← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 725–764 · переход к 730.

стр. 725

الأَنصاري "أن رسول الله ﷺ أُمر بالوضُوءِ لكلِّ صلاةٍ طاهِرًا كان أو غيرَ طاهِرٍ، فلما شقَّ عليه وُضعَ عنه الوضوءُ إلَّا مِنْ حَدَثٍ". ولمسلم (١) من حديث بريدة: "كان النبي ﷺ يتوضَّأ عند كل صلاة، فلمَّا كان يوم الفتح صلَّى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: إنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله، فقال: عمدًا فعلته" أي لبيان الجواز، واستدلَّ الدارمي في مسنده (٢) على ذلك بقوله ﷺ : "لا وُضوءَ إلا من حَدَثٍ". فالحق استحباب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، وما شكك به صاحب المنار في ذلك غير نيِّر، فإن الأحاديث مصرّحة بوقوع الوضوء منه ﷺ لكل صلاة إلى وقت الترخيص، وهو أَعم من أَن يكون لحدث ولغيره، والآية دلت على هذا وليس فيها التقييد بحال الحدث، وحديث: "لولا أَن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك" عند أَحمد (٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا من أعظم الأدلة على المطلوب، وسيذكر المصنف هذا الحديث في باب: فضل الوضوء لكل صلاة (٤). وقد أخرج الجماعة إلا مسلمًا (٥): "أن النبي ﷺ كان يتوضأ عند كل صلاة"، زاد الترمذي (٦): "طاهرًا أو غيرَ طاهرٍ". وفي حديث عدم التوضؤ من لحوم الغنم دليل على تجديد الوضوء على الوضوء، لأنه حكم ﷺ بأن أكل لحومها غير ناقض، ثم قال للسائل عن الوضوء: "إن شئت".

стр. 726

وقد وردت الأحاديث الصحيحة في فضل الوضوء كحديث: "ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيسبغُ الوضوءَ، ثم يقول: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأَن محمدًا عبدُه ورسولُه، إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخلُ من أَيها شاء"، أخرجه مسلم (١) وأهل السنن (٢) من حديث عقبة بن عامر. وحديث: "أنها تخرجُ خطاياه مع الماء أو مع آخِر قَطْرِ الماء" عند مسلم (٣) ومالك (٤) والترمذي (٥) من حديث أبي هريرة. وحديث: "من توضَّأ نحو وضوئي هذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة"، أخرجه الشيخان (٦) من حديث عثمان. وحديث: "إذا توضَّأت اغتسلتَ من خطاياك كيوم ولدتكَ أُمُّكَ" عند مسلم (٧) والنسائي (٨) من حديث أبي أمامة، وغير ذلك كثير، فهل يجمل بطالب الحق الراغب في الأجر أَن يدع هذه الأدلة التي لا تحتجب أَنوارها على غير أَكمه، والمثوبات التي لا يرغب عنها إلا أَبله، ويتمسك بأذيال تشكيك منهار وشبهة مهدومة هي مخافة الوقوع بتجديد الوضوء لكل صلاة من غير حدث في الوعيد الذي ورد في حديث: "فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم" (٩) بعد أن تتكاثر الأدلة على أن الوضوء لكل صلاة عزيمة، وأن الاكتفاء بوضوء واحد لصلوات متعددة رخصة بل ذهب قوم إلى الوجوب عند القيام للصلاة كما أسلفنا. دع عنك هذا كله، هذا ابن عمر يروي أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ على

стр. 727

طهر كتب الله له به عشر حسنات" أَخرجه الترمذي (١) وأبو داود (٢)، فهل أنص على المطلوب من هذا، وهل يبقى بعد هذا التصريح ارتياب؟ ٢٥/ ٢٦٢ - (وَعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحمَّدٍ بن عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ [﵁] (٣) عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلى أَهْل الْيَمَنِ كِتابًا وَكَانَ فِيهِ: "لَا يَمسُّ القُرْآنَ إلا طَاهِرٌ". رَوَاهُ الْأثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنيُّ (٤)، وَهُوَ لِمالِكٍ في الموطأ (٥) مُرْسَلًا عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحمَّدِ بْنِ عَمْرِو بن حَزمٍ إنَّ في الكِتاب الذِي كَتَبهُ رَسُولُ الله ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: "أَنْ لَا يَمَس القُرْآن إلا طَاهِرٌ". [حسن بشواهده] وقالَ الْأثْرَمُ: وَاحْتَجَّ أبُو عَبدِ الله - يَعْنِي أحمَدَ - بِحَدِيثِ ابْنِ عمَرَ (٦): "ولَا يُمَسُّ المُصْحَفُ إلَّا على طَهَارَةٍ".

стр. 728

الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (١)، والبيهقي في الخلافيات (٢)، والطبراني (٣)، وفي إسناده سويد بن أبي حاتم وهو ضعيف (٤). وذكر الطبراني في الأوسط (٥) أنه تفرد به، وحسن [الحازمي] (٦) إسناده، وقد ضعف النووي (٧)، وابن كثير في إرشاده (٨)، وابن حزم (٩) حديث حكيم بن حزام، وحديث عمرو بن حزم جميعًا. وفي الباب عن ابن عمر عند الدارقطني (١٠) والطبراني (١١)، قال

стр. 729

الحافظ (١): وإسناده لا بأس به، لكن فيه سليمان الأشدق وهو مختلف فيه، رواه عن سالم عن أبيه ابن عمر، قال الحافظ (١): ذكر الأثرم أن أحمد احتج به. وفي الباب أيضًا عن عثمان بن أَبي العاص عند الطبراني (٢)، وابن أبي داود في المصاحف (٣)، وفي إسناده انقطاع. وفي رواية الطبراني من لا يعرف. وعن ثوبان أورده علي بن عبد العزيز في منتخَب مسنده (٤)، وفي إسناده

стр. 730

حصيب بن جحدر، وهو متروك (١). وروى الدارقطني (٢) في قصة إسلام عمر أن أخته قالت له قبل أن يسلم: إنه رجس، ولا يمسه إلا المطهرون. قال الحافظ (٣): وفي إسناده مقال. وفيه عن سلمان موقوفًا، أَخرجه الدارقطني (٤) والحاكم (٥). وكتاب عمرو بن حزم تلقاه الناس بالقبول، قال ابن عبد البر (٦)، إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول، وقال يعقوب بن سفيان: لا أَعلم كتابًا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم. وقال الحاكم (٧): قد شهد عمر بن عبد العزيز والزهري لهذا الكتاب بالصحة.

стр. 731

والحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرًا، ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن، والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر، ومن ليس على بدنه نجاسة. ويدل لإِطلاقه على الأول [قول الله] (١) تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢). وقوله ﷺ لأبي هريرة: "المؤمن لا ينجس" (٣). وعلى الثاني: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٤). وعلى الثالث قوله [ ﷺ ] في المسح على الخفين: "دعهما فإني أَدخلتهما طاهرتين" (٥)، وعلى الرابع الإِجماع على أن الشيء الذي ليس عليه نجاسة حسية ولا حكمية يسمى طاهرًا، وقد ورد إطلاق ذلك في كثير، فمن أجاز حمل المشترك على جميع معانيه حمله عليها هنا. والمسألة مدونة في الأصول، وفيها مذاهب. والذي يترجح أن المشترك مجمل فيها فلا يعمل به حتى يبين، وقد وقع الإِجماع على أَنه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أَن يمس المصحف، وخالف في ذلك داود. [أدلة المانعين من قراءة الجنب للقرآن]: استدل المانعون للجنب بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٦) وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعًا إلى القرآن، والظاهر رجوعه إلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، لأنه الأقرب، والمطهرون الملائكة، ولو سلم عدم الطهور

стр. 732

فلا أقل من الاحتمال فيمتنع العمل بأحد الأمرين، ويتوجه الرجوع إلى البراءة الأصلية، ولو سلم رجوعه إلى القرآن على التعيين لكانت دلالته على المطلوب، وهو منع الجنب من مسه غير مسلمة، لأن المطهر من ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائمًا لحديث: "المؤمن لا ينجس" وهو متفق عليه (١)، فلا يصح حمل المطهر على من ليس بجنب أو حائض أو محدث أَو متنجس بنجاسة عينية، بل يتعين حمله على من ليس بمشرك كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢) لهذا الحديث. ولحديث النهي عن السفر بالقرآن إلى أَرض العدو (٣)، ولو سلم صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثًا أكبر أو أصغر، فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملًا في معانيه فلا يعين حتى يبين. وقد دل الدليل ههنا أن المراد به غيره لحديث: "المؤمن لا ينجس" (١)، ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته، لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحًا (٤) بلا مرجح، وتعيينه لجميعها استعمالًا للمشترك في جميع معانيه، وفيه الخلاف، ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه، لما صح لوجود المانع وهو حديث: "المؤمن لا ينجس" (١)، واستدلوا أيضًا بحديث الباب. وأجيب بأنه غير صالح للاحتجاج، لأنه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إسناده خلاف شديد (٥)، ولو سلم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ طاهر، وقد عرفته. قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أَو الحدث الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازًا ولا لغة، صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه، فإن

стр. 733

ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائمًا فلا يتناوله الحديث سواء كان جنبًا أو حائضًا أو محدثًا، أو على بدنه نجاسة، فإن قلت: إذا تم ما تريد من حمل الطاهر على من ليس بمشرك فما جوابك فيما ثبت في المتفق عليه (١) من حديث ابن عباس "أنه ﷺ كتب إلى هِرَقْل عظيم الروم: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أَجرك مرتين، فإن توليت فإنَّ عليك إثم الأريسيين (٢)، و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿مُّسْلِمُونَ﴾ (٣) مع كونهم جامعين بين نجاستي الشرك والاجتناب، ووقوع اللمس منهم له معلوم. قلت: أَجعله خاصًّا بمثل الآية والآيتين فإنه يجوز تمكين المشرك من مس ذلك المقدار لمصلحة، كدعائه إلى الإِسلام. ويمكن أَن يجاب عن ذلك، بأنه قد صار باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه ككتب التفسير فلا تخصص به الآية والحديث. إذا تقرر لك هذا عرفت عدم انتهاض الدليل على منع من عدا المشرك، وقد عرفت الخلاف في الجنب. وأَما المحدث حدثًا أصغر فذهب ابن عباس والشعبي والضحاك وزيد بن

стр. 734

علي والمؤيد بالله والهادوية وقاضي القضاة (١) وداود إلى أنه يجوز له مس المصحف (٢). وقال القاسم وأكثر الفقهاء والإِمام يحيى: لا يجوز (٣)، واستدلوا بما سلف، وقد سلف ما فيه. ٢٦/ ٢٦٣ - (وَعَنْ طَاوُسٍ [﵁] (٤) عَنْ رَجلٍ قَدْ أَدْرَكَ النبيَّ ﷺ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إِنَّمَا الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلاةٌ، فَإِذا طُفْتُمْ فأقِلُّوا الكَلامَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥) والنَّسائيُّ) (٦). [صحيح]

стр. 735

الحديث أخرجه أيضًا الترمذي (١) والحاكم (٢) والدارقطني (٣) من حديث ابن عباس، وصحَّحه ابن السكن وابن خزيمة (٤) وابن حبان (٥)، وقال الترمذي (٦): روي مرفوعًا موقوفًا، ولا يعرف مرفوعًا إلا من حديث عطاء، ومداره على عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس، واختلف على عطاء في رفعه ووقفه، ورجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي وزاد أن رواية الرفع ضعيفة". قال الحافظ (٧): وفي إطلاق ذلك نظر، فإن عطاء بن السائب صدوق، وإذا روي عنه الحديث مرفوعًا تارة وموقوفًا تارة، فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنووي ممن يعتمد ذلك، ويكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به إذا كان الرافع ثقة. وقد أخرج الحديث الحاكم من رواية سفيان عن عطاء وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط بالاتفاق، ولكنه موقوف من طريقه. وقد أَطال الكلام في التلخيص (٧) فليرجع إليه (٨). والحديث يدل على أنه ينبغي أن يكون الطوافَ على طهارة كطهارة الصلاة، وفيه خلاف محله كتاب الحج. * * *

стр. 736

[تاسعًا] أبواب ما يستحب [لأجله الوضوء] (١) [الباب الأول] باب استحباب الوضوء مما مسَّته النار والرخممة في تركه ١/ ٢٦٤ - (عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قارِظ [﵄] (٢) أنهُ وَجَدَ أبَا هُرَيْرَةَ [﵁] (٢) يَتَوضَّأ على المَسْجِدِ فقالَ: إنَّما أتَوضَّأ مِنْ أثْوارِ أقِطٍ أَكَلْتُها لِأنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "تَوضأوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ") (٣). [صحيح] ٢/ ٢٦٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ [﵂] (٢) عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "تَوضَّأوا مِما مَسَّتِ النَّارُ" (٤). [صحيح] ٣/ ٢٦٦ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ [﵁] (٢) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلهُ رَوَاهُنَّ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ والنَّسائيُّ) (٥). [صحيح]

стр. 737

قوله: (من أثوار أقط) الأثوار جمع ثور: وهي القِطعة من الأقِط، وهي المثلثة. والأقط: لَبَن جامد مُسْتَحْجِر (١)، وهو مما مسته النار. قوله: (يتوضأ على المسجد)، استدل به على جواز الوضوء في المسجد. نقل ابن المنذر (٢) إجماع العلماء على جوازه ما لم يؤذ به أحدًا. والأحاديث تدل على وجوب الوضوء مما مسته النار. وقد اختلف الناس في ذلك فذهب جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة (٣)،

стр. 738

وعبد الله بن مسعود (١)، وأبو الدرداء (٢)، وابن عباس (٣)، وعبد الله بن عمر (٤)، وأَنس بن مالك (٥)، وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأُبي بن كعب. وأبو طلحة (٦)، وعامر بن ربيعة (٧)، وأبو أمامة (٨)، والمغيرة بن شعبة (٩)، وجابر بن عبد الله (١٠)، وعائشة (١١)، وجماهير التابعين،

стр. 739

وهو مذهب مالك (١)، وأبي حنيفة (٢) والشافعي (٣) وابن المبارك، وأحمد (٤)، وإسحاق بن راهويه (٥)، ويحيى بن يحيى، وأبي ثور (٦)، وأبي خيثمة، وسفيان الثوري (٧)، وأهل الحجاز، وأهل الكوفة، إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته [النار] (٨). وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي مما مسته النار، وقد ذكرناهم في باب الوضوء من لحوم الإِبل (٩). استدل الأولون بالأحاديث التي سيأتي ذكرها في هذا الباب (١٠). واستدل الآخرون بالأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مسته النار، وقد ذكر المصنف بعضها ههنا (١١). وأجاب الأولون عن ذلك بجوابين: الأول: أنه منسوخ بحديث جابر الآتي. الثاني (١٢): أَن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين. قال النووي (١٣): ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول ثم

стр. 740

أجمع العلماء بعد ذلك أَنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار، ولا يخفاك أن الجواب الأول إنما يتم بعد تسليم أَن فعله ﷺ يعارض القول الخاص بنا وينسخه، والمتقرر في الأصول خلافه وقد نبهناك على ذلك في باب الوضوء من لحوم الإِبل. وأما الجواب الثاني فقد تقرر أن الحقائق الشرعية مقدّمة على غيرها، وحقيقة الوضوء الشرعية: هي غسل جميع الأعضاء التي تغسل للوضوء فلا يخالف هذه الحقيقة إلا لدليل. وأما دعوى الإِجماع فهي من الدعاوى التي لا يهابها طالب الحق ولا تحول بينه وبين مراده منه نعم، الأحاديث الواردة في ترك التوضؤ من لحوم الغنم مخصصة لعموم الأمر بالوضوء مما مست النار وما عدا لحوم الغنم داخل تحت ذلك العموم. ٤/ ٢٦٧ - (وعَنْ مَيْمُونَةَ [رضي الله تعالى عنها] (١) قالتْ: أَكَلَ النبيُّ ﷺ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، ثمَّ قامَ فصَلى ولَمْ يَتَوضَّأْ) (٢). [صحيح] ٥/ ٢٦٨ - (وعَنْ عَمْرِو بْنِ أمَيَّةَ الضَّمرِي [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: رأيْتُ النبيَّ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِف شَاةٍ، فأكَل مِنها فَدُعيَ إلى الصلَاة، فقامَ وطَرَحَ السّكِّينَ وصَلَّى وَلمْ يَتَوضَّأْ. مُتَّفَقٌ عَليهِما) (٣). [صحيح] قوله: (يجتزُّ من كتِف شاة)، قال النووي (٤): فيه جوازُ قطع اللحم بالسكين، وذلك قد تدعو الحاجةُ إليه لصلابة اللحم أو كِبر القِطعة. قالوا: ويُكره من غير حاجة.

стр. 741

قوله: (فدُعِيَ إلى الصلاة)، في هذا دليل على استحباب استدعاء الأئمة إلى الصلاة إذا حضر وقتها. والحديث يدل على عدم وجوب الوضوء مما مسته النار (١)، وقد عرفت الخلاف والكلام فيه فلا نعيده. ٦/ ٢٦٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ [﵁] (٢) قالَ: أَكَلْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ وَمَعَ أبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ خُبْزًا ولحمًا فَصَلُّوْا وَلمْ يَتَوضأوا. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [صحيح] ٧/ ٢٧٠ - (وَعَنْ جابِرٍ [﵁] (٢) قالَ: كانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ تَرْكُ الوُضُوءِ مِمّا مَسَّتْهُ النَارُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) وَالنَّسَائِيُّ) (٥). [صحيح] [الحديثُ الأول أخرجه ابن أبي شيبة (٦) والضياء في المختارة. و] (٧) الحديث الآخر أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٨) وابن حبان (٩)، وقال أبو داود (١٠): هذا اختصار من حديث: "قربت للنبي ﷺ خُبزًا ولحمًا فأكله ثم دعا

стр. 742

بالوضوء فتوضأ قبل الظهر ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ" (١). وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢) عن أبيه نحوه وزاد: ويمكن أن يكون شُعيب بن أبي حمزة حدث به من حفظه فوهم فيه، وقال ابن حبان (٣) نحوًا مما قاله أَبو داود، وله علة أخرى، قال الشافعي في سنن حرملة (٤): لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، وقال البخاري في الأوسط (٥): حدثنا علي بن المديني قال: قلت لسفيان: إن أبا علقمة الفروي روى عن ابن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ : "أكل لحمًا ولم يتوضأ" فقال: أحسبني سمعت ابن المنكدر قال: أَخبرني من سمع جابرًا. قال الحافظ (٦): [ويشهد] (٧) لأصل الحديث ما أَخرجه البخاري في الصحيح (٨) عن سعيد بن الحارث قلت لجابر: الوضوء مما مست النار؟ قال: لا، وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة، أَخرجه الطبراني في الأوسط (٩) ولفظه: "أكل آخر أمره لحمًا ثم صلى ولم يتوضأ"، وقال النووي في شرح مسلم (١٠): حديث جابر حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة.

стр. 743

والحديث يدل على عدم وجوب الوضوء مما مسته النار، وقد تقدم الكلام على ذلك. قال المصنف (١) ﵀ [تعالى] (٢): وهذه النصوص إنما تنفي الإِيجاب لا الاستحباب، ولهذا قال للذي سأله: "أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ" (٣). ولولا أن الوضوء من ذلك مستحب لما أذن فيه لأنه إسراف وتضييع للماء بغير فائدة، انتهى. [الباب الثاني] باب فضل الوضوء لكل صلاة ٨/ ٢٧١ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ [﵁] (٢) عَنْ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لوْلا أَنْ أشُقّ على أُمَّتي لأمَرْتُهُمْ عِندَ كُلِّ صلاةٍ بِوضُوءٍ، ومَعَ كُلِّ وُضُوءِ بِسِواكِ". رَوَاهُ أحمَدُ بإِسْنادٍ صَحِيحٍ) (٤). [صحيح] الحديث أخرج نحوه النسائي (٥) وابن خزيمة (٦)، والبخاري تعليقًا (٧) من حديثه. وروى نحوه ابن حبان في صحيحه (٨) من حديث عائشة، وهو يدل على عدم وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، وهو مذهب الأكثر، بل حكى النووي (٩) عن القاضي عياض أنه أجمع عليه أَهل الفتوى، ولم يبق بينهم خلاف، وقد قدمنا الكلام على ذلك في باب: إيجاب الوضوء للصلاة والطواف ومس المصحف (١٠).

стр. 744

٩/ ٢٧٢ - (وعَنْ أنَسٍ [﵁] (١) قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتوضَّأ عِندَ كُلِّ صَلاةٍ، قيلَ لهُ فأنْتُمْ كَيْفَ تَصْنَعُونَ؟ قالَ: كُنا نُصَلي الصَّلَواتِ بوُضُوءٍ واحِدٍ ما لَمْ نُحْدِثْ. رَوَاهُ الجمَاعَةُ إِلا مُسْلِمًا) (٢). [صحيح] قوله: (عند كل صلاة)، قال الحافظ (٣): "أي مفروضة، زاد الترمذي (٤) من طريق حُمَيْد عن أنس: "طَاهِرًا أو غيرَ طاهِرٍ"، وظاهره أن تلك كانت عادته. قال الطحاوي (٥): يحتمل أن ذلك كان واجبًا عليه خاصة ثم نسخ يوم الفتح بحديث بريدة يعني الذي أخرجه مسلم (٦): "أنه صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد". قال: ويحتمل أنه كان يفعله استحبابًا، ثم خشي أَن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز. قال الحافظ (٧): وهذا أقرب، وعلى تقدير الأول فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النعمان، فإنه كان في خيبر، وهي قبل الفتح بزمان. قوله: (كيف كنتم تصنعون) القائل عمرو بن عامر، والمراد الصحابة. ولابن ماجه (٨): "وكُنَّا نصَلِّي الصلواتِ كُلَّها بوضُوءٍ واحدٍ". والحديث يدل على استحباب الوضوء لكل صلاة وعدم وجوبه. ١٠/ ٢٧٣ - (وَعَنْ عَبدِ الله بْنِ حَنْظَلَةَ [﵁] (١) أن النبيَّ ﷺ كانَ أُمِرَ بِالوضُوء لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كانَ أوْ غَيرَ طَاهِرٍ، فلمَا شَقَّ ذلِكَ عَليهِ أُمرَ بِالسِّوَاكِ عِندَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَوُضِعَ عَنهُ الوُضُوءُ إلَّا مِنْ حَدَثٍ، وكانَ عَبدُ الله بْنُ عُمَرَ يَرَى أن بِهِ قوَّةً على ذلِكَ، كانَ يَفْعَلُهُ حَتى مات. رَوَاهُ أحْمَدُ (٩) وأبُو دَاوُدَ) (١٠). [حسن]

стр. 745

١١/ ٢٧٤ - (وَرَوى أَبُو دَاوُدَ (١) والتِّرْمِذِيُّ (٢) بإِسنْادٍ ضَعيفٍ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ تَوضَّأ على طُهْرٍ كَتَبَ الله لهُ بِهِ عَشْرَ حَسناتٍ". [ضعيف] أما الرواية الأولى عن عبد الله بن حنظلة، ففي إسنادها محمد بن إسحاق، [وقد عنعن] (٣)، وفي الاحتجاج به خلاف (٤). وأما الرواية الثانية عن ابن عمر ففي إسنادها الأفريقي (٥) عن أبي غطيف (٦)، ولهذا قال المصنف (٧): بإسناد ضعيف، وهكذا قال الترمذي في سننه. والحديث الأول فيه دليل على عدم وجوب الوضوء لكل صلاة، وعلى

стр. 746

استحبابه لكل صلاة مع الطهارة، وقد تقدم الكلام عليه. قوله: (عشر حسنات)، قال ابن رسلان: يشبه أن يكون المراد كتب الله له به عشر وضوءات، فإن أقل ما وعد به من الأضعاف الحسنة بعشر أمثالها، وقد وعد بالواحدة سبعمائة، ووعد ثوابًا بغير حساب. [الباب الثالث] باب استحباب الطهارة لذكر الله والرخصة في تركه ١٢/ ٢٧٥ - (عَنِ المُهاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ [﵁] (١) أنهُ سَلَّمَ على النَّبِيِّ ﷺ وَهُو يَتَوضَّأُ فَلَمْ يَرُدَّ عَليهِ حَتى فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ فَرَدَّ عليهِ، وَقالَ: "إنهُ لَمْ يَمْنَعني أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ إلَّا أنّي كلرِهْتُ أنْ أذْكُرَ الله إلَّا على طَهارَةٍ". رَوَاهُ أحمدُ (٢) وابْنُ ماجَهْ بِنَحْوِهِ) (٣). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٤) والنسائي (٥)، وهو يدل على كراهة الذكر للمحدث حدثًا أصغر (٦)، …

стр. 747

[ولفظ أبي داود وهو يبول] (١)، ويُعارضه ما سيأتي من حديث علي (٢) وعائشة (٣)، [﵄] (٤) فإن في حديث علي لا يَحْجُزُه من القرآنِ شيءٌ ليسَ الجنابةَ، فإذا كان الحدَثُ الأصغرُ لا يمنعُهُ عن قراءة القرآن وهو أفضلُ الذكرِ كان جوازُ ما عداهُ من الأذكارِ بطريق الأَولى، وكذلك حديثُ عائشة، فإنَّ قولها: "كان النبيُّ ﷺ يذكُرُ اللَّهَ على كلِّ أحيانِهِ"، مُشْعِرٌ بوقوعِ الذكرِ منه حالَ الحدث الأصغر لأنه من جملة الأحيان المذكورة، فيمكن الجمع بأن هذا الحديث خاصٌ فيخصُّ به ذلكَ العمومُ، ويمكنُ حمل الكراهةِ على كراهة التنزيه، ومثلُه الحديثُ الذي بعدَهُ، ويمكنُ أن يقال: "إنَّ النبيَّ ﷺ إنما ترك الجوابَ لأنه لم يخش فوتَ من سلَّمَ عليه فيكونُ دليلًا على جواز التراخي مع عدم خشيةِ الفوتِ لمن كان مشتغلًا بالوضوءِ، ولكنَّ التعليلَ بكراهته لذكرِ الله في تلك الحالِ يدلُّ على أَن الحدَثَ سبب الكراهةِ من غيرِ نظرٍ إلى غيرِه. ١٣/ ٢٧٦ - (وَعَنْ أبِي جُهَيْمٍ بن الحَارِثِ [﵁] (٤) قالَ: أقْبَلَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ علَيهِ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبيُّ ﷺ حَتى أَقْبَلَ على الجدَار فمَسَحَ بِوَجهِهِ وَيدَيْهِ، ثمَّ رَدَّ ﵇. مُتَّفَق عَليَهِ (٥). [صحيح] وَمِنَ الرُّخصَةِ في ذلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيّ (١). [ضعيف] وحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ (٦) قالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتي مَيْمُونةَ. [صحيح]. وَسَنَذْكُرُهُما). قوله: (بئر جَمَل) (٧) بجيم وميم مفتوحتين، وفي رواية النسائي (٨):

стр. 748

"بئر الجمل" بالألف واللام، وهو موضع بقرب المدينة. قوله: (حتى أقبل على الجدار فمسحَ بوجهه)، هو محمول على أنه ﷺ كان عادمًا للماء حال التيمم، فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادرين على استعماله. قال النووي (١): ولا فرق بين أن يضيق وقت الصلاة وبين أن يتَّسع. ولا فرق أيضًا بين صلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يتيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما، انتهى. وهو أيضًا مذهب الهادوية. وفي الحديث دلالة على جواز التيمم من الجدار إذا كان عليه غبار. قال النووي (١): وهو جائز عندنا، وعند الجمهور من السلف والخلف. واحتج به من جوز التيمم بغير تراب. وأجيب بأنه محمول على جدار عليه تراب. وفيه دليل على جواز التيمم للنوافل والفضائل، كسجود التلاوة والشكر ومس المصحف ونحوها، كما يجوز للفرائض، وهذا مذهب العلماء كافة، قاله النووي (١). وفي الحديث: إن المسلم في حال قضاء الحاجة لا يستحق جوابًا وهذا متفق عليه (٢). قال النووي (٣): ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله بشيء من الأذكار. قالوا: فلا يسبِّح ولا يهلِّل، ولا يرد السلام، ولا يشمِّت العاطس، ولا يحمد الله إذا عطس، ولا يقول مثل ما يقول المؤذن (٤). وكذلك لا يأتي بشيء من هذه الأذكار في حال الجماع، وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه، ولا يحرك به لسانه، وهذا الذي ذكرناه من كراهة الذكر، هو كراهة تنزيه لا تحريم، فلا إثم على فاعله. وإلى هذا ذهبت

стр. 749

الشافعية والأكثرون، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس وعطاء ومعبد الجهني وعكرمة، وقال إبراهيم النخعي وابن سيرين: لا بأس بالذكر حال قضاء الحاجة، ولا خلاف أن الضرورة إذا دعت إلى الكلام كما إذا رأى ضريرًا يقع في بئر أو رأى حية تدنو من أعمى كان جائزًا. وقد تقدم طرف من هذا الحديث، وطرف من شرحه في باب: كف المتخلي عن الكلام (١). قوله: (ومن الرخصة في ذلك حديث عبد الله بن سلمة عن علي) [رضي الله تعالى عنه] (٢)، سيذكره المصنف في باب تحريم القرآن على الحائض والجنب (٣). وفيه: "أنه كان لا يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة"، فأشعر بجواز قراءة القرآن في جميع الحالات إلا في حالة الجنابة والقرآن أشرف الذكر، فجواز غيره بالأولى. ومن جملة الحالات حالة الحدث الأصغر. قوله: (وحديث ابن عباس (٤): بتُّ عند خالتي ميمونة)، محل الدلالة منه قوله: ثم قرأ العشر الآيات أولها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ … ﴾ (٥) إلى آخر السورة. "قال ابن بطال ومن تبعه (٦): فيه دليل على رد قول من كره قراءة القرآن على غير طهارة، لأنه ﷺ قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ، وتعقبه ابن المنيِّر وغيره، بأن ذلك مفرع على أن النوم في حقه ينقض، وليس كذلك لأنه قال: "تنام عيناي ولا ينام قلبي" (٧). وأما كونه توضأ عقب ذلك، فلعله جدد الوضوء أو أَحدث بعد ذلك فتوضأ. قال الحافظ (٨): وهو تعقب جيد بالنسبة إلى قول ابن بطال بعد قيامه من النوم، لأنه لم يتعين كونه أحدث في النوم، لكن لما عقب ذلك بالوضوء كان ظاهرًا في كونه أحدث، ولا يلزم من

стр. 750

كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث وهو نائم نعم خصوصيته أنه إن وقع شعر به بخلاف غيره، وما ادّعوه من التجديد وغيره. الأصل عدمه، وقد سبق الإِسماعيلي إلى معنى ما ذكره ابن المنير". ١٤/ ٢٧٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: كانَ [رَسُولُ الله] (١) ﷺ يَذْكرُ الله على كُلِّ أحيْانِه. رَواهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ وَذَكَرَهُ البُخارِيُّ بِغيرِ إسْنادٍ) (٢). [صحيح] [الحديث أخرجه مسلم] (٣) [أيضًا] (٤) [وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب] (٥). قال النووي في شرح مسلم (٦): "هذا الحديث أصل في ذكر الله بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، وشبهها من الأذكار. وهذا جائز بإجماع المسلمين وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض، وسيأتي الكلام على ذلك في باب: تحريم القراءة على الحائض والجنب (٧). واعلم أنه يكره الذكر في [حالة] (٨) الجلوس على البول والغائط، وفي حالة الجماع. وقد ذكرنا ذلك في الحديث الذي قبل هذا، فيكون الحديث مخصوصًا بما سوى هذه الأحوال، ويكون المقصود أنه ﷺ كان يذكر الله تعالى متطهرًا ومحدثًا وجنبًا وقائمًا وقاعدًا ومضطجعًا وماشيًا، قاله النووي (٩).

стр. 751

[الباب الرابع] باب استحباب الوضوء لمن أراد النوم ١٥/ ٢٧٨ - (عَنِ البَرَاء بْنِ عَازِبٍ [﵁] (١) قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "إذا أتيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثمَّ اضْطَجعْ على شِقكَ الأيْمَنِ، ثمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أسلمْتُ نَفْسي إليْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهي إلَيكَ، وَفوَّضْتُ أمْرِي إلَيكَ، وَأَلجَأْتُ ظَهْرِي إلَيكَ، رَغْبةً ورَهْبةً إلَيكَ، لَا مَلْجَأ وَلَا مَنْجى مِنْكَ إلَّا إلَيكَ، اللَّهُمَّ آمَنتُ بِكِتابِكَ الذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبيكَ الذِي أَرْسَلْتَ، فإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فأنت على الفطرةِ، وَاجْعَلهُنَّ آخِرَ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ"، قالَ: فَرَدَّدَها عليَّ النَّبِيُّ ﷺ فَلمَّا بَلغْتُ: اللهُمَّ آمَنْتُ بِكِتابِكَ الذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: "لَا، وَنَبِيِّكَ الذِي أَرْسَلتَ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) والبُخارِيُّ (٣) وَالتِّرْمِذِيّ) (٤). [صحيح] قوله: (فتوضأ)، ظاهره استحباب تجديد الوضوء لكل من أراد النوم، ولو كان على طهارة، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بمن كان محدثًا. وقد روى هذا الحديث الشيخان وغيرهما من طرق عن البراء ليس فيها ذكر الوضوء إلا في هذه الرواية، وكذا قال الترمذي. وقد ورد في الباب حديث عن معاذ بن جبل أخرجه أبو داود (٥)، وحديث عن علي أخرجه البزار (٦)، وليس واحد منهما على شرط البخاري.

стр. 752

قوله: (فأنت على الفطرة)، المراد بالفطرة هنا السنة. قوله: (واجعلهنّ آخر مما تتكلم به)، في رواية الكُشْمِيْهَنِي (١): (من آخر)، وهي تبين أنه لا يمتنع أن يقول بعدهنّ شيئًا من المشروع من الذكر. قوله: (لا، ونبيك)، قال الخطابي (٢): فيه حجة لمن منع رواية الحديث بالمعنى، قال: ويحتمل أَن يكون أَشار بقوله: ونبيك الذي أرسلت، إلى أنه كان نبيًا قبل أن يكون رسولًا، ولأنه ليس في قوله: ورسولك الذي أرسلت وصف زائد بخلاف قوله: ونبيك الذي أرسلت. وقال غيره: ليس فيه حجة على منع ذلك، لأن لفظ الرسول ليس بمعنى لفظ النبي، ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى، فكأنه أراد أن يجمع الوصفين صريحًا، وإن كان وصف الرسالة يستلزم وصف النبوة، أو لأن ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ، وتقدير الثواب، فربما كان في اللفظ سر ليس في الآخر، ولو كان يرادفه في الظاهر، أو لعله أوحي إليه بهذا اللفظ فرأى أن يقف عنده، أو ذكره احترازًا ممن أرسل من غير نبوة، كجبريل وغيره من الملائكة، لأنهم رسل لا أنبياء، فلعله أراد تخليص الكلام من اللبس، أو لأن لفظ النبي أمدح من لفظ الرسول، لأنه مشترك في الإِطلاق على كل من أرسل، بخلاف لفظ النبي فإنه لا اشتراك فيه عرفًا. وعلى هذا فقول من قال: كل رسول نبي من غير عكس، لا يصح إطلاقه، قاله الحافظ (٣). واستدل به بعضهم على أنه لا يجوز إبدال لفظ قال نبيّ الله مثلًا في الرواية بلفظ: قال رسول الله، وكذا عكسه. قال الحافظ (٣): ولو أجزنا الرواية بالمعنى فلا

стр. 753

حجة له فيه، وكذا لا حجة فيه لمن أجاز الأول دون الثاني، لكون الأول أخص من الثاني، لأنا نقول الذات المخبر عنها في الرواية واحدة، فبأي وصف وصفت تلك الذات من أَوصافها اللائقة بها علم القصد بالمخبر عنه، ولو تباينت معاني الصفات، كما لو أبدل اسمًا بكنية أو كنية باسم فلا فرق. وللحديث فوائد مذكورة في كتاب الدعوات من الفتح (١). [الباب الخامس] باب تأكيد ذلك للجنب واستحباب الوضوء له لأجل الأكل والشرب والمعاودة ١٦/ ٢٧٩ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) أنْ عُمَرَ قالَ: يا رسُولَ الله، أيَنامُ أحَدُنا وَهُو جُنُبٌ؟ قالَ: "نَعَمْ، إذا توضأ") (٣). [صحيح] ١٧/ ٢٨٠ - (وعَنْ عَائِشةَ [﵂] (٢) قَالتْ: كانَ الِنبيُّ ﷺ إذا أرَادَ أنْ يَنامَ وَهُوَ جُنُب غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلَاةِ. رَوَاهُما الجَماعَةُ) (٤). [صحيح] ١٨/ ٢٨١ - (ولأحمَدَ (٥) وَمُسْلِمٍ (٦) عَنْهَا قالتْ: كانَ النبيُّ ﷺ إذا كانَ جُنُبًا فأرَادَ أن يأكُلَ أوْ يَنامَ تَوضَّأ). [صحيح] قوله: (قال: نعم إذا توضأ)، وفي رواية البخاري ومسلم (٧): "ليتوضأ ثم

стр. 754

لينم"، وفي رواية للبخاري (١): "ليتوضأ ويرقد". وفي رواية لهما (٢): "توضأ واغسل ذكرك ثم نم"، وفي لفظ للبخاري (٣): "نعم [ويتوضأ] (٤) ". وأحاديث الباب تدل على أنه يجوز للجنب أن ينام ويأكل قبل الاغتسال وكذلك يجوز له معاودة الأهل كما سيأتي في حديث أبي سعيد (٥)، وكذلك الشرب كما يأتي في حديث عمار (٦)، وهذا كله مجمع عليه، قاله النووي (٧). وحديث عمر جاء بصيغة الأمر وجاء بصيغة الشرط وهو متمسَّك لمن قال بوجوب الوضوء على الجنب إذا أراد أن ينام قبل الاغتسال، وهم الظاهرية (٨) وابن حبيب من المالكية (٩). وذهب الجمهور إلى استحبابه وعدم وجوبه. وتمسكوا بحديث عائشة الآتي في الباب الذي بعد هذا (١٠): "أن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء"، وهو غير صالح للتمسك به من وجوه: (أحدها): أن فيه مقالًا لا ينتهض معه للاستدلال، وسنبيِّنه في شرحه إن شاء الله تعالى. (وثانيها): أن قوله "لا يمس ماء"، نكرة في سياق النفي، فتعم ماء الغسل وماء الوضوء وغيرهما، وحديثها المذكور في الباب (١١) بلفظ: "كان إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة" خاص بماء الوضوء، فيبنى

стр. 755

العام على الخاص، ويكون المراد بقوله: "لا يمس ماء" غير ماء الوضوء، وقد صرح ابن سريج والبيهقي بأن المراد بالماء ماء الغسل. وقد أخرج أحمد (١) عن عائشة [رضي الله تعالى عنها] (٢) قالت: "كان يُجنب من الليل ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ولا يمس ماء". (وثالثها) أن تركه ﷺ لمس الماء لا يعارض قوله الخاص بنا كما تقرر في الأصول، فيكون الترك على تسليم شموله لماء الوضوء خاصًّا به. وتمسكوا أيضًا بحديث ابن عباس مرفوعًا: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة" أخرجه أصحاب السنن (٣). وقد استدل به أيضًا على ذلك ابن خزيمة (٤) وأبو عوانة في صحيحه (٥). قال الحافظ (٦): وقد قدح في هذا الاستدلال [ابن زبيد] (٧) المالكي وهو واضح. قلت: فيجب الجمع بين الأدلة بحمل الأمر على الاستحباب، ويؤيد ذلك أنه أخرج ابن خزيمة (٨) وابن حبان (٩) في صحيحيهما من حديث ابن عمر: "أنه سئل النبي ﷺ أينام أحدنا وهو جنب، قال: نعم ويتوضأ إن شاء"، والمراد بالوضوء هنا وضوء الصلاة لما عرفناك غير مرة أَنه هو الحقيقة الشرعية وأنها مقدمة على غيرها. وقد صرَّحت بذلك عائشة [رضي الله تعالى عنها] (٢) في حديث الباب المتفق عليه (١٠) فهو يرد ما جنح إليه الطحاوي (١١) من أن المراد بالوضوء التنظيف، واحتج بأن ابن عمر راوي هذا الحديث وهو صاحب القصة:

стр. 756

"كان يتوضأ وهو جنب ولا يغسل رجليه" كما رواه مالك في الموطأ (١) عن نافع. ويرد أيضًا بأن مخالفة الراوي لما روى لا تقدح في المروي ولا تصلح لمعارضته. وأيضًا قد ورد تقييد الوضوء بوضوء الصلاة من روايته، ومن رواية عائشة فيعتمد ذلك، ويحمل ترك ابن عمر لغسل رجليه على أن ذلك كان لعذر. وإلى هذا ذهب الجمهور. قال الحافظ (٢): "والحكمة في الوضوء أنه يخفف الحدث ولا سيما على القول بجواز تفريق الغسل. ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة (٣) بسند رجاله ثقات عن شدّاد بن أوس الصحابي قال: "إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف غسل الجنابة". وقيل: الحكمة أنه أحد الطهارتين، وقيل: إنه ينشط إلى العود أو إلى الغسل". ١٩/ ٢٨٢ - (وعَنْ عَمَّارِ بْنِ ياسِرٍ [رضي الله تعالى عنه] (٤) أن النبيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلْجنُبِ إذا أرَادَ أنْ يأكُلَ أوْ يَشْرَبَ أَوْ يَنامَ أنْ يَتَوضَّأ وضُوءَهُ للصلَاةِ. رَوَاهُ أحمدُ (٥) وَالترْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) (٦). [حسن] الوضوء عند إرادة الأكل والنوم ثابت من حديث عائشة [رضي الله تعالى عنها] (٤) ومتفق عليه (٧). وقد تقدم في الحديث الذي قبل هذا إحدى الروايات وعزاها المصنف إلى أحمد ومسلم (٨). وعند إرادة الشرب من حديث عائشة أيضًا عند النسائي (٩) ولكن جميع ذلك من فعله ﷺ لا من قوله كما في حديث الباب. وقد روى الوضوء عند الأكل من حديث جابر عند ابن ماجه (١٠) وابن

стр. 757

خزيمة (١)، ومن حديث أم سلمة (٢) وأبي هريرة (٣) عند الطبراني في الأوسط. والحديث يدل على أفضلية الغسل لأن العزيمة أفضل من الرخصة، والخلاف في الوضوء لمن أراد أن ينام وهو جنب قد ذكرناه في الحديث الذي قبل هذا (٤)، وأما من أراد أن يأكل أو يشرب فقد اتفق الناس على عدم وجوب الوضوء عليه (٥)، وحكى ابن سيد الناس في شرح الترمذي عن ابن عمر أنه واجب (٦). ٢٠/ ٢٨٣ - (وعنْ أبي سعيدٍ [رضي الله تعالى عنه] (٧) عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إذا أَتَى أحَدُكُمْ أَهْلهُ ثمّ أرادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضأْ". رَواهُ الجماعةُ إلا البُخاريُّ) (٨). [صحيح]

стр. 758

ورواه ابن خزيمة (١) وابن حبان (٢) والحاكم (٣) وزادوا: "فإنَّه أنشَطُ للعَوْدِ"، وفي رواية للبيهقي (٤) وابن خزيمة (٥): "فليتوضَّأ وضُوءَهُ للصَّلاة"، ويقال: إن الشافعي قال: لا يثبت مثله. قال البيهقي: ولعله لم يقف على إسناد حديث أبي سعيد، ووقف على إسناد غيره، فقد روي عن عمر (٦) وابن عمر (٧) بإسنادين ضعيفين، قال الحافظ (٨): ويؤيد هذا حديث أنس الثابت في الصحيحين (٩): "أنه ﷺ كان يطوفُ على نسائه بغسل واحد".

стр. 759

والحديث يدل على أن غسل الجنابة ليس على الفور وإنما يتضيق على الإِنسان عند القيام إلى الصلاة. قال النووي (١): وهذا بإجماع المسلمين، ولا شك في استحبابه قبل المعاودة لما رواه أحمد (٢) وأصحاب السنن (٣) من حديث أبي رافع: "أنه ﷺ طاف على نسائه ذات ليلة يغتسل عند هذه وعند هذه، وقيل: يا رسول الله ألا تجعله غسلًا واحدًا فقال: هذا أزكى وأَطيب"، وقول أبي داود (٤): إن حديث أنس أصح منه لا ينفي صحته. وقد قال النووي (٥): هو محمول على أنه فعل الأمرين في وقتين مختلفين. وقد ذهبت الظاهرية (٦) وابن حبيب إلى وجوب الوضوء على المعاود وتمسكوا بحديث الباب. وذهب من عداهم إلى عدم الوجوب وجعلوا ما ثبت في رواية الحاكم (٧) بلفظ: "إنه أنشط للعود" صارفًا للأمر إلى الندب. ويؤيد ذلك ما رواه الطحاوي (٨) من حديث عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ" ويؤيده أيضًا الحديث المتقدم بلفظ: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة" (٩). (فائدة): طوافه ﷺ على نسائه محمول على أَنه كان برضاهنّ أو برضا صاحبة النوبة إن كانت نوبة واحدة، قال النووي (١٠): وهذا التأويل يحتاج إليه من

стр. 760

يقول: كان القسم واجبًا عليه في الدوام كما يجب علينا، وأما من لا يوجبه فلا يحتاج إلى تأويل فإن له أن يفعل ما شاء. [الباب السادس] باب جواز ترك ذلك ٢١/ ٢٨٤ - (عَنْ عَائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (١) قَالَتْ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا أرَادَ أنْ يَأكُل أَوْ يَشْرَبَ وهُو جُنُبٌ يَغْسِلُ يَدَيه ثمَّ يأكُلُ وَيشَربُ. رَواهُ أحْمَدُ (٢) والنَّسَائيُّ) (٣). [صحيح] هو طرف من الحديث ولفظه في النسائي (٢): "كانَ إذَا أرادَ أنْ ينامَ وهو جُنُبٌ توضَّأَ - وضوءه للصلاة - وإذَا أرادَ أن يأكُلَ أو يشربَ غسلَ يديْهِ ثم يأكلُ أو يشرَبُ". وقد ذكره الحافظ في التلخيص (٤)، وابن سيد الناس في شرح الترمذي، ولم يتكلَّما عليه بما يوجب ضعفًا، وهو في سنن النسائي (٥) من طريق محمد بن عبيد بن محمد قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة فذكره. ومحمد بن عبيد (٦) ثقة، وبقية رجال الإِسناد أئمة (٧).

стр. 761

وأخرج ابن خزيمة في صحيحه (١) من حديثها أن النبي ﷺ : "كان إذا أراد أن يطعم وهو جنب غسل يده ثم يطعم"، وبه استدل من فرق بين الوضوء لإِرادة النوم والوضوء لإِرادة الأكل والشرب. قال الشيخ أَبو العباس القرطبي (٢): هو مذهب كثير من أهل الظاهر وهو رواية عن مالك. وروي عن سعيد بن المسيب (٣) أَنه قال: إذا أراد الجنب أن يأكل غسل يديه ومضمض فاه. وعن مجاهد (٤) قال في الجنب: إذا أراد الأكل أنه يغسل يديه ويأكل. وعن الزهري (٥) مثله، وإليه ذهب أحمد (٦)، وقال: لأن الأحاديث في الوضوء لمن أراد النوم، كذا في شرح الترمذي لابن سيد الناس. وذهب الجمهور إلى أنه كوضوء الصلاة، واستدلوا بما في الصحيحين (٧) من حديثها بلفظ: "كان إذا أَراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة" وبما سبق من حديث عمار (٨). ويجمع بين الروايات بأنه كان تارة يتوضأ وضوء

стр. 762

الصلاة وتارة يقتصر على غسل اليدين، لكن هذا في الأكل والشرب خاصة، وأما في النوم والمعاودة فهو كوضوء الصلاة لعدم المعارض للأحاديث المصرحة فيهما بأنه كوضوء الصلاة. ٢٢/ ٢٨٥ - (وعَنها [رضي الله تعالى عنها] (١) أيْضًا قالتْ: كانَ النَّبيُّ ﷺ إِذا كانَ لهُ حَاجَةٌ إلى أهْلِهِ أتَاهُمْ ثمَّ يَعُودُ ولَا يَمَسُّ ماءً. رَوَاهُ أحمَدُ (٢). ولِأبي دَاوُدَ (٣) والتِّرْمذِيِّ (٤) عنها: كانَ رَسولُ الله ﷺ يَنامُ وهُوَ جُنُبٌ ولَا يَمَسُّ ماءً). [صحيح] الحديث قال أحمد: ليس بصحيح. وقال أبو داود (٥): هو وهم. وقال يزيد بن هارون: هو خطأ. وقال مهنا عن أحمد بن صالح: لا يحل أن يروى هذا الحديث. وفي علل الأثرم لو لم يخالف أبا إسحاق (٦) في هذا إلا إبراهيم (٧) وحده لكفى، قال ابن مفوز: أجمع المحدثون أنه خطأ من أبي إسحاق. قال الحافظ (٨): "وتساهل في نقل الإِجماع، فقد صححه البيهقي، وقال: إن أبا إسحاق قد بين سماعه من الأسود في رواية زهير (٩) عنه".

стр. 763

قال ابن العربي في شرح الترمذي (١): "تفسير غلط أبي إسحاق هو أن هذا الحديث رواه أبو إسحاق مختصرًا واقتطعه من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه. ونص الحديث الطويل ما رواه أبو غسان (٢) قال: "أتيت الأسود بن يزيد وكان لي أخًا وصديقًا فقلت: يا أبا عمر حدثني ما حدثتك عائشة أم المؤمنين عن صلاة رسول الله ﷺ ، "فقال: قالت: كان ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول وثب وربما قالت: قام فأفاض عليه الماء وما قالت: اغتسل وأنا أعلم ما تريد، وإن نام جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة". فهذا الحديث الطويل فيه: "وإن نام وهو جنب توضأ وضوء الرجل للصلاة"، فهذا يدلك على أن قوله: "ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء" يحتمل أحد وجهين: إما أن يريد حاجة الإِنسان من البول والغائط فيقضيهما ثم يستنجي ولا يمس ماء وينام، فإن وطئ توضأ كما في آخر الحديث، ويحتمل أن يريد بالحاجة حاجة الوطء. وبقوله: "ثم ينام ولا يمس ماء" يعني ماء الاغتسال، ومتى لم يحمل الحديث على أحد هذين الوجهين تناقض أوله وآخره، فتوهم أبو إسحاق أن الحاجة حاجة الوطء فنقل الحديث على معنى ما فهمه"، انتهى. والحديث يدل على عدم وجوب الوضوء على الجنب إذا أراد النوم أو المعاودة وقد تقدم في الباب الأول (٣) أنه غير صالح للاستدلال به على ذلك لوجوه ذكرناها هنالك. قال المصنف (٤) رحمه الله تعالى: "وهذا لا يناقض ما

стр. 764

قبله بل يحمل على أنه كان يترك الوضوء أحيانًا لبيان الجواز ويفعله غالبا لطلب الفضيلة"، انتهى. وبهذا جمع ابن قتيبة (١) والنووي (٢).
следующие страницы →