← Общие книги

Общие книги · id 12202

أصول الدعوة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (394 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وينبني على هذا الأصل وجوب التسليم بكل ما ثبت بالكتاب والسنة، واعتقاد عدم إمكان التعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، وبيان ما تضمنته الأدلة النقلية من الحجة العقلية واعتقاد كفايتها في الدلالة على مسائلها، وجماع منهج أهل السنة في هذا الباب: أنهم لا يرون أمرًا يجب اعتقاده والإيمان به لم ترد به النصوص، كما أنهم لا يردون النصوص الثابتة بدعوى التعارض بين العقل والنقل، بل لا يُسلّمون بين التعارض أصلًا، يقول الإمام بن عبد البر: ليس في الاعتقاد كله من صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا من كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ أو أجمعت عليه الأمة وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه، يسلم له ولا يناظر فيه، ويقول الإمام الزهري: من الله الرسالة ومن الرسول البلاغ وعلينا التسليم، ويقول الإمام أحمد: السنة عندنا آثار رسول الله ﷺ ، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى، ويقول ابن سيرين: كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا على الأثر. أما الفطرة فهي في اللغة: الخلقة التي يكون عليها الإنسان في أول أمره، جاء في (الصحاح): الفطرة بالكسرة الخِلقة، وقد فطره يُفطره يفطره فطرًا أي: خلقه، والفطر الابتداء والاختراع، قال ابن عباس ﵁: "كنت لا أدري ما فاطر السموات حتى أتاني أعربيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها -أي: أنا ابتدأته"، وجاء في (لسان العرب): الفطرة الخلقة، أنشد ثعلب: هوّن عليك فقد نال الغنى رجل ... في فطرة الكلب لا بالدين والحسب والفطرة: ما فطر الله عليه الخلق من المعرفة به، وقد فطره يفطُره بالضم: أي خلقه، وقال ابن الأثير في (غريب الحديث): كل مولود على الفطرة، الفطر الابتداء والاختراع، والفطرة الحالة منه كالجِلسة والرِّكبة، والمعنى أنه يولد على

стр. 142

نوع من الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل عنه من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد. وعلى هذا المعنى للفطرة جاءت آيات كثيرة منها قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (فاطر: ١) وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (إبراهيم: ١٠) وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ (الأنعام: ٧٩) وقوله تعالى عن سحرة فرعون بعدما آمنوا برب العالمين: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ (طه: ٧٢)، فهذه الآيات وغيرها كثير تدل على أن المراد بالفطرة الخِلقة؛ لأن الفاطر هو الخالق، فيكون المقصود بمقتضى الفطرة هو مقتضى الخلقة التي خلق الله الناس عليها قبل أن تنحرف عنه بالتغيير والتبديل؛ ولهذا شبَّه الرسول ﷺ المولود على الفطرة بالبهيمة حين تُخلق مكتملة الخلق قبل أن تغيّر خلقتها بالجدع. وعلى هذا يكون المقصود بالمعرفة الفطرية: ما تقتضيه الخلقة التي خلق الله الناس عليها من المعارف الضرورية بحيث يكون التسليم بها هو مقتضى الغريزة العقلية التي فطر الله الناس عليها، فلا يكون صدقها مستندًا إلى أدلة خارجة عنها، وإنما إلى مجرد تصورها، وليس المقصود بفطرية تلك المعارف أن تكون كامنة في النفس حاصلة للإنسان منذ ولادته، وإنما تكون حاصلة له بالقوة، بمعنى أنها المقتضى المباشر للغريزة العقلية، وهذا يقتضي من وجه آخر ألا تكون الفطرة هي مجرد القابلية لتلك المعارف؛ لأن مجرد قابلية الفطرة لها لا يقتضي بحفظها. والله قد امتنَّ على الناس بما وهبهم من الحواس والعقل، وأمرهم بشكره على ذلك وأرشدهم إلى ضرورة الانتفاع بحواسهم وعقولهم: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ (الملك: ٢٣) ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾،

стр. 143

﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِق﴾ (الطارق: ٥) ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِه﴾ (عبس: ٢٤)، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (الحج: ٤٦) والآيات في ذلك كثيرة. وقد ذمَّ الله تعالى الذين أهملوا عقولهم وعطلوا حواسهم فقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الأنفال: ٢٢)، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩)، وأخبر أنهم سيندمون يوم القيامة على تعطيلهم حواسهم وعقولهم عن التعرّف على الله ومراده، فقال عن أهل النار أنهم قالوا بعدما دخلوها: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: ١٠، ١١). فالقرآن الكريم أمرنا باستخدام حواسنا والانتفاع بعقولنا، ولم يكتفِ القرآن الكريم بالإشارة والتوجيه بل وضع ضوابط علمية دقيقة تكون ضابطًا لهذه المعرفة الحسية والعقلية، وهذه الضوابط تقوم على دعامتين: الأولى: تقوم على أن ينهض كل جيل بتعليم الجيل التالي ما وصل إليه من تجارب وما استفاده من معارف، وأن يرشد العالمون غير العالمين، وبهذا تتقدم الإنسانية في سبيل الرقي والكمال، وقد وضع القرآن الكريم الضمانات الكافية لتصل هذه المعارف إلى الأسماء والعقول بعيدةً عن التضليل والتحريف. وأهم هذه الضمانات: أولًا: ألا يكتم عالمًا ما اهتدى من معارف وعلوم، فإن هذه المعارف ليست ملكًا خالصةً له، وإنما هي هداية من الله وبتوفيق منه، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال:

стр. 144

((من سُئل عن علم فكتمه؛ أُلجم يوم القيامة بلجام من نار)) والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِمَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ١٥٩، ١٦٠). ثانيًا: أمانة العلم ينبغي أن تكون في المحل الأول من الاعتبار؛ بحيث ينقل العالم معلوماته واضحة دقيقة لا لبس فيها ولا تحريف ولا زيادة ولا نقصان، فإن الله ﵎ عابَ على بني إسرائيل كونهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ونهاهم عن ذلك في أكثر من آية، كما نهى عن كتمان العلم. ثالثًا: العلم حق مشاع للإنسانية جمعاء، وما بعث الله الرسل إلا معلمين مرشدين، سواء بالكتب المنزلة أو بالقدوة الطيبة، واشتراط الأجر في التعليم يتنافى مع مبادئ الإسلام، فإن الله ﵎ حكى عن جميع الأنبياء أنهم ما كانوا يسألون أقوامهم أجرًا على ما يدعوهم إليه، وما يعلمونهم من دين الله . رابعًا: البعد عن ضياع الوقت في المناقشات الجدلية، سواء من جهة المعلمين أو المتعلمين، فإن الله قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (الأنعام: ٦٨)، وقال في وصف الكفار: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَاب﴾ وقال: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحج: ٦٨). خامسًا: الاستجابة للحق القائم على الدليل، وقد عاب القرآن الكريم على المتعنتين، الذين يغمضون أعينهم عن الضوء المنير، ويجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا ينفذ إليها اليقين، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا

стр. 145

فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: ٢٦)، وقد ذكر القرآن الكريم على لسان نوح ﵇ أنه قال عن قومه: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ (نوح: ٧). سادسًا: الإقبال على النافع المفيد، وترك ما لا طائل وراءه من الأبحاث؛ فقد مدح الله تعالى المؤمنين بكونهم عن اللغو معرضون، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (الفرقان: ٧٢) ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص: ٥٥)، وقد نهى الله تعالى عن الإلحاح في طلب المحال أو ما يشبه المحال، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: ١٠١)، وقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ (النازعات: ٤٢، ٤٣)، وكان النبي ﷺ يسأل الله علم نافعًا ويعوذ به من علم لا ينفع. أما الدعامة الثانية: فهي دعامة التجارب العملية القائمة على التفكير المنطقي السليم، وهذه الدعامة لها ضوابطها التي رسمها القرآن الكريم، وهي تقوم على هذه الأسس: أولًا: أن نحرر عقولنا مما رانَ عليها من تقاليد وعادات وأوهامٍ انحدرت إلينا من وراثات الآباء والأجداد أو من البيئة التي تحيط بنا منذ الطفولة، وبهذا نستطيع أن نفكّر ونبحث في حرية وطلاقة، وهذا يستدعي منا أن نشك في كل شيء ونضعه موضع التجربة والاختبار قبل أن نصل به مرتبة اليقين، وهذا ما نادى به ديكارت بعد نزول القرآن الكريم بعدَّة قرون؛ حيث نادى أن الشك أول مراتب اليقين، والقرآن الكريم ينعي على المشركين جهلهم حين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٣) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا

стр. 146

بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٧٠) ووصف الله المقلدين بأنهم يردّدون ما تلقونه كالببغاوات أو العجماوات قال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧١). ثانيًا: يدعونا القرآن الكريم إلى أن نستعمل الحواس والعقل معنا في تجاربنا المادية والمعنوية، فكلاهما متممٌ للآخر، وليس بينهم انفصال أو انشقاق كما يدَّعي الفلاسفة الحسيون أو الفلاسفة العقليون، والله تعالى يشير في تعداد نعمه علينا إلى الحواس وإلى العقل معًا فيقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شيئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: ٧٨)، بل إن الله سبحانه جعلنا مسئولين عن استخدام هذه الوسائل، فقال جلَّ من قائل: ﴿إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦). ثالثًا: نبَّأ الله إلى أن في الإنسان نوعًا من المواهب الخفية غير الحواس الظاهرة وغير العقل المفكر، وسمى هذه المواهب باسم الحكمة، فقال ممتنًّا على من يؤتيها: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ٢٦٩) إلا أن معرفة الحواس والعقل معرفةٌ قاصرة لا تستطيع أن تعرِّف الإنسان بالله ومراده وما يجب له على عباده وما لهم عليه إن هم أدوا حقه، وما يلحقهم إن هم لم يقوموا بحقِّه؛ لذلك كان الإنسان بحاجة إلى معرفة ذلك عن غير طريق الحواس والعقل، وليس ثمّ سبيل إلى هذه المعرفة إلا سبيل الوحي، فكانت المعرفة الوحيية أعلى أنواع المعرفة وأكملها؛ لأن مصدرها هو الله ، ولذلك نرى لزامًا علينا أن نعرّف الوحي كما عرفنا الحسَّ والعقل والفطرة.

стр. 147

فنقول: يدور المعنى اللغوي للوحي على ثلاثة أصول، هي: الإعلام والسرعة والخفاء، قال ابن منظور: الوحي الإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك. وفي (تهذيب اللغة) للأزهري: أصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء؛ ولذلك صار الإلهام يُسمى وحيًا. وقال ابن الأثير: الوحي الوحي أي: السرعة السرعة، ويمد ويقصر، يقال: توحيت توحيًا إذا أسرعت. وأما الوحي في الشرع، فمن أجمع ما قيل في تعريفه ما نُقل عن الإمام الزهري في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (الشورى: ٥١) يقول الإمام الزهري ﵀: نزلت هذه الآية تعمّ من أوحى الله إليه من البشر، فكلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي ما يوحي الله إلى نبي من أنبيائه ﵈؛ ليثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النبي ويكتبه وهو كلام الله ووحيه، ومنه ما يكون بين الله وبين رسله ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد ولا يأمرون بكتابته ولكنهم يحدثون به الناس حديثًا ويبينونه لهم؛ لأن الله أمرهم أن يبينوه للناس ويبلغونه إيَّاه، ومن الوحي ما يُرسل الله به من يشاء ممن اصطفاه من ملائكته فيكلمون به أنبياءه من الناس، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من الملائكة فيوحيه وحيًا في قلب من يشاء من رسله، فهذا التعريف قد شمل كلام الله تعالى لأنبيائه من وراء حجاب وكلام الله تعالى الذي يرسل به ملائكته وشمل الإلهام الذي هو إلقاء الوحي في قلب النبي، وهو الذي يقول عنه الإمام الزهري: أن الأنبياء لا يكتبونه ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يبينونه للناس، وهو يريد بذلك التفريق بين الوحي الذي يكون لفظه ومعناه من الله تعالى وهو القرآن، فهذا هو الذي يأمر النبي بكتابته، وأما الوحي الذي لا يكون

стр. 148

لفظه من الله فهو الأحاديث، وإن كانت من الشرع الموحى به إلا أن لفظها من النبي ﷺ ، ويمكن أن تُروى بالمعنى. إن الإسلام لا يريد أن يبدّد طاقة العقل دونما فائدة، ولا يريد أن يزجّ بالعقل في مجالات من البحث هي فوق قدراته، مما يجعله يتخبط ولا يصل إلى علم صحيح؛ ولذلك حظر الإسلام على العقل جوانب من المعرفة؛ لأنها فوق طاقته مثل البحث في كُنه الذات العلية أو البحث في كنه عوالم الغيب أو البحث في حقيقة الروح أو البحث في موعد قيام الساعة، والعلماء يقولون: العلم قسمان: ما يقع تحت إدراك العقل، وما لا يقع تحت إدراكه، أو يقولون: العلم قسمان: علم غيب وعلم شهادة، كما قال الله تعالى عن نفسه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (التغابن: ١٨). أولًا: علم الغيب: وله صورتان، علم غيب مطلق وهو ما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، فلا سبيل إلى أن يدركه العقل أو يقف عليه البتة، وذلك مثل ما لله من كمالات وأسماء لم يوحها لأحد من خلقه، أو كعلم الساعة واليوم الآخر على نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: ٣٤). القسم الثاني: علم غيب نسبي، وهو ما أطلع الله عليه بعض خلقه؛ وذلك لأن الإنسان يعلم ويجهل ويذكر وينسى، وقد فضّل الله بعض الناس على بعض، وفوق كل ذي علم عليم، وأئمة الناس في هذا المقام الأنبياء والمرسلون، الذين اصطفاهم الله تعالى وأوحى إليه وأمرهم بالبلاغ عنه حتى يبصر الناس ويتعلموا، وهذا مقام فسيح جدّا بحيث يشمل كل الناس شريطة أن يكون له أصل ويقين، فمتى التمس الإنسان أسبابه حصّله؛

стр. 149

لأن الإنسان لم يُولد عالمًا وإنما العلم بالتعلم كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ ، والله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤). ثانيا: علم الشهادة: وهو ما يخضع لحواس الإنسان ومدركاته مما له صورة في الواقع، وهو كذلك، تقصر العقول في إدراكه لتفاوت الناس في هذا الميدان كما هو معلوم مشاهد، فقد قسَّم الله بين الناس معيشتهم بحيث يحتاج الجميع إلى الجميع، وهم متفاوتون في كل شيء، بل الإنسان ذاته ليقصر عقله في وقت ويزكو في وقت آخر، ورضي الله عن عمر ﵁ لما توفي رسول الله ﷺ توعَّد من قال بوفاته: "من قال: إن محمدًا قد مات قتلته بسيفي"، فلما خرج أبو بكر ﵁ على الناس وقرأ عليهم قول الله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٤) بعدها قال عمر كغيره: "فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ"، وهذا القصور في الإدراك مردّه إلى تفاوت العقول أو إلى تأثير الشهوات عليها، فمن غضب أو أفرط في تفاعله مع المواقف قصر إدراكه وتفلّت منه بيانه وأزلف لسانه، فحبك الشيء يعمي ويصم وغضبك من إدراكك وهواك موجهٌ لتفكيرك، ولو جانب الحق والصواب، ومن هذا موقف عمر ﵁؛ فقد قصر إدراكه للآية الكريمة لغلبة الغضب عليه واستبداده به، ولذلك نرى كثير من الناس تقصر عقولهم عن إدراك الأشياء التي سبق لهم إدراكها، هذا فضلًا عن قصورهم عن إدراكها أصلًا، كذلك نجد العقول متفاوتة كمّا وكيفًا وحالًا، فما يدركه هؤلاء يعجز عن إدراكه الآخرون، وكذلك العقول تعجز تمامًا عن إدراك ما استأثر الله بعلمه فضلًا عن عجزه إدراك أسباب سعادتها إن أعيت نفسها في البحث عن كُنه الأشياء، البحث فيما وراء المادة أو وقعت أَسْر الشهوات والأهواء.

стр. 150

ومن هنا نقول: إن العقول القاصرة والعاجزة والمتباينة والمتفاوتة بين البشر في إدراك وجه الصواب فيما هو مشاهد- لحريّ بها أن تعجز تمامًا عن إدراك غيبٍ أو ما يتصل به، من أجل ذلك كله كان إرسال الرسل ضرورة لتعريف الناس وتبصيرهم حتى تذهب كل حُجة للمخالفين لهدي الله تعالى، وكانت رحمة الله وعدالته سبَّاقة: ﴿مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ (الإسراء: ١٥) فأرسل الله رسله يبصّرون الناس بالحق ويرشدونهم إلى الخير وينذرونهم عوامل الفساد والإفساد ولقاء ربهم، فحرروا العقول وهذّبوا الطباع وشرحوا الصدور وصفّوا الأرواح ونقوا النفوس وطمأنوا القلوب، فخلصوا من رق الشهوات وأصل الأهواء وتطهروا من رجس الشيطان ودنس النقائص والرزائل وأدركوا عوامل ثباتهم على الحق وتجنبهم للباطل، كل ذلك بفضل رسالة المرسلين وجهد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أما وقد ختم الله النبوة من محمد ﷺ كما قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٤٠) فمن بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى يُصلح ما أفسد الناس، ويقيم ما اعوجّ بسبب الناس، إنهم دعاة الحق وورثة الأنبياء الهداة المصلحون والمرشدون الناصحون والدُّعاة العاملون أرباب المعرفة والنظر، ولعل الواقع يشهد بالحاجة الملحة إلى زهد هؤلاء الذين اصطفاهم الله تعالى بحمل كتابه وميراث الدعوة وأعبائها بعد رسوله ﷺ . إن المعرفة الإسلامية والدعوة إلى الله تعالى وكلمة التوحيد وصفات الله ومنهج الحق- كان ذلك كله عامل توحيد للكلمة والصَّف، وإصلاح للفاسد والمعوجّ، أما اليوم فكثيرٌ من الناس يلعن بعضهم جدلًا في الله بغير علم، وهذا

стр. 151

يرفع ويزيد من قدر الحاجة إلى المعرفة اليوم من أجل أن ينفي الدعاة عن الدين تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، ولعل ثلاثتهم واقع مشاهد بين غالٍ ومفرّط، مع أن طرفي الأمور شطط وخير الأمور الوسط، وهؤلاء الغلاة شر بكل المقاييس يخرجون بغلوهم هذا عن روح الدين وفطرة الخلق، فلا الدين يقبل ذلك؛ حيث إن من خصائصه رفع الحرج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ٧٨). وبعدُ فهذه هي نظرة الإسلام للمعرفة بأنواعها المختلفة، المعرفة الحسية والعقلية والفطرية، وأنه لا غنًى أبدًا بهذه المعارف الثلاث عن المعرفة الوحيية، وأن الناس بحاجة إلى الوحي كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ فالوحي يُعدّ أهم مصادر المعرفة ومحور نظرية المعرفة الإسلامية وواضع ضوابطها وحدودها ومعالمها، والمعرفة في ظلّ الوحي ورحابه معرفة يقينية كاملة ثابتة مضطردة غير متناقضة في جوانب علم الشهادة، مطمئنة وواثقة في جانب علم الغيب. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 152

الدرس: ٩ دعوة المسلمين .

стр. 153

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (دعوة المسلمين) أصناف المدعوِّين إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: تحدثنا عن دعوة غير المسلمين على اختلاف مللهم ونحلهم وديانتهم؛ تحدثنا عن دعوة المشركين واليهود والنصارى والمنافقين ونحن في هذا الدرس إن شاء الله تعالى نتحدث عن دعوة المسلمين. والمسلمون هم الذين آمنوا بالله ورسوله ظاهرًا وباطنًا واتبعوا النور الذي أنزل معه، وهم ثلاثة أقسام بين الله تعالى في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (فاطر: ٣٢، ٣٣). قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: يقول الله تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدّق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع فقال: فمنهم ظالم لنفسه وهو المفرِّط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، فمن ترك الواجب فقد ظلم نفسه ومن فعل المحرم فقد ظلم نفسه؛ ولذلك لما أكل الأبوان من الشجرة قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: ٢٣) ولما قتل موسى ﵇ القبطي قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (القصص: ١٦) فالظالم لنفسه هو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، ومنهم مقتصد وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله وهو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكرهات وبعض المباحات.

стр. 154

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (فاطر: ٣٢) قال: "هم أمة محمد ﷺ ورّثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم يُغفر له ومقتصدهم يُحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب"، والمسلمون جميعًا بأقسامهم الثلاثة يدعون إلى الله ، يُدعى الظالم لنفسه ليتوب من ظلمه ويدعى المقتصد ليجتهد في فعل الواجبات وترك المحرمات وليستزيد من النوافل وترك المكروهات، ويُدعى السابق بالخيرات بإذن الله تقربًا إلى الله ليثبت لما هو عليه ويزداد منه، فإن الله ﵎ قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (محمد: ١٧) وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (مريم: ٧٦) فمهما كان الإنسان مجتهدًا في طاعة الله ، إلا أنه لا شك تاركٌ لبعض المحبوبات، فيدعى السابق بالخيرات ليثبت على ما هو عليه ويزداد من الخيرات. وقد خاطب الله ﵎ جماعةَ المسلمين بلقب الإيمان الذي يشملهم جميعًا خاطبهم بذلك في القرآن الكريم كثيرًا، وكلفهم بما يحب ونهاهم عما يكره؛ من ذلك قول ربنا : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (النساء: ١٣٦)، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الحديد: ٢٨)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الأنفال: ٢٩)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ

стр. 155

اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف: ١٠ - ١٣)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التحريم: ٨)، وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٣١). والآيات الخاصة ببعض الطاعات والتحذير من بعض المحرمات مشهورة ناداهم الله ﵎ وأعلمهم بفرضية الصلاة وفرضية الصيام، وناداهم وحرَّم عليهم الخمر والميسر ... إلى آخر ذلك، والنداءات في القرآن الكريم كثيرة، ينادي الله ﵎ بلقب الإيمان "يا أيها الذين آمنوا" لم يفرق بين الذكر والأنثى فهم جميعًا داخلون في الخطاب، وأحيانًا يُسمي الله ﵎ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات تكريمًا للنساء وتشريفًا وتأكيدًا على أنهنَّ داخلات في الخطاب، إلا ما قام الدليل على اختصاصه بالرجال، يقول : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٧١)، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: ١٨)، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥)، ويقول سبحانه: ﴿لِيُعَذِّبَ

стр. 156

اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٣). وأحيانًا يخصّ الله تعالى المؤمنات بالأمر فيما يتعلق بهنّ في مثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٣١)، وربما وجّه الله ﵎ الأمر للنبي ﷺ ليكلّف النساء في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٥٩). وكثرت أحاديث النبي ﷺ في دعوة النساء خاصة، من ذلك قوله ﵊: ((إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها؛ قيل لها: ادخلي الجنة من أيّ أبوابها شئتِ)) ومرَّ ﷺ على امرأة تبكي عند قبرٍ لها فقال: ((اتقِ الله واصبري)) فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي. ولم تعرفه، فقيل لها: إنه رسول الله ﷺ ، فأتت بابه تريد أن تعتذر إليه؛ فلم تجد عنده حاجبًا ولا بوابًا، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى))، بل كان ﵊ يخص النساء بالموعظة، فكان يوم العيد إذا خطب الرجال تخطاهم إلى النساء فوعظهنّ وذكرهنّ وقال:

стр. 157

((يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكنّ))، بل إنه ﷺ جعل للنساء يومًا يعلمهنَّ فيه لا يختلط بهن الرجال. ولم يكن ﷺ يهمل دعوة صغار المسلمين وتربيتهم وإن كانوا غير مكلفين، بل كان يأمر الصبيان وينهاهم ويعظهم ويذكرهم ويعلمهم العقيدة؛ ففي الحديث عن عمر بن أبي سلمة قال: "كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة -يعني: كان غلام صغير وكان يمد يده هاهنا وهاهنا من إناء الطعام- فقال له النبي ﷺ : ((يا غلام سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)) "، وعن ابن عباس ﵄ قال: ((كنت خلف النبي ﷺ يومًا فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف)) بل كان ﵊ يأمر الآباء بتعليم أبنائهم وتربيتهم ودعوتهم إلى عبادة الله كان يقول: ((مُروا أولادكم وهم أولاد سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)). فالمؤمنون جميعًا على اختلاف جنسهم ولغتهم وثقافتهم ومهنتهم بحاجة إلى الدعوة، وعلى الدعاة أن يحرصوا على الوصول بالدعوة إلى كل فردٍ من أفراد المجتمع، وإلى كل طبقةٍ من طبقاته، ولكن عُصاةَ المسلمين وهم الذين سمّاهم الله "ظالمي أنفسهم" أحوج المسلمين إلى الدعوة؛ لأنهم مقصرون في حق الله، ظالمون لأنفسهم بترك الواجبات وفعل المحرمات، فهم بحاجة دائمًا إلى داعية يذكّرهم بالله ويخوّفهم عذابه، بالرفق واللين والحكمة والموعظة الحسنة، لعلهم يتقون أو يُحدث لهم ذكرًا.

стр. 158

هذه أصناف المدعوين من الناس أجمعين، على اختلاف جنسهم وعلى اختلاف لونهم وعلى اختلاف أرضهم، والناس كلهم كما بيَّنَّا جعلهم الله ﵎ مسلمين وكافرين، والكافرون منهم المشركون وأهل الكتاب، ومن الناس المنافقون، ولكل صنف من هذه الأصناف أصولٌ يجب على الداعية أن يتبعها في دعوته؛ فللمسلمين أصولٌ في دعوتهم يجب على الداعية أن يتبعها، وللكافرين أصول في الدعوة يجب على الداعية أن يتبعها. الأصول الشرعية في دعوة الكفار والمنافقين أما الأصول الشرعية في دعوة الكفار إلى الإسلام فمنها: أولًا: الأصل أن يُدعوا إلى الإسلام، وأن يبدأ الداعية دعوته إلى التوحيد توحيد الله ؛ تأسيًا بالنبي ﷺ ؛ فإن الله ﵎ أول ما بعثه أمره بالدعوة الناس إلى التوحيد، فلبث فيهم عشر سنين ليس معه شيء إلا ((قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا)) وبعد عشر سنين كلَّفه الله ﵎ ومن آمن معه بالصلاة كما هو معلوم، فعلى دعاة المسلمين أن يبدءوا دعوتهم بالدعوة إلى توحيد الله ؛ فإن هذا هو أصل الأصول، وعليهم أن يبلغوا هذه الدعوة على وجهها الصحيح بلاغًا يقطع العذر كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا تقوم الحجة على الناس إلا بهذه الدعوة الصحيحة البينة الظاهرة، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: ٦٧)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: ٥٤)، ولا يكون البلاغ مبينًا قاطعًا للعذر إلا إذا فهمه المدعوُّون بأن يبلغهم بلغتهم التي يفهمونها أو يكونوا قادرين على فهم اللغة العربية "لغة القرآن"، فإن الله ﵎ قال:

стр. 159

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم﴾ (إبراهيم: ٤) فالواجب على أمة الإسلام الذين أخرجهم الله تعالى للناس أن يبلغوهم دين الله باللسان الذي يفهمونه ثم يعلموهم العربية ليفهموا عن الله ورسوله، وفي ذلك يقول العلامة ابن باز ﵀: "أما بالنسبة إلى ولاة الأمور ومن لهم القدرة الواسعة فعليه من الواجب أكثر، وعليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار حسب الإمكان بالطرق الممكنة وباللغات الحية التي ينطق بها الناس، يجب أن يبلغوا أمر الله بتلك اللغات، حتى يصل دين الله إلى كل أحد باللغة التي يعرفها، باللغة العربية وبغيرها". ثانيًا: ويجب على دعاة المسلمين -وقد بلّغوا الكفار الدعوة على وجهها الصحيح- يجب عليهم أن يدحضوا كل حجج الكفار وشبهاتهم حول دينهم الباطل، وكل دين غير الإسلام فهو باطل، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: ١٨) وقال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (الأنعام: ١٤٩) وقال: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (الفرقان: ٣٣) ومن أجل ذلك أبطل الله تعالى في القرآن كل ما احتجَّ به الكفار على اختلاف عقائدهم في احتجاجهم لدينهم الباطل، فقد ردَّ الله على اليهود مزاعمهم وعلى النصارى ضلالهم وشبههم وعلى مشركي العرب في جميع ما عارضوا به الإسلام، وعلى ما احتجوا به على ما هم عليه من الشرك والضلال في مثل الآيات التي ذكرناها ونحن نتحدث عن أصناف الناس. ومن الأصول التي يجب على الداعية اتباعها في دعوة الكفار: عرض الدعوة عليهم باللّين والحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالحسنى، ففي مقام عرض الدعوة على الكفار وإن كانوا من المجرمين العُتاة والجبابرة الطغاة، يجب على

стр. 160

الداعية اتخاذ اللين والحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالحسنى سبيلًا إلى عرض دعوته، والدليل على هذا ما وصَّى الله به موسى وهارون ﵍ إذ قال لهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣ - ٤٤)، فمع طغيانه وقتله لذكور بني إسرائيل واستحيائه لنسائهم وسومهم سوء العذاب، إلا أن الله أمر الرسول ﵇ أن يكون لينًا في عرض الدعوة عليه؛ لعلَّ اللين أن ينفعه فيتذكر ما ينفعه فيقبله ويخشى مغبة تكذيبه فلا يُكذب، وقد اختلف العلماء في تفسير القول الليّن الذي أمر الله تعالى به موسى وهارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ما هو القول اللين؟ فضرب بعض المفسرين أمثلة للقول اللين، ولكن الراجح أن القول اللين الذي أُبهم هنا فُسّر في سورة النازعات في قول الله تعالى لموسى ﵇: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (النازعات: ١٧ - ١٩) فآيات النازعات مفسّرة للقول اللين المبهم في سورة طه، فإن أحسن ما يفسر به القرآن هو القرآن، ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ما هو القول اللين؟ فسره الله تعالى في النازعات: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾. وهذه الآيات التي فسرت القول اللين فيها دلالة على أن على الدعاة أن يعلموا أن الدعوة عرضٌ لا فرض ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ فالدعوة عرض لا فرض، على الداعية أن يحسن عرض دعوته وسيقبلها الناس إن شاء الله تعالى، وليس له أن يفرض دعوته على الناس، ليس له أن يفرض رأيه أو يفرض مذهبه أو يفرض فكرته، ويلزم الناس بها، ليس للداعية إلا أن يحسن العرض وليس له الفرض، والناس بعد ذلك أحرار يختارون ما يشاءون لأنفسهم وحسابهم على الله، كما قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا

стр. 161

مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٩٩)، وقال : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩)، ثم جزاء الجميع عند رب العالمين يوم الدين: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: ٢٩، ٣٠). وعلى الدعاة إلى الله أن يلتزموا الرفق واللين مع عُصاة المسلمين فإذا كانوا مأمورين بالرفق واللين مع الكفار فمع العصاة أولى، وقال تعالى في بيان حسن عرض الدعوة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (العنكبوت: ٤٦). ومن الأصول التي يجب على الداعية اتباعها في دعوة الكافرين: ردّ إساءتهم وعدم السكوت على طعنهم في الدين، فلا يجوز للداعية إلى الله الذي يعرض دعوته باللين والحكمة على الكفار- أن يأخذ جانب اللين مع الذين يردون ردًّا سيئا ويطعنون في الدين الحق ويسبون رسول الله ﷺ أو يعيبون شريعة الله، بل يجب الرد المناسب عليهم والانتصار منهم؛ لقول ربنا سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فالظالمون منهم يجب الرد بما يتناسب مع هجومهم وتهجمهم على الإسلام وطعنهم فيه، قال تعالى في مدح عباده المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (الشورى: ٣٩)، ولذلك جاء في كثير من آيات القرآن الرد والزجر الشديد على المعاندين كبيان فضائحهم، وكشف مخازيهم، ووصفهم بفقدان العقل والفهم والاستهزاء بحالهم ومآلهم، وتحقير آلهتهم وتهديدهم بعذاب الدنيا والآخرة. ومن الأصول التي يجب على الداعية اتباعها في دعوة الكافرين: أن يقبل الكافر إذا أسلم، ويعتبره أخًا له في الدين، فإذا عرضت الدعوة على الكافر فقبلها ودخل في دين الله فقد انتقل من الكفر إلى الإسلام، فلا يُعيّر بدينه السابق

стр. 162

ولا يعير بما كان عليه من الكفر والشرك، ولا يذكّر بماضيه إلا أن يكون على وجه حمد الله وشكره وفضله عليه، كما قال تعالى عن المشركين ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: ١١) فإذا أحسنا نحن الدعاة عرض دعوتنا على الكافرين فقبلها منهم من قبلها، فقد صار أخًا لنا له ما لنا وعليه ما علينا، ومن الجدير بالذكر ونحن نتكلم عن الأصول التي يجب اتباعها في دعوة الكافرين. من الجدير بالذكر: أنه لا يجوز لنا نحن الدعاة الحكم على مسلم بالردة عن الإسلام إلا إذا أعلن بنفسه هو أنه راجعٌ عن الإسلام، أو أن يكون قوله أو فعله كفرًا مخرجًا من الملة، ولا يُحكم عليه بالردة إلا من عالم فقيه ضليع؛ لأن النبي ﷺ شدَّد الوعيد في تكفير المسلمين فقال: ((من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهم إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)) إن كان من قيل له: يا كافر كافرًا؛ فهو كافر، وإن لم يكن كافرًا فالكافر هو الذي رماه بالكفر. وفي هذا تحذيرٌ لشباب المسلمين من التسرع في التكفير؛ فإنه باب عظيم الخطر عظيم الضرر، فلا يجوز لنا أن نحكم على مسلم صدر منه قولٌ يحتمل الكفر أو فعلٌ يحتمل الكفر ويحتمل الإسلام- لا يجوز لنا أن نحكم عليه بالكفر، فقد نُسب إلى الإمام مالك ﵁ قال: إن صدر عن مسلم قول يحتمل كفر من تسعة وتسعين وجهًا، ويحتمل الإسلام من وجه واحد حملته على الإسلام، والله قد اشترط في ردة المسلم ورجوعه عن الدين أن يشرح صدره بذلك، فقال: ﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ وانشراح الصدر هذا غيبٌ لا يعلمه إلا الله، فلا يجوز إذا لأحد من الدعاة أن يكفر مسلمًا إلا إذا صرّح هو بانشراح الصدر بالكفر، واختار الكفر على الإسلام، وأثاره وأعلن بذلك، فحينئذٍ يرفع أمره إلى القضاء فيستتاب فإن تاب، وإلا قُتل ردة.

стр. 163

ومن الجدير بالذكر أيضًا: أنه يجب التفريق بين مقالة الكفر والكافر، فليس كل من وقع في الكفر يكون كافرًا، ليس كل من قال كلمة كفر يكفر بها، وليس كل من فعل فعل كفر يكفر به، لماذا؟ أولًا: ربما قال هذه الكلمة جاهلًا بأنها كفر، أو فعل هذا الفعل جاهلًا بأنه كفر، أو ربما كان متأوّلًا، ولذلك يجب الرد على المخالف وإقامة الحجة بالمقالة الخاطئة دون الحكم على قائلها بأنه كافر حتى يتبين أنه قد اختار الكفر أو أقيمت عليه الحجة البالغة التي تقطع عذره، فيا شباب المسلمين باب التكفير باب عظيم أمسك عن ولوجه الكبار فسلموا، وخاض فيه الصغار فضلّوا، فكونوا على حذر من ذلك، واحفظوا هذه الإرشادات والتنبيهات التي ذكرناكم بها، لا حكم بالردة إلا من عالم بالإسلام، وليس كل من وقع في الكفر يكون كافرًا. هذه هي الأصول التي يجب على الدعاة أن يتبعوها في دعوة الكافرين على اختلاف دياناتهم، أما المنافق فله أيضًا في دعوته أصول يجب على الداعية أن يتبعها، فالمنافق وهو الذي يُظهر الإسلام ويبطن الكفر، له أصول يجب اتباعها في دعوته منها: لا يُحكم على شخص أنه منافق نفاقًا اعتقاديًّا إلا ببرهان لا يقبل النقض، أنه يبطن الكفر ويظهر الإسلام كذبًا؛ لا يجوز أن تقول: فلان منافق، تعني به نفاق الاعتقاد؛ يعني: ليس مسلمًا يقول بلسانه ما ليس بقلبه، لا يجوز أن تقول ذلك إلا ببرهان أوضح من شمس الضحى، فكلمة ((هلَّا شققت عن قلبه؟!)) مشهورة عن النبي ﵊، قالها لحبِّه وابن حبِّه أسامة بن زيد، لما قتل ذلك الرجل الذي كان في غزوة لا يريد أن يصل إلى أحدٍ من المسلمين إلا وصل إليه، فغضب أسامة لإخوانه المسلمين لما كثر القتل فيهم، فأراد أن يثأر لهم، فتوارى وراء الشجرة، ينتظر من ذلك الكافر غفلة، فلما دنا منه رفع ﵇، فلما رآه

стр. 164

الرجل قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، فلما أُخبر ﷺ قال: ((أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!)) قال: يا رسول الله قالها مخافة السيف قال: ((هل شققت عن قلبه)) فلنا الظاهر والله يتولى السرائر، فلا يجوز الحكم على شخص بأنه منافق نفاق اعتقاد إلا ببرهان أوضح من شمس الضحى. ثانيًا: المنافق يُدعى إلى الإسلام ويوعظ ويُذكّر بالله، وتجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة، ويغلّظ عليه عند مخالفته للشرع، قال الله تعالى للنبي ﵊: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (النساء: ٦٣)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: ٧٣) قال ابن كثير ﵀ في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك؛ فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتفِ به يا نبينا فيهم، فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم، ولهذا قال له: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم، ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي: وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلامٍ بليغ رادعٍ لهم. الأصول الشرعية في دعوة المسلمين وأخيرًا، وبعد أن عرفنا أصول الدعوة التي يجب اتباعها في دعوة الكافرين والمنافقين، بقي لنا أن نعرف أصول الدعوة للمسلمين، فإذا كانت دعوة الكافرين والمنافقين لها أصول فدعوة المسلمين أيضًا لها أصول، فنقول في بيان ذلك وبالله تعالى التوفيق: للدعوة إلى الله تعالى بين المسلمين ميدانان، هما:

стр. 165

التربية والتعليم، وثانيًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكل ميدان من هذين الميدانين أصوله وقواعده. أولًا: قواعد في التربية على الإسلام وتعاليمه: التربية وهي التزكية والتعليم، هي مهمة النبي ﷺ في المؤمنين، فقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢)، فالتربية هي التزكية، والتربية هي تنشئة الإنسان وبناؤه، قال ﵊: ((ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسّانه)) وهذه أهم قواعد التربية والتزكية. أولًا: يجب أن يتضح أمام المربي والمعلم النموذج والمثال الذي يجب أن يربي على غراره، وهذا النموذج قد جاء وصف التفصيلي في آيات كثيرة من كتاب الله ، منها قول ربنا سبحانه في أول سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون: ١ - ١١). وقد رسم الله الشخصية المسلمة وأكثر من وصفها في القرآن الكريم في مواضع كثيرة؛ في سورة البقرة والأنفال والحجرات والإسراء، ذكر الله ﵎ النموذج الطيب للمؤمن الصالح الذي يحبه الله تعالى ويرضاه، ولقد كان رسول الله ﷺ هو ذلك النموذج الطيب والإنسان الكامل والقدوة والأسوة الذي أمر الله تعالى المسلمين أن يتأسوا به؛ حيث قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١).

стр. 166

ثانيًا: يجب على الداعي على الله ومعلم الخير، أن يعتمد لنفسه ومن يعلمهم نظام التعليم الدائم من المهد إلى اللحد، والمسلم الحق هو من يزداد في دينه كل يوم علمًا وعبادة، فإن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤). ثالثًا: يجب أخذ العلم والعمل جميعًا، وعدم إفراد العلم عن العمل؛ لأن هذا مدعاة لأن يقول المسلم ما لا يفعل، وأن يصبح العلم حجة على صاحبه لا حجة له، وقد كان منهج الصحابة في التعلم أخذ العلم والعمل جميعًا؛ فقد كان منهم من حفظ سورة البقرة في عدة سنوات؛ ليحفظ السورة وليعلمها وليعمل بها، كما قال الأعمش: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن"، فتأخذ العلم والعمل جميعًا وهذا لمن جاوز مرحلة الصغر وسنوات الحفظ الذهبية، أما من كان صغيرًا فينبغي على المعلم أن يغتنم صغره وأن يهتم بتلقينه وتحفيظه القرآن الكريم والسنة النبوية والعلوم الشرعية، متمثلة في المتون، تلك المتون التي هي كليات العلوم وقضاياها الأساسية، وكثيرًا ما تكون نظمًا أو نثرًا، ثم في الكبر يعتني بعد ذلك بالفهم والتعلم والتفقه، بأن يستشرح الطالب ما حفظه في صغره من المتون، ومن قواعد التعليم تعلم الحق قبل تعلم الباطل؛ لأن السابق إلى الذهن يتمكن منه ويستقر فيه، وقد قال ﵊: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبوه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) والفطرة في الحديث هي التوحيد، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (الروم: ٣٠). فيجب تعليم الصغار كلمة التوحيد وتنشئتهم على الفضيلة والخلق الطيب، قبل اطلاعهم على أنواع الكفر والشرك ومعرفة الرزيلة، ثم يجب تعلم جواب الشبه قبل ورودها تحصنًا منها، كما كان الله يعلم المسلمين ما يقولونه جوابًا

стр. 167

لشبهات الكفار قبل أن يلقيها الكفار كما في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (البقرة: ١٤٢)، ويجب أن تكون الدعوة إلى الله بالأسوة الصالحة، قبل أن تكون بالتعلم فإن التربية بالقدوة أبلغ في الدعوة، فالعالم العامل المربي يدعو بسيرته وأخلاقه وأعماله أكثر من أن يدعو بأقواله، والرسول ﷺ قد أثّر في سلوك أصحابه بأخلاقه وشمائله أعظم من تأثيره بأقواله ومواعظه. وينبغي للعالم أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، يقول الإمام ابن عبد الوهاب ﵀: ينبغي للمعلم أن يعلم الإنسان على قدر فهمه، وإن كان مما يقرأ القرآن أو عرف أنه ذكي فيُعلم أصل الدين وأدلته والشرك وأدلته، ويُقرأ عليه القرآن ويجتهد أن يفهم القرآن فهم قلب، وإن كان رجلًا متوسطًا ذُكر له بعض هذا، وإن كان مثل غالب الناس ضعيف الفهم فيصرح له بحق الله على العبيد، مثل ما ذكر النبي ﷺ على المسلم وحق الأرحام وحق الوالدين، وأعظم من ذلك حق النبي ﷺ . أما الميدان الثاني في دعوة المسلمين: فيتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أصوله أيضًا، منها: لا يجوز لمن يأمر بالمعروف أن يُقدِم على ذلك إلا إذا علم أن ما يأمر به هو من المعروف حقًّا، ولا يجوز أن ينهى عن منكر إلا إذا علم أن ما ينهى عنه هو المنكر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والله قد أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته، فمن لا يعلم المعروف لا يمكنه الأمر به، والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته، فمن لم يعلمه لا يمكنه النهي عنه".

стр. 168

وقال الإمام النووي ﵀: ثم إنه إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد؛ لم يكن للعوام مدخلٌ فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء. ثانيًا: مراتب تغيير المنكر ثلاث، فيجب على الداعية أن يتبع الحكمة ويراعي القدرة على هذه المراتب، قال ﷺ : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) فالإنكار باليد أعلى درجات الإنكار، وإنما يكون لأولي الأيدي والأبصار، أهل القوة والتمكن والقدرة، ولا يكون ذلك إلا من ذي سلطان، فالرجل في بيته سلطان يأمر وينهى ويغير المنكر بيده، والرجل في أي دائرة أو مؤسسة يديرها ويرأسها ذو سلطان يغير بيده، وأما في الشارع فإن التغيير باليد قد يفضي إلى مضار كثيرة ومنكرات أعظم من المنكر الذي غيره، ولا يجوز تغيير المنكر إذا أفضى إلى منكر أعظم منه، فمن لم يستطع باليد لأي سبب تحول إلى الإنكار باللسان، بأن يذمّ المنكر وأهله ويبين فساده ويحذر منه، فإن لم يستطع بلسانه تحول إلى الإنكار بالقلب بغضًا للمنكر وأهله ومفارقة لمجالسهم، فلا يجوز لمن رأى منكرًا وعجز عن تغييره باليد أو باللسان أن يظلَّ قاعدًا مع أهله؛ لأن هذا ليس منه تغيير، بل من التغيير بالقلب أن ينهض منصرفًا تاركًا لهذا المجلس، فإن الله ﵎ قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: ٦٨)، وقال سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (النساء: ١٤٠)، فإذا

стр. 169

رأى المسلم المنكر ولم يغيّره بيده ولا بلسانه وظلَّ جالسًا مع أهله- جلوسه هذا دليل على أنه لم يغيره بقلبه أيضًا ولذلك جلس معهم، فهو شريكهم في الإثم، ولذلك روي "أن عمر بن عبد العزيز ﵁ أوتي بقوم شربوا الخمر فقال: اجلدوهم، قالوا: فيهم فلان كان صائمًا قال: به فابدءوا"، اجلدوه أولًا، لماذا جلس مع الذين يشربون الخمر وهو صائم؟! ثالثًا: مما يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: أن يعلم المصالح والمفاسد الشرعية التي تترتب على أمره ونهيه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وجماع ذلك داخلٌ في القاعدة العامة، فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي إن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فيُنظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر؛ لم يكن مأمورًا به، بل يكون حرامًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته. لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد إنما هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، ومن هذا الباب ترك النبي ﷺ لعبد الله بن أبي بن سلول وأمثاله من أئمة النفاق والفجور، لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغرر القوم وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله ﷺ يقتل أصحابه؛ ولهذا لما خطب الناس في قضية الإفك بما خطبهم به واعتذر عنه وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه حمي له سعد بن عبادة مع حسن إيمانه وصدقه، وتعصب لكل منهم قبيلته حتى كادت تكون فتنة.

стр. 170

وأهم الأصول التي يجب على الداعية أن يتبعها في دعوته: إخلاص النية لله والبعد عن الهوى، فيجب على كل ما يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن يكون عمله لله خالصًا وأن يكون لهدي النبي موافقًا، وأن لا يتبع الداعية هواه، ويأمر أو ينهى لحظ نفسه، وذلك أن الضلال في الدين عظيم، ومن فقد الإخلاص ولم يتحرَّ الصواب أوقعه الشيطان في الهوى. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات، فإن أهل الكتاب أتبعوا أهواءهم فضلوا، قال الله تعالى عنهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: ٥٠)، ولذلك نُهي نبينا ﷺ أن يتبع أهواء أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة: ١٢٠)، فاتباع الهوى هو الذي أفسد الديانات السابقة، وأوجد الفرقة بين أهل الدين الواحد، هو الذي خرج به من خرج عن موجب الكتاب والسنة وسماهم علماء الإسلام أهل الأهواء، فيجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون باعثه إخلاص النية، وأن يكون عمله على الكتاب والسنة، وأن يجانب الهوى، وهو أن يحب ويبغض بدافع من هواه لا اتباعًا للأمر والنهي. وصلى وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 171

الدرس: ١٠ أهم الصفات التي يجب علي الداعية أن يتصف بها .

стр. 172

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العاشر (أهم الصفات التي يجب علي الداعية أن يتصف بها) الإيمان إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: أهم الصفات التي يجب على الداعية أن يتصف بها؛ حتى ينجح في دعوته ويبلّغ رسالة ربه: إن الداعية إلى الله قائمٌ في الناس مقام النبي ﷺ ، وقد برّأ الله سبحانه نبيه ﷺ من كل عيب، وعصمه من كل ذنب، وحسّن خَلقه وخُلقه، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وعلمه ما لم يكن يعلم، وبهذه الصفات قَبِل الناس دعوته ودخلوا في دين الله ، ولا يمكن للدعاة بعد النبي ﷺ أن يقوموا مقامه في الدعوة حتى يهتدوا بهديه ويقتفوا أثره ويتخلقوا بأخلاقه ويتأدبوا بآدابه ويتصفوا بصفاته، كل ذلك حسب الاستطاعة وعلى قدر نصيبهم من الاتصاف بهذه الصفات يكون نجاحهم في الدعوة إلى الله . ومن أهم الصفات التي يجب على الدعاة الاتصاف بها: الإيمان: ولا أعني بالإيمان الإيمانَ الشرعي، فقد سبق الحديث عن الإيمان كأصل من أصول الدين في الدروس السابقة، وإنما أعني بالإيمان أخلاقه وشُعبه التي نيفت على السبعين، وأُلفت فيه كتب مستقلة، فـ "ليس الإيمان إذا بالتمني ولا بالتحلّي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، ليس المقصود بالإيمان في حديثنا هذا مجرد معرفة ذهنية، لا تنفذ أشعتها إلى القلب فتضيئه ولا إلى الإرادة فتحركها ولا مجرد حشو الذاكرة بعبارات ومصطلحات عن معاني الرب والإله والدين والعبادة والتوحيد بأقسامه والطاغوت والجاهلية، والامتلاء عُجبًا وغرورًا بأن هذا كل الإيمان ومحض اليقين، والشغل الآخرين بمعارك جدلية حول هذه الألفاظ وإن كانت من الأهمية بمكان، فإن هذا المراء أو الجدال لا يُنشئ إيمانًا كإيمان سحرة فرعون حين

стр. 173

آمنوا برب هارون وموسى، ولا كإيمان الصحابة حينما صدقوا برسالة محمد رسول الله ﷺ . إن الإيمان الذي نعنيه هو الإيمان كما جاء به القرآن والسنة، وحسبنا أن نذكر آية واحدة في هذا المجال، ردَّ الله ﵎ بها على الأعراب الذين قالوا آمنا ولم يدخل الإيمان، في قلوبهم فقال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: ١٥)، وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه منه كما يكره أن يقذف في النار)) ربما يُكتفى من العامة نصف الإيمان أو ربعه، أما الدعاة فلا بد من الإيمان الحق، ولا يكفي أنصاف المؤمنين ولا أرباع المؤمنين. فالإيمان الذي نعنيه هو إيمان الكتاب والسنة الذي أشرنا إليه، كذلك الإيمان الذي نعنيه هو أن يعتقد الداعية من قرارة وجدانه أن الآجال بيد الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وإن اجتمعت على أن يضرُّوه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وعلى المؤمن أن يضع نصب عينيه قول ربه سبحانه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: ٥١)، وأن يردِّد صباح مساء قول ربه ﷻ : ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٤)، فبهذا الاعتقاد وبهذا الشعور يتحرّر الداعية المؤمن من الخوف والجبن والجزع،

стр. 174

ويتحلّى بالصبر والشجاعة والإقدام، ويهتف من أعماق قلبه بما هتف به عليٌّ ﵁ حين كان يجابه الأعداء: "أي يومي من الموت أفرّ؟ يومٌ لا يُقدر أم يوم قُدِّر، يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذِر". وأعني بالإيمان أيضًا: أن يعتقد المؤمن من سويداء قلبه أن الأرزاق بيد الله، وأن ما بسطه الله على العبد لم يكن لأحدٍ أن يمنعه، وما أمسكه عنه لم يكن لأحد أن يعطيه، وأن ما قُدّر لا بد أن يكون، وأن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها وأجلها، وعلى الداعية المؤمن أن يضعَ نُصب عينيه قول ربه : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: ٣٠)، وأن يردد صباح مساء قول الله : ﴿أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ (الملك: ٢١)، فبهذا الاعتقاد وبهذا الشعور يتحرّر الداعية المؤمن من الحرص الزائد على الدنيا والإلحاح بالطلب، ويتحرر أيضًا من الشح النفسي والتقدير المزري والإمساك الشائن، ويتحلَّى بمعاني الكرم والإيثار والعطاء، بل يرى السعادة في القناعة وعيش الكفاف، فإذا قنعت النفوس رضيت بالقليل وكفاها اليسير، ورحم الإمام الشافعي حين قال: النفس تجزع أن تكون فقيرة ... والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبته ... فجميع ما في الأرض لا يكفيها وأعني بالإيمان الذي يجب على الداعية أن يتصف به: أن يعتقد الداعية المؤمن من أعماق أحاسيسه ومشاعره: أن الله معه يسمعه ويراه، ويعلم سره ونجواه، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وعلى المؤمن أن يضع نُصب عينيه قول ربه سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة: ٧) وأن

стр. 175

يردّد صباح مساء قول ربه سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: ٥٩). فبهذا الاعتقاد وبهذا الشعور يتحرر المؤمن من رقة الهوى ونزغات النفس الأمارة بالسوء، وهمزات الشياطين وفتنة المال والنساء، ويتحلى بالمراقبة لله والإخلاص له والاستعانة به والتسليم لجنابه، ويندفع بكليته إلى العمل بكل أمانة وجدية وإتقان، بل يكون إذا مشى في الناس إنسانًا سويًّا برًّا تقيًّا ريحانة طيبة الشذى وشامة في المجتمع يُشار إليه بالبنان، بل يتمثل بما كان الإمام أحمد ﵁ يتمثل به كثيرًا وهو قوله: إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعةً ... ولا أن ما تُخفي عليه يغيب فعلى هذه المعاني من الإيمان ينبغي أن يتكون الداعية، وأن يواجه بهذا الإيمان صراع الحياة. إن الإيمان الحق الراسخ بأن الإسلام هو خاتم الأديان وأنه الدين الذي بُعث به محمد ﷺ لإنقاذ العالم وتخليصه من التخبط في الظلمات، وأنه دين شامل لجميع نواحي الحياة الدينية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية والعسكرية. هذا الإيمان يدفع صاحبه بحماس منقطع النظير إلى أن يدعو الناس إلى الإسلام بثقة واطمئنان وأن يحثّهم على اتباعه والتمسك بهديه والعمل الدائب الجاد لنصرته. هذا الإيمان لا يترك صاحبه يهدأ حتى يرى الناس قد دخلوا في دين الله أفواجًا، هذا الإيمان لا يرتاح لصاحبه بال حتى يرى راية الإسلام عاليةً خفاقة في كل مكان.

стр. 176

أما الدعاة المحترفون والمتجردون من هذا الإيمان، الذين اتخذوا الدعوة وسيلة للعيش الرغيد وسببًا للرزق الوافر، وغاية ينتهون إليها للشهرة والزعامة؛ فهؤلاء كفئران السفينة لا يهمهم إلا بطونهم غرقت السفينة أم نجت، والفرق بين الصنفين واضح بيّن، الصنف الأول يؤثر بأسلوبه المملوء بالإيمان وبطريقته المشحونة باليقين، فيسير الناس تبع إرشاده ويسلكون السبيل الذي يسلكه ويسخرون كل ما يملكون لنصرة الحق ونشره بين الناس. وأما الآخرون فكلامهم كالطبل الأجوف يُرعب ولا يطرب، ويُقلق ولا يرشد، ولهذا فإنه يدخل من أحد الأذنين ليخرج من الأخرى، فلا ينفعل به الناس ولا يكاد يصل إلى آذانهم حتى يتساقط تحت أقدامهم، وأنى له الطريق إلى قلوبهم؟ ولهذا لما سُئل عبد الله بن المبارك: لماذا يجلس بعض الناس إلى الوعّاظ والمرشدين فيتأثرون بهم ويبكون بين أيديهم، تصل الكلمة إلى آذانهم فتسلك طريقها إلى قلوبهم، فتستقرّ فيها، وتترجمها جوارحهم عملًا خيرًا رشيدًا، يصدق ما في قلوبهم، فإذا جلسوا إلى آخرين وذكَّروهم بمثل ما ذكرهم به الأولون، وقد يكون أسلوبهم أجود وألفاظهم أحلى وأداؤهم مثيرًا، ومع كل هذا فإن الناس لا يتأثرون بهم، ويقومون من مجلسهم وكأنهم لم يكونوا فيها، فأجاب ابن المبارك ﵀: "ثكلتك أمك يا هذا، النائحة المستأجرة كمن تبكي ولدها؟! " لا يعقل أبدًا ولا يمكن، ولهذا قالوا ليست النائحة كالثكلى. إن الإيمان هو الذي جعل بلالًا ﵁ يتحمّل ما تحمل وصهيبًا يستعذب حرارة النار، وسمية تستخف بالقتل، إن هذا الإيمان هو الذي دعا غلام أصحاب الأخدود أن يضحي بنفسه لتنتشر عقيدته، وجعل أتباعه يفضلون النار المستعرة ولا يعودون إلى الكفر أبدًا، وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: ((ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن

стр. 177

يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)). الاجتهاد في الطاعات والتقرب بها إلى الله ومن أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الداعية بعد الإيمان بالله : الاجتهاد في الطاعات والتقرُّب بها إلى الله : فإن الاجتهاد في الطاعة والتقرب بها إلى الله سبحانه من أقوى أسلحة الدُّعاة؛ ذلك لأن للطاعات نورًا ينعكس على وجوههم، وثناء يشيع في حديثهم، ووقارًا وهيبة يدعوان الناس إلى احترامهم وتقديرهم، وأقرب القربات وأعظم الطاعات ما فرضه الله سبحانه على عباده من أنواع العبادات كالصلاة والصيام والزكاة والحج، ثم يتبع ذلك ما يتطوّع به الناس الدعاة من النوافل، إن الاجتهاد في عبادة الله ابتغاء مرضاة الله يجعل الإنسان ربانيّا يتحرك في طاعة الله ويسكن في مرضات الله ويأكل ليقوى على عبادة الله، فيكون نومه شكرًا وصمته فكرًا وكلامه ذكرًا، في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: ((قال الله تعالى: من عاد لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدًا بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)) فالمحافظة على الفرائض وأدائها كما أمر الله من أعظم القربات إلى الله سبحانه.

стр. 178

ثم تكون النوافل يُجبر الكسر ويكمّل بها النقص ويتقرب بها إلى رب السموات والأرض، فيصفو قلب الداعية وتزكو نفسه وتنفعل جوارحه، فلا ينظر إلا إلى ما يحل له ولا يسمع إلا لما يستفيد منه، ولا يمد يده إلا إلى الحلال ولا يمشي إلا في الطاعة والرضوان، وحينئذ ينعكس أثر الطاعات على من يدعوهم، فيتأثرون بحديثه ويتأسَّون بعمله، ويكون لهم منهجًا رشيدًا يتحرك بينهم بالخير ويدلهم على الرشد، وتكون سيرته أعظم دعاية من خطبه ومواعظه. ولقد كان رسول الله ﷺ أتقى المسلمين وأخشاهم لله رب العالمين، فكان إذا صلى يُسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فلما قيل له في ذلك قال: ((أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا)) وكان ﷺ حتى يقال لا يفطر وكان لا يترك الليل في حضر ولا في سفر، وكان يتصدق بكل ما عنده ولا يبقي لنفسه شيئًا؛ لهذا كان الاجتهاد في الطاعات والتنافس في الخيرات من أبرز سمات الدعاة إلى الله ؛ حيث تكون الصلة وثيقة بينهم وبين باريهم، فالصلاة معراجهم إلى الله والصوم جُنة لهم من النار والصدقة تطفئ غضب الرب. التجرد والزهد ومن أهم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتحلى بها: التجرد والزهد: والتجرد: هو الجد في نشر الدعوة، والاجتهاد في تبليغها، والتفرغ لها، وتقديمها على غيرها من مصالح الإنسان الخاصة، والزهد: هو عدم التطلع إلى ما في أيدي الناس والاقتناع بما قسم الله من الرزق، وعدم تعليق القلب بالدنيا وزخارفها، وهاتان الصفتان -التجرد والزهد- من أهم أسباب نجاح الدعاة في مهمتهم؛ لأن

стр. 179

الداعية إلى الله إذا لم يجد ويجتهد في نشر الدعوة كسل وتبلّد، والكسل والبلادة قعود عن الحق وإهمالٌ للواجب، ولا يمكن لكسلان أن يقوم بحقّ الدعوة، كما لا يتمكن البليد من تبليغها، ولأن تعليق القلب بالدنيا والاشتغال بتحصيلها يحول بين الداعية وبين الناس، فلا يجتمع عليه أحد ولا يكون في قلبه مكان لدعوته؛ حيث استحوذت الدنيا على قلبه وملكت عليه حواسه، ومن استولت الدنيا على قلبه سخّرته لخدمتها، وعندئذ لا يكون فيه مكان للآخرة؛ لأن الدنيا والآخرة ضرتان، والدعوة لا تنتشر إلا بالعمل الجاد الدائب والبذل المستمر الذي لا ينقطع،. وكيف يبذل للدعوة من همه جمع المال، بل كيف ينفق في الدعوة من غايته تحصيل الدنيا وجمع حطامها، إن التكالب على الدنيا والحرص على جمع المال والانغماس في الشهوات وبذل أقصى الجهد في مسابقة الناس على الدنيا- كل ذلك يؤدي إلى الانصراف عن الحق الذي هو مهمة الدعاة، وتشبث بالباطل الذي هو مِعْول هدم في الدعوات؛ ولهذا كان النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده -رضوان الله عليهم أجمعين- كانوا أبعد ما يكونون عن الدنيا، حتى إن النبي ﷺ لم يشبع من خبز الشعير مرتين في يوم واحد، وكان ينفق نفقة من لا يخشى الفقر، جاءه رجل فرأى غنمًا بين واديين أو بين جبلين، فنظر إليها فقال له ﷺ : ((أيسرك أن تكون لك؟)) قال: نعم يا رسول الله، فأمر بها له، فرجع الرجل إلى قومه يقول: "يا قوم أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر". ويذكر الواقدي في (المغازي) أن النبي ﷺ أعطى صفوان بن أمية يوم حنين واديًا مملوءً إبلًا ونعمًا، فقال: "أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي" وكان صفوان يقول: "أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني

стр. 180

حتى إنه لأحب الناس إليّ"، وهكذا ترى أيها الداعية أن الرسول ﷺ تجرّد لدعوته ولم يشغل قلبه بأعراض الدنيا، ولم تتطلع نفسه الشريفة إلى شيء من متاعها، بل كان يبذلها بسخاء ويعطيها لمن يتألفهم؛ ليكسبهم أتباعًا لدعوته وحماة لشريعته، وكان يقول: ((ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها)) ولقد صار خلفاؤه الراشدون ﵃ سيرته، ونهجوا نهجه فجدوا في نشر الدعوة وأرسلوا الدعاة إلى الأمصار يحملون الهدى للناس، ولم يجمعوا شيئًا من الدنيا، وقد فُتحت عليهم وحُملت إليهم كنوزها، فعافوها وبذلوها طائعين في نصرة الدين وتأليف قلوب المستجدين، حتى مات أبو بكر ﵁ ولم يزد ماله الذي كان عنده قبل الخلافة درهمًا، بل نقص، وتوفي عمر ﵁ ولم يكن في بيته غير نفقته المعهودة، حقّا لقد تجردوا لدعوتهم وزهدوا في الدنيا وقد واتتهم مرغمة، حتى انتصر الإسلام وعز المسلمون. إن الذين يتنافسون على لذيذ الطعام وشهيّ الشراب ببطن لا تشبع، ويتطلعون للقصور الشامخة والمراكب الفارهة بعينٍ لا تدمع من خشية الله، ويسابقون غيرهم إلى الزوجات الفاتنات ويتشوقون للبنين والبنات بقلوب لا تخشع- إن هؤلاء جميعًا لا يصلحون لحمل هذه الدعوة ولا يطيقون مواصلة السير إلى نهاية الشوط؛ لأن شرف العمل لهذه الدعوة لا يناله من يضنّ عليها بوقته، ويعطيها ساعة من فراغه، ولا يحصل عليها من يبخل عليها بماله ويبذل لها نافلته، ولا يحظى به من جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، وجعل الدعوة دبر أذنه وخلف ظهره. إن شرف الدعوة إلى الله لا يناله إلا المتجردون لها، الباذلون أقصى الجهد في تبليغها، المقدمون لها على أولادهم وأزواجهم وبيعهم وشرائهم وأحسابهم
следующие страницы →