← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 900–939 · переход к 905.

стр. 900

احتج الأولون بحديث الباب، وبالرواية الأخرى الآتية المتفق عليها من حديث عمار (١)، وأجابوا عن الأحاديث القاضية بالضربتين بما فيها من المقال المشهور. واحتج أهل القول الثاني: بحديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"، أخرجه الدارقطني (٢) والحاكم (٣) والبيهقي (٤)، وفي إسناده علي بن ظبيان (٥). قال الدارقطني (٢): [وقفه] (٦) يحيى القطان وهشيم وغيرهما. قال الحافظ (٧): هو ضعيف ضعفه القطان وابن معين وغير واحد. وقد روي أيضًا من طريق ابن عمر (٨) مرفوعًا بلفظ: "تيممنا مع النبي ﷺ ضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى فمسحنا من المرافق إلى الكف"، وفيه سليمان بن أرقم وهو متروك (٩).

стр. 901

وروي أيضًا عن ابن عمر (١) مرفوعًا من وجه آخر بلفظ حديث ابن ظبيان، قال أبو زرعة: حديث باطل. ورواه الدارقطني (٢) والحاكم (٣) من حديث جابر، وفيه عثمان بن محمد وهو متكلم فيه قاله ابن الجوزي (٤). قال الحافظ (٥): "وأخطأ في ذلك. قال ابن دقيق العيد: لم يتكلم فيه أحد، نعم روايته شاذة". قال الدراقطني (٢) بعد رواية حديث جابر: كلهم ثقات والصواب موقوف. وفي الباب عن الأسلع بن شريك رواه الطبراني (٦) والدارقطني (٧)، وفيه الربيع بن بدر (٨) وهو ضعيف.

стр. 902

وعن أبي أمامة رواه الطبراني (١)، قال الحافظ (٢): وإسناده ضعيف. وعن عائشة مرفوعًا رواه البزار (٣) وابن عديّ (٤)، وقد تفرّد به الحريش بن الخِرِّيت (٥) ولا يحتجّ بحديثه، قال أبو حاتم: حديثه منكر. وعن عمار رواه البزار (٦)، وقد عرفت أن أحاديثه الصحاح ضربة واحدة. وفي الباب أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "إنه ﷺ تيمم بضربتين مسح بإحداهما وجهه"، رواه أبو داود (٧) بسند ضعيف لأن مداره على محمد بن ثابت (٨) وقد

стр. 903

ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وأحمد. قال أبو داود (١): لم يتابع محمد بن ثابت أحد. وبهذا يتبين لك أن أحاديث الضربتين لا تخلو جميع طرقها من مقال (٢)، ولو صحت لكان الأخذ بها [متعينًا] (٣) لما فيها من الزيادة، فالحقّ الوقوف على ما ثبت في الصحيحين (٤) من حديث عمار من الاقتصار على ضربة واحدة حتى تصحّ الزيادة على ذلك المقدار. وأما أهل القول الثالث فلم أقف لهم على ما يصلح متمسكًا للوجوب بل قال الإمام يحيى: إنه لا دليل يدلّ على ندبية التثليث في التيمم، وقوّى ذلك الإمام المهدي والأمر كذلك. ١١/ ٣٦٤ - (وَعَنْ عَمَّارٍ [رضي الله تعالى عنه] (٥) قالَ: " [أجْنَبْتُ] (٦) فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ، فَتَمَعَّكْتُ فِي الصَّعِيدِ وَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذلكَ للنَّبِيِّ ﷺ ، فقالَ: "إنمَا كانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا"، وَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأرْضَ وَنَفَخَ فِيهِما ثُمَّ مَسَحَ بِهِما وَجْهَهُ وكَفَّيْهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). وفي لَفْظٍ: "إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أنْ تَضْرِبَ بِكَفَيكَ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِما، ثمَّ تَمْسَحَ بِهما وَجْهَكَ وكَفيكَ إلى الرُّصْغَينِ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) (٨). [صحيح] قوله: (فتمعكت)، وفي رواية: "فتمرّغت"، أي تقلبت. قوله: (إنما كان يكفيك)، فيه دليل على أن الواجب في التيمم هي الصفة المذكورة في هذا الحديث.

стр. 904

قوله: (وضرب بكفيه) المذكور في هذا الحديث ضربة واحدة، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك في الحديث الذي قبل هذا. قوله: (ثم مسح بهما وجهه وكفيه) فيه دليل لمذهب من قال: إنه يقتصر في مسح اليدين على الكفين، وإليه ذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد (١) وإسحاق وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث، هكذا في شرح مسلم (٢). وذهب عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد الله بن عمر وسفيان الثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحاب الرأي وآخرون إلى أن الواجب المسح إلى المرفقين، رواه النووي في شرح مسلم (٣). ورواه في البحر (٤) أيضًا عن الهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبي طالب والفريقين وذهب الزهري إلى أنه يجب المسح إلى الإبطين. قال الخطابي (٥): لم يختلف أحد من العلماء في أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين. احتج الأوّلون بحديث الباب. واحتج أهل القول الثاني: بحديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"، وقد تقدم (٦) عدم انتهاضه للاحتجاج من هذا الوجه ومن غيره. واحتجوا بالقياس على الوضوء وهو فاسد الاعتبار. واحتج الزهري بما ورد في بعض روايات حديث عمار عند أبي داود (٧) بلفظ: إلى الآباط، وأجيب بأنه منسوخ كما قال الشافعي (٨). واحتجّ أيضًا بان

стр. 905

ذلك حد اليد لغة. وأجيب بأنه قصرها الخبر وإجماع الصحابة على بعض حدها لغة. قال الحافظ في الفتح (١): وما أحسن ما قال: "إن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصحّ منها سوى حديث أبي جُهيم (٢) وعمار (٣) وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جُهيم فورد بذكر اليدين مجملًا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع. وفي رواية إلى الآباط. فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال. وأما رواية الآباط فقال الشافعي (٤) وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار [كان] (٥) يفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد، انتهى. فالحقّ مع أهل المذهب الأول حتى يقوم دليل يجب المصير إليه، ولا شكّ أن الأحاديث المشتملة على الزيادة أولى بالقبول ولكن إذا كانت صالحة للاحتجاج بها. وليس في الباب شيء من ذلك. قوله: (وفي لفظ)، هذه الرواية ثبت عند البخاري (٦) معناها، ولفظه: "وضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه".

стр. 906

قوله: (إلى الرصغين) هما لغة في الرسغين وهما مفصل الكفين (١). قال المصنف (٢) بعد أن ساق الحديث: وفيه دليل على أن الترتيب في تيمم الجنب لا يجب، انتهى. [الباب التاسع] باب من تيمَّم في أول الوقت وصلَّى ثم وجد الماء في الوقت ١٢/ ٣٦٥ - (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ [رضي الله تعالى عنهم] (٣) قالَ: "خَرَجَ رَجُلانِ في سَفَرٍ فَحَضَرتِ الصَّلاةُ وَلَيْسَ مَعَهُما ماءٌ فَتَيَمَّما صَعِيدًا طيِّبًا فَصَلَّيا، ثُمَّ وَجَدَا المَاءَ فِي الوَقْتِ فأعادَ أحَدُهُما الوُضُوءَ وَالصَّلاةَ، ولَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أتَيا رَسُولَ الله ﷺ فَذَكَرَا ذلكَ لَهُ، فَقالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: "أصَبْتَ السُّنَّةَ وأجْزأتْكَ صَلاتُكَ"؛ وَقالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وأعادَ: "لَكَ الأجْرُ مَرَّتَينِ"، رَوَاه النَّسائي (٤) وأبُو دَاوُدَ (٥) وَهَذَا لَفْظُهُ؛ وَقَدْ رَوَياهُ أيْضًا عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا الدارمي (٦) والحاكم (٧)، ورواه الدارقطني (٨) موصولًا ثم قال: "تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث عن بكر بن سوادة عن عطاء عنه موصولًا، وخالفه ابن المبارك فأرسله". وكذا قال الطبراني في الأوسط (٩) لم يروه متصلا إلا عبد الله بن نافع. وقال موسى بن هارون: رفعه وهم من ابن نافع.

стр. 907

وقال أبو داود (١): رواه غيره (٢) عن الليث عن عَمِيرة عن بكر عن عطاء مرسلًا. قال: وذِكْر أبي سعيد فيه ليس بمحفوظ (٣). وقد رواه ابن السكن في صحيحه (٤) موصولًا من طريق أبي الوليد الطيالسي عن الليث عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية جميعًا عن بكر موصولًا. ورواه ابن لهيعة عن بكر فزاد بين عطاء وأبي سعيد أبا عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد الله وابن لهيعة ضعيف ولا يلتفت إلى زيادته، ولا تعل بها رواية الثقة عمرو بن الحارث ومعه عميرة بن أبي ناجية، وقد وثقه النَّسَائِي ويحيى بن بكير وابن حبان، وأثنى عليه أحمد بن صالح وابن يونس وأحمد بن سعيد بن أبي مرينم وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٥): "أن النبي ﷺ بال ثم تيمم، فقيل له: إن الماء قريب منك، قال: "فلعلي (٦) لا أبلغه". والحديث يدل على أن من صلَّى بالتيمم ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة [لا يجب] (٧) عليه الإعادة وإليه ذهب أبو حنيفة (٨) والشافعي (٩) ومالك (١٠)

стр. 908

وأحمد (١) والإمام يحيى. وقال الهادي والناصر والمؤيد بالله وأبو طالب (٢) وطاوس (٣) وعطاء (٤) والقاسم بن محمد بن أبي بكر (٥) ومكحول (٦) وابن سيرين (٧) والزهري (٨) وربيعة (٩) كما حكاه المنذري (١٠) وغيره إنها تجب الإعادة مع بقاء الوقت لتوجه الخطاب مع بقائه لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (١١) مع قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١٢)، فشرط في صحتها الوضوء وقد أمكن في وقتها. ولقوله: "فإذا وجد الماء فليتق الله [وليمسه] (١٣) بشرته" (١٤) الحديث، ورد [بأنه] (١٥) لا يتوجه الطلب بعد قوله: (أصبتَ السُّنةَ وأجزأتكَ صلاتُكَ)، وإطلاق قوله: (فإذا وجد الماء) مقيد بحديث الباب. ويؤيد القول بعدم وجوب الإعادة حديث: "لا تصلوا صلاة في يوم مرّتين" عند أحمد (١٦) وأبي داود (١٧) والنسائي (١٨) وابن حبان (١٩)، وصححه ابن السكن؛

стр. 909

ويجاب عنه بأنهما عند القائل بوجوب الإعادة صلاة واحدة لأن الأول قد فسد بوجود الماء فلا يرد ذلك عليه. وما قيل: من تأويل الحديث بأنهما وجدا بعد الوقت فتعسف يخالف ما صرح به الحديث من أنهما وجدا ذلك في الوقت. وأما إذا وجد الماء قبل الصلاة بعد التيمم وجب الوضوء عند العترة (١) والفقهاء. وقال داود [وأبو سلمة] (٢) ابن عبد الرحمن (٣): لا يجب لقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم﴾ (٤). وأما إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة قبل الفراغ منها فإنه يجب عليه الخروج من الصلاة وإعادتها بالوضوء عند الهادي والناصر والمؤيد بالله وأبي طالب وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري والمزني وابن سريج (٥). وقال

стр. 910

مالك وداود (١): لا يجب عليه الخروج بل يحرم والصلاة صحيحة، وسيأتي الكلام عليه. قوله: (أصبت السنة) أي الشريعة الواجبة. قوله: (وأجزأتك صلاتك) أي كفتك عن القضاء، والإجزاء عبارة عن كون الفعل مسقطًا للإعادة. [الباب العاشر] باب بطلان التيمم بوجدان الماء في الصلاة وغيرها ١٣/ ٣٦٦ - (عَنْ أبي ذَرّ [رضي الله تعالى عنه] (٢) أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إنَّ الصَّعِيدَ الطيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ وَإنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيَمَسَّهُ بَشْرَتَهُ فإنَّ ذلكَ خَيرٌ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) وَالتّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٤). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا النَّسَائِي (٥) وأبو داود (٦) وابن ماجه (٧)، وقد اختلف فيه على أبي قلابة (٨)، وقد تقدم الكلام [عليه] (٩) في باب الرخصة في الجماع لعادم الماء (١٠). والمصنف ﵀ قد استدل بقوله، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، على وجوب الإعادة على من وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة، وهو استدلال صحيح لأن هذا الحديث مطلق فيمن وجده بعد الوقت، ومن وجده قبل خروجه وحال

стр. 911

الصلاة وبعدها. وحديث أبي سعيد السابق (١) مقيد بمن وجد الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة، فتخرج هذه الصورة بحديث أبي سعيد وتبقى صورة وجود الماء قبل الدخول في الصلاة بعد فعل التيمم وبعد الدخول في الصلاة قبل الفراغ منها داخلتين تحت إطلاق الحديث. وفي كلا الصورتين خلاف قد ذكرناه في الباب الذي قبل هذا، ولكنه يشكل على الاستدلال بهذا الحديث. قوله: (فإن ذلك خير)، فإنه يدل على عدم الوجوب المدعى. [الباب الحادي عشر] باب الصلاة بغير ماء ولا تراب عند الضرورة ١٤/ ٣٦٧ - (عَنْ عائِشَةَ ﵂: "أنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أسْماءَ قِلادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ رِجالًا فِي طَلَبِها فَوَجَدُوها فأدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أتَوْا رَسُولَ الله ﷺ شَكَوْا ذلكَ إلَيْهِ، فأنْزَلَ الله آيَةَ التَّيمُّمِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا التِّرمِذِيَّ) (٢). [صحيح] قوله: (أنها استعارت)، وفي بعض الروايات أنها قالت: "انقطع عقد لي" ولا مخالفة بينهما فهو حقيقة ملك لأسماء، وإضافته في الرواية الثانية إلى نفسها لكونه في يدها. قوله: (فصلوا بغير وضوء) استدل بذلك جماعة من المحققين منهم المصنف على وجوب الصلاة عند عدم المطهرين الماء والتراب، وليس في الحديث أنهم فقدوا التراب، وإنما فيه أنهم فقدوا الماء فقط، ولكن عدم الماء في ذلك الوقت كعدم الماء والتراب لأنَّه لا مطهر سواه. ووجه الاستدلال به أنهم صلوا معتقدين وجوب ذلك ولو كانت الصلاة

стр. 912

حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي ﷺ ، وبهذا قال الشافعي (١) وأحمد (٢) وجمهور المحدثين (٣) وأكثر أصحاب مالك (٤). لكن اختلفوا في وجوب الإعادة فالمنصوص عن الشافعي (٥) وجوبها وصححه أكثر أصحابه، واحتجوا بأنه عذر نادر فلم يسقط الإعادة، والمشهور عن أحمد وبه قال المزني وسحنون (٦) وابن المنذر (٧): لا تجب، واحتجوا بحديث الباب (٨) لأنها لو كانت واجبة لبينها لهم النبي ﷺ ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وتعقب بأن الإعادة لا تجب على الفور، فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة، وعلى هذا فلا بد من دليل على وجوب الإعادة. وقال مالك (٩) وأبو حنيفة (١٠) في المشهور عنهما: لا يصلي، لكن قال أبو حنيفة وأصحابه: يجب عليه القضاء، وبه قال: [الثوري] (١١) والأوزاعي (١٢). وقال مالك فيما حكاه عنه المدنيون: لا يجب عليه القضاء، وهذه الأقوال الأربعة هي المشهورة في المسألة وحكى النووي في شرح المهذب (١٣) عن القديم تستحب الصلاة وتجب الإعادة، وبهذا تصير الأقوال خمسة، قاله الحافظ في الفتح (١٤).

стр. 913

[ثالث عشر]: أبواب الحيض قال في الفتح (١): أصله السيلان، وفي العرف: جريان دم المرأة. قال في القاموس (٢): حاضَتْ المرأةُ تحيضُ حَيضًا ومَحِيضًا ومحاضا فهي حائِضٌ وحائِضَةٌ: سالَ دَمُها، والمحِيضُ اسمٌ ومَصْدَرٌ ومنه الحوضُ؛ لأنَّ الماء يسيلُ إليه. [الباب الأول] باب بناء المعتادة إذا استحيضت على عادتها ١/ ٣٦٨ - (عَنْ عائِشَةَ [﵂] (٣) قالَتْ: "قالَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ أبي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ الله ﷺ : إنّي امْرأةٌ أُسْتَحاضُ فَلا أطْهُرُ أَفَأدَع الصَّلاةَ؟ فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّمَا ذلِك عِرْقٌ وَلَيسَ بالحَيضَةِ، فإذَا أقْبَلَتِ الحَيضَةُ فاتْرُكي الصَّلاةَ، فإذا ذَهَبَ قَدْرُها فاغْسلِي عَنْكِ الدَّمَ وصَلِّي"، رَوَاهُ البُخارِيُّ (٤) وَالنَّسائيُّ (٥) وأبُو دَاوُدَ (٦). وفي رِوَايَة للْجَمَاعَةِ إلَّا ابْنَ ماجَهْ (٧): "فذَا أقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ، فإِذَا أدْبَرَتْ فاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي"، زَادَ التِّرمِذِيُّ (٨) في رِوَايَةٍ: "وَقَالَ: تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ حتَّى يَجِيءَ ذلكَ الوَقْتُ"، وفي رِوَايَةٍ للْبُخارِيّ (٩): وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فيها، ثُمَّ اغْتَسلي وَصَلِّي"). [صحيح] الحديث قد أسلفنا بعض الكلام عليه في باب الغسل من الحيض (١٠)،

стр. 914

وعرّفناك هنالك أن فيه دلالة على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض وتعمل على إقباله وإدباره فإذا انقضى قدره اغتسلت منه ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث فتتوضأ لكل صلاة لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة كما سيأتي في باب وضوء المستحاضة لكل صلاة (١)، وقد بينا في باب غسل المستحاضة لكل صلاة عدم انتهاض الأحاديث الواردة بوجوب الغسل عليها لكل صلاة أو للصلاتين، أو من ظهر إلى ظهر، وعرّفناك أن الحق أنه لا يجب عليها الاغتسال إلا عند إدبار الحيضة لهذا الحديث وقد ذكرنا الخلاف في ذلك هنالك. والحاصل أنه لم يأت في شيء من الأحاديث الصحيحة ما يقضي بوجوب الاغتسال عليها لكل صلاة أو لكل يوم أو للصلاتين، بل لإدبار الحيضة كما في حديث فاطمة المذكور، فلا يجب على المرأة غيره، وقد أوضحنا هذا في باب غسل المستحاضة (٢). وأحكام المستحاضة مستوفاة في كتب الفروع، والأحاديث الصحيحة منها ما يقضي بأن الواجب عليها الرجوع إلى العمل بصفة الدم كما في حديث فاطمة بنت أبي حبيش الآتي في الباب الذي بعد هذا (٣). ومنها ما يقضي باعتبار العادة كما في أحاديث الباب، ويمكن الجمع بأن المراد بقوله: "أقبلَتْ حيضتُك" الحيضة التي تتميز بصفة الدم، أو يكون المراد بقوله: "إذا أقبلتِ الحيْضَةُ" في حقّ المعتادة، والتمييز بصفة الدم في حق غيرها، وينبغي أن يُعلَمَ أن معرفة إقبال الحيضة قد يكون بمعرفة العادة، وقد يكون بمعرفة دم الحيض، وقد يكون بمجموع الأمرين. وفي حديث حمنة بنت جحش (٤) بلفظ: "فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أيّامٍ أو سبعةَ أيامٍ" وهو يدل على أنها ترجع إلى الحالة الغالبة في النساء وهو غير صالح للاحتجاج

стр. 915

كما ستعرف ذلك في باب من قال تحيض ستًا أو سبعًا، ولو كان صالحًا لكن الجمع ممكنًا كما سيأتي. وقد أطال المصنفون في الفقه الكلام في المستحاضة، واضطربت أقوالهم اضطرابًا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة فما ظنك بالنساء الموصوفات بالعيّ في البيان والنقص في الأديان. وبالغوا في التعسير حتى جاءوا بمسألة المتحيرة فتحيروا (١). والأحاديث الصحيحة قد قضت بعدم وجودها لأن حديث الباب ظاهر في معرفتها إقبال الحيضة وإدبارها، وكذلك الحديث الآتي في الباب الذي بعد هذا (٢)، فإنه صريح في أن دم الحيض يعرف ويتميز عن دم الاستحاضة، فطاحت مسألة المتحيرة ولله الحمد، ولم يبق هاهنا ما يستصعب إلا ورود بعض الأحاديث الصحيحة بالإحالة على صفة الدم، وبعضها بالإحالة على العادة، وقد عرفت إمكان الجمع بينها بما سلف. قوله: (قال وتوضئي لكل صلاة)، سيأتي الكلام عليه في باب وضوء المستحاضة (٣). قال المصنف (٤) ﵀ [تعالى] (٥) بعد أن ساق الحديث: وفيه تنبيه على أنها إنما تبنى على عادة متكررة، انتهى. ٢/ ٣٦٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (٥): "أن أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ التي كانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَكَتْ إلى رَسُولِ الله ﷺ الدَّمَ، فَقالَ لَهَا: "امْكُثِي قَدْرَ ما كانَتْ تَحْبسُكِ حَيضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلّ صَلاةٍ"، رَوَاهُ مُسْلِمُ (٦). وَرَوَاهُ أحْمَدُ (٧) وَالنَّسَائِيُّ (٨) وَلَفْظُهُما قالَ: "فَلْتنظرْ قَدْرَ قُرُوئهَا الَّتِي كانَتْ تَحيضُ

стр. 916

فَلْتَتْرُكِ الصَّلاةَ ثُمَّ لِتَنْظُرْ ما بَعْدَ ذلكَ فَلْتَغْتَسِلْ عِنْدَ كُلّ صَلاة وَتُصَلِّي"). [صحيح] قوله: (ثم اغتسلي)، قال الشافعي (١) وسفيان بن عيينة والليث بن سعد (٢) وغيرهم: "إنما أمرها النبي ﷺ أن تغتسلَ وتصلي، ولم يأمرها بالاغتسال لكلِّ صلاةٍ". قال الشافعي (٣): "ولا أشك أن غسْلَها كان تطوعًا غير ما أُمِرَتْ بهِ". وقد قدمنا الكلام على هذا في باب غسل المستحاضة (٤). والرواية الأولى من الحديث قد أخرج نحوها البخاري (٥) وأبو داود (٦) بزيادة: "وتوضئي لكل صلاة"، والحديث يدل على أن المستحاضة ترجع إلى عادتها [إذا] (٧) كانت لها عادة وتغتسل عند مضيها. وقد تقدم الكلام على ذلك، وقوله في الرواية الأخرى (٨): "فلتغتَسِلْ عندَ كُلِّ صلاة" استدل به القائلون بوجوب الغسل لكل صلاة، وقد تقدم الكلام على ذلك أيضًا. ٣/ ٣٧٠ - (وَعَنِ القاسِمِ عَنْ زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ [﵂] (٩): "أنهَا قالَتْ للنَّبِيّ ﷺ إنَّهَا مُسْتَحاضَةٌ، فَقالَ: "تَجْلِسُ أيَّامَ أقْرَائِها ثُم تَغْتَسِلُ وَتُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلُ العَصْرَ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَتُؤَخِّرُ المَغْرِبَ وَتُعَجِّلُ العِشاءَ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّيهما جَمِيعًا، وَتَغْتَسِلُ للْفَجْرِ"، رَوَاهُ النَّسائيُّ) (١٠). [صحيح]

стр. 917

الحديث إسناده في سنن النَّسَائِي هكذا: أخبرنا سُويدُ بن نَصْر قالَ: أخبرنا عبدُ اللَّهِ عن سفيانَ عن عبد الرحمن بن القاسمِ عن أبيه فذكره، [و] (١) رجاله ثقات. قال النووي (٢): أحاديث الأمر بالغسل ليس فيها شيء ثابت، وحكي عن البيهقي ومن قبله تضعيفها، وأقواها حديث حمنة بنت جحش الذي سيأتي (٣) وستعرف ما عليه. والحديث استدل به عن قال يجب الاغتسال على [المستحاضة] (٤) لكل صلاة، أو تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، وقد تقدم الكلام على ذلك في الغسل (٥). ٤/ ٣٧١ - (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ [رضي الله تعالى عنها] (٦): "أنهَا اسْتَفْتَتْ رَسُولَ الله ﷺ في امْرأةٍ تُهَرَاقُ الدَّمَ، فَقالَ: "لِتَنْظُرْ قَدْرَ اللَّيالي وَالأيامِ الَّتِي كانَتْ تَحِيضُهُنَّ وَقَدْرَهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، فَتَدَع الصَّلاةَ، ثُمَّ لتَغْتَسِلْ وَلْتَسْتَثْفرْ ثُمَّ تُصَلِّي"، رَوَاهُ

стр. 918

الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) (١). [صحيح] الحديث [أيضًا] (٢) أخرجه الشافعي (٣). قال النووي (٤): إسناده على شرطيهما. وقال البيهقي (٥): هو حديث مشهور إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه منها، وفي رواية لأبي داود (٦) عن سليمان أن رجلًا أخبره عن أم سلمة. وقال المنذري (٧): لم يسمعه سليمان، وقد رواه موسى بن عقبة عن نافع عن سليمان عن مرجانة عنها، وساقه الدارقطني (٨) وابن الجارود (٩) بتمامه من حديث صخر بن جويرية عن نافع عن سليمان أنه حدثه رجل عنها. قوله: (تُهَرَاق) على صيغة ما لم يسم فاعله وفتح الهاء. قوله: (ولْتَسْتَثْفر) الاستثفار: إدخال الإزار بين الفخذين ملويًا كما في القاموس (١٠) وغيره. والحديث يدل على أن المستحاضة ترجع إلى عادتها المعروفة قبل الاستحاضة. ويدل على أن الاغتسال إنما هو مرة واحدة عند إدبار الحيضة، وقد تقدم الكلام على ذلك. ويدل على استحباب اتخاذ الثفر ليمنع من خروج الدم حال الصلاة. وقد ورد الأمر بالاستثفار في حديث حمنة بنت جحش أيضًا كما سيأتي (١١) إن شاء الله. قوله: (لتستثفر) بسكون الثاء المثلثة بعدها فاء مكسورة: أي تشد ثوبًا على فرجها مأخوذ من ثفر الدابة بفتح الفاء وهو الذي يكون تحت ذنبها. [الباب الثاني] باب العمل بالتمييز ٥/ ٣٧٢ - (عَنْ عُرْوَةَ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ أبي حُبَيْشٍ: "أنهَا كانَتْ تُسْتَحاضُ،

стр. 919

فَقالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "إذَا كانَ دَمُ الحَيضَةِ فإنَّهُ أسْوَدُ يُعْرَفُ، فإذَا كانَ كَذَلِكَ فأمْسكي عَنِ الصَّلاةِ، فإذَا كانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئي وَصَلِّي فإنَّمَا هُوَ عِرْق"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١) وَالنَّسائيُّ) (٢). [حسن] الحديث رواه ابن حبان (٣) والحاكم (٤) وصحَّحاه، وأخرجه الدارقطني (٥) والبيهقي (٦) والحاكم (٧) أيضًا بزيادة: "فإنما هو داء عرض، أو ركضة من الشيطان، أو عرق انقطع"، وهذا يرد إنكار ابن الصلاح (٨) والنووي (٩) وابن الرفعة (١٠) لزيادة

стр. 920

"انقطع" وقد استنكر هذا الحديث أبو حاتم لأنَّه من رواية عدي بن ثابت عن أبيه عن جده، وجده لا يعرف، وقد ضعف الحديث أبو داود (١). قوله: (فإنه أسود يعرف)، قاله ابن رسلان في شرح السنن: أي تعرفه النساء. قال شارح المصابيح (٢): هذا دليل التمييز، انتهى. وهذا يفيد أن الرواية "يُعْرَف" بضم حرف المضارعة وسكون العين المهملة وفتح الراء، وقد روي بكسر الراء: أي له رائحة تعرفها النساء. قوله: (عِرْق) بكسر العين وإسكان الراء: أي أن هذا الدم الذي يجري منك من عرق فمه في أدنى الرحم، ويسمى العاذِل بكسر الذال [المعجمة] (٣). والحديث فيه دلالة على أنه يعتبر التمييز بصفة الدم، فإذا كان متصفًا بصفة السواد فهو حيض وإلا فهو استحاضة. وقد قال بذلك الشافعي والناصر (٤) في حق المبتدأة. وفيه دلالة أيضًا على وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. [الباب الثالث] باب من تحيض ستًا أو سبعًا لفقد العادة والتمييز ٦/ ٣٧٣ - (عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ [رضي الله تعالى عنها] (٥) قالَتْ: "كُنْتُ أُسْتَحاضُ حَيْضَةً شَدِيدَة كَثِيرةً، فَجِئْتُ إلى رَسُولِ الله ﷺ أسْتَفْتِيهِ وأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ في بَيْتِ أُخْتِي زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ الله إنّي أُسْتَحاضُ حَيْضَةً كَثِيرةً شَدِيدَةً فَمَا تَرَى فِيها قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلاةَ وَالصّيامَ، فَقالَ: "أنْعَتُ لكِ الكُرْسُفَ فإنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ"، قالَتْ: هُوَ أكْثَرُ مِنْ ذلكَ، قالَ: "فاتَّخذِي ثَوْبًا"، قَالَتْ هُوَ أكْثَرُ مِنْ ذلكَ، قالَ: "فَتَلَجَّمِي"، قالت: إنَّمَا أثُجُّ ثَجًّا، فَقالَ: "سآمُرُكِ

стр. 921

بأمْرَيْنِ أيهُما فَعَلْتِ فَقَدْ أجْزأَ عَنْكِ مِنَ الآخَرِ، فإنْ قَوِيتِ عَلَيهِمَا فأنْتِ أعْلَمُ"، فَقالَ لَهَا: "إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشيطَانِ فَتَحَيَّضِي ستةَ أيَّامٍ أوْ سَبَعَة في عِلْم الله، ثُمَّ اغْتَسِلي حتَّى إذَا رأيْتِ أنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَيتِ فَصَلِّي أرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً أوْ ثَلاثا وَعِشْرِينَ لَيلَةً وأيامَها، وَصُومي فإنَّ ذلكَ يُجْزِيكِ، وكلذَلِكِ فافْعَلِي في كُلِّ شَهْرٍ كما تَحِيضُ النِّساءُ وكمَا يَطْهُرْنَ لِميقاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ؛ وَإنْ قَوِيتِ عَلى أنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ ثُمَّ تُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخرِي المَغْرِبَ وَتُعَجِّلِي العِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَينَ الصَّلاتينِ فافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الفَجْرِ وَتُصَلِّينَ، فكذَلِكِ فافْعَلِي وَصَلِّي وَصُومِي إنْ قَدَرْتِ على ذلك"؛ وقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَهَذَا أعْجَبُ الأمْرَيْنِ إليَّ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١) وأحْمَدُ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣) وَصحَّحَاهُ). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا ابن ماجه (٤) والدارقطني (٥) والحاكم (٦)، ونقل الترمذي (٧) عن البخاري تحسينه، وفي إسناده ابن عقيل (٨)، قال البيهقي (٩): تفرد

стр. 922

به وهو مختلف في الاحتجاج به. وقال ابن منده: لا يصح بوجه من الوجوه لأنهم أجمعوا على ترك حديث ابن عقيل، وتعقبه ابن دقيق العيد، واستنكر منه هذا الإطلاق؛ لأن ابن عقيل لم يقع الإجماع على ترك حديثه فقد كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون به (١)، وقد حمل على أن مراد ابن منده بالإجماع إجماع من خرّج الصحيح وهو كذلك. قال ابن أبي حاتم (٢): سألت أبي عنه فوهنه ولم يقوّ إسناده. وقال الترمذي في كتاب العلل (٣): إنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم لا أدري سمع منه ابن عقيل أم لا؟. وهذه علة للحديث أخرى. ويجاب على البخاري بأن إبراهيم بن محمد بن طلحة مات سنة عشر ومائة فيما قاله أبو عبيد القاسم بن سلام، وعلي بن المديني، وخليفة بن خياط، وهو تابعي سمع عبد الله بن عمرو بن العاص وأبا هريرة وعائشة؛ وابن عقيل سمع عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك والربيع بنت معوذ، فكيف ينكر سماعه من إبراهيم بن محمد بن طلحة لقدمه؟ وأين ابن طلحة من هؤلاء في القدم وهم نظراء شيوخه في الصحبة وقريب منهم في الطبقة، فينظر في صحة هذا عن البخاري (٤). وقال الخطابي (٥): "قد ترك العلماء القول بهذا الحديث".

стр. 923

وأما ابن حزم (١) فإنه رد هذا الحديث بأنواع من الردّ، ولم يعلله بابن عقيل بل علله بالانقطاع بين ابن جريج وابن عقيل، وزعم أن ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل وبينهما النعمان بن راشد، قال: وهو ضعيف (٢)؛ ورواه أيضًا عن ابن عقيل شريك (٣) وزهير بن محمد (٤) وكلاهما ضعيف. وقال أيضًا: عمر بن طلحة

стр. 924

الذي رواه إبراهيم بن محمد بن طلحة عنه غير مخلوق لا يعرف لطلحة ابن اسمه عمر. وقد رد ابن سيد الناس ما قاله، قال: أما الانقطاع بين ابن جريج وابن عقيل فقد روي من طريق زهير بن محمد عن ابن عقيل؛ وأما تضعيفه لزهير هذا فقد أخرج له الشيخان محتجين به في صحيحيهما (١). وقال أحمد (٢): مستقيم الحديث. وقال أبو حاتم (٣): محله الصدق وفي حفظه شيء وحديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق. وقال البخاري في تاريخه الصغير (٤) ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح. وقال عثمان الدارمي (٥): ثقة صدوق وله أغاليط. وقال يحيى (٥): ثقة. وقال ابن عدي (٦): ولعل أهل الشام حيث رووا عنه أخطئوا عليه؛ وأما حديثه هاهنا فمن رواية أبي عامر العقدي عنه وهو بصري، فهذا من حديث أهل العراق. وأما عمر بن طلحة الذي ذكره فلم يسق الحديث من طريقه بل من طريق عمران بن طلحة، وقد نبه الترمذي (٧) على أنه لم يقل: عمر في هذا الإسناد أحد من الرواة إلا ابن جريج وإن غيره يقول: عِمْران وهو الصواب.

стр. 925

وأما شريك الذي ضعفه أيضًا فرواه ابن ماجه (١) عن ابن عقيل من طريقه، وشريك مخرّج له في الصحيح (٢). ومن جملة علل الحديث ما نقله أبو داود (٣) عن أحمد أنه قال: إن في الباب حديثين، وثالثًا في النفس منه شيء، ثم فسر أبو داود الثالث بأنه حديث حمنة؛ ويجاب عن ذلك بأن الترمذي (٤) قد نقل عن أحمد تصحيحه نصًا، وهو أولى مما ذكره أبو داود لأنَّه لم ينقل التعيين عن أحمد وإنما هو شيء وقع له ففسر به كلام أحمد، وعلى فرض أنه من كلام أحمد فيمكن أن يكون قد كان في نفسه من الحديث شيء ثم ظهرت له صحته. قوله: (أنعتُ لكِ الكُرسفَ)، أي أصف لك القطن. قوله: (فتلجَّمي)، قال في الصَّحاح (٥) والقاموس (٦): اللِّجام ما تشدّ به الحائض. قال الخليل: معناه افعلي فعلًا يمنع سيلان الدم واسترساله كما يمنع اللجام استرسال الدابة. وأما الاستثفار: فهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة توثق طرفيها في حَقَبٍ (٧) تشده في وسطها بعد أن تحتشي كرسفًا فيمنع ذلك الدم. وقولها: "إنما أثجُّ ثجًّا"، الثجُّ: السيلان وقد استعمل في الحلب في الإناء، يقال: حلب فيه ثجًا، واستعمل مجازًا في الكلام، يقال للمتكلم مثجاج بكسر الميم. قوله: (ركضة من [ركضات] (٨) الشيطان) أصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، وكأنه أراد الإضرار بالمرأة والأذى بمعنى أن الشيطان وجد بذلك سبيلًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها حتى أنساها بذلك عادتها، فصار في التقدير كأنه ركض بآلة.

стр. 926

قوله: (فتحيَّضي) بفتح التاء الفوقية والحاء المهملة والياء المشددة: أي اجعلي نفسك حائضًا. والحديث استدل به من قال إنها ترجع المستحاضة إلى الغالب من عادة النساء، ولكنه كما عرفت مداره على ابن عقيل وليس بحجة (١)، ولو كان حجة لأمكن الجمع بينه وبين الأحاديث القاضية بالرجوع إلى عادة نفسها، والقاضية بالرجوع إلى التمييز بصفات الدم، وذلك بأن يحمل هذا الحديث على عدم معرفتها لعادتها وعدم إمكان التمييز بصفات الدم. واستدل به أيضًا من قال: إنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، وإليه ذهب ابن عباس وعطاء والنخعي، روى ذلك عنهم ابن سيد الناس في شرح الترمذي (٢): قال ابن العربي (٣) والحديث في ذلك صحيح فينبغي أن يكون مستحبًا، انتهى. وعلى فرض صحة الحديث فهذا جمع حسن لأنه ﷺ علق الغسل بقوتها فيكون ذلك قرينة دالة على عدم الوجوب، وكذا قوله في الحديث: أيُّهما فعلتِ أجزأ عنك" (٤). قال المصنف (٥) ﵀: فيه أن الغسل لكل صلاة لا يجب بل يجزئها الغسل لحيضها الذي تجلسه، وأن الجمع للمرض جائز، وأن جمع الفريضتين لها بطهارة واحدة جائز، وأن تعيين العدد من الستة والسبعة باجتهادها لا بتشهّيها لقوله ﷺ : "حتى إذا رأيتِ أن قد طَهُرَتِ واستنقيتِ" (٤)، انتهى. [الباب الرابع] باب الصفرة والكدرة بعد العادة ٧/ ٣٧٤ - (عَنْ أُمّ عَطِيَّةَ [رضي الله تعالى عنها] (٦) قالَتْ: "كُنَّا لا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٧) وَالبُخَارِيُّ (٨) ولم يَذْكُر بَعْدَ الطُّهْرِ). [صحيح]

стр. 927

الحديث أخرجه أيضًا الحاكم (١)، وأخرجه الإسماعيلي في مستخرجه بلفظ: "كنا لا نعدّ الكدرة والصفرة شيئًا"، يعني في الحيض. وللدارمي (٢): "بعد الغسل". قال الحافظ (٣): ووقع في النهاية (٤) والوسيط (٥) زيادة في هذا: "وراء العادة"، وهي زيادة باطلة. وأما ما روي من حديث عائشة بلفظ: "كنا نعد الصُّفرةَ والكُدْرة حيضًا" فقال النووي في شرح المهذب (٦): لا أعلم من رواه بهذا اللفظ. والحديث يدل على أن الصفرة والكدرة بعد الطهر ليستا من الحيض وأما في وقت الحيض فهما حيض، وقد نسب القول بذلك في البحر (٧) إلى زيد بن علي والهادي والمؤيد بالله وأبي طالب وأبي حنيفة ومحمد ومالك والليث والعنبري. وفي رواية عن القاسم وعن الناصر وعن الشافعي قال في البحر (٧) مستدلًا لهم إذ هو أذى، ولقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرنَ﴾ (٨)، ولقوله ﷺ لحمنةَ: "إذا

стр. 928

رأيتِ أنَّكِ قد طهرتِ واستنقيتِ فصلِّي" (١)، وفي رواية عن القاسم ليس حيضًا إذا توسطه الأسود، لحديث: "إذا رأيتِ الدَّمَ الأسود فأمسكي عن الصَّلاة، حتى إذا كان الصُّفرةَ فتوضئي وصلِّي" (٢) ولحديث الباب؛ وعورضا بقوله ﷺ لعائشة: "لا تصلي حتى تري القصَّة البيضاء" (٣). وقولها: "كُنَّا نَعُدُّ الكدرةَ والصفرةَ - في أيام الحيضِ - حَيْضًا" (٤) ولكونهما أذى خرج من الرحم فأشبه الدم. وفي رواية عن الناصر والشافعي، وهو مَرْوِيٌّ عن أبي يوسف أنهما حيض بعد الدم لأنهما من آثاره لا قبله. وردّ بأن الفرق تحكم، وفي رواية عن الشافعي: إن رأتهما في العادة فحيض وإلا فلا، هذا حاصل ما في البحر (٥). وحديث الباب إن كان له حكم الرفع كما قال البخاري وغيره من أئمة الحديث: إن المراد كنا في زمانه ﷺ مع علمه فيكون تقريرًا منه. ويدل بمنطوقه أنه لا حكم للكدرة والصفرة بعد الطهر، وبمفهومه أنهما وقت الحيض حيض كما ذهب إليه الجمهور. ٨/ ٣٧٥ - (وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ الله [تعالى] (٦) عَنْها أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "في المَرأةِ الَّتي تَرَى ما يَرِيبُها بَعْدَ الطهْرِ إنَّمَا هُوَ عِرْقٌ، أوْ قَالَ عُرُوقٌ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٧) وأبُو دَاوُدَ (٨) وَابْنُ ماجَهْ) (٩). [صحيح] [الحديث إسناده في سنن ابن ماجه (١٠) هكذا: حدثنا محمَّدُ بنُ يحيى، عن عُبيد اللَّهِ بن مُوسى، عن شيبانَ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أم بَكْرٍ، عن عائشة، وأم بكر لا يعرف حالها، وبقية الإسناد ثقات.

стр. 929

و] (١) الحديث حسنه المنذريّ (٢) وهو من الأدلة الدالة على عدم الاعتبار بما ترى المرأة بعد الطهر، وقد تقدم الخلاف فيه. قوله: (يريبها) بفتح الياء: أي تشك فيه هل هو حيض أم لا؟ يقال: رابني الشيء يريبني: إذا شككت فيه. [الباب الخامس] باب وضوء المستحاضة لكل صلاة ٩/ ٣٧٦ - (عَنْ عَدِيّ بْنِ ثابِتٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ [رضي الله تعالى عنهم] (١) عن النَّبِيّ ﷺ قالَ فِي المُسْتَحاضَةِ: "تَدَع الصَّلاةَ أيامَ أقْرَائِها ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٣) وَابْنُ ماجَهْ (٤) وَالتّرْمِذِيُّ وَقالَ: حَسَنُ) (٥). [صحيح] الحديث لم يحسنه الترمذي كما ذكره المصنف بل سكت عنه. قال ابن سيد الناس في شرحه: وسكت الترمذي عن هذا الحديث فلم يحكم بشيء، وليس من باب الصحيح ولا ينبغي أن يكون من باب الحسن لضعف راويه عن عدي بن ثابت وهو أبو اليقظان واسمه عثمان بن عُمير بن قيس الكوفي وهو الذي يقال له عثمان بن أبي حميد وعثمان بن أبي زرعة وعثمان أبو اليقظان وأعشى ثقيف كله واحد. قال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حاتم (٦): ترك ابن مهدي حديثه. وقال أبو حاتم أيضًا: إنه ضعيف الحديث منكر الحديث، كان شعبة لا يرضاه. وقال أبو أحمد الحاكم (٧): ليس بالقويّ عندهم ولم يرضه يحيى بن سعيد. وقال النَّسَائِي (٨): ليس بالقويّ. وقال الدارقطني:

стр. 930

ضعيف. وقال ابن حبان (١): اختلط حتى لا يدري ما يقول لا يجوز الاحتجاج به. قال الترمذي (٢): "سألتُ محمدًا: يعني البخاري عن هذا الحديث فقلتُ عَديُّ بنُ ثابت عن أبيه عن جدّه، جَدُّ عديٍّ بن ثابت ما اسمه؟ فلم يَعْرفْ محمدٌ اسْمَهُ، وذكرتُ لمحمدٍ قولَ يحيى بن مَعينٍ أن اسمه (دينَارٌ) فلم يَعْبَأْ به". وقال الدمياطي في عديّ المذكور (٣): هو عدي بن أبان بن ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري، ووهم من قال اسم جده دينار، وعديّ هذا من الثقات المخرج لهم في الصحيح، وثقه أحمد بن حنبل. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو داود في سننه (٤): حديث عدي بن ثابت والأعمش عن حبيب وأيوب أبي العلاء كلها لا يصحّ منها شيء، وذكر في آخر الباب الإشارة إلى صحة حديث قمير عن عائشة ومداره على أيوب بن مسكين وفيه خلاف، وقد اضطرب أيضًا فرواه عن ابن شبرمة عنها مرفوعًا، وعن حجاج عنها موقوفًا، وكذلك رواه الثوري عن فراس عن الشعبي عن قمير موقوفًا ذكره المزي في الأطراف. والحديث يدل على أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، وقد تقدم الكلام على ذلك. ويدل أيضًا أنها تتوضأ عند كل صلاة، وقد ذهب إلى ذلك الشافعي (٥) وحكي عن عروة بن الزبير وسفيان الثوري وأحمد وأبي ثور، واستدلوا بحديث الباب وبالحديث الذي سيأتي بعده (٦)، وبما ثبت في رواية للبخاري (٧) بلفظ: "وتوضئي لكل صلاة" وغير ذلك، وذهبت العترة وأبو حنيفة (٨) إلى أن طهارتها مقدرة بالوقت، فلها أن تجمع بين فريضتين وما شاءت من النوافل بوضوء واحد. واستدل لهم في البحر (٩) بحديث فاطمة بنت أبي حبيش (١٠)، وفيه: "أن

стр. 931

النبي ﷺ قال لها: وتوضئي لوقت كل صلاة" وستعرف قريبًا أن الرواية لكل صلاة لا لوقت كل صلاة كما زعمه، فإن قيل إن الكلام على حذف مضاف والمراد لوقت كل صلاة، فيجاب بما قاله في الفتح (١) من أنه مجاز يحتاج إلى دليل، فالحقّ أنه يجب عليها الوضوء لكل صلاة لكن لا بهذا الحديث بل بحديث فاطمة الآتي (٢)، وبما في حديث أسماء (٣) بلفظ: " [وتتوضأ] (٤) فيما بين ذلك" وقد تقدم، وبما ثبت في رواية البخاري من حديث عائشة، وقد تقدم (٥) وسيأتي (٦). ١٠/ ٣٧٧ - (وَعَنْ عائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (٧) قَالَتْ: "جاءَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ أبي حُبَيْش إلى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَتْ: إنّي امْرأةُ أُسْتَحاضُ فَلا أطْهُرُ أفأدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقالَ لَهَا: "لا، اجْتَنِبِي الصَّلاةَ أيامَ مَحِيضِكِ، ثُمَّ اغْتَسِلي وَتَوَضَّئي لِكُلّ صَلاةٍ، ثُمَّ صَلِّي وإنْ قَطَرَ الدّمُ عَلى الحَصِيرِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٨) وَابْنُ ماجَهْ) (٩). [صحيح دون قوله: "وإن قطر … "]. الحديث أخرجه أيضًا الترمذي (١٠) وأبو داود (١١) والنسائي (١٢) وابن حبان (١٣)، ورواه مسلم (١٤) في الصحيح بدون قوله: "وتوضئي لكل صلاة"، وقال: وفي آخره حرف تركنا ذكره، قال البيهقي (١٥): هو قوله: "وتوضئي" وتركها لأنها زيادة غير محفوظة، وقد روى هذه الزيادة من تقدم وكذا رواها الدارمي (١٦)

стр. 932

والطحاوي (١)، وأخرجها أيضًا البخاري (٢). وقد أعل الحديث بأن حبيبًا (٣) لم يسمع من عروة بن الزبير (٤) وإنما سمع من عروة المزني (٥)، فإن كان عروة المذكور في الإسناد عروة بن الزبير كما صرح بذلك ابن ماجه وغيره فالإسناد منقطع؛ لأن حبيب بن أبي ثابت مدلس، وإن كان عروة هو المزني فهو مجهول (٦). وفي الباب عن جابر رواه أبو يعلى (٧) بإسناد ضعيف والبيهقي (٨). وعن

стр. 933

سودة بنت زمعة رواه الطبراني (١). والحديث يدلُّ على وجوب الوضوء لكل صلاة وقد تقدم الكلام فيه. ويدلُّ على أن الغسل لا يجب إلا مرة واحدة عند انقضاء الحيض، وكذلك الحديث الذي قبلَه يدلُّ على ذلك، وقد تقدَّم البحثُ فيه في مواضع. [الباب السادس] باب تحريم وطء الحائض في الفرج وما يباح منها ١١/ ٣٧٨ - (عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ [رضي الله تعالى عنه] (٢): "أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذَا حاضَت المَرأةُ منهم لَمْ يُوَاكِلُوها ولم يُجامعوهن في البُيُوتِ، فَسألَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ ، فأنْزَلَ الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣) إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اصْنَعُوا كُلَّ شَيء إلَّا النِّكاحَ"، وفي لَفْظٍ: (إلَّا الجِماعَ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخَارِيَّ) (٤). [صحيح] قوله: (فسألَ) السائل عن ذلك أُسيد بن حُضير وعبَّاد بن بِشر، وقيل: إن السائل عن ذلك هو أبو الدَّحداح قاله الواقدي، والصواب الأوّل كما في الصحيح (٥). والحديث يدل على حكمين: تحريم النكاح، وجواز ما سواه. أما الأول فبإجماع المسلمين وبنص القرآن العزيز والسنة الصريحة ومستحله كافر، وغير المستحل إن كان ناسيًا أو جاهلًا لوجود الحيض أو جاهلًا لتحريمه

стр. 934

أو مكرهًا فلا إثم عليه ولا كفارة، إن وطئها عامدًا عالمًا بالحيض والتحريم مختار فقد ارتكب معصية كبيرة نص على كبرها الشافعي (١) وتجب عليه التوبة، وسيأتي الخلاف في وجوب الكفارة. وأما الثاني: أعني جواز ما سواه فهو قسمان: (القسم الأول): المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو القبلة أو المعانقة أو غير ذلك، وذلك حلال باتفاق العلماء، وقد نقل الإجماع على الجواز جماعة (٢). وقد حكي عن عبيدة السلماني وغيره أنه لا يباشر شيئًا منها بشيء منه، وهو كما قال النووي (٣) غير معروف ولا مقبول، ولو صح لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة وبإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده. (القسم الثاني): فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، وفيها ثلاثة وجوه لأصحاب الشافعي (٤): الأشهر منها التحريم. والثاني: عدم التحريم مع الكراهة. والثالث: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج إما لشدة ورع أو لضعف شهوة جاز وإلا لم يجز؛ وقد ذهب إلى الوجه الأوّل مالك (٥) وأبو حنيفة (٦)، وهو قول أكثر العلماء منهم سعيد بن المسيب (٧) وشريح (٨) وطاوس (٩)

стр. 935

وعطاء (١) وسليمان بن يسار (١) وقتادة (٢). وممن ذهب إلى الجواز عكرمة (٣) ومجاهد (٤) والشعبي (٥) والنخعي (٦) والحكم (٧) والثوري (٨) والأوزاعي (٩) وأحمد بن حنبل (١٠) ومحمد بن الحسن (١١) وأصبغ (١٢) وإسحاق بن راهويه (١٣) وأبو ثور (١٤) وابن المنذر (١٥)

стр. 936

وداود (١). وحديث الباب يدل على الجواز لتصريحه بتحليل كل شيء مما عدا النكاح، فالقول بالتحريم سد للذريعة لما كان الحوم حول الحمى مظنة الوقوع فيه، لما ثبت في الصحيحين (٢) من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا بلفظ: "مَنْ وقعَ حولَ الحِمى يُوشكُ أن يُواقِعَهُ"، وله ألفاظ عندهما وعند غيرهما، ويشير إلى هذا حديث: "لك ما فوق الإزار" (٣). وحديث عائشة الآتي (٤) لما فيه من الأمر للمباشرة بأن تأتزر. وقولها في رواية لهما (٥): "وأيكم يملكُ إرْبَهُ كما كان رسول الله ﷺ يملكُ إِرْبَهُ". ١٢/ ٣٧٩ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ : [رضي الله تعالى عنهم] (٦) "أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أرَادَ مِنَ الحائِضِ شَيْئًا ألْقَى عَلى فَرْجِها شَيْئًا"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٧). [صحيح] ١٣/ ٣٨٠ - (وَعَنْ مَسْرُوقِ بْنِ أجْدَعَ [رضي الله تعالى عنه] (٦) قالَ: "سألْتُ عائِشَةَ ﵂: مَا للرَّجُلِ مِن امْرَأتِهِ إذَا كانَتْ حائِضًا؛ قالَتْ: كُلُّ شَيءٍ إلَّا الفَرْجَ"، رَوَاهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ) (٨).

стр. 937

١٤/ ٣٨١ - (وعَنْ حِرَامِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَمِّهِ [رضي الله تعالى عنهم] (١): "أنَّهُ سألَ رَسُولَ الله ﷺ : ما يَحِلُّ لي مِن امْرأتي وَهِيَ حائِضٌ؟ قالَ: "لكَ ما فَوْقَ الإزَارِ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢). [صحيح] قُلْتُ: عَمُّهُ هُوَ عَبْدُ الله بْنُ سَعْدٍ). حديث عكرمة [إسناده في سنن أبي داود (٣) هكذا: حدثنا موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة فذكره، ورجال إسناده ثقات محتج بهم في الصحيح، وقد] (٤) سكت عنه أبو داود والمنذري، وقد قال ابن الصلاح (٥) والنووي (٦) وغيرهما: إنه يجوز الاحتجاج بما سكت عنه أبو داود، وصرح أبو داود نفسه (٧) أنه لا يسكت إلا عن الحديث الصالح للاحتجاج (٨)، ويشهد له حديث الأمر

стр. 938

بالاتزار (١)، وحديث: "لك ما فوق الإزار" (٢). وأما حديث مسروق عن عائشة فهو مثل حديث أنس بن مالك السابق المتفق عليه (٣). وأما حديث حرام بن حكيم فأورده الحافظ في التلخيص (٤) ولم يتكلم عليه، [وإسناده في سنن أبي داود (٥) فيه صدوقان وبقيته ثقات] (٦). وقد روى أبو داود (٧) من حديث معاذ بن جبل نحوه وقال: ليس بالقوي، وفي إسناده بقية (٨) عن سعيد بن عبد الله الأغطش (٩). ورواه الطبراني (١٠) من رواية إسماعيل بن عياش عن سعيد بن عبد الله الخزاعي، فإن كان هو الأغطش فقد توبع بقية، وبقيت جهالة حال سعيد. قال الحافظ (١١): "لا نعرف أحدًا وثقه، وأيضًا عبد الرحمن بن عائذ راويه عن معاذ، قال أبو حاتم (١٢): روايته عن علي

стр. 939

[﵁] (١) مرسلة، وإذا كان كذلك فعن معاذ أشد إرسالًا". والحديث الأول: يدل على جواز الاستمتاع من غير تخصيص بمحل دون محل من سائر البدن غير الفرج لكن مع وضع شيء على الفرج يكون حائلًا بينه وبين ما يتصل به من الرجل. والحديث الثاني: يدل على جواز الاستمتاع بما عدا الفرج. والحديث الثالث: يدل على جواز الاستمتاع بما فوق الإزار من الحائض وعدم جوازه بما عداه، فمن أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم خصص به عموم كل شيء المذكور في حديث أنس وعائشة؛ ومن لم يجوز التخصيص به فهو لا يعارض المنطوق الدال على الجواز والخلاف في جوازه وعدمه قد سبق في أول الباب. ١٥/ ٣٨٢ - (وَعَنْ عائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (١) قالَتْ: "كَانَتْ إحْدَانَا إذَا كانَتْ حائِضً فَأرَادَ رَسُولُ الله ﷺ أنْ يُباشِرَها، أمَرَها أنْ تَأتَزِرَ بإزَارٍ في فَوْرِ حَيْضَتِها ثُمَّ يُباشِرُها"، مُتَّفَقُ عَلَيْهِ (٢). قالَ الخَطَّابِيُّ (٣): فور الحيض: أوَّلُهُ وَمُعْظَمُهُ). [صحيح] قوله: (أن يباشرها)، المراد بالمباشرة هنا: التقاء البشرتين لا الجماع. قوله: (أن تأتزرَ)، في رواية للبخاري (٤): "تَتَّزِرَ"، قال في الفتح (٥): والأولى أفصح، والمراد بالاتزار: أن تشد إزارًا تستر به سرّتها وما تحتها إلى الركبة. قوله: (في فَوْر حيضتها) هو بفتح الفاء وإسكان الواو. ومعناه كما قال الخطابي (٢) كما ذكر المصنف. وقال القرطبي (٦): فور الحيضة: معظم صبها، من فوران القدر وغليانها، والكلام على فقه الحديث قد تقدم.
следующие страницы →