← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 7515–7554 · переход к 7520.

стр. 7515

قوله: (بشعب الخرار) بمعجمة ثم مهملتين. قال في القاموس (١): هو موضع قرب الجحفة. قوله: (فلُبِط) (٢) - بضم اللام وكسر الموحدة -، لبط الرجل فهو ملبوط: أي صرع وسقط إلى الأرض. قوله: ([وداخلة] (٣) إزاره) يحتمل أن يريد بذلك الفرج، ويحتمل أن يريد طرف الإزار الذي يلي جسده من الجانب الأيمن. وقد اختلف ذلك على قولين: ذكرهما في الهدي (٤)، وقد بيّن في هذا الحديث صفة الغسل. قوله: (ثم يكفأ القدح وراءه)، زاد في رواية (٥): "على الأرض". قال المازري (٦): هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يُرَدُّ لكونه لا يعقل معناه. وقال ابن العربي (٧): إن توقف فيه متشرِّع قلنا له: قل: الله ورسوله أعلم. وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة. قال ابن القيم (٨): هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر منها، ولا من شكَّ فيها، أو فعلها مجرّبًا غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواصُّ لا يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس، وإنما يفعل بالخاصة فما الذي ينكر جهلتهم من الخواصِّ الشرعية؟! هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سمِّ الحية يؤخذ من لحمها، وهذا علاجُ النفس الغضبية توضع اليد على يد الغضبان فيسكن، فكأنَّ

стр. 7516

أثر تلك العين شعلة نار وقعت على جسد المعيون؛ ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة. ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدّة النفوذ فيها، ولا شيء أرقّ من العين، فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما للأرواح الشيطانية في تلك المواضع. وفيه أيضًا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرقّ المواضع وأسرعها نفاذًا فتنطفئ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء، وهذا الغسل المأمور به ينفع بعد استحكام النظرة. فأما عند الإصابة وقبل الاستحكام فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف المذكورة: "ألا برّكت عليه"، وفي رواية ابن ماجه (١): "فليدع بالبركة"، ومثله عند ابن السني (٢) من حديث عامر بن ربيعة. وأخرج البزار (٣) وابن السني (٤) من حديث أنس رفعه: "من رأى شيئًا فأعجبه فقال: ما شاءَ الله لا قوّة إلا بالله لم يضرّه".

стр. 7517

وقد اختلف في القصاص بذلك؛ فقال القرطبي (١): لو أتلف العائن شيئًا ضمنه، ولو قتل؛ فعليه القصاص، أو الدية، إذا تكرّر ذلك منه، بحيث يصير عادةً، وهو في ذلك كالساحر. قال الحافظ (٢): ولم تتعرّض الشافعية للقصاص في ذلك؛ بل منعوه، وقالوا: إنه لا يقتل غالبًا ولا يعدُّ مهلكًا. وقال النووي في الروضة (٣): ولا دية فيه ولا كفارة؛ لأنَّ الحكم إنما يترتب على منضبطٍ عامٍّ دون ما يختصّ ببعض الناس في بعض الأحوال مما لا انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلًا، وإنما غايته حسد، وتمنٍّ لزوال نعمة. وأيضًا فالذي ينشأ عن الإصابة حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين المكروه في زوال الحياة فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين. ونقل ابن بطال (٤) عن بعض أهل العلم: أنَّه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته؛ فإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به، فإن [ضرره] (٥) أشدُّ من ضرر المجذوم الذي أمر عمر بمنعه من مخالطة الناس، وأشدُّ من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة. قال النووي (٦): هذا القول صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه.

стр. 7518

[الكتاب الرابع والأربعون] [كتاب] (١) الأيمانِ وكَفَّارَتها [الباب الأول] بابُ الرجوعِ في الأَيمانِ وغيرِها مِنَ الكلامِ إِلى النيَّةِ ١/ ٣٧٩٨ - (عَنْ سُوَيْدِ بْنِ حَنْظَلَةَ قالَ: خَرَجْنا نُرِيدُ رَسُولَ الله ﷺ وَمَعَنا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فأخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ فَتَحَرَّجَ القَوْمُ أنْ يَحْلِفُوا، وَحَلَفْتُ أنَّهُ أخِي فَخُلِّي عَنْهُ، فأتَيْنا إلى رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرْتُ ذلكَ لَهُ، فَقالَ: "أنْتَ كُنْتَ أبَرَّهُمْ وأصْدَقَهُم، صَدَقْتَ، المُسْلمُ أخُو المُسْلِم"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَابْنُ ماجَهْ (٣). [صحيح] وفِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ (٤): "مَرْحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ وَالنبِيِّ الصَّالحِ"). [صحيح] ٢/ ٣٧٩٩ - (وعَنْ أنَسٍ قالَ: أَقبَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلى المَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أبا بَكْرٍ، وأبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ وَنَبِيُّ الله شابٌّ لا يُعْرَفُ، قالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أبا بَكْرٍ فَيَقُولُ: يا أبا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، فَيَحْسِبُ الحاسِبُ أنَّهُ إنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الخَيْرِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَالبُخارِيُّ) (٦). [صحيح]

стр. 7519

٣/ ٣٨٠٠ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَمِينُكَ على ما يُصَدّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِم (٢) وَابْنُ ماجَهْ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ (٤). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: "اليَمِينُ على نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ"، رَوَاهُ مُسلِمٌ (٥) وَابْنُ ماجَهْ (٦). [صحيح] وَهُوَ مَحْمولٌ على المُسْتَحْلِفِ المَظْلُومِ). حديث سويد بن حنظلة، أخرجه أيضًا أبو داود (٧) وسكت عنه، ورجاله ثقات وله طرق، وهو من رواية إبراهيم بن عبد الأعلى عن جدته عن سويد بن حنظلة، وعزاه المنذري إلى مسلم، فينظر في صحة ذلك (٨). قال المنذري (٩) أيضًا: وسويد بن حنظلة لم ينسب ولا يعرف له غير هذا الحديث. انتهى. وآخره الذي هو محلُّ الحجة وهو قوله: "المسلم أخو المسلم" هو متفق عليه (١٠) بلفظ: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه". وكذلك حديث: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" فإنه متفق عليه (١١)، وليس المراد بهذه الأخوَّة إلا أخوة الإسلام، فإن كل اتفاق بين شيئين يطلق بينهما اسم

стр. 7520

الأخوة، ويشترك في ذلك الحرّ والعبد، ويبرّ الحالف إذا حلف أن هذا المسلم أخوه، ولا سيما إذا كان في ذلك قربة كما في حديث الباب. ولهذا استحسن ذلك ﷺ من الحالف وقال: "أنت كنت أبرّهم وأصدقهم". ولهذا قيل: إن في المعاريض لمندوحة. وقد أخرج ذلك البخاري في "الأدب المفرد" (١) من طريق قتادة عن مطرف بن عبد الله عن عمران بن حصين. وأخرجه الطبري في التهذيب (٢)، والطبراني في الكبير (٣).

стр. 7521

قال الحافظ (١): ورجاله ثقات. وأخرجه ابن عدي (٢) من وجه آخر عن قتادة مرفوعًا، ووهَّاه أبو بكر بن كامل في "فوائده". وأخرجه البيهقي في "الشعب" (٣) من [طريقه] (٤) كذلك. وأخرجه ابن عديّ (٥) أيضًا من حديث عليّ. قال الحافظ (٦): وسنده واهٍ أيضًا. وأخرج البخاري في الأدب [المفرد] (٧) (٨) من طريق أبي عثمان النهدي عن عمر قال: أما في المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب. قال الجوهري (٩): المعاريض: هي خلاف التصريح، وهي التورية بالشيء عن الشيء. وقال الراغب (١٠): التعريض له وجهان في صدقٍ وكذبٍ، أو باطنٍ وظاهرٍ. والمندوحة (١١): السعة، وقد جعل البخاري في صحيحه هذه المقالة ترجمة باب فقال: باب المعاريض مندوحة (١٢). قال ابن بطال (١٣): ذهب مالك (١٤) والجمهور: إلى أن من أكره على يمين؛ إن لم يحلفها قتل أخوه المسلم أنه لا حنث عليه. وقال الكوفيون: يحنث. قوله: (مرحبًا بالأخ الصالح) فيه دليل على صحة إطلاق الأخوة على بعض الأنبياء من بعضٍ منهم، والجهة الجامعة هي النبوّة.

стр. 7522

قوله: (ونبيُّ الله شابٌّ) فيه جواز إطلاق اسم الشاب على من كان في نحو الخمسين السنة، فإنَّ النبيّ ﷺ عند مهاجره قد كان مناهزًا للخمسين إن لم يكن قد جاوزها، وفي إثبات الشيخوخة لأبي بكر والشباب للنبيّ ﷺ إشكال؛ لأن أبا بكر أصغر من النبيّ ﷺ ، فإنه عاش بعده ومات في السنّ التي مات فيها رسول الله ﷺ . ويمكن أن يقال: إن أبا بكر ظهرت عليه هيئة الشيخوخة من الشيب والنحول في ذلك الوقت، والنبيّ ﷺ لم يظهر عليه ذلك، ولهذا وقع الخلاف بين الرواة في وجود الشيب فيه عند موته ﷺ ، وفي هذا التعريض الواقع من أبي بكر غاية اللطافة. قوله: (على ما يصدقك به صاحبك) فيه دليل: على أن الاعتبار بقصد المحلِّف، من غير فرق بين أن يكون المحلِّف هو الحاكم أو الغريم، وبين أن يكون المحلف ظالمًا أو مظلومًا، صادقًا أو كاذبًا، وقيل: هو مقيد بصدق المحلف فيما ادَّعاه، أما لو كان كاذبًا كان الاعتبار بنية الحالف. وقد ذهبت الشافعية (١) إلى تخصيص الحديث بكون المحلِّف هو الحاكم، ولفظ (صاحبك) في الحديث يردّ عليهم، وكذلك ما ثبت في رواية لمسلم (٢) بلفظ: "اليمين على نية المستحلف"، قال النووي (٣): أما إذا حلف بغير استحلاف وورّى فتنفعه التورية ولا يحنث سواء حلف ابتداء من غير تحليف أو حلفه غير القاضي أو غير نائبه في ذلك. ولا اعتبار بنية المستحلِف بكسر اللام غير القاضي. وحاصله: أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه. قال (٤): والتورية وإن كان لا يحنث بها؛ فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حقّ المستحلف، وهذا مجمع عليه. انتهى.

стр. 7523

وقد حكى القاضي عياض (١) الإجماع على أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حقّ بيمينه له نيته ويقبل قوله، وأما إذا كان لغيره حقّ عليه فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه سواء حلف متبرّعًا أو باستحلاف. انتهى ملخصًا. وإذا صحّ الإجماع على خلاف ما يقضي به ظاهر الحديث كان الاعتماد عليه، يمكن التمسك لذلك بحديث سويد بن حنظلة (٢) المذكور في الباب، فإن النبيّ ﷺ حكم له بالبرّ في يمينه مع أنه لا يكون بارًّا إلا باعتبار نية نفسه لأنه قصد الأخوة المجازية، والمستحلف له قصد الأخوة الحقيقية، ولعلّ هذا هو مستند الإجماع. [الباب الثاني] باب من حلف فقال: إن شاء الله ٤/ ٣٨٠١ - (عَنْ أبي هُرَيْرَة قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ :: "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنْ شاءَ الله، لَمْ يَحْنَثْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ (٤) وَابْنُ ماجَهْ (٥) وَقالَ: "فَلَهُ ثُنْياهُ"، وَالنَّسائيُّ (٦) وَقالَ: "فقدِ اسْتثْنَى"). [صحيح] ٥/ ٣٨٠٢ - (وَعنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ على يَمينِ فَقالَ: إنْ شاءَ الله، فَلا حِنْثَ عَلَيْهِ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا أبا دَاوُدَ) (٧). [صحيح]

стр. 7524

٦/ ٣٨٠٣ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا"، ثُمَّ قالَ: "إنْ شاءَ الله"، ثُمَّ قالَ: "وَالله لأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا"، ثُمَّ قالَ: "إنْ شاءَ الله"؛ ثُمَّ قالَ: "وَالله لأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا"، ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قالَ: "إنْ شاءَ الله"، ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ. أخْرَجَهُ أبُو دَاوُدَ) (١). حديث أبي هريرة أخرجه أيضًا ابن حبان (٢)، وهو من حديث عبد الرزاق (٣) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة. قال البخاري فيما حكاه الترمذي (٤): أخطأ فيه عبد الرزاق، واختصره من حديث: "إن سليمان بن داود ﵇ قال: لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأة … " الحديث. وفيه: "فقال النبيّ ﷺ : "لو قال: إن شاء الله لم يحنث""، وهو في الصحيح (٥)، وله طرق أخرى رواها الشافعي، وأحمد (٦)، وأصحاب السنن (٧)، وابن حبان (٨)، والحاكم (٩) من حديث ابن عمر، كما ذكره المصنف في الباب.

стр. 7525

قال الترمذي (١): لا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني. وقال ابن علية: كان أيوب تارةً يرفعه، وتارة لا يرفعه. قال: ورواه مالك (٢)، وعبيد الله بن عمر، وغير واحد موقوفًا. قال الحافظ (٣): هو في الموطأ كما قال البيهقي وقال: لا يصحّ رفعه إلا عن أيوب مع أنه شك فيه، وتابعه على لفظه العمريُّ عبد الله، وموسى بن عقبة، وكثير بن فرقد، وأيوب بن موسى، وقد صححه ابن حبان (٤). وحديث ابن عمر رجاله رجال الصحيح، وله طرق كما ذكره صاحهب الأطراف وهو أيضًا في سنن أبي داود (٥) في الأيمان والنذور لا كما قال المصنف. وحديث عكرمة قال أبو داود (٦): إنه قد أسنده غير واحد عن عكرمة عن ابن عباس، وقد رواه البيهقي (٧) موصولًا ومرسلًا. قال ابن أبي حاتم في العلل (٨): الأشبه إرساله. وقال ابن حبان في الضعفاء (٩): رواهُ مسعر، وشريكٌ أرسله مرّةً ووصله أخرى. قوله: (لم يحنث) فيه دليل: على أن التقييد بمشيئة الله مانع من انعقاد اليمين، أو يحلُّ انعقادها.

стр. 7526

وقد ذهب إلى ذلك الجمهور (١) وادّعى عليه ابن العربي (٢) الإجماع، قال: أجمع المسلمون على أن قوله: "إن شاء الله" يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلًا. قال: ولو جاز منفصلًا - كما روى بعض السلف - لم يحنث أحد قط في يمين ولم يحتج إلى كفارة. قال: واختلفوا في الاتصال؛ فقال مالك (٣) والأوزاعي (٤) والشافعي (٥) والجمهور (١): هو أن يكون قوله: إن شاء الله، متصلًا باليمين من غير سكوت بينهما، ولا يضرّ سكتة النفس. وعن طاوس (٦)، والحسن (٦)، وجماعة من التابعين، أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة (٦): ما لم يقم أو يتكلم. وقال عطاء (٦): قدر حلبة ناقة. وقال سعيد بن جبير (٦): يصحّ بعد أربعة أشهر. وعن ابن عباس (٦): له الاستثناء أبدًا. ولا فرق بين الحلف بالله أو بالطلاق أو العتاق أن التقييد بالمشيئة يمنع الانعقاد، وإلى ذلك ذهب الجمهور (٧). وبعضهم فصّل. واستثنى أحمد (٨) العتاق قال: لحديث: "إذا قال: أنت طالق إن شاء الله، لم تطلق، وإن قال لعبده: أنت حرّ إن شاء الله، فإنَّه حرٌّ" (٩)، وقد تفرّد به حميد بن مالك، وهو مجهول، كما قال البيهقي.

стр. 7527

وذهبت الهادوية (١): إلى أن التقييد بالمشيئة يعتبر فيه مشيئة الله في تلك الحال، باعتبار ما يظهر من الشريعة، فإن كان ذلك الأمر الذي حلف على تركه وقيد الحلف بالمشيئة محبوبًا لله فعله لم يحنث بالفعل، وإن كان محبوبًا لله تركه لم يحنث بالترك، فإذا قال: والله ليتصدقنّ إن شاء الله حنث بترك الصدقة؛ لأن الله يشاء التصدق في الحال، وإن حلف ليقطعنّ رحمه إن شاء الله لم يحنث بترك القطع؛ لأن الله يشاء ذلك الترك. وقال المؤيد (٢) بالله: معنى التقيد بالمشيئة، بقاء الحالف في الحياة وقتًا يمكنه الفعل، فإذا بقي ذلك القدر حنث الحالف على الفعل بالترك، وحنث الحالف على الترك بالفعل. والظاهر من أحاديث الباب: أن التقييد إنما يفيد إذا وقع بالقول كما ذهب إليه الجمهور (٣) لا بمجرَّد النية؛ إلا ما زعمه بعض المالكية عن مالك: أن قياس قوله صحة استثناء بالنية (٤) وعند الهادوية (١) في ذلك تفصيل معروف. وقد بوّب البخاري (٥) على ذلك فقال: باب النية في الأيمان. قوله: (ثم سكت ثم قال: إن شاء الله) لم يقيد هذا السكوت بالعذر، بل ظاهره السكوت اختيارًا، لا اضطرارًا، فيدل على جواز ذلك. [الباب الثالث] بابُ مَنْ حَلَفَ لا يهدي هَدِيَّةً فتصدَّقَ ٧/ ٣٨٠٤ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ كانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا أُتِيَ بِطَعامٍ سأل عَنْهُ أهَدِيَّةٌ أمْ صَدَقَةٌ؟ فإنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ قال لأصحابِهِ: "كُلُو" ولَمْ يأكُلْ؛ وَإنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ وأكَلَ مَعَهُمْ) (٦). [صحيح]

стр. 7528

٨/ ٣٨٠٥ - (عَنْ أنَسٍ قالَ: أهْدَتْ بَرِيْرَةُ إلى رَسُولِ الله ﷺ لَحْمًا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْها، فَقالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلنا هَدِيَّةٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهما) (١). [صحيح] قد تقدم الكلام على معنى الحديثين في كتاب الزكاة (٢)، والمقصود من إيرادهما ههنا: أن الحالف بأنه لا يهدي لا يحنث إذا تصدق، لأنَّ النبيّ ﷺ كان يسأل عن الطعام الذي يقرّب إليه: هل هو صدقة أو هدية؟ وكذلك قال في لحم بريرة: "هو لها صدقة ولنا هدية" كما في حديث الباب. فدلّ ذلك على تغاير مفهومي الهدية والصدقة، فإذا حلف من إحداهما لم يحنث بالأخرى كسائر المفهومات المتغايرة. قال ابن بطال (٣): إنما كان النبيّ ﷺ لا يأكل الصدقة لأنها أوساخ الناس، ولأن أخذ الصدقة منزلة ضِعَةٍ، والأنبياء منزّهون عن ذلك؛ لأنه ﷺ كان كما وصفه الله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (٤) والصدقة لا تحلُّ للأغنياء، وهذا بخلاف الهدية، فإنَّ العادة جارية بالإثابة عليها، وكذلك كان شأنه. وفي حديث أنس دليل: على أن الصدقة إذا قبضها من يحلّ له أخذها ثم تصرّف فيها زال عنها حكم الصدقة وجاز لمن حرمت عليه الصدقة أن يتناول منها إذا أهديت له، أو بيعت. [الباب الرابع] بابُ مَنْ حَلَفَ لا يَأْكُل إِدَامًا بِمَاذَا يَحْنَث ٩/ ٣٨٠٦ - (عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "نِعْمَ [الإدَامُ] (٥) الخَلّ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ (٦). [صحيح]

стр. 7529

وَلأحْمَدَ (١) وَمُسْلِمٍ (٢) وَابْنِ ماجَهْ (٣) وَالتِّرْمِذِيَّ (٤) مِنْ حَدِيثِ عائِشَةَ مِثْلُهُ). [صحيح] ١٠/ ٣٨٠٧ - (وَعَنِ [ابْنِ عُمَرَ] (٥) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ائْتَدِمُوا بالزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ فإنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ") (٦). [حسن]

стр. 7530

١١/ ٣٨٠٨ - (وَعَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "سَيِّدُ إدَامِكُمُ المِلْحُ" رَوَاهما ابْنُ ماجَهْ) (١). [ضعيف] ١٢/ ٣٨٠٩ - (وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ سَلامٍ قالَ: رأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ كِسْرَةً مِن خُبْزِ شَعِيرٍ فَوَضَعَ عَلَيْها تَمْرَةً وَقالَ: "هَذِه إدَامُ هَذِهِ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) وَالبُخارِيُّ) (٣). [ضعيف] ١٣/ ٣٨١٠ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ قالَ: "سَيِّدُ إدَامِ أهْلِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ اللَّحْمُ"، رَوَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي "غَرِيبِه" (٤) فَقالَ: حَدَّثَنا القَوْمَسِيُّ، حدَّثَنا الأصْمَعيُّ عَنْ أبي هِلالٍ الرَّاسِبيّ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ … فَذَكَرَهُ). ١٤/ ٣٨١١ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّؤُها الجَبَّارُ (٥)

стр. 7531

بِيَدِهِ (١) كمَا يَتَكَفَّأُ أحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأهْلِ الجَنَّةِ"، فأتى رَجُلٌ مِنَ اليهُودِ فَقالَ: بارَكَ الرَّحْمنُ عَلَيْكَ يا أبا القاسِمِ، ألا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أهْلِ الجَنَّةِ؟ قالَ: "بَلَى"، قالَ: تَكُونُ الأرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً كما قالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْنا ثُمَّ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثمَّ قالَ: ألَا أُخْبِرُكَ بإدَامِهِمْ؟ قالَ: "بَلَى"، قالَ: إدَامُهُمْ بَالَام ونونٌ، قالَ: "ما هَذَا؟ "، قالَ: ثَوْرٌ وَنُونٌ يأكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِما سَبْعُونَ ألْفًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح]

стр. 7532

وَالنُّونُ: الحُوتُ) (١). حديث [ابن عمر] (٢) رجال إسناده في سنن ابن ماجه (٣) ثقات إلا حسين بن مهدي شيخ ابن ماجه فقال في التقريب (٤): إنه صدوق، وعزاه السيوطي في الجامع الصغير (٥) أيضًا إلى الحاكم في المستدرك (٦)، والبيهقي في الشعب (٧). وأخرج أيضًا الطبراني في الكبير (٨) عن ابن عمر مرفوعًا: "ائتدموا بالزيت وادّهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة". وحديث أنس في إسناده عند ابن ماجه (٩) رجل مجهول، فإنه قال: عن رجل، أراه موسى عن أنس، وقد أخرجه أيضًا الحكيم الترمذي (١٠). وحديث بريدة أخرجه بهذا اللفظ أبو نعيم في "الطب" (١١) من حديث عليّ بإسناد ضعيف. قوله: (نعم [الإدَامُ]) (١٢) قال النووي (١٣): الإِدام: بكسر الهمزة، ما يؤتدم به، يقال: أدم الخبز، يأدمه - بكسر الدال -، وجمع الإِدام: أدم - بضم الهمزة - كإهاب وأهب، وكتاب وكتب، والأدم: بإسكان الدال مفرد كالإِدام.

стр. 7533

قال الخطابي (١) والقاضي عياض (٢): معنى الحديث: مدح الاقتصار في المأكل، ومنع النفس عن ملاذّ الأطعمة، تقديره: ائتدموا بالخلِّ، وما في معناه، مما تخفُّ مؤنته، ولا يعزّ وجوده، ولا تتأنقوا في الشهوات، فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن. قال النووي (٣): والصواب الذي ينبغي أن يجزم به: أنه مدح للخلِّ نفسه. وأما الاقتصار في [المطعم] (٤) وترك الشهوات [فمعلوم] (٥) من قواعد أخر. وأما قول جابر فما زلت أحبُّ الخلَّ منذ سمعتها من نبيِّ الله ﷺ فهو كقول أنس: "ما زلت أحبّ الدّباء" (٦)، قال: وهذا مما يؤيد ما قلنا في معنى الحديث: إنه مدح للخلّ نفسه. وتأويل الراوي إذا لم يخالف الظاهر يتعين المصير إليه والعمل به عند جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين، وهذا كذلك، بل تأويل الراوي هنا هو ظاهر اللفظ فيتعين اعتماده. قوله: (ائتدموا بالزيت) فيه الترغيب في الائتدام بالزيت معللًا ذلك بكونه من شجرة مباركة. قوله: (سيِّد إدامكم الملح) قد تقدم أن الإِدام اسم لما يؤتدم به: أي يؤكل به الخبز مما يطيب، سواء كان مما يصطبغ به كالأمراق والمائعات، أو مما لا يصطبغ به، كالجامدات من الجبن، والبيض، والزيتون، وغير ذلك. قال ابن رسلان: هذا معنى الإِدام عند الجمهور من السلف والخلف. انتهى. ولعلَّ تسمية الملح بسيد الإِدام لكونه مما يحتاج إليه في كل طعام، ولا يمكن أن يساغ بدونه، فمع كونه لا يزال مخالطًا لكل طعام محتاجًا إليه، لا يغني

стр. 7534

عنه من أنواع الإِدام شيءٌ، وهو يغني عنها، بل ربما لا يصلح بعض الأدم إلا بالملح، فلما كان بهذا المحلِّ أطلق عليه اسم: السيّد، وإن لم يكن سيدًا بالنسبة إلى ذاته، لكونه خاليًا عن الحلاوة، والدسومة، ونحوهما. قوله: (فوضع عليها تمرةً) فيه: أن وضع التمرة على الكسرة جائز ليس بمكروه، وإن كان البزار قد روى حديث: "أكرموا الخبز" (١) مع ما في الحديث من المقال، فمثل هذا لا ينافي الكرامة. قوله: (هذه إدام هذه) فيه دليل: على أن الجوامد تكون إدامًا، كالجبن، والزيتون، والبيض، والتمر، وبهذا قال الشافعي (٢)، وقال أبو حنيفة (٣): ما لا يصطبغ به فليس بإدام؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما يرفع إلى الفم منفردًا. قوله: (سيد إدام أهل الدنيا … إلخ) فيه تصريح: بأنَّ اللحم حقيق بأن يطلق عليه اسم السيادة المطلقة في الدنيا والآخرة. ولا جرم فهو بمنزلة لا يبلغها شيءٌ من الأدم كائنًا ما كان، فإطلاق السيادة عليه لذاته لا لمجرّد الاحتياج إليه كما تقدم في الملح. قوله: (خبزة واحدة) بضم الخاء المعجمة، وسكون الموحدة، بعدها زاي: هي في أصل اللغة: الطُّلمة (٤)، والمراد بها هنا المصنوع من الطعام. قال النووي (٥): معنى الحديث أن الله يجعل الأرض كالطلمة والرغيف

стр. 7535

العظيم، ويكون ذلك طعامًا نزلًا لأهل الجنة، والله ﵎ على كل شيء قدير. قوله: (بَالَام، ونون) الحرف الأوّل: باء موحدة، وبعدها لام مخففة، بعده ميم مرفوعة غير منوّنة، كذا قال النووي. قال (١): وفي معناها أقوال مضطربة، الصحيح منها؛ الذي اختاره القاضي (٢) وغيره من المحققين أنها لفظة عبرانية معناها بالعبرانية ثور، ولهذا فسر ذلك به ووقع السؤال [لليهود] (٣) عن تفسيرها، ولو كانت عربية لعرفتها الصحابة ولم يحتاجوا إلى سؤاله عنها، فهذا هو المختار في بيان هذه. قال (٤): وأما النون فهو الحوت باتفاق العلماء، والمراد بقوله: "يتكفؤها" (٥) أي: يميلها من يد إلى يد، حتى تجتمع، وتستوي لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها. والنزل (٦) بضم النون والزاي، ويجوز إسكان الزاي، وهو: ما يعدُّ للضيف عند نزوله. قال الخطابي (٧): لعلّ اليهوديّ أراد التعمية عليهم، فقطع الهجاء، وقدَّم أحد الحرفين على الآخر، وهي: لام ألف وياء، يريد: لأى على وَزْن لعَا وهو: الثور الوحشيُّ، فصحف الراوي الياء المثناة فجعلها موحدة. قال الخطابي (٨): هذا أقرب ما يقع لي فيه، والمراد بزائدة الكبد: قطعة منفردة متعلقة بالكبد وهي أطيبها. قوله: (يأكل منها سبعون ألفًا) قال القاضي (٩): يحتمل أنهم السبعون ألفًا

стр. 7536

الذين يدخلون الجنة بغير حساب فخصوا بأطيب النزل، ويحتمل أنه عبَّر بالسبعين ألفًا عن العدد الكثير، ولم يرد الحصر في ذلك القدر، وهذا معروف في كلام العرب. [الباب الخامس] بابُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لا مالَ لهُ يتناولُ الزكاتي وغيرَهُ ١٥/ ٣٨١٢ - (عَنْ أبي الأحْوَص عَنْ أبِيهِ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَليَّ شَمْلَةٌ أوْ شَمْلَتانِ فَقال: "هَلْ لَكَ مِنْ مالٍ؟ " فَقُلْتُ: نَعَمْ قَدْ آتانِي الله مِنْ كُلِّ مالِهِ، مِنْ خَيْلِهِ وَإبلِه وَغَنَمِهِ وَرَقِيقِهِ فَقَالَ: "فإذَا آتاكَ الله مَالًا فَلْيُرَ عَلَيْكَ نِعَمُهُ"، فَرُحْتُ إِلَيْهِ في حُلَّةٍ) (١). [صحيح] ١٦/ ٣٨١٣ - (وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "خَيْرُ مالِ امْرئٍ لَهُ مُهْرَةً مأمُورَةٌ أوْ سِكَّةٌ مأبُورةٌ"، رَوَاهُمَا أحْمَدُ (٢). [مرسل ضعيف] المَأمُورَةُ: الكَثيرَةُ النَّسْلِ. وَالسِّكَّةُ: الطَّريقُ مِنَ النَّخْلِ المُصْطَفَّةِ. والمَأبُورَة: هِيَ المُلَقَّحةُ. وَقَدْ سَبَقَ أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ الله أصَبْتُ أرْضًا بخَيْبَر لَمْ أُصِبْ مالًا قَطُّ أنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ (٣). [صحيح] وَقالَ أبُو طَلْحَةَ للنَّبِيّ ﷺ : أحَبُّ أمْوَالي إليَّ بَيْرُحاءَ؛ لِحائِطٍ لَهُ مُسْتَقْبِلَةِ المَسْجِدِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٤). [صحيح]

стр. 7537

حديث أبي الأحوص أخرجه أيضًا أبو داود (١)، والنسائي (٢)، والترمذي (٣)، والحاكم في المستدرك (٤)، ورجال إسناده رجال الصحيح. وحديث سويد بن هبيرة أخرجه أيضًا ابن سعد (٥)، والبغوي (٦)، وابن قانع (٧)، والطبراني في الكبير (٨)، والبيهقي في السنن (٩)، والضياء المقدسي في المختارة وصححه، وأخرجه أيضًا عنه من طريق أخرى العسكري. وحديث عمر قد سبق في أول كتاب الوقف (١٠). قوله: (فإذا آتاك الله مالًا) ذكره النبيّ ﷺ إتيان المال مع أمره بإظهار النعمة عليه يدلُّ: على أنه علة، لأنه لو لم يمكن التعليل لما كان لإِعادة ذكره فائدة، وكان ذكره عبثًا، وكلام الشارع منزّه عنه. قوله: (فلير) بسكون لام الأمر، والياء المثناة التحتية مضمومة، ويجوز بالمثناة من فوق باعتبار النعم المذكورة، ويجوز أيضًا بالمثناة من تحت المفتوحة. وفيه: أنَّه يستحبّ للغني أن يلبس من الثياب ما يليق به، ليكون ذلك إظهارًا لنعمة الله عليه؛ إذ الملبوس هو أعظم ما يظهر فيه الفرق بين الأغنياء والفقراء،

стр. 7538

فمن لبس من الأغنياء ثياب الفقراء صار مماثلًا لهم في إيهام الناظر له أنه منهم. وذلك ربما كان من كفران نعمة الله عليه، وليس الزهد والتواضع في لزوم ثياب الفقر والمسكنة، لأن الله سبحانه أحلَّ لعباده الطيبات، ولم يخلق لهم جيد الثياب إلا لتلبس ما لم يرد النصّ على تحريمه. ومن فوائد إظهار أثر الغنى أن يعرفه ذوو الحاجات فيقصدونه لقضاء حوائجهم. وقد أخرج الترمذي (١) حديث: "إنَّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته بالخير على عبده"، وقال: حسن. فدلّ هذا على أن إظهار النعمة من محبوبات المنعم، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢)، فإنَّ الأمر منه ﷻ إذا لم يكن للوجوب كان للندب، وكلا القِسْمَين مما يحبه الله. فمن أنعم الله عليه بنعمة من نعمه الظاهرة أو الباطنة فليبالغ في إظهارها بكل ممكن ما لم يصحب ذلك الإِظهار رياءٌ، أو عجب، أو مكاثرة للغير، وليس من الزهد والتواضع أن يكون الرجل وسخ الثياب شعث الشعر. فقد أخرج أبو داود (٣) والنسائي (٤) عن جابر بن عبد الله قال: "أتانا رسول الله ﷺ فرأى رجلًا شعثًا قد تفرّق شعره، فقال: "أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره"، ورأى رجلًا آخر عليه ثياب وسخة، فقال: "أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه"". والحاصل: أن الله جميل يحب الجمال، فمن زعم أن رضاه في لبس الخلقان والمرقعات وما أفرط في الغلظ من الثياب، فقد خالف ما أرشد إليه الكتاب والسنة.

стр. 7539

قوله: (مهرةٌ مأمورةٌ) قال في القاموس (١): وأَمِرَ كفَرِحَ، أَمَرًا وإمَرَةً كثُرَ وتمَّ، فهوَ أَمِرٌ، والأَمْرُ: اشتدَّ، والرَّجُلُ كثرت ماشيتهُ، وأمره اللهُ أمْرَهُ كَنَصَرَهُ، لغيَّةٌ: كثرَ نسلهُ وماشيتهُ. قوله: (سكَّةٌ) قال في القاموس (٢): السَّكُّ والسِّكَّةُ بالكسر: حديدةٌ منقوشةٌ يُضربُ عليها الدَّراهمُ والسَّطرُ من الشَّجرِ، وحديدةُ الفَدَّانِ، والطَّريقِ المستوي، وضربوا بيوتهم سكاكًا بالكسر: صفًّا واحدًا. قوله: (مأبورة) قال في القاموس (٣): وأَبِرَ كَفَرحَ: صَلُحَ، وذكرَ أنَّ تأبيرَ النَّخلِ إصلاحُه. وقد تقدم الكلام على ما قاله عمر وما قاله أبو طلحة في الوقف. [الباب السادس] بابُ مَنْ حَلَفَ عنْدَ رأسِ الهلالِ لا يفعلُ شيئًا شهرًا فكانَ ناقِصًا ١٧/ ٣٨١٤ - (عَنْ أُمّ سَلَمَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ لا يَدْخُلُ على بَعْضِ أهْلِهِ شَهْرًا، وفي لَفْظٍ: آلى مِنْ نِسائِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا عَلَيْهِمْ أوْ رَاحَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله حَلَفْتَ أنْ لا تَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا، فَقالَ: "إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ) (٤). [صحيح] ١٨/ ٣٨١٥ - (وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: هَجَرَ رَسُولُ الله ﷺ نِساءَهُ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ أتى جِبْرِيلُ ﵇ فَقالَ: قَدْ بَرَّتْ يَمينُكَ وَقَدْ تَمَّ الشَّهْرُ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٥). [إسناده صحيح] قوله: (فقيل له: يا رسول الله! حلفت … إلخ)، فيه تذكير الحالف بيمينه إذا

стр. 7540

وقع منه ما ظاهره نسيانها لا سيما ممن له تعلق بذلك، والقائل له بذلك عائشة كما تدلُّ عليه الروايات الآخرة؛ فإنها لما خشيت أن يكون ﷺ نسي مقدار ما حلف عليه وهو شهر، والشهر ثلاثون يومًا، أو تسعة وعشرون يومًا، فلما نزل في تسعة وعشرين ظنت: أنَّه ذهل عن القدر، أو أن الشهر لم يهلَّ، فأعلمها: أن الشهر استهلَّ، وأنَّ الذي كان الحلف وقع فيه تسعًا وعشرين: وفيه تقوية لقول من قال: إنَّ يمينه ﷺ اتفق أنها كانت في أول الشهر، ولهذا اقتصر على تسعةٍ وعشرين، وإلا فلو اتفق ذلك في أثناء الشهر، فالجمهور (١): على أنَّه لا يقع البرُّ إلا بثلاثين. وذهبت طائفة إلى الاكتفاء بتسعة وعشرين أخذًا بأقلِّ ما ينطلق عليه الاسم. قال ابن بطال (٢): يؤخذ منه: أن من حلف على شيءٍ برّ بفعل أقلِّ ما ينطلق عليه الاسم، والقصة محمولة عند الشافعي (٣)، ومالك (٤): على أنه دخل أول الهلال وخرج به، فلو دخل في أثناء الشهر لم يبرّ إلا بثلاثين وافية. قوله: (إن الشهر يكون تسعًا وعشرين) هذه الرواية تدلُّ: على المراد من الرواية الأخرى بلفظ: "الشهر تسع وعشرون" (٥) كما في لفظ ابن عمر، فإنَّ ظاهر ذلك الحصر، وهذا الظاهر غير مراد؛ وإن وهم فيه من وهم. وقد أنكرت عائشة على ابن عمر روايته المطلقة: أن الشهر تسع وعشرون، قال: فذكروا ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن إنما قال: الشهر قد يكون تسعًا وعشرين. وقد أخرج مسلم (٦) من وجه آخر عن عمر بهذا اللفظ الأخير الذي جزمت

стр. 7541

به عائشة، ويدلُّ أيضًا على ذلك: أن النبيّ ﷺ لم يخرج من يمينه بمجرّد مضي ذلك العدد بل للخبر الواقع من جبريل، كما في حديث ابن عباس (١) المذكور. [الباب السابع] بابُ الحلف بأَسماءِ الله وصفاته، والنهي عن الحلف بغير الله تعالى ١٩/ ٣٨١٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ أكْثَرُ ما كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: "لا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا مُسْلِمًا) (٢). [صحيح] ٢٠/ ٣٨١٧ - (وفِي حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "لَمَّا خَلَقَ الله الجَنَّةَ أرْسَلَ جِبْرِيلَ فَقالَ: انْظُرْ إلَيْها وَإلى ما أعْدَدْتُ لأهْلِها فِيها، فَنَظَرَ إلَيْها فَرَجَعَ فَقالَ: لا وَعِزَّتِك لا يَسْمَعُ بِها أحَد إلَّا دَخَلَها") (٣). [حسن] ٢١/ ٣٨١٨ - (وفِي حَدِيثٍ لأبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَقُولُ: يا رَبّ اصْرِفْ وَجْهي عَنِ النَّارِ، لا وَعِزَّتِكَ لا أسألُكَ غَيْرَها" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما) (٤). [صحيح] ٢٢/ ٣٨١٩ - (وفِي حَدِيثِ اغْتِسالِ أيُّوبَ: "بَلَى وَعِزَّتِك وَلَكِنْ لا غِنَى لي عَنْ بَرَكتِكَ") (٥). [صحيح]

стр. 7542

٢٣/ ٣٨٢٠ - (وَعَنْ قُتَيْلَةَ بِنْتِ صيفِيّ أن يَهُودِيًّا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّكُمْ تُنْدّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: ما شاءَ الله وَشِئْتُ، وَتَقُولُونَ: والكَعْبَةَ، فأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أرادُوا أنْ يَحْلِفُوا أنْ يَقُولُوا: ورَبّ الكَعْبَةِ، وَيَقُولَ أحَدُهُمْ: ما شاءَ الله ثُمَّ شِئْتُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالنَّسائيُّ) (٢). [صحيح] ٢٤/ ٣٨٢١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ عُمَرَ وَهُوَ يَحْلِفُ بأبِيه فَقالَ: "إنَّ الله يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بآبائِكُمْ، فَمَنْ كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بالله أوْ لِيَصْمُتْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] وَفِي لَفْظٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كانَ حالِفًا فلَا يَحْلِفْ إلَّا بالله"، فَكانَتْا قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بآبائِهَا، فَقالَ: "لا تَحْلِفُوا بآبائِكُمْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَمُسْلِمٌ (٥) وَالنَّسائيُّ) (٦). [صحيح] ٢٥/ ٣٨٢٢ - (وعَن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَحْلِفُوا إلَّا بالله، وَلا تَحْلِفُوا إلا وأنْتُمْ صَادِقُونَ"، رَوَاهُ النَّسائيُّ) (٧). [صحيح]

стр. 7543

حديث قتيلة أخرجه أيضًا ابن ماجه (١) وصححه النسائي (٢). وحديث أبي هريرة الآخر أخرجه أيضًا أبو داود (٣) والنسائي (٤) وابن حبان (٥) والبيهقي (٦). [وفي الصحيحين (٧) عن ابن عمر رفعه: "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله"] (٨). وفي الباب عن ابن عمر رفعه: "من حلف بغير الله فقد كفر" أخرجه أبو داود (٩) والترمذي (١٠) وحسنه والحاكم (١١) وصححه. ويروى أنه قال: "فقد أشرك"، وهو عند أحمد (١٢) من هذا الوجه، وكذا عند الحاكم (١٣). ورواه الترمذي (١٤) وابن حبان (١٥) من هذا الوجه أيضًا بلفظ: "فقد كفر وأشرك"، قال البيهقي (١٦): لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر. قال الحافظ (١٧): قد رواه شعبة عن منصور، عنه قال: كنت عند ابن عمر. ورواه الأعمش عن سعيد عن عبد الرحمن السلمي عن ابن عمر. قوله: (لا ومقلب القلوب)، لا: نفيٌ للكلام السابق، و (مقلب القلوب) هو: المقسم به، والمراد بتقليب القلوب: تقليب أحوالها، لا ذواتها، وفيه جواز

стр. 7544

تسمية الله بما ثبت من صفاته على وجه يليق به (١). قال القاضي أبو بكر بن العربي (٢): في الحديث جواز الحلف بأفعال الله تعالى إذا وصف بها ولم يذكر اسمه تعالى.

стр. 7545

وفرّق الحنفية (١) بين القدرة والعلم فقالوا: إن حلف بقدرة الله انعقدت يمينه، وإن حلف بعلم الله لم تنعقد، لأن العلم يعبر به عن المعلوم كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ (٢)؟ والجواب أنه [هنا] (٣) مجاز إن سلم أن المراد به المعلوم، والكلام إنما هو في الحقيقة. قال الراغب (٤): تقليب الله القلوب والأبصار: صرفها عن رأي إلى رأي. قال: ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختصُّ به من الروج، والعلم، والشجاعة. قوله: (فقال: وعزَّتك) هذا طرف من الحديث الذي فيه: "إنَّ الجنة حفت بالمكاره والنار بالشهوات" (٥)، وذكره المصنف ﵀ هنا للاستدلال به على الحلف بعزّة الله تعالى. قال ابن بطال (٦): العزّة (٧) يحتمل أن تكون صفة ذات، بمعنى: القدرة،

стр. 7546

والعظمة، وأن تكون صفةَ فعل، بمعنى: القهر لمخلوقاته والغلبة لهم، ولذلك صحت الإضافة. قال (١): ويظهر الفرق بين الحالف بعزّة الله: أي التي هي صفة لذاته، والحالف بعزّة الله، التي هي صفة لفعله؛ بأنه يحنث في الأول دون الثاني. قال الحافظ (٢): وإذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين. قوله: (لا وعزّتك لا أسألك غير هذا) هذا طرف من الحديث الطويل في [صفة] (٣) الحشر، ومحل الحجة منه هذا اللفظ المذكور، فإن النبيّ ﷺ ذكر ذلك مقرّرًا له، فكان دليلًا على جواز الحلف بذلك. قوله: (بلى وعزّتك) هو طرف من حديث طويل وأوله: "إن أيوب كان يغتسل، فخرّ عليه جراد من ذهب"، ووجه الدلالة منه: أن أيوب ﵇ لا يحلف إلا بالله، وقد ذكر النبي ﷺ ذلك عنه وأقرَّه. قوله: (ولكن لا غنى لي عن بركتك) بكسر الغين المعجمة والقصر، كذا للأكثر. ووقع لأبي ذرٍّ عن غير الكشميهني (٤) بفتح أوله والمد؛ والأول أولى: فإن معنى الغناء بالفتح والمدِّ الكفاية. يقال: ما عند فلان غناء: أي: ما يغتني به. قوله: (تنددون) أي: تجعلون لله أندادًا. و (تشركون): أي: تجعلون لله شركاء. وفيه النهي عن الحلف بالكعبة، وعن قول الرجل: ما شاء الله وشئت، ثم أمرهم أن يأتوا بما لا تنديد فيه ولا شرك فيقولون: وربّ الكعبة، ويقولون: ما شاء الله ثم شئت. وحكى ابن التين عن أبي جعفر الداودي أنه قال: ليس في الحديث نهي عن القول المذكور.

стр. 7547

وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ (٢)، وغير ذلك. وتعقبه (٣) بأن الذي قاله أبو جعفر ليس بظاهر؛ لأن قوله: ما شاء الله وشئت تشريك في مشيئته تعالى. وأما الآية فإنما أخبر الله أنه أغناهم، وأن رسوله أغناهم، وهو من الله تعالى حقيقة، لأنه الذي قدّر ذلك ومن الرسول ﷺ حقيقة باعتبار تعاطي الفعل. وكذا الإنعام أنعم الله على زيد بالإسلام، وأنعم عليه النبي ﷺ بالعتق، وهذا بخلاف المشاركة في المشيئة فإنها منفردة لله بالحقيقة، وإذا نسبت لغيره، فبطريق المجاز. قوله: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) في رواية للترمذي (٤) من حديث ابن عمر: "أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله فإنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك"". قال الترمذي (٥): حسن وصححه الحاكم (٦)، والتعبير بقوله: "كفر أو أشرك" للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك، وقد تمسك به من قال بالتحريم. قوله: (فليحلف بالله أو ليصمت)، قال العلماء (٧): السرُّ في النهي عن الحلف بغير الله: أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا بالله، وذاته، وصفاته، وعلى ذلك اتفق الفقهاء. واختلف هل الحلف بغير الله حرام أو مكروه؟ للمالكية والحنابلة قولان، ويحمل ما حكاه ابن عبد البرّ (٨) من الإجماع على عدم جواز الحلف

стр. 7548

بغير الله على أن مراده بنفي الجواز الكراهة أعمّ من التحريم والتنزيه. وقد صرّح بذلك في موضع آخر. وجمهور الشافعية (١) على أنه مكروه تنزيهًا، وجزم ابن حزم (٢) بالتحريم. قال إمام الحرمين (٣): المذهب القطع بالكراهة. وجزم غيره بالتفصيل، فإن اعتقد في المحلوف به ما يعتقد في الله تعالى كان بذلك الاعتقاد كافرًا. ومذهب الهادوية (٤): أنه لا إثم في الحلف بغير الله ما لم يسوّ بينه وبين الله

стр. 7549

في التعظيم أو كان الحالف متضمنًا كفرًا أو فسقًا، وسيأتي الكلام على من يكفر بحلفه. قال في الفتح (١): وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير الله ففيه جوابان: (أحدهما): أن فيه حذفًا، والتقدير: ورب الشمس ونحوه. (والثاني): أن ذلك ذلك يختصُّ بالله، فإذا أراد تعظيم شيءٍ من مخلوقاته أقسم به، وليس لغيره ذلك. وأما ما وقع مما يخالف ذلك كقوله ﷺ للأعرابي: "أفلح وأبيه إن صدق" (٢)، فقد أجيب عنه بأجوبة: (الأوّل): الطعن في صحة هذه اللفظة، كما قال ابن عبد البرّ (٣): إنها غير محفوظة، وزعم أن أصل الرواية: "أفلح والله" فصحفها بعضهم. (والثاني): أنّ ذلك كان يقع من العرب ويجري على ألسنتهم من دون قصد للقسم، والنهي إنما ورد في حقّ من قصد حقيقة الحلف، قاله البيهقي (٤). وقال النووي (٥): إنه الجواب المرضي. (والثالث): أنه كان يقع في كلامهم على وجهين للتعظيم والتأكيد، والنهي إنما وقع عن الأوّل. (والرابع): أن ذلك كان جائزًا ثم نسخ، قاله الماوردي (٦)، وقال السهيلي (٧): أكثر الشرّاح عليه.

стр. 7550

قال ابن العربي (١): وروي "أن النبيّ ﷺ كان يحلف بأبيه حتى نهي عن ذلك"، قال السهيلي (٢): ولا يصحّ؛ لأنه لا يظن بالنبيّ ﷺ أنه كان يحلف بغير الله. ويجاب بأنه قبل النهي عنه غير ممتنع عليه، ولا سيما والأقسام القرآنية على ذلك النمط. وقال المنذري (٣): دعوى النسخ ضعيفة لإمكان الجمع ولعدم تحقق التاريخ. (والخامس): أنه كان في ذلك حذف، والتقدير أفلح وربّ أبيه، قاله البيهقي (٤). (والسادس): أنه للتعجب، قاله السهيلي (٢). (والسابع): أنه خاصٌّ به ﷺ . وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. وأحاديث الباب تدلُّ على أن الحلف بغير الله لا ينعقد، لأنَّ النهي يدلّ على فساد المنهي عنه (٥)، وإليه ذهب الجمهور (٦). وقال بعض الحنابلة (٧): إن الحلف بنبينا ﷺ ينعقد وتجب الكفارة. [الباب الثامن] بابُ ما جاءَ في وايم الله، ولعمرُ اللهِ، وأقْسِمُ باللهِ، وغَيرِ ذلكَ ٢٦/ ٣٨٢٣ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "قالَ سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ على تِسْعِينَ امْرأةً كُلُّها تأتِي بِفارِسٍ يُقاتِلُ فِي سَبِيلِ الله، فَقالَ لَهُ

стр. 7551

صَاحِبُهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ الله، فَلَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ الله، فَطافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلَّا امْرأةٌ وَاحِدةٌ فَجاءَتْ بِشِقّ رَجُلٍ، وايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قالَ: إنْ شَاءَ الله؛ لَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله فُرْسانًا أجمَعُونَ" (١). [صحيح] وَهُوَ حُجَّةٌ فِي أن إلْحاقَ الاسْتِثْناءِ ما لَمْ يَطُلِ الفَصْلُ يَنْفَعُ، وَإنْ لَمْ يَنْوِهِ وَقْتَ الكَلامِ الأوَّلِ). ٢٧/ ٣٨٢٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ أنَّهُ قالَ فِي زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ: "وَايْمُ الله إنْ كانَ لَخَلِيقًا للإمارَةِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما (٢). [صحيح] وفِي حَدِيثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ (٣): لَمَّا وُضِعَ عُمَرُ على سَرِيرهِ جاءَ عَلِي، فَتَرحَّمَ عَلَيْهِ وَقالَ: وَايْمُ الله إنْ كُنْتُ لأَظُنُّ أنْ يَجْعَلَكَ الله مَعَ صَاحِبَيْكَ. [صحيح] وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ المَخْزُومِيَّةِ (٤): "وَايْمُ الله لَوْ أن فَاطِمَة بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَها". [صحيح] وَقَوْلُ عُمَرَ لِغَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ (٥): وَايْمُ الله لَتُرَاجِعَنَّ نِساءَكَ. [صحيح] وفِي حَدِيثِ الإِفْكِ: فَقامَ النبِيُّ ﷺ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ أُبَيٍّ، فَقامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَقالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبادَةَ: لَعَمْرُ الله لنَقْتُلَنَّهُ. وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٦). [صحيح] ٢٨/ ٣٨٢٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ صَفْوَانَ - وكانَ صَدِيقًا للعَبَّاسِ - أنَّهُ لَمَّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ جاءَ بأبِيهِ إلى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقالَ: يا رَسُولَ الله بايِعْهُ على

стр. 7552

الهِجْرَةِ، فأبى وَقالَ: "إنَّهَا لا هِجْرَةَ"، فانْطَلَقَ إلى العَبَّاسٍ، فَقامَ العَبَّاسُ مَعَهُ فقالَ: يا رَسُولَ الله قَدْ عَرَفْتَ ما بَيْنِي وبَيْنَ فُلانٍ وأتاكَ بأبِيهِ لِتُبايعَهُ على الهِجْرَةِ فأبَيْتَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا هِجْرَةَ"، فَقَالَ العَبَّاسُ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُبَايِعَنَّهُ، قالَ: فَبَسَطَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَهُ، فَقالَ: "هَاتِ أبررت عَمِّي وَلَا هِجْرَةَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَابْنُ ماجَهَ) (٢). [ضعيف] ٢٩/ ٣٨٢٦ - (وَعَنْ أبي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ عائِشَةَ أن امْرأةً أهْدَتْ إلَيْها تَمْرًا في طَبَقٍ، فأكَلَتْ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ، فَقالَتْ: أقْسَمْتُ عَلَيْكِ إلَّا أكَلْتِ بَقِيَّتَهُ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أبِرّيهَا فإنَّ الاثْمَ على المُحْنِثِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [ضعيف] ٣٠/ ٣٨٢٧ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بالأمانةِ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٤). [صحيح]

стр. 7553

حديث المخزومية (١) تقدم في باب ما جاء في السارق يوهب السرقة بعد وجوب القطع أو يشفع فيه. وقول عمر لغيلان (٢) تقدم في باب من أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع. وحديث عبد الرحمن بن صفوان قال ابن ماجه (٣) في إسناده: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٤)، حدثنا محمد بن فضيل، وحدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا ابن إدريس جميعًا عن يزيد بن أبي زياد (٥) عن مجاهد عن عبد الرحمن بن صفوان … فذكره، ثم قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحسن بن الربيع عن عبد الله بن إدريس عن يزيد بن أبي زياد بإسناده نحوه. وقال يزيد بن أبي زياد: يعني لا هجرة من دار من قد أسلم أهلها. اهـ. وحديث أبي الزاهرية قال في مجمع الزوائد (٦): رجال أحمد رجال الصحيح. ويشهد لصحته الأحاديث الآتية في إبرار القسم (٧). وحديث بريدة سكت عنه أبو داود (٨)، والمنذري (٩)، ورجال إسناده ثقات. وأخرج الطبراني في الأوسط (١٠) بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر: "أن النبيّ ﷺ سمع رجلًا يحلف بالأمانة، فقال: ألست الذي يحلف بالأمانة".

стр. 7554

قوله: (لأطوفنَّ) اللام جواب القسم، كأنه قال: والله لأطوفنَّ، ويرشد إلى ذلك ذكر الحنث في قوله: "لم يحنث" كما في رواية. قوله: (على تسعين) بتقديم التاء الفوقية على السين. قوله: (وايم الله) بكسر الهمزة وفتحها والميم مضمومة. وحكى الأخفش (١) كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور (٢) وحرف عند الزجاج (٣)، وهمزته همزة وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين (٤) ومن وافقهم، لأنه عندهم جمع يمين، وعند سيبويه (٥) ومن وافقه أنه اسم مفرد. واحتجوا بجواز كسر همزته وفتح ميمه. قال ابن مالك (٦): ولو كان جمعًا لم تكسر همزته، وقد ذكر في "فتح الباري" (٧) فيها لغات عديدة، وقال غيره [أي: غير سيبويه] (٨): أصله يمين الله ويجمع على أيمن فيقال: وأيمن الله، حكاه أبو عبيدة (٩)، وأنشد لزهير بن أبي سلمى (١٠): فَيُجْمَعُ أَيمنٌ مِنَّا ومِنْكُم … لمقسَمَةِ (١١) تمورُ بِهَا الدِّمَاءُ (١٢)
следующие страницы →