← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6955–6994 · переход к 6960.

стр. 6955

قوله: (من بني عقيل) بضم العين المهملة كذا في المشارق (١). قوله: (بذَحْل) بفتح الذال المعجمة وسكون الحاء المهملة. قال في مختصر النهاية (٢): الذحل: الوتر، وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه. وقال في القاموس (٣): الذحل: الثأر، أو طلب مكافأة بجناية جنيت عليك أو عداوة أتت إليك أو العداوة والحقد، الجمع أذحال وذحول. وقد استدل المصنف بالأحاديث التي ذكرها على ما ترجم الباب به من المن والفداء في حق الأسارى. ومذهب الجمهور (٤) أن الأمر في الأسارى الكفرة من الرجال إلى الإِمام يفعل ما هو الأحظى للإِسلام والمسلمين. وقال الزهري (٥) ومجاهد (٥) وطائفة: لا يجوز أخذ الفداء من أسرى الكفار أصلًا، وعن الحسن (٦) وعطاء (٦)؛ لا تقتل الأسرى، بل يتخير بين المنِّ والفداء. وعن مالكٍ (٧): لا يجوز المنُّ بغير فداء. وعن الحنفية (٨) لا يجوز المن أصلًا لا بفداء ولا بغيره. قال الطحاوي (٩): وظاهر الآية، يعني قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١٠) حجةٌ للجمهور، وكذا حديث أبي هريرة في قصة ثمامة (١١) المذكور في أول الباب.

стр. 6956

وقال أبو بكر الرازي (١): احتج أصحابنا لكراهة فداء المشركين بالمال بقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ (٢) الآية، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأنه كان قبل حلِّ الغنيمة كما قدمنا عن ابن عباس. والحاصل: أن القرآن، والسنة قاضيان بما ذهب إليه الجمهور، فإنه قد وقع منه ﷺ المن وأخذ الفداء كما في أحاديث الباب، ووقع منه القتل فإنَّه قتل النَّضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهما، ووقع منه فداءُ رجلين من المسلمين برجل من المشركين كما في حديث عمران بن حصين (٣). قال الترمذي (٤) بعد أن ساق حديث عمران بن حصين المذكور: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ؛ وغيرهم أن للإِمام أن يمن على من شاء من الأسارى، ويقتل من شاء منهم، ويفدي من شاء، [واختار] (٥) بعض أهل العلم القتل على الفداء. قال (٦): قال الأوزاعي: بلغني أن هذه الآية منسوخة - يعني قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٧) نسختها قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (٨) - حدثنا بذلك هنَّاد،

стр. 6957

أخبرنا ابن المبارك عن الأوزاعيِّ، قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: إذا أُسِرَ الأسير يقتل، أو يفادى أحبُّ إليك؟ قال: إن قدر أن يفادى فليس به بأس، وإن قُتِل فما أعلم به بأسًا. قال إسحاق بن إبراهيم: الإِثخان أحبُّ إليَّ إلا أن يكون معروفًا طمع به الكثير"، انتهى. وقد ذهب إلى جواز فكِّ الأسير من الكفار بالأسير من المسلمين جمهور أهل العلم، لحديث عمران بن حصين (١) المذكور. [الباب الخامس والأربعون] بابُ أَنَّ الأَسيرَ إِذا أسْلَمَ لم يزلْ مُلْكُ المسلمينَ عنهُ ١٩١/ ٣٤٢٣ - (عَنْ عِمرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: كانَتْ ثَقِيفٌ حُلفاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ فأسَرَتْ ثَقِيفٌ رَجُلَيْنِ مِنْ أصَحابِ رَسُولِ الله ﷺ ، وأسَر أصَحابُ رَسُولِ الله ﷺ رَجُلًا مِنْ بني عُقَيلٍ وأصَابُوا مَعَهُ العَضْبَاءَ، فأتى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ في الوَثاقِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، فأتاهُ فَقالَ: "ما شأنُكَ؟ "، فَقالَ: بِما أخَذْتَنِي وأخَذْتَ سابِقة الحاج - يَعْنِي العَضْباءَ - فَقالَ: "أخَذْتُك بِجَرِيرَة حُلفائِكَ ثَقِيفٍ"، ثُمَّ انْصَرَفَ عنه فَناداهُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ يا مُحمَّدُ، فَقال: "ما شأنُك؟ "، قالَ: إني مُسْلِمٌ، قالَ: "لَوْ قُلْتَها وأنْتَ تَمْلكُ أمْرَكَ أفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلاحِ"، ثُمَّ انْصَرفَ عَنْهُ فَنادَاهُ: يا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، فأتاه فَقالَ: "ما شأنُكَ؟ "، فَقال: إني جائِعٌ فأطْعِمْنِي، وَظَمْآنُ فاسْقِني، قالَ: "هَذِه حاجَتُك"، فَفُدِي بَعْدُ بالرَّجُلَيْنِ. رَوَاهُ أحمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ) (٣). [صحيح]

стр. 6958

قوله: (لبني عُقَيل) بضم العين المهملة كما تقدَّم. قوله: (العَضْبَاء) بفتح المهملة وسكون الضاد المعجمة، ثم باءٌ موحدة، وقد تقدم الكلام في ضبطها في كتاب الحج (١). قوله: (بجريرة حلفائك) الجريرة: الجناية. قال في النهاية (٢): ومعنى ذلك: أن ثقيفًا لما نقضوا الموادعة التي بينهم وبين رسول الله ﷺ ولم ينكر عليهم بنو عُقَيْلٍ صاروا مثلهم في نقض العهد. وفي الحديث دليل على ما ترجم المصنف الباب به من أنه لا يزول ملك المسلمين عن الأسير بمجرَد إسلامه (٣)؛ لأنَّ هذا الرجل أخبر بأنه مسلم وهو في الأسر فلم يقبل منه ﷺ ولم يفكَّه من أسره، ولم يخرج بذلك عن ملك من أسره. وفيه أيضًا دليلٌ على أن للإِمام أن يمتنع من قبول إسلام من عرف منه: أنَّه لم يرغب في الإِسلام وإنما دعته إلى ذلك الضرورة، ولا سيما إذا كان في عدم القبول مصلحةٌ للمسلمين، فإنَّ هذا الرجل استنقذ به النبي ﷺ رجلين مسلمين من أسر الكفار، ولو قبل منه الإِسلام لم يحصل ذلك. ويمكن أن يقال: إنَّ معنى قوله ﷺ : "لو قلتها وأنت تملك أمرك؛ أفلحت كلَّ الفلاح" أي: لو قلت كلمة الإِسلام أو هذه الكلمة التي أخبرت بها عن الإِسلام قبل أن يقع عليك الأسر؛ لكنت آمنًا، ولم يجر عليك ما جرى من الأسر، وأخذ المال، ولم يُردْ بذلك ردَّ إسلامه، بل قبله منه، ولكنَّه لم يحصل بإسلامه الفكاكَ من الأسر، وإرجاع ما أخذ من ماله، فلم يحصل له كلُّ الفلاح؛ لأنَّه لم يعامل في تلك الحالة معاملة المسلمين، بل عومل معاملة الكفَّار فبقي في وثاقه، وتحت ملك من أسره. وعلى هذا: يكون في الحديث دليلٌ على ما أراد المصنِّف؛ لأنَّ الرَّجل صار مسلمًا، ولم يزل عنه ملك المسلمين، وأما على تقدير: أن النبي ﷺ لم

стр. 6959

يقبل منه الإِسلام من الأصل؛ فلا يكون فيه دليل على ذلك؛ لأنَّ الرجل باقٍ على كفره. وفي الحديث مشروعية إجابة الأسير إذا دعا، وإن كرَّر ذلك مرَّاتٍ والقيام بما يحتاج إليه من طعام وشراب. ومعنى قوله: "هذه حاجتك"، أي: حاضرةٌ يؤتى إليك بها الساعة. [الباب السادس والأربعون] بابُ الأَسيرِ يَدَّعي الإِسلام قبلَ الأَسرِ وَلَهُ شاهِدٌ ١٩٢/ ٣٤٢٤ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمَّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بالأسَارَى، قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يَنْفَلِتَنَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِفِدَاءٍ أوْ ضرْبِ عُنُقٍ"، قالَ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله إِلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ، فإني قَدْ سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإِسْلامَ، قالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَمَا رأيْتُنِي فِي يَوْمٍ أخْوَفَ أنْ يَقَعَ عَليَّ حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ مِنِّي فِي ذلكَ اليَوْمِ حتَّى قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ"، قالَ: وَنَزَلَ القُرآنُ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ إلى آخِرِ الآياتِ (١). رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ وَقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ) (٣). [حسن لغيره] الحديث هو من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، وقد قدمنا أنه لم يسمع منه. قال الترمذي (٤) بعد إخراج هذا الحديث: هذا حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.

стр. 6960

قوله: (لا ينفلتن) (١) أي: لا يخرج من الأسر أحدٌ إلا بأحد الأمرين: إما الفداء، أو القتل. وفيه متمسَّك لمن قال: إنه لا يجوز المنّ بغير فداء، وهو مالك كما سلف. ولكن غاية ما فيه أنه يدلّ بمفهوم الحصر على عدم جواز ذلك، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٢) يدلّ بمنطوقه على الجواز، ويؤيده: ما تقدم من منِّه ﷺ على ثمامة بن أثال وعلى الثمانين الرجل الذين هبطوا عليه من جبال التنعيم كما سلف، وعلى أهل مكة حيث قال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". قوله: (ونزل القرآن ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ … إلخ) لفظ الترمذي (٣): "ونزل القرآن بقول عمر ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ إلخ". والحديث يدل على ما ترجم به المصنف الباب: من أنه يجوز فكّ الأسير من الأسر بغير فداء إذا ادعى الإِسلام قبل الأسر (٤)، ثم شهد له بذلك شاهد، وكذلك إذا لم تقع منه دعوى وشهد له شاهد أنه كان قد أسلم قبل الأسر، كما وقع في حديث الباب، فإنه لم يذكر فيه أن سهيل بن بيضاء ادعى الإِسلام أولًا ثم شهد له بعد ذلك ابن مسعود، بل ليس فيه إلا مجرّد صدور الشهادة من ابن مسعود بذكره للإِسلام قبل الأسر. [الباب السابع والأربعون] باب جواز استرقاق العرب ١٩٣/ ٣٤٢٥ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: لا أزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ يَقُولها فِيهمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "هُمْ أشَدُّ

стр. 6961

أُمَّتِي على الدَّجَّالِ"، قالَ: وجَاءَتْ صَدَقاتُهُمْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَذِهِ صَدقَاتُ قَوْمِنَا"؛ قالَ: وكانَ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عائِشَةَ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أعتقِيها فإنَّهَا مِنْ وَلَدِ إسمَاعِيلَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ١٩٤/ ٣٤٢٦ - (وفِي رِوَايَةٍ ثَلاثُ خِصَال سمِعْتُهُنَّ مِن رَسُولِ الله ﷺ فِي بَنِي تَمِيم لا أزَالُ أُحِبُّهُمْ بَعْدَهُ كانَ على عائِشَةَ مُحَرَّرٌ، فَقالَ النَّبِيّ ﷺ : "أعْتَقِي مِنْ هَؤُلاءِ"، وَجاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقالَ: "هَذِهِ صَدَقاتُ قَوْمِي؛ وَهُمْ أشَدُّ الناسِ قِتالًا فِي المَلاحِمِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٢). [صحيح] ١٩٥/ ٣٤٢٧ - (وَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ وَمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ حِينَ جاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ أمْوَالهُمْ وَسبْيَهُمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "أحَبُّ الحَدِيثِ إليَّ أصْدَقُهُ"، فاختارُوا إحْدَى الطائِفَتَيْنِ، إما السَّبْيَ، وإما المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتأنَيْتُ بِكُمْ، وَقَدْ كانَ رَسُولُ الله ﷺ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَة حِينَ قَفَلَ مِنَ الطائِفِ؛ فَلَما تَبَيَّنَ لَهُمْ أن رَسُولَ الله ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَّا إحْدَى الطائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فإنَّا نَخْتارُ سَبْيَنا، فَقامَ رَسُولُ الله ﷺ فِي المُسْلِمِينَ، فأثْنَى على الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: أما بَعْدُ: فإنَّ إخْوَانَكُمْ هَؤُلاءِ قَدْ جاءُونَا تائِبِينَ، وإني [قد] (٣) رَأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أحَبَّ أنْ يُطَيِّبَ ذلك فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يَكُونَ على حَظِّهِ حتَّى نُعطِيَهُ إيَّاهُ مِنْ أوَّلِ ما يُفِيءُ الله عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ؛ فَقالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنا ذلكَ يا رَسُولَ الله لَهُمْ، فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّا لا نَدْرِي مَنْ أذِنَ مِنْكُمْ فِي ذلكَ مِمَّنْ لَمْ يأذَنْ، فارْجِعُوا حتَّى تَرْفَعَ إلَيْنا عُرَفاؤكُمْ أمْرَكُمْ"، فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفاؤهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى

стр. 6962

رَسُولِ الله ﷺ فأخْبَروُهُ أنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وأذِنُوا، فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنا عَنْ سَبْيِ هَوَازنَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالبُخَارِيُّ (٢) وأبُو دَاوُدَ) (٣). [صحيح] ١٩٦/ ٣٤٢٨ - (وَعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ الله ﷺ سبَايا بَنِي المُصْطَلِقِ وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ فِي السَّبْي لِثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أوْ لاِبْنِ عَمّ لَهُ، فَكاتَبَتْهُ على نَفْسِها وكانَتْ امْرأةً حُلْوَةً مُلَّاحَةً، فأتَتْ رَسُولَ الله ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ الله إني جُويْرِيَةُ بِنْتُ الحَارِثِ بْنِ أبي ضِرَارٍ سَيِّدِ قَوْمِهِ وَقَدْ أصَابَنِي مِنَ البَلاءِ ما لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَجِئْتُكَ أسْتَعِينُكَ عَلى كِتابتِي، قالَ: "فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذلكِ؟ "، قالَتْ: وَما هُوَ يا رَسُول الله؟ قالَ: "أقْضِي كِتابَتكِ وأتزَوَّجُكِ"، قالَتْ: نَعَمْ يا رَسُولَ الله، قالَ: "قَدْ فَعَلْتُ"، قالَتْ: وَخَرَجَ الخَبرُ إلى النَّاسِ أن رَسُولَ الله ﷺ تَزَوَّجَ [جُوَيْرِيَةً] (٤) بِنْتَ الحارِثِ، فَقالَ النَّاسُ أصهْارُ رسُولِ الله ﷺ ، فأرْسَلُوا ما بِأيْديهِمْ، قالَتْ: فَلَقَدْ أعتْقَ بِتزْوِيجِهِ إيَّاها مِائَةَ أهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَمَا أعْلَمُ امْرأةً كانَتْ أعْظَمَ بَرَكَةً على قَوْمِها مِنْها. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَاحْتَجَّ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَكَمِ وَقالَ: لا أذْهَبُ إلى قَوْلِ عُمَرَ: لَيْسَ على عَربيّ مِلْكٌ، قَدْ سبَى النَّبِيُّ ﷺ العَرَبَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ، وأبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ حِينَ سبَى بَنِي ناجِيَةَ). [حسن]

стр. 6963

حديث عائشة في قصة بني المصطلق أخرجه أيضًا أبو داود (١) والحاكم (٢) والبيهقي (٣)، وأصله في الصحيحين (٤) من حديث ابن عمر كما تقدم في باب الدعوة قبل القتال (٥). قوله: (أحبّ بني تميم) هم القبيلة الشهيرة، ينسبون إلى تميم بن مرّ؛ بضم الميم بلا هاء، ابن أدّ؛ بضم أوله، وتشديد الدال المهملة، ابن طابخة؛ بموحدة مكسورة ومعجمة بن إلياس بن مضر. قوله: (بعد ثلاث) زاد أحمد (٦) من وجه آخر عن أبي زرعة عن أبي هريرة: "وما كان قوم من الأحياء أبغض إليّ منهم فأحببتهم"، انتهى. وإنما كان يبغضهم لما كان بينهم وبين قومه في الجاهلية من العداوة. قوله: (هم أشدُّ أمتي على الدجال)، في الرواية الثانية: "وهم أشدُّ الناس قتالًا في الملاحم"، وهي أعمُّ من الرواية الأولى. ويمكن أن يحمل العامّ في ذلك على الخاصّ فيكون المراد بالملاحم [أكبرها] (٧) وهي قتال الدجال، ليدخل غيره بطريق الأولى. قوله: (هذه صدقات قومنا) في الرواية الثانية "صدقات قومي"، وإنما نسبهم إليه لاجتماع نسبه بنسبهم في إلياس بن مضر.

стр. 6964

قوله: (وكانت سبية منهم)؛ أي من بني تميم وهي بوزن فعيلة مفتوح الأول من السبي أو السباء، وفي رواية الإِسماعيلي (١): نسمة، بفتح النون والمهملة؛ أي: نفسٌ. قوله: (محرَّرٌ) بمهملات، اسم مفعولٍ، وقد بين ذلك الطبراني (٢) أن الذي كان على عائشة نذر، ولفظه: "نذرت عائشةُ أن تعتق محرّرًا من بني إسماعيل"، وله في الكبير (٣): "أن عائشة قالت: يا نبيّ الله إني نذرت عتيقًا من ولد إسماعيل، فقال لها النبيّ ﷺ : اصبري حتى [يجيء] (٤) فيء بني العنبر غدًا، فجاء فيء بني العنبر فقال: خذي منهم أربعة" الحديث. قوله: (وقد كنتُ استأنيت بكم) أي: أخرتُ قسم السبي لتحضروا فأبطأتم، وكان ﷺ قد ترك السبي بغير قسمة. وتوجه إلى الطائف فحاصرها، ثم رجع عنها إلى الجعرانةِ، ثم قسم الغنائمَ هناكَ، فجاءه وفد هوازن بعدَ ذلك فبين لهم أنه انتظرهم. وقوله: "بضع عشرة ليلة" بيان لمدة الانتظار. قوله: (قفل) (٥) بفتح القاف والفاء؛ أي: رجعَ. وذكر الواقدي (٦) أن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتًا، فيهم الزِّبرقانُ السَّعديُّ فقالَ: يا رسول الله إنْ في هذه الحظائر إلا أمهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك، فامنن علينا منّ الله عليك. قوله: (أن يُطيِّبَ) بفتح الطاء المهملة وتشديد الياء التحتانية؛ أي: يعطي ذلك على طيبة من نفسه من غير عوض.

стр. 6965

قوله: (على حظه) أي: بردِّ السبي بشرط أن يعطي عوضه. قوله: (يُفيء (١) الله علينا) بضم أوله ثم فاء مكسورة وهمزة بعد التحتانية الساكنة؛ أي: يرجع إلينا من مال الكفار من خراج أو غنيمة أو غير ذلك، ولم يرد الفيء الاصطلاحي وحده. قوله: (عرفاؤكم) (٢) بضم العين المهملة جمع عريف بوزن عظيم، وهو القائم بأمر طائفة من الناس، من عرفتُ بالضم وبالفتح على القوم [عرافة] (٣)، فأنا عارف وعريف، وليت أمر سياستهم وحفظ أمورهم وسمي بذلك لكونه يتعرّف أمورهم. قوله: (فأخبروه أنهم قد طيبوا، وأذنوا) نسبة التطييب والإِذن إلى الجميع حقيقة، لكن سبب ذلك مختلف، فالأغلب الأكثر منهم طابت أنفسهم أن يردوا السبي لأهله بغير عوض، وبعضهم ردّه بشرط التعويض، ومعنى طيبوا: حملوا أنفسهم على ترك السبايا حتى طابت بذلك، يقال: طيبت نفسي بكذا: إذا حملتها على السماح به من غير إكراه، فطابت بذلك، ويقال: طيبت نفس فلان: إذا كلمته بما يوافقه، وإنما قلنا: إن بعضهم ردّه بشرط العوض مع أن ظاهر الحديث يدلّ: على أنه لم يشترط العوض أحد منهم، لما في رواية موسى بن عقبة بلفظ: "فأعطى الناس ما بأيديهم إلا قليلًا من الناس سألوا الفداء" (٤). وفي رواية عمرو بن شعيب (٥): فقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . وقالت الأنصار كذلك، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا؛ وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا؛ وقال العباس بن مرداس: أما أنا

стр. 6966

وبنو سليم فلا؛ فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، قال: فقال رسول الله ﷺ : "من تمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ستّ فرائض من أول فيء نصيبه، فردّوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم". قال ابن بطال (١): في الحديث مشروعية إقامة العرفاء؛ لأن الإِمام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه، فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه. قال (٢): والأمر والنهي إذا توجه إلى الجميع يقع التواكل فيه من بعضهم، فربما وقع التفريط فإذا أقام على كل قوم عريفًا؛ لم يسع كل أحد إلا الانقياد بما أُمر به. وفيه: أن الخبر الوارد في ذمّ العرفاء لا يمنع إقامة العرفاء؛ لأنه محمول إنْ ثبت على أن الغالب على العرفاء الاستطالة، ومجاوزة الحدّ، وترك الإِنصاف المفضي إلى الوقوع في المعصية. والحديث في ذمّ العرفاء أخرجه أبو داود (٣) من طريق المقدام بن معديكرب رفعه: "العرافة حقّ، ولا بدّ للناس من عريف، والعرفاء في النار". ولأحمد (٤)، وصححه ابن خزيمة (٥)، من طريق عباد بن [أبي] (٦) علي، عن أبي حازم عن أبي هريرة رفعه: "ويل للأمراء، ويل للعرفاء". قال الطيبي (٧): قوله: "والعرفاء في النار"، ظاهر أقيم مقام الضمير، يشعر

стр. 6967

بأن العرافة على خطر، ومن باشرها غير آمن الوقوع في المحظور المفضي إلى العذاب، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (١)، فينبغي للعاقل أن يكون على حذر منها لئلا يتورّط فيما يؤديه إلى النار. قال الحافظ (٢): ويؤيد هذا التأويل الحديث الآخر حيث توعد الأمراء بما توعد به العرفاء، فدلّ على أن المراد بذلك: الإِشارة إلى أن كل من يدخل في ذلك لا يسلم، فإن الكلَّ على خطر، والاستثناء مقدر في الجميع. ومعنى: العرافة حقّ: أن أصل نصبهم حقّ، فإن المصلحة مقتضية لما يحتاج إليه الأمير من المعاونة على ما لا يتعاطاه بنفسه، ويكفي في الاستدلال لذلك وجودهم في العهد النبوي، كما دلّ عليه حديث الباب. قوله: (بني المصطلق) قد تقدم ضبطه وتفسيره في باب الدعوة قبل القتال (٣). قوله: (وقعت جويرية) بالجيم مصغرًا بنت الحارث بن أبي ضرار بن الحارث بن مالك بن المصطلق، وكان أبوها سيِّد قومه، وقد أسلم بعد ذلك. قوله: (مُلَّاحة) بضم الميم وتشديد اللام بعدها حاء مهملة؛ أي: مليحة. وقيل: شديدة الملاحة وجمعه ملاح وأملاح وملاحون بتخفيف اللام وملاحون بتشديدها ذكر معنى ذلك في القاموس (٤). وقد استدلّ المصنف رحمه الله تعالى بأحاديث الباب: على جواز استرقاق العرب، وإلى ذلك ذهب الجمهور، كما حكاه الحافظ في كتاب العتق من فتح الباري (٥). وحكى في البحر (٦) عن العترة وأبي حنيفة (٧) أنه لا يقبل من مشركي العرب

стр. 6968

إلا الإِسلام أو السيف، واستدلّ لهم بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) الآية. قال: والمراد مشركو العرب إجماعًا إذ كان العهد لهم يومئذٍ دون العجم. اهـ. ثم قال في موضع آخر من البحر (٢): فأما الاسترقاق، فإن كان أعجميًا أو كتابيًا جاز، لقول ابن عباس في تفسير: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٣): خيَّر الله تعالى نبيه في الأسرى بين القتل، والفداء، والاسترقاق، وإن كان عربيًا غير كتابي لم يجز. الشافعي (٤) يجوز. لنا قوله ﷺ : "لو كان الاسترقاق ثابتًا على العرب" الخبر. اهـ. وهو يشير إلى حديث معاذ الذي أخرجه الشافعي (٥) والبيهقي (٦) أن النبيّ ﷺ قال يوم حنين: "لو كان الاسترقاق جائزًا على العرب لكان اليوم إنما هو أسرى" وفي إسناده الواقدي (٧) وهو ضعيف جدًّا. ورواه الطبراني (٨) من طريق أخرى فيها يزيد بن عياض وهو أشد ضعفًا من الواقدي، ومثل هذا لا تقوم به حجة. وظاهر الآية عدم الفرق بين العربي والعجمي. وقد خصت الهادوية (٩) عدم جواز الاسترقاق بذكور العرب دون إناثهم.

стр. 6969

ومن أدلتهم على عدم جواز استرقاق الذكور من العرب: أنه لو ثبت الاسترقاق لهم لوقع، ولم يرد في وقوعه شيء على كثرة أسر العرب في زمانه ﷺ ، فإن المكروه أيضًا لا بدّ أن يقع ولو لبيان الجواز، ولا يجوز أن يخلّ النبيّ ﷺ بتبليغ حكم الله. قال في "المنار" (١) مستدلًا على ما ذهب إليه الجمهور: وقد استفتحت الصحابة أرض الشام وهم عرب، وكذلك في أطراف بلاد العرب المتصلة بالعجم ولم يفتشوا العربي من العجمي، والكتابي من الأمي، بل سوّوا بينهم، لم يرو عن أحدٍ خلاف ذلك، ثم ذكر قول أحمد بن حنبل الذي ذكره المصنف. والحاصل: أنه قد ثبت في جنس أسارى الكفار جواز القتل، والمنّ، والفداء، والاسترقاق، فمن ادعى أن بعض هذه الأمور يختصّ ببعض الكفار دون بعض لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ناهض يخصص العمومات، والمجوّز قائم في مقام المنع، وقول عليّ وفعله عند بعض المانعين من استرقاق ذكور العرب حجة. وقد استرقّ بني ناجية ذكورهم وإناثهم وباعهم كما هو مشهور في كتب السير والتواريخ، وبنو ناجية من قريش فكيف ساغت لهم مخالفته. [الباب الثامن والأربعون] بابُ قتلِ الجاسوسِ إِذا كانَ مستأمَنًا أَو ذميًا ١٩٧/ ٣٤٢٩ - (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قَال: أتى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ [من المشركين] (٢) وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ بَعْضِ أصحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُم انْسَلَّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اطْلُبُوهُ فاقْتُلُوه"، فَسَبَقْتُهُمْ إِلَيْهِ فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ. رَوَاه

стр. 6970

أَحْمَدُ (١) والبُخارِيُّ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح] ١٩٨/ ٣٤٣٠ - (وَعَنْ فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ: أن النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِهِ، [وكانَ ذِمِّيًّا] (٤) وكانَ عَيْنًا لأبي سُفْيانَ وَحَلِيفًا لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، فَمَرَّ بِحَلْقَةٍ مِنَ الأنْصَارِ فَقالَ: إني مُسْلِمٌ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: يا رَسُولَ الله إنهُ يَقُولُ إنهُ مُسْلِمٌ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ مِنْكُمْ رِجالًا نَكِلُهُمْ إلى إيمَانِهِمْ، مِنْهمْ فُرَاتُ بْنُ حَيانَ"، رَوَاه أحْمَدُ (٥) وأبُو دَاوُدَ (٦)، وَتَرْجَمَهُ بِحُكْمِ الجاسُوسِ الذّمِّيّ). [صحيح] ١٩٩/ ٣٤٣١ - (وَعَنْ عَلِيٍّ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ أنا وَالزُّبَيْرَ وَالمِقدَادَ بْنَ الأسْوَدِ قالَ: "انْطَلِقوا حتى تأتُوا رَوْضَةَ خاخٍ فإنَّ بِها ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتابٌ فَخُذُوهُ مِنْها"، فانْطَلَقْنا تَتَعادَى بِنا خَيْلُنا، حتَّى انْتَهَيْنا إلى الرَّوْضَةِ، فإذَا نَحْنُ بالظعِينَةِ، فَقُلْنا: أخْرجِي الكِتابَ، فَقالَتْ: ما مَعِي مِنْ كِتابٍ، فَقُلْنا: لِتُخْرِجِنَّ الكِتابَ، أوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيابَ، فأخْرَجَتْهُ مِنْ عِقاصِها، فأتَيْنا بِهِ رَسُولَ الله ﷺ فإذَا فِيهِ: مِنْ حاطِبِ بْنِ أبي بَلْتَعَةَ إلى [أُناسٍ] (٧) مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ أهْلِ مَكةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أمْرِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يا حاطِبُ ما هَذَا؟ "، قالَ: يَا رَسُولَ الله لا تَعْجَلْ علَيَّ، إني كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِنْ

стр. 6971

أنْفُسِها، وكانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهُمْ قَرَاباتٌ بِمَكةَ يَحْمُونَ بِها أهْلِيهِمْ وأمْوَالَهُمْ، فأحْبَبْتُ إذْ فاتَنِي ذلكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، ومَا فَعَلْتُ ذلِكَ كُفْرًا وَلا ارْتدَادًا وَلا رِضًا بالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ صَدَقَكُمْ"، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ الله دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنافِقِ، فَقالَ: "إنهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الله أنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ على أهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ: اعمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] حديث فرات بن حَيّان في إسناده أبو همَّام الدَّلَّال محمد بن مُحَبَّب (٢) ولا يحتجّ بحديثه، وهو يرويه عن سفيان الثوري، ولكنه قد روى الحديث المذكور عن سفيان بشر بن السريّ البصري، وهو ممن اتفق البخاري ومُسلم على الاحتجاج بحديثه. ورواهُ عن الثوري أيضًا عبَّاد بن موسى الأزرق العباداني وكان ثقة. قوله: (أتى النبيّ ﷺ عينٌ) (٣) في رواية لمسلم (٤) أن ذلك كان في غزوة هوازن، وسمي الجاسوس عينًا؛ لأن عمله بعينه أو لشدَّة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، كأن جميع بدنه صار عينًا. قوله: (فنفلني) في رواية [البخاري (٥)] (٦) فنفله بالالتفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة. وسبب قتله أنه اطلع على عورة المسلمين كما وقع عند مسلم (٤) من رواية عكرمة بلفظ: "فقيد الجمل ثم [تقدم] (٧) يتغدى مع القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر إذ خرج يشتدّ". وفي رواية لأبي نعيم في المستخرج (٨) من طريق يحيى الحماني عن أبي العميس: "أدركوه فإنه عين".

стр. 6972

وفي الحديث دليل على أنه يجوز قتل الجاسوس. قال النووي (١): فيه: قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق. وأما المعاهد والذمي فقال مالك (٢) والأوزاعي (٣): ينتقض عهده بذلك. وعند الشافعية (٤) خلاف. أما لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتفاقًا. وحديث فرات (٥) المذكور في الباب يدلّ على جواز قتل الجاسوس الذمي. وذهبت الهادوية (٦) إلى أنه يقتل جاسوس الكفار والبغاة إذا كان قد قتل أو حصل القتل بسببه وكانت الحرب قائمة، وإذا اختلّ شيء من ذلك حبس فقط. قوله: (وعن فرات) بضم الفاء، وراء مهملة، وبعد الألف تاء مثناة فوقية؛ وهو: عجلي، سكن الكوفة وهاجر إلى النبيّ ﷺ ولم يزل يغزو معه إلى أن قبض فنزل الكوفة. قوله: (روضة خاخ) (٧) بخاءين معجمتين منقوطتين من فوق. قوله: (ظعينة) (٨) بالظاء المعجمة بعدها عين مهملة: وهي المرأة. قوله: (من عقاصها) (٩) جمع عقيصة: وهي الضفيرة من شعر الرأس، وتجمع أيضًا على عقص. قوله: (من حاطب) بحاء مهملة، وبَلْتَعة: بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح التاء المثناة من فوق بعدها عين مهملة. قوله: (إنه قد شهد بدرًا) ظاهر هذا: أن العلة في ترك قتله كونه ممن شهد بدرًا، ولولا ذلك لكان مستحقًا للقتل؛ ففيه متمسك لمن قال: إنه يقتل الجاسوس ولو كان من المسلمين.

стр. 6973

وقد روى ابن إسحاق (١) عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة قال: لما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة؛ كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم، ثم أعطاه امرأة من مزينة، وذكر ابن إسحاق (٢) أيضًا أن اسمها سارة. وذكر الواقدي (٣) أن اسمها: كنود. وفي رواية له أخرى: سارة. وفي أخرى له أيضًا: أمّ سارة. وذكر الواقدي (٤): أن حاطبًا جعل لها عشرة دنانير على ذلك. وقيل: دينارًا واحدًا. وقيل: إنها كانت مولاة العباس. قال السهيلي (٥): كان حاطب حليفًا لعبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى؛ واسم أبي بلتعة عمرو. وقيل: كان أيضًا حليفًا لقريش. وذكر يحيى بن سلام في تفسيره (٦) أن لفظ الكتاب: "أما بعد، يا معشر

стр. 6974

قريش! فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم والسلام"، كذا حكاه السهيلي (١). وروى الواقدي (٢) بسند له مرسل: أن حاطبًا كتب إلى سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة: "أن رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد". قوله: (وما يدريك لعلّ الله … إلخ) هذه بشارة عظيمة لأهل بدر رضوان الله عليهم لم تقع لغيرهم، والترجي المذكور قد صرّح العلماء بأنه في كلام الله وكلام رسوله للوقوع. وقد وقع عند أحمد (٣) وأبي داود (٤) وابن أبي شيبة (٥) من حديث أبي هريرة

стр. 6975

بالجزم، ولفظه: "إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وعند أحمد (١) بإسناد على شرط مسلم من حديث جابر مرفوعًا: "لن يدخل النار أحد شهد بدرًا". وقد استشكل قوله: "اعملوا ما شئتم"، فإنَّ ظاهره أنه للإِباحة، وهو خلاف عقد الشرع. وأجيب بأنه إخبار عن الماضي؛ أي كل عمل كان لكم فهو مغفور. ويؤيده: أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقع بلفظ الماضي ولقال: فسأغفره لكم. وتعقب: بأنه لو كان للماضي لما حسن الإستدلال به في قصة حاطب؛ لأنه ﷺ خاطب به عمر منكرًا عليه ما قال في أمر حاطب. وهذه القصة كانت بعد بدر بستّ سنين، فدلّ على أن المراد ما سيأتي، وأورده بلفظ الماضي مبالغة في تحققه. وقيل: إن صيغة الأمر في قوله: "اعملوا" للتشريف والتكريم. فالمراد عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك، وأنهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم السالفة، وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت؛ أي: كل ما عملتموه بعد هذه الواقعة من أي عمل كان فهو مغفور.

стр. 6976

وقيل: إن المراد أن ذنوبهم تقع إذا وقعت مغفورة. وقيل: هي بشارة بعدم وقوع الذنوب منهم. وفيه نظر ظاهر لما وقع في البخاري (١) وغيره في قصة قدامة بن مظعون من شربه الخمر في أيام عمر، وأنَّ عمر حدّه. ويؤيد القول بأن المراد بالحديث: أن ذنوبهم إذا وقعت تكون مغفورة ما ذكره البخاري في باب استتابة المرتدين (٢) عن أبي عبد الرحمن السلمي التابعي الكبير أنه قال لحبان بن عطية: قد علمت الذي جرّأ صاحبك على الدماء، يعني عليًا كرّم الله وجهه. قال في الفتح (٣): واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها. اهـ. [الباب التاسع والأربعون] بابُ أَنَّ عبْدَ الكافرِ إِذا خرجَ إِلينا مسلمًا فهو حُرٌّ ٢٠٠/ ٣٤٣٢ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: أعْتَقَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ الطائِفِ مَنْ خَرَجَ إلَيْهِ مِن عَبِيدِ المُشْرِكِينَ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٤). [حسن لغيره] ٢٠١/ ٣٤٣٣ - (وَعَنِ الشَّعْبيّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ قالَ: سألْنا

стр. 6977

رَسولَ الله ﷺ أنْ يَرُدَّ إِلَيْنا أبا بَكْرَةَ، وكانَ مَمْلُوكَنا فأسْلَمَ قبلنَا، فَقالَ: "لا، هُوَ طَلِيقُ الله، ثُمَّ طَلِيقُ رَسُولِهِ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (١). [حسن] ٢٠٢/ ٣٤٣٤ - (وَعَنْ عَلِيٍّ قالَ: خَرَجَ عُبْدَان إلى رَسُولِ الله ﷺ ، يَعْنِي يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ الصُّلْحِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ مَوَالِيهِمْ فَقالُوا: وَالله يا مُحَمَّدُ ما خَرَجُوا إلَيْكَ رَغْبَةً فِي دِينِكَ، وإِنَّمَا خَرَجُوا هَرَبًا مِنَ الرّقّ، فَقالَ ناسٌ: صَدَقُوا يا رَسولَ الله رُدَّهُمْ إلَيْهِمْ، فَغَضِبَ رَسُولُ الله ﷺ وَقالَ: "ما أرَاكُمْ تَنْتَهُون يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ حتَّى يَبْعَثَ الله عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقابَكُمْ على هَذَا"، وأبَى أنْ يَردَّهُمْ وَقالَ: "هُمْ عُتَقاءُ الله "، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح] حديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٣)، وأخرجه أيضًا ابن سعد (٤) من وجه آخر مرسلًا. وقصة أبي بكرة في تدليه من حصن الطائف مذكورة في صحيح البخاري (٥)

стр. 6978

في غزوة الطائف [وحديث الشعبي لم نجده في سنن أبي داود ولا في الأطراف بعد البحث عنه] (١). وحديث عليّ أخرجه أيضًا الترمذي (٢) قال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي عن عليّ. وقال أبو بكر البزار: لا نعلمه يروى عن عليّ بن أبي طالب إلا من حديث ربعي. قوله: (من عبيد المشركين) منهم: أبو بكرة، والمنبعث، وكان عبدًا لعثمان بن عامر بن معتب، ومنهم: مرزوق زوج سمية والدة زياد، والأزرق، وكان لكلدة الثقفي، ووردان وكان لعبيد الله بن ربيعة، ويحنس وكان لابن مالك الثقفي، وإبراهيم بن جارية وكان لخرشة الثقفي، ويقال كان معهم زياد بن سمية، والصحيح أنه لم يخرج حييئذٍ لصغره. وقد روي: أنهم ثلاثة وعشرون عبدًا من الطائف، من جملتهم: أبو بكرة كما ذكره البخاري في المغازي (٣)، وفيه ردّ على من زعم: أن أبا بكرة لم ينزل من سور الطائف غيره، وهو شيء قاله موسى بن عقبة في مغازيه، وتبعه الحاكم. وجمع بعضهم بين القولين أن أبا بكرة نزل وحده أولًا ثم نزل الباقون بعده وهو جمع حسن. قوله: (أن يرد إلينا أبا بكرة) اسمه: نفيع بن الحارث، وكان مولى الحارث بن كلدة الثقفي، فتدلى من حصن الطائف ببكرة، فكنى أبا بكرة لذلك، أخرج ذلك الطبراني (٤) بإسناد لا بأس به من حديث أبي بكرة. قوله: (عِبدان) جمع عبد. وفي أحاديث الباب دليل على أن من هرب من عبيد الكفار إلى المسلمين

стр. 6979

صار حرًا لقوله ﷺ : "هم عتقاء الله" ولكن ينبغي للإِمام أن ينجز عتقهم كما وقع منه ﷺ في عبيد الطائف (١) كما في حديث ابن عباس (٢) المذكور في الباب. [الباب الخمسون] بابُ أَنَّ الحربيَّ إِذا أسلمَ قبلَ القدرةِ عليهِ أَحرَزَ أَمْوَالَهُ (قَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ ﷺ : "فإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقّها" (٣). [صحيح] ٢٠٣/ ٣٤٣٥ - (وَعَنْ صخْرِ بْنِ عَيْلَةَ: أَنَّ قَوْمًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَرُّوا عَنْ أرْضِهِمْ حِينَ جاءَ إلإِسْلامُ فأخَذْتُها فأسْلَمُوا، فَخاصَمُونِي فِيها إلى النَّبيِّ ﷺ فرَدَّها عَلَيْهِمْ وَقالَ: "إِذَا أسْلَمَ الرَّجُلُ فَهُوَ أَحَقُّ بأرْضِهِ وَمالِهِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وأبُو دَاوُدَ (٥) بِمَعْناهُ وَقالَ فِيهِ، فَقالَ: "يا صَخْرُ إنَّ القَوْمَ إذَا أسْلَمُوا أحْرَزُوا أمْوالَهُمْ وَدِماءَهُمْ"). [ضعيف] ٢٠٤/ ٣٤٣٦ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ الأعْسَمِ (٦) قالَ: قَضَى رَسُولُ الله ﷺ فِي العَبْدِ إذَا جاءَ فأسْلَمَ، ثُمَّ جاءَ مَوْلاهُ فأسْلَمَ أنَّهُ حُرّ، وَإذَا جاءَ المَوْلى ثُمَّ جاءَ العَبْدُ بَعْدَ ما أسْلَمَ مَوْلاهُ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أبي طالبٍ وَقالَ: "اذْهَبْ إلَيْهِ"، قُلْتُ: وَهُوَ مُرْسَلٌ (٧) ". الحديث الذي أشار إليه المصنف بقوله: قد سبق … إلخ، تقدم في أول

стр. 6980

كتاب الصلاة (١). وحديث صخر بن عيلة قال الحافظ في (بلوغ المرام) (٢): رجاله موثقون. اهـ. وعيلة بفتح العين المهملة وسكون التحتانية وهي أمّ صخر. وفي الباب عن أبي هريرة عند أبي يعلى (٣) مرفوعًا: "مَنْ أسلمَ على شيءٍ فهو لَهُ"، وضعَّفه ابن عديّ (٤) بياسين الزيات الراوي عن أبي هريرة. قال البيهقي (٥): وإنما يروى عن ابن أبي مليكة وعن عروة مرسلًا. وفي الباب أيضًا عن عروة مرسلًا عند سعيد بن منصور (٦) برجال ثقات: "أن النبيّ ﷺ حاصر بني قريظة فاسلم ثعلبة، وأسيد بن سعية، فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار". وأخرج ابن إسحاق في المغازي (٧) عن شيخ من بني قريظة أنه قال له: هل

стр. 6981

تدري كيف كان إسلام ثعلبة وأسيد ونفر من هذيل لم يكونوا من بني قريظة والنضير كانوا فوق ذلك، أنه قدم علينا رجل من الشام من يهود يقال له: ابن الهيبان، فأقام عندنا فوالله ما رأينا رجلًا قط لا يصلي الخمس خيرًا منه، فقدم علينا قبل مبعث النبيّ ﷺ بسنين، وكان يقول: "إنه يتوقع خروج نبيّ قد أظلّ زمانه" فذكر الحديث. فلما كانت الليلة التي افتتح فيها قريظة قال أولئك الفتية الثلاثة: يا معشر يهود والله إنه للرجل الذي كان ذكر لكم ابن الهيبان، قالوا: ما هو إياه. قالوا: بلى والله إنه لهو، قال: فنزلوا وأسلموا، وكانوا شبابًا، فخلوا أموالهم وأولادهم وأهليهم في الحصن عند المشركين، فلما فتح ردَّ ذلك عليهم. وأخرجه أيضًا البيهقي (١)، وأَسِيد المذكور: بفتح الهمزة وكسر السين، وسَعْيَة: بفتح السين المهملة وإسكان العين المهملة أيضًا وفتح التحتية، وقيل: بالنون بدل الياء. قال النووي (٢): وهو تصحيف من بعض الفقهاء، والهيبان بفتح الهاء والياء المثناة من تحت والباء الموحدة، كذا ضبطه المطرزي في المغرب، وفي القاموس (٣) الهيبان بالتشديد. وقد يخفف [وآخره نون] (٤) صحابي [أسلمي] (٥). قوله: (دماءهم وأموالهم) الظاهر أن الأموال تشمل المنقول وغير المنقول، فيكون المسلم طوعًا أحقّ بجميع أمواله. وقد صرّح بدخول الأرض في حديث صخر (٦) المذكور في الباب لقوله فيه: "بأرضه وما له". وقد ذهب الجمهور (٧) إلى أن الحربي إذا أسلم طوعًا كانت جميع أمواله في ملكه، ولا فرق بين أن يكون إسلامه في دار الإِسلام أو دار الكفر على ظاهر الدليل.

стр. 6982

وقال بعض الحنفية (١): إن الحربي إذا أسلم في دار الحرب وأقام بها حتى غلب المسلمون عليها فهو أحقّ بجميع ماله، إلا أرضه وعقاره فإنها تكون فيئًا للمسلمين. وقد خالفهم أبو يوسف (٢) في ذلك فوافق الجمهور. وذهبت الهادوية (٣) إلى مثل ما ذهب إليه بعض الحنفية إذا كان إسلامه في دار الحرب، قالوا: وإن كان إسلامه في دار الإِسلام كانت أمواله جميعها فيئًا من غير فرق بين المنقول وغيره إلا أطفاله فإنه لا يجوز سبيهم. ويدلّ على ما ذهب إليه الجمهور (٤): أنه ﷺ أقرَّ عقيلًا على تصرّفه فيما كان لأخويه عليّ وجعفر، وللنبيّ ﷺ من الدور والرباع بالبيع وغيره، ولم يغير ذلك، ولا انتزعها ممن هي في يده لما ظفر، فكان ذلك دليلًا على تقرير من بيده دار أو أرض إذا أسلم وهي في يده بطريق الأولى. وقد بوّب البخاري (٥) على قصة عقيل هذه فقال: (باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم [مال] (٦) وأرضون فهي لهم). قال القرطبي (٧): يحتمل أن يكون مراد البخاري أن النبيّ ﷺ منّ على أهل مكة بأموالهم ودورهم قبل أن يسلموا، فتقرير من أسلم يكون بطريق الأولى. قوله: (فأخذتها) الآخذ: هو صخر المذكور. قوله: (قضى رسول الله ﷺ في العبد … إلخ) فيه دليل على أن من أسلم من عبيد الكفار قبل إسلامهم صار حرًا بمجردّ إسلامه لما تقدم في الباب الأول (٨) أن العبيد الذين يفرّون من دار الحرب إلى دار الإِسلام عتقاء الله،

стр. 6983

ومن أسلم بعد إسلام سيده كان مملوكًا لسيده؛ لأن إسلام السيد قد أحرز ماله ودمه، والعبد من جملة أمواله. والحديث المذكور وإن كان مرسلًا إلا أنه يدلّ على معناه الحديث المتفق عليه (١) الذي أشار إليه المصنف لقوله فيه: "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"، فلو حكم بحرية عبد الرجل المسلم إذا أسلم لكان بعض ماله خارجًا عن العصمة، وهكذا يدلّ على هذا المعنى حديث صخر (٢) المذكور. وأحاديث الباب الأوّل تدلّ على ما دلّ عليه حديث أبي سعيد (٣) المذكور من أن عبد الحربي إذا أسلم صار حرًّا بإسلامه، فقد دلّ على جميع ما اشتمل عليه من التفصيل غيره من الأحاديث فلا يضرّ إرساله. [الباب الحادي والخمسون] باب حكم الأَرضين المغنومة ٢٠٥/ ٣٤٣٧ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "أيُّمَا قَرْيةٍ أَتيْتُمُوها فأقمُتم فيها فَسَهْمُكُم فيها، وأيُّما قريةٍ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ فإنَّ خُمُسَها لله وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَمُسْلِمٌ (٥). [صحيح] ٢٠٦/ ٣٤٣٨ - (وَعَنْ أسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قالَ: قالَ عُمَرُ: أمَا وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا أنْ أتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ شَيءٍ ما فُتِحَتْ عَليَّ قَرْيَةٌ إلَّا قَسَمْتُها كما قَسَمَ رَسُولُ الله ﷺ خَيْبَرَ، وَلَكِنْ أتْرُكُها خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَها. رَوَاهُ البُخاري (٦). [صحيح]

стр. 6984

٢٠٧/ ٣٤٣٩ - (وفِي لَفْظٍ قالَ: لَئِنْ عِشْتُ إلى هَذَا العامِ المُقْبِلِ لا تُفْتَحُ للنَّاسِ قَرْيَةً إلا قَسَمْتُها بَيْنَهُمْ كما قَسَمَ رَسُولُ الله ﷺ خَيبَرَ. رَوَاهُ أحَمَدُ) (١). [صحيح] ٢٠٨/ ٣٤٤٠ - (وَعَنْ بَشَيرِ بْنِ يَسارٍ عَنْ رجالٍ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيّ ﷺ أدْرَكَهُمْ يَذْكُرُونَ أن رَسُولَ الله ﷺ حِينَ ظَهَرَ على خَيبَرَ قَسَمَها على سِتةٍ وَثَلاثِينَ سَهمًا جَمَعَ كُلَّ سَهمٍ مِائَةَ سَهمٍ، فَجَعَلَ نِصْفَ ذلكَ كلِّهِ للمُسلِمِينَ فَكانَ فِي ذلكَ النِّصْفِ سِهامُ المُسلِمِينَ وَسَهمُ رَسُول الله ﷺ مَعَها، وَجعَلَ النِّصْفَ الآخَرَ لِمَنْ يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الوفُودِ وَالأمُورِ وَنَوائِبِ الناسِ. رَوَاه أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاودَ) (٣). [صحيح] ٢٠٩/ ٣٤٤١ - (وَعَنْ بَشِيرِ بن يَسارٍ عَنْ سَهلِ بن أبي حَثْمَةَ قالَ: قَسَمَ رَسُول الله ﷺ خيبَرَ نِصْفَينِ: نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَوائجِهِ، وَنصْفًا بَينَ المُسلِمِينَ قَسَمَهَا على ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهمًا. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٤). [صحيح] ٢١٠/ ٣٤٤٢ - (وَعَنْ سَعِيدِ بن المُسَيِّبِ: أن رَسُولَ الله ﷺ افتَتَحَ بَعضَ خَيبَرَ عَنوَةً. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٥). [ضعيف] ٢١١/ ٣٤٤٣ - (وَعَنْ أبي هُرَيَرةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنَعَتِ

стр. 6985

العرَاقُ دِرْهَمَها وَقَفيزَها، وَمَنَعَتِ الشامُ مُدْيَهَا وَدِينارَها، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّها وَدِينارَها، وَعُدْتمْ مِنْ حَيْثُ بَدأتمْ، وَعُدْتمْ مِنْ حَيْث بَدأتمْ، وَعُدْتمْ مِنْ حَيْث بَدأتمْ"، شَهِدَ على ذلك لَحْمُ أبي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وأبُو دَاوُدَ) (٣). [صحيح] حديث بشير بن يسار سكت عنه أبو داود (٤) والمنذري (٥). وأخرجه أيضًا أبو داود (٦) عنه من طريق أخرى أنه سمع نفرًا من أصحاب النبيّ ﷺ قالوا: فذكر هذا الحديث، قال: فكان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله ﷺ وعزل النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب. وأخرجه [أبو داود (٧) أيضًا] (٨) من طريق ثالثة عنه عن رسول الله ﷺ بلا واسطة بأطول من اللفظين المذكورين سابقًا وهو مرسل، فإنه لم يدرك رسول الله ﷺ ولا أدرك فتح خيبر، وهذه الطرق الثلاثة رجال بعضها رجال الصحيح. وحديث بشير أيضًا الذي رواه من طريق سهل سكت عنه أبو داود (٩) والمنذري (١٠) [وفي إسناده أسد بن موسى وفيه مقال] (١١). قوله: (أيما قرية … إلخ) فيه التصريح بأن الأرض المغنومة تكون للغانمين.

стр. 6986

قال الخطابي (١): فيه دليل على أن أرض العنوة حكمها سائر الأموال التي تغنم وأن خمسها لأهل الخمس وأربعة أخماسها للغانمين. قوله: (ببانًا) بموحدتين مفتوحتين الثانية ثقيلة [مشددة] (٢) وبعد الألف نون كذا للأكثر، قال أبو عبيد (٣) بعد أن أخرجه عن ابن مهدي: قال ابن مهدي: يعني شيئًا واحدًا. قال الخطابي (٤): ولا أحسب هذه اللفظة عربية، ولم أسمعها في غير هذا الحديث. وقال [الأزهري (٥)] (٦): بل هي لغة صحيحة لكنها غير فاشية، هي لغة معدّ. وقد صححها صاحب "العين" (٧) وقال: ضوعفت حروفه، يقال: هم على ببان واحد. وقال الطبري (٨). الببان المعدم الذي لا شيء له، فالمعنى: لولا أني أتركهن فقراء معدمين لا شيء لهم، أي: متساوين في الفقر. وقال أبو سعيد الضرير (٩) فيما تعقبه على أبي عبيد: صوابه بيانًا بالموحدة

стр. 6987

ثم تحتانية بدل [الباء] (١) الموحدة الثانية: أي شيئًا واحدًا فإنهم قالوا لمن لا يعرف هو: هيان بن بيان. اهـ. وقد وقع من عمر ﵁ ذكر هذه الكلمة في قصة أخرى، وهو أنه كان يفضل في القسمة فقال: لئن عشت لأجعلنّ للناس بيانًا واحدًا، ذكره الجوهري (٢) وهو مما يؤيد تفسيره بالتسوية. قوله: (يقتسمونها) أي يقتسمون خراجها. قوله: (كما قسم رسول الله ﷺ خيبر) فيه تصريح بما وقع منه ﷺ ، إلا أنه عارض ذلك عنده حسن النظر لآخر المسلمين فيما يتعلق بالأرض خاصة. فوقفها على المسلمين وضرب عليها الخراج الذي يجمع مصلحتهم. وروى أبو عبيد في كتاب الأموال (٣)؛ من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب، عن عمر: أنه أراد أن يقسم السواد فشاور في ذلك، فقال له عليّ: دعهم يكونوا مادّةً للمسلمين، فتركه. وأخرج أيضًا (٤) من طريق عبد الله بن أبي قيس أن عمر أراد قسمة الأرض، فقال له معاذ: إنْ قَسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم يبيدون فيصير إلى الرجل الواحد أو المرأة، ويأتي قوم يسدّون من الإِسلام مسدًّا ولا يجدون شيئًا فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم، فاقتضى رأي عمر تأخير قسم الأرض وضرب الخراج عليها للغانمين ولمن يجيء بعدهم. وقد اختلف في الأرض التي يفتتحها المسلمون عنوة. قال ابن المنذر (٥): ذهب الشافعي (٦) إلى أن عمر استطاب أنفس الغانمين الذين افتتحوا أرض السواد، وأن الحكم في أرض العنوة أن تقسم كما قسم النبيّ ﷺ خيبر. وتعقب بأنه مخالف لتعليل عمر بقوله: "لولا أن أترك آخر الناس … إلخ" لكن يمكن أن يقال معناه: لولا أن أترك آخر الناس ما استطبت أنفس الغانمين.

стр. 6988

وأما قول عمر كما قسم رسول الله ﷺ خيبر فإنه يريد بعض خيبر لا جميعها، كذا قال الطحاوي (١). وأشار بذلك إلى ما في حديث بشير بن يسار (٢) المذكور في الباب: "أن النبيّ ﷺ عزل نصف خيبر لنوائبه وما ينزل به، وقسم النصف الباقي بين المسلمين"، والمراد بالذي عزله ما افتتح صلحًا، وبالذي قسمه ما افتتح عنوة. وقد اختلف في الأرض التي أبقاها عمر بغير قسمة، فذهب الجمهور (٣) إلى أنه وقفها لنوائب المسلمين وأجرى فيها الخراج ومنع بيعها، وقال بعض الكوفيين: أبقاها ملكًا لمن كان بها من الكفرة وضرب عليهم الخراج. قال في الفتح (٤): وقد اشتدّ نكير كثير من فقهاء أهل الحديث لهذه المقالة، انتهى. وقد ذهب مالك (٥) إلى أن الأرض المغنومة لا تقسم بل تكون وقفًا يقسم خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإِمام [في وقت] (٦) من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة، فإن له أن يقسم الأرض. وحكى هذا القول ابن القيم (٧) عن جمهور الصحابة ورجحه وقال: إنه الذي كان عليه سيرة الخلفاء الراشدين. قال (٨): ونازع في ذلك بلال وأصحابه وطلبوا أن يقسم بينهم الأرض التي فتحوها. فقال عمر: هذا غير المال ولكن أحبسه فيئًا يجري عليكم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهمّ اكفني بلالًا

стр. 6989

وذويه، فما حال الحول ومنهم عين تطرف، ثم وافق سائر الصحابة عمر. قال (١): ولا يصحّ أن يقال: إنه استطاب نفوسهم ووقفها برضاهم، فإنهم قد نازعوه فيها، وهو يأبى عليهم. ثم قال (١): ووافق عمر جمهور الأئمة وإن اختلفوا في كيفية إبقائها بلا قسمة. فظاهر مذهب أحمد (٢) وأكثر نصوصه: على أن الإِمام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة، فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها، وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض فعله، فإن رسول الله ﷺ فعل الأقسام الثلاثة؛ فإنه قسم أرض قريظة والنضير وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين. وفي رواية لأحمد (٢): إن الأرض تصير وقفًا بنفس الظهور والاستيلاء من غير وقف من الإمام، وله رواية ثالثة أن الإمام يقسمها بين الغانمين كما يقسم بينهم المنقول إلا أن يتركوا حقهم منها، قال: وهو مذهب الشافعي (٣) بناء من الشافعي على أن آية الأنفال وآية الحشر متواردتان. وأن الجميع يسمى فيئًا وغنيمة، ولكنه يرد عليه: أن ظاهر سوق آية الحشر أن الفيء غير الغنيمة وأن له مصرفًا عامًا، ولذلك قال عمر: إنها عمَّت الناس بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٤)، ولا يتأتى حصة لمن جاء من بعدهم إلا إذا بقيت الأرض محبسة للمسلمين، إذ لو استحقها المباشرون للقتال وقسمت بينهم توارثها ورثة أولئك، [فكانت] (٥) القرية والبلد تصير إلى امرأة واحدة أو صبيّ صغير. وذهبت الحنفية (٦) إلى أن الإمام مخير بين القسمة بين الغانمين وأن يقرّها لأربابها على خراج أو ينتزعها منهم ويقرّها مع آخرين.

стр. 6990

وعند الهادوية (١) الإِمام مخير بين وجوه أربعة معروفة في كتبهم. قوله: (افتتح بعض خيبر عنوة) (٢) العنوة بفتح العين المهملة، وسكون النون: القهر. قوله: (وقفيزها) القفيز (٣): مكيال ثمانية مكاكيك (٤). قوله: (ومنعت [العراق] (٥) مديها) المدِّيُّ (٦): مائة مُدّ واثنان وتسعون مدًا وهو صاع أهل [العراق] (٥). قوله: (ومنعت مصر إردبها) بالراء والدال المهملتين بعدها موحدة. قال في القاموس (٧): الإِردب كقِرْشَبّ: مِكيالٌ ضخم بمصر، ويضمّ أربعة [وعشرين] (٨) صاعًا، انتهى. قوله: (وعدتم من حيث بدأتم) أي: رجعتم إلى الكفر بعد الإِسلام، وهذا الحديث من أعلام النبوّة، لإِخباره ﷺ بما سيكون من ملك المسلمين هذه الأقاليم ووضعهم الجزية والخراج، ثم بطلان ذلك إما بتغلبهم وهو أصحّ التأويلين. وفي البخاري (٩) ما يدلّ عليه، ولفظ المنع في الحديث يرشد إلى ذلك. وإما بإسلامهم، ووجه استدلال المصنف بهذا الحديث على ما ترجم الباب به من حكم الأرضين المغنومة أن النبيّ ﷺ قد علم بأن الصحابة يضعون الخراج على الأرض ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك بل قرّره وحكاه لهم.

стр. 6991

[الباب الثاني والخمسون] باب ما جاءَ في فتح مكة، هل هُوَ عنوةٌ أو صلحٌ؟ ٢١٢/ ٣٤٤٤ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّه ذَكَرَ فَتْحَ مَكةَ فَقالَ: أقْبَلَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَدَخَلَ مَكَّةَ فَبَعَثَ الزُّبَيرَ على إحْدَى المُجَنَّبتَيْنِ وَبَعَثَ خالِدًا على المُجَنَّبةِ الأُخْرَى، وَبَعَثَ أبا عُبَيْدَةَ على الحُسَّرِ فأخَذُوا بَطْنَ الوَادِي، وَرَسُولُ الله ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ، قالَ: وَقَدْ وَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أوَباشَها، وَقالُوا: نُقَدّمُ هَؤلاء، فإنْ كانَ لَهُمْ شَىْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإنْ أُصِيبُوا أعْطَيْنا الذِي سُئِلْنا، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَفَطِنَ فَقالَ لي: "يا أبا هُرَيْرَةَ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله، قالَ: "اهْتِفْ لي بالأنْصَارِ وَلا يأتِيني إلَّا أنْصَارِيّ"، فَهَتَفَ بِهِمْ فَجاءُوا فَطافُوا بِرَسُولِ الله ﷺ ، فَقالَ: "تَرَوْنَ إلى أوْباشِ قُرَيْشٍ وأتْباعِهِمْ"، ثُمَّ قالَ بِيَدَيه إحْدَاهُمَا على الأُخْرَى: "احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حتَّى تُوافُونِي بالصَّفا". قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فانطَلَقنا فَمَا يَشاءُ أحَدٌ مِنَّا أنْ يَقتُلَ مِنهُمْ ما شاءَ إلَّا قَتَلَهُ، وَما أحَدٌ منْهُمْ يُوَجِّهُ إلَيْنا شَيْئًا، فَجاءَ أبُو سُفيانَ فَقالَ: يا رَسُولَ الله أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أغْلَقَ بابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سُفْيانَ فَهُوَ آمِنٌ"، فأغْلَقَ النَّاسُ أبْوَابَهُمْ، فأقْبَلَ رَسُولُ الله ﷺ إلى الحَجَرِ فاسْتَلَمَه، ثمَّ طافَ بالبَيْتِ وفِي يَدِهِ قَوْسٌ وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ القَوْسِ فأتى في طَوَافِهِ على صَنمٍ إلى جَنْبِ البَيْتِ يَعْبُدونَه، فَجَعَلَ يَطْعُنُ بِهِ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]، ثمَّ أتى الصَّفا فَعَلا حَيْثُ يَنْظُر إلى البَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَذْكُر الله بِمَا شاءَ أن يَذْكُرَه وَيَدْعُوه والأنْصَارُ تَحْتَه، قالَ: يَقُول بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أمَّا الرَّجُل فأدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ ورَأفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وَجاءَ الوَحْيُ وكانَ إذَا جاءَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنا فَلَيْسَ أحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إلى رَسُولِ الله ﷺ حتَّى يُقْضَى، فَلَمَّا قُضِيَ الوَحْيُ رَفَعَ رأسَهُ ثُمَّ قالَ: "يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أقُلْتُمْ: أما الرَّجُلَ فأدْرَكَتْهُ رَكْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ ورأفَةٌ بعَشِيرَتهِ"، قالُوا: قُلْنا ذلكَ يا رَسُولَ الله، قال: "فَمَا اسمِي إذَنْ كَلَّا إني عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ هاجَرْتُ

стр. 6992

إلى الله وَإلَيْكُمْ، فَالمَحْيا مَحْياكُمْ، والمَماتُ مَمَاتكُمْ"، فأقْبَلُوا إلَيْهِ يَبْكُونَ وَيقُولُونَ: وَالله ما قُلْنا الَّذِي قُلْنا إلَّا [الضَّنَّ] (١) بِرَسُولِ الله، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فإنَّ الله وَرَسُولَهُ يُصَدّقانِكُمْ وَيَعْذُرَانِكُمْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ) (٣). [صحيح] ٢١٣/ ٣٤٤٥ - (وَعَنْ أُمّ هانِيءٍ قالَتْ: ذَهَبْتُ إلى رَسُولِ الله ﷺ عامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْب فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، فَقُلْتُ: أنا أُمُّ هانِئ بِنْتُ أبي طالب، فَقالَ: "مَرْحَبًا يا أمّ هانِئٍ"؛ فَلَمَا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قامَ يصَلِّيَ ثَمَان رَكعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْب وَاحِدٍ؛ فَلَمَّا انَصَرَفَ قُلْتُ: يا رَسُولَ الله زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيُّ بْنُ أبي طالب أنَّهُ قاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أجَرْتُهُ فُلانَ بْنَ هُبَيْرَةَ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قَد أجَرْنا مَنْ أجَرْتِ يا أُمَّ هانِئ"، قالَتْ: وذلكَ ضُحًى. مُتفَقٌ (٤) عَلَيْهِ. [صحيح] وفِي لَفْظٍ لأحْمَدَ (٥) قالَتْ: لَمَّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أحْمائي، فأدْخَلْتُهُما بَيْتًا وأغْلَقْتُ عَلَيْهما بابًا، فَجاءَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ، فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِما بالسَّيفِ. وَذَكَرَتْ حَدِيثَ أمانِهما). [صحيح] قوله: (على إحدى المُجَنِّبتين) بضم الميم، وفتح الجيم، وكسر النون المشددة. قال في القاموس (٦): والمجنبة بفتح النون: المقدمة، والمجنبتان بالكسر: الميمنة والميسرة، انتهى. فالمراد هنا أنه ﷺ بعث الزبير إما على الميسرة أو الميمنة وخالدًا على الأخرى.

стр. 6993

قوله: (على الحسَّر) (١) بضم الحاء المهملة وتشديد السين المهملة أيضًا ثم راء جمع حاسر: وهو من لا سلاح معه. قوله: (في كتيبته) (٢) هي الجيش. قوله: (وَبشتْ قريش أوباشها) الأوباش بموحدة ومعجمة: الأخلاط والسفلة كما في القاموس (٣)؛ والمراد أن قريشًا جمعت السفلة منها. قوله: (اهتف لي بالأنصار) أي اصرخ بهم. قال في القاموس (٤): هتفت الحمامة تهتف: صاتت، وبه هُتافًا بالضم: صاح. قوله: (ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى) فيه استعارة القول للفعل؛ والمراد أنه أشار بيديه إشارة تدلّ على الأمر منه ﷺ بقتل من يعرض لهم من أوباش قريش. وقوله: "احصدوهم حصدًا" تفسير منه ﷺ لما دلت عليه الإِشارة بالقول هكذا وقع عند المصنف فيما رأيناه من النسخ بدون لفظ (أي) المشعرة بأن ما بعدها تفسير للإشارة من الراوي، ولفظ مسلم (٥): "أي احصدوهم حصدًا". قوله: (أبيدت خضراء قريش) في رواية (٦): "أبيحت"، وخضراء قريش بالخاء والضاد المعجمتين بعدهما راء، قال في القاموس (٧): والخضراء: سواد القوم ومعظمهم. قوله: (لا قريش بعد اليوم) يجوز في قريش الفتح لكنه يحتاج إلى تأويل: أي: لا أحد من قريش؛ لأنه لا يفتح بعد لا إلا النكرة، والرفع أيضًا على أنها بمعنى: ليس، وهو شاذّ، حتى قيل: إنه لم يرد إلا في الشعر.

стр. 6994

قوله: (بسية قوسِه) سية القوس (١): ما انعطف من الطرفين لأنهما مستويان، وهي بكسر السين المهملة وفتح الياء التحتية مخففة. قوله: (على صنم إلى جنب البيت) في رواية للبخاري (٢) أن الأصنام كانت ثلاثمائة وستين. قوله: (يطعن) بضم العين وبفتحها، والأول أشهر. قوله: (ويقول جاء الحقُّ) زاد في حديث ابن عمر عند الفاكهي (٣)، وصححه ابن حبان (٤): "فيسقط الصنم ولا يمسه"، وللفاكهي (٥) والطبراني (٦) من حديث ابن عباس: "فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه مع أنها كانت ثابتة في الأرض، قد شدّ لهم إبليس أقدامها بالرصاص، وإنما فعل ذلك ﷺ بها إذلالًا لها ولعابديها، وإظهارًا لعدم نفعها؛ لأنها إذا عجزت عن أن تدفع عن نفسها فهي عن الدفع عن غيرها أعجز". قوله: (الضنّ) (٧) بكسر الضاد المعجمة مشددةً بعدها نون: أي: الشحّ، والبخل أن يشاركهم أحد في رسول الله ﷺ . قوله: (يصدقانكم ويعذرانكم) فيه جواز الجمع بين ضمير الله ورسوله، وكذلك وقع الجمع بينهما في حديث النهي عن لحوم الحمر الأهلية بلفظ: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية" (٨).
следующие страницы →