← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6850–6889 · переход к 6855.

стр. 6850

قال الحافظ (١): وقد نقل الأئمة الاتفاق على الجر فلا يلتفت إلى غيره. قال: وأما (إذا) فثبت في جميع الروايات المعتمدة والأصول المحققة من الصحيحين وغيرهما بكسر الألف ثم ذال معجمة منونة. وقال الخطابي (٢): هكذا يروونه وإنما هو في كلامهم، أي العرب: لاها الله ذا، والهاءُ فيه بمنزلة الواو، والمعنى لا والله يكون ذا. ونقل عياض في المشارق (٣) عن إسماعيل القاضي أن المازني قال: قول الرواة: لاها الله إذا خطأ، والصواب: لاها الله ذا، أي: ذا يميني وقسمي. وقال أبو زيد (٤): ليس في كلامهم: لاها الله إذا، وإنما هو لاها الله ذا، وذا صلة في الكلام؛ والمعنى لا والله؛ هذا ما أقسم به. ومنه أخذ الجوهري (٥). فقال: قولهم: لاها الله ذا، معناه: لا والله هذا، ففرقوا بين حرف التنبيه والصلة، والتقدير: لا والله ما فعلت ذا، وتوارد كثيرٌ ممن تكلَّم على هذا الحديث: على أن الذي وقع في الحديث بلفظ: (إذًا) خطأ، وإنما هو: ذا. تبعًا لأهل العربية. ومن زعم: أنه ورد في شيء من الروايات خلاف ذلك فلم يصب، بل يكون ذلك من إصلاح من قلد أهل العربية. وقد اختلف في كتابة "إذًا" هذه هل تكتب بألف، أو بنون؟ وهذا الخلاف مبنيٌّ على أنها اسمٌ أو حرفٌ. فمن قال: هي اسم، قال: الأصل فيمن قيل له: سأجيء إليك، فأجاب إذًا أكرمك، أي: إذا جئتني أكرمك. ثم حذف جئتني وعوّض عنه التنوين، وأضمرت أنْ، فعلى هذا: تكتب بالنون. ومن قال: هي حرف، وهم الجمهور واختلفوا، فمنهم من قال: هي بسيطة وهو الراجح.

стр. 6851

ومنهم من قال: مركبة من (إذا) و (أن)، فعلى الأول تكتب بالألف وهو الراجح، وبه وقع رسم المصاحف، وعلى الثاني تكتب بنون. واختلف في معناها، فقال سيبويه (١): معناها: الجواب، والجزاء، وتبعه جماعة فقالوا: هي حرف جواب يقتضي التعليل. وأفاد أبو علي الفارسي (٢): أنها قد تتمحض للتعليل، وأكثر ما تجيء جواب لو وإن ظاهرًا أو مقدرًا. قال في الفتح (٣): فعلى هذا لو ثبتت الرواية بلفظ إذا لاختل نظم الكلام لأنه يصير هكذا: لا والله إذا لا يعمد إلى أسد … إلخ، وكان حقٌّ السِّياق أن يقول: إذًا يعمد؛ أي: لو أجابك إلى ما طلبت لعمد إلى أسدٍ إلخ، وقد ثبتت الرواية بلفظ: "لا يعمد … إلخ"، فمن ثم ادَّعى من ادَّعى: أنها تغيير. ولكن قال ابن مالك (٤): وقع في الرواية (إذًا) بألف وتنوين وليس ببعيد. وقال أبو البقاء (٥): هو بعيدٌ، ولكن يمكن أن يوجَّه بأنَّ التقدير: لا والله لا يعطى إذًا، ويكون: لا يعمد … إلخ تأكيدًا للنفي المذكور، وموضحًا للسبب فيه. وقال الطيبي (٦): ثبتت في الرواية: "لاها الله إذًا"، فحمله بعض النحويين على أنه من تغيير بعض الرواة؛ لأن العرب لا تستعمل: لاها الله بدون ذا، وإن سلم استعماله بدون ذا فليس هذا موضع إذًا لأنها حرف جزاء، ومقتضى الجزاء: أن لا يذكر لا في قوله: "لا يعمد" بل كانوا يقولون: "إذًا يعمد إلى أسد … إلخ"، ليصح جوابًا لطالب السلب. قال: والحديث صحيح والمعنى صحيح، وهو كقولك لمن قال لك: افعل كذا، فقلت له: والله إذًا لا أفعل، فالتقدير: والله إذًا لا يعمد [إلى أسد] (٧).

стр. 6852

قال: ويحتمل أن تكون (إذًا) زائدة، كما قال أبو البقاء: إنها زائدة في قول الحماسي (١): إذًا لقَامَ بنصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ في جواب قوله: لَوْ كُنْتُ مِنْ مازنٍ لم تُسْتَبَح إبلي (٢) قال (٣): والعجب ممن يعتني بشرح الحديث، ويقدم نقل بعض الأدباء على أئمة الحديث وجهابذته، بذاته، وينسبون إليه الغلط والتصحيف؟ ولا أقول إن جهابذة المحدثين أعدل وأتقن في النقل، إذ يقتضي المشاركة بينهم، بل أقول: لا يجوز العدول عنهم في النقل إلى غيرهم، وقد سبقه إلى مثل ذلك القرطبيُّ في

стр. 6853

"المفهم" (١) فإنَّه قال: وقع في روايةٍ في مُسلمٍ (٢): "لاها الله ذا" بغير ألف ولا تنوين، وهو الذي جزم به من ذكرناه، يعني: من قدَّم النقل عنه من أئمة العربية. قال: والذي يظهر لي: أن الرواية المشهورة صوابٌ، وليست بخطأ، وذلك أن هذا الكلام وقع على جواب إحدى الكلمتين للأخرى، والهاء هي التي عُوِّض بها عن واو القسم، وذلك: أن العرب تقول في القسم: آلله لأفعلنَّ بمدِّ الهمزة، وبقصرها، فكأنهم عوَّضوا عن الهمزة هاءً، فقالوا: ها الله، لتقارب مخرجيهما. وكذلك قالوها: بالمدِّ والقصر، وتحقيقه: أن الذي مدَّ مع الهاء كأنَّه نطق بهمزتين، أبدل من إحداهما ألفًا استثقالًا؛ لاجتماعهما، كما يقول: آلله. والذي قصر كأنه نطق بهمزةٍ واحدة كما يقول: الله. وأمَّا إذًا فهي بلا شكٍّ حرف جواب وتعليل، وهي مثل التي وقعت في قوله ﷺ وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر؛ فقال: "أينقص الرطب إذا جف"؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذًا (٣)، فلو قال: فلا والله إذًا لكان مساويًا لما وقع هنا وهو "لاها الله إذًا" من كلِّ وجه، لكنه لم يحتج إلى القسم فتركه (٤)، قال: فقد وضح تقرير الكلام ومناسبته واستقامته معنًى ووضعًا من غير حاجة إلى تكلف بعيدٍ يخرج عن البلاغة، ولا سيما من ارتكب أبعد وأفسد، فجعل الهاء للتنبيه، وذا للإِشارة، وفصل بينهما بالمقسم به. قال: وليس هذا قياسًا فيطرد ولا فصيحًا فيحمل عليه الكلام النبوي، ولا مرويًا برواية ثابتة. قال: وما وجد للعذري وغيره في مسلم فإصلاح ممن اغتر بما حكي عن أهل العربية، والحقُّ أَحقُّ أن يُتَّبع. قال في الفتح (٥): قال أبو جعفر الغرناطيُّ في حاشية نسخته من

стр. 6854

البخاري (١): استرسل جماعة من القدماء في هذا الإِشكال؛ إلى أن جعلوا المَخلص منه، أن اتهموا الأثبات بالتصحيف، فقالوا: والصواب: لاها الله ذا باسم الإِشارة. قال: ويا عجباه من قوم يقبلون التشكيك على الروايات الثابتة، ويطلبون لها تأويلًا، وجوابهم: أن (ها الله) لا يستلزم اسم الإِشارة، كما قال ابن مالك (١). وأما جعل "لا يعمد" جواب "فأرضه"، فهو سبب الغلط وليس بصحيح ممن زعمه، وإنما هو جواب شرط مقدر يدلُّ عليه قوله: "صدق فأرضه"، فكأن أبا بكر قال: إذا صدق في أنه صاحب السلب، إذًا لا يعمد إلى السلب فيعطيك حقه. فالجزاء على هذا صحيح؛ لأنَّ صدقه سبب أن لا يفعل ذلك، قال: وهذا لا تكلف فيه، انتهى. قال الحافظ في الفتح (٢): وهو توجيه حسن والذي قبله أقعد. ويؤيد ما رجحه من الاعتماد على ما ثبتت به الرواية كثرة وقوع هذه الجملة في كثير من الأحاديث: (منها) ما وقع في حديث عائشة في قصة بريرة (٣) لما ذكرت أن أهلها يشترطون الولاء، قالت: فانتهرتها، فقلت: لاها الله إذًا. (ومنها) ما وقع في حديث جُلَيبِيب: أن النبي ﷺ خطب عليه امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها، قال: "فنعم إذًا، قال: فذهب إلى امرأته فذكر لها ذلك، فقالت: لاها الله إذًا وقد منعناها فلانًا"، الحديث صححه ابن حبان (٤) من حديث أنس. (ومنها) ما أخرجه أحمد في الزهد (٥): قال مالك بن دينار للحسن: يا أبا

стр. 6855

سعيد أو ليست مثل عباءتي هذه؟ قال: لاها الله إذًا لا ألبس مثل عباءتك هذه، وغير ذلك من الأحاديث. والراجح أن إذًا الواقعة في حديث الباب وما شابهه حرف جواب وجزاء، والتقدير: لا والله حينئذٍ ثم أراد بيان السبب في ذلك فقال: "لا يعمد إلى أسد … إلخ". قوله: (لا يعمد … إلخ) معناه لا يقصد رسول الله ﷺ رجل كأنَّه أسدٌ في الشجاعة، يقاتل عن دين الله ورسوله فيأخذ حقه ويعطيك بغير طيبة من نفسه، هكذا ضبط للأكثر بالتحتانية في يعمد وفي يعطيك، وضبطه النووي (١) بالنون فيهما. قوله: (فيعطيك سلبه) أي سلب قتيله، وأضافه إليه باعتبار أنه ملكَهُ. قوله: (فابتعت به) ذكر الواقدي (٢): أن الذي اشتراه منه حاطب بن أبي بلتعة وأن الثمن كان سبع أواق. قوله: (مخرفًا) (٣) بفتح الميم والراء ويجوز كسر الراء، أي: بستانًا سمي بذلك لأنه يخترف منه التمر، أي: يجتني. وأما بكسر الميم فهو اسم الآلة التي يخترف بها. قوله: (في بني سلمة) بكسر اللام، وهم بطن من الأنصار من قوم أبي قتادة. قوله: (تأثلته) بمثناة ثم مثلثة، أي: أصلته، وأثلة كل شيء: أصله. قوله: (من تفرَّد بدم رجلٍ) فيه دليل: على أنه لا يستحقُّ السلب إلا من تفرَّد بقتل المسلوب، فإن شاركه في ذلك غيره كان السلب لهما. قوله: (ولم يخمَّس السلب) فيه دليل: لمن قال: إنه لا يخمس السلب، وقد تقدم الخلاف في ذلك.

стр. 6856

١١٨/ ٣٣٥٠ - (وعَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قَتَلَ رجُلٌ مِنْ حِمْيَرٍ رَجُلًا مِنَ الْعَدُوِّ فأرادَ سَلبَه، فمَنَعهُ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ وَكانَ وَاليًا عَلَيْهِمْ، فأتى رسُول الله ﷺ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ فأخَبرَهُ بِذلِكَ، فقالَ لخالِدٍ: "ما مَنَعَك أَنْ تُعْطيهُ سَلبَهُ؟ "، فقالَ: استَكْثرْتُهُ يا رَسُولَ الله، قالَ: "ادْفَعْهُ إليْهِ"، فمَرَّ خالِدٌ بِعَوْفٍ فجَرَّ بِرِدَائِهِ، ثمَّ قالَ: هَلْ أَنجَزْتُ لَكَ ما ذَكَرْتُ لكَ مِن رسُولِ اللهِ ﷺ فَسَمِعَهُ رسولُ الله ﷺ فاسْتُغْضِبَ، فقالَ: "لا تُعطِهِ يا خالِدُ، هَلْ أَنْتُمْ تاركُونَ لي أُمَرَائي؟ إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رجُلٍ اسْتُرْعيَ إبِلًا وَغَنَمًا فَرَعاها، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَها فأوْرَدَها حَوْضًا فَشَرعَتْ فِيهِ فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وَتَرَكَتْ كَدَرهُ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدَرُهُ عَليْهِمْ". رواهُ أحمدُ (١) وَمُسلِمٌ (٢). [صحيح] وَفي رِوايةٍ قالَ: خرَجْتُ مَعَ زْيدِ بْنِ حارِثةَ في غَزْوَةِ مُوتة وَرَافقَني مَدَدِي مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَمَضَيْنا فلَقِينا جُمُوعَ الرُّومِ وَفِيهمْ رجُلٌ على فَرَسٍ لهُ أَشْقَرَ عَليْهِ سَرْجٌ مُذهَّبٌ وسِلاحٌ مُذَهَّبٌ، فجَعلَ الرُّوميُّ يَفْري في المُسْلِمِينَ، فقعَدَ لهُ المدَدِيُّ خلْفَ صَخْرَةٍ فمَرَّ بهِ الرُّومِيُّ فَعَرْقَبَ فرَسَهُ فخَرَّ وَعلاهُ فَقَتَلهُ وَحازَ فرَسَهُ وسِلاحَهُ؛ فلمّا فتَحَ الله لِلمُسْلِمِينَ بَعَثَ إليْهِ خالدُ بْنُ الوَليدِ فأخذَ السَّلَبَ، قالَ عَوْفٌ: فأتَيْتُهُ فقلْتُ: يا خالِدُ أَما عَلِمْتَ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى بالسَّلبِ لِلْقاتِلِ؟ قالَ: بَلى ولكِنْ استَكْثَرْتُهُ، قُلْتُ: لترُدَّنَّهُ إليْهِ أوْ لأُعَرّفنَّكهَا عِنْدَ رسولِ الله ﷺ ، فأَبَى أَن يَرُدَّ عَليْهِ، قالَ عَوْفٌ: فاجْتمَعْنا عِندَ رسولِ الله ﷺ فَقَصَصْتُ عَليْهِ قصَّةَ المددِيِّ وما فعَل خالِدٌ، وذكرَ بَقيَّة الحدِيثِ بِمَعْنى ما تَقدَّمَ. رواهُ أحمدُ (٣) وأَبُو داودَ (٤). [صحيح] وفيهِ حُجَّةٌ لِمنْ جعَل السَّلبَ المُسْتَكْثرَ إلى الإِمامِ وأَنَّ الدَّابةَ مِنَ السَّلبِ).

стр. 6857

١١٩/ ٣٣٥١ - (وعَنْ سلمَة بْنِ الأكْوعِ قالَ: غَزَوْنا مَعَ رسُولِ الله ﷺ هَوَازِنَ، فبَيْنا نَحْنُ نَتَضَحَّى معَ رسُولِ الله ﷺ إذْ جاءَ رجلٌ على جَمَلٍ أَحْمَرَ فأناخَهُ، ثمّ انْتَزَعَ طَلقًا مِنْ جُعْبَتِه فقَيَّدَ بهِ الجَملَ ثُمَّ تقدَّمَ فتَغَدَّى مَعَ القَوْمِ وجَعَلَ ينْظُرُ وَفينا ضعْفَةٌ ورِقَّةٌ مِنَ الظَّهْرِ وبَعْضُنا مُشاةٌ، إذْ خَرَجَ يشْتَدُّ فأتى جَمَلهُ فأطلَقَ قَيْدَهُ ثُمَّ أَناخَهُ فقَعدَ عَليهِ فأثارَهُ، فاشْتَدَّ بهِ الجَمَلُ، فاتَّبَعهُ رجلٌ على ناقةٍ وَرْقاءَ، قالَ سلمَةُ: فخرَجْتُ أشْتدُّ فكُنْتُ عِندَ وَرِكِ النَّاقةِ، ثُمَّ تَقَدّمْتُ حتى كُنْتُ عِندَ ورِكِ الجَملِ، ثمّ تقدَّمْتُ حتى أَخَذْتُ بخِطامِ الجَملِ فأنخْتُهُ، فلما وضَعَ رُكْبَتَيْهِ في الأرْضِ اخترطْتُ سَيْفِي فضَربْتُ رأسَ الرَّجُلِ فنَدرَ، ثُمَّ جئْتُ بالجَملِ أَقُودُهُ عليهِ رحْلُهُ وسِلاحُهُ، فاسْتَقْبَلَنِي رسولُ الله ﷺ والنَّاسُ مَعَهُ، فقالَ: "مَنْ قَتلَ الرَّجُلَ؟ " فقالوا: سلَمَةُ بْنُ الأكوَعِ، قالَ: "لهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ". متَّفَقٌ عَليهِ) (١). [صحيح] قوله: (رجل من حمير) هو المدديُّ المذكور في الرواية الثانية. قوله: (لا تعطيه يا خالد) فيه دليل: على أن للإِمام أن يعطي السلب غير القاتل لأمر يعرض فيه مصلحة من تأديب أو غيره. قوله: (هل أنتم تاركون لي أمرائي) فيه الزجر عن معارضة الأمراء، ومغاضبتهم، والشماتة بهم، لما تقدم من الأدلة الدالة على وجوب طاعتهم في غير معصية الله. قوله: (في غزوة موتة) - بضم الميم، وسكون الواو - بغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم المبرد (٢)، ومنهم من همزها، وبه جزم ثعلب (٢)، والجوهري (٣)، وابن فارس (٤).

стр. 6858

وحكى صاحب "الواعي" (١) الوجهين. وأما الموتة (٢) التي وردت الاستعاذة (٣) منها، وفسرت بالجنون فهي بغير همز. قوله: (مدديٌّ) - بفتح الميم ودالين مهملتين، قال في "النهاية" (٤): الأمداد جمع مددَ وهم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمدُّون المسلمين في الجهاد، ومدديٌّ منسوب إليه. اهـ. قوله: (يفري) - بفتح أوله، بعده فاء، ثم راء - والفري: شدة النكاية فيهم، يقال: فلان يفري: إذا كان يبالغ في الأمر، وأصل الفري: القلع، قال في القاموس (٥): وهو يفري الفري كغني يأتي بالعجب في عمله. اهـ. قوله: (فعرقب فرسه) أي: قطع عرقوبها.

стр. 6859

قال في القاموس (١): عرقبه: قطع عرقوبه. اهـ. قوله: (فبينا نحن نتضحَّى) أي: نأكل في وقت الضحى كما يقال: نتغدّى ذكر معنى ذلك في "النهاية" (٢). قوله: (من جعبته) بالجيم والعين المهملة قال في "النهاية" (٣): الجعبة: التي يجعل فيها النشاب، و (الطَّلقَ) (٤) بفتح اللام: قيد من جلود. قوله: (له سلبه أجمع) فيه دليل: على أن القاتل يستحقُّ جميع السلب وإن كان كثيرًا، وعلى أن القاتل يستحقُّ السلب في كلِّ حال حتى قال أبو ثور (٥)، وابن المنذر (٦): يستحقه ولو كان المقتول منهزمًا. وقال أحمد (٧): لا يستحقه إلا بالمبارزة. وعن الأوزاعي (٨): إذا التقى الزحفان فلا سلب. وقد اختلف إذا كان المقتول امرأةً: هل يستحقّ سلبها القاتل أم لا؟ فذهب أبو ثور وابن المنذر إلى الأول. وقال الجمهور (٩): شرطه أن يكون المقتول من المقاتلة، واتفقوا: على أنه لا يقبل قول من ادّعى السلب إلا ببنية تشهد له بأنه قتله (١٠). والحجة في ذلك ما تقدم من قوله ﷺ : "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه" (١١)، فمفهومه: أنه إذا لم يكن له بَيِّنَةٌ لا تقبل. وعن الأوزاعي (١٢): يقبل قوله بغير بينة؛ لأن النبي ﷺ أعطاه أبا قتادة بغير

стр. 6860

بينة، وقد تقدم وفيه نظر؛ لأنه وقع في "مغازي الواقدي" أن أوس بن خولي شهد لأبي قتادة، وعلى تقدير أن لا يصحّ فيحمل: على أن النبيّ ﷺ علم أنه القاتل بطريق من الطرق، وأبعد من قال من المالكية (١): إن المراد بالبينة هنا: الذي أقرَّ له أن السلب عنده، فهو شاهد. والشاهد الثاني وجود المسلوب؛ فإنَّه بمنزلة الشاهد: على أنه قتله، ولذلك جعل لوثًا في باب القسامة. وقيل: إنما استحقه أبو قتادة بإقرار الذي هو بيده، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ الإِقرار إنما يفيد إذا كان المال منسوبًا لمن هو بيده فيؤاخذ بإقراره، والمال هنا لجميع الجيش. ونقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء (٢): أن البينة هنا يكفي فيها شاهد واحدٌ. وقد اختلف في المرأة والصبيِّ: هل يستحقان سلب من قتلاه؟ في ذلك وجهان. قال الإِمام يحيى: أصحهما: يستحقان لعموم: "من قتل قتيلًا فله سلبه" (٣). قال في البحر (٤): وإنما يستحق السلب حيث قتله والحرب قائمة - لا لو قتله نائمًا، أو فارًّا قبل مبارزته، أو مشغولًا بأكل، ولا لو رماه بسهم، إذ هو في مقابلة المخاطرة بالنفس، ولا مخاطرة هنا، ولا لو قتل أسيرًا أو عزيلًا عن السلاح، ولا لو قتل من لا سطوة له كالمقْعَد والزَّمِن - فإنْ قطع يديه ورجليه استحقَّ سلبه إذ قد كُفي شرُّه، ولو جرحه رجلٌ ثم قتله آخر فالسلب للآخر، إذ لم يعط ﷺ ابن مسعود سلب أبي جهل وقد جرحه بل قاتليه من الأنصار. قال: فلو ضرب أحدهما يده والآخر رقبته؛ فالسلب لضارب الرقبة إن لم تكن ضربة الآخر قاتلةً، وإلا اشتراكًا، انتهى. والمراد بالسلب: هو ما أجلب به المقتول من ملبوسٍ، ومركوب، وسلاح، لا ما كان باقيًا في بيته.

стр. 6861

قال الإِمام يحيى (١): ولا المنطقة، والخاتم، والسوار، والجنيب من الخيل، فليس بسلب. قال المهدي (٢): بل المذهب: أن كلَّ ما ظهر على القتيل، أو معه فهو سلبٌ، لا ما يخفي من جواهر، أو دراهم، أو نحوها، انتهى. والظاهر من حديث الباب المؤكد بلفظ أجمع: أنه يقال لكل شيء وُجِدَ مع المقتول وقت القتل: سلبٌ، سواءٌ كان مما يظهر أو يخفى. واختلفوا هل يدخل الإمام في العموم إذا قال: "من قتل قتيلًا فله سلبه" فذهب أبو حنيفة، والهادوية (٣) إلى الأوّل لعموم اللفظ إلا لقرينة مخصصة نحو أن يقول: من قتل منكم. وذهب الشافعي (٤) والمؤيد (٥) بالله في قول له: إنه لا يدخل ومرجع هذا إلى المسألة المعروفة في الأصول وهي هل يدخل المخاطب في خطاب نفسه (٦) أم لا؟ وفي ذلك خلاف معروف. ١٢٠/ ٣٣٥٢ - (وعَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قالَ: بَيْنا أَنَا وَاقِفٌ في الصَّف يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فإذَا أَنا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنَ الأنْصارِ حَدِيثَةٍ أسْنَانُهُما، تَمَنَّيْتُ لوُ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلع مِنْهُما، فَغَمَزَنِي أحَدُهُما فقالَ: يَا عَمِّ هَلْ تَعْرفُ أبَا جَهْلٍ؟ قال: قُلْتُ: نَعَمْ، وما حاجَتُكَ إلَيْهِ يا ابْنَ أَخِي؟ قالَ: أخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رسولَ الله ﷺ ، والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حتَّى يَمُوتَ الأعْجَلُ مِنَّا، قالَ: فَعَجِبْتُ لذلِكَ؛ فَغَمَزَنِي الآخرُ، فقالَ مِثْلَها، فلَمْ أنْشُبْ أَنْ نَظْرتُ إلى أَبي جَهْلٍ يَزُولُ في النَّاسِ، فقُلْتُ: أَلَا تَرَيَانِ؟ هذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْألَانِ عَنْهُ، قالَ: فابَتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِما حتَّى قَتلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفا إلى رسولِ الله ﷺ

стр. 6862

فأخْبَرَاهُ، فقالَ: "أُيُّكُما قَتَلَهُ؟ "، فقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما: أَنا قَتَلْتُهُ، فقالَ: "هَلْ مَسَحْتُما سَيْفَيْكُما؟ "، قالَا: لَا، فَنَظَرَ في السَّيْفَيْنِ، فقالَ: "كِلَاكما قَتَلَهُ"، وَقَضَى بسَلَبِهِ لِمُعاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، والرَّجُلانِ مُعاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ومُعاذُ بْنِ عَفْراء. متَّفَقٌ عَليهِ) (١). [صحيح] ١٢١/ ٣٣٥٣ - (وعَنِ ابْنِ مَسْعودٍ قال: نَفَّلَنِي رسولُ اللهِ ﷺ يوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ أَبي جَهْلٍ كانَ قَتَلَهُ. رَواهُ أَبُو داودَ (٢) ولأحمدَ (٣) مَعنَاهُ، وإِنَّما أَدْرَكَ ابْنُ مَسْعودٍ أَبَا جَهْلٍ وَبهِ رَمَقٌ فأجْهَزَ عَلَيهِ. [ضعيف] رَوَى مَعْنَى ذلِكَ أَبو داوُدَ (٤) وغَيْرهُ). [صحيح] حديث ابن مسعود هو من رواية ابنه أبي عبيدة عنه، ولم يسمع منه كما تقدم غير مرة. ولفظ مسند أحمد (٥) الذي أشار إليه المصنف عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود: "أنه وجد أبا جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو صريع يذب الناس عنه بسيف له فأخذه عبد الله بن مسعود فقتله به، فنفله رسول الله ﷺ بسلبه". قوله: (حديثة أسنانهما) بالجرِّ صفة لغلامين، وأسنانهم بالرفع. قوله: (بين أضلع منهما) من الضلاعة وهي القوة. قال في "النهاية" (٦): معناه بين رجلين أقوى من اللذين كنت بينهما وأشد.

стр. 6863

ووقع في رواية الحموي (١): بين أصلح منهما - بالصاد والحاء المهملتين -. قوله: (لا يفارق سوادي سواده) السواد - بفتح السين المهملة - وهو الشخص. قوله: (حتى يموت الأعجل منَّا) أي: الأقرب أجلًا. وقيل: إن لفظة الأعجل تصحيفٌ، وإنما هو الأعجر، وهو الذي يقع في كلام العرب كثيرًا. قال في الفتح (٢): والصواب ما وقع في الرواية لوضوح معناه. قوله: (فنظر في السيفين) قال المهلب (٣): نظره ﷺ في السيفين واستلاله لهما ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما ومقدار عمق دخولهما في جسم المقتول؛ ليحكم بالسلب لمن كان في ذلك أبلغ، ولذلك سألهما أولًا: "هل مسحتما سيفيكما أم لا؟ " لأنهما لو مسحاهما لما تبين المراد من ذلك. وقد استشكل ما وقع منه ﷺ من القضاء بالسلب لأحدهما بعد حكمه بأن كلًّا منهما قتله حتى استدل بذلك من قال: إن إعطاء السلب مفوض إلى رأي الإمام، وقرره الطحاوي (٤) وغيره بأنه لو كان يجب للقاتل لكان السلب مستحقًا بالقتل ولجعله بينهما لاشتراكهما في قتله، فلما خص به أحدهما دل على أنه لا يستحق بالقتل، وإنما يستحق بتعيين الإمام. وأجاب الجمهور (٥) بأن في السياق دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن في الجرح ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن. قال المهلب (٦): وإنما قال: "كلاكما قتله". وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه لتطيب نفس الآخر.

стр. 6864

وقال الإِسماعيلي (١): أقول إن الأنصاريَّيْن ضرباه فأثخناه فبلغا به المبلغ الذي يعلم معه أنه لا يجوز بقاؤه على تلك الحال إلا قدر ما يطفأ. وقد دلَّ قوله: "كلاكما قتله". على أنَّ كلًا منهما وصل إلى قطع الحشوة وإبانتها، ولمَّا يُعلمْ أن عمل كلٍّ من سيفيهما كعمل الآخر، غير أن أحدهما سبق بالضرب فصار في حكم المثبت بجراحته حتى وقعت به ضربة الثاني فاشتركا في القتل. إلا أن أحدهما قتله وهو ممتنع، والآخر قتله وهو مثبت، فلذلك قضى بالسلب للسابق إلى إثخانه. وقد أخرج الحاكم (٢) من طريق ابن إسحاق حدثني ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح: سمعتهم يقولون: أبو جهل لا يخلص إليه، فجعلته من شأني، فعمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي - قال: ثم عاش معاذ إلى وقت عثمان - قال: ومر بأبي جهل معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وبه رمق، ثم قاتل معوذ حتى قتل، فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل فوجده بآخر رمق فذكر ما تقدم. قال في الفتح (٣): فهذا الذي رواه ابن إسحاق يجمع بين الأحاديث لكنه يخالف ما في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف، فإنه رأى معاذًا ومعوذًا شدّا عليه جميعًا حتى طرحاه، وابن إسحاق يقول: إن ابن عفراء هو معوذ بتشديد الواو، والذي في الصحيح معاذ، فيحتمل أن يكون معاذ بن عفراء شدَّ عليه مع معاذ بن عمرو، كما في الصحيح، وضربه بعد ذلك معوِّذ حتى أثبته، ثم حزَّ رأسه ابنُ مسعود، فتجتمع الأقوال كلها.

стр. 6865

وإطلاقُ كونهما قتلاهُ يُخالفُ في الظاهرِ حديث ابن مسعودٍ أنه وجده وبه رمق، وهو محمولٌ على أنهما بلغا به بضربهما إياه بسيفيهما منزلة المقتول حتى لم يبق له إلا مثل حركة المذبوح، وفي تلك الحالةِ لقيهُ ابن مسعود فضرب عنقُه، وأما ما وقع عند موسى بن عقبة، وكذا عند أبي الأسود عن عروة أن ابن مسعود "وجد أبا جهل مصروعًا بينه وبين المعركة غير كثير متقنعًا في الحديد واضعًا سيفه على فخذه لا يتحرك منه عضو، فظن عبد الله أنه مثبت جراحًا، فأتاه من ورائه فتناول قائم سيف أبي جهل فاستله ورفع بعضد أبي جهل عن قفاه، فضربه، فوقع رأسه بين يديه: فيحمل على أن ذلك وقع له بعد أن خاطبه بما تقدَّم. قوله: (والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء) وقع في البخاري (١) في الخمس: أنهما ابنا عفراء، فقيل: إن عفراء أمُّ معاذ، واسم أبيه الحارث، وأما معاذ بن عمرو بن الجموح فليس اسم أمه عفراء، وإنما أطلق عليه تغليبًا. ويحتمل أن تكون أم معاذ أيضًا تسمى: عفراء، وأنه لما كان لمعوِّذ أخ يسمى: معاذًا باسم الذي شركه في قتل أبي جهل ظنه الراوي أخاه. قوله: (نفلني رسول الله ﷺ يوم بدر سيف أبي جهل) يمكن الجمع: بأنه ﷺ نفل ابن مسعود سيفه الذي قتله به فقط، وعلى ذلك يحمل قوله في رواية أحمد (٢) " [فنفلني] (٣) رسول الله ﷺ بسلبه" جمعًا بين الأحاديث. [الباب الثامن والعشرون] باب التسويةِ بين القويِّ والضَّعيفِ ومَنْ قاتل ومَنْ لم يُقاتلْ ١٢٢/ ٣٣٥٤ - (عَنْ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ يَومَ بَدْرٍ: مَنْ فعَلَ كَذا وكَذا فلَهُ مِنَ النَّفْلِ كَذا وكَذا، قالَ: فتَقَدَّمَ الْفِتْيانُ وَلزِمَ المَشْيخَةُ الرَّاياتِ فلَمْ يَبْرَحُوا بهَا، فلمَّا فتَحَ الله عَليهِمْ قالَ المَشيَخةُ: كُنَّا ردءًا لَكمْ لو انْهَزَمْتُمْ لَفِئتُمْ

стр. 6866

إلَيْنا فلا تذْهَبُوا بِالمَغْنَم ونَبقى، فأبى الْفِتْيَانُ وقالوا: جَعَلهُ رسُولُ الله ﷺ لنَا، فأنْزَلَ الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١)، إلى قوْلِهِ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (١). يقُول: فكانَ ذلِكَ خَيْرًا لهُمْ، وكَذلكَ هذا أَيْضًا، فأطِيعوني فإنِّي أَعلَمُ بعَاقِبَةِ هذا مِنْكُمْ فقَسَمَها رسولُ الله ﷺ بالسَّوَاءِ. رواهُ أَبُو داود) (٢). [صحيح] ١٢٣/ ٣٣٥٥ - (وَعَنْ عُبادَة بْنِ الصامِتِ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ رسُولِ الله ﷺ فَشَهِدْتُ مَعهُ بَدْرًا، فالْتقى النَّاسُ فَهَزَمَ [الله] (٣) الْعَدُوّ، فانْطَلَقَتْ طائِفَةٌ في أَثرِهِمْ يَهْزِمُونَ وَيَقْتُلُونَ، وأَكَبَّتْ طائِفَةٌ على الغْنَائمِ يحْوُونهُ ويجْمَعُونهُ، وأَحْدَقَتْ طائِفَةٌ بِرَسُولِ الله ﷺ لا يُصِيبُ الْعَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً حتى إذَا كانَ اللَّيْلُ وَفاءَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، قالَ الَّذِينَ جَمَعَوا الْغَنائمَ: نحْنُ حَوَيْناها وَجَمعْناها، فَلَيْس. لأحَدٍ فِيها نَصيبٌ، وقالَ الذينَ خَرجُوا في طَلَبِ الْعَدُوِّ: لَسْتمْ بأحَقَّ بِها منَّا نَحْنُ نَفَيْنا عنْها الْعَدُوَّ وَهزَمْناهُمْ، وقالَ الَّذِينَ أَحْدَقُوا بِرسُولِ الله ﷺ : لَسْتمْ بأحَقَّ مِنَّا نحْنُ أَحْدقْنا بِرسُولِ الله ﷺ وخِفْنا أَنْ يُصيبَ الْعدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً فاشْتَغَلْنا بهِ، فَنَزلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. فَقَسَمَها رسُولُ الله ﷺ على فَواقٍ بَينَ المُسْلِمِينَ، وَفي لفْظٍ مخْتَصَرٍ: "فينا أَصْحابُ بَدْرٍ نزَلتْ حِينَ اخْتَلَفْنا في النَّفْل وَساءتْ فِيهِ أَخْلَاقُنا فَنزَعهُ الله مِنْ أَيْدينا فَجَعلهُ إلى رسُولِهِ ﷺ فَقَسَمهُ فِينا على بَوَاءٍ يَقُولُ على السَّواءِ". رَواهُ أحمدُ) (٤). [حسن لغيره]

стр. 6867

١٢٤/ ٣٣٥٦ - (وعَنْ سَعْدِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قُلْتُ يا رسُولَ الله الرَّجُلُ يَكونُ حامِيةَ القَوْمِ، أَيكُونُ سَهْمهُ وسَهْمُ غَيرِهِ سَواء؟ قالَ: "ثَكِلتْك أمُّكَ ابْنَ أمِّ سَعْد، وهَلْ تُرزَقُونَ وَتُنْصرُونَ إلَّا بِضعفائِكُمْ"، رواهُ أحمدُ) (١). [حسن لغيره] ١٢٥/ ٣٣٥٧ - (وعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعدٍ قالَ: رأَى سَعدٌ أَنَّ لهُ فَضْلًا على مَنْ دُونهُ فقالَ النبيُّ ﷺ : "هَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرونَ إلَّا بِضعَفائِكمْ". رواهُ البُخاريُّ (٢) وَالنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] ١٢٦/ ٣٣٥٨ - (وعَنْ أبي الدَّرْداءِ قالَ: سمعتُ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "أَبْغُوني ضُعَفاءَكُمْ فإنَّكمْ إنَّما ترْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفائِكُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وأبو داودَ (٥) والنَّسائيُّ (٦) والتَّرمذيُّ وصحّحهُ) (٧). [صحيح] حديث ابن عباس سكت عنه أبو داود (٨) والمنذري (٩). وأخرجه أيضًا الحاكم (١٠) وصححه أبو الفتح في "الاقتراح" (١١) على شرط البخاري.

стр. 6868

وحديث عبادة قال في "مجمع الزوائد" (١): رجال أحمد ثقات، انتهى. وأخرجه أيضًا الطبراني (٢)، وأخرج نحوه الحاكم (٣) عنه. وحديث سعد بن مالك في إسناده محمد بن راشد المكحولي. قال في التقريب (٤): صدوق يهم. وحديث أبي الدرداء سكت عنه أبو داود (٥)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٦) وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرّجاه. وللنسائي (٧) زيادة تبين المراد من الحديث ولفظها: قال نبي الله ﷺ : "إنما نصر هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم". قوله: (من النَّفَل) بفتح النون، والفاء: زيادة يزادها الغازي على نصيبه من الغنيمة، ومنه نفل الصلاة؛ وهو: ما عدا الفرض. وقال في القاموس (٨): النَّفَل - محرّكةً - الغنيمة، والهبة، والجمع أنفال ونِفَال. اهـ. قوله: (ولزم المشيخة) بفتح الميم كما في "شمس العلوم" (٩) - هو جمع شيخ، ويجمع أيضًا على شيُوخٍ، وأشياخٍ، وشيخةٍ وشيخان، ومشايخَ -. قوله: (ردءًا) بكسر الراء، وسكون الدال، بعده همزةٌ: هو العون والمادة على ما في القاموس (١٠). والمراد بقوله: "لفئتم"، أي: رجعتم إلينا.

стр. 6869

قوله: (فقسمها رسول الله ﷺ بالسَّواء) فيه دليل على أنها إذا انفردت منه قطعةٌ فغنمت شيئًا، كانت الغنيمة للجميع. قال ابن عبد البر (١): لا يختلف الفقهاء في ذلك، أي: إذا خرج الجيش جميعُه، ثم انفردت منه قطعةٌ، انتهى. وليس المراد الجيش: القاعد في بلاد الإسلام، فإنه لا يشارك الجيش الخارج إلى بلاد العدوِّ، بل قال ابن دقيق العيد (٢): إنَّ المنقطع من الجيش عن الجيش الذي فيه الإِمام ينفرد بما يغنمه، قال: وإنما قالوا: هو بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريبًا منهم، يلحقهم عونه وغوثه لو احتاجوا، انتهى. قوله: (فقسمها رسول الله ﷺ على فُوَاقٍ) (٣) أي قسمها بسرعةٍ في قدر ما بين الحلبتين. وقيل: المراد فضَّل في القسمة، فجعل بعضهم أفوق من بعض على قدر عنايته. قوله: ([على] (٤) بواء) بفتح الموحدة والواو، بعدها همزةٌ ممدودة. وهو السَّواء كما فسره المصنف ﵀ [تعالى] (٥). قوله: (حامية القوم) بالحاء المهملة، قال في القاموس (٦): والحامية: الرجل يحمي أصحابه، والجماعة أيضًا حامية، وهو على حامية القوم: أي آخر من يحميهم في مضيهم، انتهى. قوله: (رأى سعد) أي: ابن أبي وقاص، وهو والد مصعب الراوي عنه. قال في الفتح (٧): وصورة هذا السياق مرسلةٌ؛ لأن مصعبًا لم يدرك زمان هذا القول، لكنه محمولٌ، على أنه سمع ذلك من أبيه. وقد وقع التصريح: عن مصعب بالرواية له عن أبيه عند الإِسماعيلي (٨)،

стр. 6870

فأخرج من طريق معاذ بن هانئ حدثنا محمد بن طلحة، فقال فيه: عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ فذكر المرفوع دون ما في أوله، وكذا أخرجه هو والنسائي (١) من طريق مسعر عن طلحة بن مصرف عن مصعب عن أبيه ولفظه: "أنه ظن أن له فضلًا على من دونه" الحديث. ورواه عمرو بن مرَّة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، مرفوعًا أيضًا لكنه اختصره، ولفظه: "ينصر المسلمون بدعاء المستضعفين"، أخرجه أبو نعيم في ترجمته في الحلية (٢) من رواية عبد السلام بن حرب عن أبي خالدٍ الدالانيِّ، عن عمرو بن مرة وقال: غريب من حديث عمرو تفرد به عبد السلام. والمراد بقوله: "رأى سعد"، أي: ظنَّ كما هو رواية النسائي (١). قوله: (على من دونه) أي من أصحاب رسول الله ﷺ ، كما هو مصرح به في رواية النسائي (١) أيضًا، وسبب ذلك ما له من الشجاعة والإِقدام في ذلك الموطن. قوله: (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم) قال ابن بطال (٣): تأويل الحديث: أن الضُّعفاء أشدُّ إخلاصًا في الدعاء، وأكثر خشوعًا في العبادة لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا. وقال المهلب (٤): أراد ﷺ بذلك حض سعد على التواضع ونفي الزهوّ على غيره وترك احتقار المسلم في كل حالة. وقد روى عبد الرزاق (٥) من طريق مكحول في قصة سعدٍ هذه زيادةً مع إرسالها، فقال: "قال سعد: يا رسول الله أرأيت رجلًا يكون حامية القوم ويدفع عن أصحابه أيكون نصيبه كنصيب غيره؟ " فذكر الحديث. وعلى هذا فالمراد بالفضل: إرادة الزيادة من الغنيمة، فأعلمه ﷺ : أن سهام المقاتلة سواءٌ، فإن كان القويُّ يترجح بفضل شجاعته، فإنَّ الضعيف يترجح بفضل دعائه وإخلاصه.

стр. 6871

قوله: (أبغوني ضعفاءكم) أي: اطلبوا لي ضعفاءكم. قال في القاموس (١): بَغَيْتُه أبغِيه، بُغاء، وبُغي، وبُغية - بضمهن - وبِغْيَةً بالكسرة: طلبته، كابتغيتُهُ وتبغيته واستبغيتُه، والبغيةُ: ما ابتُغى كالبغيةِ. قال: وأبغاه الشيء: طلبه له، كبغاهُ إياه: كرماه أو أعانه على طلبه، انتهى. [الباب التاسع والعشرون] بابُ جَوَازِ تنفيلِ بعضِ الجيشِ لبأسِهِ وغِنَائِهِ أو تحمُّلِهِ مكروهًا دونهم ١٢٧/ ٣٣٥٩ - (عَنْ سَلمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، وذكَرَ قِصَّةَ إغَارَةِ عَبدِ الرَّحمنِ الْفَزَارِيِّ على سَرْحِ رسُولِ الله ﷺ وَاسْتِنْقاذِهِ مِنهُ قالَ: فلمَّا أَصْبَحْنا قالَ رسُولُ الله ﷺ : "كانَ خَيْرَ فرْسانِنَا اليَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلمَةُ"، قالَ: ثُمَّ أَعْطَانِي رسُولُ الله ﷺ سَهْمَ الْفَارِسِ وسَهْمَ الرَّاجِلِ فَجَعَلَهُما لِي جَمِيعًا. رواهُ أَحمدُ (٢) ومُسْلِمُ (٣) وأَبُو داودَ) (٤). [صحيح] ١٢٨/ ٣٣٦٠ - (وعَنْ سَعد بْنِ أبي وقّاصٍ قالَ: جِئتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَومَ بَدْرٍ بِسيْفٍ، فقلْتُ: يا رسولَ الله إِنَّ الله قدْ شَفَى صَدْري الْيوْمَ مِنَ الْعدُوِّ، فَهَبْ لي هذا السَّيْفَ، فَقَالَ: "إنَّ هَذَا السَّيْفَ ليْسَ لِي ولَا لكَ"، فذَهَبْتُ وَأَنا أَقُولُ: يُعْطاهُ الْيَوْمَ مَنْ لمْ يُبِلِ بَلَائي، فبَيْنا أَنا إذْ جاءَنِي رَسُولُ رسول الله ﷺ فقالَ: أَجِبْ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ نزَلَ فيَّ شيء بكَلَامِي فجِئتُ، فقالَ لي النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّكَ سألْتَنِي هذا السَّيفَ وليْسَ هُوَ لِي ولَا لكَ، وإنَّ الله قدْ جَعَلَهُ لِي فهْوَ لكَ"، ثمَّ قَرأَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٥) إلى آخِرِ الآية. رَوَاهُ أَحمدُ (٦) وأَبُو داوُد) (٧). [حسن]

стр. 6872

حديث سعد بن أبي وقاص عزاه المنذري في مختصر السنن (١) إلى مسلم (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) وأخرجه الحاكم في المستدرك (٥) وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. قوله: (عبد الرحمن الفزاري) هو ابن عيينة بن حصن. وعن ابن إسحاق أن رأس القوم الذين أغاروا على السرح هو عيينة بن حصن. قوله: (سَرْح) بفتح السين المهملة وسكون الراء بعدها حاء مهملة. قال في القاموس (٦): السَّرْحُ المالُ السائم، وسَوْمُ المالِ كالسُّروح، وإسامَتُها كالتسريح، انتهى. ولفظ البخاري (٧): "كانت لقاح رسول الله ﷺ ترعى" واللقاح (٨) - بكسر اللام، وتخفيف القاف، ثم مهملة -: ذوات الدرِّ من الإِبل، واحدتها: لِقْحَةٌ بالكسر وبالفتح أيضًا، واللَّقوح: الحلوب، وذكر ابن سعد أنها كانت عشرين لقحة. قال: وكان فيهم ابن أبي ذر وامرأته، فأغار المشركون عليهم فقتلوا الرجل وأسروا المرأة، والقصة مبسوطة في صحيح البخاري (٩) ومسلم (١٠) وغيرهما (١١). قوله: (واستنقاذه) أي: السرح (منه) أي من عبد الرحمن المذكور. قوله: (ثم أعطاني رسول الله ﷺ … إلخ) فيه دليل: على أنه يجوز للإمام أن

стр. 6873

ينفل بعض الجيش ببعض الغنيمة: إذا كان له من العناية والمقاتلة ما لم يكن لغيره (١). وقال عمرو بن شعيب: ذلك مختصٌّ بالنبي ﷺ دون من بعده، وكره مالك (٢) أن يكون بشرطٍ من أمير الجيش، كأن يحرِّض على القتال وَيعِدَ بأن ينفل الربع، أو الثلث قبل القسمة، أو نحو ذلك؛ لأن القتال حينئذٍ يكون للدنيا فلا يجوز. قال في الفتح (٣): وفي هذا رد على من حكى الإِجماع على مشروعيته. وقد اختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة، أو من الخمس، أو من خمس الخمس، أو مما عدا الخمس. على أقوال: واختلفت الرواية عن الشافعي (٤) في ذلك، فروي عنه أنه من أصل الغنيمة، وروي عنه أنه من الخمس، وروي عنه أنه من خمس الخمس، والأصح عند الشافعية أنه من خمس الخمس، ونقله منذر بن سعيد عن مالك وهو شاذ عندهم. وسيأتي في الباب الذي بعد هذا ما يرد هذا القول. وقال الأوزاعي وأحمد (٥) وأبو ثور وغيرهم: النفل من أصل الغنيمة، وإلى ذلك ذهبت الهادوية (٦). وقال مالك (٧) وطائفة: لا نفل إلا من الخمس. قال الخطابي (٨): أكثر ما روي من الأخبار يدل على أن النفل من أصل الغنيمة.

стр. 6874

قال ابن عبد البر (١): إنْ أراد الإِمام تفضيل بعض الجيش لمعنى فيه، فذلك من الخمس، لا من رأس الغنيمة، وإن انفردت قطعةٌ، فأراد أن ينفلها مما غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير الخمس، بشرط أن لا يزيد على الثلث، وسيأتي بيان الخلاف في المقدار الذي يجوز تنفيله. [الباب الثلاثون] بابُ تنفيلِ سريَّة الجيش عليه واشتِرَاكِهِمَا في الغنائِمِ ١٢٩/ ٣٣٦١ - (عَنْ حَبيبِ بْنِ مَسْلِمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نفَّلَ الرُّبُعَ بَعدَ الخُمُسِ في بَدْأَتِهِ، ونفَّلَ الثُّلُثَ بَعدَ الخُمُسِ في رَجْعتِهِ. رواهُ أَحمدُ (٢) وأَبُو داوُدَ) (٣). [صحيح] ١٣٠/ ٣٣٦٢ - (وعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُنَفِّلُ في الْبَدْأَةِ الرُّبُعَ، وفي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ. رواهْ أَحَمدُ (٤) وابْنُ ماجَهْ (٥) والتِّرمذيُّ) (٦). [حسن لغيره] ١٣١/ ٣٣٦٣ - (وفي روايَةٍ: كانَ إذَا [غابَ] (٧) في أَرْضِ الْعَدُوّ نَفَّلَ

стр. 6875

الرُّبُعَ، وإذَا أَقْبَلَ رَاجِعًا وكُلُّ الناسِ نَفَّلَ الثُّلُثَ، وكانَ يَكْرَهُ الأنْفَالَ وَيقُولُ: "لِيَرُدَّ قَوِيُّ المُؤمِنِينَ على ضَعِيفِهِمْ". رواهُ أَحمدُ) (١). [حسن لغيره] حديث حبيب: أخرجه أيضًا ابن ماجه (٢)، وصححه ابن الجارود (٣)، وابن حبان (٤)، والحاكم (٥). وقد رواهُ أبو داود عنه من طرق ثلاثة (٦) (منها) عن مكحول بن عبد الله الشامي. قال: كنت عبدًا بمصر لامرأةٍ من بني هُذيل، فأعتقتني، فما خرجتُ من مصرَ وبها علمٌ إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الحجاز، فما خرجت منها وبها علمٌ إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق، فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها، كل ذلك أسأل عن النَّفَل فلم أجد أحدًا يخبرني فيه بشيءٍ حتى لقيت شيخًا يقال له: زياد بن جارية التميميُّ، فقلت له: هل سمعتَ في النفل شيئًا؟ قال: نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفهريَّ يقول: "شهدت النبيّ ﷺ نَفَّل الرُّبع في البدأةِ، والثُّلث في الرَّجعة" (٧). قال المنذري (٨): وأنكر بعضهم أن يكون لحبيبٍ هذا صحبةٌ، وأثبتها له غيرُ واحدٍ. وقد قال في حديثه: "شهدت النبي ﷺ " وكنيته: أبو عبد الرحمن، فكان يسمى حبيب الرومي (٩) لكثرة مجاهدته الروم، انتهى. وولَّاه عمر بن الخطاب أعمال الجزيرة، وأذربيجان.

стр. 6876

وكان فاضلًا، مجاب الدعوة، وهو بالحاء المهملة المفتوحة، بموحدتين بينهما مثناةٌ تحتيةٌ. وحديث عبادة بن الصامت: صححه أيضًا ابن حبان (١). وفي الباب عن معن بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ مع يقول: "لا نفل إلا بعد الخمس"، رواه أحمد (٢) وأبو داود (٣) وصححه الطحاوي (٤). قوله: (نفل الربع بعد الخمس في بدأته … إلخ) قال الخطابي (٥): البدأة: ابتداء السفر للغزو، وإذا نهضت سريَّةٌ من جملة العسكر؛ فإذا أوقعت بطائفةٍ من العدوِّ فما غنموا؛ كان لهم فيه الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، فإن قفلوا من الغزوة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدوِّ ثانيةً؛ كان لهم مما غَنِموا الثلث؛ لأنَّ نهوضهم بعد القفل أشقُّ لكون العدوِّ على حذرٍ وحزم، انتهى. ورواية أحمد (٦) المذكورة في حديث عبادة تدل على أن تنفيل الثلث لأجل ما لحق الجيش من الكلال وعدم الرغبة في القتال لا لكون العدو قد أخذ حذره منهم. قوله: (بعد الخمس) فيه دليل: على أنه يجب تخميس الغنيمة قبل التنفيل، وكذلك حديث معن (٧) الذي ذكرناه. وفي الحديثين أيضًا دليل: على أنه: يصحُّ أن يكون النفل زيادةً على مقدار الخمس. وفيه ردٌّ على من قال: إنه لا يصح التنفيل إلا من الخمس أو خمس الخمس. وقد تقدم بيان القائل بذلك.

стр. 6877

وسيأتي تفصيل الخلاف في المقدار الذي يجوز التنفيل إليه. ١٣٢/ ٣٣٦٤ - (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايا لأنْفُسِهم خاصةً سِوَى قَسْمِ عامَّةِ الجَيْشِ والخُمُس في ذلِكَ كُلِّهِ وَاجِبٌ) (١). [صحيح] ١٣٣/ ٣٣٦٥ - (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نجْدٍ، فخرَجْتُ فِيها فَبَلَغَتْ سُهْمانُنا اثْني عَشرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنا رسُولُ الله ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا. مُتَّفَقٌ (٢) عَلَيْهِمَا. [صحيح] وَفي رِوَايَة قالَ: بعَثَ رسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةً قِبلَ نجْدٍ فأصَبْنا نَعَمًا كَثِيرًا، فَنَفَّلَنا أَمِيرُنا بَعيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ إنْسَانٍ، ثمَّ قَدِمْنا على رسُولِ الله ﷺ فَقَسَمَ رسولُ الله ﷺ بَيْنَنا غَنِيْمَتَنا، فأصاب كُلُّ رَجُلٍ منَّا اثْنيْ عَشَرَ بَعِيرًا بَعْدَ الخُمُسِ ومَا حاسَبَنا رسولُ الله ﷺ بالذِي أَعْطانا صاحِبُنا، وَلا عابَ عَلَيْهِ ما صَنَعَ، فكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ منَّا ثَلاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا بِنَفْلِهِ. رَواهُ أَبُو داوُدَ) (٣). [صحيح] ١٣٤/ ٣٣٦٦ - (وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبيهِ عنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "المُسْلِمُونَ تَتَكَافأُ دِماؤهُم، وَيَسْعى بِذِمَّتهمْ أَدْناهُمْ، ويُجيرُ عَلَيْهمْ أقْصاهُمُ، وهُمْ يَدٌ على مَنْ سِواهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ على مُضْعَفهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ على قاعِدِهمْ". رَواهُ أَبُو داودَ (٤). [حسن]

стр. 6878

وَقالَ أحمدُ: في رِوَايَةِ أَبي طالِب قالَ النَّبيُّ ﷺ : "السَّريَّةُ تَرُدُّ على الْعَسْكَرِ، وَالْعَسْكَرُ تَرُدُّ على السَّريَّةِ"). حديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضًا ابن ماجه (١)، وسكت عنه أبو داود (٢)، والمنذري (٣). وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٤) من حديث ابن عمر مطوّلًا. ورواه ابن ماجه (٥) من حديث معقل بن يسار مختصرًا. [ورواه الحاكم (٦) عن أبي هريرة مختصرًا أيضًا] (٧). ورواه أبو داود (٨) والنسائي (٩) والحاكم (١٠) من حديث علي، وقد تقدم (١١) في أول كتاب الدماء. قوله: (والخمس في ذلك كلِّه واجبٌ) فيه دليل: على أنَّه يجب تخميس النَّفل، ويدلُّ على ذلك أيضًا حديث حبيب بن مسلمة المتقدم، فإنَّ فيه: "أنَّه ﷺ نفل الربع بعد الخمس، ونفل الثلث بعد الخمس"، وكذلك حديث معن الذي تقدم قريبًا بلفظ: "لا نفل إلا بعد الخمس" (١٢).

стр. 6879

قوله: (قِبَلَ نجد) بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهتها. قوله: (فبلغت سهماننا) أي أنصباؤنا، والمراد: أنَّه بلغ نصيب كلِّ واحدٍ هذا القدر، وتوهم بعضهم أن ذلك جميع الأنصباء. قال النووي (١): وهو غلط. قوله: (اثني عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا) هكذا وقع في روايةٍ، وفي روايةٍ أخرى للبخاري (٢): "اثني عشر بعيرًا أو [إحدى] (٣) عشر بعيرًا" وقد وقع بيان هذا الشكِّ في غيره من الروايات المذكورة بعضُها في الباب. وفي رواية لأبي داود (٤): "فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرًا، اثني عشر بعيرًا، ونفّل أهل السرية بعيرًا بعيرًا، فكان سهامهم ثلاثة عشر بعيرًا ثلاثة عشر بعيرًا" وأَخرج ابن عبد البر (٥) من هذا الوجه: أن ذلك الجيش أربعة آلاف. قوله: (ونفلنا رسول الله ﷺ … إلخ) فيه دليل: على أن الذي نفلهم هو النبي ﷺ ، وقد وقع الخلاف بين الرواة في القسم والتنفيل، هل كانا جميعًا من أمير ذلك الجيش، أو من النبي ﷺ أو من أحدهما، فهذه الرواية صريحةٌ: أن الذي نفلهم هو النبي ﷺ ، ورواية أبي داود (٦) المذكورة بعدها مصرحة بأن الذي نفلهم هو الأمير، ورواية ابن إسحاق مصرِّحةٌ: أن التنفيل كان من الأمير، والقَسْم من النبي ﷺ ، وظاهر رواية مسلم (٧) من طريق الليث عن نافع: أن ذلك صدر من أمير الجيش، وأنَّ النبي ﷺ كان مقرِّرًا لذلك ومجيزًا له؛ لأنه قال فيه: ولم يغيره النبي ﷺ . ويمكن الجمع: بأنَّ المراد بالرواية التي صرَّح فيها بأنَّ المنفِّلَ هو النبيُّ ﷺ أنَّه وقع منه التقرير.

стр. 6880

قال النووي (١): معناه: أن أمير السرية نفلهم، فأجازه النبي ﷺ فجازت نسبته إلى كلٍّ منهما. وفي هذا التنفيل دليل: على أنه يصحّ أن يكون التنفيل أكثر من خمس الخمس. قال ابن بطال (٢): وحديث الباب يرد على هذا القول يعني: قول من قال: إنَّ التنفيل يكون من خمس الخمس؛ لأنهم نفلوا نصف السدس، وهو أكثر من خمس الخمس. وقد زاده ابن المنير (٣) إيضاحًا فقال: لو فرضنا أنهم كانوا مائة لكان قد حصل لهم ألف ومائتا بعيرٍ، ثم بيَّن مقدار الخمس وخمسه، وأنه لا يمكن أن يكون لكل إنسان منه بعير. قال ابن التين (٣): قد انفصل من قال من الشافعية (٤) بأنَّ التنفيل من خمس الخمس بأوجهٍ: (منها): أن الغنيمة لم تكن كلها أبعرةً، بل كان فيها أصنافٌ أخر، فيكون التنفيل وقع من بعض الأصناف دون بعض. (ثانيها): أن يكون نفلهم من سهمه من هذه الغزاة وغيرها، فضمَّ هذا إلى هذا، فلذلك زادت العدَّة. (ثالثها): أن يكون نفل بعض الجيش دون بعض. قال: وظاهر السياق يردُّ هذه الاحتمالات. قال: وقد جاء أنهم كانوا عشرةً، وأنهم غنموا مائةً وخمسين بعيرًا؛ فخرج منها الخمس وهو: ثلاثون، وقسم عليهم البقية فحصل لكلِّ واحد اثنا عشر، ثم نفلوا بعيرًا بعيرًا، فعلى هذا يكون نفلوا ثلث الخمس. وقد قدمنا عن ابن عبد البر (٥) أنه قال: إن أراد الإِمام تفضيل بعض الجيش

стр. 6881

لمعنى فيه، فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة، وإن انفردت قطعةٌ فأراد أن ينفلها مما غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير الخمس بشرط أن لا يزيد على الثلث، انتهى. قال الحافظ في الفتح (١): وهذا الشرط قال به الجمهور (٢). وقال الشافعي (٣): لا يتحدد بل هو راجع إلى ما يراه الإِمام من المصلحة. ويدل له قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤) ففوض إليه أمرها، انتهى. وقد حكى صاحب البحر (٥) هذا الذي قال به الشافعي عن أبي حنيفة والهادي والمؤيد بالله. وحكي عن الأوزاعي (٦) أنه لا يجاوز الثلث. وعن ابن عمر (٧) يكون بنصف السدس. قال الأوزاعي (٨): ولا ينفل من أول الغنيمة، ولا ينفل ذهبًا ولا فضة. وخالفه الجمهور، ولم يأت في الأحاديث الصحيحة ما يقضي بالاقتصار على مقدار معينٍ، ولا على نوع معين. فالظاهر تفويض ذلك إلى رأي الإِمام في جميع الأجناس. قوله: (المسلمون تتكافأ دماؤهم) هذا قد سبق شرحه في كتاب الدماء (٩) إلى قوله: "وهم يد على من سواهم". وقد ذكره المصنف هنالك من حديث علي. قوله: (يرد مشدّهم على مضعفهم) أي يرد من كان له فضل قوة على من كان ضعيفًا، والمراد بالمتسري الذي يخرج في السرية، وقد تقدم الكلام على هذا.

стр. 6882

[الباب الحادي والثلاثون] باب بيانِ الصفيّ الذي كان لرسول الله ﷺ وسهمِهِ مع غَيْبَتِهِ ١٣٥/ ٣٣٦٧ - (عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله قالَ: كُنَّا بِالمَرْبَدِ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ مَعَهُ قِطْعَةُ أَدِيمٍ، فَقَرَأناها فإِذَا فِيها: مِنْ مُحمَّدٍ رَسُولِ الله إلى بَني زُهَيرِ بْنِ [أُقَيْش] (١): إنَّكُمْ إنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لا إله إلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَأَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ، وَأَدَّيْتُم الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ، وَسَهْمَ النَّبيِّ ﷺ وسَهْمَ الصَّفيِّ، أَنْتمْ آمِنُونَ بِأمانِ الله وَرَسُولِهِ، فَقُلْنا: مَنْ كَتَبَ لَكَ هذا؟ قالَ: رسُولُ الله ﷺ . رواهُ أَبُو دَاوُدَ (٢) والنَّسَائيُّ) (٣). [إسناده صحيح] ١٣٦/ ٣٣٦٨ - (وعَنْ عامِرٍ الشَّعْبيِّ قالَ: كانَ لِلنَبيِّ ﷺ سَهْمٌ يُدْعى الصَّفيَّ، إنْ شاءَ عَبْدًا، وَإنْ شاءَ أَمَةً، وَإنْ شَاءَ فَرَسًا، يَخْتارُهُ قَبْلَ الخُمُسِ) (٤). [مرسل صحيح الإسناد] ١٣٧/ ٣٣٦٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ قالَ: سَألْتُ مُحَمَّدًا عَنْ سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّفيِّ قالَ: كانَ يُضْرَبُ لهُ سَهْمٌ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَإنْ لمْ يَشْهَدْ، وَالصَّفيُّ يُؤْخَذُ

стр. 6883

لهُ رَأسٌ مِنَ الخُمُسِ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ. رَواهُما أَبُو داوُدَ وَهُما مُرْسلانِ) (١). [مرسل صحيح الإسناد] ١٣٨/ ٣٣٧٠ - (وعَنْ عائِشةَ قالتْ: كانَتْ صَفِيَّة مِنَ الصَّفيِّ. رَواهُ أَبُو داوُد) (٢). [صحيح] ١٣٩/ ٣٣٧١ - (وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَفَّلَ سَيْفَهُ ذَا الفقَار يَوْمَ بَدْرٍ وَهْوَ الذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤيا يَوْم أحُدٍ. رواهُ أحمدُ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ) (٤). [حسن] حديث يزيد بن عبد الله سكت عنه أبو داود (٥) والمنذري (٦) ورجاله رجال الصحيح. قال المنذري (٦): ورواهُ بعضهم عن يزيد بن عبد الله، وسمَّى الرجل: النَّمِر بن تولب الشاعر (٧)، صاحب رسول الله ﷺ ، ويقال: إنه ما مدح أحدًا ولا هجا أحدًا، وكان جوادًا لا يكاد يمسك شيئًا وأدرك الإِسلام وهو كبير، انتهى.

стр. 6884

ويزيد بن عبد الله المذكور هو ابن الشِّخِّير (١). وحديث عامر الشعبي سكت عنه أيضًا أبو داود (٢)، ورجاله ثقاتٌ وهو مرسل. وأخرجه أيضًا النسائي (٣). وحديث ابن عون سكت أيضًا عنه أبو داود (٤) ورجاله ثقات وهو مرسل كما قال المصنف؛ لأن الشعبي وابن سيرين لم يدركا النبي ﷺ . وأخرجه أيضًا النسائي (٥). وحديث عائشة سكت عنه أبو داود (٦) والمنذري (٧) ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه ابن حبان (٨) والحاكم وصححه (٩) أيضًا. ويشهد له ما أخرجه أبو داود (١٠) [والبخاري (١١)] (١٢) من حديث عمرو بن أبي عمرو عن أنس بن مالك قال: "قدمنا خيبر، فلما فتح الله الحصن؛ ذكر له جمالُ صفيَّة بنت حُيَيٍّ وقد قتل زوجها وكانت عروسًا، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سدّ الصهباء حلت فبنى بها". ويعارضه ما أخرجه الشيخان (١٣)، وأبو داود (١٤)، وابن ماجه (١٥)، من

стр. 6885

حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك أيضًا قال: صارت صفيةُ لدحيةَ الكلبي، ثم صارت لرسول الله ﷺ . وما أخرجه أيضًا مسلم (١)، وأبو داود (٢) من طريق ثابت البناني عنه قال: "وقع في سهم دحية جاريةٌ جميلةٌ، فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها. قال حماد: يعني ابن زيد: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها وهي صفية بنت حيي". وما أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) والنسائي (٥) عن أنس أيضًا من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: "جمع السبي"، يعني: بخيبر فجاء دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي، فقال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: [يا نبي الله] (٦) أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير ما تصلح إلا لك، قال: "ادع بها"، فلما نظر إليها النبي ﷺ قال له: "خذ جارية من السبي غيرها، وأن النبي ﷺ أعتقها وتزوَّجها". وبهذه الرواية يجمع بين الروايات المختلفة. وأما ما وقع: من أنه ﷺ اشتراها بسبعة أرؤس، فلعلَّ المراد: أنه عوَّضه عنها بذلك المقدار، وإطلاق الشراء على العوض على سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها جاريةً أخرى من قرابتها فلم تطب نفسه فأعطاه زيادة على ذلك سبعة أرؤس من جملة السبي. قال السهيلي (٧): لا معارضة بين هذه الأخبار، فإنه أخذها من دحية قبل القسمة، والذي عوَّضه عنها ليس على سبيل البيع، [بل على سبيل النفل] (٨). وقد

стр. 6886

أشار الحافظ في الفتح (١) إلى مثل ما ذكرنا من الجمع. والحكمة في استرجاعها من دحية: أنه لما قيل له إنها بنت ملكٍ من ملوكهم ظهر له: أنها ليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاص النبي ﷺ بها، فإنَّ في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شيءٍ. وحديث ابن عباس المذكور في الباب: قال الترمذي (٢) بعد إخراجه وتحسينه: إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبي الزناد، وأخرجه ابن ماجه (٣) والحاكم وصححه (٤). قوله: (ذا الفقار) بفتح الفاء، قال في القاموس (٥): وذا الفقار - بالفتح: سيف العاص بن منبِّه قتل يوم بدر كافرًا فصار إلى النبي ﷺ ثم إلى عليّ، انتهى. قوله: (وهو الذي رأى فيه الرؤيا) أي: رأى أن فيه فُلولًا، فعبره بقتل واحد من أهله، فقُتِل حمزةُ بن عبد المطلب، والقضية مشهورة. والأحاديث المذكورة تدل على أن للإِمام أن يختص من الغنيمة بشيء لا يشاركه فيه غيره وهو الذي يقال له الصفيُّ، وقد قدمنا الخلاف في ذلك في باب: أربعة أخماس الغنيمة للغانمين.

стр. 6887

[الباب الثاني والثلاثون] بابُ مَنْ يُرْضَخُ له مِنَ الغنيمةِ ١٤٠/ ٣٣٧٢ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَن النَّبِيَّ كانَ يَغْزُو بالنِّساءِ، فَيُدَاوِينَ الجَرْحَى، ويَحذِينَ مِنَ الغَنيمَةِ، وَأمَّا بِسَهْمٍ فَلَم يَضْرِب لهُنَّ (١). [صحيح] ١٤١/ ٣٣٧٣ - (وَعَنْهُ أَيْضًا أَنْهُ كَتَبَ إلى نجْدَةَ الحَرُورِيِّ سَألْتَ عَنِ المَرأَةِ وَالْعَبدِ هَل كانَ لهُما سَهمٌ مَعلومٌ إذَا حَضَرَا النَّاسَ، وَأَنَّهُ لم يَكُن لهُما سَهمٌ مَعلُومٌ، إلَّا أَن يحذِيا مِن غَنائمِ القَومِ رَواهُما أَحمدُ وَمُسْلِمٌ (٢). [صحيح] ١٤٢/ ٣٣٧٤ - (وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعطي المَرأَةَ والمَملُوكَ مَنَ الغَنائمِ دُونَ ما يُصيبُ الجَيشُ. رواهُ أحمدُ (٣). [حسن] ١٤٣/ ٣٣٧٥ - (وَعَن عُمَيرٍ مَولي آبي اللَّحم قالَ: شَهِدتُ خَيْبرَ مَعَ ساداتي، فَكَلَّمُوا فيَّ رسُولَ الله ﷺ ، فأمَرَ بي فَقُلِّدْتُ سَيْفًا، فإذَا أَنا أَجُرُّهُ فأُخبرَ أني مَمْلُوكٌ، فأمَرَ لي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثيِّ المتَاعِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ (٥)

стр. 6888

وَالترْمذِيُّ وَصحّحهُ) (١). [صحيح] ١٤٤/ ٣٣٧٦ - (وعَنْ حِشْرَجِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَدَّتِهِ أمِّ أَبيهِ، أَنَّها خرَجَتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ خيْبَرَ سادِسَ سِتٍّ نِسْوَةٍ، فَبَلَغَ رسولَ الله ﷺ فبَعَثَ إلَيْنَا فجِئْنَا فَرَأَيْنا فِيهِ الْغَضَبَ، فقالَ: "مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ، وَبإِذْنِ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟ "، فقُلنَا: يا رسولَ الله خَرجْنَا نَغْزلُ الشَّعْرَ، وَنُعِينُ في سَبيلِ الله، وَمَعَنَا دَوَاءٌ لِلْجَرْحى، ونُنَاوِلُ السّهَامَ، وَنَسْقي السَّوِيقَ، قالَ: "قُمْنَ فانْصَرِفْنَ"، حتَّى إذا فَتَحَ الله عَليهِ خَيْبَرَ أَسْهَمَ لنَا كما أَسْهَمَ لِلرّجالِ، قالَ: فقُلْتُ لَهَا: يَا جَدَّةُ ومَا كانَ ذلِكَ؟ قالَتْ: تَمْرًا، رواهُ أَحمدُ (٢) وأبُو داوُدَ) (٣). [ضعيف] ١٤٥/ ٣٣٧٧ - (وعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ أَسْهَمَ لِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ قاتَلُوا مَعهُ. رواهُ الترْمذِيُّ (٤) وأبُو داوُدَ في مَرَاسيلِهِ) (٥). [إسناده صحيح] ١٤٦/ ٣٣٧٨ - (وعَنِ الأوْزَاعِيّ قالَ: أسْهَمَ النَّبِيُّ ﷺ لِلصِّبْيانِ بِخَيْبَرَ. رواهُ الترْمِذِيُّ (٦) وَيُحْمَلُ لِلْإِسْهَامِ فِيهِ وَفِيما قَبْلَهُ على الرَّضْخِ). [بسند صحيح مقطوع] حديثُ ابن عباس الأول والثاني أَخرجهما أيضًا أبو داود (٧) والترمذي (٨)

стр. 6889

وصححهما [وحديث ابن عباس الثالث أشار إليه الترمذي (١)] (٢). وحديث عمير أخرجه أيضًا ابن ماجه (٣) والحاكم (٤) وصححه وزاد الترمذي (٥) بعد قوله: "فأمر بشيء من خرثي المتاع" ما لفظه: "وعرضت عليه رقية كنت أرقي بها المجانين فأمرني بطرح بعضها وحبس بعضها". وحديث حشرج أخرجه أيضًا النسائي (٦) وسكت عنه أبو داود (٧)، وفي إسناده رجل مجهول وهو حشرج، قاله الحافظ في التلخيص (٨). وقال الخطابي (٩): إسناده ضعيفٌ لا تقوم به حجة. وحديث الزهري رواه الترمذي (١٠) عن قتيبة بن سعيد قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن عروة بن ثابت عن الزهري، قال الترمذي (١٠): هذا حديث حسن غريب، انتهى. وهذا مرسل. وحديث الأوزاعي رواه الترمذي (١١) عن علي بن خشرم. قال: أخبرنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي، ولفظه: "أسهم النبي ﷺ للصبيان بخيبر، وأسهم أئمة المسلمين لكل مولود ولد في أرض الحرب، وأسهم النبي ﷺ للنساء بخيبر، وأخذ بذلك المسلمون بعده"، انتهى. وهذا أيضًا مرسل. قوله: (إلى نجدة الحروري) - بفتح النون وسكون الجيم وبعدها دال مهملة - وهو ابن عامر الحنفي الخارجي، وأصحابه يقال لهم: النجدات محركة.
следующие страницы →