← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 7375–7414 · переход к 7380.

стр. 7375

وَلَا يَشْرَبْ بِشمالِهِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يأكُلُ بِشمالهِ ويشربُ بشماله"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وأبُو دَاوُد (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَه) (٤). [صحيح] ٣٩/ ٣٦٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "البَرَكَةُ تَنْزِلُ فِي وَسَطِ الطَّعامِ، فَكُلُوا مِنْ حافَتَيْهِ، وَلا تأكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَابْنُ ماجَهْ (٦) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٧). [صحيح] ٤٠/ ٣٦٦٩ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ قالَ: كُنْتُ غُلامًا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وكانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقال لِي: "يا غُلامُ سَمِّ الله وكُلْ بِيَمِينكَ وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٨). [صحيح] ٤١/ ٣٦٧٠ - (وَعَنْ أبي جُحَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أمَّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا مُسْلِمًا وَالنَّسائي) (٩). [صحيح] قوله: (لا يأكل أحدكم بشماله) فيه النهي عن الأكل والشرب بالشمال، والنهي حقيقة في التحريم كما تقرّر في الأصول (١٠)، ولا يكون لمجرّد الكراهة فقط إلا مجازًا مع قيام صارف.

стр. 7376

قال النووي (١): وهذا إذا لم يكن عذر، فإن كان عذر يمنع الأكل أو الشرب باليمين من مرض، أو جراحةٍ، أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال. قوله: (فإن الشيطان يأكل … إلخ) إشارة إلى أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشيطان، وقد تقدم الخلاف: هل ذلك على الحقيقة أم على المجاز؟. قوله: (البركةُ تنزل في وسط الطعام) لفظ أبي داود (٢): "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن لياكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها". وفيه مشروعية الأكل من جوانب الطعام قبل وسطه. قال الرافعي (٣) وغيره: يكره أن يأكل من أعلى الثريد ووسط القصعة، وأن يأكل مما يلي أكيله ولا بأس بذلك في الفواكه. وتعقبه الإِسنوي (٤) بأنَّ الشافعي نصّ على التحريم؛ فإن لفظه في "الأم" (٥): فإن أكل مما يليه أو من رأس الطعام أثم بالفعل الذي فعله إذا كان عالمًا، واستدلّ بالنهي عن النبيّ ﷺ وأشار إلى هذا الحديث. قال الغزالي (٦): وكذا لا يأكل من وسط الرغيف بل من استدارته إلا إذا قلّ الخبز فليكسر الخبز.

стр. 7377

والعلة في ذلك: ما في الحديث من كون البركة تنزل في وسط الطعام. قوله: (تطيش) بكسر الطاء، وبعدها مثناة تحتية ساكنة؛ أي: تتحرّك، وتمتدّ إلى نواحي الصحفة، ولا تقتصر على موضع واحدٍ. قال النووي (١): والصحفة دون القصعة: وهي ما تسع ما يشبع خمسة، والقصعة تشبع عشرة، كذا قاله الكسائي فيما حكاه الجوهري (٢) وغيره عنه. وقيل: الصحفة كالقصعة، وجمعها: صحاف. قال النووي (٣) أيضًا: وفي هذا الحديث ثلاث سنن من سنن الأكل وهي: التسمية، والأكل [باليمين] (٤)، وقد سبق بيانهما. والثالثة: الأكل مما يليه؛ لأنَّ أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة، وترك مروءةٍ قد يتقذّره صاحبه، لا سيما في الأمراق وشبهها. وهذا في الثريد والأمراق وشبههما، فإن كان تمرًا وأجناسًا فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه، والذي ينبغي تعميم النهي حملًا للنهي على عمومه حتى يثبت دليل مخصص، والله أعلم. قوله: (أما أنا فلا آكل متكئًا)، سبب هذا الحديث قصة الأعرابي المذكور في حديث عبد الله بن بسر عند ابن ماجه (٥) والطبراني (٦) بإسناد حسن قال: "أهديت للنبيّ ﷺ شاة فجثى على ركبتيه يأكل، فقال له أعرابيّ: ما هذه الجلسة؟ فقال: إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا". قال ابن بطال (٧): إنما فعل النبيّ ﷺ ذلك تواضعًا لله، ثم ذكر من طريق أيوب عن الزهري قال: "أتى النبيّ ﷺ ملك لم يأته قبلها فقال: إن ربك يخيرك

стр. 7378

بين أن تكون عبدًا نبيًّا أو ملكًا نبيًّا، قال: فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأومأ إليه أن تواضع، فقال: بل عبدًا نبيا، فما أكل متكئًا". اهـ. قال الحافظ (١): وهذا مرسل أو معضل، وقد وصله النَّسَائِي (٢) من طريق الزبيدي عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن عباس قال: كان ابن عباس يحدث … فذكر نحوه. وأخرج أبو داود (٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "ما رؤي النبي ﷺ يأكل متكئا قط". وأخرج ابن أبي شيبة (٤) عن مجاهد قال: "ما أكل النبي ﷺ متكئًا إلا مرة ثم نزع فقال: اللهم إني عبدك ورسولك". وهذا مرسل. ويمكن الجمع بأن تلك المرة التي في أثر مجاهد ما اطلع عليها عبد الله بن عمرو. وقد أخرج ابن شاهين في ناسخه (٥) من مرسل عطاء بن يسار "أن جبريل رأى النبي ﷺ يأكل متكئا فنهاه". ومن حديث أنس (٦) "أن النبي ﷺ لما نهاه جبريل عن الأكل متكئا لم يأكل متكئًا بعد ذلك". واختلف في صفة الاتكاء، فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أيّ صفةٍ كان، وقيل: أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض.

стр. 7379

قال الخطابي (١): تحسبُ العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك، بل هو المعتمد على الوطاء عند الأكل؛ [لأنه ﷺ قال] (٢): "إني أذمُّ فعل من يستكثر من الطعام، فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزًا". وفي حديث أنس (٣) "أنه ﷺ أكل تمرًا وهو مقع"، والمراد: الجلوس على وركيه غير متمكن. وأخرج ابن عديّ (٤) بسند ضعيف "زَجْرَ النبيّ ﷺ أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل"، قال مالك: هو نوع من الاتكاء. قال الحافظ (٥): وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة [كل] (٦) ما يعد الآكل فيه متكئأ ولا يختصّ بصفة بعينها. وجزم ابن الجوزي (٧) في تفسير الاتكاء بأنه الميل على أحد الشقين، ولم يلتفت لإنكار الخطابي ذلك. وحكى ابن الأثير في النهاية (٨) أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوّله على مذهب الطبّ بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلًا، ولا يُسيْغُه هنيئًا. واختلف السلف في حكم الأكل متكئًا؛ فزعم ابن القاص (٩) أن ذلك من الخصائص النبوية.

стр. 7380

وتعقبه البيهقي فقال: يكره لغيره أيضًا؛ لأنَّه من فعل المتعظمين وأصله مأخوذ من ملوك العجم، قال: فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئًا لم يكن في ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك. وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة، وفي الحمل نظر. وقد أخرج ابن أبي شيبة (١) عن ابن عباس، وخالد بن الوليد، وعبيدة السلماني، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن يسار، والزهري، جواز ذلك مطلقًا. وإذا ثبت كونه مكروهًا أو خلاف الأولى فالمستحبّ في صفة الجلوس للأكل أن يكون جاثيًا على ركبتيه وظهور قدميه أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى. واستثنى الغزالي (٢) من كراهة الأكل مضطجعًا أكل البقل. واختلف في علة الكراهة، وأقوى ما ورد في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة (٣) من طريق إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا تكأة مخافة أن تعظم بطونهم، وإلى ذلك يشير بقية ما ورد من الأخبار. ووجه الكراهة فيه ظاهر. وكذلك ما أشار إليه ابن الأثير من جهة الطبّ. ٤٢/ ٣٦٧١ - (وَعَنْ أنَسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذَا طَعِمَ طَعامًا لَعَقَ أصابِعَهُ الثلاثَ وَقالَ: "إذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْها الأذَى وَلْيأكُلْها وَلا يَدَعْها للشَّيْطانِ"، وأمَرَنا أنْ نَسْلُتَ القَصْعَةَ وَقالَ: "إنَّكُمْ لا تَدْرُونَ فِي أيّ طَعامِكُمُ البرَكَة"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) ومُسْلِمٌ (٥) وأبُو دَاوُد (٦) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٧). [صحيح]

стр. 7381

٤٣/ ٣٦٧٢ - (وَعَنِ المُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ قالَ: ضِفْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فأمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ، قالَ: فأخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحْتَزُّ لي بها مِنْهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [صحيح] ٤٤/ ٣٦٧٣ - (وَعَنْ جابِرٍ أن رَسُولَ الله ﷺ أتى بَعْضَ حُجَرِ نِسائِهِ فَدَخَلَ، ثُمَّ أذِنَ لي فَدَخَلْتُ، فَقالَ: "هَلْ مِنْ غَدَاء؟ "، فَقالُوا: نَعَمْ، فأُتِيَ بِثَلاثَةِ أقْرُصَةٍ، فأخَذَ رَسُولُ الله ﷺ قُرْصًا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأخَذَ قُرْصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ أخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ باثْنَتَيْنِ، فَجَعَلَ نِصْفَه بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ قالَ: "هَلْ مِنْ أدْمٍ؟ "، قالُوا: لا إلَّا شيْءٌ مِنْ خَلٍّ، قالَ: "هاتُوهُ فَنِعْمَ الأدْمُ هُوَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ) (٣). [صحيح] حديث المغيرة أخرجه أيضًا أبو داود (٤)، والترمذي (٥)، وابن ماجه (٦). ولفظ أبي داود (٤) في باب ترك الوضوء مما مست النار: عن المغيرة بن شعبة، قال: "ضفت النبي ﷺ ذات يوم ليلة، فأمر بجنب فشوي فأخذ الشفرة، فجعل يحزُّ لي [بها] (٧) منه، قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة، قال: فألقى السكين وقال: "ما له تربت يداه؟ "، وقام يصلِّي. زاد ابن الأنباري: "وكان بشاربي وفاءٌ فقصَّه على سِوَاكٍ، أو قال: أقصُّه لك على سِوَاكٍ". قوله: (لعق أصابعه) فيه استحباب لعق الأصابع محافظةً على بركة الطعام وتنظيفًا، وسيأتي تمام الكلام على ذلك.

стр. 7382

وفيه استحباب الأكل بثلاث أصابع، ولا يضمّ إليها الرابعة والخامسة إلا لعذرٍ؛ بأن يكون مرقًا وغيره مما لا يمكن بثلاث وغير ذلك من الأعذار. قوله: (فليمط عنها الأذى) فيه مشروعية أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذًى يصيبها، هذا إذا لم تقع على موضع نجسٍ، ولا بدّ من غسلها إن أمكن، فإن تعذّر قال النووي (١): أطعمها حيوانًا ولا يتركها للشيطان. قوله: (أن نسلت القصعة) قال الخطابي (٢): سلت القصعة: تتبع ما يبقى فيها من الطعام. وفيه أن لعق القصعة مشروع، والعلة في ذلك: ما ذكره عقبه من أنهم لا يدرون في أيِّ طعامهم البركة؟ أي: أن الطعام الذي يحضر الإنسان فيه بركة، ولا يدري هل البركة فيما أكل، أو فيما بقي على أصابعه، أو فيما بقي في أسفل القصعة، أو في اللقمة الساقطة؟ فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة، وأصل البركة؛ الزيادة وثبوت الخير والإمتاع به. قال النووي (٣): والمراد هنا والله أعلم ما تحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى، ويقوي على طاعة الله، وغير ذلك، وسيأتي حديث استغفار القصعة قريبًا، وهو صالح للتعليل به. قوله: (ضِفْتُ النبيّ ﷺ ) بكسر الضاد المعجمة، من ضاف، يضيف مثل: باع يبيع. قال في النهاية (٤): ضفت الرجل: إذا نزلت به في ضيافته. وقال في الضياء: إذا تعرَّض به ليضيفه. قال في النهاية (٥): وأضفته؛ إذا أنزلته، وتضيفته: إذا نزلت به. قوله: (فأخذ الشفرة فجعل يحتزُّ لي بها) فيه دليل: على جواز قطع اللحم بالسكين.

стр. 7383

وقد أخرج أبو داود (١) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنع الأعاجم، وانهشوه فإنه أهنأ وأمرأ". ويؤيد حديث الباب ما رواه البخاري (٢) وغيره (٣) من حديث عمرو بن أمية الضمري: "أنه رأى رسول الله يحتزّ من كتف شاةٍ، فدعي إلى الصلاة، فألقى السكِّين، فصلى ولم يتوضأ"، على أن حديث عائشة المذكور في إسناده أبو معشر السندي المدني واسمه نجيح (٤)، كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدّث عنه ويستضعفه جدًّا ويضحك إذا ذكره غيره. قال المنذري (٥): وتكلم فيه غير واحد من الأئمة. وقال النَّسَائِي: أبو معشر له أحاديث مناكير منها هذا. ومنها عن أبي هريرة: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" (٦). وأما أحمد بن حنبل فقال: صدوق (٧)، وعلى كل حال فحديث عائشة لا يعادل ما عارضه من حديث عمرو بن أمية وحديث الباب.

стр. 7384

ويروى عن الإمام أحمد أنه سئل عن حديث عائشة فقال: ليس بمعروف. قوله: (فأخذ قرصًا … إلخ) فيه استحباب التسوية بين الحاضرين على الطعام وإن كان بعضهم أفضل من بعضهم. قوله: (هل من أدم) قال أهل اللغة (١): الإِدام - بكسر الهمزة -: ما يؤتدم به، يقال: أدم الخبز يأدمه - بكسر الدال -، وجمع الإِدام: أدم - بضم الهمزة - كإهاب وأهب، وكتاب وكتب، والأدم - بإسكان الدال - مفرد كالإدام، كذا قال النووي (٢). قال الخطابي (٣) والقاضي عياض (٤): معنى الحديث: مدح الاقتصار في المأكل، ومنع النفس عن ملاذّ الأطعمة. تقديره: ائتدموا بالخلّ وما في معناه، مما تخفّ مؤنته، ولا يعزّ وجوده، ولا تتأنقوا في الشهوات؛ فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن. قال النووي (٥): والصواب الذي ينبغي أن يجزم به: أنه مدح للخلِّ نفسه. وأمَّا الاقتصار في المطعم، وترك الشهوات؛ فمعلوم من قواعد أخر. قال (٦): وأما قول جابر (٧): فما زلت أحبُّ الخلّ منذ سمعتها من نبيّ الله ﷺ ، فهو كقول أنس (٨): ما زلت أحبُّ الدُّبَّاءَ. وهذا يؤيد ما قلناه في معنى الحديث: أنَّه مدح للخلّ نفسه، وقد كرّرنا مرّاتٍ: أن تأويل الراوي إذا لم يخالف الظاهر يتعين المصير إليه والعمل به عند جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين (٩)، وهذا كذلك، بل تأويل الراوي هنا هو ظاهر اللفظ ويتعين اعتماده. اهـ.

стр. 7385

وقيل وهو الصواب: إنه ليس فيه تفضيل على اللحم واللبن والعسل والمرق، وإنما هو مدح له في تلك الحال التي حضر فيها، ولو حضر لحم أو لبن لكان أولى بالمدح منه. ٤٥/ ٣٦٧٤ - (وَعَنْ أبي مَسْعُود عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو: أن رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ يُقالُ لَهُ: أبُو شُعَيْبٍ، صَنَعَ للنَّبِيِّ ﷺ طَعامًا، فأرْسَلَ إلى النَّبِيّ ﷺ : ائتِني أنْتَ وَخمسَةٌ مَعَكَ، قالَ: فَبَعَثَ إلَيْه: "أنِ ائْذَنْ لي فِي السَّادِسِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ٤٦/ ٣٦٧٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذَا أَكلَ أحَدُكُمْ طَعامًا فَلا يَمسَحْ يَدَهُ حتَّى يَلْعَقَها أوْ يُلْعِقَها" مُتَّفَق عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وَرَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٣)، وَقالَ فِيهِ: "بالمنْدِيلِ"). [صحيح] ٤٧/ ٣٦٧٦ - (وَعَنْ جابِرٍ أن النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِلَعْق الأصَابعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقالَ: "إنَّكُمْ لا تَدْرُونَ فِي أيّ طَعامِكُمُ البرَكَةَ" رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَمُسْلِمٌ) (٥). [صحيح] ٤٨/ ٣٦٧٧ - (وَعَنْ نَبِيشَةَ الخَيْرِ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "مَنْ أَكَلَ في قَصْعَةٍ، ثُمَّ لَحَسَها اسْتَغْفَرتْ لَهُ القَصْعَةُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَابْنُ ماجَهْ (٧) وَالترْمِذِيُّ) (٨). [ضعيف]

стр. 7386

٤٩/ ٣٦٧٨ - (وَعَنْ جابِرٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، فَقالَ: لا، لَقَدْ كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَجِدُ مِثْلَ ذلكَ مِنَ الطَّعامِ إلَّا قَلِيلًا، فإذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنا مَنادِيلُ إلَّا أكُفَّنا وَسَوَاعِدَنا وأقْدَامَنا ثُمَّ نُصَلِّي وَلا نتَوَضَّأ. رَوَاهُ البُخارِيُّ (١) وَابْنُ ماجَهْ) (٢). [ضعيف] ٥٠/ ٣٦٧٩ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ باتَ في يَدِهِ غَمَرٌ ولَمْ يَغْسِلْهُ فأصَابَهُ شَيءٌ فَلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ) (٣) [صحيح]. حديث نبيشة الخير رواهُ الترمذي (٤) من طريق نصر بن علي الجهضمي، قال: أخبرنا أبو اليمان المعلى بن راشد قال: حدثتني جدتي أمُّ عاصم، وكانت أمّ ولد لسنان بن سلمة، قالت: "دخل علينا نبيشة الخير ونحن نأكل في قصعةٍ، فحدّثنا: أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل في قصعةٍ ثم لحسها استغفرت له القصعة". قال الترمذي (٥): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث المعلى بن راشد، وقد روى يزيد بن هارون وغير واحد من الأئمة عن المعلى بن راشد هذا الحديث. اهـ. وحديث أبي هريرة سكت عنه أبو داود ورجال إسناده رجال الصحيح.

стр. 7387

وأخرجه الترمذي (١) معلقًا، وأخرجه الضياء (٢) من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة وقال: غريب. وأخرجه (٣) أيضًا من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وقال (٤): حسن غريب لا نعرفه من حديث الأعمش إلا من هذا الوجه. قوله: (فبعث إليه أن ائذن لي في السادس) فيه: أن المدعوَّ إذا تبعه رجلٌ من غير استدعاءٍ ينبغي له أن لا يأذن له، ولا ينهاه، وإذا بلغ باب دار صاحب الطعام، أعلمه به ليأذن له، أو يمنعه، وأنَّ صاحب الطعام يستحبّ له أن يأذن له إن لم يترتب على حضوره مفسدة؛ بأن يؤذي الحاضرين، أو يشيع عنهم ما يكرهونه، أو يكون جلوسه معهم مزريًا بهم لشهرته بالفسوق ونحو ذلك، فإن خيف من حضوره شيءٌ من هذا لم يأذن له، وينبغي أن يتلطف في ردِّه، ولو أعطاه شيئًا من الطعام إن كان يليق به ليكون ردًّا جميلًا، كذا قال النووي (٥). قوله: (فلا يمسح يده) يحتمل أن يكون أطلق اليد على الأصابع الثلاث؛ لما تقدم (٦) في حديث أنس بلفظ: "لعق أصابعه الثلاث". وفي مسلم (٧) من حديث كعب بن مالك بلفظ: "يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها". ويحتمل أن يطلق على جميع أصابع اليد؛ لأن الغالب اتصال شيء من آثار الطعام بجميعها. ويحتمل أن يكون المراد باليد الكفّ كلها. قال الحافظ (٨): وهو الأولى فيشمل الحكمُ من أكل بكفِّه كلِّها أو بأصابعه فقط، أو ببعضها.

стр. 7388

وقال ابن العربي (١) في شرح الترمذي: يدلّ على الأكل بالكفّ كلها "أنه ﷺ كان يتعرق العظم وينهش اللحم"، ولا يمكن ذلك عادة إلا بالكفّ كلها. قيل: وفيه نظر؛ لأنَّه يمكن بالثلاث سلمنا، لكن هو ممسك بكفِّه كلِّها لا آكلُ بها سلمنا، لكن محلّ الضرورة لا يدلُّ على عموم الأحوال. ويؤخذ من حديث كعب بن مالك: أن السنَّة الأكل بثلاث أصابع، وإن كان الأكل بأكثر منها جائزًا. وقد أخرج سعيد بن منصور (٢) عن سفيان عن عبيد الله بن يزيد أنه رأى ابن عباس إذا أكل لعق أصابعه الثلاث. قال عياض (٣): والأكل بأكثر منها من الشره وسوء الأدب، وتكبير اللقم ولأنه غير مضطرّ إلى ذلك؛ لجمعه اللقمة وإمساكها من جهاتها الثلاث، فإن اضطرّ إلى ذلك لخفة الطعام، وعدم تلفيفه بالثلاث فيدعمه بالرابعة أو الخامسة. قوله: (حتى يَلعقها أو يُلعقها) الأوّل بفتح حرف المضارعة، والثاني بضمها: أي يلعقها زوجته أو جاريته أو خادمه أو ولده، وكذا من كان في معناهم كتلميذ يعتقد البركة بلعقها. وكذا لو ألعقها شاة ونحوها. وقال البيهقي (٤): إن قوله: "أو يلعقها" شكّ من الراوي، ثم قال: فإن كانا جميعًا محفوظين فإنما أراد أن يلعقها صغيرًا أو من يعلم أنه لا يتقذّر بها، ويحتمل أن يكون أراد أن يلعق أصبعه فمه فيكون بمعنى يلعقها فتكون "أو" للشك. قال ابن دقيق العيد (٥): جاءت علة هذا مبينة في بعض الروايات أنه لا يدري في أيّ طعامه البركة، وقد يعلل أن مسحها قبل ذلك فيه زيادة تلويث

стр. 7389

لما يمسح به مع الاستغناء عنه بالريق، لكن إذا صحّ الحديث بالتعليل لم يعدل عنه، وقد عرفت أنه في صحيح مسلم ما في الباب (١). قوله: (وقال فيه: بالمنديل) هو أيضًا في صحيح مسلم (٢) بلفظ: "فلا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه". وفي حديث جابر (٣) أنهم لم يكن لهم مناديل، ومفهومه يدلّ على أنها لو كانت لهم مناديل لمسحوا بها. قوله: (استغفرت له القصعة) فيه أن ذلك من القرب التي ينبغي المحافظة عليها؛ لأن استغفار القصعة دليل على كون الفعل مما يثاب عليه الفاعل. قوله: (إلا أكفنا وسواعدنا) فيه الإِخبار بما كان عليه الصحابة ﵃ من التقلل من الدنيا والزهد فيها والانتفاع بالأكفّ والسواعد كما ينتفع غيرهم بالمناديل، وقد تقدم الكلام على الوضوء مما مست النار. قوله: (غَمَرَ) بفتح الغين المعجمة والميم معا: هو ريح دسم اللحم وزهومته، كالوضر من السمن، ذكر معنى ذلك في النهاية (٤). قوله: (ولم يغسله) إطلاقه يقتضي حصول السنَّة بمجرّد الغسل بالماء. قال ابن رسلان: والأولى غسل اليد منه بالأشنان والصابون، وما في معناهما. قوله: (وأصابه شيءٌ) في رواية للطبراني (٥): "من بات وفي يده ريح غَمَر فأصابه وضح"، أي: برص. قوله: (فلا يلومنّ إلا نفسه) أي: لأنَّه فرّط بترك الغسل فأتى الشيطان فلحس يده فوقع بها البرص.

стр. 7390

وأخرج الترمذي (١) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان حساس لحاس فاحذروه على أنفسكم، من بات وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومنّ إلا نفسه". وقد جاء في الحديث تخصيص غسل اليد بأكل اللحم، فأخرج أبو يعلى (٢) بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ قال: من أكل من هذه اللحوم شيئًا فليغسل يده من ريح وضره". ٥١/ ٣٦٨٠ - (وَعَنْ أبي أُمامَةَ: أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذَا رَفَعَ مائِدَتَهُ قالَ: "الحَمْدُ لله كثِيرًا طيَبًا مُبارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ، ولَا مُوَدَّع، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالبُخاريُّ (٤) وأبُو دَاوُدَ (٥) وَابْنُ ماجَهْ (٦) وَالتِّرمِذِيُّ وَصحَّحَه (٧). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: كانَ إذَا فَرَغَ مِنْ طَعامِهِ قالَ: "الحَمْدُ لله الَّذِي كَفانا وأرْوَانا غَيْرَ مَكْفِيٍّ ولَا مَكْفُورٍ"، رَوَاهُ البُخارِيُّ) (٨). [صحيح] ٥٢/ ٣٦٨١ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ قالَ: كانَ النبي ﷺ إذَا أكَلَ أوْ شَرِبَ قالَ: "الْحَمْدُ لله الَّذِي أطْعَمَنا وَسَقانا وَجَعَلَنا مُسْلِمِينَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٩) وأبُو دَاوُدَ (١٠) وَالتِّرْمِذِيُّ (١١) وَابْنُ ماجَهْ) (١٢). [ضعيف]

стр. 7391

٥٣/ ٣٦٨٢ - (وَعَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أكَلَ طَعامًا فَقالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولَا قُوَّة غَفَرَ الله لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَابْنُ ماجَهْ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ وَقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) (٣). [حسن] ٥٤/ ٣٦٨٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَنْ أطْعَمَهُ الله طَعامًا فَلْيَقُلْ: "اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيه، وأطْعِمْنا خَيْرًا مِنْهُ؛ وَمَنْ سَقاهُ الله لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيه وَزِدْنا مِنْه"، وَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ شَيءٌ يُجْزِي مَكانَ الشَّرَابِ وَالطَّعامِ غَيْرَ اللَّبَنِ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ) (٤). [حسن] حديث أبي سعيد أخرجه أيضًا النسائي (٥) وذكره البخاري في تاريخه الكبير (٦)، وساق اختلاف الرواة فيه، وقد سكت عنه أبو داود (٧) والمنذري (٨)، وفي إسناده إسماعيل بن رباح السلمي وهو مجهول (٩).

стр. 7392

وحديث معاذ بن أنس أخرجه الترمذي (١) من طريق محمد بن إسماعيل قال: حدثنا [محمد بن إسماعيل قال: حدثنا] (٢) عبد الله بن يزيد المقبري، حدثنا سعيد بن أيوب، حدثني أبو مرحوم - وهو عبد الرحمن بن ميمون - عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه، وساق الحديث ثم قال: هذا حديث حسن غريب. وحديث ابن عباس [وغيره، ولكن] (٣) لفظ أبي داود (٤): "إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: اللهمّ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه؛ وإذا سقي لبنًا فليقل: اللهمّ بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن". ولفظ الترمذي (٥): "من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهمّ بارك فيه وأطعمنا خيرًا منه؛ ومن سقاه الله لبنًا فليقل: اللهمّ بارك لنا فيه وزدنا منه"، وقال رسول الله ﷺ : "ليس شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن" وقد حسّن هذا الحديث الترمذي (٦)، ولكن في إسناده عليّ بن زيد بن جدعان، عن عمر بن حرملة، وقد ضعّف عليَّ بن زيد جماعةٌ من (٧) الحفاظ. وعمر بن حرملة (٨) سئل عنه أبو زرعة الرازي (٩) فقال: بصري لا أعرفه إلا في هذا الحديث. قوله: (إذا رفع مائدته) قد ثبت: أنه ﷺ لم يأكل على خوان قط، كما في

стр. 7393

حديث أنس (١)، والمائدة: هي خوان عليه طعام، فأجاب بعضهم بأن أنسًا ما رأى ذلك ورآه غيره، والمثبت يقدم على النافي. قال في الفتح (٢): وقد تطلق المائدة ويراد بها نفس الطعام. وقد نقل عن البخاري أنه قال: إذا أكل الطعام على شيء ثم رفع قيل: رفعت المائدة. قوله: (غير مكفيٍّ) بفتح الميم وسكون الكاف وكسر الفاء وتشديد التحتانية. قال ابن بطال (٣): يحتمل أن يكون من كفأت الإِناء، فالمعنى: غير مردود عليه إنعامه، ويحتمل أن يكون من الكفاية؛ أي: أن الله غير مكفي رزق عباده لأنَّه لا يكفيهم أحدٌ غيره. وقال ابن التين (٤): أي: غير محتاج إلى أحدٍ لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم، هذا قول الخطابي (٥). وقال القزاز (٤): معناه: أنا غير مكتف بنفسي عن كفايته. وقال الداودي: معناه: لم أكتف من فضل الله ونعمته. قال ابن التين: وقول الخطابي أولى؛ لأن مفعولًا بمعنى مفتعل فيه بعدٌ، وخروجٌ عن الظاهر. قال في الفتح (٦): وهذا كله على أن الضمير لله، ويحتمل أن يكون الضمير للحمد. وقال إبراهيم الحربي: الضمير للطعام، ومكفيّ: بمعنى مقلوب من الإِكفاء، وهو القلب. وذكر ابن الجوزي (٧) عن أبي منصور الجواليقي: أن الصواب: غير مكافأ بالهمز: أي: إنَّ نعمة الله لا تكافأ. اهـ.

стр. 7394

وقد ثبت هكذا في حديث أبي هريرة. ويؤيد هذا لفظ: "كفانا" الواقع في الرواية الأخرى؛ لأن الضمير فيه يعود إلى الله تعالى بلا ريب؛ إذ هو تعالى هو الكافي لا المكفي، وكفانا: هو من الكفاية، وهو أعمُّ من الشبع، والريِّ، وغيرهما، فأروانا على هذا من الخاصّ بعد العامّ. ووقع في رواية ابن السكن (١): "وآوانا" بالمدّ من الإِيواء. قوله: (ولا مودع) بفتح الدال الثقيلة، أي: غير متروك. ويحتمل أنه حال من القائل، أي: غير تارك. قوله: (ولا مستغنًى عنه) بفتح النون وبالتنوين. قوله: (ربُّنا) بالرفع على أنه خبر مبتدأٍ محذوف: أي هو ربنا، أو على أنه مبتدأ وخبره متقدم عليه، ويجوز النصب على المدح أو الاختصاص أو إضمار أعني. قال ابن التين (١): ويجوز الجرّ على أنه بدل من الضمير في "عنه"، وقال غيره: على البدل من الاسم في قوله: "الحمد لله"، وقال ابن الجوزي (٢): "ربنا" بالنصب على النداء مع حذف أداة النداء. قوله: (ولا مكفور) أي: مجحود فضله ونعمته، وهذا أيضًا مما يقوِّي أن الضمير لله تعالى. قوله: (إذا أكل أو شرب) لفظ أبي داود (٣): "كان إذا فرغ من طعامه" والمذكور في الباب لفظ الترمذي (٤). وفي حديث أبي هريرة عند النَّسَائِي (٥) والحاكم (٦) وقال: صحيح على شرط مسلم مرفوعًا: "الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسا من

стр. 7395

العري وهدى من الضلالة وبصر من العمى وفضل على كثير ممن خلق تفضيلًا". قوله: (وزدنا منه) هذا يدلّ على الروايات التي ذكرناها أنه ليس في الأطعمة والأشربة خير من اللبن. وظاهره: أنه خير من العسل الذي هو شفاء، لكن قد يقال: إن اللبن باعتبار التغذي والريّ خير من العسل، ومرجح عليه، والعسل باعتبار التداوي من كل داء وباعتبار الحلاوة مرجح على اللبن، ففي كل منهما خصوصية يترجح بها، ويحتمل أن المراد وزدنا لبنًا من جنسه وهو لبن الجنة كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ (١). قوله: (فإنه ليس يُجزي) بضم أوله (في الطعام) أي: بدل الطعام. كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ (٢)، أي: بدلها. * * *

стр. 7396

[الكتاب الثاني والأربعون] كتاب الأشربة [الباب الأول] بابُ تحريم الخمر ونسخ إباحتها المتقدمة ١/ ٣٦٨٤ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "مَنْ شَرِبَ الخمْرَ فِي الدُّنْيا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْها حُرِمَها فِي الآخِرَةِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) (١). [صحيح] ٢/ ٣٦٨٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعابدِ وَثَنٍ"، رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٢). [حسن] ٣/ ٣٦٨٦ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "يا أيُّهَا النَّاسُ إن الله يَبْغَضُ الخَمْرَ، وَلَعَلَّ الله سَيُنْزِلُ فِيها أمْرًا، فَمَنْ كانَ عِنْدَهُ مِنْها شَيءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ"، قالَ: فَمَا لَبِثنَا إلَّا يَسِيرًا حتَّى قالَ ﷺ : "إنَّ الله حَرَّمَ الخَمْرَ فَمَنْ أدْرَكَتْهُ هَذِهِ الآيةُ وَعِنْدَهُ مِنْها شَيءٌ فَلا يَشْرَبُ، [وَلَا يَبِيعُ] " (٣)، قالَ:

стр. 7397

فاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كانَ عِنْدَهُمْ مِنْها طُرُقَ المَدِينَةِ فَسَفَكُوها. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (١). ٤/ ٣٦٨٧ - (وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: كان لِرسُولِ الله ﷺ صدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ أو دوْسٍ فَلَقِيَهُ يَوْمَ الفَتْحِ بِراحِلَةٍ أوْ راوِيَةٍ مِنْ خَمْرٍ يُهْدِيها إلَيْهِ، فَقال: "يا فُلانُ أمَا عَلِمْت أن الله حرمَهَا؟ " فأقْبَل الرَّجُلُ على غُلامِهِ فَقال: اذْهَبْ فَبِعْها، فَقال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الذِي حَرَّم شُرْبَها حَرَّم بَيْعَها")، فأمَر بِها فأُفِرغَتْ في البَطْحاءِ. رواهُ أحْمَدُ (٢) ومُسْلِمٌ (٣) والنَّسائيُّ (٤). [صحيح] وفي رِوايَةٍ لأحْمَد (٥): أن رجُلًا خَرج والخَمْرُ حَلالٌ فأَهْدَى لِرسُولِ الله ﷺ راوِية خمْرٍ، فَذكَر نحْوهُ. [صحيح] وهُو دلِيلٌ على أن الخُمُور المُحَرَّمَة وغَيرَها تُراقُ ولَا تُسْتَصْلَحُ بِتَخْلِيلٍ ولَا غَيْرِه). ٥/ ٣٦٨٨ - (وعَنْ أبي هُريْرةَ: أنَّ رَجُلًا كان يُهْدِي للنَّبِيِّ ﷺ رَاوِيةَ خَمْرٍ، فأهْدَاها إلَيْهِ عامًا وقَدْ حُرِّمَتْ، فَقال النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّهَا قَدْ حُرّمَتْ"، فَقال الرَّجُلُ: أفَلا أبِيعُها؟ فَقال: "إن الَّذِي حَرَّم شُرْبَها حَرَّم بَيْعَهَا"، قال: أفلَا أكارِمُ بِهَا الْيَهُودَ؟ قالَ: "إنَّ الَّذِي حَرَّمَهَا حَرَّم أنْ يُكارَمَ بِهَا الْيَهُودُ"، قال: فَكَيْفَ أصْنَعُ بِهَا؟ قال: "شِنَّها على البَطْحاءِ")، رواهُ الحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ (٦). [صحيح بشواهده]

стр. 7398

٦/ ٣٦٨٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَزَلَ في الخَمْرِ ثَلاثُ آياتٍ؛ فأوَّلُ شَيءٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (١) الآية، فَقِيلَ: حُرّمَتِ الخَمْرُ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ الله نَنْتَفِعُ بِهَا كمَا قالَ الله ، فَسَكَتَ عَنْهُم، ثُمَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا تَقرَبُوا الصَّلَاةَ وَأنتُمْ سُكَارَى﴾ (٢)، فَقِيلَ: حُرّمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِها، فَقالُوا: يا رَسُولَ الله إنَّا لا نَشْرَبُهَا قُرْبَ الصَّلاةِ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٣) الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "حُرّمَتِ الخَمْرُ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ الطَّيالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ) (٤). [صحيح بغير هذا السياق] ٧/ ٣٦٩٠ - (وَعَنْ علِيّ قالَ: صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا فَدَعانا وَسَقانا مِنَ الخَمْرِ، فأخَذَتِ الخَمْرُ منَّا، وَقَدْ حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَقَدَّمُوني، فَقَرَأتُ: (قُلْ يا أيُّهَا الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَنحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ)، قالَ: فأنْزلَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٥)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وصحَّحَهُ) (٦). [صحيح]

стр. 7399

حديث أبي هريرة الأول: إسناده في سنن ابن ماجه (١) هكذا: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح، قال: حدثنا محمد بن سليمان الأصبهاني، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة … فذكره، ورجال إسناده ثقات إلا محمد بن سليمان فصدوق لكنه يخطئ (٢)، وقد ضعفه النَّسَائِي، وقال أبو حاتم (٣): لا بأس به وليس بحجة. وحديث عليّ سيأتي الكلام عليه آخر البحث. قوله: (من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها حُرِمَها) بضم المهملة وكسر الراء الخفيفة من الحرمان، والمراد بقوله: "لم يتب منها" أي: من شربها فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. قال الخطابي (٤) والبغوي في شرح السنة (٥): معنى الحديث لا يدخل الجنة؛ لأن الخمر شراب أهل الجنة، فإذا حرّم شربها دلّ على أنه لا يدخل الجنة. وقال ابن عبد البّر (٦): هذا وعيد شديد يدل على حرمان دخول الجنة؛ لأن الله تعالى أخْبَرَ أن في الجنة أنهارًا من خمر لذّة للشاربين، وأنهم لا يصدّعون عنها ولا ينزفون، فلو دخلها وقد علم أن فيها خمرًا أو أنه حرمها عقوبةً له؛ لزم وقوع الهمِّ والحزن، والجنة لا همّ فيها ولا حزن. وإن لم يعلم بوجودها في الجنة، ولا أنه حرمها عقوبةً له لم يكن عليه في فقدها ألم. فلهذا قال بعض من تقدم: إنه لا يدخل الجنة أصلًا. قال (٧): وهو مذهب غير مرضي. قال: ويحمل الحديث عند أهل السنة: على أنه لا يدخلها، ولا يشرب الخمر فيها إلا إن عفا الله عنه، كما في بقية الكبائر، وهو في المشيئة، فعلى هذا معنى الحديث: جزاؤه في الآخرة أن يحرمها لحرمانه دخول الجنة إلا إن عفا الله عنه.

стр. 7400

قال (١): وجائزٌ أن يدخل الجنة بالعفو ثم لا يشرب فيها خمرًا، ولا تشتهيها نفسه، وإن علم بوجودها فيها. ويؤيده حديث أبي سعيد مرفوعًا: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه"، وقد أخرجه الطبراني (٢)، وصححه ابن حبان (٣). وقريبٌ منه حديث عبد الله بن عمرو رفعه: "من مات من أمتى وهو يشرب الخمر حرّم الله عليه شربها في الجنة"، أخرجه أحمد (٤) بسند حسن. وقد زاد عياض (٥) على ما ذكره ابن عبد البّر (٦) احتمالًا، وهو أن المراد بحرمانه شربها أنه يحبس عن الجنة مدة إذا أراد الله عقوبته. ومثله الحديث الآخر: "لم يرح رائحة الجنة" (٧) قال: ومن قال: لا يشربها

стр. 7401

في الجنة بأن ينساها أو لا يشتهيها يقول: ليس عليه في ذلك حسرة ولا يكون ترك شهوته إياها عقوبة في حقه بل هو نقص، نعم بالنسبة إلى من هو أتمّ نعيمًا منه كما تختلف درجاتهم ولا يلحق من هو أنقص درجة بمن هو أعلى درجة منه استغناء بما أعطي واغتباطًا به. وقال ابن العربي (١): ظاهر الحديثين: أنه لا يشرب الخمر في الجنة، ولا يلبس الحرير فيها، وذلك: لأنَّه استعجل ما أمر بتأخيره، ووعد به، فحرمه عند ميقاته، وفصَّل بعض المتأخرين بين من شربها مستحلًّا، فهو الذي لا يشربها أصلًا؛ لأنَّه لا يدخل الجنة أصلًا. وعدم الدخول يستلزم حرمانها، ومن شربها عالمًا بتحريمها، فهو محلُّ الخلاف، وهو الذي يُحْرَمُ شربها مدّةً ولو في حال تعذيبه إنْ عذّب؛ أو المعنى: أن ذاك جزاؤه إن جوزي. وفي الحديث: "إن التوبة تكفّر المعاصي والكبائر"، وذلك في التوبة من الكفر القطعي؛ وفي غيره من الذنوب خلاف بين أهل السنة، هل هو قطعي أو ظني؟ قال النووي (٢): الأقوى أنه ظني. وقال القرطبي (٣): من استقرأ الشريعة علم أن الله يقبل توبة الصادقين قطعًا، وللتوبة الصادقة شروط مدوّنة في مواطن ذلك. وظاهر الوعيد أنه يتناول من شرب الخمر وإن لم يحصل له السكر؛ لأنَّه رتب الوعيد في الحديث على مجرّد الشرب من غير تقييد. قال في الفتح (٤): وهو مجمع عليه في الخمر المتخذ من عصير العنب، وكذا فيما يسكر من غيرها، وأما ما لا يسكر من غيرها فالأمر فيه كذلك عند الجمهور.

стр. 7402

قوله: (مدمن الخمر كعابد وثن)، هذا وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ ما عليه مزيد؛ لأن عابد الوثن أشدُّ الكافرين كفرًا، فالتشبيه لفاعل هذه المعصية بفاعل العبادة للوثن من أعظم المبالغة والزجر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. قوله: (إن الله حرّم الخمر) اختلف في بيان الوقت الذي حُرِّمت فيه الخمر، فقال الدمياطي (١) في "سيرته" (٢) بأنه كان عام الحديبية، والحديبية كانت سنة ستّ. وذكر ابن إسحاق (٣): أنه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد أُحُدٍ، وذلك سنة أربع على الراجح. قوله: (فمن أدركته هذه الآية) لعله يعني قوله تعالى: ﴿إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ﴾ (٤). قوله: (أفلا أكارم بها اليهود) قال في القاموس (٥): كارمه فكَرَمَه، كنصره: غلبه فيه. اهـ. ولعلّ المراد هنا المهاداة. قال في النهاية (٦): المكارمة: أن تهدي لإِنسان شيئًا ليكافئك عليه. وهي مفاعلة من الكرم. اهـ. قوله: (ثم نزلت: ﴿إنَّمَا الخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾)، أخرج أبو داود (٧) عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٩) نسختهما التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ (١٠)، وفي

стр. 7403

إسناده عليّ بن الحسين بن واقد، وفيه مقال (١). ووجه النَّسخ: أن الآية الآخرة فيها الأمر بمطلق الاجتناب، وهو يستلزم: أن لا ينتفع بشيء معه من الخمر في حال من حالاته في غير وقت الصلاة، وفي حال السُّكر وحال عدم السكر، وجميع المنافع في العين والثمن. قوله: (وعن عليّ قال: صنع لنا عبد الرحمن … إلخ)، هذا الحديث صححه الترمذي (٢) كما رواه المصنف ﵀ [تعالى] (٣) -. وأخرجه أيضًا النسائي (٤) وأبو داود (٥)، وفي إسناده عطاء بن السائب لا يعرف إلا من حديثه. وقد قال يحيى بن معين: لا يحتجّ بحديثه، وفرّق مرّة بين حديثه القديم وحديثه الحديث، ووافقه على التفرقة الإِمام أحمد (٦). وقال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عليّ ﵁ متصل الإِسناد إلا من حديث عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن؛ يعني السلمي، وإنما كان ذلك قبل أن تحرم الخمر فحرمت من أجل ذلك. قال المنذري (٧): وقد اختلف في إسناده ومتنه، فأما الاختلاف في إسناده فرواه سفيان الثوري وأبو جعفر الرازي عن عطاء بن السائب فأرسلوه. وأما الاختلاف في متنه ففي كتاب أبي داود (٨) والترمذي (٩): أن الذي صلى بهم عليّ.

стр. 7404

وفي كتاب النَّسَائِي (١) وأبي جعفر النحاس (٢) أن المصلي بهم عبد الرحمن بن عوف. وفي كتاب أبي بكر البزار: أمروا رجلًا فصلى بهم ولم يسمه. وفي حديث غيره: "فتقدم بعض القوم". اهـ. وأخرج الحاكم (٣) في تفسير سورة النساء عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن عليّ ﵁ دعانا رجل من الأنصار قبل تحريم الخمر فحضرت صلاة المغرب فتقدم رجل فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فأُلبس عليه، فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٤)، ثم قال: صحيح. قال: وفي هذا الحديث فائدة كبيرة، وهي أن الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب دون غيره. وقد برأه الله منها فإنه راوي الحديث. [الباب الثاني] بابُ ما يُتَّخَذ منْهُ الخَمْرُ وأَنَّ كلَّ مُسْكِرٍ حرامٌ ٨/ ٣٦٩١ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ : "الخَمْرُ مِنْ هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ، وَالعِنبَةِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ) (٥). [صحيح] ٩/ ٣٦٩٢ - (وَعَنْ أنَسٍ قال: إنَّ الخَمْرَ حُرّمَتْ وَالخَمْرُ يَوْمَئِذٍ البُسْرُ والتَّمْرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 7405

وفي لَفْظٍ قال: حُرِّمَتْ عَلَيْنا حِين حُرّمَتْ وَما نَجِدُ خَمْر الأعْنابِ إلَّا قَلِيلًا وَعامَّةُ خَمْرِنا البُسْرُ وَالتَّمْرُ. رَوَاهُ البُخارِيُّ (١). [صحيح] وفي لَفْظٍ: لَقَدْ أنْزَلَ الله هَذِهِ الآيَةَ التي حَرَّم فِيها الخَمْرَ، وَما في المَدِينَةِ شَرَابٌ إلَّا مِنْ تَمْرٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٢). [صحيح] ١٠/ ٣٦٩٣ - (وَعَنْ أنَسٍ قال: كُنْتُ أسْقِي أبا عُبَيْدَةَ وأُبيَّ بْن كَعْب مِنْ فَضِيخٍ زَهْوٍ وتَمْرٍ، فَجاءهُمْ آتٍ فَقالَ: إنَّ الخَمْرَ حُرّمَتْ، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: قُمْ يا أنَسُ فأهْرِقْها، فأهْرَقْتُها. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] ١١/ ٣٦٩٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَإنَّ بالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ الْخَمْسَةَ أشْرِبَةٍ ما فِيها شَرَابُ العِنَبِ. رَوَاهُ البُخارِيُّ) (٤). [صحيح] ١٢/ ٣٦٩٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أن عُمَرَ قالَ على مِنْبَرِ النَّبِيّ ﷺ : أمَّا بَعْدُ؛ أيُّهَا النَّاس إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ ما خَامَرَ العَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٥). [صحيح] ١٣/ ٣٦٩٦ - (وَعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ مِنَ الحنطَةِ خَمْرًا، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، وَمِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، ومِن العَسَلِ خَمْرًا"، رَواهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ (٦)،

стр. 7406

زَادَ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢): "وأنا أنْهَى عَنْ كُلّ مُسْكِرٍ"). [صحيح] ١٤/ ٣٦٩٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَر أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ خمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ وَابْنَ ماجَهْ (٣). [صحيح] وفي رِوَايَةٍ: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُل خَمْرٍ حَرَامٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤) وَالدَّارَقُطْنِيُّ) (٥). [صحيح] ١٥/ ٣٦٩٨ - (وَعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ البِتْعِ، وَهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ، وكانَ أهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فَقالَ [رسول الله] (٦) ﷺ : "كُلُّ شَرَابٍ أسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ") (٧). [صحيح] ١٦/ ٣٦٩٩ - (وَعَنْ أبي مُوسَى قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله أفْتِنا في شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُما باليَمَنِ: البِتْعُ، وَهُوَ مِنَ العَسَلِ يُنْبَذُ حتَّى يَشْتَدَّ، والمِزْرُ وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ يُنْبَذُ حتَّى يَشْتَدَّ، قالَ: وكانَ رَسُولُ الله ﷺ قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الكَلِمِ بِخَوَاتِمِهِ، فَقالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما) (٨). [صحيح]

стр. 7407

١٧/ ٣٧٠٠ - (وَعَنْ جابِرٍ: أن رَجُلًا مِنْ جَيْشانَ، وَجَيْشانُ مِنَ اليَمَنِ سألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقالُ لَهُ: المِزْرُ، فَقالَ: "أمُسْكِرٌ هُوَ؟ "، قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إن على الله عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ المُسْكِرَ أنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طينَةِ الخبالِ"، قالُوا: يا رَسُولَ الله وَما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: "عَرَقُ أهْلِ النَّارِ، أو: عُصَارَةُ أهْلِ النَّارِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَالنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] ١٨/ ٣٧٠١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "كُلُّ مُخمِّرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٤). [صحيح] ١٩/ ٣٧٠٢ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "كُلُّ مُسْكرٍ حَرَامٌ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَالنَّسائيُّ (٦) وَابْنُ ماجَهْ (٧) وَصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٨). [صحيح] وَلابْنِ ماجَهْ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٩). [صحيح لغيره]

стр. 7408

وَحَدِيثِ مُعاوِيَةَ) (١). [ضعيف] حديث النعمان بن بشير في إسناده إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي، قال المنذري (٢): قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وقال الترمذي (٣) بعد إخراجه: غريب. اهـ. قال ابن المديني: لإبراهيم بن مهاجر نحو أربعين حديثًا، وقال أحمد (٤): لا بأس به، وقال النَّسَائِي والقطان (٥): ليس بالقويّ. وحديث ابن عباس سكت عنه أبو داود (٦)، والمنذري (٧)، وهو من طريق محمد بن رافع النيسابوري شيخ الجماعة، سوى ابن ماجه. قال: حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني - وهو ثقة - قال: سمعت النعمان - يعني ابن أبي شيبة [عبيد الجنيدي] (٨)، وهو أيضًا ثقة - يقول: عن طاوس عن ابن عباس الحديث، وتمامة عند أبي داود (٩): "ومن شرب مسكرًا بُخِسَتْ صلاتُه أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: "صديد أهل النار، ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال".

стр. 7409

وحديث جابر (١) المذكور في الباب أخرجه أيضًا أبو داود (٢) بلفظ: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"، وقد حسنه الترمذي (٣). قال المنذري (٤): في إسناده داود بن بكر بن أبي الفُرات الأشجعي مولاهم المدني سئل عنه ابن معين فقال: ثقة، وقال أبو حاتم الرازي (٥): لا بأس به ليس بالمتين. قال المنذري (٦) أيضًا: وقد روى عنه هذا الحديث من رواية عليّ [بن أبي طالب] (٧)، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وخوّات بن جبير، وحديث سعد بن أبي وقاص، أجودها إسنادًا، فإن النَّسَائِي رواه في سننه (٨) عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وهو أحد الثقات عن الوليد بن كثير. وقد احتجّ به مسلم والبخاري في الصحيحين عن الضحاك بن عثمان، وقد احتجّ به مسلم في صحيحه عن بكير بن عبد الله الأشجّ عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، وقد احتجّ البخاري ومسلم بهما في الصحيحين. قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا يعلم روي عن سعد إلا من هذا الوجه، ورواه عن الضحاك وأسنده جماعة عنه منهم الدراوردي والوليد بن كثير ومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني. انتهى. قال المنذري (٩) أيضًا: وتابع محمد بن عبد الله بن عمار أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشجّ، وهو ممن اتفق عليه البخاري ومسلم واحتجَّا به.

стр. 7410

وحديث أبي هريرة (١) لم يذكر الترمذي (٢) لفظه إنما ذكر حديث عائشة (٣) المذكور في الباب (٤)، ثم حديث ابن عمر (٥) بلفظ: "كل مسكر حرام"، ثم قال (٦): "وفي الباب عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأنس، وأبي سعيد، وأبي موسى، والأشجَّ، وديلم، وميمونة، وابن عباس، وقيس بن سعد، والنعمان بن بشير، ومعاوية، ووائل بن حجر، وقرة المزني، وعبد الله بن مغفل، وأمّ سلمة، وبريدة، وأبي هريرة، وعائشة. قال (٧): هذا حديث حسن. وقد روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ نحوه. وكلاهما صحيح. ورواه غير واحد عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعن أبي سلمة عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ " .. وحديث ابن مسعود ومعاوية اللذان أشار إليهما المصنف هما في سنن ابن ماجه (٨) كما قال. أما حديث ابن مسعود فلم يكن في إسناده إلا أيوب بن هانئ (٩)، وهو صدوق وربما يخطئ، وهو بلفظ: "كل مسكر حرام".

стр. 7411

وأما حديث معاوية ففي إسناده سليمان بن عبد الله بن الزبرقان (١) وهو لين الحديث، ولفظه: "كل مسكر حرام على كل مؤمن". قوله: (النخلة والعنبة) لفظ أبي داود (٢): يعني: النخلة والعنبة، وهو يدلُّ على أن تفسير الشجرتين ليس من الحديث، فتحمل رواية من عدا أبا داود على الإدراج، وليس في هذا نفي الخمرية عن نبيذ الحنطة، والشعير، والذرة، وغير ذلك. فقد ثبت فيه أحاديث صحيحة في البخاري (٣) وغيره (٤)، قد ذكر بعضها المصنف (٥) كما ترى، وإنما خصّ بالذكر هاتين الشجرتين لأن أكثر الخمر منهما، وأعلى الخمر وأنفسه عند أهله منهما، وهذا نحو قولهم: المال الإبل: أي أكثره وأعمه، والحجّ عرفات، ونحو ذلك، فغاية ما هناك أن مفهوم الخمر المدلول عليه باللام معارض بالمنطوقات، وهي أرجح بلا خلاف. قوله: (وعامة خمرنا البسر والتمر) أي: الشراب الذي يصنع منهما. وأخرج النَّسَائِي (٦) والحاكم وصححه (٧) من رواية محارب بن دثار عن جابر عن النبيّ ﷺ قال: "الزبيب والتمر هو الخمر" وسنده صحيحٌ، وظاهره الحصر. قال الحافظ (٨): لكن المراد المبالغة وهو بالنسبة إلى ما كان حينئذٍ بالمدينة موجودًا.

стр. 7412

وقيل: إنَّ مراد أنس الردُّ على من خصّ اسم الخمر مما يتخذ من العنب. وقيل: مراده: أن التحريم لا يختصُّ بالخمر المتخذة من العنب، بل يشركها في التحريم كلُّ شرابٍ مسكرٍ. قال الحافظ (١): وهذا أظهر. قال: والمجمع على تحريمه عصير العنب إذا اشتدّ فإنه يحرم تناوله بالاتفاق. وحكى ابن قتيبة (٢) عن قوم من مُجّان أهل الكلام أن النهي عنها للكراهة، وهو قولُ مجهولٍ، لا يلتفت إلى قائله. وحكى أبو جعفر النحاس (٣) عن قوم: أن الحرام ما أجمعوا عليه، وما اختلفوا فيه فليس بحرام قال: وهذا عظيم من القول يلزم منه القول بحلّ كل شيء اختلف في تحريمه ولو كان الخلاف واهيًا. ونقل الطحاوي في اختلاف العلماء (٤) عن أبي حنيفة أن الخمر حرام قليلها وثيرها، والسكر من غيرها حرام وليس كتحريم الخمر، والنبيذ المطبوخ لا بأس به من أيّ شيء كان. وعن أبي يوسف (٥): لا بأس بالنقيع من كل شيء وإن غلا إلا الزبيب والتمر، قال: كذا حكاه محمد عن أبي حنيفة. وعن محمد (٦): ما أسكر كثيره فأحبّ إليّ أن لا أشربه ولا أحرّمه. وقال الثوري (٧): أكره نقيع التمر ونقيع الزبيب إذا غلا. قال: ونقيع العسل لا بأس به. انتهى.

стр. 7413

والبسر بضم الموحدة من تمر النخل معروف. قوله: (من فضيخ) (١) بالفاء ثم معجمتين وزن عظيم: اسم للبسر إذا شدخ ونبذ وأما الزهو (٢): فبفتح الزاي، وسكون الهاء، بعدها واو، هو: البسر الذي يحمر، أو يصفر قبل أن يترطب، وقد يطلق الفضيخ على خليط البسر والتمر، ويطلق على البسر وحده، وعلى التمر وحده. قوله: (فأهرقها) (٣) الهاء بدل من الهمزة، والأصل: أرقها، وقد تستعمل هذه الكلمة بالهمزة والهاء معًا كما وقع هنا، وهو نادر. قوله: (وهي من خمسة: من العنب) قال في الفتح (٤): هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد والأبواب في الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكم الرفع؛ لأنَّه خبر صحابيٍّ شهد التنزيل، وأخبر عن سبب. وقد خطب به [عمر] (٥) على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحدٍ منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ (٦) الآية، فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصًّا بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيره. انتهى. ويؤيده حديث النعمان بن بشير (٧) المذكور في الباب، وفي لفظ منه عند أصحاب السنن (٨)، وصححه ابن حبان (٩) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة".

стр. 7414

ولأحمد (١) من حديث أنس بسند صحيح، قال: "الخمر من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذرة - بضم المعجمة، وتخفيف الراء من الحبوب معروفة - ". قوله: (والخمر ما خامر العقل) أي: غطاه، أو خالطه، فلم يتركه على حاله، وهو مجاز، والعقل: هو آلة التمييز، فلذلك حُرِّم ما غطاه أو غيَّره؛ لأن بذلك يزول الإِدراك الذي طلبه الله من عباده؛ ليقوموا بحقوقه. قال الكرماني (٢): هذا تعريف بحسب اللغة، وأما بحسب العرف فهو: ما يخامر العمل من [عصير] (٣) العنب خاصةٍ. قال الحافظ (٤): وفيه نظر؛ لأنَّ عمر ليس في مقام تعريف اللغة، بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعيِّ، فكأنه قال: الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع؛ هو: ما خامر العقل، على أن عند أهل اللغة اختلافًا في ذلك كما قدمته؛ ولو سُلِّم: أن الخمر في اللغة يختصُّ بالمتخذ من العنب؛ فالاعتبار بالحقيقة الشرعية، وقد تواترت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب يسمى: خمرًا، والحقيقة الشرعية مقدمةٌ على اللغوية. وقد ثبت في صحيح مسلم (٥) عن أبي هريرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة" وقد تقدم (٦)، وقد جعل الطحاوي (٧) هذا الحديث معارضًا لحديث عمر (٨) المذكور. وقال البيهقي: ليس المراد الحصر في الأمرين المذكورين في حديث أبي هريرة (٦)؛ لأنَّه يتخذ الخمر من غيرهما، وقد تقدم الكلام على ذلك.
следующие страницы →