стр. 7200
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 1218
نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق
الشوكاني
Полный текст (7 679 стр.). Показаны 7200–7239 · переход к 7205.
стр. 7201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 7202
وزعم أن حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري المذكور في أول الباب منقطع فيما بين البخاري وهشام.
وقد وافقه على تضعيف أحاديث الباب من سيأتي قريبًا.
قال الحافظ في الفتح (١): وأخطأ في ذلك، يعني في دعوى الانقطاع من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر الحديث في موضع آخر من كتابه، وأطال الكلام على ذلك يما يشفي.
قوله: (الكبارات) جمع الكبار. قال في القاموس (٢) في مادة (ك ب ر): والطبل جمع الكبار وأكبار، انتهى.
والبربط: العود. قال في القاموس (٣): البربط كجعفر معرّب بربط، أي: صدر الإوزّ لأنه يشبهه، انتهى.
وقد اختلف في الغناء مع آلة من آلات الملاهي وبدونها. فذهب الجمهور (٤) إلى التحريم مستدلين بما سلف.
стр. 7203
وذهب أهل المدينة (١) ومن وافقهم من علماء الظاهر وجماعة من الصوفية إلى الترخيص في السماع ولو مع العود واليراع.
وقد حكى الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء بأسًا ويصوغ الألحان لجواريه ويسمعها
стр. 7204
منهن على أوتاره، وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين عليّ [ابن أبي طالب] (١) ﵁.
وحكى الأستاذ المذكور مثل ذلك أيضًا عن القاضي شريح، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح والزهري والشعبي.
وقال إمام الحرمين في "النهاية" (٢) وابن أبي الدم: نقل الأثبات من المؤرخين أن عبد الله بن الزبير كان له جوار عوّادات، وأن ابن عمر دخل عليه وإلى جنبه عود فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله ﷺ فناوله إياه، فتأمله ابن عمر فقال: هذا ميزان شامي، قال ابن الزبير: توزن به العقول.
وروى الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالته (٣) في السماع بسنده إلى ابن سيرين قال: إِنَّ رجلًا قدم المدينة بجَوارٍ، فنزل على عبد الله بن عمر، وفيهنّ جارية تضرب، فجاء رجل فساومه، فلم يهوَ منهنَّ شيئًا، قال: انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعًا من هذا؟ قال: من هو؟ قال: عبد الله بن جعفر، فعرضهنّ عليه، فأمر جارية منهنّ فقال لها: "خذي العود" فأخذته فغنَّت فبايعه، ثم جاء إلى ابن عمر إلى آخر القصة (٤).
стр. 7205
وروى صاحب "العقد" (١) العلامة الأديب أبو عمر الأندلسي: أن عبد الله بن عمر دخل على ابن جعفر فوجد عنده جارية في حجرها عود ثم قال لابن عمر: هل ترى بذلك بأسًا؟ قال: لا بأس بهذا.
وحكى الماوردي (٢) عن معاوية وعمرو بن العاص أنهم سمعا العود عند ابن جعفر.
وروى أبو الفرج الأصبهاني (٣) أن حسان بن ثابت سمع من عزّة الميلاء الغناء بالمزهر بشعر من شعره.
стр. 7206
وذكر أبو العباس المبرّد (١) نحو ذلك.
والمزهر عند أهل اللغة (٢): العود.
وذكر الأدفوي أن عمر بن عبد العزيز كان يسمع من جواريه قبل الخلافة.
ونقل ابن السمعاني الترخيص عن طاوس.
ونقله ابن قتيبة وصاحب الإمتاع عن قاضي المدينة سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري من التابعين (٣).
ونقله أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (٤) عن عبد العزيز بن سلمة الماجشون مفتي المدينة.
стр. 7207
وحكى الروياني عن القفال أن مذهب مالك بن أنس إباحة الغناء بالمعازف.
وحكى الأستاذ أبو منصور والفوراني عن مالك جواز العود. وذكر أبو طالب المكي في "قوت القلوب" (١) عن شعبة أنه سمع طنبورًا في بيت المنهال بن عمرو المحدّث المشهور.
وحكى أبو الفضل بن طاهر (٢) في مؤلفه في السماع أنه لا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود.
قال ابن النحوي في "العدة": قال ابن طاهر (٣): هو إجماع أهل المدينة.
قال ابن طاهر (٤): وإليه ذهبت الظاهرية (٥) قاطبة.
قال الأدفوي: لم يختلف النقلة في نسبة الضرب إلى إبراهيم بن سعد المتقدم الذكر، وهو ممن أخرج له الجماعة كلهم.
وحكى الماوردي (٦) إباحة العود عن بعض الشافعية.
وحكاه أبو الفضل بن طاهر (٧) عن أبي إسحاق الشيرازي.
وحكاه الإسنوي في "المهمات" (٨) عن الروياني والماوردي.
ورواه ابن النحوي عن الأستاذ أبي منصور.
وحكاه ابن الملقن في "العمدة" عن ابن طاهر.
وحكاه الأدفوي عن الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام.
стр. 7208
وحكاه صاحب "الإمتاع" عن أبي بكر ابن العربي، وجزم بالإباحة الأدفوي.
هؤلاء جميعًا قالوا بتحليل السماع مع آلة من الآلات المعروفة.
وأما مجرّد الغناء من غير آلة فقال الأدفوي في الإمتاع: إن الغزالي في بعض [تواليفه] (١) الفقهية (٢): نقل الاتفاق على حله.
ونقل ابن طاهر (٣) إجماع الصحابة والتابعين عليه.
ونقل التاج الفزاري وابن قتيبة إجماع أهل الحرمين عليه.
ونقل ابن طاهر (٤) وابن قتيبة أيضًا إجماع أهل المدينة عليه.
وقال الماوردي (٥): لم يزل أهل الحجاز يرخصون فيه في أفضل أيام السنة المأمور فيه بالعبادة والذكر.
قال ابن النحوي في "العمدة": وقد روي الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين.
فمن الصحابة عمر، كما رواه ابن عبد البرُّ (٦) وغيره، وعثمان كما نقله الماوردي (٦)
стр. 7209
وصاحب البيان (١) والرافعي (٢)، وعبد الرحمن بن عوف كما رواه ابن أبي شيبة (٣)، وأبو عبيدة بن الجرّاح كما أخرجه البيهقي (٤)، وسعد بن أبي وقاص كما أخرجه ابن قتيبة، وأبو مسعود الأنصاري كما أخرجه البيهقي (٥).
وبلال وعبد الله بن الأرقم وأسامة بن زيد كما أخرجه البيهقي (٦) أيضًا.
وحمزة كما في الصحيح (٧).
وابن عمر كما أخرجه ابن طاهر (٨).
والبراء بن مالك كما أخرجه أبو نعيم (٩).
وعبد الله بن جعفر كما رواه ابن عبد البر (١٠).
وعبد الله بن الزبير كما نقله أبو طالب المكي (١١).
وحسان كما رواه أبو الفرج الأصبهاني (١٢).
وعبد الله بن عمر كما رواه الزبير بن بكار (١٣).
وقرظة بن بكار كما رواه ابن قتيبة (١٤).
стр. 7210
وخوّات بن جبير ورباح المعترف كما أخرجه صاحب الأغاني (١).
والمغيرة بن شعبة كما حكاه أبو طالب المكي.
وعمرو بن العاص كما حكاه الماوردي (٢).
وعائشة (٣) والربيع (٤) كما في صحيح البخاري وغيره (٥).
وأما التابعون فسعيد بن المسيب، وسالم بن عمر، وابن حسان، وخارجة بن زيد، وشريح القاضي، وسعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وعبد الله بن أبي عتيق، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن شهاب الزهري، وعمر بن عبد العزيز، وسعد بن إبراهيم الزهري.
وأما تابعوهم فخلق لا يحصون منهم الأئمة الأربعة وابن عيينة وجمهور الشافعية، انتهى كلام ابن النحوي.
واختلف هؤلاء المجوّزون، فمنهم من قال بكراهته، ومنهم من قال باستحبابه. قالوا: لكونه يرقّ القلب ويهيج الأحزان والشوق إلى الله (٦).
стр. 7211
стр. 7212
وأجاب المجوّزون بأجوبة:
(الأول): ما قاله ابن حزم وقد تقدم، وتقدم جوابه.
(والثاني): أن في إسناده صدقة بن خالد. وقد حكى ابن الجنيد عن يحيى بن معين أنه ليس بشيء. وروى المزي عن أحمد أنه ليس بمستقيم (١).
ويجاب عنه بأنه من رجال الصحيح.
(ثالثها): أن الحديث مضطرب (٢) سندًا ومتنًا.
أما الإسناد فللتردّد من الراوي في اسم الصحابي كما تقدم.
وأما متنًا فلأن في بعض الألفاظ (يستحلون) وفي بعضها بدونه.
وعند أحمد (٣) وابن أبي شيبة بلفظ: "ليشربنّ أناس من أمتي الخمر".
وفي رواية الحرّ بمهملتين، وفي أخرى بمعجمتين كما سلف.
ويجاب عن دعوى الاضطراب في السند بأنه قد رواه أحمد (٣) وابن أبي شيبة من حديث أبي مالك بغير شك.
ورواه أبو داود (٤) من حديث أبي عامر وأبي مالك. وهي رواية ابن داسة عن أبي داود.
ورواية ابن حبان (٥) أنه سمع أبا عامر وأبا مالك الأشعريين. فتبين بذلك أنه من روايتهما جميعًا.
стр. 7213
وأما الاضطراب في المتن فيجاب بأن مثل ذلك غير قادح في الاستدلال، لأن الراوي قد يترك بعض ألفاظ الحديث تارة ويذكرها أخرى.
(والرابع): أن لفظة المعازف التي هي محلّ الاستدلال ليست عند أبي داود.
ويجاب بأنه قد ذكرها غيره.
وثبتت في الصحيح، والزيادة من العدل مقبولة.
وأجاب المجوّزون أيضًا على الحديث المذكور من حيث دلالته فقالوا: لا نسلم دلالته على التحريم. وأسندوا هذا المنع بوجوه:
(أحدها): أن لفظة: "يستحلون" (١) ليست نصًا في التحريم، فقد ذكر أبو بكر ابن العربي (٢) لذلك معنيين:
(أحدهما): أن المعنى يعتقدون أن ذلك حلال.
(الثاني): أن يكون مجازًا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور.
стр. 7214
ويجاب بأن الوعيد على الاعتقاد يشعر بتحريم الملابسة بفحوى الخطاب (١).
وأما دعوى التجوّز فالأصل الحقيقة ولا ملجئ إلى الخروج عنها.
(وثانيها): أن المعازف مختلف في مدلولها كما سلف، وإذا كان اللفظ محتملًا لأن يكون للآلة ولغير الآلة لم ينتهض للاستدلال، لأنه إما أن يكون مشتركًا والراجح التوقف فيه، أو حقيقة ومجازًا ولا يتعين المعنى الحقيقي.
ويجاب بأنه يدلّ على تحريم استعمال ما صدق عليه الاسم، والظاهر الحقيقة في الكلّ من المعاني المنصوص عليها من أهل اللغة وليس من قبيل المشترك لأن اللفظ لم يوضع لكل واحد على حدة بل وضع للجميع، على أن الراجح جواز استعمال المشترك في جميع معانيه مع عدم التضادّ كما تقرّر في الأصول (٢).
(وثالثها): أنه يحتمل أن تكون المعازف المنصوص على تحريمها هي المقترنة بشرب الخمر كما ثبت في رواية بلفظ: "ليشربن أناس من أمتى الخمر تروح عليهم القيان وتغدو عليهم المعازف" (٣).
ويجاب بأن الاقتران لا يدلّ على أن المحرّم هو الجمع فقط، وإلا لزم أنا الزنا المصرّح به في الحديث لا يحرم إلا عند شرب الخمر واستعمال المعازف، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله.
وأيضًا يلزم في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٤) أنه لا يحرم عدم الإيمان بالله إلا عند عدم الحضّ على طعام المسكين.
стр. 7215
فإن قيل تحريم مثل هذه الأمور المذكورة في الإلزام قد علم من دليل آخر.
فيجاب بأن تحريم المعازف قد علم من دليل آخر أيضًا كما سلف، على أنه لا ملجئ إلى ذلك حتى يصار إليه.
(ورابعها): أن يكون المراد يستحلون مجموع الأمور المذكورة فلا يدلّ على تحريم واحدٍ منها على الانفراد. وقد تقرّر أن النهي عن الأمور المتعددة أو الوعيد على مجموعها لا يدلّ على تحريم كل فرد منها.
ويجاب عنه بما تقدم في الذي قبله. واستدلوا ثانيًا بالأحاديث المذكورة في الباب التي أوردها المصنف ﵀ [تعالى] (١).
وأجاب عنها المجوّزون بما تقدم من الكلام في أسانيدها.
ويجاب بأنه تنتهض بمجموعها ولا سيما وقد حسن بعضها، فأقلّ أحوالها أن تكون من قسم الحسن لغيره ولا سيما أحاديث النهي عن بيع القينات المغنيات فإنها ثابتة من طرق كثيرة منها ما تقدم ومنها غيره.
وقد استوفيت ذلك في رسالة. وكذلك [حديث] (٢): "إن الغناء ينبت النفاق" (٣)، فإنه ثابت من طرق قد تقدم بعضها، وبعضها لم يذكر منه عن ابن عباس عند ابن صصري في "أماليه" (٤).
ومنه عن جابر عند البيهقي (٥).
ومنه عن أنس عند الديلمي (٦).
стр. 7216
وفي الباب عن عائشة وأنس عند البزار (١)، والمقدسي (٢)، وابن مردويه (٣)، وأبي نعيم (٤)، والبيهقي، بلفظ: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة".
وأخرج ابن سعد (٥) [والبيهقي (٦)] (٧) في السنن عن جابر أنه ﷺ قال: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة لهو ولعب مزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة وخمش وجه وشقّ [جيب] (٨) ورنة شيطان".
وأخرج الديلمي (٩) عن أبي أمامة مرفوعًا: "إن الله يبغض صوت الخلخال كما يبغض الغناء".
стр. 7217
والأحاديث في هذا كثيرة قد صنف في جميعها جماعة من العلماء كابن حزم (١)، وابن طاهر (٢)، وابن أبي الدنيا (٣)، وابن حمدان الأربلي، والذهبي، وغيرهم.
وقد أجاب المجوّزون عنها بأنه قد ضعفها جماعة من الظاهرية (٤) والمالكية والحنابلة والشافعية، وقد تقدم ما قاله ابن حزم (٥)، ووافقه على ذلك أبو بكر ابن العربي في كتابه الأحكام (٦) وقال: لم يصحّ في التحريم شيء، وكذلك قال الغزالي (٧) وابن النحوي في "العمدة"، وهكذا قال ابن طاهر (٨): إنه لم يصحّ منها حرف واحد.
والمراد ما هو مرفوع منها، وإلا فحديث ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٩) قد تقدم أنه صحيح (١٠).
وقد ذكر هذا الاستثناء ابن حزم (١١) فقال: إنهم لو أسندوا حديثًا واحدًا فهو إلى غير رسول الله ﷺ ولا حجة في أحد دونه كما روي عن ابن عباس (١٢) وابن مسعود (١٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٩) الآية، أنهما فسَّرا اللهو بالغناء.
стр. 7218
قال: ونصّ الآية يبطل احتجاجهم لقوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهذه صفة من فعلها كان كافرًا، ولو أن شخصًا اشترى مصحفًا ليضلّ به عن سبيل الله ويتخذها هزوًا لكان كافرًا، فهذا هو الذي ذمّ الله تعالى، وما ذمّ من اشترى لهو الحديث ليروّح به نفسه لا ليضلّ به عن سبيل الله، انتهى.
قال [الفاكهاني] (١): لم أعلم في كتاب الله ولا في السنة حديثًا صحيحًا صريحًا في تحريم الملاهي، وإنما هي ظواهر وعمومات يتأنس بها لا أدلة قطعية.
واستدلّ ابن رشد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢)، وأيّ دليل في ذلك على تحريم الملاهي والغناء، وللمفسرين فيها أربعة أقوال:
(الأول): أنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا، فكان اليهود يلقونهم بالسبّ والشتم فيعرضون عنهم.
(والثاني): أن اليهود أسلموا فكانوا إذا سمعوا ما غيَّره اليهود من التوراة وبدَّلوا من نعت النبيّ ﷺ وصفته أعرضوا عنه وذكروا الحقّ.
(والثالث): أنهم المسلمون إذا سمعوا الباطل لم يلتفتوا إليه.
(والرابع): أنهم ناس من أهل الكتاب لم يكونوا يهودًا ولا نصارى وكانوا على دين الله، كانوا ينتظرون بعث محمد ﷺ ، فلما سمعوا به بمكة أتوه فعرض عليهم القرآن فأسلموا، وكان الكفار من قريش يقولون لهم: أفّ لكم اتبعتم غلامًا كرهه قومه وهم أعلم به منكم.
وهذا الأخير قاله ابن العربي في أحكامه (٣)، وليت شعري كيف يقوم الدليل من هذه الآية، انتهى.
стр. 7219
ويجاب بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (١)، واللغو عامّ، وهو في اللغة (٢) الباطل من الكلام الذي لا فائدة فيه.
والآية خارجة مخرج المدح لمن فعل ذلك، وليس فيها دلالة على الوجوب.
ومن جملة ما استدلوا به حديث: "كل لهو يلهو به المؤمن هو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه" (٣).
قال الغزالي (٤): قلنا قوله ﷺ : "فهو باطل" لا يدلّ على التحريم، بل يدلّ على عدم فائدة، انتهى.
وهو جواب صحيح لأن ما لا فائدة فيه من قسم المباح.
على أن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في مسجده ﷺ كما ثبت في الصحيح (٥) خارج عن تلك الأمور الثلاثة (٦).
стр. 7220
وأجاب المجوّزون عن حديث ابن عمر المتقدم (١) في زمارة الراعي بما تقدم من أنه حديث منكر (٢).
وأيضاً لو كان سماعه حرامًا لما أباحه ﷺ لابن عمر ولا ابن عمر لنافع ولنهى عنه وأمر بكسر الآلة، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٣).
وأما سده ﷺ لسمعه فيحتمل أنه تجنبه كما كان يتجنب كثيرًا من المباحات كما تجنب أن يبيت في بيته درهم أو دينار وأمثال ذلك. لا يقال: يحتمل أن تركه ﷺ للإنكار على الراعي إنما كان لعدم القدرة على التغيير. لأنا نقول: ابن عمر إنما صاحب النبيّ ﷺ وهو بالمدينة بعد ظهور الإسلام وقوّته، فترك الإنكار فيه دليل على عدم التحريم.
وقد استدلّ المجوزون بأدلة منها قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤)، ووجه التمسك بها أن الطيبات جمع محلى باللام فيشمل كل طيب، والطيب يطلق بإزاء المستلذّ وهو الأكثر المتبادر إلى الفهم عند التجرّد عن القرائن، ويطلق بإزاء الظاهر والحلال وصيغة العموم (٥) كلية تتناول كل فرد من أفراد العام فتدخل أفراد المعاني الثلاثة كلها، ولو قصرنا العامّ على بعض أفراده لكان قصره على المتبادر هو الظاهر.
وقد صرّح ابن عبد السلام في "دلائل الأحكام" أن المراد في الآية بالطيبات: المستلذّات.
ومن جملة ما استدل به المجوّزون ما سيأتي في الباب الذي بعد هذا وسيأتي الكلام عليه.
стр. 7221
ومن جملة ما قاله المجوّزون أنا لو حكمنا بتحريم اللهو لكونه لهوًا لكان جميع ما في الدنيا محرمًا لأنه لهو لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (١)، ويجاب بأنه لا حكم على جميع ما يصدق عليه مسمى اللهو لكونه لهوًا، بل الحكم بتحريم لهو خاصّ وهو لهو الحديث المنصوص عليه في القرآن، لكنه لما علل في الآية بعلة الإضلال عن سبيل الله لم ينتهض للاستدلال به على المطلوب.
وإذا تقرّر جميع ما حررناه من حجج الفريقين فلا يخفى على الناظر أن محلّ النزاع إذا خرج عن دائرة الحرام لم يخرج عن دائرة الاشتباه، والمؤمنون وقَّافون عند الشبهات كما صرّح به الحديث الصحيح (٢): "ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه"، ولا سيما إذا كان مشتملاً على ذكر القدود والخدود، والجمال والدلال، والهجر والوصال، ومعاقرة العقار (٣)، وخلع العذار (٤) والوقار، فإنَّ سامع ما كان كذلك لا يخلو عن بلية وإن كان من التصلب في ذات الله على حدّ يقصر عنه الوصف، وكم لهذه الوسيلة الشيطانية من قتيل دمه مطلول، وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول، نسأل الله السداد والثبات.
ومن أراد الاستيفاء للبحث في هذه المسئلة فعليه بالرسالة التي سميتها: (إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع) (٥).
стр. 7222
[الباب التاسع] بابُ ضَرْبِ النِّساءِ بالدُّف لقدُومِ الغائبِ وما في معناهُ
٥٢/ ٣٥٦٦ - (عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ في بَعْضِ مَغازِيه، فَلَمَّا انْصَرَفَ جاءَتْ جارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ الله إني كُنْتُ نَذَرْتُ إنْ رَدَّكَ الله صَالحاً أنْ أضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأتَغَنَّى، قالَ لَهَا: "إنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فاضْرِبي وَإِلَّا فَلَا"، فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِها ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطانَ لَيَخافُ مِنْكَ يا عُمَرُ، إِني كُنْتُ جالِساً وَهِيَ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أنتَ يا عُمَرُ ألْقَتِ الدُّفَّ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ) (٢). [صحيح]
الحديث أخرجه أيضاً ابن حبان (٣) والبيهقي (٤).
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو عند أبي داود (٥).
وعن عائشة عند الفاكهاني في "تاريخ (٦) مكة" بسند صحيح.
وقد استدل المصنف بحديث الباب على جواز ما دلّ عليه الحديث عند القدوم من الغيبة.
стр. 7223
والقائلون بالتحريم يخصون مثل ذلك من عموم الأدلة الدالة على المنع.
وأما المجوزون فيستدلون به على مطلق الجواز لما سلف.
وقد دلت الأدلة على أنه لا نذر في معصية الله، فالإذن منه ﷺ لهذه المرأة بالضرب يدل على أن ما فعلته ليس بمعصية في مثل ذلك الموطن.
وفي بعض ألفاظ الحديث أنه قال لها: "أوفي بنذرك"، ومن جملة مواطن التخصيص للهو في العرسات، وقد تقدمت الأحاديث في ذلك في كتاب الوليمة من كتاب النكاح (١).
ومن مواطن التخصيص أيضاً في الأعياد لما في الصحيحين (٢) من حديث عائشة قالت: "دخل عليّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيانني بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: مزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد، فقال: يا أبا بكر لكل قوم عيد وهذا عيدنا".
وروى المبرّد (٣) والبيهقي في "المعرفة" (٤) عن عمر أنه إذا كان داخلاً في بيته ترنم بالبيت والبيتين.
ورواه المعافى النهرواني في كتاب "الجليس والأنيس" وابن منده في "المعرفة" في ترجمة أسلم الحادي.
وأخرج النسائيّ (٥) "أنه ﷺ قال لعبد الله بن رواحة: حرّك بالقوم، فاندفع يرتجز".
تم ولله الحمد والمنة الجزء الرابع عشر من نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار ويليه الجزء الخامس عشر منه وأوله:
الكتاب الحادي والأربعون: كتاب الأطعمة والصيد والذبائح
стр. 7224
الكتاب الحادي والأربعون: كتاب الأطعمة، والصيد، والذبائح
أولًا: أبواب الأطعمة:
الباب الأول: باب في أن الأصل في الأعيان والأشياء الإباحة، إلى أن يرد منع أو إلزام.
الباب الثاني: باب ما يباح من الحيوان الإنسي.
الباب الثالث: باب النهي عن الحمر الإنسية.
الباب الرابع: باب تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير.
الباب الخامس: باب ما جاء في الهر والقنفذ.
الباب السادس: باب ما جاء في الضب.
لباب السابع: باب ما جاء في الضبع والأرنب.
الباب الثامن: باب ما جاء في الجلالة.
الباب التاسع: باب ما استفيد تحريمه من الأمر بقتله، أو النهي عن قتله.
ثانيًا: أبواب الصيد:
الباب الأول: باب ما يجوز فيه اقتناء الكلب، وقتل الكلب الأسود البهيم.
الباب الثاني: باب ما جاء في صيد الكلب المعلم والبازي ونحوهما.
الباب الثالث: باب ما جاء فيما إذا أكل الكلب من الصيد.
الباب الرابع: باب وجوب التسمية.
الباب الخامس: باب الصيد بالقوس وحكم الرمية إذا غابت أو وقعت في ماء.
الباب السادس: باب النهي عن الرمي بالبندق وما في معناه.
стр. 7225
ثالثًا: أبواب الذبح:
الباب الأول: باب الذبح وما يجب له وما يستحب.
الباب الثاني: باب ذكاة الجنين بذكاة أمه.
الباب الثالث: باب أن ما أُبين من حي فهو ميتة.
الباب الرابع: باب ما جاء في السمك والجراد وحيوان البحر.
الباب الخامس: باب الميتة للمضطر.
الباب السادس: باب النهي أن يؤكل طعام الإنسان بغير إذنه.
الباب السابع: باب ما جاءَ من الرخصة في ذلك لابن السبيل إذا لم يكن حائط ولم يتخذ خبنة.
الباب الثامن: باب ما جاءَ في الضيافة.
الباب التاسع: باب الأدهان تصيبها النجاسة.
الباب العاشر: باب آداب الأكل.
الكتاب الثاني والأربعون: كتاب الأشربة
الباب الأول: باب تحريم الخمر ونسخ إباحتها المتقدمة.
الباب الثاني: باب ما يتخذ منه الخمر، وأن كل مسكر حرام.
الباب الثالث: باب الأوعية المنهي عن الانتباذ فيها ونسخ تحريم ذلك.
الباب الرابع: باب ما جاءَ في الخليطين.
الباب الخامس: باب النهي عن تخليل الخمر.
الباب السادس: باب شرب العصير ما لم يغل أو يأت عليه ثلاث، وما طبخ قبل غليانه فذهب ثلثاه.
الباب السابع: باب آداب الشرب.
الكتاب الثالث والأربعون كتاب الطب
الباب الأول: باب إباحة التداوي وتركه.
стр. 7226
الباب الثاني: باب ما جاءَ في التداوي بالمحرمات.
الباب الثالث: باب ما جاءَ في الكي.
الباب الرابع: باب ما جاءَ في الحجامة وأوقاتها.
الباب الخامس: باب ما جاءَ في الرقى والتمائم.
الباب السادس: باب الرقية من العين والاستغسال منها.
الكتاب الرابع والأربعون: كتاب الأيمان وكفارتها
الباب الأول: باب الرجوع في الأيمان وغيرها من الكلام إلى النية.
الباب الثاني: باب من حلف فقال: إن شاءَ الله.
الباب الثالث: باب من حلف لا يهدي هدية فتصدق.
الباب الرابع: باب من حلف لا يأكل إداماً بماذا يحنث؟
الباب الخامس: باب أن من حلف أنه لا مال له يتناول الزكاتي وغيره.
الباب السادس: باب من حلف عند رأس الهلال لا يفعل شيئاً شهراً، فكان ناقصًا.
الباب السابع: بابُ الحلف بأسماء الله وصفاته، والنهي عن الحلف بغير الله تعالى.
الباب الثامن: باب ما جاءَ في وأيم الله، ولعمر الله، وأقسم بالله، وغير ذلك.
الباب التاسع: باب الأمر بإبرار القسم والرخصة في تركه للعذر.
الباب العاشر باب ما يذكر فيمن قال: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا.
الباب الحادي عشر: باب ما جاءَ في اليمين الغموس ولغو اليمين.
الباب الثاني عشر: باب اليمين على المستقبل وتكفيرها قبل الحنث وبعده.
الكتاب الخامس والأربعون: كتاب النذر
الباب الأول: باب نذر الطاعة مطلقًا ومعلقاً بشرط.
стр. 7227
الباب الثاني: باب ما جاءَ في نذر المباح والمعصية وما أخرج مخرج اليمين.
الباب الثالث: باب من نذر نذرًا لم يسمّ ولا يطيقه.
الباب الرابع: باب من نذر وهو مشرك ثم أسلم، أو نذر ذبحاً في موضع معين.
الباب الخامس: باب ما يذكر فيمن نذر الصدقة بماله كله.
الباب السادس: باب ما يجزي من عليه عتق رقبة مؤمنة بنذر أو غيره.
الباب السابع: باب أن من نذر الصلاة في المسجد الأقصى أجزأه أن يصلي في مسجد مكة والمدينة.
الباب الثامن: باب قضاء كل المنذورات عن الميت.
الكتاب السادس والأربعون: كتاب الأقضية والأحكام
الباب الأول: باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرهما.
الباب الثاني: باب كراهية الحرص على الولاية وطلبها.
الباب الثالث: باب التشديد في الولايات وما يخشى على من لم يقم بحقها دون القائم به.
الباب الرابع: باب المنع من ولاية المرأة والصبي ومن لا يحسن القضاءَ أو يضعف عن القيام بحقه.
الباب الخامس: باب تعليق الولاية بالشرط.
الباب السادس: باب نهي الحاكم عن الرشوة واتخاذ حاجب لبابه في مجلس حكمه.
الباب السابع: باب ما يلزم اعتماده في أمانة الوكلاء والأعوان.
الباب الثامن: باب النهي عن الحكم في حال الغضب إلا أن يكون يسيراً لا يشغل.
الباب التاسع: باب جلوس الخصمين بين يدي الحاكم والتسوية بينهما.
стр. 7228
الباب العاشر: باب ملازمة الغريم إذا ثبت عليه الحق وإعداء الذمي على المسلم.
الباب الحادي عشر: باب الحاكم يشفع للخصم ويستوضع له.
الباب الثاني عشر: باب إن حكم الحاكم ينفذ ظاهراً لا باطناً.
الباب الثالث عشر: باب ما يذكر في ترجمة الواحد.
الباب الرابع عشر: باب الحكم بالشاهد واليمين.
الباب الخامس عشر: باب ما جاءَ في امتناع الحاكم من الحكم بعلمه.
الباب السادس عشر: باب من لا يجوز الحكم بشهادته.
الباب السابع عشر: باب ما جاءَ في شهادة أهل الذمة بالوصية في السفر.
الباب الثامن عشر: باب الثناء على من أعلم صاحب الحق بشهادة له عنده وذمّ من أدّى شهادة من غير مسألة.
الباب التاسع عشر: باب التشديد في شهادة الزور.
الباب العشرون: باب تعارض البينتين والدعوتين.
الباب الحادي والعشرون: باب استحلاف المنكر إذا لم تكن بينة، وأنَّه ليس للمدّعي الجمع بينهما.
الباب الثاني والعشرون: باب استحلاف المدعى عليه في الأموال والدماء وغيرهما.
الباب الثالث والعشرون: باب التشديد في اليمين الكاذبة.
الباب الرابع والعشرون: باب الاكتفاء في اليمين بالحلف بالله وجواز تغليظها باللفظ والمكان والزمان.
الباب الخامس والعشرون: باب ذم من حلف قبل أن يستحلف.
стр. 7229
[الكتاب الحادي والأربعون] كتاب الأطعمَةِ والصَّيْدِ والذبائح
[أولًا: أبواب الأطعمة]
[الباب الأول] بابٌ في أنَّ الأصلَ في الأعيانِ والأشياءِ الإِباحةُ إلى أنْ يَرِدَ مَنْعٌ أَوْ إِلْزَامٌ
١/ ٣٥٦٧ - (عَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إنَّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ فِي المُسْلِمِينَ جُرْماً، مَنْ سألَ عَنْ شَيْء لمَ يَحْرُمْ على النَّاسِ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسألَتِهِ") (١) [صحيح]
٢/ ٣٥٦٨ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فإنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ على أنْبِيَائِهِمْ، فإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيء فاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بأمْرٍ فأتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما) (٢). [صحيح]
٣/ ٣٥٦٩ - (وَعَنْ سَلْمَانَ الفارِسِيّ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ السَّمْنِ وَالجُبْنِ وَالفَراءِ، فَقالَ: "الحَلالُ ما أَحَلَّ الله في كتابِهِ، وَالحَرَامُ ما حَرَّمَ الله في كتابِهِ، ومَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ ممَّا عَفا لَكُمْ"، رَوَاهُ ابْنُ (٣) مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ) (٤). [حسن]
٤/ ٣٥٧٠ - (وَعَنْ عَلِيّ قالَ: لمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ
стр. 7230
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) قالُوا: يا رَسُولَ الله في كُلّ عامٍ؟ فَسَكَتَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ الله في كُلّ عامٍ؟ قالَ: "لا، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ"، فأنْزَلَ الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٢)، رَوَاة أحْمَدُ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ (٤) وَقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). [صحيح]
حديث سلمان قيل: إنه لم يوجد في سنن الترمذي، ويدلّ على ذلك أنه روى صاحب جامع الأصول (٥) شطراً منه من قوله: "الحلال ما أحلّ الله … " إلخ، ولم ينسبه إلى الترمذي بل بيض له، ولكنه قد عزاه الحافظ في الفتح (٦) في (باب ما يكره من كثرة السؤال) إلى الترمذي كما فعله المصنف ﵀.
والحديث أورده الترمذي (٧) في كتاب اللباس، وبوّب له باب (ما جاء في لباس الفراء). وأخرجه أيضاً الحاكم (٨) في المستدرك، وقد ساقه ابن ماجه (٩) بإسناد فيه سيف بن هارون البرجمي وهو ضعيف متروك (١٠).
وحديث عليّ أخرجه أيضاً الحاكم (١١) وهو منقطع كما قال الحافظ (١٢)، وصورة إسناده في الترمذي (١٣) قال: حدثنا أبو سعيد الأشجّ، حدثنا منصور بن
стр. 7231
زاذان عن عليّ بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البختري، عن عليّ … فذكره.
قال أبو عيسى الترمذي (١): حديث علي حديث غريب، واسم أبي البختري سعيد بن أبي عمران وهو سعيد بن فيروز. انتهى.
وفي الباب عن ابن عباس (٢) وأبي هريرة (٣) وقد تقدما في أول كتاب الحج (٤).
وفي الباب أحاديث ساقها البخاري (٥) في (باب: ما يكره من كثرة السؤال).
وأخرج البزار (٦) وقال: سنده صالح، والحاكم (٧) وصححه من حديث أبي الدرداء رفعه بلفظ: "ما أحلّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً. وتلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ (٨) ".
وأخرج الدارقطني (٩) من حديث أبي ثعلبة رفعه: "إن الله فرض فرائض فلا
стр. 7232
تضيعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها".
وأخرج مسلم (١) من حديث أنس وأصله في البخاري (٢) قال: "كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء" الحديث.
وفي البخاري (٣) من حديث ابن عمر: "فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها". وأخرج أحمد (٤) عن أبي أمامة قال: "لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (٥) الآية، كنا قد اتقينا أن نسأله ﷺ " الحديث.
والراجح في تفسير الآية أنها نزلت في النهي عن [كثرة] (٦) المسائل عما كان وعما لم يكن، وقد أنكر ذلك جماعة من أهل العلم منهم القاضي أبو بكر بن العربي (٧) فقال: اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع تعلقاً بهذه الآية، وليس كذلك، لأنها مصرّحة بأن المنهي عنه ما تقع المساءة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك.
قال الحافظ (٨): وهو كما قال، إلا أن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي.
ويؤيده حديث سعد (٩) المذكور في أول الباب، لأنَّه قد أمن من وقوع التحريم لأجل المسألة، ولكن ليس الظاهر ما قاله ابن العربي من الاختصاص، لأن المساءة مجوّزة في السؤال عن كل أمر لم يقع.
وأما ما ثبت في الأحاديث من وقوع المسائل من الصحابة فيحتمل أن ذلك قبل نزول الآية.
стр. 7233
ويحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرّر حكمه كبيان ما أجمل أو نحو ذلك مما وقعت عنه المسائل.
وقد وردت عن الصحابة آثار كثيرة في المنع من ذلك ساقها الدارمي في أوائل مسنده (١).
(منها): عن زيد (٢) بن ثابت أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول: هل كان هذا؟ فإن قيل: لا، قال: دعوه حتى يكون.
قال في الفتح (٣): والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نصّ على قسمين:
(أحدهما): أن يبحث عن دخوله في دلالة النصّ على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب لا مكروه، بل ربما كان فرضاً على من تعين عليه من المجتهدين.
(ثانيهما): أن يدقق النظر في وجوه الفرق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس بأن يجمع بين مفترقين لوصف طردي مثلاً، فهذا الذي ذمه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه: "هلك المتنطعون" أخرجه مسلم (٤). فرأوا: أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، ومثله: الإكثار من التفريع على مسألةٍ لا أصل لها في الكتاب، ولا
стр. 7234
السنة، ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جداً فيصرف فيها زماناً كان صرفه في غيرها أولى، ولا سيما إن لزم من ذلك المقال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه.
وأشد من ذلك في كثرة السؤال البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها.
ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحسّ كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث.
وأشدّ من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشكّ والحيرة، كما صحّ من حديث أبي هريرة رفعه عند البخاري (١) وغيره: "لا يزال الناس يتساءلون: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله".
قال الحافظ (٢): فمن سدّ باب المسائل، حتى فاته كثير مِن الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقلّ فهمه وعلمه، ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها، ولا سيما فيما يقلّ وقوعه أو يندر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذمّ فعله، وهو عين الذي كرهه السلف.
ومن أمعن البحث عن معاني كتاب الله تعالى، محافظاً على ما جاء في تفسيره عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة الذين شاهدوا التنزيل، وحصّل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصراً على ما يصلح للحجة فيها، فإنه الذي يحمد، وينفع وينتفع به.
وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمَنْ بعدهم، حتى حدثت الطائفة الثانية، فعارضتها الطائفة الأولى، فكثر بينهم المراء والجدال، وتولدت البغضاء، وهم من أهل دين واحد، والوسط هو المعتدل من كل شيء، وإلى ذلك يشير قوله ﷺ في الحديث المذكور في الباب (٣): "فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم".
стр. 7235
فإن الاختلاف يجرّ إلى عدم الانقياد، وهذا كله من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم.
وأما العمل بما ورد في الكتاب والسنة والتشاغل به، فقد وقع الكلام في أيهما أولى: يعني هل العلم أو العمل والإنصاف أن يقال: كل ما زاد على ما هو في حقّ المكلف فرض عين.
فالناس فيه على قسمين: من وجد من نفسه قوّة على الفهم والتحرير، فتشاغله بذلك أولى من إعراضه عنه، وتشاغله بالعبادة لما فيه من النفع المتعدي، ومن وجد من نفسه قصوراً، فإقباله على العبادة أولى به لعسر اجتماع الأمرين، فإنَّ الأوّل لو ترك العلم لأوشك على أن يضيع بعض الأحكام بإعراضه.
والثاني لو أقبل على العلم وترك العبادة فاته الأمران، لعدم حصول الأوّل له، وإعراضه عن الثاني. انتهى.
قوله: (إنَّ أعظم المسلمين … إلخ) هذا لفظ مسلم (١)، ولفظ البخاري (٢): "إن أعظم الناس جرماً".
قال الطيبي (٣): فيه من المبالغة: أنه جعله عظيماً، ثم فسره بقوله: "جرمًا"؛ ليدلّ على أنه نفسه جرم، قال: وقوله: "في المسلمين"، أي: في حقهم.
قوله: (فحُرّم) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء.
قال ابن بطال (٤) عن المهلب: ظاهر الحديث يتمسك به القدرية في أن الله يفعل شيئاً من أجل شيء وليس كذلك، بل هو على كل شيء قدير، فهو فاعل السبب والمسبب، ولكن الحديث محمول على التحذير مما ذكر، فعظم جرم من فعل ذلك لكثرة الكارهين لفعله.
وقال غيره (٥): أهل السنة لا ينكرون إمكان التعليل (٦) وإنما
стр. 7236
ينكرون وجوبه فلا يمتنع أن يكون الشيء الفلاني تتعلق به الحرمة إن سئل عنه، فقد سبق القضاء بذلك إلا أن السؤال علة للتحريم.
وقال ابن التين (١): قيل: الجرم اللاحق به إلحاق المسلمين المضرّة لسؤاله، وهي منعهم التصرّف فيما كان حلالاً قبل مسألته.
وقال القاضي عياض (٢): المراد بالجرم هنا: الحدث على المسلمين، لا الذي هو بمعنى الإثم المعاقب عليه، لأن السؤال كان مباحا، ولهذا قال: "سلوني".
وتعقبه النووي (٣) فقال: هذا الجواب ضعيف أو باطل. والصواب الذي قاله الخطابي (٤) والتيمي (٥) وغيرهما أن المراد بالجرم: الإثم، والذنب حملوه على من سأل تكلفاً وتعنتاً فيما لا حاجة له به إليه، وسبب تخصيصه ثبوت الأمر بالسؤال عما يحتاج إليه بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (٦)، فمن سأل عن نازلة وقعت له لضرورته إليها فهو معذور فلا إثم عليه ولا عتب، فكل من الأمر بالسؤال والزجر عنه مخصوص بجهة غير الأخرى.
قال: ويؤخذ منه أن من عمل شيئاً أضرّ به غيره كان آثماً.
وأورد الكرماني (٧) على الحديث سؤالاً فقال: السؤال ليس بجريمة، ولئن كان فليس بكبيرة، ولئن كان فليس بأكبر الكبائر.
وأجاب أن السؤال عن الشيء بحيث يصير سبباً لتحريم شيء مباح هو أعظم الجرم؛ لأنَّه صار سبباً لتضييق الأمر على جميع المكلفين، فالقتل مثلاً كبيرة ولكن مضرّته راجعة إلى المقتول وحده، أو إلى من هو منه بسبيل بخلاف صورة المسألة فضررها عامّ للجميع. انتهى.
стр. 7237
وقد روي ما يدلّ على أنه قد وقع في زمنه ﷺ من المسائل ما كان سبباً لتحريم الحلال.
أخرج البزار (١) عن سعد بن أبي وقاص قال: "كان الناس يتساءلون عن الشيء من الأمر فيسألون النبيّ ﷺ وهو حلال، فلا يزالون يسألون النبيّ ﷺ حتى يحرم عليهم".
قوله: (ذروني) في رواية للبخاري (٢): "دعوني"، ومعناهما واحد.
قوله: (ما تركتكم) أي: مدّة تركي إياكم بغير أمر بشيء ولا نهي عن شيءٍ. قال [ابن فَرْح] (٣): معناه لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجهٍ ما ظاهره، ولو كانت صالحة لغيره، كما أنَّ قوله: "حجوا" وإن كان صالحاً للتكرار فينبغي أن يكتفي بما يصدق عليه اللفظ، وهو [المرَّة] (٤)، فإن الأصل عدم الزيادة، ولا يكثر التعنت عن ذلك، فإنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل في البقرة.
قوله: (واختلافهم) يجوز فيه الرفع والجرّ.
قوله: (فإذا نهيتكم) هذا النهي عامّ في جميع المناهي، ويستثنى من ذلك ما يكره المكلف على فعله، وإليه ذهب الجمهور، وخالف قوم فتمسكوا بالعموم فقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يبيحها.
стр. 7238
قوله: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) أي: اجعلوه قدر استطاعتكم.
قال النووي (١): هذا من جوامع الكلم وقواعد الإسلام، ويدخل فيه كثير من الأحكام، كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط فيأتي بالمقدور، وكذا الوضوء وستر العورة، وحفظ بعض الفاتحة، وإخراج بعض زكاة الفطر لمن لم يقدر على الكل، والإمساك في رمضان لمن أفطر بالعذر ثم قدر في أثناء النهار، إلى غير ذلك من المسائل التي يطول شرحها، واستدلّ به على أن من أُمر بشيء فعجز عن بعضه ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه، وبذلك استدلّ المزني على أن ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه، ومن ثم كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد.
واستدلّ بهذا الحديث على أن اعتناء الشارع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات، لأنَّه أطلق الاجتناب في المنهيات ولو مع المشقة في الترك، وقيد في المأمورات بالاستطاعة، وهذا منقول عن الإمام أحمد (٢).
فإن قيل: إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضاً إذ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣).
فجوابه أن الاستطاعة تطلق باعتبارين، كذا قيل.
قال الحافظ (٤): والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدلّ على المدعى من الاعتبار، بل هو من جهة الكف، إذ كل واحد قادر على الكف لولا داعية الشهوة مثلاً، فلا يتصوّر عدم الاستطاعة من الكف، بل كل مكلف قادر على الترك بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثم قيد في الأمر بحسب الاستطاعة دون النهي، قال [ابن فَرْح] (٥) في "شرح الأربعين" (٦): إن
стр. 7239
الأمر بالاجتناب على إطلاقه حتى يوجد ما يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة وشرب الخمر عند الإكراه.
والأصل في ذلك جواز التلفظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنًا بالإيمان كما نطق به القرآن.
قال الحافظ (١): والتحقيق أن المكلف في كل ذلك ليس منهيًا في تلك الحال.
وقال الماوردي (٢): إن الكفّ عن المعاصي ترك وهو سهل، وعمل الطاعة فعل وهو شاق، فلذلك لم يبح ارتكاب المعصية ولو مع العذر لأنَّه ترك، والترك لا يعجز المعذور عنه، وادعى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) يتناول امتثال المأمور واجتناب المنهي، وقد قيد بالاستطاعة فاستويا، وحينئذ تكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي أن العجز يكثر تصوره في الأمر بخلاف النهي، فإن تصوّر العجز فيه محصور في الاضطرار وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٤) وهو مضطر، ولا يرد الإكراه لأنَّه مندرج في الاضطرار.
وزعم بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٥) نسخ بقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٦).
قال الحافظ (٧): والصحيح أنه لا نسخ بل المراد بحقِّ تقاته: امتثال أمره واجتناب نهيه مع القدرة لا مع العجز.
قوله: (الفَراء) بفتح الفاء مهموز: حمار الوحش كذا في مختصر النهاية (٨)،