← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6990–7029 · переход к 6995.

стр. 6990

وعند الهادوية (١) الإِمام مخير بين وجوه أربعة معروفة في كتبهم. قوله: (افتتح بعض خيبر عنوة) (٢) العنوة بفتح العين المهملة، وسكون النون: القهر. قوله: (وقفيزها) القفيز (٣): مكيال ثمانية مكاكيك (٤). قوله: (ومنعت [العراق] (٥) مديها) المدِّيُّ (٦): مائة مُدّ واثنان وتسعون مدًا وهو صاع أهل [العراق] (٥). قوله: (ومنعت مصر إردبها) بالراء والدال المهملتين بعدها موحدة. قال في القاموس (٧): الإِردب كقِرْشَبّ: مِكيالٌ ضخم بمصر، ويضمّ أربعة [وعشرين] (٨) صاعًا، انتهى. قوله: (وعدتم من حيث بدأتم) أي: رجعتم إلى الكفر بعد الإِسلام، وهذا الحديث من أعلام النبوّة، لإِخباره ﷺ بما سيكون من ملك المسلمين هذه الأقاليم ووضعهم الجزية والخراج، ثم بطلان ذلك إما بتغلبهم وهو أصحّ التأويلين. وفي البخاري (٩) ما يدلّ عليه، ولفظ المنع في الحديث يرشد إلى ذلك. وإما بإسلامهم، ووجه استدلال المصنف بهذا الحديث على ما ترجم الباب به من حكم الأرضين المغنومة أن النبيّ ﷺ قد علم بأن الصحابة يضعون الخراج على الأرض ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك بل قرّره وحكاه لهم.

стр. 6991

[الباب الثاني والخمسون] باب ما جاءَ في فتح مكة، هل هُوَ عنوةٌ أو صلحٌ؟ ٢١٢/ ٣٤٤٤ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّه ذَكَرَ فَتْحَ مَكةَ فَقالَ: أقْبَلَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَدَخَلَ مَكَّةَ فَبَعَثَ الزُّبَيرَ على إحْدَى المُجَنَّبتَيْنِ وَبَعَثَ خالِدًا على المُجَنَّبةِ الأُخْرَى، وَبَعَثَ أبا عُبَيْدَةَ على الحُسَّرِ فأخَذُوا بَطْنَ الوَادِي، وَرَسُولُ الله ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ، قالَ: وَقَدْ وَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أوَباشَها، وَقالُوا: نُقَدّمُ هَؤلاء، فإنْ كانَ لَهُمْ شَىْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإنْ أُصِيبُوا أعْطَيْنا الذِي سُئِلْنا، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَفَطِنَ فَقالَ لي: "يا أبا هُرَيْرَةَ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله، قالَ: "اهْتِفْ لي بالأنْصَارِ وَلا يأتِيني إلَّا أنْصَارِيّ"، فَهَتَفَ بِهِمْ فَجاءُوا فَطافُوا بِرَسُولِ الله ﷺ ، فَقالَ: "تَرَوْنَ إلى أوْباشِ قُرَيْشٍ وأتْباعِهِمْ"، ثُمَّ قالَ بِيَدَيه إحْدَاهُمَا على الأُخْرَى: "احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حتَّى تُوافُونِي بالصَّفا". قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فانطَلَقنا فَمَا يَشاءُ أحَدٌ مِنَّا أنْ يَقتُلَ مِنهُمْ ما شاءَ إلَّا قَتَلَهُ، وَما أحَدٌ منْهُمْ يُوَجِّهُ إلَيْنا شَيْئًا، فَجاءَ أبُو سُفيانَ فَقالَ: يا رَسُولَ الله أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أغْلَقَ بابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سُفْيانَ فَهُوَ آمِنٌ"، فأغْلَقَ النَّاسُ أبْوَابَهُمْ، فأقْبَلَ رَسُولُ الله ﷺ إلى الحَجَرِ فاسْتَلَمَه، ثمَّ طافَ بالبَيْتِ وفِي يَدِهِ قَوْسٌ وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ القَوْسِ فأتى في طَوَافِهِ على صَنمٍ إلى جَنْبِ البَيْتِ يَعْبُدونَه، فَجَعَلَ يَطْعُنُ بِهِ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]، ثمَّ أتى الصَّفا فَعَلا حَيْثُ يَنْظُر إلى البَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَذْكُر الله بِمَا شاءَ أن يَذْكُرَه وَيَدْعُوه والأنْصَارُ تَحْتَه، قالَ: يَقُول بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أمَّا الرَّجُل فأدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ ورَأفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وَجاءَ الوَحْيُ وكانَ إذَا جاءَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنا فَلَيْسَ أحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إلى رَسُولِ الله ﷺ حتَّى يُقْضَى، فَلَمَّا قُضِيَ الوَحْيُ رَفَعَ رأسَهُ ثُمَّ قالَ: "يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أقُلْتُمْ: أما الرَّجُلَ فأدْرَكَتْهُ رَكْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ ورأفَةٌ بعَشِيرَتهِ"، قالُوا: قُلْنا ذلكَ يا رَسُولَ الله، قال: "فَمَا اسمِي إذَنْ كَلَّا إني عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ هاجَرْتُ

стр. 6992

إلى الله وَإلَيْكُمْ، فَالمَحْيا مَحْياكُمْ، والمَماتُ مَمَاتكُمْ"، فأقْبَلُوا إلَيْهِ يَبْكُونَ وَيقُولُونَ: وَالله ما قُلْنا الَّذِي قُلْنا إلَّا [الضَّنَّ] (١) بِرَسُولِ الله، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فإنَّ الله وَرَسُولَهُ يُصَدّقانِكُمْ وَيَعْذُرَانِكُمْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ) (٣). [صحيح] ٢١٣/ ٣٤٤٥ - (وَعَنْ أُمّ هانِيءٍ قالَتْ: ذَهَبْتُ إلى رَسُولِ الله ﷺ عامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْب فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، فَقُلْتُ: أنا أُمُّ هانِئ بِنْتُ أبي طالب، فَقالَ: "مَرْحَبًا يا أمّ هانِئٍ"؛ فَلَمَا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قامَ يصَلِّيَ ثَمَان رَكعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْب وَاحِدٍ؛ فَلَمَّا انَصَرَفَ قُلْتُ: يا رَسُولَ الله زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيُّ بْنُ أبي طالب أنَّهُ قاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أجَرْتُهُ فُلانَ بْنَ هُبَيْرَةَ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قَد أجَرْنا مَنْ أجَرْتِ يا أُمَّ هانِئ"، قالَتْ: وذلكَ ضُحًى. مُتفَقٌ (٤) عَلَيْهِ. [صحيح] وفِي لَفْظٍ لأحْمَدَ (٥) قالَتْ: لَمَّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أحْمائي، فأدْخَلْتُهُما بَيْتًا وأغْلَقْتُ عَلَيْهما بابًا، فَجاءَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ، فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِما بالسَّيفِ. وَذَكَرَتْ حَدِيثَ أمانِهما). [صحيح] قوله: (على إحدى المُجَنِّبتين) بضم الميم، وفتح الجيم، وكسر النون المشددة. قال في القاموس (٦): والمجنبة بفتح النون: المقدمة، والمجنبتان بالكسر: الميمنة والميسرة، انتهى. فالمراد هنا أنه ﷺ بعث الزبير إما على الميسرة أو الميمنة وخالدًا على الأخرى.

стр. 6993

قوله: (على الحسَّر) (١) بضم الحاء المهملة وتشديد السين المهملة أيضًا ثم راء جمع حاسر: وهو من لا سلاح معه. قوله: (في كتيبته) (٢) هي الجيش. قوله: (وَبشتْ قريش أوباشها) الأوباش بموحدة ومعجمة: الأخلاط والسفلة كما في القاموس (٣)؛ والمراد أن قريشًا جمعت السفلة منها. قوله: (اهتف لي بالأنصار) أي اصرخ بهم. قال في القاموس (٤): هتفت الحمامة تهتف: صاتت، وبه هُتافًا بالضم: صاح. قوله: (ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى) فيه استعارة القول للفعل؛ والمراد أنه أشار بيديه إشارة تدلّ على الأمر منه ﷺ بقتل من يعرض لهم من أوباش قريش. وقوله: "احصدوهم حصدًا" تفسير منه ﷺ لما دلت عليه الإِشارة بالقول هكذا وقع عند المصنف فيما رأيناه من النسخ بدون لفظ (أي) المشعرة بأن ما بعدها تفسير للإشارة من الراوي، ولفظ مسلم (٥): "أي احصدوهم حصدًا". قوله: (أبيدت خضراء قريش) في رواية (٦): "أبيحت"، وخضراء قريش بالخاء والضاد المعجمتين بعدهما راء، قال في القاموس (٧): والخضراء: سواد القوم ومعظمهم. قوله: (لا قريش بعد اليوم) يجوز في قريش الفتح لكنه يحتاج إلى تأويل: أي: لا أحد من قريش؛ لأنه لا يفتح بعد لا إلا النكرة، والرفع أيضًا على أنها بمعنى: ليس، وهو شاذّ، حتى قيل: إنه لم يرد إلا في الشعر.

стр. 6994

قوله: (بسية قوسِه) سية القوس (١): ما انعطف من الطرفين لأنهما مستويان، وهي بكسر السين المهملة وفتح الياء التحتية مخففة. قوله: (على صنم إلى جنب البيت) في رواية للبخاري (٢) أن الأصنام كانت ثلاثمائة وستين. قوله: (يطعن) بضم العين وبفتحها، والأول أشهر. قوله: (ويقول جاء الحقُّ) زاد في حديث ابن عمر عند الفاكهي (٣)، وصححه ابن حبان (٤): "فيسقط الصنم ولا يمسه"، وللفاكهي (٥) والطبراني (٦) من حديث ابن عباس: "فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه مع أنها كانت ثابتة في الأرض، قد شدّ لهم إبليس أقدامها بالرصاص، وإنما فعل ذلك ﷺ بها إذلالًا لها ولعابديها، وإظهارًا لعدم نفعها؛ لأنها إذا عجزت عن أن تدفع عن نفسها فهي عن الدفع عن غيرها أعجز". قوله: (الضنّ) (٧) بكسر الضاد المعجمة مشددةً بعدها نون: أي: الشحّ، والبخل أن يشاركهم أحد في رسول الله ﷺ . قوله: (يصدقانكم ويعذرانكم) فيه جواز الجمع بين ضمير الله ورسوله، وكذلك وقع الجمع بينهما في حديث النهي عن لحوم الحمر الأهلية بلفظ: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية" (٨).

стр. 6995

فلا بدّ من حمل النهي الواقع في حديث الخطيب الذي خطب بحضرته ﷺ فقال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى" (١) الحديث، وقد تقدم على من اعتقد التسوية كما قدمنا ذلك في موضعه. قوله: (وعن أمّ هانئ) قد تقدم الكلام على أطراف من هذا الحديث في صلاة الضحى (٢). قوله: (زعم ابن أمي) في رواية للبخاري (٣) في أول كتاب الصلاة: زعم ابن أبي، والكل صحيح فإنه شقيقها، وزعم هنا بمعنى ادّعى. قوله: (أنه قاتلٌ رجلًا) فيه إطلاق اسم الفاعل على من عزم على التلبس بالفعل. قوله: (فلان بن هبيرة) بالنصب على البدل، أو الرفع على الحذف. وفي رواية أحمد (٤) المذكورة رجلين من أحمائي، وقد أخرجها الطبراني (٥). قال أبو العباس بن سريج: هما: جعدة بن هبيرة، ورجل آخر من بني مخزوم، وكانا فيمن قاتل خالد بن الوليد، ولم يقبلا الأمان، فأجارتهما أمّ هانئ وكانا من أحمائها. وقال ابن الجوزي (٦): إن كان ابن هبيرة منهما فهو جعدة، انتهى. قال الحافظ (٧): وجعدة معدود فيمن له رواية، ولم يصحّ له صحبة، وقد

стр. 6996

ذكره من حيث الرواية في التابعين البخاري وابن حبان وغيرهما، فكيف يتهيأ لمن هذه سبيله في صغر السنّ أن يكون عام الفتح مقاتلًا حتى يحتاج إلى الأمان، انتهى. وهبيرة المذكور هو زوج أُم هانئ، فلو كان الذي أمنته أمّ هانئ هو ابنها منه لم يهمّ عليّ بقتله لأنها كانت قد أسلمت وهرب زوجها وترك ولدها عندها، وجوّز ابن عبد البّر (١) أن يكون ابنًا لهبيرة من غيرها مع نقله عن أهل النسب: أنهم لم يذكروا لهبيرة ولدًا من غير أم هانئ. وجزم ابن هشام في تهذيب السيرة (٢) بأن اللذين أجارتهما أمّ هانئ هما الحارث بن هشام [وزهير بن أبي أمية] (٣) المخزوميان. وروى الأزرقي (٤) بسند فيه الواقدي في حديث أمّ هانئ هذا أنهما الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة. وحكى بعضهم أنهما الحارث بن هشام، وهبيرة بن أبي وهب، وليس بشيء لأن هبيرة هرب بعد فتح مكة إلى نجران فلم يزل بها مشركًا حتى مات، كذا جزم به ابن إسحاق وغيره، فلا يصحّ ذكره فيمن أجارته أمّ هانئ. وقال الكرماني (٥): قال الزبير بن بكار: فلان بن هبيرة هو الحارث بن هشام، وقد تصرّف في كلام الزبير، والواقع عند الزبير في هذه القصة موضع فلان بن هبيرة الحارث بن هشام. قال الحافظ (٦): والذي يظهر لي أن في رواية الحديث حذفًا كان فيه فلان ابن عم ابن هبيرة فسقط لفظ عم، أو كان فيه فلان قريب ابن هبيرة فتغير لفظ قريب إلى لفظ ابن، وكل من الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية وعبد الله بن أبي ربيعة يصحّ وصفه بأنه ابن عم هبيرة وقريبه لكون الجميع من بني مخزوم.

стр. 6997

وقد تمسك بحديث أبي هريرة (١) وحديث أمّ هانئ (٢) من قال: إن مكة فتحت عنوة، ومحلّ الحجة من الأوّل أمره ﷺ للأنصار بالقتل [لأوباش] (٣) قريش ووقع القتل منهم. ومحلّ الحجة من الثاني ما وقع من عليّ من إرادة قتل من أجارته أمّ هانئ، ولو كانت مكة مفتوحة صلحًا لم يقع منه ذلك، وسيأتي ذكر الخلاف وما هو الحقّ في ذلك. ٢١٤/ ٣٤٤٦ - (وَعَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: لَمَّا سارَ رَسُولُ الله ﷺ عامَ الفَتْحِ، فَبَلَغَ ذلكَ قُرَيْشًا، خَرَجَ أبُو سُفْيان بْنُ حَرْبٍ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَبُدَيْلُ بْن وَرْقاءَ يَلْتَمِسُونَ الخَبرَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ حتَّى أتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَرآهُمْ ناسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ الله ﷺ ، فأخَذُوهُمْ وأتَوْا بِهِمْ رَسُولَ الله ﷺ ، فأسْلَمَ أبُو سُفْيانَ، فَلَمَّا سارَ قالَ للعَباسِ: "احْبِسْ أبا سُفْيانَ عِنْد خَطْمِ الجَبَلِ حتى يَنْظُرَ إلى المُسْلِمِينَ"، فَحَبَسَه العَباسُ، فَجَعَلَتِ القَبائِلُ تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً على أبي سُفْيانَ حتى أقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يُرَ مِثْلُها، قالَ: يا عَباسُ مَنْ هَذِهِ؟ قالَ: هَؤلاء الأنْصَارُ عَلَيْهمْ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وَمَعَهُ الرَّايَةُ، فَقالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ: يا أبا سُفْيانَ اليَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الكَعْبَةُ؛ فَقالَ أبُو سُفْيانَ: يا عَبَّاسُ حَبَّذا يَوْمُ الذِّمارِ، ثُمَّ جاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أقَلُّ الكَتائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ الله ﷺ وَرَايَةُ النَّبِيّ ﷺ مَعَ الزُّبَيرِ بن العَوَّامِ؛ فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ على أبي سُفيانَ قالَ: ألَمْ تَعْلَمْ ما قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ؟ قالَ: "ما قالَ؟ "، قالَ: قالَ كذا وكذَا، فقالَ: "كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذا [يَوْمٌ] (٤) يُعَظِّمُ الله فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الكَعبَةُ"، وأمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بالحَجُونِ، قالَ عُرْوَةُ: فأخْبَرَنِي نافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: سَمِعْتُ العَبَّاسَ يَقُولُ للزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ: يَا أبا عَبْدِ الله هاهُنا أمَرَكَ رَسُولُ الله ﷺ أنْ تَرْكُز الرَّايَةَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأمَرَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمئِذٍ خالِدَ بْنَ الوَليدِ أنْ يَدْخُلَ مِنْ أعلَى

стр. 6998

مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدًى. رَوَاهُ البُخارِيُّ (١)). [صحيح] قوله: (عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما سار … إلخ)، هكذا أورده البخاري (١) مرسلًا. قال في الفتح (٢): ولم أره في شيء من الطرق موصولًا عن عروة، ولكن آخر الحديث موصول لقول عروة فيه: فأخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس … إلخ. قوله: (فبلغ ذلك قريشًا) يحتمل أن يكون ذلك بطريق الظنّ، لا أن مبلغًا بلغهم حقيقة ذلك. قوله: (حتى أتوا مرّ الظهران) بفتح الميم وتشديد الراء: مكان معروف (٣)، والعامة تقوله بسكون الراء وزيادة واو، والظهران بفتح المعجمة وسكون الهاء بلفظ تثنية ظهر. قوله: (فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأخذوهم … إلخ) في رواية ابن إسحاق (٤): "فلما نزل رسول الله ﷺ مرّ الظهران قال العباس: والله لئن دخل رسول الله مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش. قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء. قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، قال: فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما الحيلة؟ قلت: فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك، قال: فركب خلفه ورجع صاحباه". وهذا مخالف لما في حديث الباب أنهم أخذوهم. وفي رواية ابن عائذ: "فدخل بديل وحكيم على رسول الله ﷺ فأسلما".

стр. 6999

قال في الفتح (١): فيحمل قوله: "ورجع صاحباه"، أي: بعد أن أسلما، واستمر أبو سفيان عند العباس لأمر رسول الله ﷺ له أن يحبسه حتى يرى العساكر. ويحتمل أن يكونا رجعا لما التقى العباس بأبي سفيان فأخذهما العسكر أيضًا. وفي "مغازي موسى بن عقبة" (٢): "فلقيهم العباس فأجارهم وأدخلهم على رسول الله ﷺ فأسلم بديل، وحكيم، وتأخر أبو سفيان بإسلامه إلى الصبح". ويجمع بين الروايات بأن الحرس أخذوهم، فلما رأوا أبا سفيان مع العباس تركوه معه. قوله: (احبس أبا سفيان) في رواية موسى بن عقبة: "أن العباس قال لرسول الله ﷺ : إني لا آمن أن يرجع أبو سفيان فيكفر، فاحبسه حتى يرى جنود الله، ففعل، فقال أبو سفيان: أغدرًا يا بني هاشم؟ قال له العباس: لا، ولكن لي إليك حاجة فتصبح فتنظر جنود الله وما أعدّ الله للمشركين، فحبسه بالمضيق دون الأراك حتى أصبحوا" (٣). قوله: (عند خطم الجبل) في رواية النسفي والقابسي (٤): بفتح الخاء المعجمة وسكون المهملة وبالجيم والموحدة، أي: أنف الجبل، وهي رواية ابن إسحاق (٥) وغيره من أهل المغازي.

стр. 7000

وفي رواية الأكثر (١) بفتح المهملة من اللفظة الأولى وبالخاء المعجمة وسكون التحتانية من الثانية، أي: ازدحامها، وإنما حبسه هناك لكونه كان مضيقًا ليرى الجميع ولا تفوته رؤية أحد منهم. قوله: (كتيبة) (٢) بوزن عظيمة: وهي القطعة من الجيش، من الكَتب وهو الجمع. قوله: (ومعه الراية) أي راية الأنصار، وكانت راية المهاجرين مع الزبير كما هو مذكور في آخر الحديث. قوله: (يوم الملحمة) (٣) بالحاء المهملة، أي: يوم حرب لا يوجد منه مخلص، أو يوم القتل، يقال: لحم فلان فلانًا إذا قتله. قوله: (يوم الذِّمار) (٤) بكسر المعجمة وتخفيف الميم، أي: الهلاك. قال الخطابي (٥): تمنى أبو سفيان أن يكون له يد فيحمي قومه ويدفع عنهم. وقيل: المراد هذا يوم الغضب للحريم والأهل. وقيل: المراد هذا يوم [يلزمك] (٦) فيه حفظي وحمايتي من أن ينالني فيه مكروه. قوله: (وهي أقلّ الكتائب) أي أقلها عددًا؛ لأن عدد المهاجرين كان أقلّ من عدد غيرهم من القبائل. وقال القاضي عياض (٧): وقع للجميع بالقاف ووقع في "الجمع" للحميدي (٨) أجل بالجيم.

стр. 7001

قوله: (كذب سعد) فيه إطلاق الكذب على الإِخبار بغير ما سيقع ولو قاله القائل بناء على ظنه وقوّة القرينة والخلاف في ماهية الكذب معروف. قوله: (يعظم الله فيه الكعبة) هذا إشارة إلى ما وقع من إظهار الإِسلام وأذان بلال على ظهر الكعبة، وإزالة الأصنام عنها ومحو ما فيها من الصور وغير ذلك. قوله: (ويوم تكسى فيه الكعبة) قيل: إن قريشًا كانت تكسو الكعبة في رمضان، فصادف ذلك اليوم، أو المراد باليوم الزمان، أو أشار ﷺ إلى أنه هو الذي يكسوها في ذلك العام. قوله: (بالحجون) (١) بفتح المهملة وضم الجيم الخفيفة: وهو مكان معروف بالقرب من مقبرة مكة. قوله: (فأخبرني نافع بن جبير) لم يدرك نافع يوم الفتح، ولعله سمع العباس يقول للزبير ذلك في حجة اجتمعوا فيها بعد أيام النبوّة؛ فإن نافعًا لا صحبة له. قوله: (قال: وأمر رسول الله ﷺ … إلخ) القائل هو عروة وهو من بقية الخبر المرسل، وليس فيه من المرفوع إلا ما صرّح بسماعه من نافع، وأما باقيه فيحتمل أن يكون عروة تلقاه عن أبيه أو عن العباس فإنه أدركه وهو صغير أو جمعه من نقل جماعة له بأسانيد مختلفة. قال الحافظ (٢): وهو الراجح. قوله: (من كداء) (٣) بالمد مع فتح الكاف، والآخر بضم الكاف والقصر، والأول يسمى المعلى والثاني الثنية السفلى، وهذا يخالف ما وقع في سائر الأحاديث في البخاري وغيره أن خالدًا دخل من أسفل مكة والنبيّ ﷺ من أعلاها، وأمر الزبير أن يغرز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه، وبعث خالدًا في قبائل قضاعة وسليم وغيرهم وأمره أن يدخل من أسفل مكة وأن يغرز رايته

стр. 7002

عند أدنى البيوت، وتمام الحديث المذكور في الباب: "فقتل من خيل خالد يومئذٍ رجلان" كما في صحيح البخاري (١)، وكان على المصنف أن يذكر ذلك لأنه يدلّ على ما ترجم الباب به. وفي مغازي موسى بن عقبة: "أنه قتل من المشركين يومئذٍ نحو عشرين رجلًا قتلهم أصحاب خالد" (٢). وذكر ابن سعد (٣) أن عدّة من أصيب من الكفار أربعة وعشرون رجلًا. وروى الطبراني (٤) من حديث ابن عباس قال: "خطب رسول الله ﷺ فقال: إن الله حرّم مكة" الحديث، فقيل له: هذا خالد بن الوليد يقتل، فقال: قم يا فلان فقل له فليرفع القتل، فأتاه الرجل فقال له: إن رسول الله ﷺ يقول لك: اقتل من قدرت عليه، فقتل سبعين ثم اعتذر الرجل إليه فسكت. قال: وقد كان رسول الله ﷺ أمر الأمراء أن لا يقتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه كان أهدر دم نفر سماهم" (٥)، انتهى. ٢١٥/ ٣٤٤٧ - (وَعَنْ سَعْدٍ قالَ: لَمَّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ رَسُولُ الله ﷺ النَّاسَ إلَّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرأتَينِ، وَسمَّاهُمْ. رَوَاهُ النَّسائيُّ (٦) وأبُو دَاوُدَ) (٧). [صحيح] ٢١٦/ ٣٤٤٨ - (وَعَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنَ الأنصَارِ ستُّونَ رَجُلًا وَمِنَ المُهاجرِينَ ستَّةٌ، فَقالَ أصحَابُ رَسُولِ الله ﷺ : لَئِنْ كانَ لَنا يَوْمٌ مِثْلُ هَذَا مِنَ المُشرِكينَ لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهمْ، فَلَمَّا كانَ يَوْمُ الفَتحِ قالَ رَجُلٌ لا يُعْرَفُ: لا قُرَيشَ بَعدَ اليَوْمِ، فَنادَى مُنادِي رَسُولِ الله ﷺ : أمِّن الأسوَدَ والأبيَضَ إلَّا فُلانًا وَفُلانًا ناسٌ سَمَّاهُمْ، فأنزَلَ الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا

стр. 7003

عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (١)، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَصْبِرُ وَلا نُعاقِبُ"، رَوَاهُ عَبدُ الله بنُ أحْمَدَ في المُسنَدِ (٢). [حسن] وَقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ (٣) وأبي شُرَيحٍ (٤) اللَّذَيْن فيهما: "وإنَّمَا أُحِلَّتْ لِي ساعَةً منْ نَهَارٍ". وأكثرُ هَذه الأحادِيثِ تَدُل على أن الفَتْحَ عَنوَةٌ). ٢١٧/ ٣٤٤٩ - (وَعَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: قُلنا يا رَسُولَ الله ألا تَبْنِي بَيتًا بِمِنى يُظِلُّكَ؟ قالَ: "لا، مِنَى مُناخٌ لِمَنْ سَبَقَ" رَوَاهُ الخَمسَةُ إلَّا النَّسائيَّ، وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ) (٥). [ضعيف] ٢١٨/ ٣٤٥٠ - (وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قالَ: تُوُفّيَ رَسُولُ الله ﷺ وأبُو بَكرٍ وعُمَرُ، وَما تُدْعَى رِباعُ مَكَّةَ إلَّا السَّوَائِبَ مَنِ احتاجَ سَكَنَ، وَمَنِ استَغنَى أسْكَنَ. رَواهُ ابنُ ماجَهْ) (٦). [ضعيف]

стр. 7004

حديث سعد أورده الحافظ في التلخيص (١) وسكت عنه، [وفي إسناده ثلاثة فيهم مقال] (٢) وتمامه: "اقتلوهم وإن وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة": عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، من بني غنم. ومقيس بن ضبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح. فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو معلق بأستار الكعبة، فاستبق سعيد بن الحارث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيدٌ عمارًا، وكان أشبَّ الرجلين فقتله. الحديث بطوله من طريق عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي عن جده عن أبيه، وفيه: "فأما ابن خطل فقتله الزبير بن العوّام"، وجزم أبو نعيم في "المعرفة" (٣): بأن الذي قتله هو أبو برزة. وذكر ابن هشام (٤) أن عبد الله بن خطل قتله سعيد بن حريث وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه. وذكر ابن حبيب أنه أمر بقتل هند بنت عتبة وقريبة بالقاف والموحدة وسارة فقتلتا وأسلمت هند. وذكر ابن إسحاق (٥) أن سارة أمنها النبيّ ﷺ بعد أن استؤمن لها، ومنهم الحويرث بن نقيد - بنون وقاف مصغرًا - وهبار بن الأسود، وفَرْتنا - بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والتاء المثناة الفوقية والنون -.

стр. 7005

وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طلاطل الخزاعي، وذكر الحاكم ممن أهدر دمه كعب بن زهير ووحشي بن حرب وأرنب مولاة ابن خطل. وقد ذكر الحافظ في الفتح (١) جملة من لم يؤمنهم النبي ﷺ بأسمائهم فكانوا ثمانية رجال وستّ نسوة، منهم من أسلم، ومنهم من قتل، ومنهم من هرب. وحديث أبيّ أخرجه أيضًا الترمذي (٢) وقال: حسن غريب من حديث أبيّ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة في الفوائد، وابن حبان (٣)، والطبراني (٤)، وابن مردويه، والحاكم (٥)، والبيهقي في الدلائل (٦). وحديث أبي هريرة (٧)، وأبي شريح (٨) تقدَّما في باب: هل يستوفى القصاص والحدود في الحرم أم لا، من كتاب الدماء. وحديث عائشة سكت عنه أبو داود (٩) والمنذري (١٠). ورجاله رجال الصحيح، وهو من رواية يوسف بن ماهك عن أمه عن عائشة. وأخرجه الترمذي (١١) وابن ماجه (١٢) عن أم مسيكة وذكر غيرهما أنها مكية. وحديث علقمة بن نضلة رجال إسناده ثقات، فإن ابن ماجه (١٣) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة فذكره؛ وعمر بن سعيد،

стр. 7006

وعثمان بن أبي سليمان ثقتان، وأما أبو بكر وعيسى فمن رجال الصحيح. قوله: (لنربين) أي لنزيدنّ عليهم. وفى حديث سعد (١)، وحديث أبيّ بن كعب (٢)، دليل: على أن مكة فتحت صلحًا. وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب الأكثر: إلى أنها فتحت عنوة (٣)، الشافعي (٤)، ورواية عن أحمد (٥) أنها فتحت صلحًا لما ذكر في حديث من التأمين، ولأنها لم تقسم، ولأن الغانمين لم يملكوا دورها، وإلا لجاز أهل الدور منها. وحجة الأولين: ما وقع من التصريح بالأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن الوليد، وتصريحه ﷺ بأنها أحلت له ساعة من نهار، ونهيه عن التأسي به في كما وقع جميع ذلك في الأحاديث المذكورة في الباب تصريحًا وإشارة. وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح البلد عنوة يمنّ على أهلها وتترك لهم دورهم وغنائمهم، ولأن قسمة الأرض المغنومة ليست متفقًا عليها، بلا الخلاف ثابت عن الصحابة فمن بعدهم؛ وقد فتحت أكثر البلاد عنوة فلم تقسم وذلك في زمن عمر وعثمان مع وجود أكثر الصحابة. وقد زادت مكة عن ذلك بأمر يمكن أن يدعى اختصاصها به دون بقية البلاد، وهي أنها دار النسك ومتعبد الخلق، وقد جعلها الله تعالى حرمًا سواء العاكف فيه الباد (٦).

стр. 7007

وأما قول النووي (١): احتجّ الشافعي بالأحاديث المشهورة: بأن النبيّ ﷺ صالحهم بمرّ الظهران قبل دخول مكة ففيه نظر؛ لأن الذي أشار إليه إن كان مراده ما وقع من قوله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" كما تقدم (٢)، وكذا من دخل المسجد كما عند ابن إسحاق (٣) فإن ذلك لا يسمى صلحًا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكفّ عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشًا لم يلتزموا ذلك لأنهم استعدوا للحرب كما تقدم في حديث أبي هريرة (٢) أن قريشًا وبَّشت أوباشًا، فإن كان مراده بالصلح وقوع عقده فهذا لم ينقل كما قال الحافظ (٤)، قال: ولا أظنه عنى إلا الاحتمال الأوّل، أعني قوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (٢). وتمسك أيضًا من قال: إنه أمَّنهم بما وقع عند ابن إسحاق (٥) في سياق قصة الفتح، فقال العباس: لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة يخبرهم بما كان من رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، ثم قال في القصة بعد قصة أبي سفيان: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، فتفرَّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد" (٦). وعند موسى بن عقبة في المغازي (٧) وهي أصحّ ما صنف في ذلك كما قال الحافظ (٨). وروي ذلك عن الجماعة ما نصه: إن أبا سفيان وحكيم بن حزام قالا: يا رسول الله! كنت حقيقًا أن تجعل عدّتك وكيدك لهوازن فإنهم أبعد رحمًا وأشدُّ عداوةً. فقال: "إني لأرجو أن يجمعهما الله لي، فتح مكة وإعزاز الإِسلام بها،

стр. 7008

وهزيمة هوازن وغنيمة أموالهم". فقال أبو سفيان وحكيم بن حزام: فادع الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش وكفت أيديها آمنون هم؟ قال: من كفّ يده وأغلق داره فهو آمن، قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم، قال: فانطلقوا؛ "فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم فهو آمن "ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفلها؛ فلما توجها قال العباس: يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرتدَّ فردّه حتى تريه جنود الله قال: "أفعل" فذكر القصة. وفي ذلك تصريح بعموم التأمين، فكان هذا أمانًا منه لك من لم يقاتل من أهل مكة. ثم قال الشافعي (١): كانت مكة مؤمنة ولم يكن فتحها عنوة؛ والأمان كالصلح. وأما الذين تعرّضوا للقتال والذين استئنوا من الأمان وأمر أن يقتلوا ولو تعلقوا بأستار الكعبة فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عنوة. ويمكن الجمع بين حديث أبي هريرة (٢) في أمره ﷺ بالقتال، وبين حديث عروة (٣) المتقدم المصرّح بتأمينه ﷺ لهم، وكذلك حديث سعد (٤)، وحديث أُبي بن كعب (٥) المذكوران بأن يكون التأمين علق على شرط وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرّقوا إلى دورهم ورضوا بالتأمين المذكور لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك وقاتلوا خالد بن الوليد ومن معه حتى قاتلهم وهزمهم أن تكون البلد فتحت عنوة؛ لأن العبرة بالأصول لا بالأتباع، وبالأكثر لا بالأقلّ، كذا قال الحافظ في الفتح (٦). ويجاب عنه بما تقدم في أول الباب من حديث أبي هريرة (٢): "أن قريشًا وبَّشت [أوباشًا لها] (٧) وقالوا: نقدم هؤلاء … إلخ" فإنه يدلّ على أن غير الأوباش لم يرضوا بالتأمين، بل وقع التصريح في ذلك الحديث بأنهم قالوا: "فإن كان للأوباش شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا".

стр. 7009

ومما احتجّ به الشافعي ما وقع في سنن أبي داود (١) بإسناد حسن عن جابر: "أنه سئل: هل غنمتم يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا". ويجاب بأن عدم الغنيمة لا يستلزم عدم العنوة لجواز أن يكون النبيّ ﷺ منّ عليهم بالأموال كما منّ عليهم بالأنفس حيث قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (٢). ومن أوضح الأدلة على أنها فتحت عنوة قوله ﷺ : "وإنما أحلت لي ساعة من نهار" (٣)، فإن هذا تصريح بأنها أحلت له في ذلك يسفك بها الدماء، وأن حرمتها ذهبت فيه وعادت بعده، ولو كانت مفتوحة صلحًا لما كان لذلك معنى يعتدّ به. وقد وقع في مسند أحمد (٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن تلك الساعة استمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر. وجنحت طائفة منهم الماوردي (٥) إلى أن بعضها فتح عنوة لما وقع من قصة خالد بن الوليد المذكورة، وقررّ ذلك الحاكم في "الإِكليل" (٦) وفيه جمع بين الأدلة. قال الحافظ في الفتح (٧): والحقّ أن صورة فتحها كان عنوة، ومعاملة أهلها معاملة من دخلت بأمان، ومنع قوم منهم السهيلي ترتب عدم قسمتها وجواز بيع دورها وإجارتها على أنها فتحت صلحًا. وذكر المصنف ﵀ لحديث عائشة (٨)، وحديث علقمة بن نضلة (٩) في أحاديث الباب يشعر بأنه من القائلين بالترتب، ولا وجه لذلك لأن الإِمام مخير بين قسمة الأرض المغنومة بين الغانمين، وبين إبقائها وقفًا على المسلمين، ويلزم من ذلك منع بيع دورها وإجارتها.

стр. 7010

وأيضًا قد قال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال؛ لأن من مضى كانوا إن غلبوا على الكفار لم يغنموا إلا الأموال، وتنزل النار فتأكلها وتصير الأرض لهم عمومًا كما قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) الآية، وقال ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ (٢) الآية. [الباب الثالث والخمسون] باب بقاء الهجرة إلى دار الإِسلام وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها ٢١٩/ ٣٤٥١ - (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُندَبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ جامَعَ المُشرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثلُهُ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٣). [حسن لغيره] ٢٢٠/ ٣٤٥٢ - (وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله: أن رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً إلى خَثْعَمَ، فاعتْصَمَ نَاسٌ بالسُّجُودِ فأسْرَعَ فيهمُ القَتْلَ، فَبَلَغَ ذلكَ النَّبيَّ ﷺ فأمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ العَقْلِ وَقالَ: "أنا بَرِيءٌ منْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكينَ"، قالُوا:

стр. 7011

يا رَسُولَ الله ولِمَ؟ قالَ: "لَا تَترَاءَى نارَاهُمَا"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١) وَالتِّرْمذِيُّ) (٢). [صحيح دون الأمر بنصف العقل]

стр. 7012

٢٢١/ ٣٤٥٣ - (وَعَنْ مُعاوِيةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لا تَنْقَطعُ الهجْرَةُ حتى تَنْقَطعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطعُ التوْبَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح] ٢٢٢/ ٣٤٥٤ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ السَّعْدِيّ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لا تَنْقَطعُ الهِجْرَةُ ما قُوتلَ العَدُوُّ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالنَّسائيُّ) (٤). [صحيح] ٢٢٣/ ٣٤٥٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكنْ جهادٌ وَنِيةٌ، وَإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (٥) إلَّا ابْنَ ماجَهْ (٦)، لَكنْ لَهُ مِنْهُ: "إذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا". [صحيح]

стр. 7013

وَرَوَتْ عائِشَةُ مِثْلَهُ. مُتَّفَق عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ٢٢٤/ ٣٤٥٦ - (وَعَنْ عائِشَةَ، وَسُئِلَتْ عَنِ الهِجْرَةِ فَقالَتْ: لا هِجْرَةَ اليَوْمَ، كانَ المُؤمِنُ يفرُّ بدِينهِ إلى الله وَرَسُولِهِ مَخافَةَ أنْ يُفْتَنَ، فأمَّا اليَوْمَ فَقَدْ أظْهَرَ الله الإِسْلامَ، وَالمُؤمِنُ يَعْبُدُ رَبهُ حَيْثُ شاءَ. رَوَاهُ البُخارِيُّ) (٢). [صحيح] ٢٢٥/ ٣٤٥٧ - (وَعَنْ مُجَاشعِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ جاءَ بأخِيهِ مُجَالِدِ بْنِ مَسْعُودٍ إلى النَّبِي ﷺ فَقالَ: هَذَا مُجَالِدٌ جاءَ يُبايِعُكَ على الهِجْرَةِ، فَقالَ: "لا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَكِنْ أبايِعُهُ على الإِسْلامِ وَالإِيمَانِ وَالجِهادِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] حديث سمرة قال الذهبي (٤): إسناده مظلم لا تقوم بمثله حجة. وحديث جرير أيضًا أخرجه ابن ماجه (٥) ورجال إسناده ثقات، ولكن صحح البخاري (٦) وأبو حاتم (٧) وأبو داود (٨) والترمذي (٩) والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم، ورواه الطبراني (١٠) أيضًا موصولًا. وحديث معاوية أخرجه أيضًا النسائي (١١).

стр. 7014

قال الخطابي (١): إسناده فيه مقال. وحديث عبد الله السعدي [رجال إسناده موثقون، وقد] (٢) أخرجه أيضًا ابن ماجه (٣) وابن منده والطبراني (٤) والبغوي وابن عساكر. قوله: (فهو مثله) فيه دليل على تحريم مساكنة الكفار ووجوب مفارقتهم. والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم لكن يشهد لصحته قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٥). وحديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا يقبل الله من مشرك عملًا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين" (٦). قوله: (لا تتراءى ناراهما) يعني: لا ينبغي أن يكونا بموضع بحيث تكون نار كل واحد منهما في مقابلة الأخرى؛ على وجه لو كانت متمكنة من الإِبصار لأبصرت الأخرى، فإثبات الرؤية للنار مجاز. قوله: (ما قوتل العدوّ) فيه دليل: على أن الهجرة باقية ما بقيت المقاتلة للكفار. قوله: (لا هجرة بعد الفتح) أصل الهجرة هجر الوطن، وأكثر ما تطلق على من رحل من البادية إلى القرية.

стр. 7015

قوله: (ولكن جهاد ونية) قال الطيبي (١) وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله. والمعنى: أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن؛ التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة؛ انقطعت إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة، كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك. قوله: (وإذا استنفرتم فانفروا) قال النووي (٢): يريد: أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإِمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه. قال الطيبي (٣): إن قوله: "ولكن جهاد … إلخ" معطوف على محل مدخول "لا هجرة" أي الهجرة من الوطن إما للفرار من الكفار، أو إلى الجهاد، أو إلى غير ذلك، كطلب العلم، فانقطعت الأولى وبقيت الأخريان، فاغتنموهما، ولا تقاعدوا عنهما. بل إذا استنفرتم فانفروا. قال الحافظ (٤): وليس الأمر في انقطاع الهجرة من الكفار على ما قال، انتهى. وقد اختلف في الجمع بين أحاديث الباب، فقال الخطابي (٥) وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإِسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدوّ، انتهى. قال الحافظ (٦): وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى من يؤذيه من الكفار، فإنهم كانوا يعذّبون من أسلم منهم إلى أن

стр. 7016

يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (١) الآية، وهذه الهجرة باقية الحكم في حقّ من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها. وقال الماوردي (٢): إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإِقامة فيها أفضل من الرحلة عنها لما يترجى من دخول غيره في الإِسلام، ولا يخفى ما في هذا الرأي من المصادمة لأحاديث الباب القاضية بتحريم الإِقامة في دار الكفر. وقال الخطابي (٣) أيضًا: إن الهجرة افترضت لما هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين. وقد أكد الله ذلك في عدة آيات، تحى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٤)، فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإِسلام من جميع القبائل انقطعت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب. وقال البغوي في شرح السنة (٥): يحتمل الجمع بطريق أخرى، فقوله: "لا هجرة بعد الفتح"، أي: من مكة إلى المدينة. وقوله: " [لا] (٦) تنقطع" أي: من دار الكفر في حقّ من أسلم "إلى دار الإِسلام. قال (٧): ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن قوله: "لا هجرة" أي إلى النبيّ ﷺ حيث كان بنية عدم الرجوع إلى الوطن المهاجر منه إلا بإذن. فقوله: "لا تنقطع" أي هجرة من هاجر على غير هذا الوصف من الأعراب ونحوهم. وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإِسماعيلي بلفظ: "انقطعت

стр. 7017

الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ ، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" (١)، أي: ما دام في الدنيا دار كفر فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن على دينه، ومفهومه أنه لو قدر أن لا يبقى في الدنيا دار كفر أن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها. وأطلق ابن التين (٢) أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة، وأن من أقام بمكة بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة بغير عذر كان كافرًا. قال الحافظ (٣): وهو إطلاق مردود. وقال ابن العربي (٤): الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإِسلام، وكانت فرضًا في عهد النبيّ ﷺ واستمرّت بعده لمن خاف على نفسه والتي انقطعت أصلًا هي القصد إلى [النبي] (٥) حيث كان. وقد حكى في البحر (٦) أن الهجرة عن دار الكفر واجبة إجماعًا حيث حمل على معصية فعل أو ترك أو طلبها الإِمام بقوّته لسلطانه. وقد ذهب جعفر بن مبشر وبعض الهادوية (٧) إلى وجوب الهجرة عن دار الفسق قياسًا على دار الكفر، وهو قياس مع الفارق. والحقّ عدم وجوبها من دار الفسق لأنها دار إسلام، وإلحاق دار الإِسلام بدار الكفر بمجرّد وقوع المعاصي فيها على وجه الظهور ليس بمناسب لعلم الرواية ولا لعلم الدراية، وللفقهاء في تفاصيل الدور والأعذار المسوّغة لترك الهجرة مباحث ليس هذا محلّ بسطها.

стр. 7018

[ثانيًا] أبوابُ الأمَانِ والصُّلْحِ والمُهَادَنَةِ [الباب الأول] بابُ تحريمِ الدَّمِ بالأَمانِ وصحَّتِهِ من الواحِدِ ١/ ٣٤٥٨ - (عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لِكُلّ غادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيامَةِ يُعْرَفُ بِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ٢/ ٣٤٥٩ - (وَعَنْ أبي سَعيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لكُلّ غادِرٍ لوَاءٌ يَوْمَ القِيامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غُدْرَته، ألا وَلا غادِرَ أعْظَمُ غَدْرًا منْ أميرِ عامَّة"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ (٣). [صحيح] ٣/ ٣٤٦٠ - (وَعَنْ عَليِّ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "ذِمَّةُ المُسْلِمينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِها أدْناهُمْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٤). [صحيح] ٤/ ٣٤٦١ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "إنَّ المَرأةَ لَتَأخُذُ للْقَوْمِ، يَعْني تُجِيرُ على المُسْلِمِينَ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ) (٥). [حسن]

стр. 7019

حديث عليّ تقدم في أول كتاب الدماء (١)، وقد أخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣) والحاكم (٤). وأخرجه أيضًا أحمد (٥) وأبو داود (٦) وابن ماجه (٧) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا بلفظ: "يد المسلمين على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم، ويردّ عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم". ورواه ابن حبان في صحيحه (٨) من حديث ابن عمر مطوّلًا. ورواه ابن ماجه (٩) من حديث معقل بن يسار مختصرًا بلفظ: "المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم". ورواه الحاكم (١٠) عن أبي هريرة مختصرًا بلفظ: "المسلمون تتكافأ دماؤهم". ورواه من حديثه أيضًا مسلم (١١) بلفظ: "إن ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". وهو أيضًا متفق عليه (١٢) من حديث عليّ من طريق أخرى بأطول من هذا. وأخرجه البخاري (١٣) من حديث أنس.

стр. 7020

وأخرجه ابن أبي شيبة (١) من حديث أبي عبيدة بلفظ: "يجير على المسلمين بعضهم"، وفي إسناده حجاج بن أرطاة وهو ضعيف. وأخرجه أيضًا أحمد (٢) من حديث أبي أمامة بنحوه. وأخرجه أيضًا الطيالسي في مسنده (٣) من حديث عمرو بن العاص بلفظ: "يُجير على المسلمين أدناهم". ورواه أحمد (٤) من حديث أبي هريرة. وحديث أبي هريرة المذكور في الباب رواه الترمذي (٥) من طريق يحيى بن أكثم، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة فذكره، ثم قال: وفي الباب عن أمّ هانئ: وهذا حديث حسن غريب، انتهى. وقد تقدم حديث أم هانئ قريبًا (٦). وأخرج أبو داود (٧) والنسائي (٨) عن عائشة قالت: إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين فيجوز.

стр. 7021

قوله: (يعرف به) في رواية للبخاري (١): "ينصب". وفي أخرى له (٢) "يرى"، ولمسلم (٣) من حديث أبي سعيد: "عند اسْته". قال ابن المنير (٤): كأنه عومل بنقيض قصده؛ لأن عادة اللواء أن يكون على الرأس فنصبه عند السفل زيادة في فضيحته لأن الأعين غالبًا تمتدّ إلى الألوية، فيكون ذلك سببًا لامتدادها إلى الذي بدت له ذلك اليوم [فتزداد بها فضيحته] (٥). قوله: (بقدر غدرته) قال في القاموس (٦): والغدرة بالضم والكسر: [ما أُغْدِرَ من شيءٍ] (٧). قال القرطبي (٨): هذا خطاب منه للعرب بنحو ما كانت تفعل؛ لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء وللغدر راية سوداء، ليلوموا الغادر ويذموه، فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته في القيامة فيذمه أهل الموقف. وقد زاد مسلم (٩) في رواية له: "يقال هذه غدرة فلان". قال في الفتح (١٠): وأما الوفاء فلم يرد فيه شيء، ولا يبعد أن يقع كذلك. وقد ثبت لواء الحمد لنبينا ﷺ . وفي حديث أنس (١١)، وحديث أبي سعيد (١٢)، دليل على تحريم الغدر وغلظه لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء. قال القاضي عياض (١٣): المشهور: أن هذا الحديث ورد في ذمّ الإِمام إذا

стр. 7022

غدر في عهوده لرعيته أو لمقاتلته أو للإمامة التي تقلدها، والتزم القيام بها. فمن حاف فيها؛ أو ترك الرفق؛ فقد غدر بعهده. وقيل (١): المراد نهي الرعية عن الغدر بالإِمام، فلا تخرج عليه، ولا تتعرّض لمعصيته، لما يترتب على ذلك من الفتنة، قال: والصحيح الأول. قال الحافظ (٢): ولا أدري ما المانع من حمل الخبر على أعمّ من ذلك. وحكى في الفتح (٣) في موضع آخر أن الغدر حرام بالإتفاق سواء كان في حق المسلم أو الذمي. قوله: (يسعى بها أدناهم) أي: أقلهم، فدخل كل وضيع بالنص، وكل شريف بالفحوى، ودخل في الأدنى المرأة، والعبد، والصبيّ، والمجنون، فأما المرأة فيدلّ على ذلك حديث أبي هريرة (٤) وحديث أمّ هانئ المتقدم (٥). قال ابن المنذر (٦): أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئًا ذكره عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره. قال: إن أمر الأمان إلى الإِمام، وتأوّل ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة. قال ابن المنذر (٧): وفي قول النبيّ ﷺ : "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل. قال في الفتح (٨): وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون، فقال: هو إلى الإِمام إن أجازه جاز، وإن ردّه ردّ، انتهى.

стр. 7023

وأما العبد فأجاز الجمهور (١) أمانه قاتل أو لم يقاتل. وقال أبو حنيفة (٢): إن قاتل جاز أمانه وإلا فلا. وقال سحنون (٣): إن أذن له سيده في القتال صحّ أمانه وإلا فلا. وأما الصبيّ فقال ابن المنذر (٤): أجمع أهل العلم أن أمان الصبيّ غير جائز. قال الحافظ (٥): وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذا المميز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية (٦) والحنابلة (٧). وأما المجنون فلا يصحّ أمانه بلا خلاف كالكافر؛ [لكن] (٨) قال الأوزاعي (٩): إن غزا الذمي مع المسلمين فأمّن أحدًا فإن شاء الإِمام أمضاه وإلا فليردّه إلى مأمنه.

стр. 7024

وحكى ابن المنذر (١) عن الثوري أنه استثنى من الرجال الأحرار الأسير في أرض الحرب، فقال: لا ينفذ أمانه وكذلك الأجير. [الباب الثاني] باب ثبوتِ الأَمانِ للكافرِ إِذَا كانَ رسولًا ٥/ ٣٤٦٢ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: جاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثالٍ رَسُولا مُسَيْلِمَةَ إِلى النَّبِيّ ﷺ فَقالَ لَهُما: "أتشْهَدَانِ أني رَسُولُ الله؟ "، قالا: نَشْهَدُ أن مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ الله، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "آمنْتُ بالله وَرَسُولِهِ، لَوْ كنْتُ قاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُما"، قالَ عَبْدُ الله: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ. رَواهُ أحْمَدُ) (٢). [صحيح] ٦/ ٣٤٦٣ - (وَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيّ قالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ حِين قرأ كتابُ مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ قالَ لِلرَّسُولَيْنِ: "فَمَا تَقُولانِ أنْتُما؟ "، قالا: نَقُولُ

стр. 7025

كما قالَ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالله لَوْلا أن الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أعْناقَكُما"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح] ٧/ ٣٤٦٤ - (وَعَنْ أبي رَافِعٍ مَوْلى رَسُولِ الله ﷺ قالَ: [بَعَثَتْنِي] (٣) قُرَيْشٌ إلى النَّبِيّ ﷺ ، فَلَمَّا رأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَقَعَ فِي قَلْبِي الإِسْلامُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله لا أرْجِعُ إلَيهِمْ، قالَ: "إني لا أخِيسُ بالعَهْدِ، وَلا أحْبِسُ البُرُدَ، ولَكِنِ ارْجِعْ إلَيْهِمْ، فإنْ كانَ فِي قَلْبِكَ الَّذِي فِيهِ الآنَ فارْجِعْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وأبُو دَاوْدَ) (٥). [صحيح] وَقالَ: هَذَا كانَ فِي ذلكَ الزّمانِ اليَوْمَ لا يَصْلُحُ، وَمَعْناهُ وَالله أعْلَمُ أنَّهُ كانَ فِي المَرَّةِ الَّتِي شَرَطَ لَهُمْ فِيها أنْ يَرُدَّ مَنْ جاءَهُ مِنهُمْ مُسْلِمًا). حديث ابن مسعود أخرجه أيضًا الحاكم (٦)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٧) والنسائي (٨) مختصرًا. وحديث نعيم بن مسعود سكت عنه أبو داود (٩) والمنذري (١٠) والحافظ في التلخيص (١١). [ورجاله ثقات إلا محمد بن إسحاق

стр. 7026

وقد عنعن هنا] (١). وأخرج أبو نعيم في الصحابة (٢): "أن مسيلمة بعث إلى النبيّ ﷺ ثلاثة: وتين وابن شغاف الحنفي وابن النواحة. فأما وتين فأسلم، وأما الآخران فشهدا أنه رسول الله وأن مسيلمة من بعده، فقال: خذوهما، فأخذا، فخرجوا بهما إلى البيت فحبسا، فقال رجل: هبهما لي يا رسول الله، ففعل". وحديث أبي رافع أخرجه أيضًا النسائي (٣) وصححه ابن حبان (٤). قوله: (ابن النوّاحة) بفتح النون وتشديد الواو، وبعد الألف مهملة. وفي سنن أبي داود (٥) من طريق حارثة بن مضرِّب أنه أتى عبد الله، يعني ابن مسعود فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حنة، وإني مررت بمسجد لبني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله فجيء بهم فاستتابهم غير ابن النوّاحة قال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لولا أنك رسول لضربت عنقك، فأنت اليوم لست برسول، فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه في السوق ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النوّاحة قتيلًا في السوق. قوله: (وابن أُثال) بضم الهمزة وبعدها مثلثة. قولى: (لا أخيس) (٦) بالخاء المعجمة والسين المهملة بينهما مثناة تحتية، أي: لا أنقض العهد، من خاس الشيء في الوعاء (٧): إذا فسد. قوله: (ولا أحبس) بالحاء المهملة والموحدة. والحديثان الأولان يدلان على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإِمام أو سائر المسلمين.

стр. 7027

والحديث الثالث فيه دليل على أنه يجب الوفاء بالعهد للكفار كما يجب للمسلمين لأن الرسالة تقتضي جوابًا يصل على يد الرسول فكان ذلك بمنزلة عقد العهد. [الباب الثالث] باب ما يجوز من الشروط مع الكفار ومدة المهادنة وغير ذلك ٨/ ٣٤٦٥ - (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: ما مَنَعَنِي أنْ أشْهَدَ بَدْرًا، إلَّا أني خَرَجْتُ أنا وأبي الحُسَيْلُ، قالَ: فأخذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، فَقالُوا: إنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا؟ فَقُلْنا: ما نُرِيدُهُ وَما نُرِيدُ إلَّا المَدِينَةَ، قالَ: فأخَذُوا مِنَّا عَهْدَ الله وَمِيثاقَهُ لنَنْطَلِقُ إلى المَدِينَةِ وَلا نُقاتِلُ مَعَهُ، فَأتَيْنا رَسُولَ الله ﷺ فأخْبَرْناهُ الخَبرَ، فَقالَ: "انْصَرِفا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ الله عَلَيْهِمْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢). وَتمَسَّكَ بِهِ مَنْ رأى يَمِينَ المُكْرَهِ مُنْعَقِدَةً). [صحيح] ٩/ ٣٤٦٦ - (وَعَنْ أنَسٍ أن قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ فاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أن مَنْ جاءَ مِنْكُمْ لا نَرُدُّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَ رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنا، [فَقالُوا] (٣): يا رَسُولَ الله أنَكْتُبُ هَذَا؟ قالَ: "نَعَمْ، إنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إلَيْهِمْ فأبْعَدَهُ الله، وَمَنْ جاءَ مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ الله لَهُ فَرَجًا وَمخْرَجًا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَمُسْلِمُ) (٥). [صحيح] قوله: (وأبي الحُسَيْل) بضم الحاء المهملة وفتح السين المهملة أيضًا

стр. 7028

وسكون الياء بلفظ التصغير وهو والد حذيفة فيكون لفظ الحسيل عطف بيان. قوله: (فاشترطوا عليه أن من جاء منكم … إلخ) في لفظ البخاري (١) الآتي بعد هذا: "أن سهيلًا قال للنبيّ ﷺ : وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا". قوله: (فقالوا يا رسول الله … إلخ) سمى الواقدي (٢) جماعة ممن قال ذلك، منهم: أسيد بن حضير، وسعد بن عبادة. وذكر البخاري (٣) في المغازي أن سهل بن حنيف كان ممن أنكر ذلك أيضًا. وقال الحافظ في الفتح (٤): وقائل [ذلك] (٥) يشبه أن يكون هو عمر. ولابن عائذ من حديث ابن عباس (٦) نحوه. وسيأتي بعد هذا الحديث بسط قصة الصلح، وقد أطال ابن إسحاق (٧) في القصة وزاد على ما عند غيره. وقد استدلّ المصنف بالحديثين المذكورين على جواز مصالحة الكفار على ما وقع فيهما. وسيأتي بسط الكلام في ذلك. ١٠/ ٣٤٦٧ - (وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ المِسْوَرِ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما حَديثَ صَاحِبِهِ، قالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، حتَّى إذَا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ خالِدَ بْنَ الوَليدِ بالغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْش طَلِيعَةً،

стр. 7029

فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ"، فَوَالله ما شَعَرَ بِهِمْ خالِدٌ حتَّى إذَا هُمْ بِقَترَةِ الجيش، فانْطَلَق يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسارَ النَّبِيُّ ﷺ حتَّى إذَا كانَ بالثَّنِيَّةِ الَّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ مِنْها بَرَكَتْ بِهِ ناقَتُهُ، فَقالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فَقالُوا: خَلأتِ القَصْواءُ خَلأَتِ القَصْوَاءُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ما خَلأَت القَصْوَاءُ، ومَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ"، قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيها حُرُماتِ الله إلَّا أعْطَيْتُهُمْ إيَّاها"، ثُمَّ زَجَرَها فَوَثَبَتْ، قالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حتَّى نَزَلَ بأقْصَى الحُدَيْبِيَةِ على ثَمْدٍ قَلِيلٍ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تبَرُّضًا، فَلَمْ يَلْبَثِ النَّاسُ حتَّى نَزَحُوهُ وَشُكِيَ إلى رَسُولِ الله ﷺ العَطَشُ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنانَتِهِ، ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَالله ما زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بالرِّيّ حتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنا هُمْ كَذَلِكَ إذْ جاءَهُمْ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ وكانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ أهْلِ تِهامَةَ، فَقالَ: إني تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤيٍّ وَعامِرَ بْنَ لُؤيٍّ، نَزَلُوا إعْدَادَ مِياهَ الحُدَيبيَةِ مَعَهُمْ العُوذُ المَطافِيلُ، وَهُمْ مُقاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ البَيْتِ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، وَإنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ وأضَرَّتْ بِهِمْ، فإنْ شاءُوا مادَدْتُهُمْ مُدَّةً ويُخَلُّوا بَيْنِي وَبَينَ النَّاس، فإنْ أظْهَرْ فإنْ شاءُوا أنْ يَدْخُلُوا فِيما دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإلَّا فَقَدْ جَمُّوا، فينْ هُمْ أبوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقاتِلَنَّهُمْ على أمْرِي هَذَا حتَّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي، أوْ لِيُنْفِذَن الله أمْرَهُ"، فَقالَ بُدَيْلٌ: سأُبَلِّغهُمْ ما تَقُولُ، فانْطَلَقَ حتَّى أتى قُرَيْشًا، فَقالَ: إنَّا قَدْ جئْناكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ، وَقَدْ سَمِعْناهُ يَقُولُ قَوْلًا، فإن شِئْتُمْ أنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنا، فَقالَ سُفَهاؤهُمْ: لا حاجَةَ لَنا [إلى] (١) أنْ تُخْبِرَنا عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَقالَ ذُو الرأيِ مِنْهُمْ: هاتِ ما سَمِعْتَهُ يَقُولُ، قالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَذَا وكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قالَ النَّبِيُّ ﷺ . فَقامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُود فَقالَ: أيْ قَوْمُ ألَسْتُمْ بالوَالِدِ؟ قالُوا: بَلَى، قالَ: أوَ
следующие страницы →