذب في الحرب (٤).
قال ابن المنير (٥): الترجمة غير مطابقة؛ لأنَّ الذي وقع بينهم في قتل كعب بن الأشرف يمكن أن يكون تعريضًا؛ ثم ذكر أن الذي وقع في حديث الباب ليس فيه شيءٌ من الكذب، وأنَّ معنى ما في الحديث: هو ما ذكرناه في تفسير ألفاظه، وهو صدق.
قال الحافظ (٦): والذي يظهر أنه لم يقع منهم فيما قالوه شيءٌ من الكذب أصلًا، وجميع ما صدر منهم تلويح كما سبق، لكن ترجم - يعني البخاري - لقول محمد بن مسلمة أولًا: ائذن لي أن أقول، قال: قل، فإنه يدخل [فيه] (٧) الإِذن في الكذب تصريحًا وتلويحًا.
قوله: (إلا في الحرب إلخ) قال الطبري (٨): ذهبت طائفةٌ إلى جواز الكذب لقصد الإِصلاح، وقالوا: إن الثلاث المذكورة، كالمثال، وقالوا: إنَّ الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرَّةٌ وليس فيه مصلحةٌ.
стр. 6833
وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيءٍ مطلقًا، وحملوا الكذب المراد هنا: على التورية، والتعريض، كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس، وهو يريد.
قوله: اللهم اغفر للمسلمين، ويعد امرأته بعطيةٍ شيءٍ ويريد: إنْ قدَّر الله ذلك، وأن يظهر من نفسه قوَّة قلب، وبالأول جزم الخطابي (١)، وبالثاني جزم المهلب (٢) والأصيلي (٢) وغيرهما.
قال النووي (٣): الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى.
وقال ابن العربي (٤): الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنصِّ رفقًا بالمسلمين لحاجتهم إليه، وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالًا، انتهى.
ويقوي ذلك حديث الحجاج بن علاط المذكور (٥).
ولا يعارض ما ورد في جواز الكذب في الأمور المذكورة ما أخرجه النسائي (٦) من طريق مصعب بن سعد، عن أبيه في قصة عبد الله بن أبي سرحٍ وقول الأنصار للنبي ﷺ لما كفَّ عن بيعته: هلَّا أومأت إلينا بعينك؟ قال: "ما ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين" لأنَّ طريق الجمع بينهما: أن المأذون فيه بالخداع والكذب في الحرب حالة الحرب خاصةً.
وأما حالة المبايعة فليست بحالة حرب، كذا قيل: وتعقب: بأنَّ قصة الحجاج بن علاط (٥) أيضًا لم تكن في حال حرب.
قال الحافظ (٧): والجواب المستقيم أن يقال: المنع مطلقًا من خصائص النبي ﷺ فلا يتعاطى شيئًا من ذلك، وإن كان مباحًا لغيره.
стр. 6834
ولا يعارض ذلك ما تقدم: من أنه كان إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها، فإنَّ المراد: أنه كان يريد أمرًا فلا يظهره، كأنْ يريد أن يغزو جهة المشرق فيسأل عن أمر في جهة المغرب، ويتجهز للسفر، فيظنُّ من يراه ويسمعه: أنَّه يريد جهة المغرب، وأما إنه يصرِّح بإرادته المغرب ومراده المشرق فلا.
قال ابن بطال (١): سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث فقال: الكذب المباح في الحرب ما يكون في المعاريض، لا التصريح بالتأمين مثلًا.
وقال المهلب (٢): لا يجوز الكذب الحقيقي في شيءٍ من الدين أصلًا. قال: ومحال أن يأمر بالكذب من يقول: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٣)، ولرده ما تقدم.
قال الحافظ (٤): واتفقوا: على أن المراد بالكذب في حقِّ المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقًّا عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها، وكذا في الحرب في غير التأمين.
واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار كما لو قصد ظالمٌ قتل رجلٍ وهو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده، ويحلف على ذلك، ولا يأثم، انتهى.
وقال القاضي زكريا: وضابط ما يباح من الكذب وما لا يباح: أن الكلام وسيلة إلى المقصود، فكلُّ مقصودٍ محمودٌ إن أمكن التوصل إليه بالصدق فالكذب فيه حرام، وإن لم يُمكن إلا بالكذبِ فهو مباحٌ إن كان المقصود مباحًا وواجبٌ إن كان المقصود واجبًا، انتهى.
والحقُّ أن الكذب حرامٌ كلُّه بنصوص القرآن والسنَّة من غير فرق بين ما كان
стр. 6835
منه في مقصدٍ محمودٍ، أو غير محمودٍ، ولا يستثنى منه إلا ما خصه الدليل من الأمور المذكورة في أحاديث الباب، نعم إنْ صحَّ ما قدمنا عن الطبراني في الأوسط (١) كان من جملة المخصصات لعموم الأدلة القاضية بالتحريم على العموم.
[الباب الرابع والعشرون] بابُ ما جاءَ في المبارَزةِ
١٠٧/ ٣٣٣٩ - (عَنْ عَليّ قالَ: تَقَدَّمَ عُتْبةُ بْنُ رَبيعةَ وَمَعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ فَنادَى مَنْ يُبارزُ؟ فانْتُدِبَ لَهُ شبَاب مِنَ الأنْصارِ، فقالَ: مَنْ أَنْتمْ؟ فأخْبرُوهُ، فقالَ لا حاجةَ لنا فِيكُمْ إنّا أرَدنا بَني عمنا، فقال رسُولُ الله ﷺ : "قُمْ يا حمْزَةُ قُمْ يا عليُّ، قُمْ يا عُبَيْدَةُ بْنَ الحارِثِ"، فأقْبلَ حَمْزَةُ إلى عُتْبةَ، وَأَقْبَلْتُ إلى شَيْبَةَ، وَاخْتَلفَ بَينَ عُبَيْدَةَ وَالوَلِيدِ ضرْبَتانِ، فأثخنَ كُلُّ وَاحِدِ مِنَّا صَاحبه ثمَّ مِلْنا إلى الولِيدِ فقَتلْناهُ وَاحْتَملْنا عُبَيدَةَ رَوَاهُ أَحمدُ (٢) وأبُو داوُد) (٣). [صحيح]
١٠٨/ ٣٣٤٠ - (وَعن قَيْس بْنِ عَبَّادٍ عَنْ عَليّ قالَ: أنا أوَّلُ مَنْ يجْثُوِ للخُصُومَةِ بَينَ يَديِ الرّحمنِ يَوْمَ الْقيامَةِ، قال قَيْسٌ: فِيهمْ نزَلتْ هذِهِ الآيةُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٤) قالَ: هُمُ الَّذينَ تبارَزُوا يَوْمَ بَدرٍ عَليٌّ وَحَمزَةُ وَعُبَيْدَةُ بْنُ الحارثِ، وَشَيْبَةُ بْن رَبيعةَ وعَتْبةُ بْن ربيعةَ وَالولِيدُ بن عُتْبَة (٥). [صحيح]
وفي رِوايةٍ أن عَلِيًّا قالَ: فينا نزَلتْ هَذهِ الآيَةُ، وَفي مبارَزتنا يَوْمَ بَدْر ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٤). رَواهُما البُخاريُّ) (٦). [صحيح]
стр. 6836
١٠٩/ ٣٣٤١ - (وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَع قالَ: بَارَزَ عَمِّي يَوْمَ خَيْبَرَ مَرْحَبٌ الْيهُودِيُّ. رَواهُ أَحمدُ (١) في قِصةِ طَوِيلةٍ، وَمَعْنَاه لِمُسْلِمٍ) (٢). [صحيح]
حديث علي الأول سكت عنه أبو داود (٣) والمنذري (٤)، ورجال إسناده ثقات.
وفي الباب عن أبي ذر عند الشيخين (٥) في ذكر المبارزة المذكورة مختصرًا.
وأخرج ابن إسحاق في المغازي (٦): "أن عليًا بارز يومَ الخندق عمرو بنَ عبدِ ودِّ". ووصله الحاكم (٧) من حديث أنس بنحوه.
وأخرج ابن إسحاق أيضًا في المغازي (٨) عن جابر قال: "خرج مَرْحَبٌ اليهوديُّ من حصن خيبر، قد جمع سلاحه، وهو يرتجز فذكر الشعر، فقال النبي ﷺ : من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله" فذكر الحديث والقصة. ورواه أحمد (٩) والحاكم (١٠) وقال: صحيح الإِسناد، والذي في صحيح مسلم (١١) من حديث سلمة بن الأكوع مطولًا أنه بارزه علي وفيه: "فخرج مرحب وهو يقول":
قد علمتْ خيبرُ أنِّي مَرْحَبٌ … شاكي السلاحِ بَطَلٌ مُجَرِّبُ
فقالَ عليّ ﵇:
стр. 6837
أنا الذي سمَّتْني أمي حيْدَرَهْ … كَلَيْثِ غاباتٍ كَرِيْهِ المنْظَرَهْ
وضرب رأس مرحب فقتله.
قال الحافظ في التلخيص (١): إنَّ الأخبار متواترةٌ أن عليًا هو الذي قتل مرحبًا، انتهى.
ورواية سلمة التي ذكرها المصنف في الباب تدلُّ على أن الذي بارز مرحبًا هو عمه.
ويمكن الجمع بأن يقال: إنَّ محمد بن مسلمة، وكذلك عم سلمة بن الأكوع بارزاه أولًا، ولم يقتلاه، ثم بارزه عليٌّ آخرًا فقتله.
ومما يرشد إلى ذلك ما أخرجه الحاكم (٢) بسندٍ فيه الواقدي: أنه ضرب محمد بن مسلمة ساقي مَرْحَبٍ ضربةً فقطعهما ولم يجهز عليه، فمرّ به عليٌّ فضرب عنقه، وأعطى رسول الله ﷺ سلبه محمد بن مسلمة. وروى الحاكم (٣) بسند منقطع فيه الواقدي أيضًا أن أبا دجانة قتله وجزم ابن إسحاق في السيرة (٤) أن محمد بن مسلمة هو الذي قتله.
قال الحافظ في التلخيص (٥) في باب قسمة الفيء: والصحيح أن علي بن أبي طالب هو الذي قتله كما ثبت في صحيح مسلم (٦) من حديث سلمة بن الأكوع، وفي مسند أحمد (٧) عن علي، انتهى.
وفي الصحيحين (٨) عن عبد الرحمن بن عوف: "أن عوفًا ومعوذًا ابني عفراء خرجا يوم بدر إلى البراز فلم ينكر عليهما النبي ﷺ ".
стр. 6838
وروى ابن إسحاق في المغازي (١): أن عبد الله بن رواحة خرج يوم بدر إلى البراز هو، ومعوِّذ وعوف ابنا عَفْراء، وذكر القصة.
قوله: (فانتدب له شبابٌ من الأنصار) هم عبد الله بن رواحة، ومعوِّذ، وعوف ابنا عفراء، كما بين ذلك ابن إسحاق (٢).
قوله: (قم يا عبيدةُ بن الحارث) قال ابن إسحاق: إن عبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة كانا أسنَّ القوم، فبرز عبيدة لعتبة، وحمزة لشيبة، وعليّ للوليد.
وروى موسى بن عقبة أنه برز حمزة لعتبة، وعبيدة لشيبة، وهو المناسب لحديث الباب فقتل علي وحمزة من بارزاهما، واختلف عبيدة ومن بارزه بضربتين فوقعت الضربة في ركبة عبيدة فمات منها لما رجعوا [بالصَّفراءِ] (٣) ومال حمزة وعلي إلى الذي بارز عبيدة فأعاناه على قتله.
وفي الأحاديث التي ذكرها المصنف وذكرناها دليل على أنها تجوز المبارزة، وإلى ذلك ذهب الجمهور (٤)، والخلاف في ذلك للحسن البصري (٥)، وشرط الأوزاعي، والثوري، وأحمد (٦) وإسحاق إذن الأمير كما في هذه الرواية، فإن النبي ﷺ أذن للمذكورين.
قوله: (فأثخن كل واحد منَّا صاحبه)، لفظ أبي داود (٧): "فأثخن كل واحد منهما صاحبه"، أي: كل واحد من المذكورين وهما عبيدة والوليد.
ومعنى الرواية المذكورة في الباب أنه أثخن حمزة من بارزه وهو عتبة، وأثخن عليّ من بارزه وهو شيبة ثم مالا إلى الوليد.
قال في القاموس (٨): أثخن في العدو: بالغ في الجراحة فيهم، وفلانًا أوهنه و ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ (٩) أي: غلبتموهم وكثر فيهم الجراح، انتهى.
قوله: (ثم ملنا إلى الوليد) فيه دليل على أنه يجوز أن تعين كل طائفة من الطائفتين المتبارزتين بعضهم بعضًا.
стр. 6839
[الباب الخامس والعشرون] بابُ مَنْ أحبَّ الإِقامَةَ بموضِعِ النَّصْرِ ثلاثًا
١١٠/ ٣٣٤٢ - (عَنْ أَنسٍ عَنْ أَبي طَلْحَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كانَ إذَا ظَهَرَ على قَوْمٍ أَقامَ بالْعَرْصَةِ ثلَاثَ لَيالٍ. متَّفَقٌ عَليْهِ (١). [صحيح]
وفي لفْظٍ لأحمدَ (٢) والتِّرْمذيِّ (٣): بعَرْصَتِهمْ. [صحيح]
وفي روايةٍ لأحمد (٤): لمَّا فَرَغَ مِنْ أهْلِ بَدْرٍ أَقامَ بالْعَرْصَةِ ثلَاثًا). [صحيح]
قوله: (أقام بالعرصة) - بفتح العين المهملة وسكون الراء بعدها صاد مهملة - وهي البقعة الواسعة بغير بناء من دار أو غيرها (٥).
وفي الحديث دليل: على أنها تشرع الإِقامة بالمكان الذي ظهر به حزب الحقِّ على حزب الباطل ثلاث ليال.
قال المهلب (٦): حكمة الإِقامة لإِراحة الظهر والأنفس.
وقال ابن الجوزي (٧): إنما كان ذلك لإِظهار تأثير الغلبة وتنفيذ الأحكام، وقلة الاحتفال بالعدوِّ، وكأنه يقول: من كانت فيه قوَّة منكم فليرجع إلينا.
وقال ابن المنير (٨): يحتمل أن يكون المراد: أن تقع ضيافة الأرض التي وقعت فيها المعاصي بإيقاع الطاعة فيها بذكر الله تعالى، وإظهار شعار المسلمين، وإذا كان ذلك في حكم الضيافة؛ ناسب أن يقيم عليها ثلاثًا؛ لأنَّ الضيافة ثلاث.
стр. 6840
قال الحافظ (١): ولا يخفى أن محله إذا كان في أمن من عدوّ طارق.
[الباب السادس والعشرون] باب أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وأنها لم تكن لرسول الله ﷺ -
١١١/ ٣٣٤٣ - (عَنْ عمْرِو بْنِ عبْسَةَ قالَ: صَلَّى بِنَا رسُولُ الله ﷺ إلى بَعِيرٍ مِنَ المَغْنَمِ، فلمَّا سلَّمَ أخذَ وَبرَةً مِنْ جَنْبِ البَعِيرِ، ثمَّ قالَ: "ولَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنائِمكُمْ مِثلُ هذا إلَّا الخُمُسَ، والخُمْسُ مَرْدُودٌ فيكُمْ". رواهُ أَبُو داودَ (٢)
стр. 6841
والنَّسائيُّ بمَعْناهُ) (١). [صحيح]
١١٢/ ٣٣٤٤ - (وعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى بهِمْ في غَزْوَتِهِمْ إلى بَعِيرٍ مِنَ المَقْسِمِ، فلمَّا سلَّم قامَ إلى الْبَعِيرِ مِنَ المَقْسِمِ فتَنَاوَلَ وَبَرَةً بيْنَ أَنْمُلَتَيْهِ، فقالَ: "إنَّ هذا مِنْ غَنَائِمِكُمْ، وإنهُ ليْسَ لي فِيها إلا نَصِيبِي مَعَكُمْ إلَّا الْخُمُسَ، والخُمسُ مَرْدُودٌ علَيْكُمْ فأدُّوا الخَيْطَ والْمِخْيَطَ وأَكْبَر مِنْ ذلكَ وأَصْغَرَ".
رواهُ أَحمدُ في المُسْندِ) (٢). [حسن]
١١٣/ ٣٣٤٥ - (وعَنْ عَمْرِو بْنَ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ في قِصْةِ هَوَازِنَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَنا مِنْ بعِيرٍ فأخَذَ وَبَرَةً مِنْ سِنَامِهِ، ثمَّ قالَ: "يَا أَيُّها النَّاسُ إنَّهُ ليْسَ لِي مِنْ هذا الفَيْءِ شَيْءٌ وَلا هذهِ إِلَّا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ علَيْكُمْ فأدُّوا الخَيْط والْمِخيَطَ"، رَواه أَحمد (٣) وَأَبُو داودَ (٤) والنَّسائيُّ (٥) وَلمْ يَذْكُرُوا: "أَدُّوا الخَيْطَ والْمِخْيَطَ"). [حسن]
حديث عمرو بن عبسة سكت عنه أبو داود (٦) والمنذري (٧) ورجال إسناده ثقات.
стр. 6842
وحديث عبادة بن الصامت أخرجه أيضًا النسائي (١) وابن ماجه (٢) وحسنه الحافظ في الفتح (٣).
قال المنذري وروي أيضًا: من حديث جبير بن مطعم (٤)، والعرباض بن سارية (٥) انتهى.
وحديث عمرو بن شعيب قد قدمنا الكلام على الأسانيد المروية عنه عن أبيه عن جده.
وقد أخرج هذا الحديث مالك (٦) والشافعي (٧) ووصله النسائي (٨) من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحسنه الحافظ في الفتح (٩).
قوله: (وَبَرة) بفتح الواو والباء الموحدة بعدها راء. قال في القاموس (١٠): الوبر: - محركة - صوف الإِبل، والأرانب ونحوها، الجمع أوبار.
قوله: (والمخيط) هو ما يخاط به كالإِبرة ونحوها (١١).
وفيه دليل على التشديد في أمر الغنيمة، وأنه لا يحل لأحد أن يكتم منها شيئًا وإن كان حقيرًا.
وسيأتي الكلام على ذلك في باب التشديد في الغلول (١٢).
وأحاديث الباب فيها دليل على أنه لا يأخذ الإِمام من الغنيمة إلا الخمس (١٣) ويقسم الباقي منها بين الغانمين، والخمس الذي يأخذه أيضًا ليس هو
стр. 6843
له وحده، بل يجب عليه أن يرده على المسلمين على حسب ما فصَّله الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١).
وروى الطبراني في الأوسط (٢) وابن مردويه في التفسير (٣) من حديث ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية قسم خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) الآية، فجعل سهم الله وسهم رسوله واحدًا، وسهم ذوي القربى هو والذي قبله في الخيل والسِّلاح، وجعل سهم اليتامى وسهم المساكين وسهم ابن السبيل لا يعطيه غيرهم، ثم جعل الأربعة الأسهم الباقية: للفرس سهمان، ولراكبه سهم، وللراجل سهمٌ".
وروى أيضًا أبو عبيد في الأموال نحوه.
وفي أحاديث الباب أيضًا دليل: على أنَّه لا يستحق الإِمام السهم الذي يقال له: الصفيُّ (٤).
واحتجَّ من قال بأنَّه يستحقه بما أخرجه أبو داود (٥) عن الشعبي وابن سيرين وقتادة أنهم قالوا: "كان لرسول الله ﷺ سهم يدعى الصفي" ولا يقوم بمثل هذا المرسل حجة.
وأما اصطفاؤه ﷺ سيفه ذا الفقار من غنائم بدر. فقد قيل: إنّ الغنائم كانت
стр. 6844
له يومئذٍ خاصةً، فنسخ الحكم بالتخميس، كما حكى ذلك صاحب البحر (١) عن الإِمام يحيى.
وأما صفية بنت حيي بن أخطب: فهي من خيبر، ولم يقسم النبي ﷺ للغانمين منها إلا البعض، فكان حكمها حكم ذلك البعض الذي لم يقسم: على أنه قد روى أنها وقعت في سهم دِحْية بن خليفة الكلبيِّ، فاشتراها منه النبي ﷺ بسبعة أرؤس.
وقد ذهب إلى أن الإِمام يستحق الصفي العترة (٢) وخالفهم الفقهاء، وسيذكر المصنف ﵀ الأدلة القاضية باستحقاق الإِمام للصفي في باب مستقل سيأتي (٣).
[الباب السابع والعشرون] بابُ أن السَّلْبَ للقاتِلِ وأنَّهُ غيرُ مخموسٍ
١١٤/ ٣٣٤٦ - (عَنْ أَبي قَتادَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسُولِ الله ﷺ يوْمَ حُنَيْنٍ، فلَمَّا الْتَقَيْنا كانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلةٌ، قالَ: فَرَأَيْتُ رجُلًا مِنَ المُشْرِكينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمينَ، فاسْتَدَرْتُ إِليهِ حتَّى أَتيْتُهُ مِنْ ورَائِهِ فَضَرَبْتهُ على حَبْلِ عاتقِهِ وأَقْبَلَ عَليَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ المَوْتِ، ثمَّ أَدْركَهُ المَوْتُ فأرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فقالَ: ما لِلنَّاسِ؟ فقُلْتُ: أَمْرُ الله، ثمَّ إنَّ النَّاسَ رجَعُوا، وجَلَسَ رسُولُ اللهِ ﷺ فقالَ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا [لهُ] (٤) عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فلَهُ سَلَبهُ"، قالَ: فَقُمْتُ فَقلْتُ: مَنْ يشْهَدُ لِي؟ ثمَّ جَلَسْتُ، ثمَّ قالَ مِثْلَ ذلِكَ، قالَ: فَقُمْتُ فَقلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثمَّ جلَسْتُ، ثمَّ قالَ ذلكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمْتُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما
стр. 6845
لَكَ يَا أَبَا قَتادَةَ؟ "، فَقَصَصْتُ عَليهِ الْقِصَّةَ، فقالَ رجُلٌ مِنَ القَوْمِ: صَدَقَ يا رسُولَ الله، سلَبُ ذلكَ الْقَتِيلِ عِندِي فأرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ، فقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَاهَا الله إذًا لَا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ الله يُقاتِلُ عَنِ الله وعَنْ رَسُولِهِ فَيُعْطيكَ سَلَبَهُ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "صَدَقَ، فأعْطِهِ إيّاهُ" فأعْطانِي، قالَ: فَبِعْتُ الدِّرْعَ فابْتَعْتُ [به] (١) مَخْرَفًا في بَنِي سَلَمَةَ، فإنَّهُ لأوّلُ مالٍ تأثَّلْتُهُ في الإِسْلَامِ. مُتفقٌ عَليهِ) (٢). [صحيح]
١١٥/ ٣٣٤٧ - (وعَنْ أَنَسٍ أن [النَّبيَّ] (٣) ﷺ قالَ يوْمَ حُنَيْن: "مَنْ قتَلَ رجُلًا فَلهُ سَلَبُهُ"، فقَتَلَ أبُو طَلحةَ عشْرِينَ رجُلًا وأخَذَ أَسْلَابَهُمْ. رواهُ أحمدُ (٤) وأَبُو دَاودَ (٥). [صحيح]
وفي لفظٍ: "مَنْ تفَرَّدَ بدَمِ رَجُلٍ فقَتَلهُ فلَهُ سلَبُهُ"، قالَ: فجَاءَ أَبُو طَلْحَةَ بِسَلَب أَحدٍ وعَشْرينَ رجُلًا. رَوَاهُ أحمدُ) (٦). [صحيح]
١١٦/ ٣٣٤٨ - (وَعنْ عَوْفِ بْنِ مالكٍ أنَّهُ قالَ لِخَالدِ بْنِ الوَليدِ: أمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبيّ ﷺ قَضَى بالسَّلَبِ لِلْقاتِلِ؟ قالَ: بَلَى. رواهُ مُسْلِمٌ) (٧). [صحيح]
١١٧/ ٣٣٤٩ - (وعَنْ عَوْفٍ وَخَالدٍ أيْضًا أنْ النَّبِيَّ ﷺ لمْ يُخَمِّسِ السَّلبَ.
стр. 6846
رَواه أحَمدُ (١) وأبُو داوُدَ) (٢). [صحيح]
حديث أنس سكت عنه أبو داود (٣) والمنذري (٤) ورجال إسناده رجال الصحيح.
وتمامه: "ولقي أبو طلحة أمَّ سليم ومعها خنجر، فقال: يا أمَّ سليم ما هذا معك؟ قالت: أردتُ والله إنْ دنا منِّي بعضهم أبعج به بطنه، فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله ﷺ ".
وأخرج قصَّة أمّ سليم مسلم (٥) أيضًا.
وحديث عوفٍ، وخالدٍ: "أنَّه ﷺ لم يخمِّس السَّلب".
أخرجه أيضًا ابن حبان (٦) والطبراني (٧).
قال الحافظ بعد ذكره في التلخيص (٨) ما لفظه: وهو ثابت في صحيح مُسلمٍ في حديثٍ طويلٍ فيه قصةٌ لعوف بن مالكٍ مع خالدِ بن الوليد. اهـ. وفيه نظرٌ، فإنَّ هذا اللفظ الذي هو محلُّ الحجَّة لم يكن في صحيح مُسلمٍ، بل الذي هو فيه ما سيأتي قريبًا، وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل بن عياش وفيه كلام معروف قد تقدم ذكره مرارًا.
قوله: (جولة) (٩) - بفتح الجيم، وسكون الواو -: أي حركةٌ فيها اختلاط، وهذه الجولة كانت قبل الهزيمة.
قوله: (فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين) قال الحافظ (١٠)؛ لم أقف على اسميهما.
стр. 6847
قوله: (على حبل عاتقه) حبل العاتق عصبه، والعاتق (١): موضع الرِّداء من المنكب.
قوله: (وجدت منها ريح الموت) أي: من شدَّتها، وأشعر ذلك بأنَّ هذا المشرك كان شديد القوة جدًّا.
قوله: (فأرسلني) أي: أطلقني.
قوله: (فلحقتُ عمر … إلخ) في السياق حذفٌ تبيِّنه الرواية الأخرى من حديثه في البخاري (٢) وغيره (٣) بلفظ: "ثم قتلته وانهزم المسلمون، وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب".
قوله: (أمرُ الله) أي حكم الله، وما قضى به.
قوله: (فله سلبه) السلب - بفتح المهملة واللام؛ بعدها موحَّدةٌ -: هو ما يوجد مع المحارب من ملبوسٍ وغيره عند الجمهور (٤).
وعن أحمد (٥): لا تدخل الدابة.
وعن الشافعي (٦): يختصُّ بأداة الحرب.
стр. 6848
وقد ذهب الجمهور (١) أيضًا: إلى أن القاتل يستحقُّ السلب، سواءٌ قال أمير الجيش قبل ذلك: "من قتل قتيلًا فله سلبه" أم لا؟.
وذهبت العترة (٢)، والحنفية (٣)، والمالكية (٤)، إلى أنه لا يستحقه القاتل إلا إنْ شرط له الإِمام ذلك.
وروي عن مالكٍ (٥): أنه يخيَّر الإِمام بين أن يعطي القاتل السلب أو يخمسه. واختاره القاضي إسماعيل (٦). وعن إسحاق (٦) إذا كثرت الأسلاب خمِّست.
وعن مكحول (٧) والثوري (٨) يخمِّس مطلقًا.
وقد حكي عن الشافعي (٩) أيضًا.
وحكاه في البحر (١٠) عن ابن عمر، وابن عباس، والقاسمية.
وحكي أيضًا عن أبي حنيفة (١١) وأصحابه، والشافعي (١٢)، والإِمام يحيى (١٣) أنه لا يخمس.
وحكي أيضًا عن علي (١٤) مثل قول إسحاق.
стр. 6849
واحتج القائلون بتخميس السلب بعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) الآية، فإنه لم يستثن شيئًا، واستدل من قال: إنه لا خمس فيه بحديث عوف بن مالك (٢)، وخالد (٣) المذكور في الباب وجعلوه مخصصًا لعموم الآية.
قوله: (فقال رجل من القوم) قال الواقدي (٤): اسمه أسود من خزاعة.
قال الحافظ (٥): وفيه نظر؛ لأن في الرواية الصحيحة أن الذي أخذ السلب قرشي.
قوله: (لاها الله) قال الجوهري (٦): ها للتنبيه. وقد يقسم بها، يقال: لاها الله ما فعلت كذا. قال ابن مالك (٧): فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، قال: ولا يكون ذلك إلا مع الله: أي لم يسمع لاها الرحمن كما سمع لا والرحمن. قال: وفي النطق بها أربعة أوجه:
أحدها: ها الله باللام بعد الهاء بغير إظهار شيء من الألفين.
ثانيها: مثله لكن بإظهار ألف واحدة بغير همز كقولهم: التقت حلقتا البطان.
ثالثها: ثبوت الألفين بهمزة قطع.
رابعها: بحذف الألف وثبوت همزة القطع. اهـ.
قال الحافظ (٨): والمشهور في الرواية من هذه الأوجه الثالث ثم الأول.
وقال أبو حاتم السجستاني (٩): العرب تقول: لاهأ الله ذا بالهمزة، والقياس ترك الهمزة.
وحكى ابن التين (٩) عن الداوودي: أنه رواه برفع الله قال: والمعنى يأبى الله، وقال غيره: إن ثبتت الرواية بالرفع فتكون ها للتنبيه والله مبتدأ ولا يعمد خبره، ولا يخفى تكلفه.
стр. 6850
قال الحافظ (١): وقد نقل الأئمة الاتفاق على الجر فلا يلتفت إلى غيره.
قال: وأما (إذا) فثبت في جميع الروايات المعتمدة والأصول المحققة من الصحيحين وغيرهما بكسر الألف ثم ذال معجمة منونة.
وقال الخطابي (٢): هكذا يروونه وإنما هو في كلامهم، أي العرب: لاها الله ذا، والهاءُ فيه بمنزلة الواو، والمعنى لا والله يكون ذا.
ونقل عياض في المشارق (٣) عن إسماعيل القاضي أن المازني قال: قول الرواة: لاها الله إذا خطأ، والصواب: لاها الله ذا، أي: ذا يميني وقسمي.
وقال أبو زيد (٤): ليس في كلامهم: لاها الله إذا، وإنما هو لاها الله ذا، وذا صلة في الكلام؛ والمعنى لا والله؛ هذا ما أقسم به. ومنه أخذ الجوهري (٥). فقال: قولهم: لاها الله ذا، معناه: لا والله هذا، ففرقوا بين حرف التنبيه والصلة، والتقدير: لا والله ما فعلت ذا، وتوارد كثيرٌ ممن تكلَّم على هذا الحديث: على أن الذي وقع في الحديث بلفظ: (إذًا) خطأ، وإنما هو: ذا. تبعًا لأهل العربية. ومن زعم: أنه ورد في شيء من الروايات خلاف ذلك فلم يصب، بل يكون ذلك من إصلاح من قلد أهل العربية.
وقد اختلف في كتابة "إذًا" هذه هل تكتب بألف، أو بنون؟ وهذا الخلاف مبنيٌّ على أنها اسمٌ أو حرفٌ.
فمن قال: هي اسم، قال: الأصل فيمن قيل له: سأجيء إليك، فأجاب إذًا أكرمك، أي: إذا جئتني أكرمك. ثم حذف جئتني وعوّض عنه التنوين، وأضمرت أنْ، فعلى هذا: تكتب بالنون.
ومن قال: هي حرف، وهم الجمهور واختلفوا، فمنهم من قال: هي بسيطة وهو الراجح.
стр. 6851
ومنهم من قال: مركبة من (إذا) و (أن)، فعلى الأول تكتب بالألف وهو الراجح، وبه وقع رسم المصاحف، وعلى الثاني تكتب بنون.
واختلف في معناها، فقال سيبويه (١): معناها: الجواب، والجزاء، وتبعه جماعة فقالوا: هي حرف جواب يقتضي التعليل.
وأفاد أبو علي الفارسي (٢): أنها قد تتمحض للتعليل، وأكثر ما تجيء جواب لو وإن ظاهرًا أو مقدرًا.
قال في الفتح (٣): فعلى هذا لو ثبتت الرواية بلفظ إذا لاختل نظم الكلام لأنه يصير هكذا: لا والله إذا لا يعمد إلى أسد … إلخ، وكان حقٌّ السِّياق أن يقول: إذًا يعمد؛ أي: لو أجابك إلى ما طلبت لعمد إلى أسدٍ إلخ، وقد ثبتت الرواية بلفظ: "لا يعمد … إلخ"، فمن ثم ادَّعى من ادَّعى: أنها تغيير.
ولكن قال ابن مالك (٤): وقع في الرواية (إذًا) بألف وتنوين وليس ببعيد.
وقال أبو البقاء (٥): هو بعيدٌ، ولكن يمكن أن يوجَّه بأنَّ التقدير: لا والله لا يعطى إذًا، ويكون: لا يعمد … إلخ تأكيدًا للنفي المذكور، وموضحًا للسبب فيه.
وقال الطيبي (٦): ثبتت في الرواية: "لاها الله إذًا"، فحمله بعض النحويين على أنه من تغيير بعض الرواة؛ لأن العرب لا تستعمل: لاها الله بدون ذا، وإن سلم استعماله بدون ذا فليس هذا موضع إذًا لأنها حرف جزاء، ومقتضى الجزاء: أن لا يذكر لا في قوله: "لا يعمد" بل كانوا يقولون: "إذًا يعمد إلى أسد … إلخ"، ليصح جوابًا لطالب السلب.
قال: والحديث صحيح والمعنى صحيح، وهو كقولك لمن قال لك: افعل كذا، فقلت له: والله إذًا لا أفعل، فالتقدير: والله إذًا لا يعمد [إلى أسد] (٧).
стр. 6852
قال: ويحتمل أن تكون (إذًا) زائدة، كما قال أبو البقاء: إنها زائدة في قول الحماسي (١):
إذًا لقَامَ بنصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ
في جواب قوله:
لَوْ كُنْتُ مِنْ مازنٍ لم تُسْتَبَح إبلي (٢)
قال (٣): والعجب ممن يعتني بشرح الحديث، ويقدم نقل بعض الأدباء على أئمة الحديث وجهابذته، بذاته، وينسبون إليه الغلط والتصحيف؟ ولا أقول إن جهابذة المحدثين أعدل وأتقن في النقل، إذ يقتضي المشاركة بينهم، بل أقول: لا يجوز العدول عنهم في النقل إلى غيرهم، وقد سبقه إلى مثل ذلك القرطبيُّ في
стр. 6853
"المفهم" (١) فإنَّه قال: وقع في روايةٍ في مُسلمٍ (٢): "لاها الله ذا" بغير ألف ولا تنوين، وهو الذي جزم به من ذكرناه، يعني: من قدَّم النقل عنه من أئمة العربية.
قال: والذي يظهر لي: أن الرواية المشهورة صوابٌ، وليست بخطأ، وذلك أن هذا الكلام وقع على جواب إحدى الكلمتين للأخرى، والهاء هي التي عُوِّض بها عن واو القسم، وذلك: أن العرب تقول في القسم: آلله لأفعلنَّ بمدِّ الهمزة، وبقصرها، فكأنهم عوَّضوا عن الهمزة هاءً، فقالوا: ها الله، لتقارب مخرجيهما.
وكذلك قالوها: بالمدِّ والقصر، وتحقيقه: أن الذي مدَّ مع الهاء كأنَّه نطق بهمزتين، أبدل من إحداهما ألفًا استثقالًا؛ لاجتماعهما، كما يقول: آلله. والذي قصر كأنه نطق بهمزةٍ واحدة كما يقول: الله. وأمَّا إذًا فهي بلا شكٍّ حرف جواب وتعليل، وهي مثل التي وقعت في قوله ﷺ وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر؛ فقال: "أينقص الرطب إذا جف"؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذًا (٣)، فلو قال: فلا والله إذًا لكان مساويًا لما وقع هنا وهو "لاها الله إذًا" من كلِّ وجه، لكنه لم يحتج إلى القسم فتركه (٤)، قال: فقد وضح تقرير الكلام ومناسبته واستقامته معنًى ووضعًا من غير حاجة إلى تكلف بعيدٍ يخرج عن البلاغة، ولا سيما من ارتكب أبعد وأفسد، فجعل الهاء للتنبيه، وذا للإِشارة، وفصل بينهما بالمقسم به.
قال: وليس هذا قياسًا فيطرد ولا فصيحًا فيحمل عليه الكلام النبوي، ولا مرويًا برواية ثابتة.
قال: وما وجد للعذري وغيره في مسلم فإصلاح ممن اغتر بما حكي عن أهل العربية، والحقُّ أَحقُّ أن يُتَّبع.
قال في الفتح (٥): قال أبو جعفر الغرناطيُّ في حاشية نسخته من
стр. 6854
البخاري (١): استرسل جماعة من القدماء في هذا الإِشكال؛ إلى أن جعلوا المَخلص منه، أن اتهموا الأثبات بالتصحيف، فقالوا: والصواب: لاها الله ذا باسم الإِشارة.
قال: ويا عجباه من قوم يقبلون التشكيك على الروايات الثابتة، ويطلبون لها تأويلًا، وجوابهم: أن (ها الله) لا يستلزم اسم الإِشارة، كما قال ابن مالك (١).
وأما جعل "لا يعمد" جواب "فأرضه"، فهو سبب الغلط وليس بصحيح ممن زعمه، وإنما هو جواب شرط مقدر يدلُّ عليه قوله: "صدق فأرضه"، فكأن أبا بكر قال: إذا صدق في أنه صاحب السلب، إذًا لا يعمد إلى السلب فيعطيك حقه. فالجزاء على هذا صحيح؛ لأنَّ صدقه سبب أن لا يفعل ذلك، قال: وهذا لا تكلف فيه، انتهى.
قال الحافظ في الفتح (٢): وهو توجيه حسن والذي قبله أقعد.
ويؤيد ما رجحه من الاعتماد على ما ثبتت به الرواية كثرة وقوع هذه الجملة في كثير من الأحاديث:
(منها) ما وقع في حديث عائشة في قصة بريرة (٣) لما ذكرت أن أهلها يشترطون الولاء، قالت: فانتهرتها، فقلت: لاها الله إذًا.
(ومنها) ما وقع في حديث جُلَيبِيب: أن النبي ﷺ خطب عليه امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها، قال: "فنعم إذًا، قال: فذهب إلى امرأته فذكر لها ذلك، فقالت: لاها الله إذًا وقد منعناها فلانًا"، الحديث صححه ابن حبان (٤) من حديث أنس.
(ومنها) ما أخرجه أحمد في الزهد (٥): قال مالك بن دينار للحسن: يا أبا