← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 7550–7589 · переход к 7555.

стр. 7550

قال ابن العربي (١): وروي "أن النبيّ ﷺ كان يحلف بأبيه حتى نهي عن ذلك"، قال السهيلي (٢): ولا يصحّ؛ لأنه لا يظن بالنبيّ ﷺ أنه كان يحلف بغير الله. ويجاب بأنه قبل النهي عنه غير ممتنع عليه، ولا سيما والأقسام القرآنية على ذلك النمط. وقال المنذري (٣): دعوى النسخ ضعيفة لإمكان الجمع ولعدم تحقق التاريخ. (والخامس): أنه كان في ذلك حذف، والتقدير أفلح وربّ أبيه، قاله البيهقي (٤). (والسادس): أنه للتعجب، قاله السهيلي (٢). (والسابع): أنه خاصٌّ به ﷺ . وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. وأحاديث الباب تدلُّ على أن الحلف بغير الله لا ينعقد، لأنَّ النهي يدلّ على فساد المنهي عنه (٥)، وإليه ذهب الجمهور (٦). وقال بعض الحنابلة (٧): إن الحلف بنبينا ﷺ ينعقد وتجب الكفارة. [الباب الثامن] بابُ ما جاءَ في وايم الله، ولعمرُ اللهِ، وأقْسِمُ باللهِ، وغَيرِ ذلكَ ٢٦/ ٣٨٢٣ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "قالَ سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ على تِسْعِينَ امْرأةً كُلُّها تأتِي بِفارِسٍ يُقاتِلُ فِي سَبِيلِ الله، فَقالَ لَهُ

стр. 7551

صَاحِبُهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ الله، فَلَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ الله، فَطافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلَّا امْرأةٌ وَاحِدةٌ فَجاءَتْ بِشِقّ رَجُلٍ، وايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قالَ: إنْ شَاءَ الله؛ لَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله فُرْسانًا أجمَعُونَ" (١). [صحيح] وَهُوَ حُجَّةٌ فِي أن إلْحاقَ الاسْتِثْناءِ ما لَمْ يَطُلِ الفَصْلُ يَنْفَعُ، وَإنْ لَمْ يَنْوِهِ وَقْتَ الكَلامِ الأوَّلِ). ٢٧/ ٣٨٢٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ أنَّهُ قالَ فِي زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ: "وَايْمُ الله إنْ كانَ لَخَلِيقًا للإمارَةِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما (٢). [صحيح] وفِي حَدِيثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ (٣): لَمَّا وُضِعَ عُمَرُ على سَرِيرهِ جاءَ عَلِي، فَتَرحَّمَ عَلَيْهِ وَقالَ: وَايْمُ الله إنْ كُنْتُ لأَظُنُّ أنْ يَجْعَلَكَ الله مَعَ صَاحِبَيْكَ. [صحيح] وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ المَخْزُومِيَّةِ (٤): "وَايْمُ الله لَوْ أن فَاطِمَة بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَها". [صحيح] وَقَوْلُ عُمَرَ لِغَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ (٥): وَايْمُ الله لَتُرَاجِعَنَّ نِساءَكَ. [صحيح] وفِي حَدِيثِ الإِفْكِ: فَقامَ النبِيُّ ﷺ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ أُبَيٍّ، فَقامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَقالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبادَةَ: لَعَمْرُ الله لنَقْتُلَنَّهُ. وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٦). [صحيح] ٢٨/ ٣٨٢٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ صَفْوَانَ - وكانَ صَدِيقًا للعَبَّاسِ - أنَّهُ لَمَّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ جاءَ بأبِيهِ إلى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقالَ: يا رَسُولَ الله بايِعْهُ على

стр. 7552

الهِجْرَةِ، فأبى وَقالَ: "إنَّهَا لا هِجْرَةَ"، فانْطَلَقَ إلى العَبَّاسٍ، فَقامَ العَبَّاسُ مَعَهُ فقالَ: يا رَسُولَ الله قَدْ عَرَفْتَ ما بَيْنِي وبَيْنَ فُلانٍ وأتاكَ بأبِيهِ لِتُبايعَهُ على الهِجْرَةِ فأبَيْتَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا هِجْرَةَ"، فَقَالَ العَبَّاسُ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُبَايِعَنَّهُ، قالَ: فَبَسَطَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَهُ، فَقالَ: "هَاتِ أبررت عَمِّي وَلَا هِجْرَةَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَابْنُ ماجَهَ) (٢). [ضعيف] ٢٩/ ٣٨٢٦ - (وَعَنْ أبي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ عائِشَةَ أن امْرأةً أهْدَتْ إلَيْها تَمْرًا في طَبَقٍ، فأكَلَتْ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ، فَقالَتْ: أقْسَمْتُ عَلَيْكِ إلَّا أكَلْتِ بَقِيَّتَهُ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أبِرّيهَا فإنَّ الاثْمَ على المُحْنِثِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [ضعيف] ٣٠/ ٣٨٢٧ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بالأمانةِ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٤). [صحيح]

стр. 7553

حديث المخزومية (١) تقدم في باب ما جاء في السارق يوهب السرقة بعد وجوب القطع أو يشفع فيه. وقول عمر لغيلان (٢) تقدم في باب من أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع. وحديث عبد الرحمن بن صفوان قال ابن ماجه (٣) في إسناده: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٤)، حدثنا محمد بن فضيل، وحدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا ابن إدريس جميعًا عن يزيد بن أبي زياد (٥) عن مجاهد عن عبد الرحمن بن صفوان … فذكره، ثم قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحسن بن الربيع عن عبد الله بن إدريس عن يزيد بن أبي زياد بإسناده نحوه. وقال يزيد بن أبي زياد: يعني لا هجرة من دار من قد أسلم أهلها. اهـ. وحديث أبي الزاهرية قال في مجمع الزوائد (٦): رجال أحمد رجال الصحيح. ويشهد لصحته الأحاديث الآتية في إبرار القسم (٧). وحديث بريدة سكت عنه أبو داود (٨)، والمنذري (٩)، ورجال إسناده ثقات. وأخرج الطبراني في الأوسط (١٠) بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر: "أن النبيّ ﷺ سمع رجلًا يحلف بالأمانة، فقال: ألست الذي يحلف بالأمانة".

стр. 7554

قوله: (لأطوفنَّ) اللام جواب القسم، كأنه قال: والله لأطوفنَّ، ويرشد إلى ذلك ذكر الحنث في قوله: "لم يحنث" كما في رواية. قوله: (على تسعين) بتقديم التاء الفوقية على السين. قوله: (وايم الله) بكسر الهمزة وفتحها والميم مضمومة. وحكى الأخفش (١) كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور (٢) وحرف عند الزجاج (٣)، وهمزته همزة وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين (٤) ومن وافقهم، لأنه عندهم جمع يمين، وعند سيبويه (٥) ومن وافقه أنه اسم مفرد. واحتجوا بجواز كسر همزته وفتح ميمه. قال ابن مالك (٦): ولو كان جمعًا لم تكسر همزته، وقد ذكر في "فتح الباري" (٧) فيها لغات عديدة، وقال غيره [أي: غير سيبويه] (٨): أصله يمين الله ويجمع على أيمن فيقال: وأيمن الله، حكاه أبو عبيدة (٩)، وأنشد لزهير بن أبي سلمى (١٠): فَيُجْمَعُ أَيمنٌ مِنَّا ومِنْكُم … لمقسَمَةِ (١١) تمورُ بِهَا الدِّمَاءُ (١٢)

стр. 7555

فقالوا عند القسم: وأيمن الله، ثم كثر فحذفوا النون كما حذفوها من (لم يكن)، فقالوا: (لم يك)، ثم حذفوا الياء، فقالوا: أم الله، ثم حذفوا الألف فاقتصروا على الميم مفتوحة، ومضمومة، ومكسورة، وقالوا أيضًا: مِ الله بكسر الميم وضمها، وأجازوا في (أيمن) فتح الميم، وضمها، وكذا في (أيم)، ومنهم من وَصل الألف وجعل الهمزة زائدة ومسهلة، وعلى هذا: تبلغ لغاتها عشرين. قال الجوهري (١): قالوا: أيم الله، وربما حذفوا الياء، فقالوا: أم الله، وربما أبقوا الميم وحدها مضمومة، فقالوا: مُ الله، وربما كسروها، لأنها صارت حرفًا واحدًا فشبهوها بالباء. قال: وألفها ألف وصل عند أكثر النحويين، ولم يجئ ألف وصل مفتوحة غيرها، وقد يدخل اللام للتأكيد، فيقال: ليمن الله. قال الشاعر (٢): فقالَ فريقُ القَوْمِ لما شَهِدْتُهِمْ (٣) … نَعَمْ وفريقٌ لِيُمْنِ اللهِ ما نَدرِي وذهب ابن كيسان (٤) وابن درستويه (٥) إلى أن ألفها ألف قطع، وإنما خففت همزتها وطرحت في الوصل لكثرة الاستعمال. وحكى ابن التين (٦) عن الداودي: أنه قال: (أيم الله) معناه: اسم الله، أبدل السين ياء، وهو غلط فاحش لأن السين لا تبدل ياء. وذهب المبرّد (٧) إلى أنها عوض من واو القسم، وأن معنى قوله: وأيم الله: والله لأفعلنّ.

стр. 7556

ونقل عن ابن عباس (١): أن يمين الله من أسماء الله؛ ومنه قول امرئ القيس (٢): فقلتُ يمينَ اللهِ أَبْرَحُ قاعدًا … ولو قَطَعُوا رَأسي لَدَيْكِ وَأَوْصَالي ومن ثم قالت المالكية (٣) والحنفية (٤): إنه يمين. وعند الشافعية (٥) إن نوى اليمين انعقدت وإن نوى غيرها لم تنعقد يمينًا، وإن أطلق فوجهان، أصحهما لا تنعقد إلا إن نوى. وعن أحمد (٦) روايتان أصحهما الانعقاد. وحكى الغزالي (٧) في معناه وجهين: (أحدهما): أنه كقوله بالله، (والثاني): أنه كقوله: أحلف بالله، وهو الراجح. ومنهم من سوّى بينه وبين العمر الله). وفرّق الماوردي (٨) بأن (لعمر الله) شاع في استعمالهم عرفًا بخلاف (أيم الله). واحتجّ بعض من قال منهم بالانعقاد مطلقًا بأن معناه يمين الله، ويمين الله من صفاته، وصفاته قديمة. وجزم النووي في التهذيب (٩): أن قوله: (وأيم الله)، كقوله: وحقّ الله، وقال: إنه ينعقد به اليمين عند الإطلاق وقد استغربوه.

стр. 7557

قوله: (لعمر الله) بفتح العين المهملة وسكون الميم: هو العمر بضم العين. قال في النهاية (١): ولا يقال في القسم إلا بالفتح. وقال الراغب (٢): العمر بالضم وبالفتح واحد ولكن خصّ الحلف بالثاني. قال الشاعر (٣): عَمْرُكَ الله كيفَ يَلْتَقِيَانِ أي: سألت الله أن يطيل عمرك. وقال أبو القاسم الزجاجي (٤): العمر: الحياة، فمن قال: لعمر الله، فكأنه قال: أحلف ببقاء الله، واللام للتوكيد والخبر محذوف: أي ما أقسم به. ومن ثم قالت المالكية (٥) والحنفية (٦): تنعقد بها اليمين، لأن بقاء الله تعالى من صفة ذاته. وعن الإمام مالك (٧): لا يعجبني الحالف بذلك. وقد أخرج إسحاق بن راهويه في مصنفه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: كانت يمين عثمان بن أبي العاص: لعمري. وقال الإمام الشافعي (٨) وإسحاق: لا يكون يمينًا إلا بالنية؛ لأنَّه يطلق على العلم، وعلى الحقّ، وقد يراد بالعلم المعلوم، وبالحقّ ما أوجبه الله تعالى. وعن أحمد (٩) كالمذهبين، والراجح عنه كالشافعي.

стр. 7558

وأجابوا عن الآية التي فيها القسم بالعمر بأنَّ لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس ذلك لغيره، لثبوت النهي عن الحلف بغير الله تعالى. وقد عدَّ الأئمة ذلك في فضائل النبيّ ﷺ ، لأن الله تعالى أقسم به، حيث قال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ (١). وأيضًا فإنَّ اللام ليست من أدوات القسم، لأنها محصورة في الواو، والباء، والتاء. وقد ثبت عند البخاري (٢) في كتاب الرقاق من حديث لقيط بن عمر: أن النبيّ ﷺ قال: ["لعمرُ إلهك"] (٣) وكرّرها، وهو عند عبد الله بن أحمد (٤)، وعند غيره. قوله: (أقسمت عليك) قال ابن المنذر (٥): اختلف فيمن قال: أقسمت بالله. أو أقسمت - مجرّدًا -، فقال قوم: هي يمين وإن لم يقصد، وممن روى عنه ذلك: ابن عمر، وابن عباس، وبه قال النخعيُّ، والثوريُّ، والكوفيون. وقال الأكثرون: لا يكون يمينًا إلا إن نوى. وقال الإمام مالك (٦): أقسمت بالله يمين، وأقسمت - مجرّدة - لا تكون يمينًا إلا إن نوى. وقال الشافعي (٧): المجرّدة لا تكون يمينًا أصلًا، ولو نوى، وأقسمت بالله: إن نوى يكون يمينًا، وكذا لو قال: أقسم بالله، وقال سحنون: لا يكون يمينًا أصلًا.

стр. 7559

وعن الإمام أحمد (١) كالأوّل، وعنه كالثاني، وعنه إن قال: قسمًا بالله فيَمين جزمًا، لأن التقدير أقسمت بالله قسمًا، وكذا لو قال: آليت بالله. قال ابن المنير (٢): لو قال: أقسم بالله عليك لتفعلنّ، فقال: نعم، هل يلزمه اليمين بقوله: نعم، وتجيء الكفارة إن لم يفعل؟ قال: وفي ذلك نظر. قوله: (ليس منا من حلف بالأمانة) قال في النهاية (٣): يشبه أن تكون الكراهة فيه لأجل أنه أمر أن يحلف بأسماء الله وصفاته، والأمانة أمر من أموره، فنهوا عنها من أجل التسوية بينها وبين أسماء الله، كما نهوا أن يحلفوا بآبائهم. قال: وإذا قال الحالف: وأمانة الله كانت يمينًا عند أبي حنيفة (٤)، والشافعي (٥) لا يعدّها يمينًا، قال: والأمانة تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والنقد والأمان، وقد جاء في كل [منها] (٦) حديث. [الباب التاسع] بابُ الأَمْرِ بإِبرارِ القَسَمِ والرُّخْصَةِ في تركِهِ للعُذْرِ ٣١/ ٣٨٢٨ - (عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: أمَرَنا رَسُولُ الله ﷺ بِسَبْعٍ: أمَرَنا بَعِيادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّباعِ الجَنائِزِ، وَتَشْمِيتِ العاطِسِ، وَإِبْرَارِ القَسَمِ أوِ المُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشاءِ السَّلامِ) (٧). [صحيح] ٣٢/ ٣٨٢٩ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ رُؤْيا قصَّها أبُو بَكْرٍ: أن أبا بَكْرٍ قالَ: أخْبِرْنِي يا رَسُول الله بأبي أنْتَ وأُمِّي أصَبْتُ أمْ أخْطأتُ؟ فَقالَ: "أصَبْتَ بَعْضًا وأخْطَأتَ بَعْضًا"، قَالَ: فَوَالله لَتُحَدّثُنِي بالَّذِي أخْطأتُ؟ قالَ: "لا تُقْسِمْ"

стр. 7560

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما) (١). [صحيح] قولى: (وإبرار القسم) أي: بفعل ما أراد الحالف، ليصير بذلك بارًّا. قوله: (أو المقسم) اختلف في ضبط السين، فالمشهور: أنها بالكسر، وضم الميم، على أنه اسم فاعل، وقيل بفتح السين؛ أي: الإقسام والمصدر قد يأتي للمفعول، مثل: أدخلته مدخلًا، بمعنى: الإدخال، وكذا أخرجته. قوله: (في حديث رؤيا قصَّها) هذا من كلام المصنف. قوله: (لا تقسم) أي: لا تحلف؛ وهذا طرف من حديث طويل قد ساقه البخاري (٢) مستوفى في كتاب التعبير. قوله: (وإبرار القسم) ظاهر الأمر الوجوب، واقترانه ببعض ما هو متفق على عدم وجوبه - كإفشاء السلام - قرينة صارفة عن الوجوب، وعدم إبراره ﷺ لقسم أبي بكر، وإن كان خلاف الأحسن لكنه ﷺ فعله لبيان عدم الوجوب. ويمكن أن يقال: إن الفعل منه ﷺ يعارض الأمر الخاصّ بالأمة كما تقرّر في الأصول (٣) وما نحن فيه كذلك، وبقية ما اشتمل عليه الحديث موضعه غير هذا. [الباب العاشر] بابُ ما يذكَرُ فيمن قالَ: هو يهوديُّ أو نَصْرَانيّ إنْ فَعَلَ كَذَا ٣٣/ ٣٨٣٠ - (عَنْ ثابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "مَنْ حَلَفَ على يمِين بِمِلَّةِ غَيْرِ الاسْلامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كما قالَ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إِلَّا أبا دَاوُدَ) (٤). [صحيح]

стр. 7561

٣٤/ ٣٨٣١ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قالَ: إني بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلامِ، فإنْ كانَ كاذِبًا فَهُوَ كما قالَ، وَإنْ كانَ صَادِقًا لَمْ يَعُدْ إلى الإسْلامِ سَالمًا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالنَّسائيُّ (٢) وَابْنُ ماجَهْ) (٣). [صحيح] حديث بريدة: هو من طريق الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وقد صححه النسائي. قوله: (بملة غير الإسلام) الملة بكسر الميم وتشديد اللام: الدين، والشريعة، وهي نكرة في سياق الشرط، فتعم جميع الملل من أهل الكتاب، كاليهودية، والنصرانية، ونحوهم من المجوسية، والصابئة، وأهل الأوثان، والدهرية، والمعطلة، وعبدة الشياطين، والملائكة وغيرهم. قال ابن المنذر (٤): اختلف فيمن قال: أكفر بالله ونحوه إن فعلت؛ ثم فعل، فقال ابن عباس، وأبو هريرة، وعطاء، وقتادة، وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفارة عليه ولا يكون كافرًا إلا إن أضمر ذلك بقلبه. وقال الأوزاعي والثوري (٥) والحنفية (٦) وأحمد (٧) وإسحاق: هو يمين وعليه الكفارة. قال ابن المنذر (٨): والأول أصحُّ لقوله ﷺ : "من حلف باللات والعزّى

стр. 7562

فليقل: لا إله إلا الله" (١)، ولم يذكر كفارة، زاد غيره: وكذا قال: "من حلف بملة سوى الإسلام فهو كما قال"، فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحد عليه. ونقل ابن القصار (٢) من المالكية عن الحنفية أنهم احتجوا لإيجاب الكفارة بأن في اليمين الامتناع من الفعل وتضمن كلامه بما ذكر تعظيمًا للإسلام. وتعقب ذلك بأنهم قالوا فيمن قال: وحقّ الإسلام إذا حنث لا يجب عليه كفارة، فأسقطوا الكفارة إذا صرّح بتعظيم الإسلام، وأثبتوها إذا لم يصرّح. قال ابن دقيق العيد (٣): الحلف بالشيء حقيقة هو القسم به وإدخال بعض حروف القسم عليه كقوله: والله، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين، كقولهم: من حلف بالطلاق فالمراد تعليق الطلاق، وأطلق عليه الحالف لمشابهته لليمين في اقتضاء الحنث أو المنع. وإذا تقرّر ذلك فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني لقوله كاذبًا، والكذب يدخل القضية الإخبارية التي يقع مقتضاها تارة ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا: والله، وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجي بل هي لإنشاء القسم فتكون صورة الحلف هنا على وجهين: (أحدهما): أن تتعلق بالمستقبل، كقوله: إن فعل كذا فهو يهودي. (والثاني): تتعلق بالماضي، كقوله: إن كان كاذبًا فهو يهودي. وقد يتعلق بهذا من لم ير فيه الكفارة لكونه لم يذكر فيه كفارة، بل جعل المرتب على كذبه قوله: فهو كما قال. قال (٤): ولا يكفر في صورة الماضي إلا إن قصد التعظيم، وفيه خلاف عند

стр. 7563

الحنفية (١) لكونه تنجيز معنى فصار كما لو قال: هو يهودي. (ومنهم) من قال: إذا كان لا يعلم أنه يمين لم يكفر، وإن كان يعلم أنه يكفر بالحنث به كفر لكونه رضي بالكفر حيث أقدم على الفعل. وقال بعض الشافعية (٢): ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبًا، والتحقيق: التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وإن قصد حقيقة التعليق فينظر، فإن كان أراد أن يكون متصفًا بذلك كفر، لأن إرادة الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيهًا؟ الثاني هو المشهور. قوله: (كاذبًا) زاد في البخاري (٣)، ومسلم (٤): "متعمدًا". قال عياض (٥): تفرّد بهذه الزيادة سفيان الثوري، وهي زيادة حسنة يستفاد منها أن الحالف متعمدًا إن كان مطمئن القلب بالإيمان وهو كاذب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لم يكفر؛ وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملة لكونها حقًّا كفر، وإن قالها لمجرّد التعظيم لها احتمل. قال الحافظ (٦): وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النسخ لم يكفر أيضًا. قال: ودعواه أن سفيان تفرّد بها، إن أراد بالنسبة إلى رواية مسلم، فعسى فإنه أخرجها من طريق شعبة عن أيوب وسفيان عن خالد الحذّاء جميعًا عن أبي قلابة. قوله: (في الحديث الآخر، فهو كما قال). قال في الفتح (٧): يحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة في

стр. 7564

الوعيد لا الحكم، كأنه قال فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال، ونظيره: "من ترك الصلاة فقد كفر" (١)، أي: استوجب عقوبة من كفر. وقال ابن المنذر (٢): ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر، بل المراد أنه كاذب كذب المعظم لتلك الجهة. [الباب الحادي عشر] بابُ مَا جاءَ في اليمينِ الغَمُوسِ وَلَغْوِ اليمينِ ٣٥/ ٣٨٣٢ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ: الشِّرْكُ بالله، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وبَهْتُ مُؤْمِنٍ، وَالفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَيمِينٌ صَابِرَةٌ يَقَتَطِعُ بِها مالًا بِغَيْرِ حَقّ") (٣). [إسناد ضعيف جدًّا] ٣٦/ ٣٨٣٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "فَعَلْتَ كَذا؟ " قالَ: لا وَالَّذِي لا إلهَ إلا هُوَ ما فَعَلْتُ، قالَ: "فَقالَ جِبْرِيلُ ﵇: قَدْ فَعَلَ، وَلَكِنَّ الله غَفَرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: لا وَالَّذِي لا إلهَ إلَّا هُوَ") (٤). [إسناده ضعيف] ٣٧/ ٣٨٣٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: اخْتَصَمَ إلى النَّبِيّ ﷺ رَجُلانِ فَوَقَعَتِ

стр. 7565

اليَمِينُ على أحَدِهِما، فَحَلَفَ بالله الَّذِي لا إلهَ إلَّا هُوَ ما لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ، قالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ على النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّهُ كاذِبٌ إنَّ لَهُ عِنْدَهُ حَقَّهُ، فأمَرَهُ أنْ يَعْطِيَهُ حَقَّهُ وكَفَّارَةُ يَمِينِهِ مَعْرِفَتُهُ أنْ لا إِلهَ إلَّا الله أوْ شَهادَتُهُ. رَوَاهُنَّ أحْمَدُ (١). ولأبي دَاوُدَ الثَّالِثُ بِنَحْوِهِ) (٢). [إسناده ضعيف] ٣٨/ ٣٨٣٥ - (وَعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣) فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لا وَالله، وَبَلى وَالله. أخْرَجَهُ البُخارِيُّ) (٤). [صحيح] حديث أبي هريرة أخرجه أيضًا أبو الشيخ (٥). ويشهد له ما أخرجه البخاري (٦) من حديث ابن عمرو قال: جاء أعرابي إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ … فذكر الحديث، وفيه: "اليمين الغموس"، وفيه: "قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب"".

стр. 7566

وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا النسائي (١)، وفي إسناده عطاء بن السائب، وقد تكلم فيه غير واحد (٢). وأخرج له البخاري حديثًا مقرونًا بابن بشر. قوله: (ليس لهنّ كفارة)، أي: لا يمحو الإثم الحاصل بسببهنّ شيء من الطاعات. أما الشرك بالله فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣). وأما قتل النفس، فعلى الخلاف في قبول توبة التائب عنه، وقد تقدم الكلام فيه. والمراد ببهت المؤمن: أن يغتابه بما ليس فيه؛ واليمين الصابرة: أي التي ألزم بها وصبر عليها وكانت لازمة؛ لصاحبها من جهة الحكم، والظاهر أن هذه الأمور لا كفارة لها إلا التوبة منها، ولا توبة في مثل القتل إلا [بتسليم] (٤) النفس للقود. قوله: (وكفارة يمينه … إلخ) هذا يعارض حديث أبي هريرة، لأنه قد نفى الكفارة عن الخمس التي من جملتها اليمين الفاجرة في اقتطاع حقّ، وهذا أثبت له كفارة، وهي التكلم بكلمة الشهادة ومعرفته لها. ويجمع بينهما بأنَّ النفي عامّ والإثبات خاصّ. قوله: (باللغو) الآية. قال الراغب (٥): هو في الأصل: ما لا يعتدّ به من الكلام والمراد به في الأيمان ما يورد عن غير روية، فيجري مجرى اللغا، وهو صوت العصافير.

стр. 7567

قوله: (لا والله) أخرجه أبو داود (١) عنها مرفوعًا بلفظ: "قالت عائشة: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "هو كلام الرجل في بيته، كلا والله، وبلى والله"". وأخرجه أيضًا البيهقي (٢) وابن حبان (٣)، وصحح الدارقطني (٤) الوقف. ورواه البخاري (٥) والشافعي (٦) ومالك (٧) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موقوفًا. ورواه الشافعي (٨) من حديث عطاء أيضًا موقوفًا. قال أبو داود (٩): ورواه غير واحد عن عطاء عن عائشة موقوفًا. وأخرج الطبري (١٠) من طريق الحسن البصري مرفوعًا في قصة الرُّمَاة، وكان أحدهم إذا رمى حلف أنه أصاب فيظهر أنه أخطأ، فقال النبيّ ﷺ : "أيمان الرماة لغو لا كفارة لها ولا عقوبة". قال الحافظ (١١): وهذا لا يثبت لأنهم كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن، لأنه كان يأخذ عن كل أحد. وقد تمسك بتفسير عائشة المذكور في الباب الشافعي (١٢)، وقال: إنها قد جزمت بأن الآية نزلت في قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهي قد شهدت التنزيل.

стр. 7568

وذهبت الحنفية (١) والهادوية (٢) إلى أن لغو اليمين أن يحلف على شيء يظنه ثم يظهر خلافه، وبه قال ربيعة (٣) ومالك (٣) ومكحول (٣) والأوزاعي (٣) والليث (٣). وعن أحمد (٤) روايتان. قال في الفتح (٥): ونقل ابن المنذر وغيره عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة. وعن القاسم، وعطاء، والشعبي، وطاوس، والحسن، نحو ما دلّ عليه حديث عائشة عن أبي قلابة: لا والله، وبلى والله، لغة من لغات العرب لا يراد بها اليمين وهي من صلة الكلام. ونقل إسماعيل القاضي عن طاوس أن لغو اليمين أن يحلف وهو غضبان، ونقل أقوالًا آخر عن بعض التابعين. وجملة ما يتحصل من ذلك ثمانية أقوال من جملتها قول إبراهيم النخعي: إن اللغو هو أن يحلف على الشيء لا يفعله ثم ينسى فيفعله، أخرجه الطبري (٦). وأخرج عبد الرزاق (٧) عن الحسن مثله. وعنه (٨) هو كقول الرجل: والله إنه لكذا، وهو يظنّ أنه صادق ولا يكون كذلك. وأخرج الطبري (٩) من طريق طاوس عن ابن عباس أن يحلف وهو غضبان. ومن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس (١٠) أن يحرّم ما أحلّ الله له. وقيل (١١): هو أن يدعو على نفسه إن فعل كذا ثم يفعله، وهذا هو يمين المعصية.

стр. 7569

قال ابن العربي (١): القول بأن اللغو اليمين هو المعصية باطل، لأن الحالف على ترك المعصية تنعقد يمينه، ويقال له: لا تفعل وكفّر عن يمينك، فإن خالف وأقدم على الفعل أثم وبرّ في يمينه. قال (٢): ومن قال: إنها يمين الغضب يردّه ما ثبت في الأحاديث، يعني المذكورة في الباب، ومن قال: دعاء الإنسان على نفسه إن فعل أو لم يفعل، فاللغو إنما هو في طريق الكفارة وهي تنعقد. وقد يؤاخذ بها لثبوت النهي عن دعاء الإنسان على نفسه، ومن قال: إنها اليمين التي تكفر فلا متعلق له، فإن الله تعالى رفع المؤاخذة عن اللغو مطلقًا فلا إثم فيه ولا كفارة، فكيف يفسر اللغو بما فيه الكفارة وثبوت الكفارة يقتضي وجود المؤاخذة. وقد أخرج ابن أبي عاصم (٣) من طريق الزبيدي، وابن وهب في "جامعه" (٣) عن يونس، وعبد الرزاق في "مصنفه" (٤) عن معمر كلهم عن الزهري عن عروة عن عائشة: "لغو اليمين ما كان في المراء والهزل أو المراجعة في الحديث الذي لا يعقد عليه القلب"، وهذا موقوف. ورواية يونس تقارب الزبيدي، ولفظ معمر: "إنه القوم يتدارءون يقول أحدهم: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، ولا يقصد الحلف"، وليس مخالفًا للأول. وأخرج ابن وهب (٥) عن الثقة عن الزهري بهذا السند: "هو الذي يحلف على الشيء لا يريد به إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه". وهذا يوافق القول الثاني لكنه ضعيف من أجل هذا المبهم شاذّ لمخالفته من هو أوثق منه وأكثر عددًا.

стр. 7570

والحاصل في المسألة أن القرآن الكريم قد دلّ على عدم المؤاخذة في يمين اللغو، وذلك يعمّ الإثم والكفارة فلا يجب أيهما. والمتوجه الرجوع في معرفة معنى اللغو إلى اللغة العربية وأهل عصره ﷺ أعرف الناس بمعاني كتاب الله تعالى، لأنهم مع كونهم من أهل اللغة قد كانوا من أهل الشرع ومن المشاهدين لرسول الله ﷺ والحاضرين في أيام النزول، فإذا صحّ عن أحدهم تفسير لم يعارضه ما يرجح عليه أو يساويه وجب الرجوع إليه وإن لم يوافق ما نقله أئمة اللغة في معنى ذلك اللفظ، لأنه يمكن أن يكون المعنى الذي نقله إليه شرعيًا لا لغويًا، والشرعي مقدّم على اللغوي كما تقرّر في الأصول (١)، فكان الحقّ فيما نحن بصدده هو أن اللغو ما قالته عائشة ﵂. وفي حديث الباب تعرُّض لذكر بعض الكبائر، والكلام في شأنها طويل الذيول لا يتسع لبسطه إلا مؤلف حائل، وقد ألف ابن حجر في ذلك [مجلدًا] (٢) ضخمًا سمَّاه (الزواجر في الكبائر) (٣)، فمن رام الاستقصاء رجع إليه، وأما حصرها في عدد معين فليس ذلك إلا باعتبار الاستقراء لا باعتبار الواقع، فمن جعل عددها أوسع فلكثرة ما استقرأه منها. [الباب الثاني عشر] باب اليمين على المستقبل وتكفيرها قبل الحنث وبعده ٣٩/ ٣٨٣٦ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنْها، فائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك" (٤). [صحيح]

стр. 7571

وفي لَفْظٍ: "فَكَفِّرْ عنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما (١). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: "إذَا حَلَفْتَ على يَمِينٍ فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"، رَوَاهُ النَّسائيُّ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح] وَهُوَ صَرِيح في تَقْدِيمِ الكَفَّارَةِ). ٤٠/ ٣٨٣٧ - (وَعَنْ عَدِيّ بْنِ حاتمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذا حَلَفَ أحَدُكُمْ على يَمِينٍ فَرأى غَيْرَها خَيْرًا مِنْها فَلْيُكَفِّرْها وَلْيأتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: "مَنْ حَلَفَ على يَمِين فَرأى غَيْرَها خَيْرًا مِنْها فَلْيأتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَمُسْلِمٌ (٦) وَالنَّسائيُّ (٧) وَابْنُ ماجَهْ) (٨). [صحيح] ٤١/ ٣٨٣٨ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ حَلَفَ على يَمِينٍ فَرأى غَيْرَها خَيْرًا مِنْها فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِه، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٩) وَمُسْلِمٌ (١٠) وَالتِّرْمِذِيُّ (١١) وصَحَّحَهُ. [صحيح]

стр. 7572

وفِي لَفْظٍ: "فَلْيأتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِه"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (١). [صحيح] ٤٢/ ٣٨٣٩ - (وَعَنْ أبي مُوسَى عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "لا أحْلِفُ على يَمِينٍ فأرَى غَيْرَها خَيْرًا مِنْها إِلا أتيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا" (٢). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: "إلَّا كفَّرْتُ عَنْ يَمِيني وفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (٣). [صحيح] وفي لَفْظٍ: "إلَّا أتيْتُ الَّذي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِيني"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ) (٤). [صحيح] ٤٣/ ٣٨٤٠ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "لا نَذْرَ وَلا يَمِينَ فِيما لا تَمْلِكُ، وَلا فِي مَعْصِيَةٍ، وَلا [فِي] (٥) قَطِيعَةِ رَحِمٍ"، رَوَاهُ النَّسائيُّ (٦) وأبُو دَاوُدَ (٧). [حسن دون قوله: "ومن حلف … " فمنكر] وَهُوَ مَحْمُولٌ على نَفْي الوَفاءِ بِها). ٤٤/ ٣٨٤١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أهْلَهُ قُوتًا فِي سَعَةٍ، وكانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أهْلَهُ قُوتًا فِي شِدَّةٍ، فَنَزلَتْ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٨). رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٩). [موقوف صحيح الإسناد]

стр. 7573

٤٥/ ٣٨٤٢ - (وَعَنْ أُبيّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما قَرَءا: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، حَكاهُ أحْمَدُ وَرَوَاهُ الأثْرَمُ بإسْنَادِهِ) (١). حديث عمرو بن شعيب ذكر البيهقي (٢) أنه لم يثبت وتمامه: "ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليدعها وليأت الذي هو خير، فإنَّ تركها كفارتها". قال أبو داود (٣): الأحاديث كلُّها عن النبيّ ﷺ : "وليكفر عن يمينه" إلا ما لا يعبأ به. قال الحافظ في الفتح (٤): ورواته لا بأس بهم لكن اختلف في سنده على عمرو، وفي بعض طرقه عند أبي داود (٥): "ولا في معصية". وأثر ابن عباس رجال إسناده في سنن ابن ماجه (٦) رجال الصحيح إلا سليمان بن أبي المغيرة العبسي، ولكنه قد وثقه ابن معين، وقال في التقريب (٧): صدوق. وأثر أُبيّ بن كعب أخرجه الدارقطني (٨) وصححه.

стр. 7574

قوله: (فائت الذي هو خير) فيه دليل: على أن الحنث في اليمين أفضل من التمادي إذا كان في الحنث مصلحة، ويختلف باختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على فعل واجب، أو ترك حرام؛ فيمينه طاعة، والتمادي واجب، والحنث معصية، وعكسه بالعكس، وإن حلف على فعل نفلٍ، فيمينه طاعة، والتمادي مستحبٌ، والحنث مكروه؛ وإن حلف على ترك مندوب؛ فبعكس الذي قبله، وإن حلف على فعل مباحٍ، فإن كان يتجاذبه رجحان الفعل أو الترك، كما لو حلف لا يأكل طيبًا ولا يلبس ناعمًا ففيه عند الشافعية (١) خلاف. وقال ابن الصباغ - وصوّبه المتأخرون -: إنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال، وإن كان مستوي الطرفين، فالأصحّ: أن التمادي أولى؛ لأنه قال: "فليأت الذي هو خير". قوله: (فكفّر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير)، هذه الرواية صححها الحافظ في "بلوغ المرام" (٢). وأخرج نحوها أبو عوانة في صحيحه (٣). وأخرج الحاكم (٤) عن عائشة نحوها. وأخرج أيضًا الطبراني (٥) من حديث أُم سلمة بلفظ: "فليكفّر عن يمينه، ثم ليفعل الذي هو خير". وفيه دليل: على أن الكفارة يجب تقديمها على الحنث، ولا يعارض ذلك الروايةُ المذكورة في الباب قبلها بلفظ: "فأتِ الذي هو خير وكفر"، [لأن] (٦) الواو لا تدلّ على ترتيب إنما هي لمطلق الجمع.

стр. 7575

على أن الواو لو كانت تفيد ذلك لكانت الرواية التي بعدها بلفظ: "فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير" تخالفها، وكذلك بقية الروايات المذكورة في الباب. قال ابن المنذر (١): رأي ربيعة، والأوزاعي، ومالك، والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أن الكفارة تجزئ قبل الحنث إلا أن الشافعي (٢) استثنى الصيام فقال: لا يجزئ إلا بعد الحنث. وقال أصحاب (٣) الرأي: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث. وعن مالك (٤) روايتان. ووافق الحنفية أشهب (٥) من المالكية وداود الظاهري (٦)، وخالفه ابن حزم (٧)، واحتجّ له الطحاوي (٨) لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٩)، فإن المراد إذا حلفتم فحنثتم. وردّه مخالفوه فقالوا: بل التقدير فأردتم الحنث. قال الحافظ (١٠): وأولى من ذلك أن يقال: التقدير أعمّ من ذلك فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر. واحتجوا أيضًا بأن ظاهر الآية أن الكفارة وجبت بنفس اليمين. وردّه من أجازها بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقًا.

стр. 7576

واحتجوا أيضًا بأن الكفارة بعد الحنث فرض وإخراجها قبله تطوّع فلا يقوم التطوّع مقام المفروض. وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث، وإلا فلا تجزئ كما في تقديم الزكاة (١). وقال عياض (٢): اتفقوا على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث وأنه يجوز تأخيرها [إلى] (٣) بعد الحنث؛ واستحبّ الإمام مالك والشافعي (٤) والأوزاعي والثوري (٥) تأخيرها بعد الحنث. قال عياض (٦): ومنع بعض المالكية تقديم كفارة حنث المعصية، لأن فيه إعانة على المعصية، وردّه الجمهور. قال ابن المنذر (٧): واحتجّ للجمهور بأن اختلاف ألفاظ الأحاديث لا يدلّ على تعيين أحد الأمرين. والذي يدلّ عليه أنه أمر الحالف بأمرين، فإذا أتى بهما جميعًا فقد فعل ما أمر به، وإذا دلّ الخبر على المنع فلم يبق إلا طريق النظر، فاحتجّ للجمهور بأن عقد اليمين لما كان يحله الاستثناء وهو كلام، فلأن تحله الكفارة وهي فعل مالي أو بدني أولى، ويرجح قولهم أيضًا بالكثرة. وذكر عياض (٨) وجماعة أن عدّة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشر صحابيًا، وتبعهم فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة. وقد عرفت مما سلف أن المتوجه العمل برواية الترتيب المدلول عليه بلفظ (ثم)، ولولا الإجماع المحكي سابقًا على جواز تأخير الكفارة عن الحنث لكان ظاهر الدليل أن تقديم الكفارة واجب كما سلف.

стр. 7577

قال المازري (١): للكفارة ثلاث حالات: (أحدها): قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقًا. (ثانيها): بعد الحلف والحنث فتجزئ اتفاقًا. (ثالثها): بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف. والأحاديث المذكورة في الباب تدلّ على وجوب الكفارة مع إتيان الذي هو خير. وفي حديث عمرو بن شعيب (٢) المذكور بعضه في الباب ما يدلّ على أن ترك اليمين وإتيان الذي هو خير هو الكفارة، وقد ذكرنا ذلك، وذكرنا أن أبا داود قال: إنَّ ما ورد من ذلك إلا ما لا يعبأ به. قال الحافظ (٣): كأنه يشير إلى حديث يحيى بن عبيد الله عن أبيه أبي هريرة (٤) يرفعه: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير فهو كفارته"، ويحيى (٥) ضعيف جدًّا. وقد وقع في حديث عديّ بن حاتم عند مسلم (٦) ما يوهم ذلك، فإنه أخرجه عنه بلفظ: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليترك يمينه"، هكذا أخرجه من وجهين ولم يذكر الكفارة، ولكن أخرجه من وجه آخر (٧) بلفظ: "فرأى غيرها خيرًا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير"، ومداره في الطرق كلها على عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عديّ، والذي زاد ذلك حافظ فهو المعتمد.

стр. 7578

قوله: (كان الرجل يقوت أهله … إلخ) فيه أن الأوسط المنصوص عليه في الآية الكريمة هو المتوسط ما بين قوت الشدّة والسعة. قوله: (إنهما قرءا فصيام ثلاثة أيام متتابعات) قراءة الآحاد منزلة منزلة أخبار الآحاد صالحة لتقييد المطلق وتخصيص العام كما تقرّر في الأصول (١)، وخالف في وجوب التتابع عطاء ومالك (٢) والشافعي (٣) والمحاملي (٤).

стр. 7579

[الكتاب الخامس والأربعون] كتاب النذر [الباب الأول] بابُ نَذْرِ الطَّاعَةِ مطلقًا ومعلَّقًّا بِشَرْط ١/ ٣٨٤٣ - (عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ الله فَليُطعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا) (١) [صحيح] ٢/ ٣٨٤٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ النَّذْرِ وَقالَ: "إنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا وَإنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا الترْمِذِيَّ (٢). [صحيح] وَللْجَماعَةِ إلَّا أبا دَاوُدَ (٣) مِثْلُ مَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أبي هُرَيْرَةَ). [صحيح] لفظ حديث أبي هريرة: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته، ولكن يلقيه النذر إلى القدر فيستخرج الله فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل"، أي: يعطيني. قوله: (فليطعه) الطاعة أعمُّ من أن تكون واجبة أو غير واجبة، ويتصوَّر النذر في الواجب بأن يوقِّته، كمن ينذر أن يصلي الصلاة في أوّل وقتها فيجب عليه ذلك بقدر ما أقته.

стр. 7580

وأما المستحبُّ من جميع العبادات المالية والبدنية فينقلب بالنذر واجبًا، ويتقيد بما قيد به الناذر. والخبر صريح في الأمر بالوفاء بالنذر إذا كان في طاعة، وفي النهي عن الوفاء به إذا كانت في معصية. وهل تجب في الثاني كفارة يمين أو لا؟ فيه خلاف يأتي إن شاء الله تعالى. قوله: (إنه لا يرد شيئًا) فيه إشارةٌ إلى تعليل النهي عن النذر. وقد اختلف العلماء في هذا النهي؛ فمنهم من حمله على ظاهره، ومنهم من تأوَّله. قال ابن الأثير في النهاية (١): تكرّر النهي عن النذر في الحديث، وهو تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به، إذ يصير بالنهي معصيةً فلا يلزم، وإنما وجه الحديث: أنه قد أعلمهم أن ذلك الأمر لا يجرّ إليهم في العاجل نفعًا ولا يصرف عنهم ضررًا ولا يغير قضاء، فقال: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدّر الله لكم، أو تصرفون به عنكم ما قدَّره عليكم، فإذا نذرتم فاخرجوا بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم. انتهى. وقال أبو عبيد (٢): النهي عن النذر والتشديد فيه؛ ليس هو أن يكون مأثمًا، ولو كان كذلك ما أمر الله تعالى أن يوفى به، ولا حَمد فاعله، ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر وتغليظ أمره لئلا يستهان بشأنه فيفرّط في الوفاء به ويترك القيام به. ثم استدلّ على الحثّ على الوفاء به من الكتاب والسنة، وإلى ذلك أشار المازري (٣) بقوله: ذهب بعض علمائنا: إلى أن الغرض بهذا الحديث التحفظ في النذر.

стр. 7581

قال (١): وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث. ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي بالقربة مستثقلًا لها لما صارت عليه ضربة لازب، وكل ملزوم فإنه لا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار. ويحتمل أن يكون سببه: أن الناذر لما لم يبذل القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرّب. قال (١): ويشير إلى هذا التأويل قوله: "إنه لا يأتي بخير" (٢)، وقوله: "إنه لا يقرِّب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدّره له" (٣)، وهذا كالنصّ على هذا التعليل. انتهى. والاحتمال الأول يعمّ أنواع النذر، والثاني يخصّ نوع المجازاة، وزاد القاضي عياض (٤) فقال: ويقال: إن الإخبار بذلك وقع على سبيل الإعلام من أنه لا يغالب القدر ولا يأتي الخير بسببه والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن يقع ذلك في ظنّ بعض الجهلة. قال (٥): ومحصل مذهب الإمام مالك: أنه مباح إلا إذا كان مؤبدًا لتكرره عليه في أوقات، فقد يثقل عليه فعله فيفعله بالتكلف من غير طيبة نفس وخالص نية. قوله: (إنَّه لا يردُّ شيئًا) يعني مما يكرهه الناذر، وأوقع النذر استدفاعًا له؛ وأعمُّ من هذه الرواية ما في البخاري (٦) وغيره (٧) بلفظ: "إنه لا يأتي بخير" فإنه قد ينظر استجلابًا لنفع أو استدعاء لضرر، والنذر لا يأتي بذلك المطلوب، وهو الخير الكائن في النفع أو الخير الكائن في اندفاع الضرر.

стр. 7582

قال الخطابي في "الأعلام" (١): هذا باب من العلم غريب وهو أن ينهى عن فعل شيء حتى إذا فعل كان واجبًا. وقد ذهب أكثر الشافعية (٢) ونقل عن نص الشافعي أن النذر مكروه، وكذا نقل عن المالكية (٣)، وجزم الحنابلة (٤) بالكراهة. وقال النووي (٥): إنه مستحب، صرح بذلك في شرح المهذب. وروي ذلك عن القاضي حسين (٦)، والمتولي (٧) والغزالي (٨). وجزم القرطبي في المفهم (٩) بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة فقال: هذا النهي محله أن يقول مثلًا: إن شفى الله مريضي فعليّ صدقة. ووجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكورة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة. ويوضحه: أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبًا. وهذا المعنى هو المشار إليه بقوله: "وإنما يستخرج به من البخيل"، قال: وقد ينضم إلى هذا اعتقاد جاهل يظنّ أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة في الحديث بقوله: "فإنه لا يرد شيئًا"، والحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح. قال الحافظ (١٠): بل تقرب من الكفر، ثم نقل القرطبي (١١) عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة.

стр. 7583

قال (١): والذي يظهر لي: أنَّه على التحريم في حقّ من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد فيكون إقدامه على ذلك محرّمًا، والكراهة في حقّ من لم يعتقد ذلك. قال الحافظ (٢): وهو تفصيل حسن، ويؤيده قصة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر فإنها في نذر المجازاة. وقد أخرج الطبري (٣) بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٤) قال: كانوا ينذرون طاعة الله تعالى من الصلاة والصيام والزكاة والحجّ والعمرة وما افترض عليهم، فسماهم الله تعالى أبرارًا، وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة. وقد يشعر التعبير بالبخيل أن المنهي عنه من النذر ما فيه مال فيكون أخصّ من المجازاة. ولكن قد يوصف بالبخل من تكاسل عن الطاعة كما روى الحديث المشهور: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ"، أخرجه النسائي (٥) وصححه ابن حبان (٦)، أشار إلى ذلك العراقي في شرح الترمذي. وقد نقل القرطبي (٧) الاتفاق على وجوب الوفاء بنذر المجازاة لقوله: "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، ولم يفرّق بين المعلق وغيره.

стр. 7584

قال الحافظ (١): والاتفاق الذي ذكره مسلم لكن في الاستدلال بالحديث المذكور لوجوب الوفاء بالنذر المعلق نظر. قلت: لا نظر إذا لم يصحبه اعتقاد فاسد، لأن إخراج المال في القرب طاعة، والبخيل يحرص على المال فلا يخرج إلا في نحو نذر المجازاة ولا تتيسر طاعته المالية إلا [بمثل] (٢) ذلك، أو ما لا بدّ [له] (٣) منه كالزكاة والفطرة، فلو لم يلزمه الوفاء لاستمرّ على بخله ولم يتمّ الاستخراج المذكور. [الباب الثاني] باب ما جاءَ في نذر المباح والمعصية وما أخرج مخرج اليمين ٣/ ٣٨٤٥ - (عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال: بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إذْ هُوَ بِرَجُلٍ قائمٍ، فَسألَ عَنهُ فَقالُوا: أبُو إسْرَائيلَ نَذَرَ أنْ يَقُوم فِي الشَّمْسِ، وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِلَّ، وَلا يَتَكَلَّمَ، وأنْ يَصُومَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ". رَوَاهُ البُخارِيُّ (٤) وَابْنُ ماجَهْ (٥) وأبُو دَاوُدَ) (٦) [صحيح] ٤/ ٣٨٤٦ - (وَعَنْ ثابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لَيْسَ على الرَّجُلِ نَذْرٌ فِيما لا يَمْلِكُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٧). [صحيح] ٥/ ٣٨٤٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّهِ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لا نَذْرَ إلَّا فِيما ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ الله تعالى"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٨) وأبُو دَاوُدَ (٩). [حسن]

стр. 7585

وفِي رِوَايَةٍ: أن رَسُولَ الله ﷺ نَظَرَ إلى أعْرَابيّ قائمًا فِي الشَّمْسِ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقالَ: "ما شأنُكَ؟ " قَالَ: نَذَرْتُ يا رَسُولَ الله أنْ لا أزَالَ فِي الشَّمْسِ حتَّى تَفْرُغَ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ هَذَا نَذْرًا، إنما النَّذْرُ ما ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ الله" رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [حسن] ٦/ ٣٨٤٨ - (وَعَنْ سَعِيد بْنِ المُسَيِّبِ أن أخَوَيْنِ مِنَ الأنْصَارِ كانَ بَيْنَهُما مِيرَاثٌ، فَسألَ أحَدُهُما صَاحِبَهُ القِسْمَةَ، فَقالَ: إنْ عُدْتَ تسألُنِي القِسْمَةَ فَكُلُّ مالي فِي رِتاجِ الكَعْبَةِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: إنَّ الكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ وكَلِّمْ أخَاكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَا يمِينَ عَلَيْكَ، وَلا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبّ، وَلا فِي قَطِيعَة الرَّحِمِ، وَلا فِيما لَا تَمْلِكُ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٢) [إسناده ضعيف] ٧/ ٣٨٤٩ - (وَعَنْ ثابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أن رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إني نَذَرْتُ أنْ أنحَرَ إبِلًا ببُوَانَةَ، فَقالَ: "أكانَ فِيها وَثَنٌ مِنْ أوْثانِ الجاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ "، قالُوا: لا، قالَ: "فَهَلْ كان فِيها عِيدٌ مِنْ أعْيادِهِمْ؟ "، قالُوا: لا، قالَ: "أوْفِ بِنَذْرِكَ فإنَّهُ لا وَفاءَ لِنَذرٍ فِي مَعْصِيَةِ الله، وَلا فِيما لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٣). [صحيح]

стр. 7586

٨/ ٣٨٥٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمينٍ"، رَوَاه الخَمْسَةُ (١) وَاحْتَجَّ بِهِ أحْمَدُ وَإسْحَاقُ). [صحيح] ٩/ ٣٨٥١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٢) [صحيح موقوفًا] ١٠/ ٣٨٥٢ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ) (٤). [صحيح] حديث عمرو بن شعيب: أخرجه أيضًا البيهقي (٥)، وأورده الحافظ في التلخيص (٦)، وسكت عنه. وقد أخرجه بلفظ أحمد المذكور الطبراني (٧). قال في "مجمع الزوائد" (٨): فيه عبد الله بن نافع المدني، وهو ضعيف، ولم يكن في إسناد أبي داود، لأنه أخرجه عن أحمد بن عبدة الضبي عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحديث سعيد بن المسيب حديث صالح، سكت عنه أبو داود (٩) والحافظ،

стр. 7587

وهو من طريق عمرو بن شعيب، ولكن سعيد بن المسيب لم يسمع [من عمر بن الخطاب] (١) فهو منقطع (٢). وروي نحوه عن عائشة: "أنها سئلت عن رجل جعل ماله في رتاج الكعبة إن كلم ذا قرابة، فقالت: يكفّر عن اليمين"، أخرجه مالك (٣) والبيهقي (٤) بسند صحيح وصححه ابن السكن. وحديث ثابت بن الضحاك أخرجه أيضًا الطبراني (٥) وصحح الحافظ (٦) إسناده. وأخرج نحوه أبو داود (٧) من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا. ورواه ابن ماجه (٨) من حديث ابن عباس.

стр. 7588

ورواه أحمد في مسنده (١) من حديث عمرو بن شعيب عن ابنة كردم عن أبيها بنحوه. وفي لفظ لابن ماجه (٢) عن ميمونة بنت كردم. وحديث عائشة قال الترمذي (٣) بعد إخراجه: [لا] (٤) يصحُّ، لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة، وكذلك قال غيره، قالوا: وإنما سمعه من سليمان بن أرقم وسليمان متروك. وقال أحمد (٥): ليس بشيء ولا يساوي فلسًا. وقال البخاري (٦): تركوه وتكلم فيه جماعة أيضًا منهم: عمرو بن عليّ، وأبو داود، وأبو زرعة (٧)، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني. وقال الخطابي (٨): لو صحّ هذا الحديث لكان القول به واجبًا والمصير إليه لازمًا إلا أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب وهم فيه سليمان بن [الأرقم] (٩)، ورواه النسائي (١٠) والحاكم (١١) والبيهقي (١٢) من حديث عمران بن حصين ومداره على محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عنه، ومحمد ليس بالقويّ وقد اختلف عليه فيه. ورواه ابن المبارك عن عبد الوارث عن أبيه أن رجلًا حدثه أنه سأل عمران بن الحصين … فذكره، وفيه رجل مجهول.

стр. 7589

ورواه أحمد (١) وأصحاب السنن (٢) والبيهقي (٣) من رواية الزهري عن أبي سلمة عن [أبي هريرة] (٤). قال الحافظ (٥): وإسناده صحيح إلا أنه معلول بأنه منقطع، وذلك لأن الزهري لم يروه عن أبي سلمة. ورواهُ ابن ماجه (٦) من حديث سليمان بن بلال عن حرشي بن عتبة، ومحمد بن أبي عتيق عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران فرجع إلى الرواية الأولى. ورواه عبد الرزاق (٧) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من بني حنيفة، وأبي سلمة كلاهما عن النبيّ ﷺ ، وهو مع كونه مرسلًا فالحنفيُّ هو محمد بن الزبير المتقدم، قاله الحاكم (٨). وقال: إن قوله: من بني حنيفة تصحيف، وإنما هو من بني حنظلة. وله طريق أخرى عن عائشة عند الدارقطني (٩) من رواية غالب بن عبد الله الجزري عن عطاء عن عائشة مرفوعًا بلفظ: "من جعل عليه نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين" وغالب متروك.
следующие страницы →