← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 7340–7379 · переход к 7345.

стр. 7340

قول الصحابي: أحلّ لنا كذا. وحرّم علينا كذا مثل قوله: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فيحصل الاستدلال بهذه الرواية لأنها في معنى المرفوع، كذا قال الحافظ (١). قوله: (سبع غزوات) في رواية البخاري (٢): "أو ستًا" ووقع في توضيح ابن مالك (٣): سبع غزوات، أو ثماني، وتكلم عليه فقال: الأجود أن يقال: أو ثمانيًا - بالتنوين -؛ لأنَّ لفظ ثماني وإن كان كلفظ جواري: في أن ثالث حروفه ألف بعد حرفان ثانيهما ياء، فهو يخالفه في أن جواري جمع وثماني ليس بجمع، وقد أطال الكلام على ذلك، ثم وجّه (٤) ترك التنوين بتوجيهات: منها أن يكون حذف المضاف إليه، وأبقى المضاف على ما كان عليه قبل الحذف. قال الحافظ (٥): ولم أر لفظ ثماني في شيءٍ من كتب الحديث، قال: وهذا الشكّ في عدد الغزوات من شعبة. قوله: (نأكل معه الجراد) يحتمل أن يراد بالمعيَّة مجرّد الغزو دون ما تبعه من أكل الجراد. ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدلّ على الثاني ما وقع في رواية أبي نعيم (٦) بلفظ: "ويأكله معنا"، وهذا يردُّ على الصيمري من الشافعية حيث زعم أنه ﷺ عافه كما عاف الضبّ. وقد أخرج أبو داود (٧) عنه ﷺ من حديث سلمان أنه قال: "لا آكله ولا أحرّمه"، والصواب أنه مرسل ولابن عديّ (٨) في ترجمة ثابت بن زهير عن نافع عن ابن عمر "أنه ﷺ سئل عن الضبّ فقال: لا آكله ولا أحرّمه"، "وسئل عن الجراد فقال مثل ذلك".

стр. 7341

قال الحافظ (١): وهذا ليس ثابتًا؛ لأن ثابتًا قال فيه النَّسَائِي (٢): ليس بثقة. ونقل النووي (٣) الإجماع على حلّ أكل الجراد. وفصَّل ابن العربي في شرح الترمذي (٤) بين جراد الحجاز وجراد الأندلس، فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل لأنَّه ضرر محض، وهذا إن ثبت أنه يضرُّ آكله بأن يكون فيه سميَّة تخصه دون غيره من جراد البلاد؛ تَعَيَّنَ استثناؤه. وذهب الجمهور (٥) إلى حلِّ أكل الجراد، ولو مات بغير سبب، وعند المالكية (٦): اشتراط التذكية، وهي: هنا أن يكون موته بسبب آدمي، إما بأن يقطع رأسه، أو بعضه، أو يسلق، أو يلقى في النار حيًا، فإن مات حتف أنفه، أو في وعاء لم يحلَّ. واحتجّ الجمهور بحديث ابن عمر (٧) المذكور في الباب. ولفظ (الجراد) جنس يقع على الذكر والأنثى، ويميز واحده بالتاء، وسمي جرادًا لأنَّه يجرد ما ينزل عليه، أو لأنَّه أجرد: [أي] (٨) أملس، وهو من صيد البرِّ وإن كان أصله بحريًا عند الأكثر، وقيل: إنه بحري بدليل حديث أبي هريرة: أنه قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجّ أو عمرة، فاستقبلنا رجْلٌ من جراد، فجعلنا نضربهنّ بنعالنا وأسواطنا"، فقال ﷺ : "كلوه فإنه من صيد البحر"، أخرجه أبو داود (٩) والترمذي (١٠) وابن ماجه (١١) إسناد ضعيف.

стр. 7342

وأخرج نحوه أبو داود والترمذي من طريق أخرى عن أبي هريرة وفي إسناده أبو المُهَزِّم (١) بضم الميم وكسر الزاي وفتح الهاء وهو ضعيف. وأخرج ابن ماجه (٢) من حديث أنس مرفوعًا: "إن الجراد نثرة حوت من البحر" أي: عطسته. قوله: (الخبط) (٣) بالتحريك: هو ما يسقط من الورق عند خبط الشجر. قوله: (فأكله) بهذا تتمّ الدلالة، وإلا فمجرّد أكل الصحابة منه وهم في حال المجاعة قد يقال: إنه للاضطرار، ولا سيما وقد ثبت عن أبي عبيدة في رواية عند مسلم (٤) بلفظ: "وقد اضطررتم فكلوا". قال في الفتح (٥): وحاصل قول أبي عبيدة: أنه بني أوّلًا على عموم تحريم الميتة، ثم ذكر تخصيص المضطرّ بإباحة أكلها إذا كان غير باغٍ ولا عاب، وهم بهذه الصفة؛ لأنهم في سبيل الله وفي طاعة رسول الله. وقد تبين من آخر الحديث: أن جملة كونها حلالًا ليس لسبب الاضطرار بل لكونها من صيد البحر، لأكله ﷺ منها لأنَّه لم يكن مضطرًا. وقد ذهب الجمهور (٦) إلى إباحة ميتة البحر سواء ماتت بنفسها أو ماتت بالاصطياد. وعن الحنفية (٧) والهادي والقاسم والإمام يحيى (٨) والمؤيد بالله في أحد

стр. 7343

قوليه: إنه لا يحلّ إلا ما مات بسبب آدمي، أو بإلقاء الماء له أو جزره عنه. وأما ما مات، أو قتله حيوان غير آدمي فلا يحلّ. واستدلوا بحديث أبي الزبير عن جابر مرفوعًا بلفظ: "ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه". أخرجه أبو داود (١) مرفوعًا من رواية يحيى بن سليم الطائفي عن أبي الزبير عن جابر. وقد أسند (٢) من وجه آخر عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا. وقال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال: ليس بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه. انتهى. ويحيى بن سليم (٣) صدوق سيء الحفظ. وقال النَّسَائِي (٤): ليس بالقويّ. وقال يعقوب: إذا حدّث من كتابه فحديثه حسن، وإذا حدّث حفظًا ففي حديثه ما يعرف وينكر. وقال أبو حاتم (٥): لم يكن بالحافظ. وقال ابن حبان في الثقات (٦): كان يخطئ وقد توبع على رفعه، أخرجه الدارقطني (٧) من رواية أبي أحمد الزبيري عن الثوري مرفوعًا لكن قال: خالفه وكيع وغيره فوقفوه عن الثوري وهو الصواب. وروي عن ابن أبي ذئب وإسماعيل بن أمية مرفوعًا ولا يصحّ والصحيح موقوف. قال الحافظ (٨): وإذا لم يصحّ إلا موقوفًا فقد عارضه قول أبي بكر وغيره، يعني المذكور في الباب.

стр. 7344

وقال أبو داود (١): روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحمَّاد عن أبي الزبير؛ أوقفوه على جابر. قال المنذري (٢): وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف. وأخرجه ابن ماجه (٣). قال الحافظ (٤) أيضًا: والقياس يقتضي حلَّه؛ لأنَّه لو مات في البرِّ لأكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء فمات لأكل، فكذلك إذا مات وهو في البحر. ولا خلاف بين العلماء في حلّ السمك على اختلاف أنواعه، وإنما اختلفوا فيما كان على صورة حيوان البرّ كالآدمي والكلب والخنزير؛ فعند الحنفية (٥)، وهو قول للشافعية (٦): أنه يحرم، والأصحّ عن الشافعية (٧) الحلّ مطلقًا، وهو قول المالكية (٨)، إلا الخنزير في رواية. وحجتهم عموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٩)، وحديث: "هو الطهور ماؤه والحلّ ميتته"، أخرجه مالك (١٠)، وأصحاب السنن (١١)، وصححه ابن خزيمة (١٢)، وابن حبان (١٣)، وغيرهما، وقد تقدم في أول الكتاب (١٤). وروي عن الشافعية (١٥) أيضًا: أنه يحلّ ما يؤكل نظيره في البرّ، وما لا

стр. 7345

فلا، وإليه ذهبت الهادوية (١)، واستثنت الشافعية (٢) ما يعيش في البرّ والبحر. وهو نوعان: النوع الأوّل ما ورد في منع أكله شيء يخصه كالضفدع، وكذا استثناه أحمد (٣) للنهي عن قتله كما ورد ذلك من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي. أخرجه أبو داود (٤) والنسائي (٥) وصححه (٦) الحاكم. وله شاهد من حديث ابن عمر عند أبي عاصم، وآخر عن عبد الله بن عمر، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧) وزاد: "فإن نقيقها تسبيح". وذكر الأطباء (٨): أن الضفدع نوعان: برّي، وبحري؛ ومن المستثنى: التمساح، والقرش، والثعبان، والعقرب، والسرطان، والسلحفاة، للاستخباث والضرر اللاحق من السمّ. النوع الثاني: ما لم يرد فيه مانع فيحل، لكن بشرط التذكية كالبط وطير الماء. قوله: (إنَّ الله ذبح ما في البحر لبني آدم) لفظ البخاري (٩): "كل شيء في البحر مذبوح". وقد أخرجه الدارقطني (١٠) وأبو نعيم في الصحابة (١١) مرفوعًا.

стр. 7346

قال الحافظ (١): والموقوف أصحّ. وأخرجه ابن أبي عاصم في "الأطعمة" (٢) من طريق عمرو بن دينار: سمعت شيخًا كبيرًا يحلف بالله ما في البحر دابة إلا قد ذبحها الله لبني آدم. وأخرج الدارقطني (٣) من حديث عبد الله بن سرجس رفعه: "إن الله قد ذبح كل ما في البحر لبني آدم"، وفي سنده ضعف. والطبراني (٤) من حديث ابن عمر ورفعه نحوه وسنده ضعيف. وأخرج عبد الرزاق (٥) بسندين جيدين عن عمر ثم عن عليّ بلفظ: "الحوت ذكى كلُّه"، قال عطاء (٦): أما الطير فأرى أن تذبحه. قوله: (الطافي حلال) وصله أبو بكر بن أبي شيبة (٧) والطحاوي (٨) والدارقطني (٩) من رواية عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس، والطافي بغير همز من طفا يطفو: إذا علا على الماء ولم يرسب. قوله: (صيده ما اصطيد، وطعامه: ما رمي به)، وصله البخاري في التاريخ (١٠) وعبد بن حميد.

стр. 7347

قوله: (طعامه ميتة إلا ما قذرت) وصله الطبراني. قوله: (كل من صيد البحر صيد يهودي … إلخ)، وصله البيهقي (١). قال ابن التين: مفهومه أن صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء، وهو كذلك عند قوم. وأخرج ابن أبي شيبة (٢) بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير كراهية صيد المجوسي. وأخرج (٣) أيضًا بسند آخر عن عليّ مثل ذلك. قوله: (وركب الحسن على سرج) قيل: إنه الحسن بن عليّ، وقيل البصري. والمراد أن السرج متخذ من جلود الكلاب المعروفة بكلاب الماء التي في البحر كما صرّح به في الرواية. [الباب الخامس] بابُ الميتةِ لِلْمُضْطَرِّ ٢٢/ ٣٦٥١ - (عَنْ أبي وَاقدٍ اللَّيْثِي قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ الله إنَّا بأرْضٍ تُصِيبُنا مَخْمَصَةٌ فَمَا يَحِلُّ لَنا مِنَ المَيْتَةِ؟ فَقالَ: "إذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا ولَمْ تَغْتَبقُوا ولَمْ تَحْتَفِئُوا بِها بَقْلًا فَشأنكُمْ بِها". رَوَاهُ أحْمَدُ) (٤). [إسناده ضعيف جدًّا] ٢٣/ ٣٦٥٢ - (وَعَنْ جابِرِ بْنِ [سَمُرَةَ] (٥): أن أهْلَ بَيْتٍ كانُوا بالحَرَّةِ مُحْتاجِينَ، قالَ: فَمَاتَتْ عِنْدَهُمْ ناقَةٌ لَهُمْ أوْ لِغَيْرِهِمْ، فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ فِي أكْلِهَا، قالَ: فَعَصَمَتْهُمْ بَقِيَّةَ شِتائهِمْ أوْ سَنَتهِمْ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٦). [إسناده ضعيف]

стр. 7348

وفِي لَفْظٍ: أنَّ رَجُلًا نَزَلَ الحَرَّةَ وَمَعَهُ أهْلُهُ وَوَلَدُهُ، فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ ناقَةً لي ضَلَّتْ فإنْ وَجَدْتَها فأمْسِكْها، فَوَجَدَها فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَها فَمَرِضَتْ، فَقالَتِ امْرأتُهُ: انْحَرْها، فأَبَى فَنَقَقَتْ، فَقالَتْ: اسْلُخْها حتَّى نَقْدُرَ شَحْمَها وَلحْمَهَا وَنأكلُهُ، فَقالَ: حتَّى أسأل رَسُولَ الله ﷺ فأتاه فَسألَهُ، فَقالَ: "هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟ "، قالَ: لا، قالَ: "فَكُلُوهُ"، قالَ: فَجاءَ صاحِبُها فأخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَقالَ: هَلَّا كُنْتَ نَحَرْتَهَا؟ قالَ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْكَ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١). [إسناده حسن] وَهُوَ دَلِيلٌ على إمْساكِ المَيْتَةِ للْمُضْطرِ). حديث أبي واقد، قال في مجمع الزوائد (٢): أخرجه الطبراني (٣) ورجاله ثقات. انتهى. وحديث جابر بن سمرة سكت عنه أبو داود (٤) والمنذري (٥)، وليس في إسناده مطعن [إلَّا أن أبا] (٦) داود رواه من طريق موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة (٧). وفي الباب عن الفجيع العامري (٨): أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: "ما يحلّ

стр. 7349

لنا الميتة"؟ قال: "ما طعامكم؟ " قلنا: نغتبق، ونصطبح. قال أبو نعيم وهو الفضل بن دكين: فسره لي عقبة: قدحٌ غدوة، وقدحٌ عشيَّة، قال: "ذاك - وأبي - الجوع"، فأحلّ لهم الميتة على هذه الحال. قال أبو داود (١): الغبوق من آخر النهار، والصبوح من [أول النهار] (٢). وفي إسناده عقبة بن وهب العامري. قال يحيى بن معين: صالح. وقال عليّ بن المديني: قلت لسفيان بن عيينة: عقبة بن وهب، فقال: ما كان ذاك فيدري ما هذا الأمر ولا كان شأنه الحديث (٣). انتهى. قوله: (إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا) قال ابن رسلان في شرح السنن الاصطباح هاهنا أكل الصبوح، وهو الغداء، والغبوق: أكل العشاء. انتهى. وقد تقدم تفسير الصبوح والغبوق وهما بفتح أولهما، والأوّل شرب اللبن أول النهار، والثاني شرب اللبن آخر النهار، ثم استعملا في الأكل للغداء والعشاء، وعليهما يحمل ما في حديث أبي واقد الليثي المذكور. ولعلَّ المراد بهما في حديث الفجيع: مجرَّد شرب اللبن؛ لأنَّه لو كان المراد بهما: أكل الطعام في الوقتين لم يصحَّ ما في آخر الحديث، وهو قوله: "ذاك - وأبي - الجوع " إذ لا جوع حينئذٍ. قوله: (ولم تَحْتَفِئُوا بها بقلًا) بفتح المثناتين من فوق، بينهما حاء مهملة، وبعدهما فاءٌ مكسورة، ثم همزة مضمومة، من الحفاء (٤)، وهو البُردي، بضمّ الموحدة: نوع من جيد التمر. وضعَّفه بعضهم بأن البُردي ليس من البقول. قال أبو عبيد (٥): هو أصل البُردي الأبيض الرطب وقد يؤكل.

стр. 7350

قال أبو عبيد (١): معنى الحديث: أنه ليس لكم أن تصطبحوا، وتغتبقوا، وتجمعوهما جمع الميتة. قال الأزهري (٢): قد أنكر هذا على أبي عبيد وفسر أنه أراد إذا لم تجدوا [ألبنة] (٣) تصطبحونها، أو شرابًا تغتبقونه، ولم تجدوا بعد عدم الصبوح والغبوق بقلة تأكلونها، حلت لكم الميتة، قال: وهذا هو الصحيح. قال الخطابي (٤): القدح من اللبن بالغداة، والقدح بالعشيّ يمسك الرمق، ويقيم النفس، وإن كان لا يغذو البدن، ولا يشبع الشبع التامَّ، وقد أباح لهم مع ذلك الميتة فكان دلالته أن تتناول الميتة إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت، كما ذهب إليه مالك (٥) والشافعي (٦) في أحد قوليه، [والقول] (٧) الراجح عند الشافعي (٨) هو: الاقتصار على سدِّ الرمق، كما نقله المزني، وصححه الرافعي (٩) والنووي (١٠)، وهو قول أبي حنيفة (١١) وإحدى الروايتين عن مالك (١٢) والهادوية (١٣). ويدلّ عليه قوله: "هل عندك غنًى يغنيك؟ "، إذا كان يقال لمن وجد سدَّ رمقه مستغنيًا لغة أو شرعًا.

стр. 7351

واستدلّ به بعضهم على القول الأوّل قال: لأنَّه سأله عن الغنى ولم يسأله عن خوفه على نفسه، والآية الكريمة قد دلّت على تحريم الميتة، واستثنى ما وقع الاضطرار إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحلّ الأكل كحالة الابتداء، ولا شك أن سدّ الرمق يدفع الضرورة. وقيل: إنه يجوز أكل المعتاد للمضطرّ في أيام عدم الاضطرار. قال الحافظ (١): وهو الراجح لإطلاق الآية (٢). واختلفوا في الحالة التي يصحّ فيها الوصف بالاضطرار، ويباح عندها الأكل. فذهب الجمهور إلى أنها الحالة التي يصل به الجوع فيها إلى حدّ الهلاك أو إلى مرض يفضي إليه، وعن بعض المالكية (٣) تحديد ذلك بثلاثة أيام. قال ابن أبي جمرة (٤): الحكمة في ذلك: أن في الميتة سمِّيَّة شديدة، فلو أكلها ابتداء [لأهلكته] (٥)، فشرع له أن يجوع ليصير في بدنه بالجوع سمِّيَّة هي أشدّ من سمية الميتة. قوله: (كانوا بالحرّة) (٦) بفتح الحاء، والراء المشددة مهملتين: أرض بظاهر المدينة، بها حجارة سود. قوله: (فنَفَقَت) (٧) بفتح النون، والفاء، والقاف؛ أي: ماتت. يقال: نفقت الدابة نفوقًا، مثل: قعدت المرأة قعودًا: إذا ماتت.

стр. 7352

قوله: (حتى نَقْدُر) بفتح النون، وسكون القاف، وضم الدال، بعده راء مهملة، هكذا في النسخ الصحيحة، يقال: قدر اللحم (١)، يقدره: طبخه في القدر. وفي سنن أبي داود (٢): "نقدد اللحم" (٣) بدال مهملة مكان الراء، وعلى ذلك شرح ابن رسلان فإنه قال: أي: نجعله قديدًا. قوله: (غنى يغنيك) أي: تستغني به ويكفيك، ويكفي أهلك، وولدك عنها. قوله: (استحييت منك) بياءين مثناتين من تحت. ولغة تميم وبكر بن وائل: استحيت - بفتح الحاء، وحذف إحدى الياءين -. وقد دلّت أحاديث الباب: على أنَّه يجوز للمضطرّ أن يتناول من الميتة ما يكفيه على الخلاف السابق في مقدار ما يتناوله، ولا أعلم خلافًا في الجواز، وهو نصّ القرآن الكريم، وهل يجب على المضطرِّ أن يتناول من الميتة حفظًا لنفسه. قال في البحر (٤): في ذلك وجهان: يجب لوجوب دفع الضرر ولا [يجب] (٥) إيثارًا للورع. واختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿غيرَ بَاغٍ﴾ (٦) فقيل: أي غير متلذذ ولا مجاوز لدفع الضرر، وقيل: أي: غير عاصٍ؛ فمنعوا العاصي من أكل الميتة. وحكى الحافظ في الفتح (٧) عن الجمهور: أنهم جعلوا من البغي العصيان، قالوا: وطريقه أن يتوب ثم يأكل قال: وجوّزه بعضهم مطلقًا، ولعلَّه يعني بالبعض القائل بالتفسير الأول.

стр. 7353

[الباب السادس] بابُ النَّهي أَنْ يُؤْكَلَ طعامُ الإِنسانِ بغيرِ إِذْنِهِ ٢٤/ ٣٦٥٣ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لَا يحْلِبَنَّ أحَدٌ ماشِيَةَ أحَدٍ إلَّا بإذْنِهِ، أَيحِبُّ أحَدُكُمْ أنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ فَيُنْتَثَلَ طَعامُهُ، وَإنَّمَا تَخْزِنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أطْعِمَتَهُمْ؛ فَلا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ ماشِيَةَ أحَدٍ إلَّا بِإذْنِهِ". مُتَّفَق عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ٢٥/ ٣٦٥٤ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبيّ قالَ: شَهِدْتُ خُطْبَةَ النَّبِيّ ﷺ بِمِنَى، وكانَ فِيما خَطبَ بِهِ أنْ قالَ: "وَلَا يحِلُّ لامْرِئٍ مِنْ مالِ أخِيهِ إلَّا ما طابَت بِهِ نَفْسُهُ"، قالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ ذلكَ قُلْتُ: يا رَسُولَ الله أرأيْتَ لَو لَقِيتُ فِي مَوضِعٍ غَنَمَ ابْنِ عَمِّي فأخَذْتُ مِنْها شاةً فاجْتَزَزتُها، هَلْ عَليَّ فِي ذلكَ شَيءٌ؟ قالَ: "إنْ لَقِيتها نَعْجَةً تَحْمِلُ شَفْرَةً وأزْنادًا فَلا تَمَسَّها") (٢). [صحيح لغيره] ٢٦/ ٣٦٥٥ - (وَعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلى آبِي اللَّحْمِ قالَ: أقْبَلْتُ مَعَ سادَتِي نُرِيدُ الهِجْرَةَ حتَّى إذَا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ قالَ: فَدَخَلُوا وَخَلَّفُونِي في ظَهْرِهِمْ، فأصَابَتْنِي مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، قالَ: فَمَرَّ بِي بَعْضُ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ المَدِينَةِ، فَقالُوا: لَوْ دَخَلْتَ المَدِينَةَ فأصَبْتَ مِنْ تَمْرِ حَوَائِطِها، قالَ: فَدَخَلْتُ حائِطًا فَقَطَعْتُ

стр. 7354

مِنْهُ قِنْوَيْنِ، [فأتانِي] (١) صَاحِبُ الحائِطِ وأتَى بِي إلى رَسُولِ الله ﷺ وأخْبَرَهُ خَبرِي وَعَليَّ ثَوْبانِ، فَقالَ لِي: [أَيُّهُما أفْضَلُ؟ "، فأشَرْتُ إلى أحَدِهِما، فَقالَ: "خُذْهُ وأعْطِ صَاحِبَ الحائِطِ الآخَرَ"، فَخَلَّى سَبِيلي. رَواهُمَا أحْمَدُ) (٢). [حسن] حديث عمرو بن اليثربي في إسناده حاتم بن إسماعيل وفيه خلاف عن عبد الملك بن حسين الجاري، فإن يكن هو الكوفي النخعي فضعيف بمرّة، وإلا فليس من رجال الأمهات. وحديث عمير مولى آبي اللحم في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق عن محمد بن زيد، وقد قال العجلي (٣): يكتب حديثه وليس بالقويّ، [وكذا] (٤) قال أبو حاتم (٥) ونحوه عن البخاري (٦). وقال النَّسَائِي (٦) وابن خزيمة (٦): ليس به بأس. وقال في مجمع الزوائد (٧): إن حديث عمير هذا أخرجه أحمد بإسنادين في

стр. 7355

أحدهما (١) ابن لهيعة؛ وفي الآخر (٢) أبو بكر بن زيد المهاجر ذكره ابن أبي حاتم (٣) ولم يذكر فيه جرحًا - ولا تعديلًا، وبقية رجاله ثقات. قوله: (مشربته) قال في القاموس (٤): والمشربة وتضمّ الراء: أرضٌ لينةٌ دائمة النبات، والغرفة، والعِلِّيَّة، والضُّفَّةُ، والمشْرَعَةُ. انتهى. والمراد هنا الغرفة التي يجمع فيها الطعام، شبه ﷺ ضروع المواشي في حفظها لما فيها من اللبن بالمشربة في حفظها لما فيها من الطعام، فكما أن هذه يحفظ فيها الإنسان طعامه فتلك تحفظ له شرابه وهو لبن ماشيته، وكما أن الإنسان يكره دخول غيره إلى مشربته لأخذ طعامه؛ كذلك يكره حلب غيره لماشيته، فلا يحلّ الجميع إلا بإذن المالك. قوله: (فينتثل طعامه) النثل (٥): الاستخراج؛ أي: فيستخرج طعامه. قال في القاموس (٦): نثل الركية ينثلها: استخرج ترابها وهي: النثيلة، والنُّثالَةُ، والكنانة استخرج نبلها ونثرها. ودرعه: ألقاها عنه، واللحم في القدر: وضعه فيها مقطعًا؛ وامرأة نثول: تفعل ذلك كثيرًا، وعليه درعه: صَبَّها. انتهى.

стр. 7356

قوله: (فاجتزرتها) بزاي ثم راء. قوله: (إن لقيتها نعجة تحمل شفرة وأزنادًا)، هذا فيه مبالغة في المنع من أخذ ملك الغير بغير إذنه، وإن كان على حال مشعرة بأن تلك الماشية معدّة للذبح حاملة لما تصلح به من آلة الذبح وهي الشفرة، وآلة الطبخ، وهو: الأزناد، وهي جمع زند: وهو العود الذي يقدح به النار. قال في القاموس (١): والجمع زناد، وأزند، وأزناد. ونعجة: منصوبة على الحال؛ أي: لقيتها حال كونها نعجة حاملة لشفرة وأزناد. قوله: (مولى آبي اللحم) قد تقدم غير مرّة: أن آبي اللحم اسم فاعل من أبى يأبى، فهو: آب. قوله: (في ظهرهم) (٢) أي: في دوابِّهم التي يسافرون بها ويحملون عليها أمتعتهم. قوله: (وأعط صاحب الحائط الآخر) فيه دليل: على تغريم السارق قيمة ما أخذه مما لا يجب فيه الحدُّ، وعلى أن الحاجة لا تبيح الإقدام على مال الغير مع وجود ما يمكن الانتفاع به أو بقيمته ولو كان مما تدعو حاجة الإنسان إليه، فإنه هنا أخذ أحد ثوبيه ودفعه إلى صاحب النخل. [الباب السابع] بابُ ما جاءَ مِنَ الرُّخْصَةِ في ذلكَ لابنِ السبيلِ إذَا لم يكُنْ حائِط ولم يتخذ خُبنة ٢٧/ ٣٦٥٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "مَنْ دَخَلَ حائِطًا، فَلْيَأكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً"، رَوَاهُ التِّرْمِدْيُّ (٣)

стр. 7357

وَابْنُ ماجَهْ) (١). [صحيح لغيره] ٢٨/ ٣٦٥٧ - (وَعَنْ [عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ] (٢) قالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَدْخُلُ الحائِطَ، فَقالَ: "يأكُلُ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [حسن] ٢٩/ ٣٦٥٨ - (وَعَنِ الحَسنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذَا

стр. 7358

أتى أحَدُكُمْ على ماشِيَةٍ، فإنْ كانَ فِيها صَاحِبُها فَلْيَسْتأذِنْهُ، فإنْ أذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ فَلْيُصَوّتْ ثَلاثًا، فإنْ أجابَهُ أحَدٌ فَلْيَسْتأذِنْهُ، [فإنْ] (١) لَمْ يَجبْهُ أحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ (٣). وَقالَ ابْنُ المَدِيني: سَمَاعُ الحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ). [صحيح] ٣٠/ ٣٦٥٩ - (وَعَنْ أبي نَضْرَةَ عَنْ أبي سَعِيدٍ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إذَا أتى أحَدُكُمْ حائِطًا فأرَادَ أنْ يأكُلَ فَلْينادِ: يا صَاحِبَ الحائِطِ ثَلاثًا، فإنْ أجابَهُ وإلَّا فَلْيأكُلْ، وَإذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بإِبِلٍ فأرَادَ أنْ يَشْرَبَ مِنْ ألْبانِها فَلْيُنادِ: يا صَاحِبَ الإبِلِ، أوْ:

стр. 7359

يا رَاعِيَ الإبِلِ، فإنْ أجابَهُ وَالَّا فلْيَشْرَبْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَابْنُ ماجَهْ) (٢). [صحيح] حديث ابن عمر الأوّل والثاني هما حديث واحد، ولكن المصنف أوردهما هكذا لاختلاف اللفظ. وقال الترمذي (٣) بعد إخراجه في البيوع: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحديث سمرة قال الترمذي (٤) بعد إخراجه: حديث سمرة حسن صحيح غريب، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول أحمد (٥) وإسحاق. وقال عليّ بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة. وقالوا: إنما يحدث عن صحيفة سمرة. انتهى. وحديث أبي سعيد أخرجه أيضًا أبو يعلى (٦) وابن حبان (٧) والحاكم (٨) والمقدسي. وفي الباب عن رافع عند الترمذي (٩) وأبي داود (١٠) قال: كنت أرمي نخل الأنصار؛ فأخذوني؛ فذهبوا بي إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا رافع لمَ ترمي نخلهم؟ "، قال: قلت: يا رسول الله الجوع، قال: "لا ترم، وكل ما وقع، أشبغك الله وأرواك".

стр. 7360

وعند أبي داود (١) والنسائي (٢) من حديث شرحبيل بن عباد في قصةٍ مثل قصة رافع، وفيها: فقال رسول الله ﷺ لصاحب الحائط: "ما علَّمت إذ كان جاهلًا، ولا أطعمت [إذ] (٣) كان جائعًا". قوله: (في ترجمة الباب إذا لم يكن حائط)، قال في النهاية (٤): الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار. وظاهر الأحاديث المذكورة في الباب مخالف لما قيد به المصنف الترجمة، فلعله أراد بقوله: "إذا لم يكن حائط"، أي: جدار يمنع الدخول إليه محرزة طرقه لما في ذلك من الإشعار بعدم الرضا، وكأنه حمل الأَحاديث على ما ليس كذلك، ولا ملجئ إلى هذا بل الظاهر الإطلاق وعدم التقييد. قوله: (ولا يتخذ خبنة) بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة، وبعدها نون؛ وهي: ما تحمله في حضنك كما في القاموس (٥). وهذا الإطلاق في حديث ابن عمر مقيد بما في حديث أبي سعيد المذكور من الأمر بالنداء ثلاثًا. وحديث سمرة في الماشية ليس فيه إلا مجرَّد الاستئذان بدون تقييد بكونه ثلاثًا. وكذلك حديث أبي سعيد فإنه لم يذكر في الماشية إلا مجرّد النداء ولم يقيده بكونه ثلاثًا. وظاهر أحاديث الباب جواز الأكل من حائط الغير، والشرب من ماشيته بعد النداء المذكور، من غير فرق بين أن يكون مضطرًا إلى الأكل أم لا؟ لأنَّه إنما قال: إذا دخل وإذا أراد أن يأكل ولم يقيد الأكل بحدّ ولا خصه بوقت.

стр. 7361

فالظاهر جواز تناول الكفاية، والممنوع إنما هو الخروج بشيء من ذلك من غير فرق بين القليل والكثير. قال العلامة المقبلي - في "الأبحاث" (١) بعد ذكر حديث أبي سعيد ما لفظه: وفي معناه عدّة أحاديث تشهد لصحته. ووجه موافقته للقانون الشرعي ظاهر فيمن له حقّ الضيافة كابن السبيل، وفي ذي الحاجة مطلقًا، ومساقات الحديث تشعر بالاختصاص بمن هو كذلك فهو المتيقن. وأما الغنيُّ الذي ليس له حقّ الضيافة فمشكوك فيه، فيبقى على المنع الأصلي، فإن صحت إرادته بدليل خاصّ، كقضية فيها ذلك، أن مقبولًا، وتكون مناسبته ما في اللبن والفاكهة من الندرة؛ إذ لا يوجد في كل حال مع مسارعة النفس إليها، والعرف شاهد بذلك، حتى أنه يذمّ من ضنّ بهما ويبخل وهو خاصة الوجوب، فهو من حقِّ المال غير الصدقة، وهذا يرجح بقاء الحديث على عمومه، إذ لا معنى للاقتصار مع ظهور العموم. وفي "المنتهى" (٢) من فقه الحنابلة: "ومَن مرَّ بثمرةِ بستانٍ لا حائطَ عليه، ولا ناظرَ، فله الأكلُ، ولو بلا حاجةٍ مجانًا، لا صعودُ شجرة أو رميه بشيء، ولا يحمل ولا يأكل من مجنيٍّ مجموع إلا لضرورة، وكذا زرعٌ قائم، وشربُ لبنِ ماشيةٍ؛ وألحقَ جماعةٌ بذلك باقلًا وحِمَّصًا [أخضر من المنفتح] (٣) وهو قويّ". اهـ. وأحاديث الباب مخصصة للحديث المذكور في الباب الأوّل، ومخصصة أيضًا لحديث: "ليس في المال حقّ سوى الزكاة" (٤)، وهو من حديث فاطمة بنت

стр. 7362

قيس، مع أنه قد ثبت في الترمذي (١) من حديثها بلفظ: "في المال حقّ سوى الزكاة" بدون لفظ: "ليس". ومن جملة المخصصات لحديث: "ليس في المال حقّ سوى الزكاة" ما ورد في الضيافة وفي سد رمق المسلم. (ومنها): ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢). [الباب الثامن] بابُ ما جاءَ في الضِّيَافَةِ ٣١/ ٣٦٦٠ - (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله إنَّكَ تَبْعَثُنِي فَنَنْزلُ بِقَوْمٍ لا يَقْرُونا فَمَا تَرَى؟ فَقالَ: "إنْ نَزَلْتُمْ بَقَوْمٍ فأمَرُوا لكُمْ بِما يَنْبَغِي للضَّيْفِ

стр. 7363

فاقْبَلُوا، وَإن لَم يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُم حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغي لَهُمْ") (١). [صحيح] ٣٢/ ٣٦٦١ - (وَعَنْ أبي شُرَيْحٍ الخُزَاعيّ عَن رَسُولِ الله ﷺ قالَ: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّه وَاليوم الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جائزَتَهُ"، قالُوا: وَما جائِزَتُهُ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "يَومٌ وَلَيْلَةَ، وَالضيّافَةُ ثَلاثةُ أيَّامٍ، فَمَا كانَ وَرَاءَ ذلكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَثْوي عِنْدَهُ حتَّى يُحْرِجَهُ". مُتَّفَق عَلَيْهِما) (٢). [صحيح] ٣٣/ ٣٦٦٢ - (وَعَنِ المِقْدَامِ أبي كَرِيمَةَ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِنْ أصبَحَ بِفِنائِهِ مَحْرُومًا كانَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، إن شاء اقْتَضَاهُ، وَإن شاءَ تَرَكَهُ" (٣). [صحيح] وفي لَفْظٍ: "مَنْ نَزَلَ بَقَومٍ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَقْرُوهُ، فَإنْ لمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ"، رَوَاهما أحْمَدُ (٤) وأبُو دَاوُدَ) (٥). [صحيح] ٣٤/ ٣٦٦٣ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أيُّمَا ضَيْفٍ نَزَلَ بِقَوْمٍ فأصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا فَلَهُ أنْ يأخُذَ بِقَدْرِ قِراهُ وَلا حَرَجَ عَلَيْهِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٦). [إسناده صحيح]

стр. 7364

حديث المقدام سكت عنه أبو داود (١) [هو و] (٢) المنذري (٣). قال الحافظ في التلخيص (٤): وإسناده على شرط الصحيح، وله (٥) أيضًا من حديثه: "أيما رجل أضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا، فإنَّ نصره حقّ على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلة من زرعه وماله". قال الحافظ (٦): وإسناده صحيح. وعن أبي هريرة عند أبي داود (٧) والحاكم (٨) بسند صحيح أن النبيّ ﷺ قال: "الضيافة ثلاثة أيام، فما سوى ذلك فهو صدقة". وعن شقيق بن سلمة عند الطبراني في الأوسط (٩) قال: "دخلنا على سلمان فدعا بماء كان في البيت وقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن التكلف للضيف لتكلفت لكم". وحديث أبي هريرة المذكور في الباب قال في "مجمع الزوائد" (١٠): رجال أحمد ثقات. وفي الباب عن عائشة أشار إليه الترمذي (١١). قوله: (لا يقرونا) بفتح أوله من القرى (١٢)، أي: لا يضيفونا. قوله: (بما ينبغي للضيف) أي: من الإِكرام بما لا بدّ منه من طعام وشراب، وما يلتحق بهما.

стр. 7365

قوله: (فخذوا منهم حقّ الضيف … إلخ) قال الخطابي (١): إنما كان يلزم ذلك في زمنه ﷺ حيث لم يكن بيت مال، فأما اليوم فأرزاقهم في بيت المال، لا حقّ لهم في أموال المسلمين. وقال ابن بطال (٢): قال أكثرهم: إنه كان هذا في أول الإِسلام حيث كانت المواساة واجبة، وهو منسوخ بقوله: "جائزته" كما في حديث الباب، قالوا: والجائزة تفضُّل لا واجب. قال ابن رسلان: قال بعضهم: المراد أن لكم أن تأخذوا من أعراض من لم يضيفكم بألسنتكم، وتذكروا للناس لؤمهم والعيب عليهم، وهذا من المواضع التي يباح فيها الغيبة، كما أن القادر المماطل بالدين مباح عرضه وعقوبته. وحمله بعضهم على أن هذا كان في أول الإسلام وكانت المواساة واجبة، فلما اتسع الإِسلام نسخ ذلك. قال النووي (٣): وهذا تأويل ضعيف، أو باطل؛ لأن هذا الذي ادّعاه قائله لا يعرف. انتهى. وقد تقدم ذكر قائله قريبًا، فتعليل الضعف أو البطلان بعدم معرفة القائل ضعيف أو باطل، بل الذي ينبغي عليه التعويل في ضعف هذا التأويل هو أن تخصيص ما شرعه ﷺ لأمته بزمن من الأزمان، أو حال من الأحوال لا يقبل إلا بدليل ولم يقم هاهنا دليل على تخصيص هذا الحكم بزمن النبوّة، وليس فيه مخالفة للقواعد الشرعية؛ لأن مؤنة الضيافة بعد شرعتها قد صارت لازمة للمضيف لكل نازل عليه، فللنازل المطالبة بهذا الحقّ الثابت شرعًا كالمطالبة بسائر الحقوق، فإذا أساء إليه واعتدى عليه بإهمال حقه؛ كان له مكافأته بما أباحه له الشارع في هذا الحديث، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤)، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥).

стр. 7366

قوله: (من كان يؤمن بالله … إلخ) قيل: المراد من كان يؤمن الإِيمان الكامل المنجي من عذاب الله، الموصل إلى رضوانه، ويؤمن بيوم القيامة الآخر، استعدّ له واجتهد في فعل ما يدفع به أهواله ومكارهه، فيأتمر بما أمر به، وينتهي عما نهى عنه. ومن جملة ما أُمر به إكرام الضيف، وهو: القادم من السفر، النازل عند المقيم. وهو يطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى. قال ابن رسلان: والضيافة من مكارم الأخلاق، ومحاسن الدين، وليست واجبة عند عامة العلماء خلافًا لليث بن سعد، فإنه أوجبها ليلة واحدة. وحجة الجمهور: لفظ: "جائزته" المذكورة؛ فإن الجائزة هي العطية والصلة؛ التي أصلها على الندب، وقلما يستعمل هذا اللفظ في الواجب. قال العلماء (١): معنى الحديث: الاهتمام بالضيف في اليوم والليلة، وإتحافه بما يمكن من بر وألطاف. انتهى. والحقّ: وجوب الضيافة لأمور: الأوّل: إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك، وهذا لا يكون في غير واجب. والثاني: التأكيد البالغ يجعل ذلك فرع الإِيمان بالله واليوم الآخر، ويفيد: أن فعل خلافه فعل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ومعلوم: أنَّ فروع الإِيمان مأمور بها. ثم: تعليق ذلك بالإِكرام، وهو أخصّ من الضيافة، فهو دالّ على لزومها بالأولى. والثالث: قوله: (فما كان وراء ذلك فهو صدقة) فإنه صريح: أن ما قبل ذلك غير صدقة، بل واجب شرعًا. قال الخطابي (٢): يريد أنه يتكلف له في اليوم الأوّل ما اتسع له من برّ وألطاف، ويقدّم له في اليوم الثاني ما كان بحضرته، ولا يزيد على عادته، فما

стр. 7367

جاوز الثلاث فهو معروف وصدقة، إن شاء فعل وإن شاء ترك. وقال ابن الأثير (١): الجائزة: العطية؛ أي: يقري ضيفه ثلاثة أيام، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة. والرابع: قوله ﷺ : "ليلة الضيف حقّ واجب" (٢)، فهذا تصريح بالوجوب لم يأت ما يدلّ على تأويله. والخامس: قوله ﷺ في حديث المقدام الذي ذكرنا: "فإن نصره حقّ على كل مسلم"، فمن ظاهر هذا وجوب النصرة، وذلك فرع وجوب الضيافة. إذا تقرّر هذا تقرّر ضعف ما ذهب إليه الجمهور، وكانت أحاديث الضيافة مخصصة لأحاديث حرمة الأموال إلا بطيبة الأنفس، ولحديث: "ليس في المال حقّ سوى الزكاة" (٣)، ومن التعسفات حمل أحاديث الضيافة على سدّ الرمق، فإن هذا مما لم يقم عليه دليل ولا دعت إليه حاجة. وكذلك تخصيص الوجوب بأهل الوبر دون أهل المدن استدلالًا بما يروى أن الضيافة على أهل الوبر. قال النووي (٤) وغيره من الحفاظ: إنه حديث موضوع لا أصل له. قوله: (أن يَثْوي) (٥) بفتح أوله وسكون المثلثة؛ أي: يقيم. قوله: (حتى يُحرجه) (٦) بضم أوله وسكون الحاء المهملة؛ أي: يوقعه في الحرج وهو الإِثم؛ لأنَّه قد يكدره فيقول: هذا الضيف ثقيل، أو قد ثقل علينا بطول إقامته، أو يتعرّض له بما يؤذيه، أو يظنّ به ما لا يجوز.

стр. 7368

قال النووي (١): وهذا كله محمول على ما إذا أقام بعد الثلاث بغير استدعائه، وأما إذا استدعاه وطلب منه إقامته، أو علم، أو ظنّ منه محبة الزيادة على الثلاث، أو عدم كراهته؛ فلا بأس بالزيادة؛ لأن النهي إنما جاء لأجل كونه يؤثمه، فلو شكّ في حال المضيف هل تكره الزيادة ويلحقه بها حرج أم لا؟ لم تحلّ له الزيادة على الثلاث لظاهر الحديث. قوله: (ليلة الضيف) أي: ويومه بدليل الحديث الذي قبله. قوله: (بفنائه) (٢) بكسر الفاء وتخفيف النون ممدودًا: وهو المتسع أمام الدار. وقيل (٣): ما امتدّ من جوانب الدار. جمعه: أفنية. قوله: (فله أن يعقبهم … إلخ) قال الإِمام أحمد (٤) في تفسير ذلك: أي للضيف أن يأخذ من أرضهم وزرعهم بقدر ما يكفيه بغير إذنهم. وعنه (٥) رواية أخرى أن الضيافة على أهل القرى دون الأمصار، وإليه ذهبت الهادوية (٦). وقد تقدّم تحقيق ما هو الحقّ. [الباب التاسع] بابُ الأَدْهَانِ تصيبُها النجاسةُ ٣٥/ ٣٦٦٤ - (عَنْ مَيْمُونَةَ: أن رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَقالَ: "ألْقُوها وَما حَوْلَهَا وكُلُوا سَمْنَكُمْ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٧)

стр. 7369

وَالبُخارِيُّ (١) والنَّسَائِيُّ (٢). [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ: أنَّه سُئِلَ عَنِ الفأرةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ فَقالَ: "إنْ كانَ جامِدًا فَألْقُوها وَما حَوْلَهَا، وَإنْ كانَ مائِعًا فَلا تَقْرَبُوهُ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٣) وَالنَّسائيُّ) (٤). [شاذ] ٣٦/ ٣٦٦٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ فأرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَقالَ: "إنْ كانَ جامِدًا فَخُذُوها وَما حَوْلَهَا ثمَّ كُلُوا ما بَقِيَ، وَإنْ كانَ مائِعًا فَلا تَقْرَبُوهُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وأبُو دَاوُدَ) (٦). [شاذ] حديث أبي هريرة قال الترمذي (٧): هو حديث غير محفوظ، سمعت محمد بن إسماعيل، - يعني البخاري - يقول: هذا خطأ. قال (٨): والصحيح حديث الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، يعني الحديث الذي قبله. قال في الفتح (٩): وجزم الذهليُّ بأن الطريقين [صحيحان] (١٠)، وقد قال أبو داود (١١) في روايته عن الحسن بن عليّ: قال الحسن: وربما حدّث به معمر، عن الزهري، عن عبيد الله [بن] (١٢) عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. وأخرجه أبو داود (١٣) أيضًا عن أحمد بن صالح، عن عبد الرزاق، وكذا

стр. 7370

أخرجه النَّسَائِي (١) عن خشيش بن أصرم، عن عبد الرزاق، وذكر الإسماعيلي (٢): أن الليث رواهُ عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: "بلغنا: أنَّ النبيّ ﷺ سئل عن فأرة" وذكر الحديث. وأما الزيادة في حديث ميمونة التي زادها أبو داود (٣) والنسائي (٤) فصححها ابن حبان (٥) وغيره. قوله: (فماتت فيه) استدلّ بهذا الحديث لإحدى الروايتين عن أحمد أن المائع إذا حلت فيه النجاسة لا ينجس إلا بالتغير، وهو اختيار البخاري. ووجه الاستدلال ما قاله ابن العربي (٦) متمسكًا بقوله: "وما حولها" على أنه كان جامدًا، قال: لأنَّه لو كان مائعًا لم يكن له حول؛ لأنَّه لو نقل - من جانب خَلَفَهُ غيَّرُه في الحال، فيصير مما حوله، فيحتاج إلى إلقائه كلِّه، فما بقي إلا اعتبار ضابط كلي في المائع وهو التغير. ولكنه يدفع هذا ما في الرواية الأخيرة من حديث ميمونة، وما في حديث أبي هريرة المذكور من التفرقة بين الجامد والمائع، وتبيين حكم كلِّ واحدٍ منهما. وضابط المائع عند الجمهور (٧): أن يترادّ بسرعة إذا أُخذ منه شيءٌ، واستدلّ بقوله: "فماتت"، على أنَّ تأثيرها إنما يكون بموتها فيه، فلو وقعت فيه وخرجت بلا موتٍ لم يضرّ. وما عدا الفأرة ملحقٌ بها، وكذلك ما يشابه السمن ملحق، فلا عمل بمفهومهما. وجمد ابن حزم (٨) على عادته [قال: فلو] (٩) وقع غير جنس الفأرة من الدوابّ في مائع لم ينجس إلا بالتغير، ولم يرد في طريق صحيحة تقدير ما يلقى.

стр. 7371

وقد أخرج ابن أبي شيبة (١) من مرسل عطاء بن يسار أنه يكون قدر الكفّ وسنده جيد لولا إرساله. وأما ما أخرجه الطبراني (٢) عن أبي الدرداء مرفوعًا من التقييد في المأخوذ منه بثلاث غرفات بالكفين فسنده ضعيف، ولو ثبت لكان ظاهرًا في المائع، واستدلّ بقوله في المائع: "فلا تقربوه" على أنه لا يجوز الانتفاع به في شيء، فيحتاج من أجاز الانتفاع به في غير الأكل كالشافعية (٣)، أو أجاز بيعه كالحنفية (٣) إلى الجواب عن الحديث فإنهم احتجوا به في التفرقة بين الجامد والمائع. وأما الاحتجاج بما عند البيهقي (٤) من حديث ابن عمر [بلفظ] (٥): "إن كان السمن مائعًا انتفعوا به ولا تأكلوه". وعنده (٦) من رواية ابن جريج مثله، فالصحيح أنه موقوف. وعند البيهقي (٧) أيضًا عن ابن عمر: "في فأرة وقعت في زيت فقال: [استصبحوا] (٨) به وادهنوا به أدمكم".

стр. 7372

وهذا السند على شرط الشيخين لأنَّه من طريق الثوري عن أيوب عن نافع عنه إلا أنه موقوف. واستدلّ بالحديث على أن الفأرة طاهرة العين. وأغرب ابن العربي (١) فحكى عن الشافعي وأبي حنيفة أنها نجسة. [الباب العاشر] بابُ آداب الأَكل ٣٧/ ٣٦٦٦ - (عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ طَعامًا فلْيَقُلْ: بِسْمِ الله، فإنْ نَسِيَ فِي أوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ الله على أوَّلِهِ وآخِرِهِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣) وَابْنُ ماجَهْ (٤) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) (٥). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا النسائيُّ (٦)، وهو من حديث عبد الله بن عبيد، عن امرأة منهم يقال لها: أمّ كلثوم عن عائشة، ولم يقل الترمذي (٧): عن امرأة منهم، إنما قال: عن أمّ كلثوم. ووقع في [بعص رواياته] (٨): أم كلثوم الليثية. وهو الأشبه؛ لأن عبيد بن عمير ليثي. وقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة هذا الحديث في مسنده (٩) عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة، ولم يذكر فيه أمَّ كلثوم. وفي الباب عن جابر عند مسلم (١٠)، وأبي داود (١١)، والنسائي (١٢)، وابن

стр. 7373

ماجه (١)، سمع النبيّ ﷺ يقول: "إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله؛ وعند طعامه؛ قال الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء، وإذا دخل، فلم يذكر الله عند دخوله؛ قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء". وعن حذيفة بن اليمان عند مُسلم (٢)، وأبي داود (٣)، والنسائي (٤) قال: كنا إذا حضرنا مع النبيّ ﷺ طعامًا لم يضع أحدنا يده في الطعام حتى يبدأ رسول الله ﷺ ، وإنا حضرنا معه طعامًا فجاء أعرابيّ كأنما يدفع، فذهب ليضع يده في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، ثم جاءت جارية كأنما تدفع؛ فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها وقال: "إن الشيطان ليستحلّ الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذا الأعرابي ليستحلّ بيده فأخذت بيده، وجاء بهذه الجارية يستحلّ بيدها فأخذت بيدها، والذي نفسي بيده إن يده لفي يدي مع أيديهما". وأخرج الترمذي (٥) عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يأكل طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابيّ فأكل بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ : أما إنه لو سمى لكفي لكم" وقال: [حديث حسن] (٦). وأخرج ابن السني (٧) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي

стр. 7374

أن يذكر الله في أوّل طعامه فليقل حين يذكر: بسم الله أوّله وآخره، فإنه يستقبل طعامًا جديدًا ويمنع الخبيث مما كان يصيب منه". وفي الباب أيضًا عن عمر بن أبي سلمة وسيأتي (١). وفي هذه الأحاديث دليل على مشروعية التسمية للأكل، وأن الناسي يقول في أثنائه: بسم الله على أوّله وآخره، [وكذا] (٢) التارك للتسمية عمدًا يشرع له التدارك في أثنائه. قال في الهدي (٣): والصحيح وجوب التسمية عند الأكل وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وأحاديث الأمر بها صحيحة صريحة لا معارض لها ولا إجماع يسوّغ مخالفتها ويخرجها عن ظاهرها، وتاركها يشركه الشيطان في طعامه وشرابه اهـ. والذي عليه الجمهور (٤) من السلف والخلف من المحدّثين وغيرهم: أن أكل الشيطان محمولٌ على ظاهره، وأن للشيطان يدين ورجلين وفيهم ذكر وأنثى، وأنَّه يأكل حقيقة بيده إذا لم يدفع. وقيل: إن أكلهم على المجاز والاستعارة. وقيل: إن أكلهم شمّ واسترواح، ولا ملجئ إلى شيء من ذلك. وقد ثبت في الصحيح كما سيأتي (٥): "إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله". وروي عن وهب بن منبه: أنه قال: الشياطين أجناس، فخالص الجنِّ لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون وهم ريح، ومنهم جنس يفعلون ذلك كله ويتوالدون وهم السعالي والغيلان ونحوهم. ٣٨/ ٣٦٦٧ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لا يأكُلْ أحَدُكُمْ بِشمالِهِ

стр. 7375

وَلَا يَشْرَبْ بِشمالِهِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يأكُلُ بِشمالهِ ويشربُ بشماله"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وأبُو دَاوُد (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَه) (٤). [صحيح] ٣٩/ ٣٦٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "البَرَكَةُ تَنْزِلُ فِي وَسَطِ الطَّعامِ، فَكُلُوا مِنْ حافَتَيْهِ، وَلا تأكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَابْنُ ماجَهْ (٦) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٧). [صحيح] ٤٠/ ٣٦٦٩ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ قالَ: كُنْتُ غُلامًا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وكانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقال لِي: "يا غُلامُ سَمِّ الله وكُلْ بِيَمِينكَ وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٨). [صحيح] ٤١/ ٣٦٧٠ - (وَعَنْ أبي جُحَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أمَّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا مُسْلِمًا وَالنَّسائي) (٩). [صحيح] قوله: (لا يأكل أحدكم بشماله) فيه النهي عن الأكل والشرب بالشمال، والنهي حقيقة في التحريم كما تقرّر في الأصول (١٠)، ولا يكون لمجرّد الكراهة فقط إلا مجازًا مع قيام صارف.

стр. 7376

قال النووي (١): وهذا إذا لم يكن عذر، فإن كان عذر يمنع الأكل أو الشرب باليمين من مرض، أو جراحةٍ، أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال. قوله: (فإن الشيطان يأكل … إلخ) إشارة إلى أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشيطان، وقد تقدم الخلاف: هل ذلك على الحقيقة أم على المجاز؟. قوله: (البركةُ تنزل في وسط الطعام) لفظ أبي داود (٢): "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن لياكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها". وفيه مشروعية الأكل من جوانب الطعام قبل وسطه. قال الرافعي (٣) وغيره: يكره أن يأكل من أعلى الثريد ووسط القصعة، وأن يأكل مما يلي أكيله ولا بأس بذلك في الفواكه. وتعقبه الإِسنوي (٤) بأنَّ الشافعي نصّ على التحريم؛ فإن لفظه في "الأم" (٥): فإن أكل مما يليه أو من رأس الطعام أثم بالفعل الذي فعله إذا كان عالمًا، واستدلّ بالنهي عن النبيّ ﷺ وأشار إلى هذا الحديث. قال الغزالي (٦): وكذا لا يأكل من وسط الرغيف بل من استدارته إلا إذا قلّ الخبز فليكسر الخبز.

стр. 7377

والعلة في ذلك: ما في الحديث من كون البركة تنزل في وسط الطعام. قوله: (تطيش) بكسر الطاء، وبعدها مثناة تحتية ساكنة؛ أي: تتحرّك، وتمتدّ إلى نواحي الصحفة، ولا تقتصر على موضع واحدٍ. قال النووي (١): والصحفة دون القصعة: وهي ما تسع ما يشبع خمسة، والقصعة تشبع عشرة، كذا قاله الكسائي فيما حكاه الجوهري (٢) وغيره عنه. وقيل: الصحفة كالقصعة، وجمعها: صحاف. قال النووي (٣) أيضًا: وفي هذا الحديث ثلاث سنن من سنن الأكل وهي: التسمية، والأكل [باليمين] (٤)، وقد سبق بيانهما. والثالثة: الأكل مما يليه؛ لأنَّ أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة، وترك مروءةٍ قد يتقذّره صاحبه، لا سيما في الأمراق وشبهها. وهذا في الثريد والأمراق وشبههما، فإن كان تمرًا وأجناسًا فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه، والذي ينبغي تعميم النهي حملًا للنهي على عمومه حتى يثبت دليل مخصص، والله أعلم. قوله: (أما أنا فلا آكل متكئًا)، سبب هذا الحديث قصة الأعرابي المذكور في حديث عبد الله بن بسر عند ابن ماجه (٥) والطبراني (٦) بإسناد حسن قال: "أهديت للنبيّ ﷺ شاة فجثى على ركبتيه يأكل، فقال له أعرابيّ: ما هذه الجلسة؟ فقال: إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا". قال ابن بطال (٧): إنما فعل النبيّ ﷺ ذلك تواضعًا لله، ثم ذكر من طريق أيوب عن الزهري قال: "أتى النبيّ ﷺ ملك لم يأته قبلها فقال: إن ربك يخيرك

стр. 7378

بين أن تكون عبدًا نبيًّا أو ملكًا نبيًّا، قال: فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأومأ إليه أن تواضع، فقال: بل عبدًا نبيا، فما أكل متكئًا". اهـ. قال الحافظ (١): وهذا مرسل أو معضل، وقد وصله النَّسَائِي (٢) من طريق الزبيدي عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن عباس قال: كان ابن عباس يحدث … فذكر نحوه. وأخرج أبو داود (٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "ما رؤي النبي ﷺ يأكل متكئا قط". وأخرج ابن أبي شيبة (٤) عن مجاهد قال: "ما أكل النبي ﷺ متكئًا إلا مرة ثم نزع فقال: اللهم إني عبدك ورسولك". وهذا مرسل. ويمكن الجمع بأن تلك المرة التي في أثر مجاهد ما اطلع عليها عبد الله بن عمرو. وقد أخرج ابن شاهين في ناسخه (٥) من مرسل عطاء بن يسار "أن جبريل رأى النبي ﷺ يأكل متكئا فنهاه". ومن حديث أنس (٦) "أن النبي ﷺ لما نهاه جبريل عن الأكل متكئا لم يأكل متكئًا بعد ذلك". واختلف في صفة الاتكاء، فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أيّ صفةٍ كان، وقيل: أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض.

стр. 7379

قال الخطابي (١): تحسبُ العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك، بل هو المعتمد على الوطاء عند الأكل؛ [لأنه ﷺ قال] (٢): "إني أذمُّ فعل من يستكثر من الطعام، فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزًا". وفي حديث أنس (٣) "أنه ﷺ أكل تمرًا وهو مقع"، والمراد: الجلوس على وركيه غير متمكن. وأخرج ابن عديّ (٤) بسند ضعيف "زَجْرَ النبيّ ﷺ أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل"، قال مالك: هو نوع من الاتكاء. قال الحافظ (٥): وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة [كل] (٦) ما يعد الآكل فيه متكئأ ولا يختصّ بصفة بعينها. وجزم ابن الجوزي (٧) في تفسير الاتكاء بأنه الميل على أحد الشقين، ولم يلتفت لإنكار الخطابي ذلك. وحكى ابن الأثير في النهاية (٨) أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوّله على مذهب الطبّ بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلًا، ولا يُسيْغُه هنيئًا. واختلف السلف في حكم الأكل متكئًا؛ فزعم ابن القاص (٩) أن ذلك من الخصائص النبوية.
следующие страницы →