← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 7235–7274 · переход к 7240.

стр. 7235

فإن الاختلاف يجرّ إلى عدم الانقياد، وهذا كله من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم. وأما العمل بما ورد في الكتاب والسنة والتشاغل به، فقد وقع الكلام في أيهما أولى: يعني هل العلم أو العمل والإنصاف أن يقال: كل ما زاد على ما هو في حقّ المكلف فرض عين. فالناس فيه على قسمين: من وجد من نفسه قوّة على الفهم والتحرير، فتشاغله بذلك أولى من إعراضه عنه، وتشاغله بالعبادة لما فيه من النفع المتعدي، ومن وجد من نفسه قصوراً، فإقباله على العبادة أولى به لعسر اجتماع الأمرين، فإنَّ الأوّل لو ترك العلم لأوشك على أن يضيع بعض الأحكام بإعراضه. والثاني لو أقبل على العلم وترك العبادة فاته الأمران، لعدم حصول الأوّل له، وإعراضه عن الثاني. انتهى. قوله: (إنَّ أعظم المسلمين … إلخ) هذا لفظ مسلم (١)، ولفظ البخاري (٢): "إن أعظم الناس جرماً". قال الطيبي (٣): فيه من المبالغة: أنه جعله عظيماً، ثم فسره بقوله: "جرمًا"؛ ليدلّ على أنه نفسه جرم، قال: وقوله: "في المسلمين"، أي: في حقهم. قوله: (فحُرّم) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء. قال ابن بطال (٤) عن المهلب: ظاهر الحديث يتمسك به القدرية في أن الله يفعل شيئاً من أجل شيء وليس كذلك، بل هو على كل شيء قدير، فهو فاعل السبب والمسبب، ولكن الحديث محمول على التحذير مما ذكر، فعظم جرم من فعل ذلك لكثرة الكارهين لفعله. وقال غيره (٥): أهل السنة لا ينكرون إمكان التعليل (٦) وإنما

стр. 7236

ينكرون وجوبه فلا يمتنع أن يكون الشيء الفلاني تتعلق به الحرمة إن سئل عنه، فقد سبق القضاء بذلك إلا أن السؤال علة للتحريم. وقال ابن التين (١): قيل: الجرم اللاحق به إلحاق المسلمين المضرّة لسؤاله، وهي منعهم التصرّف فيما كان حلالاً قبل مسألته. وقال القاضي عياض (٢): المراد بالجرم هنا: الحدث على المسلمين، لا الذي هو بمعنى الإثم المعاقب عليه، لأن السؤال كان مباحا، ولهذا قال: "سلوني". وتعقبه النووي (٣) فقال: هذا الجواب ضعيف أو باطل. والصواب الذي قاله الخطابي (٤) والتيمي (٥) وغيرهما أن المراد بالجرم: الإثم، والذنب حملوه على من سأل تكلفاً وتعنتاً فيما لا حاجة له به إليه، وسبب تخصيصه ثبوت الأمر بالسؤال عما يحتاج إليه بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (٦)، فمن سأل عن نازلة وقعت له لضرورته إليها فهو معذور فلا إثم عليه ولا عتب، فكل من الأمر بالسؤال والزجر عنه مخصوص بجهة غير الأخرى. قال: ويؤخذ منه أن من عمل شيئاً أضرّ به غيره كان آثماً. وأورد الكرماني (٧) على الحديث سؤالاً فقال: السؤال ليس بجريمة، ولئن كان فليس بكبيرة، ولئن كان فليس بأكبر الكبائر. وأجاب أن السؤال عن الشيء بحيث يصير سبباً لتحريم شيء مباح هو أعظم الجرم؛ لأنَّه صار سبباً لتضييق الأمر على جميع المكلفين، فالقتل مثلاً كبيرة ولكن مضرّته راجعة إلى المقتول وحده، أو إلى من هو منه بسبيل بخلاف صورة المسألة فضررها عامّ للجميع. انتهى.

стр. 7237

وقد روي ما يدلّ على أنه قد وقع في زمنه ﷺ من المسائل ما كان سبباً لتحريم الحلال. أخرج البزار (١) عن سعد بن أبي وقاص قال: "كان الناس يتساءلون عن الشيء من الأمر فيسألون النبيّ ﷺ وهو حلال، فلا يزالون يسألون النبيّ ﷺ حتى يحرم عليهم". قوله: (ذروني) في رواية للبخاري (٢): "دعوني"، ومعناهما واحد. قوله: (ما تركتكم) أي: مدّة تركي إياكم بغير أمر بشيء ولا نهي عن شيءٍ. قال [ابن فَرْح] (٣): معناه لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجهٍ ما ظاهره، ولو كانت صالحة لغيره، كما أنَّ قوله: "حجوا" وإن كان صالحاً للتكرار فينبغي أن يكتفي بما يصدق عليه اللفظ، وهو [المرَّة] (٤)، فإن الأصل عدم الزيادة، ولا يكثر التعنت عن ذلك، فإنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل في البقرة. قوله: (واختلافهم) يجوز فيه الرفع والجرّ. قوله: (فإذا نهيتكم) هذا النهي عامّ في جميع المناهي، ويستثنى من ذلك ما يكره المكلف على فعله، وإليه ذهب الجمهور، وخالف قوم فتمسكوا بالعموم فقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يبيحها.

стр. 7238

قوله: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) أي: اجعلوه قدر استطاعتكم. قال النووي (١): هذا من جوامع الكلم وقواعد الإسلام، ويدخل فيه كثير من الأحكام، كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط فيأتي بالمقدور، وكذا الوضوء وستر العورة، وحفظ بعض الفاتحة، وإخراج بعض زكاة الفطر لمن لم يقدر على الكل، والإمساك في رمضان لمن أفطر بالعذر ثم قدر في أثناء النهار، إلى غير ذلك من المسائل التي يطول شرحها، واستدلّ به على أن من أُمر بشيء فعجز عن بعضه ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه، وبذلك استدلّ المزني على أن ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه، ومن ثم كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد. واستدلّ بهذا الحديث على أن اعتناء الشارع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات، لأنَّه أطلق الاجتناب في المنهيات ولو مع المشقة في الترك، وقيد في المأمورات بالاستطاعة، وهذا منقول عن الإمام أحمد (٢). فإن قيل: إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضاً إذ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). فجوابه أن الاستطاعة تطلق باعتبارين، كذا قيل. قال الحافظ (٤): والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدلّ على المدعى من الاعتبار، بل هو من جهة الكف، إذ كل واحد قادر على الكف لولا داعية الشهوة مثلاً، فلا يتصوّر عدم الاستطاعة من الكف، بل كل مكلف قادر على الترك بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثم قيد في الأمر بحسب الاستطاعة دون النهي، قال [ابن فَرْح] (٥) في "شرح الأربعين" (٦): إن

стр. 7239

الأمر بالاجتناب على إطلاقه حتى يوجد ما يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة وشرب الخمر عند الإكراه. والأصل في ذلك جواز التلفظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنًا بالإيمان كما نطق به القرآن. قال الحافظ (١): والتحقيق أن المكلف في كل ذلك ليس منهيًا في تلك الحال. وقال الماوردي (٢): إن الكفّ عن المعاصي ترك وهو سهل، وعمل الطاعة فعل وهو شاق، فلذلك لم يبح ارتكاب المعصية ولو مع العذر لأنَّه ترك، والترك لا يعجز المعذور عنه، وادعى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) يتناول امتثال المأمور واجتناب المنهي، وقد قيد بالاستطاعة فاستويا، وحينئذ تكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي أن العجز يكثر تصوره في الأمر بخلاف النهي، فإن تصوّر العجز فيه محصور في الاضطرار وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٤) وهو مضطر، ولا يرد الإكراه لأنَّه مندرج في الاضطرار. وزعم بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٥) نسخ بقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٦). قال الحافظ (٧): والصحيح أنه لا نسخ بل المراد بحقِّ تقاته: امتثال أمره واجتناب نهيه مع القدرة لا مع العجز. قوله: (الفَراء) بفتح الفاء مهموز: حمار الوحش كذا في مختصر النهاية (٨)،

стр. 7240

ولكن تبويب الترمذي (١) الذي ذكرناه سابقاً يدل على أن الفِراء بكسر الفاء جمع فرو. قوله: (الحلال ما أحلّ الله في كتابه … إلخ)، المراد من هذه العبارة وأمثالها مما يدلّ على حصر التحليل والتحريم على الكتاب العزيز هو باعتبار اشتماله على جميع الأحكام ولو بطريق العموم أو الإشارة، أو باعتبار الأغلب لحديث: "إني أوتيت القرآن ومثله معه" (٢)، وهو حديث صحيح. قوله: (وعن عليّ … إلخ) قد تقدم الكلام على ما اشتمل عليه حديث عليّ في أول كتاب الحجّ (٣). [الباب الثاني] باب ما يباح من الحيوان الإنسي ٥/ ٣٥٧١ - (عَنْ جابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذنَ في لُحُومِ الخَيْلِ. مُتَّفَق عَلَيْه (٤). [صحيح] وَهُوَ للنَّسَائي (٥) وأبي دَاوُدَ (٦). [صحيح] وفي لَفْظٍ: أطْعَمَنا رَسُولُ الله ﷺ لُحُومَ الخَيْلِ، وَنهانا عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ. رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ (٧) وَصَحَّحَهُ. [صحيح]

стр. 7241

وفي لَفْظٍ: "سَافرْنا؛ يَعْنِي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَكُنَّا نأكُلُ لُحُومَ الخَيْلِ وَنَشْرَبُ ألْبانَها. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) (١). ٦/ ٣٥٧٢ - (وَعَنْ أسَماءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ قالَتْ: ذَبَحْنا على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَرَساً وَنَحْنُ بالمَدِينَةِ فأكَلْناهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). وَلَفْظُ أحْمَدَ: ذَبَحْنا فَرَساً على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فأكَلْناهُ نَحْنُ وَأهْلُ بَيْتِهِ). [صحيح]. ٧/ ٣٥٧٣ - (وَعَنْ أبي مُوسَى قالَ: رأيْت رَسُولَ الله ﷺ يأكُلُ لَحْمَ دَجاجٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] قوله: (نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية) فيه دليل على تحريمها، وسيأتي الكلام على ذلك. قوله: (وأذن في لحوم الخيل) استدلّ به القائلون بحلّ أكلها. قال الطحاوي (٤): ذهب أبو حنيفة (٥) إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه وغيرهما. واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، ولو كان ذلك مأخوذاً من طريق النظر لما كان بين الخيل والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار إذا صحَّت عن رسول الله ﷺ أولى أن نقول بها مما يوجبه النظر، ولا سيما وقد أخبر جابر "أنه ﷺ أباح لهم لحوم الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر". فدلّ ذلك على اختلاف حكمهما.

стр. 7242

قال الحافظ (١): وقد نقل الحلّ بعض التابعين عن الصحابة من غير استثناء أحد؛ فأخرج ابن أبي شيبة (٢) بسند صحيح على شرط الشيخين عن عطاء أنه قال لابن جريج: لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريج: قلت: أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم. وأما ما نقل في ذلك عن ابن عباس من كراهتها، فأخرجه ابن أبى شيبة (٣) وعبد الرزاق (٤) بسندين ضعيفين. وسيأتي في الباب الذي بعد هذا عن ابن عباس (٥) أنه استدلّ لحلّ الحمر الأهلية بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية (٦)، وذلك يقوّي أنه من القائلين بالحلّ. وأخرج الدارقطني (٧) عنه بسند قوّي قال: "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل". قال في الفتح (٨): [وصحّ] (٩) القول بالكراهة عن الحكم بن عتيبة (١٠)، ومالك (١١) وبعض الحنفية (١٢)، وعن بعض المالكية (١٣) والحنفية (١٤) التحريم، قال [الفاكهاني] (١٥): المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم.

стр. 7243

وقد صحح صاحب المحيط (١) والهداية (٢) والذخيرة (٣) عن أبي حنيفة التحريم، وإليه ذهبت العترة كما حكاه في البحر (٤)، ولكنه حكى الحلّ عن زيد بن عليّ (٥). واستدلّ القائلون بالتحريم بما رواه الطحاوي (٦) وابن حزم (٧) من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر والخيل والبغال". قال الطحاوي (٨): أهل الحديث يضعفون عكرمة بن عمار. قال الحافظ (٩): لا سيما في يحيى بن أبي كثير، فإن عكرمة وإن كان مختلفاً في توثيقه قد أخرج له مسلم، لكن إنما أخرج له من غير روايته عن يحيى بن أبي كثير. وقال يحيى بن سعيد القطان: أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير ضعيفة. وقال البخاري: حديثه عن يحيى مضطرب. وقال النَّسَائِي: ليس به بأس إلا في يحيى. وقال أحمد: حديثه من غير

стр. 7244

إياس بن سلمة مضطرب (١). وعلى تقدير صحة هذه الطريق فقد اختلف على عكرمة فيها، فإن الحديث عند أحمد (٢) والترمذي (٣) من طريقه ليس فيه للخيل ذكر، وعلى تقدير أن يكون الذي زاده حفظه، فالروايات المتنوعة عن جابر المفصلة بين لحوم الخيل والحمر في الحكم أظهر اتصالاً وأتقن رجالاً وأكثر عدداً. ومن أدلتهم ما رواه في السنن (٤) من حديث خالد بن الوليد: "أن النبيّ ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الخيل". وتعقب بأنه شاذّ منكر لأن في سياقه "أنه شهد خيبر" (٥)، وهو خطأ، فإنه لم يُسلم إلا بعدها على الصحيح. وقد روي الحديث من طريق أخرى عن خالد وفيها مجهول. ولا يقال: إن جابر أيضاً لم يشهد خيبر كما أعلّ الحديث بذلك بعض الحنفية. لأنا نقول: ذلك ليس بعلة مع عدم التصريح بحضوره، فغايته أن يكون من مراسيل الصحابة.

стр. 7245

وأما الرواية الثانية عنه المذكورة في الباب: "أن النبيّ ﷺ أطعمهم لحوم الخيل". وفي الأخرى: "أنهم سافروا مع النبيّ ﷺ "، فليس في ذلك تصريح بأنه كان في خيبر، فيمكن أن يكون في غيرها، ولو فرضنا ثبوت حديث خالد وسلامته عن العلل لم ينتهض لمعارضة حديث جابر (١) وأسماء (٢) المتفق عليهما مع أنه قد ضعف حديث خالد أحمد (٣)، والبخاري، وموسى بن هارون، والدارقطني (٤)، والخطابي (٥)، وابن عبد البرّ (٦)، وعبد الحقّ (٧)، وآخرون. ومن جملة ما استدلّ به القائلون بالتحريم قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٨)، وقد تمسك بها [أكثر القائلين] (٩) بالتحريم، وقرّروا ذلك: بأن اللام للتعليل، فدلَّ على أنها لم تخلق لغير ذلك؛ لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها تقتضي خلاف الظاهر من الآية، وقرّروه أيضاً بأن العطف يشعر بالاشتراك في الحكم، وبأن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم. وأجيب إجمالاً: بأن الآية مكية اتفاقاً، والإذن كان بعد الهجرة، وأيضاً: ليست نصاً في منع الأكل، والحديث صريح في الحلِّ. وأجيب أيضاً تفصيلًا: بأنا لو سلمنا أنَّ اللام للعلة، لم نسلم إفادته الحصر في الركوب، والزينة، فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما وفي غير الأكل اتفاقاً، ونظير ذلك حديث البقرة المذكور في الصحيحين (١٠) حين خاطبت راكبها فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث، فإنه مع كونه أصرح في الحصر لكونه بإنما مع اللام لا يستدلّ به على تحريم أكلها، وإنما المراد الأغلب من المنافع، وهو الركوب في الخيل والتزين بها والحرث في البقر.

стр. 7246

وأيضاً يلزم المستدلّ بالآية أنه لا يجوز حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به. وأما الاستدلال بالعطف فغايته (دلالة الاقتران) (١)، وهي من الضعف بمكان. وأما الاستدلال بالامتنان، فهو باعتبار غالب المنافع. قوله: (ذبحنا فرساً)، لفظ البخاري (٢): "نحرنا فرساً"، وقد جمع بين الروايتين بحمل النحر على الذبح مجازًا، وقد وقع ذلك مرتين. قوله: (يأكل لحم دجاج) هو اسم جنس مثلث الدال ذكره المنذري (٣) وابن مالك (٤) وغيرهما، ولم يحك النووي أن ذلك مثلث، وقيل: إن الضم ضعيف. قال الجوهري (٥): دخلتها التاء للوجدة مثل الحمامة. وقال إبراهيم الحربي: إن الدجاجة بالكسر اسم للذكران دون الإناث والواحد منها ديك، وبالفتح الإناث دون [الذكر] (٦) والواحدة دجاجة بالفتح أيضاً، وفي القاموس (٧): والدجاجة معروف للذكر والأنثى وتثلث. اهـ، وقد تقدم نقله. وفي الحديث قصة: وهو أن رجلاً امتنع من أكل الدجاج وحلف على ذلك، فأفتاه أبو موسى بأنه يكفّر عن يمينه ويأكل، وقصّ له الحديث.

стр. 7247

[الباب الثالث] باب النَّهْي عَنِ الحُمُرِ الإِنسِيَّةِ ٨/ ٣٥٧٤ - (عَنْ أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيّ قالَ: حَرَّمَ رَسُولُ الله ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَزَادَ أحْمَدُ (٢): وَلحْمَ كُلّ ذي نابٍ مِنَ السِّباعِ). [صحيح] ٩/ ٣٥٧٥ - (وَعَنِ البَراء بْنِ عازِبٍ قالَ: نَهانا رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ نَضِيجاً وَنِيئاً) (٣). [صحيح] ١٠/ ٣٥٧٦ - (وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قالَ: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ أكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما) (٤). [صحيح] ١١/ ٣٥٧٧ - (وَعَنْ ابن أبي أوْفى قالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن لُحُومِ الحُمُرِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَالبُخَارِيُّ) (٦). [صحيح] ١٢/ ٣٥٧٨ - (وَعَنْ زَاهِرٍ الأسْلَمِيّ وَكانَ ممَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ قالَ: إني لأوقِدُ تَحتَ القُدُورِ بلُحُومِ الحُمُرِ إذْ نادَى مُنادٍ: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهاكُمْ عَنْ لُحُوم الحُمُرِ) (٧). ١٣/ ٣٥٧٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بن زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهى عَنِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، قالَ: قَدْ كانَ يَقُولُ ذلكَ الحَكَمُ بْنُ عَمرٍو الغِفارِيُّ عِنْدَنا بالبَصْرَةِ، وَلَكِنْ أبى ذلكَ البَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَرأ: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي

стр. 7248

مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (١)، رَوَاهُمَا البُخارِيُّ) (٢). ١٤/ ٣٥٨٠ - (وَعَن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ كُلَّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ والمُجَثَّمَةَ والحِمَارَ الإِنْسِيِّ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ) (٤). [صحيح] ١٥/ ٣٥٨١ - (وَعَنِ ابْنِ أبي أوْفَى قالَ: "أصابَتْنا مَجَاعَةٌ ليَالِي خَيْبَرَ؛ فَلَمَّا كانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنا في الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ فانْتَحَرناها، فَلَمَّا غَلَتْ بِها القُدُورُ نَادَى مُنادِي رَسُولِ الله ﷺ أن اكْفِئُوا القُدُورَ لا تأكُلُوا مِنْ لُحُومِ الحُمُرِ شَيْئاً، فَقالَ ناسٌ: إنَّمَا نَهَى عَنْها رَسُولُ الله ﷺ لأنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ؛ وَقالَ آخَرُونَ: نَهَى عَنْها الْبَتَّةَ. مُتَّفَقٌ (٥) عَلَيْهِ. [صحيح] وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيّ (٦) وَأنَسٍ (٧) وَقَدْ ذُكِرَا). قوله: (الإنسية) قال في الفتح (٨): بكسر الهمزة وسكون النون منسوبة إلى الإنس، ويقال فيه: أنسية بفتحتين. وزعم ابن الأثير (٩) أن في كلام أبي موسى المديني (١٠) ما يقتضي أنها بالضمّ ثم السكون. وقد صرّح الجوهري (١١) أن الأنَس بفتحتين ضد الوحشة، ولم يقع في شيء

стр. 7249

من روايات الحديث بضم ثم سكون مع احتمال جوازه، نعم زيف أبو موسى الرواية بكسر أوله ثم السكون، فقال ابن الأثير (١): إن أراد من جهة الرواية وإلا فهو ثابت في اللغة؛ والمراد بالإنسية: الأهلية، كما وقع في سائر الروايات. ويؤخذ من التقييد بها جواز أكل الحمر الوحشية، ولعله يأتي البحث عنها إن شاء الله [تعالى] (٢). قوله: (إذ نادى منادي) وقع عند مسلم (٣): أن الذي نادى بذلك أبو طلحة. ووقع عند مسلم (٤) أيضاً بلالاً نادى بذلك. وعند النَّسَائِي (٥) أن المنادي بذلك عبد الرحمن بن عوف، ولعلّ عبد الرحمن نادى أوّلاً بالنهي مطلقاً، ثم نادى أبو طلحة بزيادة على ذلك وهو قوله: "فإنها رجس". قوله: (وقرأ ﴿قُل لَّا أَجِدُ﴾ (٦) الآية. هذا الاستدلال إنما يتم في الأشياء التي لم يرد النصّ بتحريمها. وأما الحمر [الإنسية] (٧) فقد تواترت النصوص على ذلك، والتنصيص على التحريم مقدّم على عموم التحليل وعلى القياس. وأيضاً الآية مكية. وقد [روي] (٨) عن ابن عباس أنه قال: "إنما حرّم رسول الله ﷺ الحمر الأهلية مخافة قلة الظهر"، رواه ابن ماجه (٩)، والطبراني (١٠)، وإسناده ضعيف.

стр. 7250

وفي البخاري (١) في المغازي: أنَّ ابن عباس تردّد هل كان النهي لمعنى خاصّ أو للتأبيد؟ وعن بعضهم: إنما نهى عنها النبيّ ﷺ لأنها كانت تأكل العذرة. وفي حديث ابن أبي أوفى (٢) المذكور في الباب، فقال ناس: إنما نهى عنها لأنها لم تخمَّس. قال الحافظ (٣): وقد أزال هذه الاحتمالات من كونها لم تخمس أو كانت جلَّالة أو غيرهما حديث أنس (٤) حيث جاء فيه: "فإنها رجس"، وكذلك الأمر بغسل الإناء في حديث سلمة (٥). انتهى. والحديثان متفق عليهما، وقد تقدما في أول الكتاب في (باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذبح) (٦) من كتاب الطهارة. قال القرطبي (٧): ظاهره أن الضمير في (إنها رجس) عائد على الحمر، لأنها المتحدث عنها المأمور بإكفائها من القدور وغسلها، وهذا حكم النجس فيستفاد منه تحريم أكلها لعينها لا لمعنى خارج. وقال ابن دقيق العيد (٨): الأمر بكفاء القدور ظاهر أنه بسبب تحريم لحم الحمر. قال الحافظ (٩): وقد وردت علل أخر إن صحّ رفع شيء منها وجب المصير إليه، لكن لا مانع أن يعلل الحكم بأكثر من علة. وحديث أبي ثعلبة (١٠) صريح في التحريم فلا [معدل] (١١) عنه.

стр. 7251

وأما التعليل بخشية قلة الظهر فأجاب عنه الطحاوي (١) بالمعارضة بالخيل، فإن في حديث جابر (٢) النهي عن الحمر والإذن في الخيل مقرونان، فلو كانت العلة لأجل الحمولة لكانت الخيل أولى بالمنع لقلتها عندهم وعزّتها وشدّة حاجتهم إليها. قال النووي (٣): قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافاً إلا عن ابن عباس، وعند مالك ثلاث روايات ثالثها الكراهة. وقد أخرج أبو داود (٤) عن غالب بن أبجر قال: "أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إنك حرّمت لحوم الحمر الأهلية وقد أصابتنا سنة، قال: "أطعم أهلك من سمين حمرك"، فإنما حرّمتها من أجل جَوَالِّ القرية" بفتح الجيم والواو وتشديد اللام جمع جالَّة (٥)، مثل: سوام جمع سامّة بتشديد الميم، وهوامّ جمع هامة: يعني الجلالة، وهي التي تأكل العذرة. والحديث لا تقوم به حجة. قال الحافظ (٦): إسناده ضعيف: والمتن شاذّ مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا اعتماد عليه. وقال المنذري (٧): اختلف في إسناده كثيراً. وقال البيهقي: إسناده مضطرب. قال ابن عبد البرّ (٨): روى عن النبيّ ﷺ تحريم الحمر الأهلية: علي،

стр. 7252

وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو [بن العاص] (١)، وجابر، والبراء، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وزاهر الأسلمي، بأسانيد صحاح وحسان. وحديث غالب بن أبجر (٢) لا يعرّج على مثله مع ما يعارضه ويحتمل أن رسول الله ﷺ رخص لهم في مجاعتهم وبيَّن علة تحريمها المطلق بكونها تأكل العذرات. وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني (٣) عن أمّ نصر المحاربية: "أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الحمر الأهلية فقال: "أليس ترعى الكلأ وتأكل الشجر؟ "، قال: نعم، قال: "فأصب من لحومها"". وأخرجه ابن أبي شيبة (٤) من طريق رجل من بني مرّة قال: سألت … فذكر نحوه. فقال الحافظ (٥): في السندين مقال، ولو ثبتا احتمل أن يكون قبل التحريم. قال الطحاوي (٦): لولا تواتر الحديث عن رسول الله ﷺ بتحريم الحمر الأهلية لكان النظر يقتضي حلها، لأن كل ما حرّم في الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشياً كالخنزير، وقد أجمع على حلّ الوحشي، فكان النظر يقتضي حلّ الحمار الأهلي. قال في الفتح (٧): وما ادّعاه من الإجماع مردود، فإن كثيراً من الحيوان الأهلي مختلف في نظيره الحيوان الوحشي كالهرّ. قوله: (كل ذي ناب من السباع) سيأتي الكلام فيه.

стр. 7253

قوله: (المُجَثمة) بضم الميم وفتح وتشديد المثلثة على صيغة اسم المفعول، وهي كل حيوان ينصب ويقتل، إلا أنها قد كثرت في الطير والأرنب وما يجثم في الأرض، أي: يلزمها، والجثم في الأصل: لزوم المكان أو الوقوع على الصدر أو التلبد بالأرض كما في القاموس (١)، التجثيم نوع من المثلة. [الباب الرابع] باب تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ١٦/ ٣٥٨٢ - (عَنْ أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيّ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ فأكْلُهُ حَرَامٌ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ وَأبا دَاوُدَ) (٢). [صحيح] ١٧/ ٣٥٨٣ - (وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ كُلّ ذي نابٍ مِنَ السِّباعِ وكُلّ ذي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ) (٣). [صحيح]

стр. 7254

١٨/ ٣٥٨٤ - (وَعَنْ جابِرٍ قالَ: حَرَّمَ رَسُولُ الله ﷺ ، يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ لُحُومَ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، وَلحُومَ البغالِ، وَكُلَّ ذِي نابٍ من السِّباعِ، وكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٢). [صحيح] ١٩/ ٣٥٨٥ - (وَعَنِ عِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ حَرَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ كُلَّ ذِي مخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ ولُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ وَالخُلْسَة وَالمُجَثَّمَةَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ (٤) وَقالَ: نَهَى، بَدَلَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ، وَزَادَ في رِوَايَةٍ: قالَ أبُو عاصِمٍ: المُجَثَّمَةُ: أنْ يُنْصَبَ الطَّيْرُ فَيُرْمَى. وَالخُلْسَةُ الذّئْبُ أو السَّبُعُ يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ فَيأخُذُ مِنْهُ، يَعْنِي الفَرِيسَةَ، فَتَمُوتُ في يَدهِ قَبْلَ أنْ يُذَكِّيها). [صحيح دون قوله: (الخلسة)] حديث جابر أصله في الصحيحين (٥) كما سلف، وهو بهذا اللفظ بسند لا

стр. 7255

بأس به كما قاله الحافظ في الفتح (١)، وكذلك حديث العرباض بن سارية لا بأس بإسناده. قوله: (كل ذي ناب) الناب (٢): السنّ الذي خلف الرباعية جمعه أنياب. قال ابن سينا: لا يجتمع في حيوانٍ واحدٍ نابٌ وقرن معاً. وذو الناب من السباع كالأسد، والذئب، والنمر، والفيل، والقرد، وكل ما له ناب يتقوّى به ويصطاد. قال في النهاية (٣): وهو ما يفترس الحيوان ويأكل قسراً، كالأسد، والنمر، والذئب ونحوها. وقال في القاموس (٤): والسبع - بضم الباء وفتحها -: المفترس من الحيوان. انتهى. ووقع الخلاف في جنس السباع المحرّمة، فقال أبو حنيفة (٥): كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضَّبُّ واليربوعُ والسنَّور. قال الشافعيُّ (٦): يحرم من السباع ما يعدو على الناس، كالأسد، والنمر، والذئب. وأما الضبع والثعلب فيحلان عنده لأنهما لا يعدوان. قوله: (وكلُّ ذي مخلبٍ) المخلب - بكسر الميم وفتح اللام - قال أهل اللغة (٧): المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان. وفي الحديث دليل على تحريم ذي الناب من السباع، وذي المخلب من الطير، وإلى ذلك ذهب الجمهور (٨). وحكى ابن عبد الحكم وابن وهب عن مالك (٩) مثل قول الجمهور. وقال ابن العربي (١٠): المشهور عنه الكراهة، قال ابن رسلان: ومشهور

стр. 7256

مذهبه على إباحة ذلك، وكذا قال القرطبي (١)؛ وقال ابن عبد البرّ (٢): اختلف فيه عن ابن عباس (٣) وعائشة (٤)، وجاء عن ابن عمر من وجه ضعيف، وهو قول الشعبي، وسعيد بن جبير؛ يعني عدم التحريم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجدُ فِي مَا أُوحِىَ إِلَيَّ﴾ الآية (٥). وأجيب بأنها مكية، وحديث التحريم بعد الهجرة، وأيضاً هي عامة والأحاديث خاصة، وقد تقدم الجواب عن الاحتجاج بالآية مفصلاً. وعن بعضهم: أنَّ آية الأنعام خاصة ببهيمة الأنعام؛ لأنَّه تقدم قبلها حكاية عن الجاهلية: أنهم كانوا يحرمون أشياء من الأزواج الثمانية بآرائهم فنزلت الآية: ﴿قُل لَّا أَجِدُ﴾ (٥)، أي: من المذكورات. ويجاب عن هذا: أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٦). قوله: (ولحوم البغال) فيه دليل على تحريمه (٧) وبه قال الأكثر، وخالف في ذلك الحسن البصري (٨) كما حكاه عنه في البحر (٩). قوله: (والخلسة) (١٠) بضم الخاء وسكون اللام بعدها سين مهملة، وهي ما وقع التفسير به في المتن.

стр. 7257

قوله: (والمجثمة) (١)، قد تقدم ضبطها وتفسيرها. [الباب الخامس] باب ما جاءَ في الهِرِّ والقنْفُذِ ٢٠/ ٣٥٨٦ - (عَنْ جابرٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أكْلِ الهِرّ وأكْلِ ثَمَنِها. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) وَابْنُ ماجَهْ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٤). [ضعيف] ٢١/ ٣٥٨٧ - (وَعَنْ عِيسَى بْنِ نُمَيْلَةَ الفَزَارِيّ عَنْ أبِيهِ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عَنْ أكْلِ القُنْفُذ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (٥)، فَقالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيّ ﷺ فَقالَ: "خَبِيثَةٌ مِنَ الخَبَائِثِ"، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كانَ قالَهُ رَسُولُ الله ﷺ فَهُوَ كمَا قالَ. رَوَاهُ أحْمدُ (٦) وأبُو دَاوُدَ) (٧). [إسناده ضعيف] حديث جابر في إسناده عمر بن زيد الصنعاني (٨)، قال المنذري (٩) وابن حبان: لا يحتجّ به. وقال ابن رسلان في شرح السنن: لم يرو عنه غير عبد الرزاق.

стр. 7258

وقد أخرج النهي عن أكل ثمن الكلب والسنور مسلم في صحيحه (١). وحديث عيسى بن نميلة: قال الخطابي (٢): ليس إسناده بذاك. وقال البيهقي (٣): إسناده غير قويّ ورواه شيخ مجهول. وقال في بلوغ المرام (٤): إسناده ضعيف. وقد استدلّ بالحديث الأوّل على تحريم أكل الهرّ، [وظاهره] (٥) عدم الفرق بين الوحشيِّ والأهلي. ويؤيد التحريم أنه من ذوات الأنياب. وللشافعية (٦) وجه في حلِّ الهرِّ الوحشيِّ، كحمار الوحش إذا كان وحشيَّ الأصل، لا إن كان أهلياً، ثم توحش. قوله: (عن عيسى بن نُميلة) بضم النون، وتخفيف الميم مصغر نملة، ذكره ابن حبان في الثقات (٧). قوله: (القنفذ) (٨) هو واحد، القنافذ، والأنثى الواحدة قنفذة، وهو بضم القاف، وسكون النون، وضم الفاء، وبالذال المعجمة، وقد تفتح الفاء. وهو نوعان: قنفذ يكون بأرض مصر قدر الفأر الكبير، وآخر يكون بأرض الشام في قدر الكلب وهو مولع بأكل الأفاعي ولا يتألم بها، كذا قال ابن رسلان في شرح السنن. وقد استدلّ بالحديث على تحريم (٩) القنفذ؛ لأن الخبائث محرّمة بنصّ القرآن، وهو مخصصٌ لعموم الآية الكريمة، كما سلف في مثل ذلك. وقد حكى التحريم في البحر (١٠) عن أبي طالب والإمام يحيى.

стр. 7259

قال ابن رسلان راوياً عن القفال (١) أنه قال: إن صحّ الخبر فهو حرام، إلا رجعنا إلى العرب، والمنقول عنهم أنهم يستطيبونه. وقال مالك (٢)، وأبو حنيفة (٣): القنفذ مكروه. ورخص فيه الشافعي (٤)، والليث (٥)، وأبو ثور (٦). اهـ وحكى الكراهة في البحر (٧) أيضاً عن المؤيد بالله. والراجح: أن الأصل الحلُّ؛ حتى يقوم دليل ناهض ينقل عنه أو يتقرّر أنه مستخبث في غالب الطباع. ويؤيد القول بالحلّ ما أخرجه أبو داود (٨) عن ملْقَام بن تَلِبٍّ (٩) عن أبيه قال: "صحبتُ النبيّ ﷺ فلم أسمع لحشرات الأرض تحريماً". وهذا يؤيد الأصل أن كان عدم السماع لا يستلزم عدم ورود دليل، ولكن قال البيهقي (١٠): إن إسناده غير قويّ. وقال النَّسَائِي: ينبغي أن يكون ملقام بن التلب ليس بالمشهور. قال ابن رسلان: إن حشرات الأرض كالضبّ والقنفذ واليربوع وما أشبهها، وأطال في ذلك.

стр. 7260

[الباب السادس] بابُ ما جاءَ في الضَّبِّ ٢٢/ ٣٥٨٨ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: أنَّهُ أخْبَرَهُ أنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ على مَيْمُونَةَ وَهِيَ خالَتُهُ وَخالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَوَجَدَ عِنْدَها ضبًّا مَحْنُوذاً قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُها حُفَيْدَةُ بِنْتُ الحارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لرَسُولِ الله ﷺ فأهْوَى بِيَدِهِ إلى الضَّبّ، فَقالَتِ امْرأةٌ مِنَ النِّسْوةِ الحُضُورِ: أخْبِرْن رَسُولَ الله ﷺ بِما قَدَّمْتُنَّ لَهُ، قُلْنَ: هُوَ الضَّبُّ يا رَسُولَ الله، فَرَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَهُ، فَقالَ خالِد بْنُ الوَلِيدِ: أحَرَامٌ الضَّبُّ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "لا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُن بأرْضِ قَوْمِي فأجِدني أعافُهُ"، قالَ خالِد: فاجْتَرَرْتُهُ فأكَلْتُهُ وَرَسُولُ الله ﷺ يَنْظُرُ فَلَمْ يَنْهَنِي. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) (١). [صحيح] ٢٣/ ٣٥٨٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنِ الضَّبّ فَقالَ: "لا آكُلُهُ وَلا أُحَرّمُهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مَعَهُ ناسٌ فِيهِمْ سَعْدُ، فأتُوا بِلَحْمِ ضَبٍّ، فَنَادَتِ امْرأةٌ مِنْ نِسائِهِ: إنَّهُ لَحْمُ ضَبّ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُوا فإنَّهُ حَلالٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعامي"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ) (٤). [صحيح] ٢٤/ ٣٥٩٠ - (وَعَنْ جابِرٍ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قالَ في الضَّبّ: إنَّ

стр. 7261

رَسُولَ الله [ ﷺ ] (١) لَمْ يُحَرّمْهُ، وَإنَّ عُمَرَ قالَ: [إنَّ] (٢) الله لَيَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَإنَّمَا طَعامُ عامَّةِ الرّعاء مِنْهُ، وَلَوْ كانَ عِنْدِي طَعِمْتُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣) وَابْنُ ماجَهْ) (٤). ٢٥/ ٣٥٩١ - (وَعَنْ جابِرٍ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِضَبّ، فأبَى أنْ يأكُلَ مِنْهُ وَقالَ: "لا أدْرِي لعَلَّهُ مِنَ القُرُونِ الَّتي مُسِخَتْ") (٥). [صحيح] ٢٦/ ٣٥٩٢ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ: أنَّ أعْرَابِياً أتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إني في غائِطٍ مَضَبَّةٍ وَإنَّهُ عامَّةُ طَعامِ أهْلِي، قالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنا: عاوِدْهُ، فَعاوَدَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلاثاً، ثُمَّ نادَاهُ رَسُولُ الله ﷺ في الثَّالِثَةِ، فَقالَ: "يا أعْرابيّ: إنَّ الله لَعَنَ - أوْ غَضِبَ على - سِبْطٍ من بَنِي إسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّون في الأرْضِ، ولَا أدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْها فَلَمْ آكُلْهَا، [وَلا] (٦) أنَهى عَنْها"، رَوَاهُمَا أحْمَدُ (٧) وَمُسْلِمٌ (٨). [صحيح] وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ المَمْسُوخَ لا نَسْلَ لَهُ، وَالظَّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ذلكَ إلَّا بِوَحْي، وَأنَّ تَرَدُّدَهُ في الضَّبّ كانَ قَبْلَ الوَحْي بِذَلكَ، والحَدِيثُ يَرْوِيهِ ابْنُ مَسْعُودٍ:

стр. 7262

أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ القِرَدَةُ، قالَ مِسْعَرٌ: وأراهُ قالَ: وَالخَنازِيرُ مِمَّا مُسخَ، فَقالَ: إنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ لمَسْخٍ نَسْلاً وَلا عَقِباً، وَقَدْ كانَتِ القِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ قبْلَ ذَلِكَ (١). [صحيح] وَفِي رِوَايَة: أن رَجُلاً قَالَ: يا رسُولَ الله القِردَةُ والخَنَازِيرُ هِيَ ممَّا مَسَخَ الله؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ الله لَمْ يُهْلِكْ أوْ يُعَذّبْ قَوْماً فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلاً، رَوَىَ ذلكَ أحْمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ) (٣). [صحيح] قوله: (فوجد عندها ضباً) (٤) هو دويبة تشبه الجرذان، ولكنه أكبر منه قليلاً، ويقال: الأنثى ضَبَّةٌ. قال ابن خالويه (٥): إنه يعيش سبعمائة سنة، وإنه لا يشرب الماء، ويبول في كل أربعين يوماً قطرة، ولا يسقط له سنٌّ، ويقال: بل أسنانه قطعة واحدة. قوله: ([محنوذاً (٦)]) (٧) بحاء مهملة، ونون مضمومة، وآخره ذال معجمة؛ أي: مشوياً بالحجارة المحماة، ووقع في رواية (٨): "بضبٍّ مشويٍّ". قوله: (أختها حفيدة) بمهملة مضمومة، بعدها فاء مصغرة. قوله: (لم يكن بأرض قومي) قال ابن العربى (٩): اعترض بعض الناس على هذه اللفظة وقال: إن الضباب موجودة بأرض الحجاز، فإن كان أراد تكذيب الخبر فقد كذب هو فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيءٌ، وربما أنها حدثت بعد عصر النبوّة، وكذا أنكر ذلك ابن عبد البرّ (١٠) ومن تبعه.

стр. 7263

قال الحافظ (١): ولا يحتاج إلى شيءٍ من هذا، بل المراد بقوله ﷺ : "بأرض قومي" قريش فقط، فيختص النفي بمكة وما حولها، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودةً بسائر بلاد الحجاز. قوله: (فأجدني أعافه) (٢) أي: أكره أكله، يقال: عفت الشيء، أعافه. قوله: (فاجتررته) بجيم وراءين مهملتين، هذا هو المعروف في كتب الحديث، وضبطه بعض شرّاح المهذّب (٣) بزاي قبل الراء، وقد غلطه النووي (٤). قوله: (لا آكله ولا أحرمه) فيه جواز أكل الضبّ. قال النووي (٥): وأجمع المسلمون على أنَّ الضبّ حلالٌ ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة (٦) من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض (٧) عن قوم أنهم قالوا: هو حرام، وما أظنُّه يصحّ عن أحد، فإن صحّ عن أحدٍ فمحجوج بالنصوص، وإجماع من قبله. اهـ. قال الحافظ (٨): قد نقله ابن المنذر (٩) عن عليّ ﵁، فأين يكون الإجماع مع مخالفته؟. ونقل الترمذي (١٠) كراهته عن بعض أهل العلم. وقال الطحاوي (١١) في معاني الآثار: كره قوم أكل الضبِّ منهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وقد جاء عن النبيّ ﷺ : أنه نهى عن

стр. 7264

أكل لحم الضبّ"، أخرجه أبو داود (١) من حديث عبد الرحمن بن شبل. قال الحافظ في الفتح (٢): وإسناده حسن، فإنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي راشدٍ الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل. وحديث ابن عياش عن الشاميين قويّ، وهؤلاء شاميُّون ثقات، ولا يغترّ بقول الخطابي (٣): ليس إسناده بذاك. وقول ابن حزم (٤): فيه ضعفاء، ومجهولون. وقول البيهقي: تفرّد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة. وقول ابن الجوزي (٥): لا يصحّ، ففي كل ذلك تساهل لا يخفى، فإنَّ رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخاري، وقد صحح الترمذي بعضها. وأخرج أحمد (٦)، وأبو داود (٧)، وصححه ابن حبان (٨)، والطحاوي (٩) وسنده على شرط الشيخين من حديث عبد الرحمن بن حسنة: "نزلنا أرضاً كثيرة الضباب .. "، الحديث، وفيه: "أنهم طبخوا منها، فقال ﷺ : "إنَّ أمةً من بني إسرائيلَ مُسخت دوابّ، فأخشى أن تكون هذه، فأكفئوها"". ومثله حديث أبي سعيد (١٠) المذكور في الباب. قال في الفتح (١١): والأحاديث وإن دلت على الحلّ تصريحاً وتلويحاً، نصاً وتقريراً، فالجمع بينها وبين الحديث المذكور حمل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ.

стр. 7265

وحينئذ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه. وحمل الإذن فيه على ثاني الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرّمه، وأكل على مائدته بإذنه، فدلّ على الإباحة. وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره، وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذّره. وقد استدلّ على الكراهة بما أخرجه الطحاوي (١) عن عائشة: "أنه أهدي للنبيّ ﷺ ضبّ فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها: "أتعطينه ما لا تأكلين؟ "، قال محمد بن الحسن: دلّ ذلك على كراهته لنفسه ولغيره. وتعقبه الطحاوي (١) باحتمال أن يكون ذلك من جنس ما قال الله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (٢)، ثم ساق الأحاديث الدالة على كراهة التصدّق بحشف التمر، وكحديث البراء "كانوا يحبون الصدقة بأردأ تمرهم، فنزلت: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (٢)، قال: فلهذا المعنى كره لعائشة أن تصدّق بالضبّ لا لكونه حراماً. وهذا يدلّ على أن الطحاوي (١) فهم عن محمد أن الكراهة فيه للتحريم. والمعروف عن أكثر الحنفية (٣) فيه كراهة التنزيه، وجنح بعضهم إلى التحريم. وقال: اختلفت الأحاديث وتعذّرت معرفة المتقدم فرجحنا جانبي التحريم، ودعوى التعذّر ممنوعة بما تقدم. قوله: (في غائط مضبَّة) قال النووي (٤): فيه لغتان مشهورتان: إحداهما فتح

стр. 7266

الميم والضاد، والثانية ضم الميم وكسر الضاد، والأوّل أشهر وأفصح؛ والمراد ذات ضباب كثيرة، والغائط (١): الأرض المطمئنة. قوله: (يدِبُّون) بكسر الدال. قوله: (ولا أدري لعلّ هذا منها) قال القرطبي (٢): إنما كان ذلك ظناً منه قبل أن يوحى إليه: "إن الله لم يجعل لمسخ نسلًا"، فلما أوحي إليه بذلك زال التظنن وعلم أن الضب ليس مما مسخ، كما في الحديث المذكور (٣) في الباب. ومن العجيب أن ابن العربي (٤) قال: إن قولهم: الممسوخ لا نسل له، دعوى، فإنه أمر لا يعرف بالعقل وإنما طريقه النقل وليس فيه أمر يعوّل عليه، وكأنه لم يستحضره من صحيح مسلم (٥)، ثم قال: وعلى تقدير كون الضبّ ممسوخًا فذلك لا يقتضي تحريم أكله، لأن كونه آدمياً قد زال حكمه ولم يبق له أثر أصلاً، وإنما كره النبيّ ﷺ الأكل منه لما وقع عليه من سخط الله كما كره الشرب من مياه ثمود. اهـ. ولا منافاة بين كونه ﷺ عاف الضبّ، وبين ما ثبت أنه كان لا يعيب الطعام، لأن عدم العيب إنما هو فيما صنعه الآدمي لئلا ينكسر خاطره وينسب إلى التقصير فيه. وأما الذي خلق كذلك فليس نفور الطبع منه ممتنعًا. [الباب السابع] بابُ ما جاءَ في الضَّبُعِ والأرْنَبِ ٢٧/ ٣٥٩٣ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أبي عِمَارَةَ قالَ: قُلْتُ لجابِرٍ: الضَّبُعُ أصَيْدٌ هِيَ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: آكُلُها؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أقالَهُ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ وصَحَّحهُ التِّرْمِذِيُّ (٦).

стр. 7267

وَلَفْظُ أبي دَاوُدَ (١) عَنْ جابرٍ: سألْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الضَّبُعِ فقالَ: "هِيَ صَيْد ويُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ المُحْرِمُ". [صحيح] ٢٨/ ٣٥٩٤ - (وَعَنْ أنَسٍ قالَ: أنْفَجْنا أرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى القَوْمُ فَلَغِبُوا، وأدْرَكْتُها فأخَذْتُها فأتَيْتُ بِها أبا طَلْحَةَ فَذَبَحَها وَبَعَثَ إلى رَسُولِ الله ﷺ بِوَرِكِها وَفَخِذِها فَقَبِلَهُ. رَوَاهُ الجمَاعَةُ (٢). وَلَفْظُ أبي دَاوُدَ (٣): صِدْتُ أرْنَبًا فَشَوَيْتُها، فَبَعَثَ مَعِي أبُو طَلْحَةَ بِعَجُزِها إلى رَسُولِ الله ﷺ ، فأتَيْتُهُ بِها). [صحيح] ٢٩/ ٣٥٩٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: جاءَ أعْرابيّ إلى رَسُولِ الله ﷺ بأرْنَبٍ قَدْ شَوَاها وَمَعَها صِنابُها وأُدْمُها فَوَضَعَها بَيْنَ يَدَيْهِ، فأمْسَكَ رَسُولُ الله ﷺ فَلَمْ يَأكُلْ، وأمَرَ أصحَابَهُ أنْ يأكُلُوا. رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَالنَّسائيُّ) (٥). [ضعيف] ٣٠/ ٣٥٩٦ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ: أنَّهُ صَادَ أرْنَبَيْن فَذَبَحَهُما بِمَرْوَتَيْنِ، فأتى رَسُولَ الله ﷺ فأمَرَهُ بِأكْلِهِما. رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَالنَّسَائيُّ (٧) وَابْنُ ماجَهْ) (٨).

стр. 7268

حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة أخرجه أيضًا الشافعي (١) والبيهقي (٢)، وصححه أيضاً البخاري وابن حبان (٣) وابن خزيمة (٤) والبيهقي (٥)، وأعله ابن عبد البرّ (٦) بعبد الرحمن المذكور وهو وهم، فإنه وثقه أبو زرعة والنسائي ولم يتكلم فيه أحد، ثم إنه لم ينفرد به. وحديث أبي هريرة قال في الفتح (٧): رجاله ثقات إلا أنه اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافا كثيراً. وحديث محمد بن صفوان أخرجه أيضاً بقية أصحاب السنن (٨) وابن حبان (٩) والحاكم (١٠). قوله: (الضبع) (١١) هو الواحد الذكر، والأنثى ضبعان ولا يقال: ضبعة. ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكراً وسنة أنثى فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة، وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بني آدم. قوله: (قال: نعم) فيه دليل على جواز أكل الضبع. وإليه ذهب الشافعي (١٢) وأحمد (١٣)، قال الشافعي (١٤): ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير، ولأن العرب تستطيبه، وتمدحه.

стр. 7269

وذهب الجمهور (١) إلى التحريم، واستدلوا بما تقدم في تحريم كل ذي ناب من السباع. ويجاب بأنَّ حديث الباب خاصٌّ فيقدم على حديث كل ذي ناب. واستدلوا أيضاً بما أخرجه الترمذي (٢) من حديث خزيمة بن جزء قال: "سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: "أو يأكل الضبع أحد؟ "، وفي روايةٍ (٣): "ومن يأكل الضبع؟ ". فيجاب بأن هذا الحديث ضعيف لأن في إسناده عبد الكريم بن أمية وهو متفق على ضعفه، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. قال ابن رسلان: وقد قيل: إن الضبع ليس لها ناب. وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفيحة نعل الفرس، فعلى هذا لا يدخل في عموم النهي. اهـ. قوله: (ويجعل فيه كبش) فيه دليل: على أنَّ الكبش مثل الضبع. وفيه أن المعتبر في المثلية. بالتقريب في الصورة لا في القيمة، ففي الضبع الكبش سواء كان مثله في القيمة أو أقلّ أو أكثر. قوله: (أنفجنا (٤) أرنباً) بنون، ثم فاء مفتوحة، وجيم ساكنة؛ أي: أثرنا، يقال: نفج الأرنب: إذا ثار، وأنفجته (٥): أي أثرته من موضعه، ويقال: الانتفاج (٦): الاقشعرار، وارتفاع الشعر، وانتفاشه. والأرنب: دويبة معروفة، تشبه العناق، لكن في رجليها طول بخلاف يديها، والأرنب: اسم جنس للذكر والأنثى.

стр. 7270

قوله: (بمرّ الظهران) (١) اسم موضع على مرحلة من مكة، والراء من قوله: بمرّ مشددة. قوله: (فلغبوا) (٢) بمعجمة وموحدة؛ أي: تعبوا، وزناً ومعنى. قوله: (صنابها) بالصاد المهملة بعدها نون. قال في القاموس (٣): الصناب ككتاب. اهـ. وهو صبغ يتخذ من الخردل والزبيب، ويؤتدم به، فعلى هذا عطف أدمها عليه للتفسير، ويمكن أن يكون من عطف العام على الخاصّ. قوله: (بوركها) الورك بكسر الراء، وبكسر الواو، وسكون الراء: وهما وركان فوق الفخذين كالكتفين فوق العضدين، كذا في المصباح (٤). قوله: (وأمر أصحابه أن يأكلوا) فيه دليل: على جواز أكل الأرنب. قال في الفتح (٥): وهو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٦) من الصحابة، وعن عكرمة (٧) من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى (٧) من الفقهاء. واحتجوا بحديث خزيمة ابن جزء (٨) قال: "قلت: يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال: "لا آكله ولا أحرمه"، قلت: ولم يا رسول الله؟ قال: "نبئت أنها تدمي" (٩).

стр. 7271

قال الحافظ (١): وسنده ضعيف، ولو صحّ لم يكن فيه دلالة على الكراهة، وله شاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ: "جيء بها إلى النبي ﷺ فلم يأكلها، ولم ينه عنها، وزعم أنها تحيض". أخرجه أبو داود (٢)، وله شاهد أيضاً عند إسحاق بن راهويه في مسنده، وهذا إذا صحّ صلح للاحتجاج به على كراهة التنزيه لا على التحريم، والمحكي عن عبد الله بن عمرو التحريم كما في شرح ابن رسلان للسنن. وحكى الرافعي (٣) عن أبي حنيفة (٤): أنه حرّمها، وغلّطه النووي (٥) في النقل عن أبي حنيفة. وقد حكى في البحر (٦) عن العترة الكراهة، يعني كراهة التنزيه، وهو القول الراجح. [الباب الثامن] بابُ ما جاءَ في الجَلَّالَةِ ٣١/ ٣٥٩٧ - (عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: نَهى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ شُرْبِ لَبنِ الجَلَّالَةِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ ماجَهْ (٧) وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. [صحيح] وفي رِوَايَةٍ: نَهَى عَنْ رُكُوبِ الجلَّالَةِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٨). [صحيح]

стр. 7272

٣٢/ ٣٥٩٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ أكْلِ الجَلَّالَةِ وألْبَانِها. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ (١). [صحيح] وفي رِوَايةٍ: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، نَهَى عَنِ الجَلَّالَة في الإبِلِ أنْ يُرْكَبَ عَلَيْها أوْ يُشْرَبَ مِنْ ألبانِها. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح] ٣٣/ ٣٥٩٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّه قالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ لحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وَعَنِ الجَلَّالَةِ عَنْ رُكُوبِها وأكْلِ لُحُومِها. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالنَّسائيُّ (٤) وأبُو دَاوُدَ) (٥). [حسن] حديث ابن عباس أخرجه أيضاً أحمد (٦) وابن حبان (٧) والحاكم (٨) والبيهقي (٩)، وصححه أيضاً ابن دقيق العيد (١٠)، ولفظه: "وعن أكل الجلالة وشرب ألبانها".

стр. 7273

وحديث ابن عمر حسنه الترمذي (١). وحديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضاً الحاكم (٢) [والدارقطني (٣) والبيهقي (٤)] (٥). وقد اختلف في حديث ابن عمر على ابن أبي نجيح. فقيل: عن مجاهد عنه. وقيل: عن مجاهد مرسلاً. وقيل: عن مجاهد، عن ابن عباس. في الباب عن أبي هريرة (٦) مرفوعاً، وفيه النهي عن الجلالة: وهي التي تأكل العذرة، قال في التلخيص (٧): إسناده قويّ. قوله: (عن شرب لبن الجلالة) (٨) بفتح الجيم وتشديد اللام من أبنية المبالغة: وهي الحيوان الذي يأكل العذرة والجَلة بفتح الجيم: هي البعرة، وقال في القاموس (٩): الجلة: مثلثةً البعر، أو البعرة. اهـ، وتجمع على جلالات على لفظِ الواحدةِ، كدابَّةِ ودوابَّ، يقالُ: جلَّت الدَّابَّةُ الجلَّةَ وأجلَّتها فهي جالةٌ وجلالةٌ. وسواءٌ في الجلالة البقرُ والغنم والإبل وغيرها، كالدَّجاجِ والأوزِّ وغيرهما. وادعى ابن حزم (١٠) أنها لا تقع إلا على ذات الأربع خاصة، ثم قيل: إن كان أكثر علفها النجاسة فهي جلالة، وإن كان أكثر علفها الطاهر فليست جلالة، وجزم به النووي في "تصحيح التنبيه".

стр. 7274

وقال في "الروضة" (١) تبعاً للرافعي (٢): الصحيح أنه لا اعتداد بالكثرة بل بالرائحة والنتن، فإن تغير ريح مرقها أو لحمها أو طعمها أو لونها فهي جلالة. والنهي حقيقةٌ في التحريم، فأحاديثُ الباب ظاهرها تحريم أكل لحم الجلالة وشرب لبنها وركوبها. وقد ذهبت الشافعية (٣) إلى تحريم أكل لحم الجلالة. وحكاه في البحر (٤) عن الثوري، وأحمد بن حنبل (٥). وقيل: يكره فقط كما في اللحم المذكى إذا أنتن. قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: لو غذى شاة عشر سنين بأكل حرام لم يحرم عليه أكلها ولا [على] (٦) غيره، وهذا أحد احتمالي البغوي. وإذا قلنا بالتحريم أو الكراهة فمن علفت طاهراً فطاب لحمها حلّ لأن علة النهي التغير وقد زالت. قال ابن رسلان: ونقل الإمام فيه الاتفاق. قال الخطابي (٧): كرهه أحمد (٨) وأصحاب الرأي (٩) والشافعي (١٠) وقالوا: لا تؤكل حتى تحبس أياماً. وفي حديث: "إن البقر تعلف أربعين يوماً، ثم يؤكل لحمها"، وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثاً، ولم ير بأكلها بأساً مالك من دون حبس. اهـ. قال ابن رسلان في شرح السنن: وليس للحبس مدة مقدرة. وعن بعضهم
следующие страницы →