← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 7025–7064 · переход к 7030.

стр. 7025

كما قالَ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالله لَوْلا أن الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أعْناقَكُما"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح] ٧/ ٣٤٦٤ - (وَعَنْ أبي رَافِعٍ مَوْلى رَسُولِ الله ﷺ قالَ: [بَعَثَتْنِي] (٣) قُرَيْشٌ إلى النَّبِيّ ﷺ ، فَلَمَّا رأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَقَعَ فِي قَلْبِي الإِسْلامُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله لا أرْجِعُ إلَيهِمْ، قالَ: "إني لا أخِيسُ بالعَهْدِ، وَلا أحْبِسُ البُرُدَ، ولَكِنِ ارْجِعْ إلَيْهِمْ، فإنْ كانَ فِي قَلْبِكَ الَّذِي فِيهِ الآنَ فارْجِعْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وأبُو دَاوْدَ) (٥). [صحيح] وَقالَ: هَذَا كانَ فِي ذلكَ الزّمانِ اليَوْمَ لا يَصْلُحُ، وَمَعْناهُ وَالله أعْلَمُ أنَّهُ كانَ فِي المَرَّةِ الَّتِي شَرَطَ لَهُمْ فِيها أنْ يَرُدَّ مَنْ جاءَهُ مِنهُمْ مُسْلِمًا). حديث ابن مسعود أخرجه أيضًا الحاكم (٦)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٧) والنسائي (٨) مختصرًا. وحديث نعيم بن مسعود سكت عنه أبو داود (٩) والمنذري (١٠) والحافظ في التلخيص (١١). [ورجاله ثقات إلا محمد بن إسحاق

стр. 7026

وقد عنعن هنا] (١). وأخرج أبو نعيم في الصحابة (٢): "أن مسيلمة بعث إلى النبيّ ﷺ ثلاثة: وتين وابن شغاف الحنفي وابن النواحة. فأما وتين فأسلم، وأما الآخران فشهدا أنه رسول الله وأن مسيلمة من بعده، فقال: خذوهما، فأخذا، فخرجوا بهما إلى البيت فحبسا، فقال رجل: هبهما لي يا رسول الله، ففعل". وحديث أبي رافع أخرجه أيضًا النسائي (٣) وصححه ابن حبان (٤). قوله: (ابن النوّاحة) بفتح النون وتشديد الواو، وبعد الألف مهملة. وفي سنن أبي داود (٥) من طريق حارثة بن مضرِّب أنه أتى عبد الله، يعني ابن مسعود فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حنة، وإني مررت بمسجد لبني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله فجيء بهم فاستتابهم غير ابن النوّاحة قال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لولا أنك رسول لضربت عنقك، فأنت اليوم لست برسول، فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه في السوق ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النوّاحة قتيلًا في السوق. قوله: (وابن أُثال) بضم الهمزة وبعدها مثلثة. قولى: (لا أخيس) (٦) بالخاء المعجمة والسين المهملة بينهما مثناة تحتية، أي: لا أنقض العهد، من خاس الشيء في الوعاء (٧): إذا فسد. قوله: (ولا أحبس) بالحاء المهملة والموحدة. والحديثان الأولان يدلان على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإِمام أو سائر المسلمين.

стр. 7027

والحديث الثالث فيه دليل على أنه يجب الوفاء بالعهد للكفار كما يجب للمسلمين لأن الرسالة تقتضي جوابًا يصل على يد الرسول فكان ذلك بمنزلة عقد العهد. [الباب الثالث] باب ما يجوز من الشروط مع الكفار ومدة المهادنة وغير ذلك ٨/ ٣٤٦٥ - (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: ما مَنَعَنِي أنْ أشْهَدَ بَدْرًا، إلَّا أني خَرَجْتُ أنا وأبي الحُسَيْلُ، قالَ: فأخذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، فَقالُوا: إنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا؟ فَقُلْنا: ما نُرِيدُهُ وَما نُرِيدُ إلَّا المَدِينَةَ، قالَ: فأخَذُوا مِنَّا عَهْدَ الله وَمِيثاقَهُ لنَنْطَلِقُ إلى المَدِينَةِ وَلا نُقاتِلُ مَعَهُ، فَأتَيْنا رَسُولَ الله ﷺ فأخْبَرْناهُ الخَبرَ، فَقالَ: "انْصَرِفا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ الله عَلَيْهِمْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢). وَتمَسَّكَ بِهِ مَنْ رأى يَمِينَ المُكْرَهِ مُنْعَقِدَةً). [صحيح] ٩/ ٣٤٦٦ - (وَعَنْ أنَسٍ أن قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ فاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أن مَنْ جاءَ مِنْكُمْ لا نَرُدُّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَ رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنا، [فَقالُوا] (٣): يا رَسُولَ الله أنَكْتُبُ هَذَا؟ قالَ: "نَعَمْ، إنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إلَيْهِمْ فأبْعَدَهُ الله، وَمَنْ جاءَ مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ الله لَهُ فَرَجًا وَمخْرَجًا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَمُسْلِمُ) (٥). [صحيح] قوله: (وأبي الحُسَيْل) بضم الحاء المهملة وفتح السين المهملة أيضًا

стр. 7028

وسكون الياء بلفظ التصغير وهو والد حذيفة فيكون لفظ الحسيل عطف بيان. قوله: (فاشترطوا عليه أن من جاء منكم … إلخ) في لفظ البخاري (١) الآتي بعد هذا: "أن سهيلًا قال للنبيّ ﷺ : وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا". قوله: (فقالوا يا رسول الله … إلخ) سمى الواقدي (٢) جماعة ممن قال ذلك، منهم: أسيد بن حضير، وسعد بن عبادة. وذكر البخاري (٣) في المغازي أن سهل بن حنيف كان ممن أنكر ذلك أيضًا. وقال الحافظ في الفتح (٤): وقائل [ذلك] (٥) يشبه أن يكون هو عمر. ولابن عائذ من حديث ابن عباس (٦) نحوه. وسيأتي بعد هذا الحديث بسط قصة الصلح، وقد أطال ابن إسحاق (٧) في القصة وزاد على ما عند غيره. وقد استدلّ المصنف بالحديثين المذكورين على جواز مصالحة الكفار على ما وقع فيهما. وسيأتي بسط الكلام في ذلك. ١٠/ ٣٤٦٧ - (وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ المِسْوَرِ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما حَديثَ صَاحِبِهِ، قالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، حتَّى إذَا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ خالِدَ بْنَ الوَليدِ بالغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْش طَلِيعَةً،

стр. 7029

فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ"، فَوَالله ما شَعَرَ بِهِمْ خالِدٌ حتَّى إذَا هُمْ بِقَترَةِ الجيش، فانْطَلَق يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسارَ النَّبِيُّ ﷺ حتَّى إذَا كانَ بالثَّنِيَّةِ الَّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ مِنْها بَرَكَتْ بِهِ ناقَتُهُ، فَقالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فَقالُوا: خَلأتِ القَصْواءُ خَلأَتِ القَصْوَاءُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ما خَلأَت القَصْوَاءُ، ومَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ"، قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيها حُرُماتِ الله إلَّا أعْطَيْتُهُمْ إيَّاها"، ثُمَّ زَجَرَها فَوَثَبَتْ، قالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حتَّى نَزَلَ بأقْصَى الحُدَيْبِيَةِ على ثَمْدٍ قَلِيلٍ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تبَرُّضًا، فَلَمْ يَلْبَثِ النَّاسُ حتَّى نَزَحُوهُ وَشُكِيَ إلى رَسُولِ الله ﷺ العَطَشُ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنانَتِهِ، ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَالله ما زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بالرِّيّ حتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنا هُمْ كَذَلِكَ إذْ جاءَهُمْ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ وكانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ أهْلِ تِهامَةَ، فَقالَ: إني تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤيٍّ وَعامِرَ بْنَ لُؤيٍّ، نَزَلُوا إعْدَادَ مِياهَ الحُدَيبيَةِ مَعَهُمْ العُوذُ المَطافِيلُ، وَهُمْ مُقاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ البَيْتِ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، وَإنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ وأضَرَّتْ بِهِمْ، فإنْ شاءُوا مادَدْتُهُمْ مُدَّةً ويُخَلُّوا بَيْنِي وَبَينَ النَّاس، فإنْ أظْهَرْ فإنْ شاءُوا أنْ يَدْخُلُوا فِيما دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإلَّا فَقَدْ جَمُّوا، فينْ هُمْ أبوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقاتِلَنَّهُمْ على أمْرِي هَذَا حتَّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي، أوْ لِيُنْفِذَن الله أمْرَهُ"، فَقالَ بُدَيْلٌ: سأُبَلِّغهُمْ ما تَقُولُ، فانْطَلَقَ حتَّى أتى قُرَيْشًا، فَقالَ: إنَّا قَدْ جئْناكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ، وَقَدْ سَمِعْناهُ يَقُولُ قَوْلًا، فإن شِئْتُمْ أنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنا، فَقالَ سُفَهاؤهُمْ: لا حاجَةَ لَنا [إلى] (١) أنْ تُخْبِرَنا عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَقالَ ذُو الرأيِ مِنْهُمْ: هاتِ ما سَمِعْتَهُ يَقُولُ، قالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَذَا وكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قالَ النَّبِيُّ ﷺ . فَقامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُود فَقالَ: أيْ قَوْمُ ألَسْتُمْ بالوَالِدِ؟ قالُوا: بَلَى، قالَ: أوَ

стр. 7030

لَسْتُ بالوَلَدِ؟ قالُوا: بَلَى، قالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قالُوا: لا، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أني اسْتَنْفَرْتُ أهْلَ عُكاظٍ فَلَمَّا بَلَّحُوا عَليَّ جِئْتُكُمْ بأهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أطاعَنِي؟ قالُوا: بَلَى، قالَ: فإنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ اقْبَلُوها وَذَرُونِي آتِهِ، قالُوا: ائْتِهِ، فأتاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقالَ النَّبِي ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذلكَ: أيْ مُحَمَّدُ أرأيْتَ إنِ اسْتأصَلْتَ [أمْرَ] (١) قَوْمِكَ هَلْ سَمِعْتَ بأحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتاحَ أصْلَهُ قَبْلَكَ؟ وَإنْ تَكُنِ الأُخْرَى فَإني وَالله لأَرَى وُجُوهًا، أوْ إني لأرَى أشْوَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بِبَظْرِ اللَّاتِ أنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ، فَقالَ: مَنْ ذَا؟ قالُوا: أبُو بَكْرٍ، فَقالَ: أما وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا يَدٌ كانَتْ لَكَ عِنْدِي ولَمْ أجْزكَ بها لأجَبْتُكَ، قالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ ﷺ ، فَكُلَّما كَلَّمَهُ أخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَالمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قائمٌ على رأسِ رَسُولِ الله ﷺ وَمَعَهُ السَّيفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّما أهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إلى لِحْيَةِ النَّبِيّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيفِ وَقالَ: أخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رأسَهُ، فَقالَ: مَنْ هَذَا؟ قالُوا: المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قالَ: أيْ غُدَرُ ألَسْتُ أسْعَى فِي غُدْرَتكَ؟ وكانَ المُغِيرَة صَحِب قَوْمًا فِي الجاهِلِيَّةِ [قَتَلَهُمْ] (٢) وأخَذَ أمْوَالَهُمْ، ثمَّ جاءَ فأسْلَمَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أمَّا الاسْلامَ فأقْبَلُ، وأمَّا المَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ". ثُمَّ إنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أصحَابَ رسُولِ الله ﷺ بِعَيْنِهِ، قالَ: فَوَالله ما تَنَخَّمَ رَسُولُ الله ﷺ نُخامَةً إلَّا وَقَعَتْ فِي كَفّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِها وَجْهَه وَجِلْدَهُ، وَإذَا أمَرَهُمْ بِأمْرٍ ابْتَدَرُوا أمْرَهُ، وَإذَا تَوَضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِهِ، وَإذَا تَكَلَّمَ خَفَضوا أصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَما يُحِدُّونَ إلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إلى أصحَابِهِ فَقالَ: أيْ قَوْمُ، وَالله لَقَدْ وَفَدْتُ على المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ على قَيْصَرَ وكِسْرَى وَالنَّجاشِيِّ، وَالله إنْ رأيْتُ مَلِكًا قَطُّ تُعَظِّمُهُ أصحَابُهُ ما يُعَظِّمُ أصحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، وَالله إنْ تَنَخَّمَ نُخامَةً إلَّا وَقَعَتْ فِي كَفّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَك بِها

стр. 7031

وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإذَا أمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أمَرَهُ، وإذَا تَوَضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِهِ، وَإذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَما يُحِدُّونَ إلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها. فَقالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنانَةَ: دَعُونِي آتِهِ، فَقالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أشْرَفَ على النَّبِيّ ﷺ وأصحابه قالَ النَّبِيّ ﷺ : "هَذَا فُلانٌ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ فابْعَثُوها لَهُ"، فَبَعَثُوها لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يلبُّونَ، فَلَمَّا رأى ذلكَ قالَ: سُبْحانَ الله ما يَنْبَغِي لِهَؤلاءِ أنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ؛ فَلَمَّا رَجَعَ إلى أصحَابِهِ قالَ: رأيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، فَمَا أرَى أنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ. فَقامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقالَ: دَعُونِي آتِهِ، فَقالوُا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أشْرَفَ عَلَيْهِمْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَذَا مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ وَهُوَ رَجُلٌ فاجِرٌ"، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ فَبَيْنا هُوَ يُكَلِّمُهُ جاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، قالَ مَعْمَرٌ: فأخْبَرَنِي أيُّوب عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ لَمَّا جاءَ سُهَيْلٌ قالَ النَّبِيّ ﷺ : "قَدْ سَهَّلَ الله لَكُمْ مِنْ أمْركُمْ"، قالَ مَعْمَرٌ: قالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِه، فَجاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقالَ: هاتِ اكْتُبُ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ كِتابًا، فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ الكاتِبَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اكْتُبْ: بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، فَقالَ سُهَيْلٌ: أمَّا الرَّحمَنُ فَوَالله ما أدْرِي ما هُوَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ باسمِكَ اللهُمَّ كما كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: وَالله لا نَكْتُبُها إلَّا بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اكْتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ"، ثُمَّ قالَ: "هَذَا ما قاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُولُ الله ﷺ "، فَقالَ سُهَيْلٌ: وَالله لَوْ كُنا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ الله ما صَدَدْناكَ عَنِ البَيْتِ وَلا قاتَلْناكَ وَلَكِن اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَالله إني لَرَسُولُ الله وَإنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله"، قالَ الزُّهْرِيُّ: وَذلكَ لِقَوْلِهِ: لا يَسألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيها حُرُماتِ الله إلَّا أعْطَيْتُهُمْ إيَّاها، [قال] (١) النَّبِيُّ ﷺ : "على أنْ تُخَلُّوا بَيْنَنا وَبَيْنَ البَيْتِ فَنَطُوفُ بِهِ"، قالَ سُهَيْلٌ: وَالله لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّا أُخِذْنا ضُغْطَة، وَلَكِنْ ذلكَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ، فَكَتبَ، فَقالَ سُهَيْلٌ: وَعلى أنْ لا يأتِيَكَ مِنَّا رَجُلٌ وإن كانَ على دِينِكَ إلَّا رَدَدْتَهُ إلَيْنا؛ قالَ

стр. 7032

المُسْلِمُونَ: سُبْحانَ الله كَيْف يُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ مَنْ جاءَ مُسْلِمًا؟ [فَبَيْنا] (١) هُمْ كَذَلِكَ إذْ جاءَ أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أسْفَلِ مَكَّةَ حتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يا مُحَمَّدُ أوَّلُ ما أُقاضِيكَ عَلَيْهِ أنْ تَرُدَّهُ إليّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتابَ بَعْدُ" قالَ: فَوَالله إذَنْ لا أُصَالِحُكَ على شَيْءٍ أبَدًا، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فأجِرْهُ لي"، فَقالَ: ما أنا بِمُجِيرِه لَكَ، فَقالَ: "بَلى فافْعَلْ"، قالَ: ما أنا بِفاعِلٍ، قال مِكْرَزٌ: بَلَى قَدْ أجَرْناهُ لَكَ، قالَ أبُو جَنْدَلٍ: أيْ مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، ألا تَرَوْنَ ما قَدْ لَقِيتُ؟ وكانَ قَدْ عُذّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الله قالَ: فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فأَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَقُلْتُ: ألَسْتَ نَبِيَّ الله حَقًّا؟ قالَ: "بَلَى"، قُلْتُ: ألَسْنا على الحَقّ وَعَدوُّنا على الباطِلِ؟ قالَ: "بَلَى"، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنا إذَنْ؟ قالَ: "إني رَسُولُ الله وَلَسْتُ أعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي". قُلْتُ: أوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدّثُنا أنَّا سَنأتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قالَ: "بَلَى، فأخْبَرْتُكَ أنَّكَ تأتِيهِ العامَ؟ "، قُلْتُ: لا، قالَ: "فإنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّف بِهِ"، قالَ: فأتَيْتُ أبا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يا أبا بَكْرٍ ألَيْسَ هَذَا نَبِيُّ الله حَقًّا؟ قالَ: بَلَى، قُلْتُ: ألَسْنا على الحَقّ وَعَدُوُّنا على الباطِلِ؟ قالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنا إذَنْ؟ قالَ: أيُّهَا الرَّجُلُ إنَّهُ رَسُولُ الله وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهُوَ ناصِرُهُ فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَالله إنَّهُ على الحَقِّ، قُلْتُ: ألَيْسَ كانَ يُحَدّثُنا أنَّا سَنأتِي البَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قالَ: بَلَى، أفأخْبَرَكَ أنَّكَ تأتِيهِ العامَ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: فإنَّكَ إذَنْ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ. قالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أعْمالًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتابِ قالَ ﷺ لأصحَابِهِ: "قُومُوا فانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا"، فَوَالله ما قامَ مِنْهُمْ أحَدٌ حتَّى قالَ ذلكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ؛ فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أحَدٌ دَخَلَ على أُمّ سَلَمَةَ، فذَكَرَ لَهَا ما لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يا نَبِيَّ الله أتحِبُّ ذلكَ؟ اخْرُجْ وَلا تُكَلِّمْ أحَدًا مِنْهُمْ

стр. 7033

كَلِمَةً حتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حالِقًا فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أحَدًا مِنْهُمْ حتَّى فَعَلَ ذلكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعا حالِقَهُ فَحَلَقَهُ؛ فَلَمَّا رأوْا ذلكَ قامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حتَّى كادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غمًّا، ثُمَّ جاءَ نِسْوَةٌ مُؤمِناتٌ، فأنْزَلَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ (١) - حتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٢) فَطَلَّقَ عُمَرُ يَومَئِذٍ امْرأتَيْنِ كانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا مُعاوَيةُ بْنُ أبي سُفْيانَ، والأخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إلى المَدِينَةِ، فَجاءَهُ أبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فأرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا، فَدَفَعَهُ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجا بِهِ حتَّى بَلَغا ذَا الحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يأكُلُونَ تَمْرًا لَهُمْ، فَقالَ أبُو بَصِيرٍ لِأحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَالله إني لأرَى سَيْفَكَ هَذَا يا فُلانُ جَيِّدًا، فاسْتَلَّهُ الآخَرُ، فَقالَ: أجَلْ وَالله إنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقالَ أبُو بَصِيرٍ: أرِنِي أنْظُرْ إلَيْهِ، فأمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَربَهُ بِهِ حتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حتَّى أتى المَدِينَةَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ حينَ رَآهُ: "لَقَدْ رأى هَذَا ذُعْرًا"، فَلَمَّا انْتَهَى إلى النَّبِيّ ﷺ قالَ: قُتِلَ وَالله صَاحبي وإني لَمَقْتُولٌ، فَجاءَ أبُو بَصِيرٍ فَقالَ: يا نَبِيَّ الله قَدْ أَوْفَى الله ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إليْهِمْ ثُمَّ أنجانِي الله مِنْهُمْ، فَقالَ النَّبِي ﷺ : "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ لَوْ كانَ لَهُ أحَدُ"، فَلَمَّا سَمِعَ ذلكَ عَرَفَ أنَّهُ سَيرُدُّهُ إلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حتَّى أتى سِيفَ البَحْرِ، قالَ: وَتَفَلَّتَ مِنْهُمْ أبو جَنْدَلِ بْنُ سهيلٍ فَلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، فَجَعَل لا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أسْلَمَ إلَّا لَحقَ بأبي بَصِيرٍ حتَّى اجتْمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَالله مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إلى الشَّامِ إلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وأخَذُوا أمْوَالَهُمْ، فأرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى النَّبِيّ ﷺ تُناشِدُهُ الله وَالرَّحِمَ لَمَا أرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَمَنْ أتاهُ مِنْهُمْ فَهُوَ آمِنٌ، فأرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 7034

إلَيْهِمْ، وأنْزَلَ الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتَّى بَلَغَ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ هو (١)، وكان حَمِيَّتُهُم أنَّهُم لَم يُقِرُّوا أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، وَحالُوا بَيْنَهُ وَبينَ البَيْتِ. رَوَاهُ أحمَدُ (٢) وَالبُخارِيُّ (٣). [صحيح] وَرَوَاهُ أحمَدُ (٤) بِلَفْظٍ آخَرَ وفيه: وكَانَت خُزَاعَةُ عَيْبَةَ رسُولِ الله ﷺ مُشْرِكُها ومُسْلِمُها. وَفِيهِ: هَذَا ما اصطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو على وَضْعِ الحَربِ عَشْرَ سِنِينَ يَأمَنُ فِيها النَّاسُ. وَفِيهِ: وَإنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وإنَّهُ لا إغلالَ وَلا إسْلالَ، وكانَ فِي شَرْطِهِم حينَ كَتَبُوا الكِتابَ أنَّهُ مَنْ أحَبَّ أن يَدخُلَ فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، فَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ فَقالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَعَهْدِهِ، وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ. وَفِيهِ: فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يا أبا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فإنَّ الله جاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ المُستَضْعَفِين فَرَجًا وَمخْرجًا"، وفيهِ: فَكانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي فِي الحَرَمِ وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الحِلّ). [صحيح] ١١/ ٣٤٦٨ - (وَعَنْ مَرْوَانَ وَالمِسْوَر قالا: لَمَّا كاتَب سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ كانَ فِيما اشْتَرَطَ على النَّبِيّ ﷺ أنَّهُ لا يأتِيكَ أحَدٌ مِنَّا وَإنْ كانَ على دِينِكَ إلَّا رَدَدْتَهُ إلَيْنا وَخَلَّيْتَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُ، فَكَرِهَ المُسْلِمونَ ذلكَ وَامْتعَضُوا مِنْهُ، وأبَى سُهَيْلٌ إلَّا ذلكَ، فَكَاتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ على ذلكَ، فَرَدَّ يَوْمَئِذٍ أبا جَنْدَلٍ إلى أبِيهِ سُهَيْلٍ، ولَمْ يأتِهِ أحَدٌ مِنَ الرِّجالِ إلَّا رَدَّهُ فِي تِلْكَ المُدَّةِ وَإنْ كانَ مُسْلِمًا، وَجاءَ المُؤْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ، وكانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ [عُقْبَةَ] (٥) بْنِ أبي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجَ إلى النَّبِيِّ ﷺ

стр. 7035

يَوْمَئِذٍ وَهِيَ عاتِقٌ، فَجاءَ أهْلُها يَسألُونَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُرْجِعَها إلَيْهِمْ فَلَمْ يُرْجِعْها إلَيْهِمْ لَمَّا أنْزَلَ الله فِيهِنَّ، ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١)، رَوَاهُ البُخارِيُّ) (٢). [صحيح] ١٢/ ٣٤٦٩ - (وَعَنِ الزُّهْرِيّ قالَ عُرْوَةُ: فأخْبَرَتْنِي عائِشَةُ أن رَسُولَ الله ﷺ كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغَنا أنَّهُ لَمَّا أنْزَلَ الله أنْ يَرُدُّوا إلى المُشْرِكِينَ ما أنْفَقُوا على مَنْ هاجَرَ مِنْ أزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ على المُسْلِمِينَ أنْ لا يُمْسكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ أن عُمَرَ طَلَّقَ امْرأتَيْنِ: قُرَيْبَةَ بِنْتَ أبي أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الخزَاعيّ؛ فَتَزَوَّجَ قُرَيْبَةَ مُعاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أبُو جَهْمٍ، فَلَمَّا أبَى الكُفَّارُ أنْ يُقِرُّوا بِأدَاءِ ما أنْفَقَ المُسْلِمُونَ على أزْواجِهِمْ أنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ (٣) وَالعِقابُ: ما يُؤَدِّي المُسْلِمُونَ إلى مَنْ هاجَرَتِ امْرأتُهُ مِنَ الكُفَّار، فأمَرَ أنْ يُعْطِي مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ما أنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِساءِ الكُفَّارِ الَّلاتِي هاجَرْنَ، وما نعلم [أن أحدًا] (٤) مِنَ المُهاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إيمَانِها. أخْرَجَهُ البُخارِيّ (٥). قَوْلُه: "الأحابِيشُ" (٦): أي الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ مِنْ قَبائِلَ. وَ"التَّحَبُّشُ": التَّجَمُّعُ. وَ"الجَنْبُ" (٧): الأمْرُ، يُقالُ: ما فَعَلْتُ كَذَا فِي جَنْب حاجَتِي، وَهُوَ أيْضًا القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ [يكُونُ] (٨) مُعْظَمَهُ أوْ كَثِيرًا مِنْهُ. و"مَحْرُوبِينَ" (٩): أيْ مَسْلُوبِينَ قَدْ أُصِيبُوا بِحَرْبٍ وَمُصِيبَةٍ، ويُرْوَى مَوْتُورِينَ (١٠) وَالمَعْنَى وَاحِدٌ.

стр. 7036

وَقَوْلُهُ: "العُوذُ المَطافِيلُ" يَعْنِي النِّساءَ وَالصِّبْيانَ. وَالعائِذُ (١): النَّاقَةُ القَرِيبُ عَهْدُها بالوِلادَة. وَالمِطْفَلُ (٢): الَّتي مَعَها فَصِيلُها. وَحَلْ حَلْ (٣): زَجْرٌ للنَّاقَةِ. وألَحَّتْ (٤): أيْ لَزِمَتْ مَكانَها. وَخَلأَتْ (٥): أيْ حَرِنَتْ. وَالثَّمَدُ (٦): المَاءُ القَلِيلُ. وَالتَّبَرُّض (٧): أخذُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا. وَالبَرَضُ: القَلِيلُ. وَالأَعْدَاد (٨): جَمعُ عَدٍّ: وَهُوَ المَاءُ الَّذِي لا انْقِطاعَ لِمَادَّتِهِ. وَجاشَتْ (٩) بالرِّيّ: أيْ فارَتْ بِهِ. وَعَيْبَةُ نُصْحِهِ (١٠): أيْ مَوْضِعُ سِرِّهِ؛ لأنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا يَضَعُ فِي عَيْبَتِهِ حُرَّ مَتاعِهِ. وَجمُّوا (١١): أي اسْتَراحُوا. وَالسَّالِفَةُ (١٢): صَفْحَةُ العُنُقِ. وَالخِطَّةُ (١٣): الأمْرُ والشَّأنُ.

стр. 7037

والأشواب (١): الأخْلاطُ مِنَ النَّاسِ، مَقْلُوبُ الأوْباشِ. وَالضُّغْطَةُ (٢) بالضَّمّ: الشِّدَّةُ وَالتَّضْيِيقُ. وَالرّسْفُ (٣): الشَّيءُ المُقَيَّدُ. وَالغَرْزُ للرَّحْلِ (٤): بمَنْزِلَةِ الرّكابِ مِنْ السَّرْجِ. وَقَوْلُهُ: حتى بَرَدَ (٥): أيْ ماتَ. وَمِسْعَرُ حَرْبٍ (٦): أيْ مُوقِدُ حَرْبٍ، وَالمِسْعَرُ وَالمِسْعارُ: ما يُحْمَى بِهِ النَّارُ مِنْ خَشَبٍ وَنحْوِهِ. وَسِيفُ البَحْرِ (٧): ساحِلُهُ. وَامْتَعَضُوا (٨) مِنْهُ: كَرِهُوا وَشَقَّ عَلَيْهِمْ. وَالعاتِقُ (٩): الجارِيةُ حِينَ تُدْرِكُ. وَالعَيْبَةُ (١٠): المَكْفُوفَةُ المَشْرَجَةُ، وكَنَّى بِذَلِكَ عَنِ القُلُوبِ وَنَقائها مِن الغِلّ وَالخِدَاعِ. وَالإِغْلالُ (١١): الخِيانَةُ. وَالإِسْلالُ (١٢): مِنَ السِّلَّةِ، وَهِيَ السَّرِقَةُ.

стр. 7038

وَقَدْ جَمَعَ هَذَا الحَدِيثُ فَوَائِدَ كَثِيرَةً فَنُشِيرُ إلى بَعْضِها إشارة تُنَبِّهُ مَنْ يَتَدَبرهُ على بَقِيَّتِها. فِيهِ أن ذَا الحُلَيْفَةِ مِيقاتٌ للعُمْرَةِ كالحَجّ. وأنَّ تَقْلِيدَ الهَدْيِ سُنَّة فِي نَفْلِ النُّسُك وَوَاجِبِهِ. وأنَّ الإِشْعارَ سُنَّةٌ وَلَيْسَ مِنَ المُثْلَةِ المَنْهِيّ عنها، وأنَّ أمِيرَ الجَيْشِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَبْعَثَ العُيُونَ أمامَهُ نَحْوَ العَدوِّ. وأنَّ الاسْتِعانَةَ بالمُشْرِكِ المَوْثُوقِ بِهِ فِي أمْرِ الجِهادِ جائِزَةٌ لِلْحاجَةِ؛ لأنَّ عَيْنَهُ الخُزاعِيَّ كانَ كافِرًا، وكانَتْ خُزَاعَةُ مَعَ كفْرِها عَيْبَةُ نُصْحِهِ. وَفِيهِ اسْتِحْبابُ مَشْوَرَةِ الجَيْشِ، إمَّا لَاسْتِطابَةِ نُفُوسِهِمْ أوِ اسْتِعْلامِ مَصْلَحَةٍ. وَفِيهِ جَوَازُ سَبْي ذَرَارِي المُشْرِكِينَ بانْفِرَادِهِم قَبْلَ التَّعَرُّضِ لِرِجالِهمْ. وفِي قَوْلِ أبي بَكْر لِعْروَةَ جَوَازُ التَّصْرِيح باسْمِ العَوْرَةِ لِحاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ، وأنَّهُ لَيْسَ بِفُحْشٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ. وفِي قِيامِ المُغِيرَةِ على رأسِهِ بالسَّيْفِ اسْتِحبْابُ الفَخْرِ وَالخُيَلاءِ فِي الحَرْبِ لإِرْهابِ العَدُوّ وأنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِل فِي ذَمِّهِ لِمَنْ أحَمث أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيامًا. وَفِيهِ أن مالَ المُشْرِكِ المُعاهَدِ لا يُمْلَكُ بِغَنِيمَةٍ بَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِ. وَفِيهِ بَيانُ طَهارَةِ النُّخامَة وَالمَاءِ المُسْتَعْمَلِ. وَفِيهِ اسْتحِبْابُ التَّفاؤُلِ، وأنَّ المَكْرُوهَ الطِّيَرَةُ وَهيَ التَّشاؤُمُ. وَفِيهِ أن المَشْهُودَ عَلَيْهِ إذَا عُرِفَ باسمِهِ وَاسْمِ أبِيهِ أغْنَى عَن ذِكْرِ الجَدّ. وَفِيهِ أن مُصَالَحَةَ العَدُوّ ببعض ما فِيهِ ضَيْمٌ على المُسْلِمينَ جائِزَةٌ للحاجَةِ وَالضَّرُورَةِ دَفْعًا لِمَحْذُورٍ أعْظَمَ مِنْهُ. وَفيهِ أن مَنْ وَعَدَ أوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا ولَمْ يُسَمّ وَقْتًا فإنَّهُ على التَّراخِي. وَفِيهِ أن الإِحْلالَ نُسُكٌ على المُحْصَرِ، وأنَّ لَهُ نَحْرَ هَدْيِهِ بالحِلّ؛ لأنَّ المَوْضِعَ

стр. 7039

الَّذِي نَحَرُوا فِيهِ بالحُدَيْبِيَةِ مِنْ الحِلّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (١). وفِيهِ أن مُطْلَق أمْرِهِ [ ﷺ ] (٢) على الفَورِ، وأنَّ الأصل مُشارَكَةُ أُمَّتِهِ لَهُ فِي الأحْكامِ. وَفِيهِ أن شَرْطَ الرَّدّ لا يَتَناوَلُ مَن خَرَجَ مُسْلِمًا إلى غَيْرِ بَلَدِ الإِمام. وَفِيهِ أن النِّساءَ لا يَجُوزُ شَرْط رَدّهِنَّ للآيَةِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي دُخُولِهِن فِي الصُّلْحِ؛ فَقِيلَ: لَم يَدخُلْنَ فِيهِ لِقَولِهِ: على أن لا يأتِيَكَ مِنَّا رَجُلٌ إلَّا رَدَدْتَهُ، وَقِيلَ: دَخَلْنَ فِيهِ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لا يأتِيكَ مِنَّا أحَدٌ. لَكِنْ نُسِخَ ذلكَ أوْ بُيِّنَ فَسادُهُ بالآيَةِ، وَفِيما ذَكَرْناهُ تَنْبِيهٌ على غَيْرِهِ). قوله: (عن المسور ومروان) هذه الرواية بالنسبة إلى مروان مرسلة؛ لأنه لا صحبة له. وأما المسور فهي بالنسبة إليه أيضًا مرسلة لأنه لم يحضر القصة. وقد ثبت في رواية للبخاري (٣) في أول كتاب الشروط من صحيحه عن الزهري عن عروة أنه سمع المسور ومروان يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ فذكرا بعض هذا الحديث. وقد سمع المسور ومروان من جماعة من الصحابة شهدوا هذه القصة: كعمر، وعثمان، وعلي، والمغيرة، وأمّ سلمة، وسهل بن حنيف، وغيرهم. ووقع في بعض هذا الحديث شيء يدل على أنه عن عمر كما سيأتي التنبيه عليه في مكانه. وقد روى أبو الأسود عن عروة هذه القصة فلم يذكر المسور ولا مروان لكن أرسلها، وكذلك أخرجها ابن عائذ في المغازي (٤) وأخرجها الحاكم في

стр. 7040

الإِكليل (١) من طريق أبي الأسود أيضًا عن عروة منقطعة. قوله: (زمن الحديبية) هي بئر سمي المكان بها. وقيل: شجرة حدباء صغرت وسمي المكان بها. قال المحبّ الطبري (٢): الحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم. ووقع عند ابن سعد (٣): "أنه ﷺ خرج يوم الاثنين لهلال ذي القعدة"، زاد سفيان عن الزهري في رواية ذكرها البخاري (٤) في المغازي. وكذا في رواية أحمد (٥) عن عبد الرزاق في بضع [عشرة] (٦) مائة، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأحرم منها بعمرة وبعث عينًا له من خزاعة. وروى عبد العزيز الآفاقي عن الزهري في هذا الحديث عند ابن أبي شيبة (٧): "خرج ﷺ في ألف وثمانمائة، وبعث عينًا له من خزاعة يدعى ناجية يأتيه بخبر قريش" كذا سماه ناجية، والمعروف أن ناجية اسم للذي بعث معه الهدي كما جزم به ابن إسحاق وغيره. وأما الذي بعثه عينًا لخبر قريش فاسمه: بسر بن سفيان، كذا سماه ابن إسحاق (٨) وهو بضم الموحدة وسكون المهملة على الصحيح. قوله: (بالغميم) بفتح المعجمة. وحكى عياض (٩) فيها التصغير. قال المحبّ الطبري (١٠): يظهر أن المراد كراع الغميم الذي وقع ذكره في الصيام، وهو الذي بين مكة والمدينة [انتهى] (١١). وسياق الحديث ظاهر في أنه كان قريبًا من الحديبية، فهو غير كراع الغميم الذي بين مكة والمدينة.

стр. 7041

وأما الغميم هذا فقال ابن حبيب (١): هو مكان بين رابغ والجحفة. وقد بيَّن ابن سعد (٢) أن خالدًا كان بهذا الموضع في مائتي فارس، فيهم عكرمة بن أبي جهلَ. والطليعة: مقدمة الجيش. قوله: (بقَترة) (٣) بفتح القاف، والمثناة من فوق، وهو: الغبار الأسود، وفي نسخة من هذا الكتاب: "بغبرة" (٤) بالغين المعجمة وسكون الموحدة. قوله: (حتى إذا كان بالثنية) في رواية ابن إسحاق (٥) فقال ﷺ : "من يخرجنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ "، قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن رجلًا من أسلم قال: أنا يا رسول الله، فسلك بهم طريقًا وعرًا، فلما خرجوا منه بعد أن شقَّ عليهم، وأفضوا إلى أرض سهلة، قال لهم: "استغفروا الله" ففعلوا، فقال: "والذي نفسي بيده إنها لَلْحِطَّة التي عُرضت على بني إسرائيل فامتنعوا"، وهذه الثنية هي: ثنية المرار (٦) بكسر الميم وتخفيف الراء: وهي طريق في الجبل تشرف على الحديبية. وزعم الداودي (٧) أنها الثنية التي أسفل مكة وهو وهم. وسمى ابن سعد (٧) الذي سلك بهم حمزة بن عمرو الأسلمي.

стр. 7042

قوله: (بركت به ناقته) في رواية للبخاري (١): "راحلته"، وحل بفتح المهملة وسكون اللام: كلمة تقال للناقة إذا تركت السير. وقال الخطابي (٢): إن قلت حل واحدة فبالسكون، وإن أعدتها نوّنت في الأولى وسكنت في الثانية، وحكى غيره (٣) السكون فيهما والتنوين كنظيره في بخ بخ، يقال حلحلت (٤) فلانًا: إذا أزعجته عن موضعه. قوله: (فألحت) (٥) بتشديد المهملة: أي تمادت على عدم القيام وهو من الإِلحاح. قوله: (خلأت) (٦) الخلاء بالمعجمة وبالمد للإِبل كالحِران للخيل؛ وقال ابن قتيبة (٧): لا يكون الخلاء إلا للنوق خاصة؛ وقال ابن فارس (٨): لا يقال للجمل خلًا ولكن ألحَّ. والقصواء (٩) - بفتح القاف بعدها مهملة ومدٌّ -: اسم ناقة رسول الله ﷺ ، قيل: كان طرف أذنها مقطوعًا؛ والقصو: القطع من طرف الأذن، وكان القياس أن تكون بالقصر، وقد وقع ذلك في بعض نسخ أبي ذر. وزعم الداودي (١٠) أنها كانت لا تسبق فقيل لها: القصواء لأنها بلغت من السبق أقصاه.

стр. 7043

قوله: (وما ذاك لها بخلق) أي بعادةٍ. قال ابن بطال (١) وغيره: في هذا الفصل جواز الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش طلبًا لغرتهم، وجواز التنكب عن الطريق السهل إلى الوعر للمصلحة، وجواز الحاكم على الشيء بما عرف من عادته وإن جاز أن يطرأ عليه غيره، وإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها ويردُّ على من نسبه إليها ومعذرة من نسبه ممن لا يعرف صورة الحال. قوله: (حبسها حابس الفيل) زاد ابن إسحاق (٢) عن مكة: أي: حبسها الله تعالى عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، وقصة الفيل مشهورة. ومناسبة ذكرها أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة وصدهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال كما لو قدر دخول الفيل وأصحابه مكة، لكن سبق في علم الله تعالى في الموضعين أنه سيدخل في الإِسلام خلق منهم، وسيخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون، وكان بمكة في الحديبية جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فلو طرق الصحابة مكة لما أمن أن يصاب منهم ناس بغير عمد كما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ (٣) الآية. ووقع للمهلب (٤) استبعاد جواز هذه الكلمة - وهي حابس الفيل - على الله تعالى، فقال: المراد: حبسها أمر الله . وتعقب بأنه يجوز إطلاقه في حق الله تعالى، فيقال: حبسها الله حابس الفيل، كذا أجاب ابن المنير (٤) وهو مبني على الصحيح من أن الأسماء توقيفية. وقد توسط الغزالي (٥)

стр. 7044

وطائفة (١) فقالوا: محل المنع ما لم يرد نصّ بما يشتق منه بشرط أن لا يكون ذلك الاسم المشتقّ مشعرًا بنقص، فيجوز تسميته الواقي لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ (٢)، ولا يجوز تسميته البناء وإن ورد قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ (٣).

стр. 7045

قال في الفتح (١): وفي هذه القصة جواز التشبيه من الجهة العامة؛ وإن اختلفت الجهة الخاصة؛ لأن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وأصحاب هذه الناقة كانوا على حقّ محض، ولكن جاء التشبيه من جهة إرادة الله تعالى منع الحرم مطلقًا. أما من أهل الباطل فواضح. وأما من أهل الحقّ فللمعنى الذي تقدم ذكره. وقال الخطابي (٢): معنى تعظيم حرمات الله في هذه القصة ترك القتال في الحرم والجنوح إلى المسالمة والكفّ عن إرادة سفك الدماء. قوله: (والذي نفسي بيده) قال ابن القيم (٣): وقد حفظ عن النبي ﷺ الحلف في أكثر من ثمانين موضعًا.

стр. 7046

قوله: (خُطَّةً) (١) بضم الخاء المعجمة، أي: خصلة يعظمون فيها حرمات الله، أي: من ترك القتال في الحرم. وقيل: المراد بالحرمات حرمٌ؛ الحرمِ، والشَّهرِ، والإِحرامِ. قال الحافظ (٢): وفي الثالث نظر لأنهم لو عظموا الإِحرام ما صدوه، ووقع في رواية لابن إسحاق (٣): "يسألونني فيها صلة الرحم" وهي من جملة حرمات الله. قوله: (إلا أعطيتهم إياها) أي: أجبتهم إليها. قال السهيلي (٤): لم يقع في شيء من طرق الحديث أنه قال: إن شاء الله مع أنه مأمور بها في كل حالة. والجواب أنه كان أمرًا واجبًا حتمًا فلا يحتاج فيه إلى الاستثناء كذا قال. وتعقب بأنه تعالى قال في هذه القصة: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (٥) فقال: إن شاء الله مع تحقق وقوع ذلك تعليمًا وإرشادًا. فالأولى: أن يحمل على أن الاستثناء سقط من الراوي، أو كانت القصة قبل نزول الأمر بذلك. ولا يعارضه كون الكهف مكية، إذ لا مانع أن يتأخر نزول بعض السورة. قوله: (ثم زجرها) أي: الناقة، فوثبت: أي: قامت. قوله: (على ثمد) (٦) بفتح المثلثة والميم: أي حفيرة فيها ماء قليل، يقال: ماء مثمود؛ أي: قليل، فيكون لفظ: قليل، بعد ذلك تأكيدًا لدفع توهم أن يراد لغة من يقول: إنَّ الثمد: الماء الكثير. وقيل: الثمد (٧): ما يظهر من الماء في الشتاء، ويذهب في الصيف. قوله: (يتبرّضه (٨) الناس) بالموحدة، وتشديد الراء، وبعدها ضاد معجمة:

стр. 7047

وهو الأخذ قليلًا قليلًا، وأصل البرض بالفتح والسكون: اليسير من العطاء. وقال صاحب العين (١): هو جمع الماء بالكفين. قوله: (فلم يلبث) لفظ البخاري (٢): "فلم يلبثه" بضم أوله وسكون اللام من الإلباث. وقال ابن التين (٣): بفتح اللام وكسر الموحدة المثقلة؛ أي: لم يتركوه يلبث: أي يقيم. قوله: (وشُكي) بضم أوله على البناء للمجهول. قوله: (فانتزع سهمًا من كنانته) أي: أخرج سهمًا من جعبته. قوله: (ثم أمرهم أن يجعلوه فيه) في رواية ابن إسحاق (٤): أن ناجية بن جندب هو الذي نزل بالسهم، وكذا رواه ابن سعد (٥). قال ابن إسحاق (٦): وزعم بعض أهل العلم: أنه البراء بن عازب. وروى الواقدي (٧) أنه خالد بن عبادة الغفاري. ويجمع: بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره. وفي البخاري وفي المغازي (٨) من حديث البراء في قصة الحديبية: أنه ﷺ جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض، ودعا ثم صبه فيها، ثم قال: "دعوها ساعة" ثم إنهم ارتووا بعد ذلك. ويمكن الجمع: بوقوع الأمرين جميعًا. قوله: (يجيش) (٩) بفتح أوله وكسر الجيم وآخره معجمة، أي: يفور. وقوله: (بالري) بكسر الراء، ويجوز فتحها. وقوله: (صدروا عنه) (١٠) أي: رجعوا رواء بعد ورودهم.

стр. 7048

قوله: (بديل) بموحدة مصغرًا، ابن ورقاء؛ بالقاف والمدّ: صحابي مشهور. قوله: (في نفرٍ من قومه) سمَّى الواقدي (١) منهم: عمرو بن سالم، وخراش بن أمية، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: منهم خارجة بن كرز، ويزيد بن أمية؛ كذا في الفتح (٢). قوله: (وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ ) العيبة (٣): بفتح المهملة، وسكون التحتانية، بعدها موحدة: ما [يوضع] (٤) فيه الثياب لحفظها؛ أي: أنهم موضع النصح له، والأمانة على سرّه، ونصح بضم النون. وحكى ابن التين (٥): فتحها، كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السرّ بالعيبة التي هي مستودع الثياب. وقوله: (من أهل تهامة) بكسر المثناة: وهي مكة وما حولها وأصلها من التهم (٦) وهو شدّة الحرّ وركود الريح. قوله: (إني تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤي) إنما اقتصر على هذين لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع ترجع أنسابهم إليهما، وبقي من قريش بنو سامة بن لؤيّ، وبنو عوف بن لؤيّ. ولم يكن بمكة منهم أحد، وكذلك قريش الظواهر الذين منهم بنو تميم بن غالب، ومحارب بن فهر. قال هشام بن الكلبي: بنو عامر بن لؤيّ، وكعب بن لؤيّ: هما الصريحان، لا شكّ فيهما بخلاف سامة وعوف؛ أي: ففيهما الخلاف. قال: وهم قريش البطاح، أي: بخلاف قريش الظواهر. قوله: (نزلوا أعداد مياه الحديبية) الأعداد (٧) بالفتح جمع عد بالكسر والتشديد: وهو الماء الذي لا انقطاع له. وكفل الداوودي (٨) فقال: هو موضع بمكة، وقول بديل هذا يشعر بأنه كان بالحديبية مياه كثيرة وأن قريشًا سبقوا إلى النزول عليها، فلهذا عطش المسلمون حيث نزلوا على الثمد المذكور.

стр. 7049

قوله: (معهم العوذ المطافيل) العوذ، بضم المهملة، وسكون الواو، بعدها معجمة: جمع عائذ (١)، وهي: الناقة ذات اللبن، والمطافيل (٢): الأمهات اللاتي معها أطفالها، يريد: أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإِبل ليتزوّدوا ألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهنّ الأطفال. والمراد أنهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإِرادة طول المقام، وليكون أدعى إلى عدم الفرار. قال الحافظ (٣): ويحتمل إرادة المعنى الأعمّ. قال ابن فارس (٤): كل أنثى إذا وضعت فهي إلى سبعة أيام عائذ، والجمع عوذ، كأنها سميت بذلك لأنها تعوذ ولدها وتلتزم الشغل به. وقال السهيلي (٥): سميت بذلك وإن كان الولد هو الذي يعوذ بها لأنها تعطف عليه بالشفقة والحنو؛ كما قالوا: تجارة رابحة؛ وإن كانت مربوحًا فيها. ووقع عند ابن سعد (٦): معهم "العوذ المطافيل، والنساء والصبيان". قوله: (قد نهكتهم) (٧) بفتح أوله، وكسر الهاء؛ أي: أبلغت فيهم حتى أضعفتهم، إما أضعفت قوتهم، وإما أضعفت أموالهم. قوله: (ماددتهم) (٨) أي: جعلت بيني وبينهم مدة تترك الحرب بيننا وبينهم فيها. والمراد بالناس المذكورين: سائر كفار العرب وغيرهم. قوله: (فإن أظهر فإن شاءوا) هو شرط بعد شرط، والتقدير فإن ظهر عليَّ غيرهم كفاهم المؤونة، وإن أظهر أنا على غيرهم، فإن شاءوا أطاعوني، وإلا فلا تنقضي مدة الصلح إلا وقد جَمُّوا (٩)؛ أي: استراحوا، وهو بفتح الجيم وتشديد الميم المضمومة؛ أي: قووا.

стр. 7050

ووقع في رواية ابن إسحاق (١) "وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة"، وإنما ردَّد الأمر مع أنه جازم بأن الله [تعالى] (٢) سينصره ويظهره لِوعد الله تعالى له بذلك: على طريق التنزّل مع الخصم، وفرض الأمر كما زعم الخصم. قال في الفتح (٣): ولهذا النكتة حذف القسم الأول، وهو التصريح بظهور غيره عليه، لكن وقع التصريح به في رواية ابن إسحاق (٤)، ولفظه: "فإن أصابوني كان الذي أرادوا". ولابن عائذ (٥) من وجه آخر عن الزهري: "فإن ظهر الناس عليّ فذلك الذي يبتغون"، فالظاهر أن الحذف وقع من بعض الرواة تأدّبًا. قوله: (حتى تنفرد سالفتي) (٦) السالفة بالمهملة وكسر اللام، بعدها فاء: صفحة العنق، وكنى بذلك عن القتل. قال الداودي (٧): المراد الموت؛ أي: حتى أموت وأبقى منفردًا في قبري. ويحتمل أن يكون أراد أنه يقاتل حتى ينفرد وحده في مقاتلتهم. وقال ابن المنير (٨): لعله ﷺ نبه بالأدنى على الأعلى؛ أي: إنَّ لي من القوّة بالله والحول به ما يقتضي أني أقاتل عن دينه لو انفردت، فكيف لا أقاتل عن دينه مع وجود المسلمين، وكثرتهم، ونفاذ بصائرهم في نصر دين الله تعالى. قوله: (أو لينفذنّ الله) بضم أوله، وكسر الفاء؛ أي: ليمضينّ الله أمره في نصر دينه. ولفظ البخاري (٩): "ولينفذنّ الله أمره" بدون شك. قال الحافظ (١٠): وحسن الإِتيان بهذا الجزم بعد ذلك التردد للتنبيه على: أنه لم يورده إلا على سبيل الفرض.

стр. 7051

قوله: (فقام عروة بن مسعود) هو ابن معتِّب، بضم أوله، وفتح المهملة، وتشديد الفوقية المكسورة، بعدها موحدة: الثقفي. قوله: (ألستم بالوالد) هكذا رواية الأكثر من رواة البخاري. ورواية أبي ذرٍّ: "ألستم بالولد وألست بالوالد" والصواب الأوّل، وهو الذي في رواية أحمد (١) وابن إسحاق وغيرهما، وزاد ابن إسحاق عن الزهري أن أم عروة هي سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، فأراد بقوله: "ألستم بالوالد" أنكم حي قد ولدوني في الجملة لكون أمي منكم. قوله: (استنفرت أهل عكاظ) بضم العين المهملة، وتخفيف الكاف، وآخره معجمة؛ أي: دعوتهم إلى نصركم. قوله: (فلما بلَّحوا) (٢) بالموحدة، وتشديد اللام المفتوحتين، ثم مهملة مضمومة؛ أي: امتنعوا، والتبلُّحُ: التمنع من الإِجابة، وبلح الغريم: إذا امتنع من أداء ما عليه. زاد ابن إسحاق (٣): "فقالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم". قوله: (خطة رشد) بضم الخاء المعجمة وتشديد المهملة، والرشد (٤): بضم الراء، وسكون المعجمة، وبفتحهما؛ أي: خصلة خير وصلاح وإنصاف. وقد بيَّن ابن إسحاق (٥) في روايته: أن سبب تقديم عروة لهذا الكلام عند قريش ما رآه من ردهم العنيف على من يجيء من عند المسلمين. قوله: (آته) بالمد والجزم، وقالوا: ائته بألف [الوصل] (٦) بعدها همزة ساكنة؟ ثم مثناة من فوق مكسورة. قوله: (اجتاح) (٧) بجيم ثم مهملة، أي: أهلك أهله بالكلية، وحذف الجزاء من قوله إن تكن الأخرى تأدبًا مع النبيّ ﷺ ، والتقدير: إن تكن الغلبة لقريش لا

стр. 7052

آمنهم عليك مثلًا، وقوله: "فإني والله لأرى وجوهًا" إلى آخره. كالتعليل لهذا المحذوف. قوله: (أشوابًا) (١) بتقديم المعجمة على الواو، كذا للأكثر. ووقع لأبي ذرٍّ عن الكشميهني (٢): أوباشًا بتقديم الواو، والأشواب (٣): الأخلاط من أنواع شتى، والأوباش (٤): الأخلاط من السفلة، فالأوباش أخصّ من الأشواب. كذا في الفتح (٥). قوله: (امصَص ببظر اللات) بألف وصل، ومهملتين؛ الأولى مفتوحة بصيغة الأمر، وحكى ابن التين (٦) عن رواية القابسي: ضم الصاد الأولى، وخطَّأها، والبظر (٧): بفتح الموحدة وسكون المعجمة: قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة (٨)، واللات: اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشتم بذلك؛ ولكن بلفظ الأمّ، فأراد أبو بكر المبالغة في سبّ عروة بإقامة من كان يعبدها مقام أمه، وحمله على ذلك ما أغضبه من نسبة المسلمين إلى الفرار. وفيه جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإِرادة زجر من بدأ منه ما يستحقّ به ذلك. قوله: (لولا يد) أي نعمة. وقد بين عبد العزيز الآفاقي (٩) عن الزهري في هذا الحديث أن اليد [المذكورة] (١٠) هي أن عروة كان تحمَّل بدية، فأعانه فيها أبو بكر بعون حسن. وفي رواية الواقدي (١١): بعشر قلائص.

стр. 7053

قوله: (بنعل السيف) (١) هو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها. قوله: (آخر يدك) فعل أمر من التأخير، زاد ابن إسحاق (٢): "قبل أن لا تصل إليك". قولى: (أي غدر) بالمعجمة بوزن عمر، معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر. قوله: (ألست أسعى في غدرتك) أي: في دفع شرّ غدرتك. وقد بسط القصة ابن إسحاق (٣) وابن الكلبي والواقدي (٤) بما حاصله: أنه خرج المغيرة لزيارة المقوقس بمصر هو وثلاثة عشر نفرًا من ثقيف من بني مالك، فأحسن إليهم، وأعطاهم، وقصَّر بالمغيرة، فحصلت له الغيرة منهم، فلما كانوا بالطريق شربوا الخمر، فلما سكروا وناموا؛ وثب المغيرة فقتلهم ولحق بالمدينة فأسلم، فتهايج الفريقان: بنو مالك، والأخلاف رهط المغيرة، فسعى عروة بن مسعود وهو عمّ المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفسًا، والقصة طويلة. قوله: (وأما المال فلست منه في شيء) أي: لا أتعرّض له؛ لكونه مأخوذًا على طريقة الغدر. واستفيد من ذلك: أنها لا تحلُّ أموال الكفار في حال الأمن غدرًا؛ لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة، والأمانة تؤدّى إلى أهلها مسلمًا كان أو كافرًا، فإن أموال الكفار إنما تحلّ بالمحاربة والمغالبة، ولعلّ النبيّ ﷺ ترك المال في يده لإِمكان أن يسلم قومه فتردّ إليهم أموالهم. قوله: (يرمُق) (٥) بضم الميم وآخره قاف؛ أي؛ يلحظ. قوله: (ما يحدّون إليه النظر) (٦) بضم أوله، وكسر المهملة؛ أي: يديمون. قوله: (ووفدت على قيصر) هو من عطف الخاصّ على العامّ، وخصّ قيصر ومن بعده لكونهم أعظم ملوك ذلك الزمان.

стр. 7054

قوله: (فقال رجل من بني كنانة). في رواية الآفاقي (١): "فقام الحُلَيس" بمهملتين مصغرًا، وسمى ابن إسحاق (٢) والزبير بن بكار (٣) أباه: علقمة. وهو من بني الحارث بن عبد مناة. قولى: (فابعثوها له) أي: أثيروها دفعة واحدة. وفي رواية ابن إسحاق (٤): "فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي بقلائده قد حبس عن محله رجع، ولم يصل إلى رسول الله ﷺ ". وعند الحاكم (٥): "أنه صاح الحُلَيْس: هلكت قريش وربّ الكعبة، إن القوم إنما أتوا عمارًا، فقال النبيّ ﷺ : أجل يا أخا بني كنانة فأعلمهم بذلك". قال الحافظ (٦): فيحتمل أن يكون خاطبه على بُعد. قوله: (مكرز) - بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء بعدها زاي - وهو من بني عامر بن لؤيّ. قوله: (وهو رجل فاجر) في رواية ابن إسحاق (٧) "غادر"، ورجحها الحافظ (٨). ويؤيد ذلك ما في مغازي الواقدي (٩): "أنه قتل رجلًا غدرًا". وفيها أيضًا: "أنه أراد أن يبيت المسلمين بالحديبية. فخرج في خمسين رجلًا، فأخذهم محمد بن مسلمة، وهو على الحرس، فانفلت منهم مكرز، فكأنه ﷺ أشار إلى ذلك". قوله: (إذا جاء سهيل بن عمرو) في رواية ابن إسحاق (١٠): "فدعت قريش سهيل بن عمرو فقالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه".

стр. 7055

قوله: (فأخبرني أيوب عن عكرمة … إلخ). قال الحافظ (١): هذا مرسل، لم أقف على من وصله بذكر ابن عباس فيه، لكن له شاهد موصول عنه عند ابن أبي شيبة (٢) من حديث سلمة بن الأكوع قال: "بعثت قريش سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، إلى النبيّ ﷺ ليصالحوه، فلما رأى النبيّ ﷺ سهيلًا قال: لقد سهل لكم من أمركم". وللطبراني (٣) نحوه من حديث عبد الله بن السائب. قوله: (فدعا البنيّ ﷺ الكاتب) هو: علي ﵁، كما بيَّنه إسحاق بن راهويه في مسنده في هذا الوجه عن الزهري، وذكره البخاري (٤) أيضًا في الصلح من حديث البراء. وأخرج عمر بن شبة من طريق عمرو بن سهيل بن عمرو عن أبيه أنه قال: الكتاب عندنا كاتبه محمد بن مسلمة. قال الحافظ (٥): ويجمع أن أصل كتاب الصلح بخطّ عليّ كما هو في الصحيح (٤)، ونسخ محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو مثله. قوله: (هذا ما قاضى) بوزن فاعل من قضيت (٦) الشيء: فصلت الحكم فيه. قوله: (ضُغْطة) (٧) بضم الضاد، وسكون الغين المعجمتين، ثم طاء مهملة، أي: قهرًا. وفي رواية ابن إسحاق (٨): "أنها دخلت علينا عنوة". قوله: (فقال المسلمون … إلخ) قد تقدم بيان القائل في أول الباب. قوله: (أبو جندل) بالجيم والنون بوزن جعفر، وكان اسمه

стр. 7056

العاصي فتركه لما أسلم، وكان محبوسًا بمكة ممنوعًا من الهجرة، وعذّب بسبب الإِسلام، وكان سهيل أوثقه وسجنه حين أسلم، فخرج من السجن وتنكب الطريق، وركب الجبال، حتى هبط على المسلمين، ففرح به المسلمون وتلقَّوه. قوله: (يَرْسُف) (١) بفتح أوله، وبضم المهملة، بعدها فاء: أي يمشي مشيًا بطيئًا بسبب القيد. قوله: (أنا لم نقض الكتاب) أي: لم نفرغ من كتابته. قوله: (فأجزه لي) بالزاي بصيغة فعل الأمر من الإِجازة؛ أي: امض فعلي فيه، فلا أردّه إليك، وأستثنيه من القضية. ووقع عند الحميدي في الجمع (٢) بالراء، ورجح ابن الجوزي (٣) الزاي. وفيه أن الاعتبار في العقود بالقول، ولو تأخرت الكتابة والإشهاد، ولأجل ذلك أمضى النبيّ ﷺ لسهيل الأمر في ردّ ابنه إليه، وكان للنبيّ ﷺ تلطف معه بقوله: "لم نقض الكتاب بعد" رجاء أن يجيبه. قوله: (قال مكرز: بلى قد أجزناه) هذه رواية الكشميهني (٤)، ورواية الأكثر من رواة البخاري بل بالإِضراب. وقد استشكل ما وقع من مكرز من الإِجازة؛ لأنه خلاف ما وصفه ﷺ به من الفجور. وأجيب: بأن الفجور حقيقة ولا يستلزم أن لا يقع منه شيء من البرّ نادرًا، أو قال ذلك نفاقًا وفي باطنه خلافه، ولم يذكر في هذا الحديث ما أجاب به سهيل على مكرز لما قال ذلك. وقد زعم بعض الشرّاح (٥): أن سهيلًا لم يجبه؛ لأن مكرزًا لم يكن ممن جعل له أمر عقد الصلح بخلاف سهيل.

стр. 7057

وتعقب بأن الواقدي (١) روى: أن مكرزًا كان ممن جاء في الصلح مع سهيل، وكان معهما حويطب بن عبد العزى، لكن ذكر في روايته ما يدلّ على أن إجازة مكرز لم تكن في أن لا يردّه إلى سهيل، بل في تأمينه من التعذيب ونحو ذلك، وأن مكرزًا وحويطبًا أخذا أبا جندل، فادخلاه فسطاطًا، وكفّا أباه عنه. وفي مغازي ابن عائذ (١) نحو ذلك كله، ولفظه: "فقال مكرز بن حفص وكان ممن أقبل مع سهيل بن عمرو في التماس الصلح: أنا له جار، وأخذ بيده فأدخله فسطاطًا". قال الحافظ (٢): وهذا لو ثبت لكان أقوى من الاحتمالات الأول، فإنه لم يجزه بأن يقرّه عند المسلمين، بل ليكفّ العذاب عنه ليرجع إلى طواعية أبيه، فما خرج بذلك عن الفجور، لكن يعكر عليه ما في رواية الصحيح السابقة بلفظ: "فقال مكرز": قد أجزناه لك، يخاطب النبيّ ﷺ بذلك. قوله: (فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين … إلخ) زاد ابن إسحاق (٣): "فقال رسول الله ﷺ : يا أبا جندل اصبر واحتسب؛ فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجًا ومخرجًا". قال الخطابي (٤): تأوّل العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين: أحدهما: أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك. ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإِيمان إن لم تمكنه التورية فلم يكن ردّه إليهم إسلامًا لأبي جندل إلى الهلاك مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية. والوجه الثاني: أنه إنما ردّه إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك؟ وإن عذّبه، أو سجنه، فله مندوحة بالتقية أيضًا. وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله يبتلي به صبر عباده المؤمنين. واختلف العلماء هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يردّ إليهم من جاء

стр. 7058

مسلمًا من عندهم إلى بلاد المسلمين أم لا؟ فقيل: نعم، على ما دلت عليه قصة أبي جندل، وأبي بصير. وقيل: لا؛ وأن الذي وقع في القصة منسوخ، وأن ناسخه حديث: "أنا بريء من كل مسلم [يقيم] (١) بين مشركين"، وقد تقدم (٢) وهو قول الحنفية. وعند الشافعية (٣) يفصل بين العاقل وبين الصبيّ والمجنون فلا يردَّان. وقال بعض الشافعية (٤): ضابط جواز الردّ: أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب. قوله: (ألست نبيّ الله حقًّا؟ قال: بلى) زاد الواقدي (٥) من حديث أبي سعيد "قال: قال عمر: لقد دخلني أمر عظيم وراجعت النبيّ ﷺ مراجعة ما رجعته مثلها قط". قوله: (فلم نعطي الدنية) بفتح المهملة وكسر النون وتشديد التحتية. قوله: (أوليس كنت حدثتنا … إلخ) في رواية ابن إسحاق (٦) كان الصحابة لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ ، فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. وعند الواقدي (٧): "أن النبيّ ﷺ كان [رأى] (٨) في منامه قبل أن يعتمر أنه دخل هو وأصحابه البيت، فلما رأوا تأخير ذلك شقّ عليهم". قال في الفتح (٩): ويستفاد من هذا الفصل جواز البحث في العلم حتى يظهر المعنى، [وإن كان] (١٠) الكلام يحمل على عمومه وإطلاقه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد، وأن من حلف على فعل شيء ولم يذكر مدة معينةً لم يحنث حتى تنقضي أيام حياته.

стр. 7059

قوله: (فأتيت أبا بكر … إلخ) لم يذكر عمر: أنه راجع أحدًا في ذلك غير أبي بكر لما له عنده من الجلالة، وفي جواب أبي بكر عليه بمثل ما أجاب به النبيّ ﷺ دليل: على سعة علمه، وجودة عرفانه بأحوال رسول الله ﷺ . قوله: (فاستمسك بغرزه) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها زاي. قال المصنف: هو للإِبل بمنزلة الركاب للفرس، والمراد: التمسك بأمره وترك المخالفة له، كالذي يمسك بركاب الفارس، فلا يفارقه. قوله: (قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا) القائل هو الزهري كما في البخاري (١)، وهو منقطع؛ لأن الزهري لم يدرك عمر. قال بعض الشرّاح (٢): المراد بقوله: "أعمالًا" أي: من الذهاب، والمجيء والسؤال، والجواب. ولم يكن ذلك شكًا من عمر، بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًا على إذلال الكفار بما عرف من قوّته في نصرة الدين. قال في الفتح (٣): وتفسير الأعمال بما ذكر مردود، بل المراد به الأعمال الصالحة لتكفر عنه ما مضى من عدم التوقف في الامتثال ابتداءً، وقد ورد عن عمر التصريح بمراده؛ ففي رواية ابن إسحاق (٤): "وكان عمر يقول: ما زلت أتصدّق، وأصوم، وأصلي، وأعتق من الذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الذي تكلمت به". وعند الواقدي (٥) من حديث ابن عباس قال عمر: "لقد أعتقت بسبب ذلك رقابًا وصمت دهرًا". قال السهيلي (٦): هذا الشكّ الذي حصل لعمر هو ما لا يستمرّ صاحبه عليه، وإنما هو من باب الوسوسة. قال الحافظ (٧): والذي يظهر: أنه توقف منه ليقف على الحكمة، وتنكشف

стр. 7060

عنه الشبهة. ونظيره: قصته في الصلاة على عبد الله بن أبّي، وإن كان في الأولى لم يطابق اجتهاده الحكم بخلاف الثانية، وهي هذه القصة، وإنما عمل الأعمال المذكورة لهذه، وإلا فجميع ما صدر [عنه] (١) كان معذورًا فيه، بل هو فيه مأجور لأنه مجتهد فيه. قوله: (فلما فرغ من قضية الكتاب) زاد ابن إسحاق (٢) في روايته: "فلما فرغ من قضية الكتاب أشهد جماعة على الصلح رجالًا من المسلمين ورجالًا من المشركين منهم: أبو بكر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ومحمود بن مسلمة، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، ومكرز بن حفص وهو مشرك". قوله: (فوالله ما قام منهم أحد) قيل: كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح المذكور، أو أن يخصصه بالإِذن بدخولهم مكة ذلك العام لإِتمام نسكهم، وسوّغ لهم ذلك؛ لأنه كان زمان وقوع النسخ. ويحتمل أن يكون أهمَّتْهُم صورة الحال، فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذلّ عند أنفسهم مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم، وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو أخروا الامتثال لاعتقادهم: أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور. قال الحافظ (٣): ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم. قوله: (فذكر لها ما لقي من الناس) فيه دليل على فضل المشورة، وأن الفعل إذا انضمَّ إلى القول كان أبلغ من القول المجرّد، وليس فيه: أن الفعل مطلقًا أبلغ من القول؛ نعم فيه أن الاقتداء بالأفعال أكثر منه بالأقوال، وهذا معلوم مشاهد. وفيه دليل: على فضل أمّ سلمة، ووفور عقلها حتى قال إمام الحرمين: لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أمّ سلمة.

стр. 7061

وتعقب بإشارة بنت شعيب (١) على أبيها في أمر موسى [﵇] (٢)، ونظير هذه القصة ما وقع في غزوة الفتح، فإن النبيّ ﷺ أمرهم بالفطر في رمضان، فلما استمرّوا على الامتناع تناول القدح فشرب، فلما رأوه يشرب شربوا" (٣). قوله: (نحر بدنه) زاد ابن إسحاق (٤) عن ابن عباس: "أنها كانت سبعين بدنة كان فيها جمل لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ به المشركين، وكان غنمه منه في غزوة بدر". قوله: (ودعا حالقه) قال ابن إسحاق (٥): بلغني: أن الذي حلقه في ذلك اليوم هو خراش - بمعجمتين - ابن أمية بن الفضل الخزاعي. قوله: (فجاءه أبو بصير) بفتح الموحدة وكسر المهملة اسمه: عتبة - بضم المهملة، وسكون الفوقية - ابن أسيد بفتح الهمزة [وكسر المهملة] (٦) ابن جارية - بالجيم - الثقفي حليف بني زهرة، كذا قال ابن إسحاق (٧): وبهذا يعرف أن قوله في حديث الباب رجل من قريش: أي بالحلف؛ لأن بني زهرة من قريش. قوله: (فأرسلوا في طلبه رجلين) سماهما ابن سعد في (الطبقات): خنيس - بمعجمة ونون وآخره مهملة مصغرًا - ابن جابر، ومولى له يقال له: كوير. وفي رواية للبخاري (٨): أن الأخنس بن شريق هو الذي أرسل في طلبه، زاد ابن إسحاق (٩): "فكتب الأخنس بن شريق، والأزهر بن عبد عوف إلى رسول الله ﷺ كتابًا وبعثا به مع مولى لهما ورجل من بني عامر استأجراه". اهـ.

стр. 7062

قال الحافظ (١): والأخنس من ثقيف رهط أبي بصير، وأزهر من بنى زهرة، حلفاء أبي بصير، فلكل منهما المطالبة بردّه. ويستفاد منه: أن المطالبة بالردّ تختصّ بمن كان من عشيرة المطلوب بالأصالة أو الحلف. وقيل: إن اسم أحد الرجلين: مرثد بن حمران، زاد الواقدي (٢) فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام. قوله: (فقال أبو بصير لأحد الرجلين) في رواية ابن إسحاق (٣) للعامري، وفي رواية ابن سعد لخنيس بن جابر. قوله: (فاستله الآخر) أي: صاحب السيف أخرجه من غمده. قوله: (حتى برد) بفتح الموحدة والراء؛ أي: خمدت حواسه، وهو كناية عن الموت؛ لأن الميت تسكن حركته، وأصل البرد السكون، قاله الخطابي (٤). وفي - رواية ابن إسحاق (٥): "فعلاه حتى قتله". قوله: (وفرّ الآخر) في رواية ابن إسحاق (٦): "وخرج المولى يشتدّ"، أي: هربًا. قوله: (ذعرًا) بضم المعجمة، وسكون المهملة؛ أي: خوفًا. قوله: (قتل صاحبي) بضم القاف؛ وفي هذا دليل على أنه يجوز للمسلم الذي يجيء من دار الحرب في زمن الهدنة قتل من جاء في طلب ردّه إذا شرط لهم ذلك؛ لأن النبيّ ﷺ لم ينكر على أبي بصير قتله للعامري ولا أمر فيه بقود ولا دية. قوله: (ويل أُمه) (٧) بضم اللام، ووصل الهمزة، وكسر الميم المشددة:

стр. 7063

وهي كلمة ذمّ تقولها العرب في المدح، ولا يقصدون معنى ما فيها من الذمِّ؛ لأن الويل (١): الهلاك، فهو كقولهم: لأمه الويل، ولا يقصدون، والويل يطلق على العذاب، والحرب، والزجر. وقد تقدم شيء من ذلك في الحجّ في قوله لأعرابي: "ويلك"، قال الفراء (٢): أصله وي فلان: أي لفلان: أي حزن له، فكثر الاستعمال، فألحقوا بها اللام، فصارت كأنها منها، وأعربوها، وتبعه ابن مالك (٣) إلا أنه قال تبعًا للخليل (٤): إن وي كلمة تعجب، وهي من أسماء الأفعال، واللام بعدها مكسورة، ويجوز ضمها إتباعًا للهمزة، وحذفت الهمزة تخفيفًا. قوله: (مسعر حرب) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح العين المهملة أيضًا وبالنصب على التمييز، وأصله من مسعر حرب، أي: يسعرها. قال الخطابي (٥): يصفه بالإِقدام في الحرب والتسعير لنارها. قوله: (لو كان له أحد) أي يناصره ويعاضده. قوله: (سيف البحر) (٦) بكسر المهملة، وسكون التحتانية بعدها فاء، أي: ساحله (قوله عصابة) (٧) أي جماعة ولا واحد لها من لفظها، وهي تطلق على الأربعين فما دونها. وفي رواية ابن إسحاق (٨): "أنهم بلغوا نحو السبعين نفسًا" وزعم السهيلي (٩) أنهم بلغوا ثلاثمائة رجل. قوله: (ما يسمعون بعير) بكسر المهملة، أي: بخبر عير، وهي القافلة. قوله: (فأرسل النبيّ ﷺ إليهم) في رواية موسى بن عقبة (١٠) عن الزهري:

стр. 7064

"فكتب رسول الله ﷺ إلى أبي بصير، فقدم كتابه وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول لله ﷺ في يده، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا". وفي الحديث دليل على أن من فعل مثل أبي بصير لم يكن عليه قود ولا دية. وقد وقع عند ابن إسحاق (١) أن سهيل بن عمرو لما بلغه قتل العامري طالب بديته لأنه من رهطه، فقال له أبو سفيان: ليس على محمد مطالبة بذلك لأنه وفى بما عليه، وأسلمه لرسولكم، ولم يقتله بأمره، ولا على أبي بصير أيضًا شيء لأنه ليس على دينهم. قوله: (فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ (٢) ظاهره: أنها نزلت في شأن أبي بصير. والمشهور في سبب نزولها: ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع (٣)، ومن حديث أنس بن مالك (٤). وأخرجه أحمد (٥) والنسائي (٦) من حديث عبد الله بن مغفل بإسناد صحيح أنها نزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرة فظفروا بهم وعفا عنهم النبيّ ﷺ فنزلت الآية كما تقدم، وقيل: في نزولها غير ذلك. قوله: (على وضع الحرب عشر سنين) هذا هو المعتمد عليه كما ذكره
следующие страницы →