← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 7585–7624 · переход к 7590.

стр. 7585

وفِي رِوَايَةٍ: أن رَسُولَ الله ﷺ نَظَرَ إلى أعْرَابيّ قائمًا فِي الشَّمْسِ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقالَ: "ما شأنُكَ؟ " قَالَ: نَذَرْتُ يا رَسُولَ الله أنْ لا أزَالَ فِي الشَّمْسِ حتَّى تَفْرُغَ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ هَذَا نَذْرًا، إنما النَّذْرُ ما ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ الله" رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [حسن] ٦/ ٣٨٤٨ - (وَعَنْ سَعِيد بْنِ المُسَيِّبِ أن أخَوَيْنِ مِنَ الأنْصَارِ كانَ بَيْنَهُما مِيرَاثٌ، فَسألَ أحَدُهُما صَاحِبَهُ القِسْمَةَ، فَقالَ: إنْ عُدْتَ تسألُنِي القِسْمَةَ فَكُلُّ مالي فِي رِتاجِ الكَعْبَةِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: إنَّ الكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ وكَلِّمْ أخَاكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَا يمِينَ عَلَيْكَ، وَلا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبّ، وَلا فِي قَطِيعَة الرَّحِمِ، وَلا فِيما لَا تَمْلِكُ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٢) [إسناده ضعيف] ٧/ ٣٨٤٩ - (وَعَنْ ثابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أن رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إني نَذَرْتُ أنْ أنحَرَ إبِلًا ببُوَانَةَ، فَقالَ: "أكانَ فِيها وَثَنٌ مِنْ أوْثانِ الجاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ "، قالُوا: لا، قالَ: "فَهَلْ كان فِيها عِيدٌ مِنْ أعْيادِهِمْ؟ "، قالُوا: لا، قالَ: "أوْفِ بِنَذْرِكَ فإنَّهُ لا وَفاءَ لِنَذرٍ فِي مَعْصِيَةِ الله، وَلا فِيما لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٣). [صحيح]

стр. 7586

٨/ ٣٨٥٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمينٍ"، رَوَاه الخَمْسَةُ (١) وَاحْتَجَّ بِهِ أحْمَدُ وَإسْحَاقُ). [صحيح] ٩/ ٣٨٥١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٢) [صحيح موقوفًا] ١٠/ ٣٨٥٢ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ) (٤). [صحيح] حديث عمرو بن شعيب: أخرجه أيضًا البيهقي (٥)، وأورده الحافظ في التلخيص (٦)، وسكت عنه. وقد أخرجه بلفظ أحمد المذكور الطبراني (٧). قال في "مجمع الزوائد" (٨): فيه عبد الله بن نافع المدني، وهو ضعيف، ولم يكن في إسناد أبي داود، لأنه أخرجه عن أحمد بن عبدة الضبي عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحديث سعيد بن المسيب حديث صالح، سكت عنه أبو داود (٩) والحافظ،

стр. 7587

وهو من طريق عمرو بن شعيب، ولكن سعيد بن المسيب لم يسمع [من عمر بن الخطاب] (١) فهو منقطع (٢). وروي نحوه عن عائشة: "أنها سئلت عن رجل جعل ماله في رتاج الكعبة إن كلم ذا قرابة، فقالت: يكفّر عن اليمين"، أخرجه مالك (٣) والبيهقي (٤) بسند صحيح وصححه ابن السكن. وحديث ثابت بن الضحاك أخرجه أيضًا الطبراني (٥) وصحح الحافظ (٦) إسناده. وأخرج نحوه أبو داود (٧) من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا. ورواه ابن ماجه (٨) من حديث ابن عباس.

стр. 7588

ورواه أحمد في مسنده (١) من حديث عمرو بن شعيب عن ابنة كردم عن أبيها بنحوه. وفي لفظ لابن ماجه (٢) عن ميمونة بنت كردم. وحديث عائشة قال الترمذي (٣) بعد إخراجه: [لا] (٤) يصحُّ، لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة، وكذلك قال غيره، قالوا: وإنما سمعه من سليمان بن أرقم وسليمان متروك. وقال أحمد (٥): ليس بشيء ولا يساوي فلسًا. وقال البخاري (٦): تركوه وتكلم فيه جماعة أيضًا منهم: عمرو بن عليّ، وأبو داود، وأبو زرعة (٧)، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني. وقال الخطابي (٨): لو صحّ هذا الحديث لكان القول به واجبًا والمصير إليه لازمًا إلا أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب وهم فيه سليمان بن [الأرقم] (٩)، ورواه النسائي (١٠) والحاكم (١١) والبيهقي (١٢) من حديث عمران بن حصين ومداره على محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عنه، ومحمد ليس بالقويّ وقد اختلف عليه فيه. ورواه ابن المبارك عن عبد الوارث عن أبيه أن رجلًا حدثه أنه سأل عمران بن الحصين … فذكره، وفيه رجل مجهول.

стр. 7589

ورواه أحمد (١) وأصحاب السنن (٢) والبيهقي (٣) من رواية الزهري عن أبي سلمة عن [أبي هريرة] (٤). قال الحافظ (٥): وإسناده صحيح إلا أنه معلول بأنه منقطع، وذلك لأن الزهري لم يروه عن أبي سلمة. ورواهُ ابن ماجه (٦) من حديث سليمان بن بلال عن حرشي بن عتبة، ومحمد بن أبي عتيق عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران فرجع إلى الرواية الأولى. ورواه عبد الرزاق (٧) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من بني حنيفة، وأبي سلمة كلاهما عن النبيّ ﷺ ، وهو مع كونه مرسلًا فالحنفيُّ هو محمد بن الزبير المتقدم، قاله الحاكم (٨). وقال: إن قوله: من بني حنيفة تصحيف، وإنما هو من بني حنظلة. وله طريق أخرى عن عائشة عند الدارقطني (٩) من رواية غالب بن عبد الله الجزري عن عطاء عن عائشة مرفوعًا بلفظ: "من جعل عليه نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين" وغالب متروك.

стр. 7590

وله طريق أخرى عند أبي داود (١) من حديث كريب عن ابن عباس وإسنادها حسن فيها طلحة بن يحيى، وهو مختلف فيه. وقال أبو داود (٢): موقوفًا: يعني وهو أصح. وقال النووي في الروضة (٣): حديث: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" ضعيف باتفاق المحدّثين. قال الحافظ (٤): قلت: قد صححه الطحاوي وأبو علي بن السكن فأين الاتفاق. وحديث ابن عباس قد تقدمت الإشارة إليه أنه من طريق كريب عنه ولفظه في سنن أبي داود (٥) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا أطاقه فليف به" وسيأتي. وقد تقدم أنه موقوف على ابن عباس وأن الموقوف أصحّ. وأخرجه ابن ماجه (٦) وفي إسناد ابن ماجه من لا يعتمد عليه، وليس فيه: "من نذر نذرًا في معصية". قوله: (أبو إسرائيل) قال الخطيبُ: هو رجلٌ من قريش، ولا يشاركه أحد من الصحابة في كنيته. واختلف في اسمه؛ فقيل: قشير - بقاف وشين معجمة - مصغرًا. وقيل: يسير - بمهملة - مصغرًا. وقيل: قيصر: باسم ملك الروم. وقيل: بالسين المهملة بدل الصاد. وقد جزم ابن الأثير (٧) وغيره بأنه من الصحابة.

стр. 7591

وفيه دليل: على أن كُلَّ شيءٍ يتأذّى به الإنسان مما لم يرد بمشروعيته كتاب ولا سنة، كالمشي حافيًا، والجلوس في الشمس، ليس من طاعة الله [تعالى] (١)، فلا ينعقد النذر به، فإنه ﷺ أمر أبا إسرائيل في هذا الحديث بإتمام الصوم دون غيره، وهو محمول على أنه علم أنه لا يشقّ عليه. قال القرطبي (٢): في قصة أبي إسرائيلَ هذا أعظم حجة للجمهور في عدم وجوب الكفارة على من نذر معصية أو ما لا طاعة فيه. قال مالك: لم أسمع أن رسول الله ﷺ أمره بكفارة. قوله: (ليس على الرجل نذر فيما لا يملك) فيه دليل: على أن من نذر بما لا يملك لا ينفذ نذره؛ وكذلك من نذر بمعصية كما في بقية أحاديث الباب. واختلف في النذر بمعصية هل تجب فيه الكفارة أم لا؟ فقال الجمهور (٣): لا. وعن أحمد (٤) والثوري (٥) وإسحاق وبعض الشافعية (٦) والحنفية (٧): نعم. ونقل الترمذي (٨) اختلاف الصحابة في ذلك، واتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلافهم إنما هو في وجوب الكفارة. واحتجّ من أوجبها بحديث عائشة (٩) المذكور في الباب وما ورد في معناه.

стр. 7592

وأجيب بأن ذلك لا ينهض للاحتجاج لما سبق من المقال. واحتجّ أيضًا بما أخرجه مسلم (١) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: "كفارة النذر كفارة اليمين"، لأن عمومه يشمل نذر المعصية. وأجيب بأن فيه زيادة تمنع العموم وهي أن الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) أخرجا حديث عقبة بلفظ: "كفارة النذر إذا لم يسمّ كفارة يمين"، هذا لفظ الترمذي، ولفظ ابن ماجه: "من نذر نذرًا لم يسمه". وحديث ابن عباس (٤) المذكور في الباب أيضًا قد سبق ما فيه من المقال. واستدلَّ بأحاديث الباب: على أنه يصحُّ النذر في المباح لأنه لما نفى النذر في المعصية بقي ما عداه ثابتًا. ويدلّ على أن النذر لا ينعقد في المباح الحديث المذكور في أول الباب عن ابن عباس (٥)، والحديث الذي فيه (٦): "إنما النذر ما يبتغى به وجه الله". ومن جملة ما استدلّ به على أنه يلزم الوفاء بالنذر المباح قصة التي نذرت الضرب بالدفّ. وأجاب البيهقي (٧) بأنه يمكن أن يقال: إن من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوبًا كالنوم في القائلة للتقوّي على قيام الليل، وأكلة السحر للتقوّي على صيام النهار، فيمكن أن يقال: إن إظهار الفرح بعود النبيّ ﷺ سالمًا معنى مقصود يحصل به الثواب. قوله: (في رتاج الكعبة) بمهملة فمثناة فوقية فجيم بعد ألف هو في

стр. 7593

اللغة (١): الباب، وكنَّى به هنا عن الكعبة نفسها. قوله: (ببوانة) بضم الموحدة وبعد الألف نون. قال في التلخيص (٢): موضع بين الشام وديار بكر، قاله أبو عبيدة (٣)، وقال البغوي (٤): أسفل مكة دون يلملم. وقال المنذري (٥): هضبة من وراء ينبع ومثله في النهاية (٦)، وسيأتي الكلام على حديث ثابت بن الضحاك [إن شاء الله تعالى] (٧). [الباب الثالث] باب من نذر نذرًا لم [يسمّ ولا] (٨) يطيقه ١١/ ٣٨٥٣ - (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ [يُسَمِّ] (٩) كَفَّارَةُ يَمِينٍ"، رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ (١٠) وَالتِّرْمِذِيُّ وصحَّحَهُ (١١). [صحيح دون قوله: "إذا لم يسم"] ١٢/ ٣٨٥٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "مَنْ نَذَرَ نَذْرًا ولَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ"، رَوَاهُ

стр. 7594

أبُو دَاوُدَ (١) وَابْنُ ماجَهُ (٢)، وَزَادَ: "وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أطاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ"). [موقوف صحيح] ١٣/ ٣٨٥٥ - (وَعَنْ أنَسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ رأى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَقالَ: "ما هَذَا؟ "، قالُوا: نَذَرَ أنْ يَمشِيَ، قالَ: "إنَّ الله عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نفْسَهُ لَغَنِيّ"، وأمَرَهُ أنْ يَرْكَبَ. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا ابْنَ ماجَهْ (٣). [صحيح] وللنَّسائيّ (٤) فِي رِوَايَةٍ: نَذَرَ أنْ يَمْشِيَ إلى بَيْتِ الله). [صحيح] ١٤/ ٣٨٥٦ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أنْ تَمْشِي إلى بَيْتِ الله فأمَرَتْنِي أنْ أسْتَفْتِي لَهَا رَسُولَ الله ﷺ فاسْتَفْتَيْتُهُ فَقالَ: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥) [صحيح]. ولمُسْلِمٍ (٦) فِيه: حافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ. [صحيح] وفي رِوَايَةٍ: نَذَرَتْ أُخْتِي أنْ تَمْشِيَ إلى الكَعْبَةِ، فَقالَ رَسُول الله ﷺ : "إنَّ الله لَغَنِيٌ عَنْ مَشْيِها لِتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٧). [صحيح]

стр. 7595

وفِي رِوَايَةٍ: أنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أنْ تَمْشِيَ حافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَسأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: "إنَّ الله لَا يَصْنَعُ بِشَقاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، مُرْها فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ) (١). [ضعيف] ١٥/ ٣٨٥٧ - (وَعَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: جاءَتِ امْرأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ الله إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ ماشِيَة، فَقالَ: "إنَّ الله لا يَصْنَعُ بِشَقاءِ أُخْتِكِ شَيْئًا، لِتَخْرُجْ رَاكبَةً وَلْتكفِّرْ عَنْ يَمِينِها"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاودَ) (٣). [ضعيف] ١٦/ ٣٨٥٨ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ سألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أنْ تَمْشِيَ إلى البَيْتِ وَشَكا إلَيْهِ ضَعْفَها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ الله غَنِيٌّ عَنْ نَذْرِ أُخْتِكَ فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) [صحيح] وفِي لَفْظٍ: إنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ نَذَرَتْ أنْ تَمْشِيَ إلى البَيْتِ وأنَّهَا لا تُطِيقُ ذلكَ، فأمَرَها النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَرْكَبَ وتُهْدِيَ هَدْيًا. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٥). [صحيح]

стр. 7596

حديث عقبة الأول هو في صحيح مسلم (١) بدون زيادة: "إذا لم يسم". وأخرجه أيضًا أبو داود (٢) والنسائي (٣). وحديث ابن عباس الأول قال الحافظ في "بلوغ (٤) المرام": إسناده صحيح إلا أن الحفاظ [رجحوا] (٥) وقفه، وقد تقدم الكلام عليه. والرواية الأخرى من حديث عقبة التي فيها "ولتصم ثلاثة أيام" حسنها الترمذي (٦)، ولكن في إسنادها [عبيد الله بن زحر] (٧). وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وحديث كريب عن ابن عباس سكت عنه أبو داود (٨) والمنذري (٩) ورجاله رجال الصحيح. وحديث عكرمة عن ابن عباس سكت أيضًا عنه أبو داود (١٠) والمنذري (١١) ورجاله رجال الصحيح. قال الحافظ في التلخيص (١٢): إسناده صحيح، والرواية الأخرى أوردها أبو داود وسكت عنها (١٣) هو والمنذري (١٤). قوله: (لم يُسَمَّ) فيه دليل: على أن كفارة اليمين إنما تجب فيما كان من النذور غير مسمى.

стр. 7597

قال النووي (١): اختلف العلماء في المراد بهذا الحديث فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، فهو مخير يبن الوفاء بالنذر، أو الكفارة. وحمله مالك (٢)، وكثيرون، أو الأكثرون على النذر المطلق كقوله: عليّ نذر. وحمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم، وبين كفارة اليمين. انتهى. والظاهر: اختصاص الحديث بالنذر الذي لم يسمَّ، لأن حمل المطلق على المقيد واجب. وأما النذور المسماة إن كانت طاعة، فإن كانت غير مقدورة؛ ففيها كفارة يمين، وإن كانت مقدورة وجب الوفاء بها؛ سواء كانت متعلقة بالبدن أو بالمال، وإن كانت معصية لم يجز الوفاء بها ولا ينعقد، ولا يلزم فيها الكفارة، وإن كانت مباحة مقدورة فالظاهر الانعقاد ولزوم الكفارة لوقوع الأمر بها في أحاديث الباب في قصة الناذرة بالمشي، وإن كانت غير مقدورة ففيها الكفارة لعموم: "ومن نذر نذرًا لم يطقه … "، هذا خلاصة ما يستفاد من الأحاديث الصحيحة. وقال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (٣) ما حاصله: إنه وقع الاتفاق على لزوم النذر بالمال إذا كان في سبيل البرّ، وكان على جهة الخير، وإن كان على جهة الشرّ فقال مالك (٤): يلزم كالخير ولا كفارة يمين في ذلك إلا أنه إذا نذر بجميع ماله لزمه ثلث ماله إذا كان مطلقًا، وإن كان معينًا لزمه، وإن كان جميع ماله أو أكثر من الثلث، وسيأتي الخلاف فيمن نذر بجميع ماله. قال (٥): وإذا كان النذر مطلقًا؛ أي: غير مسمَّى ففيه الكفارة عند كثيرٍ من العلماء.

стр. 7598

وقال قوم: فيه كفارة الظهار. وقال قوم: فيه أقلّ ما ينطلق عليه الاسم من القرب صيام يوم أو صلاة ركعتين. قوله: (ومن نذر نذرًا لم يطقه فكفارته كفارة يمين) ظاهره سواء كان المنذور به طاعة، أو معصية، أو مباحًا، إذا كان غير مقدور ففيه الكفارة، إلا أنه يخصُّ من هذا العموم ما كان معصية بما تقدم، ويبقى ما كان طاعة، أو مباحًا، وسواء كان غير مقدور شرعًا أو عقلًا أو عادة. قوله: (ومن نذر نذرًا أطاقه … إلخ)، ظاهره العموم، ولكنه يخصُّ منه نذر المعصية بما سلف، وكذلك نذر المباح بلزوم الكفارة. وأما النذر الذي لم يسمَّ: فغير داخل في عموم الطاقة وعدمها، لأن اتصاف النذر بأحد الوصفين فرع معرفته وما لم يسم لا يعرف. قوله: (لتمش ولتركب) فيه أن النذر بالمشي ولو إلى مكان المشي إليه طاعة، فإنه لا يجب الوفاء به بل يجوز الركوب لأن المشي نفسه غير طاعة، إنما الطاعة الوصول إلى ذلك المكان كالبيت العتيق من غير فرق بين المشي والركوب، ولهذا سوّغ [النبيّ] (١) ﷺ الركوب للناذرة بالمشي، فكان ذلك دالًّا على عدم لزوم النذر بالمشي، وإن دخل تحت الطاقة. قال في الفتح (٢): وإنما أمر الناذر في حديث أنس (٣) أن تركب جزمًا، وأمر أخت عقبة (٤) أن تمشي وأن تركب لأن الناذر في حديث أنس كان شيخًا ظاهر العجز، وأخت عقبة لم توصف بالعجز، فكأنه أمرها أن تمشي إن قدرت وتركب إن عجزت، وبهذا ترجم البيهقى (٥) للحديث، وأورد في بعض طرقه من رواية عكرمة عن ابن عباس ما ذكره المصنف ﵀. وأخرج الحاكم (٦) من حديث ابن عباس بلفظ: "جاء رجل فقال: يا

стр. 7599

رسول الله! إن أختي حلفت أن تمشي إلى البيت، وإنه يشقُّ عليها المشي، فقال: "مرها فلتركب إذا لم تستطع أن تمشي فما أغنى الله أن يشقّ على أختك"". وأحاديث الباب مصرّحة بوجوب الكفارة. ونقل الترمذي عن البخاري أنه لا يصحّ فيه الهدي. وقد أخرج الطبراني (١) من طريق أبي تميم الجيشاني عن عقبة بن عامر في هذه القصة: "نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة"، وفيه: "لتركب ولتلبس ولتصم". وللطحاوي (٢) من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عقبة نحوه. وأخرج البيهقي (٣) بسندٍ صحيح عن أبي هريرة: "بينما رسول الله ﷺ يسير في جوف الليل إذ بصر بخيال، ففرَّت منه الإبل، فإذا امرأة عريانة ناقضة شعرها، فقالت: نذرت أن أحجّ عريانة ناقضة شعري، فقال: مرها فلتلبس ثيابها ولتهرق دمًا". وأورد (٤) من طريق الحسن عن عمران رفعه: "إذا نذر أحدكم أن يحجّ ماشيًا فليهد هديًا وليركب"، وفي سنده انقطاع. وقد استدل بهذه الأحاديث على صحة النذر بإتيان البيت الحرام لغير حجّ ولا عمرة. وعن أبي حنيفة (٥): إذا لم ينو حجًا، ولا عمرة، لم ينعقد، ثم إنَّ نذره راكبًا لزمه، فلو مشى؛ لزم دم لتوفر مؤنة الركوب، وإن نذر ماشيًا لزمه من حيث أحرم إلى أن ينتهي الحجّ أو العمرة، ووافقه صاحباه، فإن ركب لعذر أجزأه ولزم دم. وفي أحد القولين عن الشافعي (٦) مثله. واختلف هل يلزمه بدنة أو شاة؟ وإن ركب بلا عذر لزمه الدم.

стр. 7600

وعن المالكية (١) في العاجز: يرجع من قابل، فيمشي ما ركب، إلا أن يعجز مطلقًا، فيلزمه الهدي. وعن عبد الله بن الزبير: لا يلزمه شيء مطلقًا. قال القرطبي (٢): زيادة الأمر بالهدي رواتها ثقات. وعن الهادوية (٣): أنه لا يجوز الركوب مع القدرة على المشي، فإذا عجز جاز الركوب ولزمه دم، قالوا: لأن الرواية وإن جاءت مطلقة، فقد قيدت برواية العجز، ولا يخفى ما في أكثر هذه التفاصيل من المخالفة لصريح الدليل. ويردُّ قول من قال بأنه لا كفارة مع العجز، وتلزم مع عدمه ما وقع في حديث عكرمة عن ابن عباس (٤)، وفي الرواية التي بعده فإنهما مصرّحان بوجوب الهدي مع ذكر ما يدلّ على العجز من الضعف وعدم الطاقة، والرجل المذكور في حديث: "أنه يهادى بين ابنيه" (٥)، قيل: هو أبو إسرائيل المذكور في الباب الأوّل، روي ذلك عن الخطيب، حكى ذلك عنه مغلطاي (٦). قال الحافظ (٧): وهو تركيب منه، وإنما ذكر الخطيب ذلك في رجل آخر مذكور في حديث لابن عباس. [الباب الرابع] بابُ مَنْ نَذَرَ وهُوَ مُشْرِكٌ ثُمَّ أسلَمَ أَو نَذَرَ ذَبْحًا في مَوْضِعٍ معيَّنٍ ١٧/ ٣٨٥٩ - (عَنْ عُمَرَ قالَ: نَذَرْتُ نَذْرًا فِي الجاهِلِيَّةِ، فَسألْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَما أسْلَمْتُ، فأمَرَنِي أنْ أُوفِيَ بِنَذْرِي. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٨). [صحيح]

стр. 7601

١٨/ ٣٨٦٠ - (وَعَنْ كَرْدَمِ بْنِ سُفْيانَ: أنهُ سألَ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ نَذْرٍ نَذَرَهُ فِي الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ لَهُ: "ألِوَثَنٍ أوْ لِنُصُبٍ؟ "، قالَ: لا، وَلَكِنْ لله، فَقالَ: "أوْفِ لله ما جَعَلْتَ لَهُ، انحِرْ على بُوَانَةَ وأوْفِ بِنَذْرِكَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [صحيح لغيره] ١٩/ ٣٨٦١ - (وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ كَرْدَمٍ قالَتْ: كُنْتُ رِدْفَ أبي فَسَمِعْتُهُ يَسألُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ الله إنى نَذَرْتُ أنْ أنحَرَ بِبُوَانَةَ، قالَ: "أبِهَا وَثَنٌ أوْ طاغِيَة؟ "، قالَ: لا، قالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَابْنُ ماجَهْ (٣). [صحيح] وفِي لَفْظٍ لأحْمَدَ (٤): إني نَذَرْتُ أنْ أنحَرَ عَدَدًا مِنَ الغَنَمِ … وَذَكَرَ مَعْناهُ. [صحيح] وَفِيه دِلالَةٌ على جَوازِ نَحْرِ ما يُذْبَحُ). ٢٠/ ٣٨٦٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّهِ أن امْرأة قالَتْ: يا رَسُولَ الله إني نَذَرْتُ أنْ أنحَرَ بمَكانِ كَذَا وكَذَا، مَكانٌ كانَ يَذْبَحُ فِيهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، قالَ: "لِصَنَمٍ! "، قالَتْ: لا، قالَ: "لِوثَنٍ"، قالَتْ: لا، قالَ: "أوْفِي بِنَذْرِكِ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٥). [حسن]

стр. 7602

حديث عمر رجال إسناده في سنن ابن ماجه (١) رجال الصحيح. وهذا اللفظ لعله أحد روايات حديثه الصحيح المتفق عليه (٢) بلفظ أنه قال: "قلت: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: "أوف بنذرك". وزاد البخاري (٣) في رواية: "فاعتكف". وحديث ميمونة بنت كردم رجال إسناده في سنن ابن ماجه (٤) رجال الصحيح، وعبد الله بن عبد الرحمن الطائفي قد أخرج له مسلم، وقال فيه يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم (٥): ليس بالقويّ، وقال في التقريب (٦): صدوق يخطئ. وقد أخرجه ابن ماجه (٧) من طريق أخرى من حديث ابن عباس. وبقية أحاديث الباب قد تقدم تخريج بعضها في باب ما جاء في نذر المباح، عند ذكر المصنف ﵀ لحديث ثابت بن الضحاك (٨) الذي بمعناها هنالك. وفي حديث عمر دليل على أنه يجب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم،

стр. 7603

وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي (١). وعند الجمهور (٢): لا ينعقد النذر من الكافر، وحديث عمر حجة عليهم. وقد أجابوا عنه: بأنَّ النبيّ ﷺ لما عرف أن عمر قد تبرّع بفعل ذلك، أذن له به، لأن الاعتكاف طاعة، ولا يخفى ما في هذا الجواب من مخالفة الصواب. وأجاب بعضهم: بأنه ﷺ أمره بالوفاء استحبابًا لا وجوبًا؛ ويردُّ بأن هذا الجواب لا يصلح لمن ادعى عدم الانعقاد. وقد تقدم الكلام على حديث عمر في باب الاعتكاف (٣). قوله: (كردم) بفتح الكاف والدال. وفيه دليل: على أنه يجب الوفاء بالنذر في المكان المعين إذا لم يكن في التعيين معصيةٌ، ولا مفسدة، من اعتقاد تعظيم جاهلية، أو نحوه، وبوانة: قد تقدم ضبطه وتفسيره. قوله: (قال: "لصنم؟ "، قالت: لا، قال: "لوثن؟ ")، قال في النهاية (٤): الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ماله جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل، وتنصب، فتعبد. والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرّق بينهما، وأطلقهما على المعنيين. وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عديّ بن حاتم: "قدمت على النبيّ ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "ألق هذا الوثن عنك"" (٥). انتهى.

стр. 7604

[الباب الخامس] بابُ ما يُذكرُ فيمن نذرَ الصَّدَقةَ بمالهِ كلِّهِ ٢١/ ٣٨٦٣ - (عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أَنْخلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلى الله وَرَسُولِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قالَ: قُلْتُ: إني أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (١). [صحيح] وفِي لَفْظٍ قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتِي إلى الله أنْ أخْرُجَ مِنْ مالي كُلِّهِ إلى الله وَرَسُولِهِ صَدَقَةً؟ قالَ: "لا"، قُلْتُ: فَنِصْفُهُ؟ قالَ: "لا"، قُلْتُ: فَثُلُثُهُ؟ قالَ: "نَعَمَ"، قُلْتُ: فإني سأمْسِكُ سَهْمِي مِنْ خَيْبَرَ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٢). [إسناده حسن] ٢٢/ ٣٨٦٤ - (وَعَنِ الحُسَيْنِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ أبي لُبابَةَ أن أبا لُبابَةَ بْنَ عَبْدِ المُنْذِرِ لَمَّا تابَ الله عَلَيْهِ قال: يا رَسُولَ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دَارَ قَوْمِي وأُساكِنَكَ، وأنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لله وَلرَسُولِهِ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ :

стр. 7605

"يُجْزِي عَنْكَ الثُّلُثُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [حسن] رواية أبي داود في إسنادها محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف. وحديث أبي لبابة أورده الحافظ في الفتح (٢)، وعزاه إلى أحمد (٣) وأبي داود (٤) وسكت عنه. وأخرج أبو داود (٥) من طريق ابن أبي عيينة عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبيّ ﷺ … فذكر الحديث، وفيه: "وأن أنخلع من مالي كله صدقة، [قال] (٦): "يجزي عنه الثلث"". قوله: (أن أنخلع) بنون وخاء معجمة: أي أعْرَى من مالي كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه. وقد اختلف السلف فيمن نذر أن يتصدّق بجميع ماله على عشرة مذاهب: (الأول): أنه يلزمه الثلث فقط لهذا الحديث، قاله مالك (٧)؛ ونوزع في أنَّ كعب بن مالك لم يصرّح بلفظ النذر ولا بمعناه، بل يحتمل أنه نَجَّزَ النذر، ويحتمل أن يكون أراده فاستأذن، والانخلاع الذي ذكره ليس بظاهر في صدور النذر منه، وإنما الظاهر: أنه أراد أن يؤكد أمر توبته بالتصدّق بجميع ما يملك شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليه. قال ابن المنير (٨): لم يبتت كعب الانخلاع، بل استشار هل يفعل أم لا؟. قال الحافظ (٩): ويحتمل أن يكون استفهم وحذفت أداة الاستفهام. ومن ثم

стр. 7606

كان الراجح عند الكثير من العلماء وجوب الوفاء ممن التزم أن يتصدّق بجميع ماله إذا كان على سبيل القربة. وقيل: إن كان مليًا لزمه، وإن كان فقيرًا فعليه كفارة يمين، وهذا قول الليث (١)، ووافقه ابن وهب (٢) وزاد: وإن كان متوسطًا يخرج قدر زكاة ماله. (والأخير) عن أبي حنيفة (٣) بغير تفصيل وهو قول ربيعة (٤). وعن الشعبي (٥) وابن أبي ليلى (٥): لا يلزمه شيء أصلًا. وعن قتادة (٦): يلزم الغنيّ العشر، والمتوسط السبع، والمملق الخمس. وقيل: يلزم الكل إلا في نذر اللجاج فكفارة يمين. وعن سحنون: يلزمه أن يخرج ما لا يضرّ به. وعن الثوري (٧) والأوزاعي (٨) وجماعة: يلزمه كفارة يمين بغير تفصيل. وعن النخعي (٩) يلزمه الكلّ بغير تفصيل. وإذا تقرّر ذلك فقد دلّ حديث كعب أنه يشرع لمن أراد التصدّق بجميع ماله أن يمسك بعضه ولا يلزم من ذلك أنه لو نجزه لم ينفذ. وقيل: إن التصدّق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال، فمن كان قويًا على ذلك يعلم من نفسه الصبر لم يُمنع، وعليه يُتَنَزَّل فعل أبي بكر الصديق وإيثار الأنصار على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن لم يكن كذلك فلا، وعليه يُتَنَزَّل: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" (١٠)، وفي لفظ: "أفضل الصدقة ما كان

стр. 7607

عن ظهر غنى" (١). [الباب السادس] بابُ ما يُجزِي مَنْ عليهِ عِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ بِنَذْرٍ أَو غيرِهِ ٢٣/ ٣٨٦٥ - (عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ: أنَّهُ جاءَ بِأمَةٍ سَوْدَاءَ، فَقالَ: يَا رَسُولَ الله إنَّ عَلَيَّ عِتْقَ رَقَبَةٍ مُومِنَةٍ، فإنْ كُنْتَ تَرَى هَذِهِ مُؤْمِنَةً أعْتَقْتُها، فَقالَ لها رَسُولُ الله ﷺ : "أتَشْهَدِينَ أنْ لا إلَهَ إِلَّا الله؟ "، قالَتْ: نَعَمْ، قال: "أتشْهَدِينَ أني رَسُولُ الله؟ "، قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: "أتُؤْمِنِينَ بالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ؟ "، قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: "فأعْتِقْها") (٢). [صحيح] ٢٤/ ٣٨٦٦ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ بِجارِيةٍ سَوْدَاءَ أعْجَمِيَّة فَقالَ: يا رَسولَ الله إنَّ عَليَّ عِتْقَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة، فَقالَ لَها رَسُولُ الله ﷺ : "أَيْنَ الله؟ "، فأشارَتْ إلى السَّماءِ بِأُصْبُعِها السبابة، فقالَ لَها: "مَنْ أنا؟ "، فأشارَتْ بِأُصْبُعِها إلى رَسُولِ الله ﷺ وَإلى السَّماءِ: أيْ أنْتَ رَسُولُ الله، فَقالَ: "أعْتِقْها" رَوَاهُمَا أحْمَدُ) (٣). [ضعيف] حديث عبيد الله بن عبد الله: رواه أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن رجل من الأنصار، وهذا إسنادٌ رجاله

стр. 7608

أئمة، وجهالة الصحابي مغتفرة، كما تقرّر في الأصول (١). وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا أبو داود (٢) من حديث عون بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة "أن رجلًا أتى النبيّ ﷺ بجارية سوداء … " الحديث. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣) من حديث عون بن عبد الله بن عتبة، حدثني أبي عن جدي … فذكره. وفي اللفظ مخالفة كثيرة، وسياق أبي داود (٢) أقرب إلى السياق الذي في الباب. وروى نحوه أحمد (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) وابن حبان (٧) من حديث الشّريد بن سويد. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٨) من طريق ابن أبي ليلى عن المنهال والحكم عن سعيد عن ابن عباس بنحو حديث أبي هريرة المذكور في الباب. ومن ذلك حديث معاوية بن الحكم السلمي (٩) المشهور.

стр. 7609

قوله: (إن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها) إلى آخر ما في الحديثين، استُدِلَّ بالحديثين: على أنه لا يجزئ في كفارة اليمين إلا رقبة مؤمنة، وإن كانت الآية الواردة في كفارة اليمين لم تدلّ على ذلك، لأنه قال تعالى: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١)، بخلاف آية كفارة القتل فإنها قيدت بالإيمان. قال ابن بطال (٢): حمل الجمهور ومنهم: الأوزاعي (٣) ومالك (٤) والشافعي (٥) وأحمد (٦) وإسحاق المطلق على المقيد، كما حملوا المطلق في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٧) على المقيد في قوله [تعالى] (٨): ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٩). وخالف الكوفيون (١٠) فقالوا: يجوز إعتاق الكافر، ووافقهم أبو ثور (١١)، وابن المنذر (١٢) واحتجّ له في كتابه الكبير بأن كفارة القتل مغلظة بخلاف كفارة اليمين. ومما يؤيد القول الأوّل أن المعتق للرقبة المؤمنة آخذ بالأحوط، بخلاف المكفر بغير المؤمنة فإنه في شكّ من براءة الذمة. [الباب السابع] بابُ أن مَنْ نَذرَ الصلاةَ في المسجدِ الأقصَى أجزأَهُ أَنْ يُصَلِّي في مسجدِ مكَّةَ والمدينةِ ٢٥/ ٣٨٦٧ - (عَنْ جابِرِ أنَّ رَجُلًا قالَ يَوْمَ الفَتْحِ: يا رَسُولَ الله إني نَذَرْتُ إنْ فَتَحَ الله عَلَيْكَ مَكَّةَ أنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقالَ: "صَلّ ها هُنا"، فَسألَهُ فَقال:

стр. 7610

"صَلّ ها هُنا"، فَسَألَهُ فَقالَ: "شأنَكَ إذَنْ" رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢). [صحيح] وَلهُما عَنْ بَعْضِ أصحَابِ النَّبِيّ ﷺ بَهَذَا الخَبَرِ، وَزَادَ: فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بالحَقّ لَوْ صَلَّيْتَ ها هُنا لَقَضَى عَنْكَ ذلكَ كُلَّ صَلاةٍ في بَيْتِ المَقْدِسِ") (٣). [إسناده ضعيف] ٢٦/ ٣٨٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أنَّ امْرأةً شَكَتْ شَكْوَى فَقالَتْ: إنْ شَفانِي الله [فَلأَخْرُجَنَّ] (٤) فلأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، فَبَرأتْ ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الخُرُوجَ. فَجاءَتْ مَيْمُونَةُ تُسَلِّمُ عَلَيْها، فأخبَرَتْها بِذَلِكَ، فَقالَتْ: اجْلِسِي فَكُلِي ما صَنَعْتِ وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، فإني سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "صَلاةٌ فِيهِ أفضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِوَاهُ مِنَ المَساجِدِ إلَّا مَسْجِدَ الكَعْبَةِ"، روَاهُ أحْمَدُ (٥) وَمُسْلِمٌ) (٦). [صحيح] ٢٧/ ٣٨٦٩ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي خَيْرٌ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِوَاهُ إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا أبا دَاوُدَ (٧). [صحيح]

стр. 7611

ولأحْمَدَ (١) وأبي دَاوُدَ (٢) مِنْ حَديثِ جابِرٍ مِثْلُهُ، وَزَادَ: "وَصَلاةٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ أفضَلُ مِنْ مِائَةِ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ". [صحيح] وكَذَلِكَ لأحْمَد (٣) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ. وَزَادَ: "وَصَلاةٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ أفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلاةٍ فِي هَذَا"). [صحيح] ٢٨/ ٣٨٧٠ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تُشَدُّ الرّحالُ إلَّا إلى ثَلاثةِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الأقْصَى"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] وَلِمُسْلِمٍ (٥) فِي رِوَايَةٍ: "إنَّمَا يُسافَرُ إلى ثَلاثةِ مَساجِدَ". [صحيح] حديث جابر أخرجه أيضًا البيهقي (٦) والحاكم (٧) وصححه، وصححه أيضًا ابن دقيق العيد في الاقتراح (٨).

стр. 7612

وحديث بعض أصحاب النبيّ ﷺ سكت عنه أبو داود (١) والمنذري (٢)، وله طرق رجال بعضها ثقات. وقد تقرّر أن جهالة الصحابي لا تضرّ. وقيل: إنه روي الحديث عن عبد الرحمن بن عوف وعن رجال من أصحاب النبيّ (٣) ﷺ . وحديث جابر الآخر رواه أحمد (٤) من حديث أحمد بن عبد الملك: حدثنا [عبيد الله بن عمرو] (٥) عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن جابر رفعه: "صلاةٌ في مسجدي هذا، أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه". قال الحافظ (٦): وإسناده صحيح، إلا أنَّه اختلف فيه على عطاء. وحديث عبد الله بن الزبير أخرجه أيضًا ابن حبان (٧) والبيهقي (٨)، ولفظه: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي". وفي الباب عن جابر أيضًا عند ابن عديّ (٩) بلفظ: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة"، وإسناده ضعيف لأنه من حديث يحيى بن أبي حية عن عثمان بن الأسود عن مجاهد عن جابر.

стр. 7613

وفي الباب أيضًا من حديث أبي الدرداء مرفوعًا عند الطبراني في الكبير (١): "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة". وعن أبي ذرّ عند الدارقطني في العلل (٢) والحاكم في المستدرك (٣): "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات في بيت المقدس". وعند ابن ماجه (٤) من حديث ميمونة بنت سعد "بأن الصلاة في بيت المقدس كألف صلاة في غيره". وروى ابن ماجه (٥) من حديث أنس: "فصلاة في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة"، وإسناده ضعيف. وروى ابن عبد البرّ في التمهيد (٦) من حديث الأرقم: "صلاة هنا خير من ألف صلاة ثم"، يعني بيت المقدس. قال ابن عبد البرّ: هذا حديث ثابت. وحديث أبي هريرة الآخر هو أيضًا متفق عليه (٧) من حديث أبي سعيد الخدري وغيره. قوله: (صلّ ههنا) فيه دليل: على أنَّ من نذر بصلاةٍ أو صدقةٍ، أو نحوها في مكان ليس بأفضل من مكان الناذر، فإنَّه لا يجب عليه الوفاء بإيقاع المنذور به في ذلك المكان، بل يكون الوفاء بالفعل في مكان الناذر. وقد تقدم أنه ﷺ أمر الناذر بأن ينحر ببوانة أنَّه يفي بنذره بعد أن سأله: هل كانت كذا، هل كانت كذا؟ فدلَّ ذلك: على أنَّه يتعين مكان النذر ما لم يكن معصية.

стр. 7614

ولعلّ الجمع ما هنا وما هناك أن المكان لا يتعين حتمًا، بل يجوز فعل المنذور به في غيره، فيكون ما هنا بيانًا للجواز. ويمكن الجمع بأنه يتعين مكان النذر إذا كان مساويًا للمكان الذي فيه الناذر أو أفضل منه، لا إذا كان المكان الذي فيه الناذر فوقه في الفضيلة، ويشعر بهذا ما في حديث ميمونة (١) من تعليل ما أفتت به ببيان أفضلية المكان الذي فيه الناذرة في الشيء المنذور به وهو الصلاة. قوله: (إلا المسجد الحرام) هذا فيه دليل: على أفضلية الصلاة في مسجده ﷺ على غيره من المساجد إلا المسجد الحرام فإنه استثناه فاقتضى ذلك أنه ليس بمفضول بالنسبة إلى مسجده ﷺ . ويمكن أن يكون مساويًا أو أفضل، وسائر الأحاديث دلت على أنه أفضل باعتبار الصلاة فيه بذلك المقدار. قوله: (لا تشدّ الرحال … إلخ) فيه دليل: على أنه يتعين مكان النذر إذا كان أحد الثلاثة المذكورة. وقد ذهب إلى ذلك مالك (٢) والشافعي (٣). وقال أبو حنيفة (٤): لا يلزم وله أن يصلي في أيّ محلّ شاء، وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا كان بحجّ أو عمرة، وما عدا الأمكنة الثلاثة فلا يتعين مكانًا للنذر ولا يجب الوفاء عند الجمهور (٥). وقد تمسك بهذا الحديث من منع السفر وشدّ الرحل إلى غيرها من غير فرق بين جميع البقاع، وقد وقع لحفيد المصنف في ذلك وقائع بينه وبين أهل عصره لا يتسع المقام لبسطها.

стр. 7615

[الباب الثامن] باب قَضَاءِ كلِّ المَنْذُورَاتِ عَنِ المَيِّتِ ٢٩/ ٣٨٧١ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاس: أن سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ الله ﷺ فَقالَ: إنَّ أمِّي ماتَتْ وَعَلَيْها نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اقْضِهِ عَنْها" رَوَاهُ أبُو دَاودَ (١) وَالنَّسائيُّ (٢) وَهُوَ على شَرْطِ الصَّحِيحِ. [صحيح] قالَ البُخارِيُّ (٣): وأمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرأةً جَعَلَتْ أُمُّها على نَفْسِها صَلاةً بِقُباءَ - يَعْنِي ثُمَّ ماتَتْ -، فَقالَ: صَلِّي عَنْها. [موقوف ضعيف] قالَ: وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ) (٤) [موقوف صحيح]

стр. 7616

حديث ابن عباس في قصة سعد بن عبادة أصله في الصحيحين (١). وقول ابن عباس الذي أشار البخاري بأنه نحو ما قاله ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة (٢) بسند صحيح: "أن امرأة جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها. وجاء عن ابن عمر وابن عباس خلاف ذلك، فقال مالك في الموطإ (٣): إنه بلغه أن عبد الله بن عمرو كان يقول: لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد. وأخرج النسائي (٤) من طريق أيوب بن موسى عن ابن أبي رباح عن ابن عباس قال: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد". أورده ابن عبد البرّ (٥) من طريقه موقوفًا، ثم قال: والنقل في هذا عن ابن عباس مضطرب. قال الحافظ (٦): ويمكن الجمع بحمل الإثبات في حقّ من مات والنفي في حقّ الحيّ. قال (٧): ثم وجدت عن ابن عباس ما يدلّ على تخصيصه في حقّ الميت بما إذا مات وعليه شيء واجب، فعند ابن أبي شيبة (٨) بسند صحيح: سئل ابن عباس عن رجل مات وعليه نذر فقال: يصام عنه النذر. وقال ابن المنير (٩): يحتمل أن يكون ابن عمر أراد بقوله صلي عنها العمل

стр. 7617

بقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، فعدّ منها الولد" (١)، لأن الولد من كسبه فأعماله الصالحة مكتوبة للوالد من غير أن ينقص من أجره، فمعنى: صلّي عنها، أن صلاتك مكتتبة لها ولو كنت إنما تنوي عن نفسك. كذا قال، ولا يخفى تكلفه. وحاصل كلامه تخصيص الجواز بالولد، وإلى ذلك ذهب ابن وهب، وأبو مصعب من أصحاب الإمام مالك. وفيه تعقب على ابن بطال (٢) حيث نقل الإجماع: أنه لا يصلي أحد عن أحد فرضًا ولا سنة لا عن حيّ ولا عن ميت. ونقل عن المهلب (٣) أن ذلك لو جاز لجاز في جميع العبادات البدنية، ولكان الشارع أحقّ بذلك أن يفعله عن أبويه. ولما نهى عن الاستغفار لعمه، ولبطل معني قوله: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ (٤). قال الحافظ (٥): وجميع ما قاله لا يخفى وجه تعقبه، خصوصًا ما ذكره في حق الشارع ﷺ ، وأما الآية فعمومها مخصوص اتفاقًا. وقد ذهب ابن حزم (٦) ومن وافقه إلى أن الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورّثه في جميع الحالات. واختلف في تعيين نذر أم سعد؛ فقيل: كان صومًا لما رواه مسلم البطين

стр. 7618

عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "جاء رجل فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم … " الحديث (١). وأجيب بأنه لم يكن فيه أن الرجل سعد. وقال ابن عبد البرّ (٢): كان عتقًا واستدلّ بما أخرجه من طريق القاسم بن محمد أن سعد بن عبادة قال: "يا رسول الله إن أمي ماتت، فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال: "نعم" (٣). وقيل: كان صدقة، لما رواه في الموطإ (٤) وغيره: "أن سعدًا خرج مع النبيّ ﷺ فقيل لأمه: أوصي، قالت: المال مال سعد، فتوفيت قبل أن يقدم، فقال: يا رسول الله هل ينفعها أن أتصدّق عنها؟ قال: "نعم". وليس في هذا والذي قبله أنها نذرت. قال عياض (٥): والذي يظهر أنه كان نذرها في مالٍ أو مبهمًا. وظاهر حديث الباب أنه كان معينًا عند سعد.

стр. 7619

وفي الحديث قضاء الحقوق الواجبة عن الميت، وقد ذهب الجمهور (١) إلى أن من مات وعليه نذر مالي فإنه يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوص إلا إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث، وشرط المالكية (٢) والحنفية (٣) أن يوصي بذلك مطلقًا.

стр. 7620

[الكتاب السادس والأربعون] كتاب الأقضية والأحكام [الباب الأول] بَابُ وُجُوبِ نصْبِ ولايةِ القضاءِ والإمارَةِ وغيرِهمَا ١/ ٣٨٧٢ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَا يحِلُّ لِثَلاثةٍ يَكُونُونَ بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ إلَّا أمَّروا عَلَيْهِمْ أحَدَهُمْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [صحيح لغيره] ٢/ ٣٨٧٣ - (وَعَنْ أبي سعِيدٍ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي فَلْيُؤَمِّروا عَلَيْهِمْ أحَدَهُمْ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢). [أحسن] وَلَهُ (٣) مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ). [أحسن] حديث عبد الله بن عمرو، وحديث أبي سعيد قد أخرج نحوهما البزار (٤)

стр. 7621

بإسناد صحيح من حديث عمر بن الخطاب بلفظ: "إذا كنتم ثلاثةً في سفر فأمِّروا أحدكم، ذاك أمير أمّره رسول الله ﷺ ". وأخرج البزار (١) أيضًا بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا بلفظ: "إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم". وأخرجه بهذا اللفظ الطبراني (٢) من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح. وهذه الأحاديث يشهد بعضها لبعض. وقد سكت أبو داود (٣) والمنذري (٤) عن حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، وكلاهما رجالهما رجال الصحيح إلا عليّ بن بحر وهو ثقة. ولفظ حديث أبي هريرة: "إذا [خرج] (٥) ثلاثةٌ في سفرٍ فليؤمروا أحدهم". وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدّي إلى التلاف، فمع عدم التأمير يستبدّ كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقلّ الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى. وفي ذلك دليل لقول من قال: إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة، والولاة، والحكام. وقد ذهب الأكثر (٦) إلى أن الإمامة واجبة، لكنهم اختلفوا: هل الوجوب

стр. 7622

عقلًا أو شرعًا؟ فعند العترة (١) وأكثر المعتزلة (٢) والأشعرية (٣): تجب شرعًا. وعند الإمامية (٤): تجب عقلًا فقط. وعند الجاحظ (٥) والبلخي (٦) والحسن البصري (٦): تجب عقلًا وشرعًا. وعند ضرار (٧) والأصم (٨) وهشام الفوطي (٩) والنجدات (١٠): لا تجب.

стр. 7623

[الباب الثاني] بابُ كَرَاهِيَةِ الحِرْصِ على الولايةِ وطَلَبِهَا ٣/ ٣٨٧٤ - (عَنْ أبي مُوسَى قالَ: دَخَلْتُ على النَّبِيِّ ﷺ أنا وَرَجُلانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقالَ أحَدُهُما: يا رَسُول الله أمِّرْنا على بَعْضِ ما وَلَّاكَ الله ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذلك، فَقالَ: "إنَّا وَالله لا نُوَلِّي هَذَا العَمَلَ أحَدًا يَسألُهُ أوْ أحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ") (١). [صحيح] ٤/ ٣٨٧٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ لا تَسألِ الإمارَةَ، فإنَّكَ إنْ أُعْطِيَتها عَنْ غَيْرِ مَسألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها، وَإنْ أُعْطِيتَها عَنْ مَسألةٍ وُكِلْتَ إلَيْها"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما) (٢). [صحيح] ٥/ ٣٨٧٦ - (وَعَنْ أنَسِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سأل القَضَاءَ وُكِلَ إلى نَفْسِهِ، وَمَنْ جُبِرَ عَلَيْهِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدّدُهُ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ) (٣). [ضعيف]

стр. 7624

٦/ ٣٨٧٧ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إنَّكُمْ سَتَحْرِصونَ على الإِمارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الفاطِمَةُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) والْبُخَارِيُّ (٢) وَالنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] ٧/ ٣٨٧٨ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ المُسْلِمينَ حتَّى ينالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ"، روَاهُ أبُو دَاوُدَ (٤). [ضعيف] وَقَدْ حُمِلَ على ما إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ). حديث أنس أخرجه أيضًا الطبراني في الأوسط (٥) من رواية عبد الأعلى التغلبي عن بلال بن أبي بردة الأشعري عن أنس مرفوعًا بلفظ: "من طلب القضاء واستعان عليه وكل إلى نفسه، ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكًا يسدّده". قال: لا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد تفرّد به عبد الأعلى.
следующие страницы →