Полный текст (394 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ثانيًا: العناية بشأن الإنسان حيث ذُكر في أول الآيات نزولًا مرتين.
ثالثًا: أول ما أُمر به الإنسان القراءة التي هي مفتاح التعلم.
رابعًا: تعظيم شأن القراءة؛ حيث أُمر بها مرتين.
خامسًا: أول أداة ذكرها الوحي هي القلم.
سادسًا: أول ما وصف الله به نفسه في أول الآيات نزولًا الرب الخالق الأكرم المعلم.
سابعًا: أول ما وصف به الله الإنسان القدرة على التعلم، ثم إن القرآن الكريم قد بيّن للإنسان حقيقته وجلّاها له حتى لا يزهو ويتكبّر ويفتخر، وحتى لا يزدري نفسه ويحتقرها، فذكر الله ﵎ الإنسان في القرآن الكريم بأصل نشأته، قال سبحانه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (السجدة: ٧ - ٩)، وقال الله ﵎ عن الإنسان الأول: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: ٢٨، ٢٩) وهكذا لفت القرآن الكريم نظر الإنسان إلى حقارة ذلك الماء الذي خلقه الله منه في رحم أمه من ماء مهين، ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِق * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِق * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِب﴾ (الطارق: ٦، ٧) ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِين﴾ (يس: ٧٧) فذكر الله ﵎ الإنسان بأصله وأن أصله ماء مهين نطفة قذرة، ذكر الله تعالى الإنسان بأصله ليهذّب كبرياءه فيجعله متواضعًا واقعيًّا في حياته، كما قال بعضهم: من كان أوله نطفة قذرة وآخره جيفة نتنة وهو بين ذلك يمشي وبين جنبيه الأقذار كيف يتكبر؟!
стр. 107
فذكر الله ﵎ الإنسان بأصل خلقه من ماء مهين من ماء دافق؛ ليندِّد بغطرسة الإنسان ويهذّب كبرياءه فيجعله متواضعًا واقعيًّا في حياته، ثم بيَّن له عناية الله به في ظلمات الرحم، حينما أنشأه جنينًا وربَّاه في بطن أمه حتى أتم خلقه ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُون﴾ (الزُّمَر: ٦)، ويقول سبحانه مبينًا الأطوار التي يمرّ بها الإنسان في بطن أمه حتى يخرج بشرًا سويًّا في أحسن صورة يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: ١٢ - ١٤) ذكر الله ﵎ الإنسان برحمته به وتربيته له في بطن أمه؛ ليثير عنده عاطفة العرفان بالجميل والشكر للخالق والخشوع لله، فكان من نتيجة هذه التربية القرآنية دعاء الرسول ﷺ في السجود: ((سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)).
وفي مقابل ذلك كله بيّن الإسلام للنوع البشري أنه ليس من الذلة والمهانة والابتذال في درجةٍ يتساوى فيها مع الحيوان والجماد وسائر المخلوقات، فقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠)، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ (الحج: ٦٥)، وقال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (الجاثية: ١٣) فقد رزق الله تعالى الإنسان قدرة جعله بها يسيطر على ما حوله من الكائنات وسخرها له، ومنعه من أن يذلّ نفسه لشيء
стр. 108
منها، وجعله آمنًا من كل المخاوف إزاء كل هذه الكائنات، بل أشعره بأنها طوع يده سخرها الله تعالى لمصلحته، وهذه خطوة تربوية ربانية ينشِّئ بها القرآن الكريم الإنسان على الشعور بالكرامة وعزّة النفس، ويشعره في الوقت ذاته بفضل الله ، فإذا ركب شيئًا مما سخر الله له كالطائرة والسيارة والبهائم الحيوانية؛ ذكر الله ﵎ مسبّحًا شاكرًا بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (الزخرف: ١٣، ١٤).
ومما كرّم الله تعالى به الإنسان أن جعله قادرًا على التمييز بين الخير والشر، فألهم الله تعالى النفس الإنسانية فجورها وتقواها، وغرس في جبلّتها الاستعداد للخير والشر، وجعل عند الإنسان إرادة يستطيع بها أن يختار بين الطرق المودّية للخير والسعادة أو الطرق الموصلة إلى الشقاء، وبيَّن له أن هدفه في هذه الحياة أن يترفّع بنفسه عن سبل الشر وأن يزكّي نفسه، أن ينمّيها ويطهّرها ويسمو بها في وقت معًا نحو الفضيلة والاتصال بالله قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٧ - ١٠).
وأخبر الله ﵎ الإنسان بما جُبل إليه من دنايا الأخلاق وقبيح الصفات، ثم أرشده إلى وسائل التزكية التي بها يزكو ويطهر فيصلح لمجاورة الرب في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (المعارج: ١٩ - ٢١)، فلما أخبر الإنسان بما جُبل عليه من دنايا الأخلاق وقبيح الصفات أرشده إلى وسائل التزكية فقال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ
стр. 109
أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (المعارج: ٢٢ - ٣٥).
فالجنة هي مأوي ومنزل الإنسان إذا زكّى نفسه وطهرها، أما من دسَّاها فقد خاب وخسر، ولذلك لعن الله قومًا دعاهم غرورهم إلى أن يكذبوا بهذه الحقيقة فزعموا أن النفس الإنسانية لا تطغى قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (الشمس: ١١ - ١٣) ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء، لكن القوم كذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقبها، فكان جزاء طغيانهم أن سوى الله بهم وبمدينتهم الأرض؛ لأنهم اختاروا طريق الشر ومعصية الله ورسوله قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (طه: ٧٤ - ٧٦).
ومما كرم الله به الإنسان وفضله أن وهبه القدرة على التعلم والمعرفة، وزوّده بكل أدوات هذه القدرة، كما قال في الآيات التي سبقت في أول سورة العلق: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ٣ - ٥) بل إن الله علم آدم وهو في السماء قبل أن ينزل الأرض، وأظهر شرفه للملائكة بالعلم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: ٣١ - ٣٣).
стр. 110
وزوَّد الله ﵎ الإنسان بكل الحواس التي يستطيع بها أن يتعلم ما أمره الله به أن يتعلمه فقال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: ٧٨) فالسمع معناه إحراز المعرفة التي اكتسبها الآخرون، والبصر معناه تنميتها بما يُضاف إليها من ثمرات الملاحظة والبحث، والفؤاد معناه تنقيتها من أدرانها وأوشابها ثم استخلاص النتائج منها، وهذه القوى الثلاث إذا تضافرت بعضها على بعض نتجت عنها المعرفة التي منَّ الله بها على بني آدم، والتي بها وحدها استطاع الإنسان أن يهزم سائر المخلوقات ويسخرها لإرادته، ولقد عاب الله ﵎ أقوامًا لم ينتفعوا بهذه الحواس التي وهبهم الله ﵎ إيَّاها، وتوعدهم على إهمالها بالنار فقال : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩).
من أهم أهداف التعلم عند الإنسان والفكر: أن يتعلم الإنسان شريعة الله كما قال الله تعالى حكاية عن الأبوين إبراهيم وإسماعيل أنهما دعوا الله ربهما: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيم﴾ (البقرة: ١٢٩)، كما أن من أهم الأهداف التي وُهِب الإنسان من أجلها هذه الحواسّ أن يتفكّر في نفسه وفي الكون من حوله، فإن الله ﵎ أمر بذلك فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: ٢٠ - ٢١)، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (الغاشية: ٢٠).
стр. 111
ولم يكتفِ الإنسان بتكريم الإنسان وتفضيله وتمييزه على الكائنات، بل حمَّله مقابل ذلك مسئولية عظيمة، وكلفه بتكاليف كثيرة، رتَّب عليها الجزاء الوفاق؛ حمّله مسئولية تطبيق شريعة الله وتحقيق عبادته، تلك المسئولية التي أبتْ سائر المخلوقات أن تحملها وأشفقت من حملها كما قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٢ - ٧٣)، وكما جعل الله تعالى للإنسان حرية وإرادة وقدرة على التمييز بين الخير والشر، كذلك جعله مجزيًّا يوم القيامة بما اختار لنفسه في الدنيا من الخير أو الشر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٨)، وجعل الله تعالى مسئولًا عن الحواسّ التي وهبه إيَّاها؛ ليتفكر بها في خلق الله فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦)، هذا الشعور بالمسئولية يُربِّي في نفس الإنسان الوعي واليقظة الدائمة، والبعد عن المزالق وعدم الاستسلام للأهواء والعدالة، والبُعد عن الظلم والبغي، والاستقامة في كل سلوك الإنسان وشئونه.
كذلك قرَّر الرسول ﷺ مسئولية الإنسان عن ماله وعن عمره وعن شبابه وعن علمه، فقال ﷺ : ((لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه)). وجماع المسئوليات مسئولية الإنسان عن عبادة الله وتوحيده وإخلاص العبادة له وحده كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا
стр. 112
مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ١١٠)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٦).
فعبادة الله وحده لا شريك له هي مسئولية الإنسان في هذه الحياة، فإن قام بها دخل جنة عالية قطوفها دانية فيها من النعيم ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإن استكبر عن عبادة الله الذي خلقه فسواه دخل نارًا حامية كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠)، وقال سبحانه: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء: ١٧٢ - ١٧٣).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 113
الدرس: ٧ المبادئ العشرة لعلم أصول الدعوة .
стр. 114
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(المبادئ العشرة لعلم أصول الدعوة)
معنى أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
وعلم أصول الدعوة كغيره من العلوم له مبادئ تبصّر الطالب به، وتعرفه بغايته وهدف دراسته، وقد جمع بعضهم هذه المبادئ في قوله:
إن مبادئ أي علمٍ كان
عشرٌ تزيد من درى عرفانا
الحد والواضع ثم الاسم
والنسبة الموضوع ثم الحكم
وغاية وفضله استمداد
مسائل بها الهنا يزداد
وهذه المبادئ العشرة: اسمٌ لمجموعة من المعاني والمعارف يتوقف عليها شروع الطالب والباحث في طلب العلم وتحصيله، وسنحاول بإذن الله في هذا الدرس أن نلمّ بهذه المبادئ العشرة لعلم أصول الدعوة.
وحتى نتعرف على معنى أصول الدعوة كلقب أطلق على هذا العلم، يلزمنا أن نعرف أولًا مفردات هذا اللقب، وهي كلمة أصول، وكلمة الدعوة.
فنقول: الأصول في اللغة: جمع أصل وهو ما يُبنى عليه غيره، وضده الفرع: وهو ما يُبنى على غيره.
وأما اصطلاح الفقهاء أو العلماء: فإن الأصل يطلق على عدة معانٍ؛ منها الدليل، تقول: الأصل في وجوب الدعوة الكتاب والسنة؛ يعني: الدليل على وجوب الدعوة الكتاب والسنة، ومن معاني الأصل: الراجح كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة أي: الراجح حمل الكلام في الأصل على الحقيقة، ويطلق الأصل أيضًا على القاعدة المستمرة، كقولهم: إباحة الميتة على خلاف الأصل، على خلاف القاعدة، فالقاعدة في المحرمات: يحرم أكل الميتة، ولكن أبيح أكل
стр. 115
الميت على خلاف الأصل؛ أي: على خلاف القاعدة، والمختار من هذه الاصطلاحات مما يناسب موضوعنا هو المصطلح الأخير وهو القواعد الثابتة.
أما كلمة الدعوة: فإنها تدور مادتها على معنى الطلب والنداء إلى أمرٍ والحثّ والحض عليه، فمن دعا بالشيء فقد طلب إحضاره، ومن دعا إلى الشيء فقد حثّ على قصده وسأل غيره أن يجيبه إليه. وقد تكون الدعوة إلى الخير وتكون إلى الشر، كما تكون إلى الحق وإلى الباطل، وتكون إلى الجنة وإلى النار، قال الله ﵎ عن الشيطان وأعوانه: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٢١)، وقال عن فرعون وملئه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (القصص: ٤١) وقال الله تعالى عن نفسه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ (يونس: ٢٥)، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: ((من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا)).
أما الدعوة اصطلاحًا: فإن كلمة الدعوة في اصطلاحها الشرعي وعند أهلها من الدُّعاة والعاملين يُعرف معناها بتقدير مضافٍ إليه محذوف لاشتهاره، فهي دعوة الله أو دعوة الإسلام؛ أي: أنها دعوة إلى الله أو دعوة إلى دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ (يوسف: ١٠٨)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤٥، ٤٦)، وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: ١٢٥)، وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤)، فالدعوة اصطلاحًا: نداء الناس إلى الله تعالى إيمانًا به وتصديقًا، وإلى دين الإسلام إجابة وتحقيقًا، قال
стр. 116
الإمام الطبري: الدعوة هي دعوة الناس إلى الإسلام بالقول والعمل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا به.
أما أصول الدعوة كلقب أطلق على هذا العلم، فإن العلماء قد تكلموا فيه، فقال بعضهم: المراد بعلم أصول الدعوة الضوابط الكاملة للسلوك الإنساني وتقرير الحقوق والواجبات، والذي نختاره لتعريف علم أصول الدعوة باعتباره اللقبي: أنه علمٌ بقواعد وأحكام وأسباب وآداب يُتوصل بها إلى تمام تبليغ الإسلام للبشر عامة وتعليم وتربية المستجيبن كافة، وتحقيق التمكين لهذا الدين خاصة.
ومما تجدر ملاحظته أن العلم بالقواعد والأحكام والأسباب والآداب لا يُغفل نوازل الدعوة المعاصرة من حيث القضايا والأدوات والإمكانيات والملكات، كما يستوعب تاريخ الدعوات ومنهجية العلماء وطريقة المجددين المصلحين في الدعوة والإصلاح، كما تجدر العناية بأن الدعوة إلى الله تُعنى بأمتي الإجابة والدعوة معًا، والمقصود بأمة الدعوة: كل من أرسل إليهم رسول الله ﷺ وهم العالمون أجمعون، كما سيجيء في بيان خصائص الإسلام ومنها العالمية، فأمة الدعوة هم جميع العالمين، وأما أمة الإجابة فالمقصود بهم الذين أجابوا دعوة النبي الأمين ﷺ ، فالدعوة تتجه إلى أهل الإسلام وأهل الكتاب، كما أنها تتجه إلى من لا يتدين بدينٍ أصلًا.
والدعوة تعنى بالتربية والإعداد والتكوين وتزكية المقبلين وبناء الكوادر الدعوية والعلمية والعملية، والتربية تقوم على دعائم من الربانية والوسطية والإيجابية، وإذا كان التمكين لهذا الدين من الجوانب العملية في الدعوة فإنه يقتضي بذل كل
стр. 117
سبب مشروع لتحقيق هذا الهدف، فتأتي الأسباب المعنوية أولًا من الإخلاص والتجرّد وسلامة المعتقد وصدق الاتباع وصحة العلم، ثم الأسباب المادية من العناية بالتربية والأمر والنهي والبصيرة بالواقع والتفاعل الصحيح مع قضايا الأمة والحرص على الوحدة والاجتماع والتآلف والشمول والتكامل، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: ٥١)، وقال سبحانه: ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾.
موضوع علم أصول الدعوة
أما موضوع علم أصول الدعوة، فإن موضوع علم الدعوة هو الإسلام من حيث تبليغ رسالته والسعي لتكون كلمة الله هي العليا، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥) والدعوة لها جوانب منها المضمون، والمقصود وهو بيان الإسلام بمراتبه وأركانه وشرائعه وأخلاقه وأنظمته وخصائصه ومقاصده ومحاسنه، ومن حيث ما يجب في بلاغ الدعوة من قواعد حاكمة وضوابط لازمة أولويات مرتبة ومآلات مرعية، ومن حيث ما يعرض للدعوة من مشكلات ومعوقات وما يتعلق بها من أحكام وآداب وما يستجد بساحتها من النوازل واستنباط أحكامها الشرعية، ومن حيث ما يتوسل به لتحقيق أهداف الدعوة من الوسائل والأساليب المشروعة، وكما يُعنى علم أصول الدعوة بما يجب على الداعي من واجباتٍ في نفسه وفي غيره، وما يليق أن يتحلى من الصفات وما يلزمه أن يتخلى عنه من الآفات، وما يتعين التزامه والانضباط به في جميع ما يتعلق بالدعوة من أعمال وممارسات.
стр. 118
ولهذا العلم علم أصول الدعوة أسماء، ومعلوم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى غالبًا.
ومن أشهر الأسماء المعاصرة لهذا العلم علم الدعوة، وهذا الاسم هو أعم أسماء هذا العلم وأوسعها وأشملها وأكثرها تناولًا واستعمالًا وباسمه صنف كتب كثيرة من أهمها على سبيل المثال (المدخل إلى علم الدعوة) لفضيلة الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني؛ حيث عرَّف هذا العلم بقوله: هو مجموعة القواعد والأصول التي يتوصَّل بها إلى تبليغ الإسلام للناس وتعليمه وتطبيقه. وعلى هذا الاسم علم الدعوة درج كثيرٌ من الكُتَّاب والدعاة المعاصرين.
ومن أسماء هذا العلم اسم أصول الدعوة، وهو الاسم الذي اخترناه واعتمدناه في بحثنا هذا تعريفًا واصطلاحًا لقبيًّا لهذا العلم، فتدخل أدلة الدعوة ومصادرها وأركانها دخولًا أوليًّا، ثم يمتدّ نطاق هذا المصطلح ليشمل أحكامًا وآدابًا تتعلّق بالدعوة في وسائلها ونوازلها المتصلة بقضية البلاغ، وصنيع من كتب في أصول الدعوة من العلماء والدعاة يُوحي بهذا المعنى الواسع، كما في كتاب (أصول الدعوة) لفضيلة الدكتور عبد الكريم زيدان؛ حيث شمل كتابه كثيرًا مما يتصل بأصول الدعوة وموضوعها ووسائلها وآدابها، وما يتصل بالداعي والمدعوين من مسائل وإن خلا الكتاب عن تعريف اصطلاحي دقيق لهذا العلم.
ومن أسماء هذا العلم اسم مناهج الدعوة، وهذا اصطلاح يتناول خُطَّة الدعوة ونظمها، وقد يتوسع في مفهومه فيتناول الأهداف والأصول والقواعد، كما فعل فضيلة الأستاذ محمد سرور زين العابدين في كتابه (منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله)؛ حيث عن قال عن مقصوده من هذا المصطلح: قصدت الأصول والأهداف التي كانت تجمع بين أنبياء الله جميعًا، وهذا الذي يعنيه كثير من الكتاب في عصرنا، وعلى أية حال، فقد قيل: لا مشاحة في الاصطلاحات.
стр. 119
ومن أسماء هذا العلم فقه الدعوة، وهذا الاسم من أشمل هذه الأسماء وباسمه صنفت كتب كثيرة من أهمها (فقه الدعوة إلى الله) لفضيلة الدكتور علي عبد الحليم محمود.
ومن الجدير بالذكر أن أبواب هذا العلم قد أفردت بالتصنيف بل وأُفردت بالدراسة على أنها علوم مستقلة، في كلية الدعوة وأقسامها بجامعات العالم الإسلامي اليوم.
أما حكم تعلم هذا العلم، علم أصول الدعوة فنقول: إن حكم تعلم هذا العلم ينبني على حكم الدعوة نفسها، فإذا عرفنا حكم الدعوة عرفنا حكم تعلم أصولها، ومن أنعم النظر علم أن الدعوة إلى الله حياة الأديان، وأنه ما قام دينٌ ولا انتشر إلا بالدعوة، ولا تداعت أركان ملة بعد قيامها وتلاشت إلا بترك الدعوة والتعليم والتذكير، يقول الإمام ابن القيم ﵀: إذا كانت الدعوة أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، ولا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حدّ يصل إليه السعي.
وقد اتفق العلماء في الجملة على وجوب الدعوة إلى الله وذلك لعموم قول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (النحل: ١٢٥) وقوله سبحانه: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ (الحج: ٦٧)، لكنهم اختلفوا في هذا الواجب: هل هو واجب عيني أو واجب كفائي؟ يعني: هل الدعوة إلى الله فرض عين فيجب على كل مسلم أن يكون داعية، أم هي فرض كفاية؟
ولكل فريق أدلته: فمنهم من ذهب إلى أنها فرض عين ومنهم من ذهب إلى أنها فرض كفاية، وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين القولين فقال: وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به
стр. 120
غيره، فما قام به غيره سقط عنه وما عجز لم يطالب به، كما يمكن الجمع بين القولين بتقسيم الدعوة إلى قسمين: دعوة خاصة ودعوة عامة؛ فالخاصة في بيت الرجل وبين أهله وفي سلطانه وهذه الدعوة الخاصة فرض عين لقوله ﷺ : ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) والدعوة العامة في سائر المسلمين دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهي فرض كفاية لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤).
وأخيرًا فإن تحقق الكفاية في الدعوة اليوم أمر مُتعذِّر وغير متيسر، فدعوة المسلمين مجال رحب فسيح متجدد وأوسع منه وأرحب دعوة غير المسلمين للإسلام، كل ذلك في عالم يموج بالفتن وتستحكم فيه الجهالة ويتّسع فيه الخرق على الراقع؛ ولهذا فإن الدعوة إلى الله اليوم أصبحت فرضًا عامًّا وواجبًا على جميع العلماء وعلى جميع الحُكَّام الذين يدينون بالإسلام، فرض عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة والإمكان بالكتابة والخطابة وبكل وسيلة استطاعوا، وفرض عليهم ألا يتقاعسوا عن ذلك الواجب أو يتكلموا على زيد أو عمرو؛ فإن الحاجة بل الضرورة ماسة إلى التعاون والاشتراك والتكاتف في هذا الأمر العظيم.
ومن الخطأ أن يُفهم القرآن الكريم فهمًا خاطئًا ويُحمل على غير مراده، فيتقاعس الناس عن القيام بواجب الدعوة، ويتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محتجين بظاهر بعض الآيات التي أخطئوا في فهمها، ومنها مثلًا قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: ١٠٥) ففهمَ بعض الناس من ظاهر هذه الآية أن المسلم إذا كان مهتديًا في نفسه فلا يضره ضلال غيره وإلا لم يقم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا خطأٌ جاء من الفهم السقيم للآية؛ ولذلك لما أحسّ أبو بكر الصديق ﵁ بوجود مثل هذا الفهم في نفوس بعض الناس قام في الناس خطيبًا فقال: "أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يَعُمَّهم بعقاب من عنده)).
إذا معنى الآية كما فصل ذلك كثير من السلف ﴿يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يعني: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، ولم يُستجب لكم- فحينئذٍ لا يضركم ضلال من ضل، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، أما إذا أما إذا فشا المنكر وزاع وشاع في الناس وسكت القادرون عن إنكاره؛ فإن ضلال الضالين يضر المهتدين الذين قعدوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 121
المنكر، قال الله ﵎: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥)، وقال النبي ﷺ : ((مثلُ القائم في حدود والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أن خرقنا في نصيبنا خرقًا فلم نؤذِ من فوقنا)) قال ﷺ : ((فلو تركوهم وما أردوا لهلكوا جميعًا ولو أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ترك أهل العلم لتبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد، وترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم. كما أنه لا يجوز للداعية أن يقعد عن القيام بواجب الدعوة والتبليغ؛ لأن الناس لم يستجيبوا له ولم يقبلوا دعوته ولم يهتدوا بهديه؛ فإن الله قال للنبي ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: ٥٦)، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
стр. 122
يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: ٢٧٢) فالدعاة حين يقومون بواجب الدعوة إلى الله إنما يقيمون الحجة لله على مدعوين، ويعذرون أنفسهم من الله ، وبعد ذلك يرجون هداية المدعوين ويرجون دخولهم في دين الله أفواجًا، فإذا قاموا بواجب الدعوة فقد أصابوا هدفين من هذه الثلاثة؛ أقاموا حجة الله عل العباد، وأعذروا أنفسهم من الله فإن لم يهتدِ المدعوون فحسبهم أن أصابوا هدفين من الثلاثة، وإن قبل المدعوين دعوتهم فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فضائل علم أصول الدعوة
وفضل هذا العلم عظيم، علم أصول الدعوة فضائله تجلّ عن الحصر وتفوق عن العد؛ فإن له ما للقيام من الدعوة من فضائل؛ لأنه بتعلم علمه يحصل المتعلم عميم الأجر وجزيل الفضل، فأجور الدعاة مضاعفة أبدًا، والدعاة الفقهاء بأصول الدعوة يترقون في مقامات الأنبياء تعلمًا وتعليمًا، قائمين على حدود الله يحفظون الدين من الوَهن ويجددون أركانه ويرعون سفينة المجتمع أن تغرق في بحار الشهوات والشبهات، وبتعلم أصول الدعوة يتوصل إلى تحقيق الحكمة الدعوية المأمور بها قرآنًا وسنة وتتحقق البصيرة بسبيل الدعوة وأساليبها ووسائلها، ويتوصل إلى أحكام الله تعالى في النوازل الملمة ومناهج التغيير ووسائله ومسائله المستجدّة، فإذا كان الدعاة ورثة الأنبياء في التزكية والبلاغ فإن الدعاة العلماء في الذروة من هذه المنزلة.
يقول ابن القيم ﵀: "إن أفضل منازل الخلق عند الله منزلة الرسالة والنبوة، فالله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس"، فكيف لا يكون أفضل الخلق عند الله من جعلهم وسائط بينه وبين عباده في تبليغ رسالاته وتعريف
стр. 123
أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وجعل أشرف مراتب الناس بعدهم مرتبة خلافتهم ونيابتهم في أممهم بأنهم يخلفونه على مناهجهم وطريقهم من نصيحتهم للأمة، وإرشادهم الضال، وتعليمهم الجاهل، ونصرهم المظلوم، وأخذهم على يد الظالم، وأمرهم بالمعروف وفعله، ونهيهم على المنكر وتركه.
والدعوة إلى الله بالحكمة للمستجيبين والموعظة الحسنة للمؤمنين الغافلين، والجدال بالتي هي أحسن للمعاندين المعرضين. وإذا كان طلب العلم محمودًا ومعدودًا في سبيل الله- فإن طلب العلم الذي يتوقف عليه تبليغ الدين وإقامته من أعظم الجهاد، كما قال ﷺ : ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر))، وإذا كان دعاء النبي ﷺ وأهل السموات والأرض للدعاة عمومًا فإن الدعاة الذين نفروا ليتفقهوا في أصول الدعوة هم في الطليعة من هذا الخير، فهم أحسن الدعاة قولًا وأصلحهم في المسلمين عملًا، وإذا كان جهاد الدعوة بالكلمة له فضل كبير فإنه لا يدرك أمانة الكلمة ولا فقهها مثل الدعاة العلماء بهذا العلم النفيس، قال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣) أولئك والله هم الأقلون عددًا والأعظمون عند الله قدرًا، ليحفظ الله بهم حججهم وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان متعلقة بالمحلّ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه.
وإذا كانت الدعوة إلى الله من أشرف الأعمال عند الله، فإن علم أصولها من أشرف العلوم وأنفعها للداعي والمدعو على حد سواء، وكل فضلٍ ثبت للدعاة عمومًا فأرباب والبصيرة بأصول الدعوة وفقهها به أولى وأحرى، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١).
стр. 124
ولا يفوت في هذا المقام أن نؤكد على أن تعلم هذا العلم -علم أصول الدعوة- من أعظم سُبل الوحدة والائتلاف، ونبذ الفرقة والاختلاف، ومن أعظم أسباب صلاح ذات البين، وما قد يوجد من مظاهر الفرقة والتخالف بين الدعاة مردّه إلى أمور كثيرة؛ من أهمها غيابُ أو ضعف العلم الشرعي الأصيل، وكذا علم أصول الدعوة وفقه ممارستها، وخفوت نور الربانية في الصدور وضعف التحقق بالأخلاق النبوية والشمائل السلفية، فلا غنى عن غلبة روح التأصيل العلمي، والتفريق بين المقبول والمردود من الخلاف والمحكم والمتشابه من النصوص والقطعي من الظني من الدلالات.
نشأة علم أصول الدعوة، والمراحل التي مر بها
أما عن نشأة هذا العلم علم أصول الدعوة والمراحل التي مر بها، فإن مفردات هذا العلم قديمة قدم الدعوة، لم ينفك علم الدعوة عن عملها في منهج الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وما زال علم الدعوة وعملها عبادة يتقرّب بها الدعاة إلى الله تعالى جيلًا بعد جيل، ولما قام عبد الله ورسوله ﷺ يدعو إلى الله تاليًا آياته ومعلمًا أحكامه ومزكيًا أتباعه؛ تخرّج أصحابه في مدرسته وتفقهوا بعلمه وتأدبوا بأدبه، وأنجز الله لهم وعده؛ فأظهر دينه وأعلى كلمته وأعز أهله واقتفى التابعون ومن بعدهم آثار الأسلاف، فنشروا الإسلام وبلغوا فيه كل مبلغ، فكانت كل الجهود مصروفة إلى حفظ العلم وإتقان العمل.
وعندما بسط الإسلام نوره على الدنيا ودانت له الأرض اتجهت العلوم وجهة التأصيل والتقعيد، وكان علم الدعوة أبوابًا منثورة في كتب السنة ودواوينها حينًا وفي كتب التفسير وشروحها حينًا وفي كتب السير والتاريخ والتراجم أحيانًا
стр. 125
أخرى، ولم يجتمع من ذلك علما بالمعنى الاصطلاحي للعلم؛ لأن مبعث تأصيل العلوم وإفرادها بالتصنيف هو الحاجة إليها، ولم تكن الدعوة إذ ذاك عملًا مهجورًا ولا أمرًا مستورًا؛ إذ كان المجتمع الإسلامي كله ناشطًا بالدعوة إلى الله، تسري روحها في أوصاله وتتنفس رحيقها جنباته. وكانت تلك الدولة الإسلامية آنذاك ترى الدعوة إلى الله أولى وظائفها في الداخل ومحور علاقاتها في الخارج، بل كانت ترى الدعوة سرّ وجودها ونظام حياتها وبقائها؛ تارة تخاطب بإرسال الدعاة وتارة تدعو باستقبال الوفود وتارة تدعو بالحسبة والتغيير وتارة تزيل العقبات أمام الدعوة بالجهاد، فكان المجتمع أفرادًا وجماعات حكَّامًا ومحكومين، متحققين في الجملة بقول رب العالمين: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: ٤١)، وبقي الأمر مقاربَا حتى خلف من بعدهم خلف أضاعوا الوجبات واتبعوا الشهوات وأهملوا العلم والعمل على مختلف المستويات، فما استفاقوا إلا على استلاب دولتهم وزوال خلافتهم، وتفرق شملهم، وتغير حالهم، واستبدالهم بالقوة ضعفًا وبالعزة ذلًّا وبالغنى فقرًا.
إلا أن السُّبات وإن طال فلا بد بإذن الله من يقظة، والغفلة وإن استمرت فلا بد من صحوة، فتنادى المصلحون من كل جانب ليعود المسلمون إلى سابق عهدهم وسالف مجدهم، وعادت الدعوة لتبعث الأمة من جديد فكتب الدعاة العلماء يشخِّصون الداء ويصفون الدواء، وبرزت الحاجة إلى هذا العلم -علم أصول الدعوة- بإلحاح؛ نظرًا لما يكتنف الأمة من جهالة وما يحيط بالعمل الدعوي من غموض في بعض مفاهيمه وخللٍ في بعض أصوله واضطراب في مناهجه وقصورٍ في أساليبه وجمود في وسائله وخطورة في نوازله، وعقبات عملية في طريقه تهدف إلى وأده تارة وتشويهه وتعويقه تارة أخرى، فقام في
стр. 126
العصر الحديث نهضة دعوية وتيارات إسلامية وعُرفت المؤسسات الدعوية والإعلامية وتأسست الكليات الدعوية والأقسام العلمية في الجامعات الشرعية؛ كل ذلك خدمة لقضية الدعوة.
ولا جرم أن كان تدوين هذا العلم في أوله قاصرًا محدودًا ثم تكاملت واجتمعت أجزاؤه وأركانه، فاستوى وقام على سوقه، وبلا شك فقد كان أوله في العصر الحديث عاطفةً وحماسًا وإن لم يخلُ من تأصيل وتقعيد، ثم إن آخره كان فقهًا وتقعيدًا وإن لم يخلو من عاطفة وتحميس، فلا عجب أن يستفيد اللاحق من السابق، فيؤصل للدعوة مناهجها ويضبط وسائلها وأهدافها، ويبصرها بمواضع الزّلل ومكامن الخلل ومواطن الرشد وأسباب العلاج، وقديمًا قيل: كما ترك الأول للآخر.
ومما تجدر ملاحظته أن التصنيف الخاص في الدعوة إلى الله أخذ في بادئ الأمر سمة الوعظ والتذكير والمخاطبة بما يرقق القلوب ويزهّد في الدنيا ويرغّب في الآخرة؛ حيث عُرفت أبواب الرقاق في عامة كتب الحديث كالصحاح والسنن، وأُفردت أبواب الزهد بكتب مستقلة كـ (الزهد) لابن المبارك وللإمام أحمد، ونحو ذلك مما يشتمل على دعوة النفس ومحاسبتها، ثم جاء ابن الجوزي بكتابه الوعظي (التبصرة) وقد جمعت خطبه ومجالسه وعظه في أسفار عديدة، مثل "اللطف في الوعظ" و"الشفاء في مواعظ الحكام والخلفاء"، ثم ألف كتابًا بعنوان (القصاص والمذكرين) ضمنه طائفة من القواعد الأساسية في الدعوة إلى الله، وبيانًا لكيفية الدعوة وآداب الداعي وشروطه، كما ضمّنه تراجمَ مجموعة من القصاص والمذكّرين ونتفًا مضيئة من جوامع الكلم وروائع البيان عن الصحابة فمن بعدهم، وقد سمَّى ابن الجوزي هذا الفن بأسماء ثلاثة: القصص والتذكير والوعظ، فلو قيل: إن ابن الجوزي المتوفى عام خمسمائة وسبعة وتسعين -
стр. 127
رحمه الله- لو قيل: إنه هو واضع هذا الفن -فن علم أصول الدعوة؛ لم يكن ذلك القول بعيدًا، على أن الوعظ والتذكير والقصص كلها تندرج تحت معنى واحد هو الدعوة إلى الله بالكلام أو بالخطابة.
وما ورد عن السلف من ذم للقصاص فهو محمول على ما لم يكن فيه علم الكتاب والسنة، أو ما لم يتحرَّ أصحابه فيه الصدق والصواب والإخلاص، ولقد عُني العلماء بالتفصيل في مسائل علاج النفوس ومداومتها؛ فضرب الغزالي بسهم وافر في كتابه (منهاج العابدين) وأبواب من (إحياء علوم الدين) وكذا ابن حزم في كتابيه (علل النفوس ومداوتها) و (الأخلاق والسير)، وأوفى على الغاية شيخا الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في كتبهما النافعة، لا سيما (مدارج السالكين) لابن القيم (في شرح منازل السائرين) و (حادي الأرواح) و (الفوائد) وغيرها من كتب ابن القيم و (التحفة العراقية في الأعمال القلبية) لابن تيمية وغير ذلك. وما زال أهل العلم يضعون كتب في الوعظ وفي الخطابة تارة وفي تربية النفوس ورياضتها تارة أخرى، وربما جمعوا بين السير والتراجم من جهة والدعوة إلى إصلاح النفوس من جهة أخرى، كما فعل أبو نعيم الأصبهاني في كتابه (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) وكما فعل الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء)، وربما جمعوا بين السيرة النبوية والفقه والدعوة إلى الاقتضاء والتأسي كما فعل ابن القيم في كتابه (زاد المعاد في خير هدي العباد)، وربما تضمنت كتب الآداب هذا المعنى ككتاب (أدب الدنيا والدين) للماوردي و (الآداب الشرعية) لابن مفلح الحنبلي، كما صنفت كتبٌ مبكرة في الحسبة وأحكامها وآدابها ككتابي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) للخلال وابن تيمية، و (معالم القربى في أحكام الحسبة) لابن الأخوة الشافعي.
стр. 128
وقد تواكب مع هذا الاتجاه اتجاه آخر يُعنى بمقارنة الأديان والرد على المخالفين في أصل الدين، ككتاب (الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح) لابن تيمية، و (هداية الحيارى) لابن القيم.
إلا أن نقل نوعية ضخمة في التصنيف هذا العلم -علم أصول الدعوة- قد وقعت بتنحية الشريعة وإسقاط الخلافة في العصر الحديث، ومع محاولات الدعاة والمصلحين لاستئناف الحياة الإسلامية الحقَّة جدَّت لهذا العلم مداخل وروافد عديدة، وصلته بالسياسة الشرعية تارة وبالفقه وأحكام النوازل تارة وبعلوم الحياة ووسائل الاتصال والتعبير تارة أخرى، وبدأ علم أصول الدعوة يتناول بهذا الاسم، وتكتب فيه كتب ودراسات وتعدّ في تأصيله مداخل، وتدرس الدعوة من مختلف جوانبها فقهًا وتاريخًا ومنهجًا وخططًا ووسائل وأساليب، كما سيلمح هذا جليًّا في المجموع المنتقاة من كتب الدعوة التي سنذكرها في آخر درسنا هذا إن شاء الله تعالى.
روافد علم أصول الدعوة، ونسبته، وثمرته، ومسائله، ومصادره
وكل علم من العلوم له مصادر وروافد تمدّه بمددها، وعلم أصول الدعوة له كذلك مصادر وروافد، تمتدّ ليشمل ما يحيط بتبليغ رسالة الإسلام للبشر عامة وتعليم وتربية المستجيبين كافة، وتحقيق التمكين لهذا الدين خاصة، فيستمدّ مادته من العلوم الشرعية إضافةً إلى ما في الماضي والحاضر من تجارب ودعوات وما في الواقع من أسباب ووسائل ومحاولات، وما في النفس البشرية من نزعات وتوجهات، والإحاطة بهذه الروافد العديدة يمكن أن يتناول على النحو الآتي:
стр. 129
أولًا: علم الإيمان: فلا بد للداعية أن يُحيط بأركان الإيمان وحقيقته ومسائله ونواقضه، وما يتضمن ذلك من الرد على الملاحدة والدهرين وغيرهم من المخالفين.
وكذلك علم الأخلاق والسلوك والتربية، فيأتي بعد علم الإيمان؛ لأن القرآن المكي اهتمَّ بعد العقيدة بالأخلاق اهتمامًا كبيرًا، فيتعيّن على الداعية أن يحيط علمًا بالأخلاق الفاضلة وأن يتحقق بها عملًا وهديًا وسمتًا، وأن يتعلم كيف يعلّمها ويربي غيره عليها.
كذلك علم الأحكام -أحكام العبادات- وما لا غنى له عنه من الأحكام المعاملات، وما لا يسعَ الداعي جهله من منهاج وطرائق الاستنباط والاستدلال وقواعد الفقه وقضاياه الكلية، كذلك علم السيرة والتاريخ- سيرة النبي ﷺ والصحابة، فيهما البيان لمنهجه العملي في الدعوة إلى الله، فهو ﷺ القدوة وهو فيها الأسوة، ومن سيرته وسيرة أصحابه تؤخذ العبرة.
وتجارب الدعاة وتصرفات العلماء مصدرٌ مهم في أصول الدعوة، على الداعية أن يستفيد من تجارب السابقين، وكذلك عليه أن يستفيد من العلوم المعاصرة الحديثة المستجدة، مثل علوم الإدارة وفنون الاتصال ووسائل التأثير وأساليب الخطاب المناسبة لزمانها ومكانها.
أما نسبة علم أصول الدعوة: فإن نسبة هذا العلم وعلاقته بغيره من العلوم، وارتباطه بغيره من الفنون نسبة دقيقة؛ من حيث إن عناصر هذا العلم مشتقة من أصول علوم إسلامية مختلفة، فالداعي إلى الله الدارس لهذا العلم ينبغي له أن يتمكن من معرفة صحيحة بالمسائل الاعتقادية، وأن يكون له إلمام وافٍ بالأحكام الشرعية العملية وطرائق استنباطها وأصول الاجتهاد والفقه الدعوي، فلا غنى
стр. 130
عن اجتماع العقيدة والشريعة والمنهج والسيرة والتاريخ، والأسلوب العملي الأمثل لتحقق البصيرة، وبذلك كله يكتمل بيان هذا العلم، وبهذه الهيئة الاجتماعية المركبة من عناصر علوم مختلفة يُغاير هذا العلم ما عداه من العلوم والفنون وتظهر شخصيته المتميزة، فلا يغنى عنها بتخصصها الدقيق ولا تغني عنه في مجاله لشموله واتساع نطاقه وتميزه بهذه الهيئة المركبة الجامعة، إذ ليس هذا العلم علم عقيدة أو شريعة أو مجرد طريقة وأسلوب في الدعوة أو دراسة في تاريخ وواقع وبيئة الدعوة زمانًا ومكانًا، أو معرفة بمهارات الإدارة وفنون الاتصال، وإنما هو ما يجتمع ويتألف من ذلك كله، فهو علمٌ ذو شخصية متميزة، وعلى ذلك فإن علاقته بغيره من العلوم هي العموم والخصوص الوجهي، فهو أعم من جهة كثرة موارده وروافده وعلاقاته، وأخص من جهة ميدانه إلا وهو الدعوة والتربية.
وثمرة علم أصول الدعوة ثمرةٌ عظيمة، هذه الثمرة تتصل بالدين وبالمجتمع وبالدعوة وبالدعاة؛ أما بالنسبة للدين: فثمرة علم أصول الدعوة إقامة الدين، وذلك بالعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية وبسط سلطانها واستئناف الحكم بها والتحاكم إليها، والموازنة بين مختلف المصالح في هذا السبيل، واتخاذ المواقف المناسبة من المنكرات القائمة دفعًا أو تقليلًا مع النظر إلى العواقب والمآلات، وتقويم الفكر المنحرف ودحض العقائد والأفكار الزائفة، ومحاربة الزيغ عن الصراط المستقيم في شتى صوره.
أما بالنسبة للمجتمع المسلم: فثمرة هذا العلم له هي العمل على استفاضة البلاغ في الأمة والمجتمعات الإسلامية، ونشر العلم بين أبنائها وإظهار السنة وقمع البدع، وترشيد السعي لتحرير مقدسات الإسلامية، وإشعال روح الجهاد وبعث
стр. 131
الأمة في مواجهة أعدائها، والأخذ بأسباب القوة المادية والمعنوية، حتى يحصل النصر المبين الذي وعد الله به المسلمين.
أما بالنسبة للدعوة ذاتها: فثمرة علم أصول الدعوة هي حماية الدعوة من إلحاق الضرر بها من داخلها أو خارجها، واستبانة سبيل المجرمين وردّ كيد الكائدين واتخاذ قرارات ملائمة بشأن أولويات الدعوة في حدود الزمان والمكان، والعمل على تكامل الأعمال الدعوية والتنسيق بينها والجمع بين مجهوداتها والإصلاح بين أربابها.
أما الثمرة التي يقطفها الدعاة من علم أصول الدعوة: فهي تعلم أصول العمل التربوي الفردي والجماعي، وممارسة التربية والتزكية بمراحلها وخصائصها وضوابطها؛ مما يحقق وجود الإنسان الصالح وتحصيل البصيرة في حال المدعوين على اختلاف أصنافهم وأحوالهم، ومعاملة كل ما يليق.
أما مسائل علم أصول الدعوة: فإنها كثيرةٌ متعددة، وذلك لكونه يتعلق بعلومٍ وفنون كثيرة، ويستمدّ من روافد متنوعة كعلم الإيمان والأخلاق والفقه والأحكام والسيرة والتاريخ والتراجم وعلوم الإدارة والتخطيط والواقع ومستجداته والإعلام ووسائله، فهذه هي بإجمال مسائل علم أصول الدعوة.
أما مصادر هذا العلم فهي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة التي هي بيان للقرآن الكريم كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤)، والحمد لله قد شرح العلماء من السلف والمعاصرين السنةَ في كتب كثيرة، ومنها العقيدة الصحيحة والأخلاق الإسلامية العليا والسيرة النبوية والتاريخ والتراجم والأحكام ومداخلها وكتب الآداب وكتب الدعوة ومناهجها وفقهها وتاريخها وأصولها.
وصلى وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 132
الدرس: ٨ التصور الإسلامي للمعرفة بأنواعها المختلفة .
стр. 133
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(التصور الإسلامي للمعرفة بأنواعها المختلفة)
الفرق بين العلم والمعرفة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
التصور الإسلامي للمعرفة بأنواعها المختلفة؛ من معرفة حسية وعقلية وفطرية ووحيية:
المعرفة في اللغة ضدّ الإنكار، وتعود إلى معنى السكون والطمأنينة، ويستند ذلك إلى أن ثبوت المعنى في النفس يقتضي سكونها إليه بخلاف ما لم يثبت في النفس، فإنها تُنكره، قال ابن فارس: العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلًا بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة، تقول: عرف فلان فلان عرفانًا ومعرفة، وهذا أمر معروف، وهذا يدل على ما قلناه من سكونه إليه؛ لأن من أنكر شيئًا توحش منه ونبعد. وهذا الأصل ينطبق على معنى العلم من جهة أنه ثبوت المعلوم وتحققه في النفس؛ فمن علم بشيء فقد عرفه، ومن عرفه فقد علم به؛ ولهذا يفسر أهل اللغة المعرفة بالعلم، كما جاء في (اللسان): العرفان العلم، كما يُفسرون العلم بالمعرفة كما جاء في (اللسان) أيضًا: علمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته.
وقد يفرق بعض أهل اللغة بين المعرفة والعلم لكن على وجه لا ينافي اتفاقهما في المفهوم الإجمالي، ومن ذلك قول أبي هلال العسكري: الفرق بين العلم والمعرفة، أن المعرفة أخصّ من العلم؛ لأنها علم بعين الشيء مفصلًا عما سواه، والعلم يكون مجملًا ومفصلًا، فكل معرفة علم وليس كل علم معرفة، وذلك أن لفظ المعرفة يُفيد تمييز المعلوم من غيره، ولفظ العلم لا يفيد ذلك إلا بضربٍ آخر من التخصيص في ذكر المعلوم. والشاهد قول أهل اللغة: إن العلم يتعدى إلى مفعولين ليس لك الاقتصار على أحدهما إلا أن يكون بمعنى المعرفة، ولا تنافي
стр. 134
يبن تفسير العلم بالمعرفة والمعرفة بالعلم، وبين أن يكون لكل منهما مع ذلك معنى يختصّ به، وإنما المقصود اشتراكاهما في المفهوم الإجمالي المستند إلى ثبوت معنًى في النفس هو حقيقة العلم والمعرفة، وكما يقول الإمام ابن حزم: فالعلم والمعرفة اسمان واقعان على معنى واحد، وهو اعتقاد الشيء على ما هو عليه وتيقنه وارتفاع الشكوك عنه، وهذا المعنى القائم في النفس حقيقة ضرورية يُدركها الإنسان من نفسه، وهي أظهر من أن تُعرّف أو يستدل لإثباتها؛ لأن كل إدراك لأمر كلي أو جزئي متوقف على ثبوت حقيقة المعرفة في النفس ثبوتًا ضروريّا لا يمكن الجهل به أو الشك فيه، والتعريف إنما يكون بما هو أظهر وأوضح مما يراد تعريفه، والمعرفة هي أظهر المعارف بحيث لا يمكن تعريفها بما هو أظهر منها.
وبتذوّق اللفظ القرآني وتفهمه أدرك البعض أن بين المعرفة والعلم خصوصًا وعمومًا سواء من جهة اللفظ أو المعنى، يقول الأستاذ عبد الحكيم المغربي: المعرفة إدراك الشيء بتفكرٍ وتدبّرٍ لأثره، وهي أخص من العلم، ويقال: فلان يعرف الله، ولا يقال: يعلم الله، متعديًا إلى مفعول واحد، وعرفه يعرفه معرفة وعرفانًا فهو عارف.
والعلم والمعرفة يُفرق بينهما من جهة اللفظ ومن جهة المعنى:
أما من جهة اللفظ: ففعل المعرفة يقع على مفعول واحد، تقول: عرفت الديار، قال الله تعالى: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (يوسف: ٥٨) وقال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة: ١٤٦)، وفعل العلم يقتضي مفعولين كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (الممتحنة: ١٠)، وإذا وقع على فعل مفعول واحد كان بمعنى المعرفة كقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠).
стр. 135
وأما من جهة المعنى، فمن وجوه:
أحدها: أن المعرفة تتعلق بذات الشيء والعلم يتعلق بأحوال الشيء، فتقول: عرفت أباك وعلمته صالحًا؛ ولذلك جاء الأمر في القرآن الكريم بالعلم دون المعرفة كقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (هود: ١٤) فالمعرفة تصور التصور، والعلم حضور أحوال الشيء وصفاته ونسبتها إليه؛ فالمعرفة نسبة التصور والعلم نسبة التصديق.
ثانيها: أن المعرفة في الغالب تكون لما غابَ عن القلب بعد إدراكه، فإذا أدركه قيل: عرفه، أو تكون لما وُصف بصفات قامت في نفسه، فإذا رآه وعلم أنه الموصوف بها قيل: عرفه، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (يوسف: ٥٨)، فالمعرفة نسبةُ الذكر في النفس، وهو حضور ما كان غائبًا عن الذاكر؛ ولهذا كان ضدّها الإنكار وضد العلم الجهل، قال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ (النحل: ٨٣)، ويقال: عرف الحق فأقرَّ به، وعرفه فأنكره.
ثالثها: أن المعرفة تُفيد تمييز المعروف عن غيره، والعلم يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره.
رابعها: أنك إذا قلت: علمت محمدًا، لم تفد المخاطب شيئًا؛ لأنه ينتظر أن تخبره على أيِّ حال علمته، فإذا قلت: كريمًا أو شجاعًا حصلت له الفائدة، وإذا قلت: عرفت محمدًا، استفاد المخاطب أنك أثبته وميزته عن غيره، ولم يبقَ أن ينتظر شيئًا آخر.
خامسها: أن المعرفة علمٌ يعيّن الشيء مفصلًا عما سواه، بخلاف العلم فإنه قد يتعلق بالشيء مجموعًا ومفرقًا.
стр. 136
وفرق بين العلم والمعرفة عند المحققين: أن المعرفة هي العلم الذي يقوم العالم بموجبه ومقتضاه، فلا يطلق المحققون المعرفة على مدلول العلم وحده.
الحس في الفكر الإسلامي
أما المعرفة الحسية، فالله قد ذكر الحس في القرآن الكريم في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (مريم: ٩٨) وامتن الله على الناس بما وهبهم من الحواس، فقال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شيئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: ٧٨) وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (المؤمنون: ٧٨)، فالحواس لها أهميتها في المعرفة الإنسانية، ولذلك تناول مفكرو الإسلام على اختلاف مذاهبهم مسائل تتصل بالحواس، نذكر منها: عدد الحواس وأيّها أفضل، نظرًا لتنوع مدركات الحواس الظاهرة من مسموع وملموس ومبصر ومتذوق ومشموم كان الرأي الغالب عند المتكلمين والفلاسفة أنها خمس حواس: حاسة البصر وبها ندرك الأجسام والألوان وحسن التركيب في الصور، وحاسة السمع وبها ندرك الكلام والأصوات، وحاسة الذوق وبها ندرك الطعوم، وحاسة الشمّ وبها تدرك الروائح، وحاسة اللمس ويدرك بها الجسم والحرارة والبرودة واليبوسة واللين والخشونة، وقد زاد البعض حاسة أخرى وهي ما عبر عنه ابن حزم في قوله: علم النفس بالبديهات كعلمه بأن الجزء أقل من الكل، فإن الصبي الصغير في أول تمييزه إذا أعطيته ثمرتين بكى وإذا زدته ثالثة سُرّ، وهذا علم منه بأن الكل أكثر من الجزء، وإن كان لا ينتبه لتحديد ما يعرف من ذلك، ونحن نرى أن ابن حزم نقل
стр. 137
حاسة باطنة أو نقل ما يُسمى بأوليات العقول إلى عمل الحواس، ولا يُفسر هذا عند ابن حزم إلا بافتراض أخذه ولو لم يصرح بالحواس الباطنة، كما يذكر الرازي، وضمها إلى قائمة الحواس باعتبار أن مصادر المعرفة عنده كما هي عنده جمهور الفلاسفة والمتكلمين أعيانٌ وخبر ونظر، وقد ربط ابن القيم بين ما تتميز به الحاسة في إدراكها بين وجهة تفضيلها باعتبار أن اليقين مراتب، فيرى أن السمع مرتبة لكن مرتبة العين أتمّ وأكمل، وكأن كل واحدة فضلت من جهة، فالمدرك بالسمع أعم وأشمل والمدرك بالبصر أتم وأكمل.
عمل الحواس الظاهرة: قلنا إنه من أجل تنوع مدركات الحواس تنوعت الحواس أو العكس، من المقرر أن عملية الإدراك الحسي هذه مدخل إلى العلم العقلي؛ لذا كان من الضروري أن يتعرض العلماء لبحث مسألة طريقة عمل هذه الحواس الظاهرة، فلتعمل كل حاسة على حدة دون تداخل بينها وبين الحواس الأخرى، أو أن هناك تداخلًا لاعتبارات معينة، هناك من يرى أن الحواس تعمل كل على حدة ولا تداخل، بل إن كل حاسة تقوم بالوظيفة التي أناطها الله بها، بينما يرى آخرون أن الحواس تعمل بالمداخلة والمجاورة؛ لأن الملموسات والمذوقات والمشمومات كلها أجسام وليست أعراضًا، فلو كانت أعراضًا لاستحال أن تدرك بالاتصال أو تسمع بالآذان أو تشم أو تذاق أو تلمس، وهذا رأي بعض المعتزلة كما يذكر الأشعري، ويتفق ابن تيمية مع صاحب هذا الرأي بالنسبة للشم والذوق واللمس باعتبارهم حسًّا محضًا لا يحصل إلا بمباشرة المحسوس، أما ابن حزم، فمع أنه يرى عدم التداخل بين الحواس فإنه يرى أن الحواس الخمس لا تدرك المحسوسات إلا بالمقابلة والتفاضل؛ بأن يعظم الفرق بين الشيء في وضعين مختلفين، فتتمكن الحواس من إدراك المحسوس، أما إذا فقدت الأشياء ما يظهر هذا التقابل كأن تكون فاقدة لصفة اللون والطعم والرائحة والمحسّة كالنفس مثلًا،
стр. 138
فإن الحواس لا تدركها، بل هي التي تدرك كل المدركات، ولعل فخر الدين الرازي في تناوله للحواس الظاهرة أو وسائل الإدراك الخارجي من أكثر الذين تعرضوا للصلات بين الحواس والمقارنات بينها متأثرًا في بعض ما ذكر بفلاسفة المسلمين أمثال ابن سينا الذي تأثر بأرسطو في كثير من مسائل هذا الموضوع، كما ظهر في اعتباره الذوق نوعًا من اللمس باعتبارهما شعورًا مع الفارق في فائدة الجسم من كل منهما، فالذوق عبارة عن الشعور بما يلائم البدن ليطلبه، واللمس شعور خاص بما ينافيه ليتجنب عنه.
الحواس الباطنة: لم تكن الحواس الظاهرة هي كل الجهاز المعرف الحسي، بل رأى منكري الإسلام أن حواس باطنة تكمل دور الجهاز المعرفي الحسي، وإذا كنا قد أثرنا إلى رأي ابن حزم في حاسة سادسة وهي ليست من الحواس الظاهرة فإننا نشير إلى أن كثيرين غير ابن حزم قد رأوا ضرورة أن يكون هناك حواس باطنة تكمّل دور الحواس الظاهرة في المعرفة الحسية، ومستندهم في هذا أن الحواس الظاهرة تدرك الأشياء جزئيّة ومتناثرة، ولا تكون مدركاتها ذات قيمة ما لم يكن هناك حاسة أو أكثر تجمعها، فإذا أضفنا إلى ذلك أننا نجد صور المحسوسات بعد أن تغيب عنا موجودة في نفوسنا وأذهاننا بعد غيابها، ووجود هذا الصورة ليس من أعمال الحس الظاهرة؛ من أجل هذا رأوا أنه لا بد من قوة أو قوى تلتقط هذه الصور وتجمعها وتحتفظ بها وتُصدر أحكام عليها، وقد عدها البعض خمس قوى باطنة هي الحس المشترك والخيال والقوة المتخيلة، وتسمى أحيانًا المفكرة، والقوة الوهمية، والقوة الحافظة.
وطبيعي أن يكون هناك اختلافٌ بين عمل الحاسة الظاهرة والحواس الباطنة؛ من حيث أن الأولى ملامسة للمحسوس وبواسطة، بينما الثانية تصور له وتذكر
стр. 139
جمالًا يستلزم وجود المدرك المحسوس، وهذه الفروق وغيرها لا تنفي تكامل الحواس الباطنة مع الحواس الظاهرة في المعرفة الحسية.
ومن خلال هذه الإشارات التي أبانت مكانة الحسّ في الفكر الإسلامي نستنتج منها ما يلي:
أن للحس دورًا مهمًّا في عملية المعرفة، لكنه ليس المصدر الوحيد لها.
أن العالم الحسي واقع مشاهد لا يمكن إنكاره أو عّده شبحًا أو ظلالًا.
ثالثًا: أن الانطلاق من الحس والجزئيات أعطى المسلمين فهمًا جديدًا لمعنى التجربة، جعلتهم تجريبيين حقيقيين، دون أن يكون ذلك السبب العقل أو التقليل من شأنه، ووضع الحس موضعه وعرف للعقل قدره، وضبط كلاهما بمبادئ اليقين التي يعرفها المنهج الإسلامي.
رابعًا: أن الشك في الحواس وذكر خطئها وخداعها ليس شكًّا مذهبيًّا كما هو عند بعض اليونان، لكنه منهج يحذر في الشك في الإفراط في الثقة في الحواس، كما يشير إلى دور العقل وأهميته، بالإضافة إلى ضرورة الحرص على سلامة الحواس قبل الثقة في الأخذ عنها. أما العقل فهو مصدر عقل يعقل، وليس اسمًا لجوهرٍ قائمًا بنفسه، وإنما هو مجرد صفة كالعلم والفهم والإحساس والشم والذوق ونحو ذلك مما هو مقتضى قوى الإدراك، قال أهل اللغة: عقل يعقل عقلًا ومعقولًا أيضًا، وهو مصدر، وقال سيبويه: هو صفة.
وفي بيان هذا المعنى يقول الإمام ابن تيمية: إن العقل في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والأئمة لا يُراد به جوهر قائمٌ بنفسه باتفاق المسلمين، وإنما يُراد به العقل الذي في الإنسان، الذي هو عند من يتكلم في الجوهر والعرض من قبيل
стр. 140
الأعراض لا من قبيل الجواهر، وهذا العقل في الأصل مصدر عقل يعقل عقلًا، وهذا مثل لفظ السمع فإنه في الأصل مصدر سمع يسمع سمعًا، وكذلك البصر، ثم يعبر بهذه الألفاظ عن القوى التي يحصل بها الإدراك، فيقال للقوة التي في العين بصر، والقوة التي يكون بها السمع به سمع، وبهذين الوجهين يفسّر المسلمون العقل.
العلاقة بين العقل والنقل
العلاقة بين العقل والنقل أساس منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة هو اشتراط أن يكون الاستدلال شرعيًّا في دلائله، كما يكون شرعيًّا في مسائله، وأنه كما لا يمكن وجود مسألة اعتقادية ليس لها دليل شرعي، فكذلك لا يمكن وجود مسألة اعتقادية لا تكون نصوص الكتاب والسنة كافية في الدلالة عليها، والمسائل الاعتقادية إما أن تكون خبرية بحيث لا يمكن الاستدلال عليها إلا من جهة ورود النص بها، وإما أن يكون الاستدلال عليها ممكنًا بالعقل، لكن لا بد مع ذلك ورود النص عليها واشتماله على الدلالة العقلية، ومستند التسليم بالمسائل الخبرية هو اليقين بأن ما أخبر به النبي ﷺ مما أوحاه الله إليه لا بد أن يكون حقًّا للدلائل القاطعة على نبوته، وأنه معصوم فيما يبلغه عن الله تعالى عن أن يقول ما هو باطل، وكذلك المسائل الاعتقادية التي يمكن أن يُستدل عليها بالعقل، فإن التسليم بها مع كونه هو مقتضى تصديق النبي ﷺ كالمسائل الخبرية، إلا أن نصوص الكتاب والسنة لا بد أن تتضمن الدلالة العقلية عليها؛ إذ ليست تلك النصوص أخبارًا محضة، بل هي أدلة نقلية عقلية.
стр. 141
وينبني على هذا الأصل وجوب التسليم بكل ما ثبت بالكتاب والسنة، واعتقاد عدم إمكان التعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، وبيان ما تضمنته الأدلة النقلية من الحجة العقلية واعتقاد كفايتها في الدلالة على مسائلها، وجماع منهج أهل السنة في هذا الباب: أنهم لا يرون أمرًا يجب اعتقاده والإيمان به لم ترد به النصوص، كما أنهم لا يردون النصوص الثابتة بدعوى التعارض بين العقل والنقل، بل لا يُسلّمون بين التعارض أصلًا، يقول الإمام بن عبد البر: ليس في الاعتقاد كله من صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا من كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ أو أجمعت عليه الأمة وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه، يسلم له ولا يناظر فيه، ويقول الإمام الزهري: من الله الرسالة ومن الرسول البلاغ وعلينا التسليم، ويقول الإمام أحمد: السنة عندنا آثار رسول الله ﷺ ، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى، ويقول ابن سيرين: كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا على الأثر.
أما الفطرة فهي في اللغة: الخلقة التي يكون عليها الإنسان في أول أمره، جاء في (الصحاح): الفطرة بالكسرة الخِلقة، وقد فطره يُفطره يفطره فطرًا أي: خلقه، والفطر الابتداء والاختراع، قال ابن عباس ﵁: "كنت لا أدري ما فاطر السموات حتى أتاني أعربيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها -أي: أنا ابتدأته"، وجاء في (لسان العرب): الفطرة الخلقة، أنشد ثعلب:
هوّن عليك فقد نال الغنى رجل ... في فطرة الكلب لا بالدين والحسب
والفطرة: ما فطر الله عليه الخلق من المعرفة به، وقد فطره يفطُره بالضم: أي خلقه، وقال ابن الأثير في (غريب الحديث): كل مولود على الفطرة، الفطر الابتداء والاختراع، والفطرة الحالة منه كالجِلسة والرِّكبة، والمعنى أنه يولد على
стр. 142
نوع من الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل عنه من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد. وعلى هذا المعنى للفطرة جاءت آيات كثيرة منها قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (فاطر: ١) وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (إبراهيم: ١٠) وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ (الأنعام: ٧٩) وقوله تعالى عن سحرة فرعون بعدما آمنوا برب العالمين: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ (طه: ٧٢)، فهذه الآيات وغيرها كثير تدل على أن المراد بالفطرة الخِلقة؛ لأن الفاطر هو الخالق، فيكون المقصود بمقتضى الفطرة هو مقتضى الخلقة التي خلق الله الناس عليها قبل أن تنحرف عنه بالتغيير والتبديل؛ ولهذا شبَّه الرسول ﷺ المولود على الفطرة بالبهيمة حين تُخلق مكتملة الخلق قبل أن تغيّر خلقتها بالجدع.
وعلى هذا يكون المقصود بالمعرفة الفطرية: ما تقتضيه الخلقة التي خلق الله الناس عليها من المعارف الضرورية بحيث يكون التسليم بها هو مقتضى الغريزة العقلية التي فطر الله الناس عليها، فلا يكون صدقها مستندًا إلى أدلة خارجة عنها، وإنما إلى مجرد تصورها، وليس المقصود بفطرية تلك المعارف أن تكون كامنة في النفس حاصلة للإنسان منذ ولادته، وإنما تكون حاصلة له بالقوة، بمعنى أنها المقتضى المباشر للغريزة العقلية، وهذا يقتضي من وجه آخر ألا تكون الفطرة هي مجرد القابلية لتلك المعارف؛ لأن مجرد قابلية الفطرة لها لا يقتضي بحفظها.
والله قد امتنَّ على الناس بما وهبهم من الحواس والعقل، وأمرهم بشكره على ذلك وأرشدهم إلى ضرورة الانتفاع بحواسهم وعقولهم: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ (الملك: ٢٣) ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾،
стр. 143
﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِق﴾ (الطارق: ٥) ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِه﴾ (عبس: ٢٤)، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (الحج: ٤٦) والآيات في ذلك كثيرة.
وقد ذمَّ الله تعالى الذين أهملوا عقولهم وعطلوا حواسهم فقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الأنفال: ٢٢)، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩)، وأخبر أنهم سيندمون يوم القيامة على تعطيلهم حواسهم وعقولهم عن التعرّف على الله ومراده، فقال عن أهل النار أنهم قالوا بعدما دخلوها: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: ١٠، ١١).
فالقرآن الكريم أمرنا باستخدام حواسنا والانتفاع بعقولنا، ولم يكتفِ القرآن الكريم بالإشارة والتوجيه بل وضع ضوابط علمية دقيقة تكون ضابطًا لهذه المعرفة الحسية والعقلية، وهذه الضوابط تقوم على دعامتين:
الأولى: تقوم على أن ينهض كل جيل بتعليم الجيل التالي ما وصل إليه من تجارب وما استفاده من معارف، وأن يرشد العالمون غير العالمين، وبهذا تتقدم الإنسانية في سبيل الرقي والكمال، وقد وضع القرآن الكريم الضمانات الكافية لتصل هذه المعارف إلى الأسماء والعقول بعيدةً عن التضليل والتحريف.
وأهم هذه الضمانات:
أولًا: ألا يكتم عالمًا ما اهتدى من معارف وعلوم، فإن هذه المعارف ليست ملكًا خالصةً له، وإنما هي هداية من الله وبتوفيق منه، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال:
стр. 144
((من سُئل عن علم فكتمه؛ أُلجم يوم القيامة بلجام من نار)) والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِمَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ١٥٩، ١٦٠).
ثانيًا: أمانة العلم ينبغي أن تكون في المحل الأول من الاعتبار؛ بحيث ينقل العالم معلوماته واضحة دقيقة لا لبس فيها ولا تحريف ولا زيادة ولا نقصان، فإن الله ﵎ عابَ على بني إسرائيل كونهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ونهاهم عن ذلك في أكثر من آية، كما نهى عن كتمان العلم.
ثالثًا: العلم حق مشاع للإنسانية جمعاء، وما بعث الله الرسل إلا معلمين مرشدين، سواء بالكتب المنزلة أو بالقدوة الطيبة، واشتراط الأجر في التعليم يتنافى مع مبادئ الإسلام، فإن الله ﵎ حكى عن جميع الأنبياء أنهم ما كانوا يسألون أقوامهم أجرًا على ما يدعوهم إليه، وما يعلمونهم من دين الله .
رابعًا: البعد عن ضياع الوقت في المناقشات الجدلية، سواء من جهة المعلمين أو المتعلمين، فإن الله قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (الأنعام: ٦٨)، وقال في وصف الكفار: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَاب﴾ وقال: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحج: ٦٨).
خامسًا: الاستجابة للحق القائم على الدليل، وقد عاب القرآن الكريم على المتعنتين، الذين يغمضون أعينهم عن الضوء المنير، ويجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا ينفذ إليها اليقين، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا
стр. 145
فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: ٢٦)، وقد ذكر القرآن الكريم على لسان نوح ﵇ أنه قال عن قومه: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ (نوح: ٧).
سادسًا: الإقبال على النافع المفيد، وترك ما لا طائل وراءه من الأبحاث؛ فقد مدح الله تعالى المؤمنين بكونهم عن اللغو معرضون، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (الفرقان: ٧٢) ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص: ٥٥)، وقد نهى الله تعالى عن الإلحاح في طلب المحال أو ما يشبه المحال، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: ١٠١)، وقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ (النازعات: ٤٢، ٤٣)، وكان النبي ﷺ يسأل الله علم نافعًا ويعوذ به من علم لا ينفع.
أما الدعامة الثانية: فهي دعامة التجارب العملية القائمة على التفكير المنطقي السليم، وهذه الدعامة لها ضوابطها التي رسمها القرآن الكريم، وهي تقوم على هذه الأسس:
أولًا: أن نحرر عقولنا مما رانَ عليها من تقاليد وعادات وأوهامٍ انحدرت إلينا من وراثات الآباء والأجداد أو من البيئة التي تحيط بنا منذ الطفولة، وبهذا نستطيع أن نفكّر ونبحث في حرية وطلاقة، وهذا يستدعي منا أن نشك في كل شيء ونضعه موضع التجربة والاختبار قبل أن نصل به مرتبة اليقين، وهذا ما نادى به ديكارت بعد نزول القرآن الكريم بعدَّة قرون؛ حيث نادى أن الشك أول مراتب اليقين، والقرآن الكريم ينعي على المشركين جهلهم حين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٣) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا
следующие страницы →