Полный текст (394 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فالصيام هو الطريق الأعظم لحصول هذا الغاية الجليلة التي توصل العبد إلى السعادة والفلاح؛ فإن الصائم يتقرب إلى الله بترك ما تشتهي نفسه من طعام وشراب، وتوابع ذلك؛ تقديمًا لمحبة الله على محبة النفس، ولذلك اختص الله تعالى لنفسه الصيام من بين سائر الأعمال، فقال: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزِي به)).
وبالصيام يزداد الإيمان ويتمرّن العبد على الصبر النفسي الدافع لاندفاع النفس البهيمية في شهواتها الضارة، وبالصيام يستعين العبد على كثير من العبادات من صلاة وقراءة وذكر وصدقة، ويرجع النفس عن الوقوع في الأمور المحرمة من أقوال وأفعال، وذلك من أصول التقوى، وبالصيام يعرف العبد نعمة الله عليه في أقداره على ما يتمتع به من مأكل ومشرب ومنكح وتوابع ذلك، فالامتناع منها في وقت وحصول المشقة بذلك، وإباحته في بقية أوقاته يذوق طعم الجوع والظمأ، ويعرفه مقدار النعمة ويحنو على إخوانه المعدمين الذين لا يكادون يجدون القوت دائمًا.
وبالصيام يكون العبد صابرًا على الطاعات، وعن المخالفات، وعلى أقدار الله المؤلمة بصبره عن المفطرات التي يؤلم النفس تركها، ويكون من الشاكرين لله بمعرفة مقدار نعمة الله عليه بالسعة والغنى، وبنعمته الكبرى بتوفيقه للصيام.
وقد أخبر النبي ﷺ أن الصيام يُكفّر الذنوب المتقدمة كلها، وأن الله يحبه ويرضى عن صاحبه، ويعطيه أجرًا عظيمًا، وأن من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنّما صام الدهر، ومن صام من كل دهر ثلاثة أيام، فكذلك، فإن الحسنة بعشرة أمثالها، وذلك يعدل صيام الدهر، فضلًا من الله ومنة، ومن تيسير الله للصيام وتسهيله: أن الله تعالى شرعه في وقت واحد وشهر واحد؛ ليتفق
стр. 72
المسلمون كلهم على صيامه وتهون المشقة باشتراكهم في الصيام، فإن الاشتراك في العبادة له نفع عظيم، ومساعدة جسيمة، ولله في العبادات حكم وأسرار ولطف كبير، ولله الفضل وله الحمد والشكر والثناء الحسن الجميل.
الركن الرابع بعد الصلاة: الحج
الرابع من العبادات: الحج:
قال الله ﵎: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٦، ٩٧)، فالحج ركن من أركان الإسلام وفريضة من فرائضه كما هو مشهور في حديث ابن عمر: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة إلا إله الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا)).
ومن رحمة الله ﵎ بعباده المؤمنين أنه لم يوجب عليهم الحج إلا مرة واحدة في العمر واشترط لوجوب الحد الاستطاعة؛ فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فالحج واجب على كل مسلم بالغ عاقل حرٍّ مستطيع، وتتحقق الاستطاعة بأمن الطريق والصحة، وملك النفقة التي تكفيه لذهابه وإيابه؛ شريطة أن تكون فاضلة عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقتهم، من امرأة، وولد، وخادم، ونحو ذلك.
ويُشترط في حق المرأة أن تكون مستطيعة أن يصحبها زوج أو محرم، فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((لا يخلونّ رجل بامرأة إلا
стр. 73
ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إني امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال ﷺ : انطلق فحج مع امرأتك)). فالاستطاعة في حق المرأة مشروطة بالشروط المذكورة في حق الرجل، وتزيد عليه أن يصحبها زوج أو محرم؛ لنهي النبي ﷺ المرأة أن تسافر وحدها.
والمحرم هو: من يحرم على المرأة أبدًا كالأب والابن، والأخ وابن الأخ وابن الأخت، ونحوهم مما حرم الله علي النساء، كما ذكر ذلك في كتابه، ومتى تحقَّقت الاستطاعة في حق المسلم أو المسلمة؛ وجب المبادرة بالحج من العام نفسه؛ فإن الحج في أرجح أقوال العلماء واجب على الفور لا على التراخي؛ لقول النبي ﷺ : ((من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة وتعرض الحاجة))، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (لقمان: ٣٤)، والزمان أكبر شاهد على ضرورة التعجل بالحج؛ ففي كل عام تتغير القوانين وتزيد التكاليف، فالسعيد الموفق من عجل بتبرئة ذمته بأداء فريضة ربه ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
هذا؛ وإن للحج فقهًا يُعرف من كتب الفقه إن شاء الله تعالى، لكننا نقول: إن الحج كعبادة الله فرضها الله على المسلمين المستطيعين كما بينا في هذه العبادة فوائد عظيمة، بيّنها العلامة السعدي ﵀ فقال: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، وأخبر النبي ﷺ أنّ الحجّ أحدُ أركان الإسلام ومبانيه العظام، وأن من حج البيت فلم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وكل هذا في الصحيحين.
стр. 74
وأخبر ﷺ أن الحج والعمرة ينفيان الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وورد في فرضه وفضله وثوابه أحاديث كثيرة، وذلك لما فيه من المنافع العامة والخاصة، وقد بيَّن ربنا مجمل حكمه ومنافعه حيث قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: ٢٧، ٢٨) أي: منافع دينية واجتماعية ودنيوية، وقال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ (المائدة: ٩٧)، فإن به تقوم أحوال المسلمين، ويقوم دينهم ودنياهم، فلولا وجود البيت الحرام في الأرض وعمارته بالحج والعمرة والتعبدات الأخرى؛ لآذن هذا العالم بالخراب.
ولهذا كان من أمارات الساعة واقترابها هدم البيت الحرام بعد عمارته وتركه بعد زيارته؛ فإن الحج مبني على المحبة والتوحيد الذي هو أصل الأصول كلها، فإن حقيقته استزارت المحبوب لأحبابه، وإيفادهم إليه؛ ليحظوا بالوصول إلى بيته، ويتمتعوا بالتذلل له والانكسار له في مواضع النسك، ويسألوه جميع ما يحتاجونه من أمور دينهم ودنياهم؛ فيجزل لهم من قراه ما لا يصفه الواصفون، وبذلك تتحقق محبتهم لله، ويظهر صدقهم بإنفاق نفائس أموالهم، وبذل مُهَجهم في الوصول إليه.
فإن أفضل ما بذلت في الأموال، وأتعبت فيه الأبدان، وأعظمه فائدة وعائدة ما كان في هذا السبيل، وما تُوسّل به إلى هذا العمل الجليل، ومع ذلك فقد وعدهم بإخلاف النفقات، والحصول على الثواب الجزيل والعواقب الحميدة.
ومن فوائد الحج: أن فيه تذكرة لحال الأنبياء والمرسلين، ومقامات الأصفياء المخلصين، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: ١٢٥)،
стр. 75
والصحيح في تفسيرها أن هذا عام في جميع مقاماته في الحج من الطواف وركعتيه، والسعي والوقوف بالمشاعر، ورمي الجمار، والهدي، وتوابع ذلك. ولهذا كان ﷺ يقول في كل مشعر من مشعر الحج: ((خذوا عني مناسككم)).
فهو تذكير بحال إبراهيم الخليل والمصطفين من أهل بيته، وتذكير بحال سيد المرسلين وإمامهم ومقاماته في الحج التي هي أجل المقامات، وهذا التذكير أعلى أنواع التذكيرات؛ فإنه تذكير بأحوال عظماء الرسل إبراهيم، ومحمد ﷺ ومآثرهم الجليلة، وتعبداتهم الجميلة. والمتذكر بذلك مؤمن بالرسل معظم لهم، متأثر بمقاماتهم السامية، مقتضيًا بآثارهم الحميدة، ذاكرٌ لمناقبهم وفضائلهم فيزداد به العبد إيمانًا ويقينًا.
كما أن الحج شُرع لما فيه من ذكر الله الذي به تطمئن القلوب، ويصل به العبد إلى أكمل مطلوب.
ومن فوائد الحج: أن المسلمين يجتمعون في وقت واحد، وموضع واحد على عمل واحد، ويتصل بعضهم ببعض، ويتم التعاون والتعارف، ويكون وسيلة للسعي في التعرف المصالح المشتركة بين المسلمين والسعي في تحصيلها بحسب القدرة والإمكان، وبذلك تتحقق الوحدة الدينية، والأخوة الإيمانية، ويرتبط أقصى المسلمين بأدناهم، فيتفاهمون، ويتعارفون، ويتشاورون في كل ما يعود بنفعهم، وبذلك يكتسب العبد من الأصدقاء والأحباب ما هو أعظم المكاسب، ويستفيد بعضهم من بعض.
وأما توابع ذلك من المصالح الدنيوية بالتجارات والمكاسب الحاصلة في مواسم الحج، ومواضع النسك، فإنها تفوق العدّ، وكل هذا داخل في قول ربنا: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: ٢٨). إنه لموسم عظيم لا يشبه شيء من مواسم
стр. 76
الأقطار، كم أُنفقت فيه نفائس الأموال، وكم أتعبت في السعي إليه الأبدان، وكم حصل فيه شيء كثير من أصناف التعبدات، وكم أريقت في تلك المواضع العبرات، وكم أقيلت في العثرات، وغفرت الذنوب والسيئات، وكم فرجت فيه الكربات، وقضيت الحاجات، وكم ضجّ المسلمون فيه بالدعوات المستجابات، وكم تمتع فيه المحبون بالافتقار إلى رب السموات، وكم أسبغ الباري فيه عليهم من ألطاف ومواهب وكرامات، وكم عاد المسرفون على أنفسهم كيوم ولدتهم الأمهات، وكم حصل فيه من تعارف نافع واستفاد منه العبد من صديق صادق، وكم تبادلت فيه الآراء والمنافع المتنوعة، وكمّ تم للعبد فيه من مآب ومطالب متعددة، ولله الحمد والمنّة.
هذه هي أصول العبادات الصلاة والصيام والزكاة والحج هذه الشرائع المتقدم ذكرها، قد تبين أنها من أعظم الضرورات، وأنه لا غنى للخلق عنها للفوائد الجلية المترتبة عليها، والأضرار الكثيرة الناشئة عن فقدها، وأنها أعظم منن الله على عباده، وأعظم محاسن الدين الإسلامي، وأن كل دين خلا منها، وكل طريق فقدت منه؛ فإنه شر محض، وضرر صرف، وأنه إذا وجد خير في شخص أو طائفة من الناس؛ فانظر وتأمّل تجد بلا شك أصله ومنبعه مأخوذ من الدين الإسلامي، وإن غُيّرت صبغته، وسمي بغير اسمه، كما أنك لا تجد شرًّا ولا ضررًا إلا وجدت منبعه بمخالفة الدين الإسلامي، لا يشذّ عن هذا شيء، فالخير حيث كان الدين، والشر حيث فُقد الدين، والحمد لله الذي من علينا الإسلام، وشرح صدورنا له، وحبب إلينا الإيمان.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 77
الدرس: ٥ الأخلاق .
стр. 78
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(الأخلاق)
علاقة الأخلاق بالعقيدة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد:
إن الأخلاق الحميدة الكريمة الطيبة هي ثمرة العقيدة الصحيحة والعبادة الصالحة، فالنبي ﷺ يقول: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا)) فكلما ازداد إيمان المؤمن حسن خلقه.
وفي علاقة الأخلاق بالعقيدة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لفظ الإيمان إذا أُطلق في القرآن والسنة يُراد به ما يُراد بلفظ البر وبلفظ التقوى وبلفظ الدين، وقد بيَّن النبي ﷺ أن ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) فكان كل ما يحب الله تعالى يدخل في اسم الإيمان، وإذا كان الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب وأنه لا بد فيه من شيئين: الأول تصديق بالقلب وإقراره ومعرفته، وهذا هو التوحيد، والآخر عمل القلب وهو التوكل على الله وحده، ونحوه مثل حب الله ورسوله وحب ما يحبه الله ورسوله، وبغض ما يبغضه الله ورسوله وإخلاص العمل لله وحده- كانت أعمال القلب من الحب والإخلاص والخشية والتوكل ونحوها داخلة في الإيمان بهذا المعنى، وكانت هذه الأخلاق الفاضلة ونحوها داخلة في الإيمان. وأما البدن فلا يمكن أن يتخلف عن مراد القلب؛ لأنه إذا كان في القلب معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، ولهذا قال النبي ﷺ : ((إلا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب))، وقال أبو هريرة ﵁: "القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طاب جنوده".
стр. 79
إنه إذا كان عمل القلب من الأمور الباطنة وعمل الجسد من الأمور الظاهرة فإن الظاهر تابعٌ للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد، ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي الذي كان يعبث بيديه وجوارحه: "لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه"، وهكذا، فإنه لما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان لم يفرق الله بينها وبينه في قوله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (الحجرات: ٧) فأدخل في الإيمان جميع الطاعات؛ لأنه سبحانه حبب إليهم ذلك حب تدين، وكره إليهم الكفر والفسوق وسائر المعاصي كراهة تدين، ومن ذلك قوله ﷺ : ((من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)) لأن الله حبب إلى المؤمنين الحسنات وكره إليهم السيئات.
إن الأخلاق الفاضلة من نحو صدق الحديث وأداء الأمانة وبرّ الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر، وتلاوة القرآن وكذلك حبّ الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك كلها داخلة في مفهوم العبادة؛ وذلك أن العبادة هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، وبها أرسل الله جميع الرسل كما قال سبحانه لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) ولذلك اتفقت كلمة الأنبياء أجمعين على ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٥٩)، والدين كله داخل في العبادة التي تتضمن غاية الذُّلّ لله بغاية المحبة
стр. 80
له، ومن هنا تكون فضائل الأخلاق ومكارمها داخلة في إطار الدين وركنًا أساسيًّا من أركانه.
إن هذه الأخلاق الإيمانية هي وجه من الوجوه التي يتفاضل فيها الناس فيما يتعلق بزيادة الإيمان ونقصانه؛ ولذلك يقول ﵀: من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له، كما يتفاضلون في سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب والرحمة للخلق والنصح لهم ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية، ومصداق هذا قوله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا)).
ثم يبين ﵀ أن الإيمان هو مصدر الأخلاق في الإسلام، فيقول ﵀: لما كانت الأخلاق من الإيمان بهذه المثابة كان الإيمان هو مصدر الإلزام الخلقي، بمعنى: أن الإيمان له قوته الإيجابية التي تعمل على تنمية المشاعر وتنقيتها، وأن القوة الإيمانية تترك بصماتها على اتجاهات السلوك الإنساني، ولا سيما في مجال العلاقات الإنسانية، يقول الله ﵎ في بيان حقيقة الإيمان: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: ٢ - ٤) فلقد نصَّت هذه الآيات على خمس صفات للمؤمن الحق، وهذه الخمس -كما يقول ابن تيمية- تتضمن ما عداها، فإنه سبحانه ذكر وجل القلوب إذا ذكر الله، وزيادة الإيمان إذا تليت الآيات، مع التوكل على الله وإقام الصلاة والإنفاق في سبيل الله، فكان هذا مستلزمًا للباقي؛ لأن وجل القلب عند ذكر الله يقتضي خشيته والخوف منه، وإذا كان وجل القلب من ذكر الله يتضمن خشيته ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور وترك المحظور.
стр. 81
وقد استخلص من ذلك بعض الباحثين أن الالتزام الخلقي الناتج عن الإيمان تكون له دومًا مصادره أو روافده التي تزكيه وتزيد من عمقه وثباته، سواء في مجال الإقدام على الخير أو في مجال الابتعاد عن الشر، وكلاهما لازمٌ للآخر حسب ما تقضي بذلك طبيعة الإيمان. هذه هي علاقة الأخلاق بالعقيدة.
علاقة الأخلاق بالعبادة
أما علاقة الأخلاق بالعبادة؛ فقد بيّنها الشيخ محمد الغزالي ﵀ حيث قال في مقدمة كتابه (خلق المسلم): لقد حدَّد رسول الإسلام الغاية الأولى من بعثته والمنهاج المبين في دعوته بقوله: ((إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، فكأن الرسالة التي خطَّت مجراها في تاريخ الحياة وبذل صاحبها جهدًا كبيرًا في مدِّ شعاعها وجمع الناس حولها، كأن هذه الرسالة لا تنشد أكثر من تدعيم فضائلهم وإنارة آفاق الكمال أمام أعينهم حتى يسعوا إليها على بصيرة. والعبادات التي شُرعت واعتبرت أركانًا في الإيمان به ليست طقوسًا مبهمة من النوع الذي يربط الإنسان بالغيوب المجهولة، ويكلفه بأداء أعمال غامضة وحركات لا معنى لها، كلا كلا، فالفرائض الذي ألزم بها كل منتسب إليه هي تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة وأن يظلَّ مستمسك بهذه الأخلاق مهما تغيَّرت أمامه الظروف، إنها أشبه بالتمارين الرياضية التي يُقبل الإنسان عليها بشغف ملتمسًا من المداومة عليها عافية البدن وسلامة الحياة.
والقرآن الكريم والسنة المطهرة يكشفان بوضوح عن هذه الحقائق؛ فالصلاة الواجبة عندما أمر الله تعالى بها أبان الحكمة من إقامتها فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: ٤٥)، فالإبعاد عن
стр. 82
الرذائل والتطهير من سوء القول وسوء العمل هو حقيقة الصلاة، والزكاة المفروضة ليست ضريبة تُؤخذ من الجيوب بل هي غرس لمشاعر الحنان والرأفة وتوطيدٌ لعلاقات التعارف والألفة بين شتَّى الطبقات، وقد نص القرآن الكريم على الغاية من إخراج الزكاة بقول الله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣)، فتنظيف النفس من أدران النقص والتسامي بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة الأولى، ومن أجل ذلك وسَّع النبي ﷺ في دلالة كلمة الصدقة التي ينبغي أن يبذلها المسلم فقال ﷺ : ((تبسّمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلالة لك صدقة، وإماطة الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة)).
وهذه التعاليم في البيئة الصحراوية التي عاشت دهورًا على التخاصم تُشير إلى الأهداف التي رسمها ا، لله وقاد العرب في الجاهلية المظلمة إليها. وكذلك شرع الإسلام الصوم، فلم ينظر إليه على أنه حرمان مؤقت من بعض الأطعمة والأشربة، بل اعتبره خطوة إلى حرمان النفس دائمًا من شهواتها المحظورة ونزواتها المنكورة، وإقرارًا لهذا المعنى قال الرسول ﷺ : ((من لم يدعُ قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))، والقرآن الكريم يذكّر بثمرة الصوم فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣)، وقد يحسب الإنسان أن السفر إلى البقاع المقدسة التي كُلف به المستطيع واعتبر من فرائض الإسلام على بعض أتباعه قد يحسب الإنسان هذا السفر رحلة مجردة عن المعاني الخلقية، ومثلًا لما قد تحتويه الأديان أحيانًا من تعبدات غيبية، وهذا الحسبان خطأ؛ فإن الله -تبارك
стр. 83
وتعالى- قال عن الحج: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٩٧).
هذا العرض المجمل لبعض العبادات التي اشتهر بها الإسلام، وعرفت على أنها أركانه الأصلية نستميل منها متانة الأواصر التي تربط الدين بالخلق، إنها عبادات متباينة في جوهرها ومظهرها، ولكنها تلتقي عند الغاية التي رسمها الرسول ﷺ في قوله: ((إنما بعثتم لأتمم مكارم الأخلاق)).
فالصلاة والصيام والزكاة والحج وما أشبه هذه الطاعات من تعاليم الإسلام هي مدارك الكمال المنشود، وروافد التطهر الذي يصون الحياة ويعلي شأنها، ولهذه السجايا الكريمة التي ترتبط بها أو تنشأ عنها أعطيت منزلة كبيرة في دين الله، فإذا لم يستفد المرء منها ما يزكي قلبه وينقيه لبه، ويهذب بالله وبالناس صلته، فقد هوى قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (طه: ٧٤ - ٧٦).
تعريف الأخلاق وأهميتها
ما هي الأخلاق؟
الجواب: الأخلاق جمع: خلق، والخلق في اللغة: الطبع والسجية. وفي اصطلاح العلماء -كما ذكر ذلك أبو حامد الغزالي، ﵀: الخلق هيئة في النفس راسخة، تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية.
وللأخلاق في الإسلام أهمية بالغة؛ وذلك لما لها من تأثير كبير في سلوك الإنسان وما يصدر عنه، بل نستطيع أن نقول: إن سلوك الإنسان موافقٌ لما هو مستقر في
стр. 84
نفسه من معانٍ وصفات، وما أصدق كلمة أبي حامد الغزالي إذ يقول: فإن كل صفة تظهر في القلب يظهر أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة، فأفعال الإنسان إذًا موصولة دائمًا بما في نفسه من معانٍ وصفات صلة فروع الشجرة بأصولها المغيبة في التراب، ومعنى ذلك: أن صلاح أفعال الإنسان إنما هو بصلاح أخلاقه؛ لأن الفرع بأصله، إذا صلح الأصل صلح الفرع وإذا فسد الأصل فسد الفرع، والله ﵎ يقول: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًاَ﴾ (الأعراف: ٥٨)، ولهذا كان النهج السديد في إصلاح الناس وتقويم سلوكهم وتيسير سبل الحياة الطيبة لهم أن يبدأ المصلحون بإصلاح النفوس وتزكيتها، وغرس معاني الأخلاق الجيدة فيها، ولهذا أكد الإسلام على صلاح النفوس، وبيّن أن تغيير أحوال الناس من سعادة وشقاء، ويسر وعسر ورخاء، وضيق وطمأنينة وقلق، وعز وذل، كل ذلك ونحوه تبعٌ لتغيير ما بأنفسهم من معانٍ وصفات، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١).
وتظهر أهمية الأخلاق أيضًا من ناحية أخرى؛ ذلك أن الإنسان قبل أن يفعل شيئًا أو يتركه يقوم بعملية وزنٍ وتقييم لتركه أو فعله في ضوء معاني الأخلاق المستقرة في نفسه، فإذا ظهر الفعل أو الترك مرضيًّا مقبولًا انبعث في النفس رغبة فيه واتجاهٌ إليه ثم إقدامٌ عليه، وإن كان الأمر خلاف ذلك انكمشت النفس عنه وكرهته وأحجمت عنه تركًا كان أو فعلًا.
إن عملية الوزن هذه قد تكون سريعة جدًّا وغير محسوس بها إلى درجة أن الإنسان قد يفعل الشيء أو يتركه بدون روية أو تفكير، وفي بعض الأحيان لا تتم عملية الوزن والتقييم إلا بعد تأمل ومضيّ وقت طويل، وقد لا تتم هذه العملية فيقع الإنسان في تردّد بين الفعل والترك، ولكن في جميع الأحوال لا بد من عملية الوزن والتقييم لكل فعل أو ترك بلا استثناء.
стр. 85
إن وزن الأفعال والتروك بميزان الأخلاق، وصحة هذا الوزن أو فساده ومدى التزام الإنسان بمقتضاه وتنفيذه له، كل ذلك يتوقف على نوع المعاني الأخلاقية التي يحملها؛ من حيث جودتها أو رداءتها ومدى رسوخها في نفسه وانصباغها بها وحماسه لها وغيرته عليها وشعوره بضرورتها إليه، فلا يكفي لظهور أثر الأخلاق في فعل الإنسان وتركه أن يعرف الإنسان الجيد والرديء من الأخلاق، ويخزن هذه المعرفة في رأسه، ويتكلم بها في المناسبات، بل لا بد من انصباغ كيانه بها ورسوخه في أعماق نفسه؛ بحيث تصير له كاللون الأسود والأبيض بالنسبة للبشرة السوداء أو البيضاء، وأن تكون حاضرة في ذهنه مسيطرةً على سلوكه، متحمسًا لها، غيورًا عليها إلى درجة الإيمان بأن الحياة لا تصلح عضوًا للتفريط بمعنًى من معانٍ الأخلاق الفاضلة الإسلامية التي يحملها.
ومن أجل هذا أكّد الإسلام على معاني الأخلاق المطلوبة وشوّق إليها وحث النفوس عليها وكررها وأعادها حتى يتذكر المسلم دائمًا وينصبغ بها فيكون أثرها واضحًا في سلوكه.
مكانة الأخلاق في الإسلام
وللأخلاق في الإسلام مكانة عظيمة جدًّا، تظهر من وجوه كثيرة نذكر منها ما يأتي:
أولًا: تعليل الرسالة بتقويم الأخلاق وإشاعة مكارم الأخلاق: جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)).
ثانيًا: تعريف الدين بحسن الخلق: فقد جاء في حديث مرسل، أن رجل جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الدين؟ فقال ﷺ : ((حسن الخلق))، وهذا
стр. 86
يعني: أن حسن الخلق ركن الإسلام العظيم الذي لا قيام للدين بدونه، كالوقوف في عرفات بالنسبة للحج؛ فقد جاء في الحديث الشريف: ((الحج عرفة)) أن ركن الحج العظيم الذي لا يكون الحج إلا به هو الوقوف في عرفات.
ثالثًا: من أكثر من يرجح كفّة الحسنات يوم الحسنات يوم الحساب حسن الخلق، كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: ((أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة حسن الخلق)).
رابعًا: المؤمنون يتفاضلون في الإيمان، وأفضلهم في الإيمان أحسنهم أخلاقًا، كما قال ﵊: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا))، وسئل ﷺ عن أكمل الناس إيمانًا قال: ((أحسنهم خُلقًا)).
خامسًا: إن المؤمنون يتفاوتون في الظفر في حب رسول الله ﷺ ، وقربهم منه يوم القيامة، وأكثر المسلمين ظفرًا بحب رسول الله ﷺ والقرب منه من حسنت أخلاقهم، كما قال ﵊: ((إن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا)).
سادسًا: إن حسن الخلق أمرٌ لازم وشرط لا بد منه للنجاة من النار والفوز بالجنة، وإن التفريط بهذا الشرط لا يغني عنه كل عمل صالح حتى الصلاة والصيام، ففي الحديث أنه قيل: يا رسول الله فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها؟ قال: ((لا خير فيها، هي في النار)).
سابعًا: إن النبي ﷺ كان يدعو ربه بأن يحسِّن خلقه، وهو ذو الأخلاق الحسنة، وكان يسأل الله أن يهديه إلى أحسن الأخلاق، صحّ بذلك الحديث عنه ﷺ فكان إذا قام من الليل قال: ((اللهم اهدني لأحسن الأخلاق؛ فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيّئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت))، كما كان
стр. 87
يقول: ((اللهم كما حسّنت خَلقي حسن خُلقي))، ومعلوم أنه ﷺ لا يدعو إلا بما يحبه الله ويقربه منه.
ثامنًا: مدح رسوله الكريم ﷺ بحسن الخلق، فقال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤)، والله تعالى لا يمدح رسوله إلا بالشيء العظيم مما يدل على عظيم منزلة الأخلاق في الإسلام.
تاسعًا: كثرة الآيات القرآنية المتعلقة بموضوع الأخلاق، أمرًا بالجيد منها ومدحًا للمتصفين به، ومع المدح ثواب، ونهيًا عن الرديء منها، وذم المتصفين به ومع الذم العقاب، ولا شك أن كثرة الآيات في موضوعات الأخلاق يدل على أهميتها، ومما يزيد في هذه الأهمية أن هذه الآيات منها ما نزل في مكة قبل الهجرة، ومنها ما نزل في المدينة بعد الهجرة؛ مما يدل على أن الأخلاق أمر مهم جدًّا لا يستغني عنه المسلم، وإن مراعاة الأخلاق تَلزم المسلم في جميع الأحوال؛ فهي تشبه أمور العقيدة من جهة عناية القرآن بها في سوره المكية والمدنية على حدٍّ سواء.
خصائص الأخلاق في الإسلام
ويتميز نظام الأخلاق في الإسلام بجملة خصائص؛ منها: تفصيل الأخلاق وشمولها في الوسيلة والغاية، وارتباطها بمعاني الإيمان والتقوى ووقوع الجزاء فيها، وسنبين هذه الخصائص بإيجاز إن شاء الله تعالى.
أما التعميم والتفصيل في الأخلاق: فقد دعا الإسلام إلى الأخلاق الكريمة دعوة عامة؛ من ذلك قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) وقوله سبحانه:
стр. 88
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾ (النحل: ٩١)، وقال النبي ﷺ : ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسن)) فهذه دعوةٌ عامة إلى التحلّي بمكارم الأخلاق، إلا أن الإسلام لم يكتفِ بهذه الدعوة العامة حتى فصّل القول في الأخلاق الحميدة التي يجب على المسلم أن يتخلق بها، كما فصل القول في الأخلاق الرديئة التي يجب على المسلم أن يتخلى عنها، والحكمة في هذا البيان المفصل توضيح معاني الأخلاق وتحديدها؛ لئلا يختلف الناس فيها وتتدخل الأهواء في تحديد المراد منها، ومن مظاهر رحمة الله بعباده أن بيَّن لهم ما يتقون وما يأخذون وما يتركون.
وفي القرآن والسُّنة أمثلة تفصل الأخلاق الحميدة والأخلاق الرديئة:
قال الله ﵎ في الأمر بالوفاء بالعهد: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٤)، وقال في الأمر بالعدل: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: ١٥٢)، وقال في النهي عن الكبر: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء: ٣٧)، وقال في النهي عن تغيير الشهادة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨)، وقال في التعاون على البر والتقوى والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢)، وقال في الحث على الصبر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠)، وقال في الأمر بالصدق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩)،
стр. 89
وقال في التحذير من الكذب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: ٢٨)، وقال في التحذير من الكِبر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: ٣٦)، وقال في الأمر بالثبات على الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢)، وقال في التحذير من الرّدّة: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٢١٧).
والذي يتتبع آيات القرآن الكريم يجد فيها كثيرًا من الآيات الجامعة لكثير من مكارم الأخلاق، كما يجد فيها كثير من الآيات التي تنهى عن مساوئ الأخلاق:
يقول الله ﵎ في جوامع الأخلاق الحميدة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون: ١ - ١١)، ويقول في جملة آيات نهى فيها عن بعض الأخلاق الدنيئة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: ١١، ١٢).
стр. 90
كذلك جاءت السنة بتفصيل مكارم الأخلاق التي ينبغي للمسلم أن يتخلَّق بها، والتحذير من مساوئ الأخلاق التي لا يجوز للمسلم أن يتخلق بها، يقول النبي ﷺ في خُلق الحياء: ((الحياء لا يأتي إلا بخير))، ويقول: ((إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء))، ويقول في النهي عن الغضب وقد قال له رجل أوصني قال: ((لا تغضب))، ويقول في الحث على التعاون: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))، ويقول في الحث على الرفق: ((إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه))، ويقول في الأخلاق الدنيئة التي لا يجوز للمسلم أن يتخلق به: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو لمسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره الشريف ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)).
هذا ما جاء في القرآن والسنة عن الخاصية الأولى من خصائص الأخلاق في الإسلام وهي التعميم والتفصيل في الأخلاق.
ومن خصائص نظام الأخلاق في الإسلام: الشمول، ونعني به أن دائرة الأخلاق الإسلامية واسعة جدًّا، فهي تشمل جميع أفعال الإنسان الخاصة به أو المتعلقة بغيره سواء أكان الغير فردًا أو جماعة أو دولة، فلا يخرج شيء عن دائرة الأخلاق ولزوم مراعاة معاني الأخلاق مما لا نجد له نظيرًا في أية شريعة سماوية سابقة ولا في أية شريعة وضعية.
стр. 91
ونذكر هنا على سبيل التمثيل فقط مدى مراعاة الأخلاق في علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول؛ ليتبين لنا مدى حرص الإسلام على التمسك بمعاني الأخلاق، ووجه اختيارنا لهذه العلاقات هو ما شاع بين الناس ويؤيّده الواقع أن العلاقات بين الدول لا تقوم على أساس مراعاة الأخلاق؛ حتى إن أحدهم قال: لا مكان للأخلاق في العلاقات الدولية، ولهذا كان الخداع والتضليل الغدر والكذب من البراعة في السياسة.
إن الإسلام يرفض هذا النظر السقيم، ويعتبر ما هو قبيح في علاقات الأفراد قبيحًا أيضًا في علاقات الدول، ويعتبر ما هو مطلوب وجميل في علاقات الأفراد مطلوبًا وجميلًا أيضًا في علاقات الدول؛ ولهذا كان من المقرر في شرع الإسلام أن على الدولة الإسلامية أن تلتزم بمعاني الأخلاق، وهذا التقرير موجود في القرآن الكريم كما هو موجود في السنة النبوية المطهرة وفي أقوال الفقهاء، يقول الله ﵎: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال: ٥٨) يقول الله ﵎ لنبيه ﷺ : إذا كانت بينك وبين قوم معاهدة صلح فخفت منهم خيانة أن ينقضوا عهدهم ويغدروا بك ويبدءوك بالحرب؛ فلا تخونهم أنت ولا تبادر بنقض العهد ولا تبادر بالحرب، وإنما أعلمهم بأن المعاهدة قد انتهت، وأن الحرب قد أُعلنت، أعلمهم بنقض عهدهم حتى تستوي أنت وهم في العلم بأن المعاهدة قد انتهت، فيكونوا على حذر منك كما تكون أنت على حذر منهم، إن الله لا يحب الخائنين ولو كانت الخيانة في حق الكافرين، سبحان الله والحمد ولا إله إلا الله والله أكبر، يحثُّ ربنا على الوفاء والالتزام بالمعاهدة مع الكافر حتى لو خاف المسلمون من الكافرين غدرًا وخيانة لا يجوز لهم أن يبادروا بنقض العهد والغدر والخيانة، بل يجب على
стр. 92
المسلمين أن يُعْلِموا من خافوا غدرهم وخيانتهم أن المعاهدة قد انتهت، وأن زمن السلم قد انتهى وقد بدأ زمن الحرب.
ثانيًا: كان من شروط معاهدة الحديبية بين النبي ﷺ وبين مشركي قريش أن من يأتي من قريش إلى النبي ﷺ مسلمًا يردُّه النبي ﷺ ولا يؤيه، وبعد الفراغ من كتابة المعاهدة جاء مجندل من قريش مسلمًا معلنًا إسلامه يستصرخ المسلمين أن يؤوه ويحموه من قريش، فقال له النبي ﷺ : ((إنا عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا، وإنا لا نغدر بهم)).
ثالثًا: قال الفقهاء: لا يجوز للمسلم أن يخون أهل دار الحرب إذا دخل ديارهم بأمان منهم؛ لأن خيانتهم غدر ولا يصلح في دين الإسلام الغدر.
رابعًا: قال فقهاء الحنابلة: إذا أطلق الكفار الأسير المسلم واستحلفوه أن يبعث إليهم بفدائه أو يعود إليهم لزمه الوفاء، لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ (النحل: ٩١) ولقول النبي ﷺ : ((إنا لا يصلح في ديننا الغدر)).
خامسًا: إذا كانت دار الحرب تأخذ من رعايا الإسلام الداخلين إلى إقليمها ضريبة على أموالهم التي معهم؛ بحيث تستأصل هذه الأموال أو تأخذ من أموالهم القليلة ضريبة كبيرة لا تتناسب مع أموالهم- فإن دار الإسلام لا تقابلهم بالمثل، ويعلل الفقهاء قولهم هذا بأن فعل أهل دار الحرب غدر وظلم، فلا نقابلهم بالغدر والظلم؛ لأننا نهينا على التخلق بمثل هذه الأخلاق وإن تخلقوا هم بها، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لتهتدي لولا أن هدانا الله.
والخصيصة الثالثة لنظام الأخلاق في الإسلام: أن الالتزام بمقتضى الأخلاق مطلوب في الوسائل والغايات، فلا يجوز الوصول إلى الغاية الشريفة بالوسيلة
стр. 93
الخسيسة؛ ولهذا لا مكان في مفاهيم الأخلاق الإسلامية للمبدأ الخسيس الذي يقول: الغاية تبرّر الوسيلة وهو مبدأ انحدر إلينا من ديار الكفر، يدل على ضرورة مشروعية الوسيلة ومراعاة معاني الأخلاق فيها قول ربنا: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الأنفال: ٧٢)، فهذه الآية الكريمة تُوجب على المسلمين نصرة إخوانهم المظلومين قيامًا بحق الأخوة في الدين، ولكن إذا كانت نصرتهم تستلزم نقض العهد مع الكفار الظالمين لم تجز النصرة؛ لأن وسيلتها الخيانة ونقض العهد، والإسلام يمقت الخيانة ويكره الخائنين.
وأخيرًا، هل يمكن اكتساب الأخلاق وتقويمها؟
والجواب: نعم، إن الأخلاق من حيث الجملة يمكن تقويمها وتعديلها كما يمكن اكتساب الجيد منها والتخلي عن قبيحها وبالعكس، والدليل على ذلك: أن الشرع أمر بالتخلق بالأخلاق الحسنة ونهى عن التخلق بالأخلاق الرديئة، فلو لم يكن ذلك ممكنًا مقدورًا للإنسان لما ورد به الشرع؛ لأن الإسلام لا يأمر بالمستحيل، ومن القواعد الأصولية في الفقه الإسلامي: لا تكليف إلا بمقدور، أو لا تكليف بمستحيل، والله قد أمر الإنسان بتزكية نفسه، والتزكية إنما تتمّ بالتخلي عن الأخلاق الدنيئة والتحلي بالأخلاق الحميدة، ومعنى ذلك: أن الإنسان قادرٌ على أن يتخلى عن الأخلاق الردئية ويتحلى بالأخلاق الجيدة الجميلة، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٧ - ١٠).
وقد بيَّن النبي ﷺ أن الأخلاق نوعان: أخلاق جبلية فطر عليها الإنسان، وأخلاق مكتسبة يستطيع أن يكتسبها؛ ففي الحديث أن النبي ﷺ قال لأشج عبد
стр. 94
القيس: ((إن فيك خصلتين يحيبهما الله تعالى: الحلم، والأناة)) قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: ((بل الله جبلك عليهما)) فقال: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله، وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال: ((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم)) فكما أن الإنسان يُولد غير عالم كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ (النحل: ٧٨) يعني: لتتعلموا، فمن تعلم صار عالمًا، كذلك من كانت أخلاقه رديئة فإنه يستطيع أن يتخلَّى عنها، ومن كان يفقد الأخلاق الجيدة فإنه يستطيع أن يتخلق بها بالتمرين والتدريب.
وهناك وسائل يستطيع الإنسان أن يستعملها لتقويم أخلاقه؛ منها العلم، ومنها الاهتمام الكامل بتقوية معاني العقيدة الإسلامية في النفس، وعلى رأس هذه المعاني الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، ومنها مباشرة الأعمال الطيبة التي جعلها الله تعالى وسيلة لتقويم الأخلاق، ومنها ترك الأعمال الخبيثة الفاسدة التي تفسد الأخلاق، ومن أهمها الدعاء بحسن الخلق، لما سبق أن النبي ﷺ كان يقول: ((اللهم كما حسنت خلقي حسن خلقي))، ((اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت))، ومنها مخالطة المؤمنين ذوي الأخلاق الحسنة ومجالستهم والسماع منهم، فإن الطبع يسرق من الطبع والصاحب ساحب؛ ولذلك قال النبي ﷺ : ((لا تُصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي))، ومنها ترك البيئة الفاسدة وترك صحبة الأشرار ذوي الأخلاق الفاسدة؛ لأنهم سيؤثرون في الذي يصحبهم، ومنها اتخاذ القدوة الحسنة وخير القدوة على
стр. 95
الإطلاق رسولنا الكريم ﷺ الذي قال له ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤)، وجعله الأسوة الحسنة في كل شيء فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (الأحزاب: ٢١).
هذه بعض الوسائل المهمة في تقويم الأخلاق واكتساب الجيد منها.
وختامًا، اعلم أن الأخلاق إذا كانت مهمة لكل مسلم فإن الأخلاق الحميدة تتأكد في حق الداعية إلى الله ؛ لأنه بهذه الأخلاق يكسب الناس فيُقبلون عليه ويدخلون في دين الله تبعًا له، كما قال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) فاحرص أيها الداعية على أن تتحلى بمكارم الأخلاق، وأن تتخلَّى عن الأخلاق الدنيئة التي تنفّر الناس منك.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 96
الدرس: ٦ خصائص الإسلام .
стр. 97
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(خصائص الإسلام)
خاصية العالمية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
والإسلام كدينٍ ختم الله ﵎ به الشرائع والنبوات على يدِ محمد بن عبد الله ﷺ له خصائص كثيرة ومميزات كثيرة؛ منها كون هذه الرسالة عالمية لا تخصُّ جنسًا دون جنس ولا قومًا دون قوم، ولا أرضًا دون أرض ولا بيئة دون بيئة، فحديثنا اليوم عن خاصية من خصائص الإسلام وهي العالمية.
من المعلوم من الدين بالضرورة أن أركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وآيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا.
أول هذه الأركان الخمسة الركن الأساس الأعظم: شهادة إلا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، ومن الإيمان برسول الله محمد ﷺ الإيمان بعموم رسالته وأنه ﷺ فُضِّل على الأنبياء بكون رسالته للناس عامة، وكان كل نبي قبله يُبعث لقومه خاصة، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، منها قول ربنا : ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير: ٢٦ - ٢٨)، وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (القلم: ٥١، ٥٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: ٢٨)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧) وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: ١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣، ١٠٤): ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ
стр. 98
بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩) وقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ٩٠).
فهذه الآيات كلها بيَّنت أن رسالة النبي ﷺ رسالة عامة للعالمين، لا تختصّ بقومٍ دون قوم ولا بجنسٍ دون جنس، بل هي للعالمين كافة، ومن الجدير بالذكر أن هذه الآيات التي تحدَّثت عن عالمية رسالة النبي ﷺ كلها مكية، أي: نزلت في أول الوحي وفي أول الرسالة، وبيَّنت أن محمدًا مبعوث من الله ﵎ ومرسل إلى الناس كافة، وأنه لن يجيء الناس بعد رسول الله محمد رسول ولن ينزل عليهم بعد القرآن كتابٌ من السماء، فالله ﵎ ختم النبوة بمحمد ﷺ ، فالقارات الخمس إلى قيام الساعة لن يطرقها من السماء طارق ولن يجيئها من عند الله رسول، وسيبقى كتاب محمد ﷺ وحده صوت السماء بين الناس، إلى أن يُحشروا للحساب فيقال لهم: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون﴾ (الروم: ٥٦)، وآية صدق ذلك أنه قد مضت على بعثة رسول الله ﷺ أربعة عشر قرنًا وما نزل من السماء وحي ولا بُعث في الناس رسول، فهذه آيات من آيات صدق النبي ﷺ ، وأن رسالته عامة وأنه خاتم النبيين.
وإنما لفتنا النظر إلى أن الآيات التي قرأناها آنفًا في الاستدلال بها على عالمية رسالة محمد ﷺ لفتنا النظر إلى أنها كلها مكية؛ لندحض بذلك فريةً افتراها بعض المستشرقين، فزعموا أن محمدًا ﷺ بدأ عربي الرسالة معنيًّا بقومه وحدهم، فلما نجح في إخضاعهم أغراه النجاح بتوسيع الدعوة فزعم أنه للخلق كلهم، وهذا تفكير متهافت بين السخف؛ فقد رأيت بالاستقراء أن عالمية الرسالة تم التصريح بها في أوائل ما نزل من الوحي على رسول الله ﷺ .
стр. 99
أما الأحاديث عنه ﷺ التي صرح فيها بعموم رسالته إلى الناس كافة، فهي كما قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) قال ابن كثير ﵀: يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ : قل يا نبينا: يا أيها الناس -وهذا خطاب للأحمر والأصفر والعربي والعجمي- إني رسول الله إليكم جميعًا، أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته ﷺ أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس أجمعين كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ (هود: ١٧)، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: ٢٠)، فأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقول للذين آتوا الكتاب من اليهود والنصارى، وأن يقول للأميين، وهم العرب ﴿أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: والآيات في هذا كثيرة كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصى، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة: أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم، عن أبي الدرداء ﵁ قال: "كانت بين أبي بكر وعمر ﵄ محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضبًا، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال أبو الدرداء ونحن عنده: فقال رسول الله ﷺ : ((أما صاحبكم هذا فقد غامر؛ أي: غاضب وحاقد)) قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلَّم، وجلس إلى النبي ﷺ وقصّ عليه الخبر، قال أبو الدرداء: فغضب رسول الله ﷺ وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم، فقال رسول الله ﷺ : ((هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت:
стр. 100
يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت)) ".
وعن ابن عباس مرفوعًا أن رسول الله ﷺ قال: ((أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقول فخرًا: بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود، ونصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وأُحلت لي الغنائم ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي يوم القيامة، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا)).
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة)).
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديّ أو نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به- إلا كان من أصحاب النار)).
فرسالة النبي ﷺ رسالة عامة لكل الأزمنة والأجيال، ليست رسالة موقوتة بعصر معين أو زمن مخصوص ينتهي أثرها بانتهائه، كما كان الشأن في رسالات الأنبياء السابقين على محمد -صلى الله عليهم وسلم أجمعين- فقد كان كل نبي قبله يُبعث لمرحلة زمنية محدودة، حتى إذا ما انقضت بعث الله نبيًّا آخر، أما محمد ﷺ فهو خاتم النبيين ورسالته هي رسالة الخلود التي قدَّر الله بقاءها إلى أن تقوم الساعة ويُطوى بساط هذا العالم، فهي تتضمن هداية الله الأخيرة للبشرية، فليس بعد الإسلام شريعة ولا بعد القرآن كتاب ولا بعد محمد ﷺ نبيّ، ولم يسبق لنبي قبل محمد ﷺ أن أعلن أن رسالته هي الخاتمة، وألا نبي بعده، بل بشرت التوراة التي أنزلها الله على موسى بمن يأتي بعد موسى، وبشر الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى بمن يأتي بعد عيسى ﵇.
стр. 101
إن رسالة محمد ﷺ هي رسالة المستقبل المديد ولا شك، وهي أيضًا رسالة الماضي البعيد، إنها في جوهرها وأصولها الاعتقادية والأخلاقية رسالة كل نبي أُرسل وكل كتاب أُنزل، فالأنبياء جميعًا جاءوا بالإسلام ونادوا بالتوحيد واجتناب الطاغوت، كما صرح بذلك رب العالمين حيث قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦).
لقد أعلن كل نبي بعثه الله تعالى قبل محمد ﷺ أنه من المسلمين، قالها نوح وإبراهيم ومن بعدهم من الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (النمل: ٩١)، وقال إبراهيم وإسماعيل ﵉: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (البقرة: ١٢٨)، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِي إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٢)، ودعا موسى ربه قائلًا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: ١٠١)، وقال موسى ﵇ لقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (يونس: ٨٤)، ولما آمن السحرة برب العالمين وهددهم فرعون بالقتل والتعذيب قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٦) وبعث سليمان بن داود ﵉ إلى بلقيس ملكة سبأ يدعوها إلى الإسلام، قالت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: ٣٠، ٣١)، وقال النبي ﷺ كما أمره ربه أن يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين﴾.
فرسالة محمد ﷺ في جوهرها هي رسالة كل نبي جاء من عند الله منذ عهد نوح إلى محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي
стр. 102
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣) فهي رسالة كل الزمن، وهي أيضًا الرسالة الشاملة التي تُخاطب كل الأمم وكل الأجناس وكل الشعوب وكل الطبقات، إنها ليست رسالة لشعبٍ خاص يزعم أنه وحده شعب الله المختار وأن الناس جميعًا يجب أن يخضعوا له، وليست رسالة لإقليم معين يجب أن تدين له كل أقاليم الأرض وتُجبى إليه ثمراتها وأرزاقها، وليست رسالة لطبقة معينة مهمّتها أن تسخّر الطبقات الكبرى لخدمة مصالحها أو اتباع أهوائها أو السير في ركابها؛ سواء أكانت هذه الطبقة المسيطرة من الأقوياء أم الضعفاء، من السادة أم من العبيد، من الأغنياء أم من الفقراء والصعاليك، إنها رسالتهم جميعًا، وليست لمصلحة طائفة منهم دون سواها، وليس فهمها ولا تفسيرها ولا الدعوة إليها حكرًا على طبقة خاصة، كما قد يتوهّم كثيرٌ من الناس، إنها هداية رب الناس لكل الناس، ورحمة الله لكل عباد الله، كما قال الله تعالى في الآيات التي نبَّهنا على مكيتها، وأنها من أول ما نزل على رسول الله، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: ١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧).
فإذا قال قائل: ولماذا كانت رسالة محمد ﷺ هي خاتمة الرسالات وشريعته هي خاتمة الشرائع؟
فالجواب: نقول وبالله ﵎ التوفيق: إذا قيل لماذا كانت الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، أما كان من الأفضل والأنفع استمرار تنزّل الشرائع الإلهية وإبقاء باب الرسالات الإلهية مفتوحة، فالجواب: لا، وألف لا؛ لأن تنزّل الشرائع ليس من قبيل العبث واللهو، وإنما هو لسدّ نقص في تشريع سابق أو لإكماله بتشريع لاحق مناسب لمستوى البشرية. وحيث إن الشريعة الإسلامية
стр. 103
كاملة تامّة سدّت كل ما لم تأتِ به الشرائع السابقة، وأكَّدت ما جاءت به هذه الشرائع السابقة، فلا حاجة إذًا ولا داعي لمجيء شريعة أخرى؛ لأن الله ﵎ ما قبض رسوله محمدًا ﷺ ولا توفَّاه حتى أنزل عليه في حجة الوداع قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، فمع هذا الكمال والتمام لا داعي لمجيء شريعة أخرى، وحيث لا شريعة أخرى فلا رسولَ آخر بعد محمد ﷺ .
وعموم الشريعة الإسلامية وبقاؤها وعدم قابليتها للنسخ والتبديل والتغيير بالتنقيص أو الزيادة كل ذلك يستلزم عقلًا وعدلًا أن تكون قواعدها وأحكامها ومبادئها، وجميع ما جاءت به على نحو يحقّق مصالح الناس في كل عصر ومكان، ويفي بحاجتهم ولا يضيق بها، ولا يتخلف عن أي مستوى عالٍ يبلغه المجتمع البشري، إن هذا والحمد لله متوافرٌ في الشريعة الإسلامية؛ لأن الله تعالى وهو العليم الخبير إذ جعلها عامة في المكان والزمان، وخاتمة لجميع الشرائع، جعل قواعدها وأحكامها صالحةً لكل زمان ومكان، ومهيئة للبقاء والاستمرار لهذا العموم.
والدليل على ذلك أن الله ﵎ شرع الأحكام لكل ما يحتاجه الناس من الضروريات والحاجيات والتحسينيات، فمدار الشريعة كلها على تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل؛ أي: في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد والأضرار عنهم في العاجل والآجل أيضًا، حتى إن بعض الفقهاء قال وقوله حق: إن الشريعة كلها مصالح إما درء مفاسد أو جلب مصالح.
فهذا هو الدليل من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة على عالمية رسالة محمد ﷺ ، وأنه ﷺ لم يُبعث لقومه خاصة كما كان الأنبياء قبله يُبعثون إلى قومهم خاصة، وإنما فضّله الله ﵎ وميزه على سائر من سبقه من الأنبياء والمرسلين بأن جعله خاتم النبيين وجعل رسالته رحمة للعالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 104
خاصية الإنسانية
من خصائص الإسلام العامة الإنسانية، فالإسلام يمتاز بنزعته الإنسانية الواضحة الثابتة الأصيلة، في معتقداته وعباداته وتشريعاته وتوجيهاته، إنه دين الإسلام، والدليل على ذلك هو هذا القرآن المصدَر الأول للإسلام، إذا نظرنا إلى المصدر الأول للإسلام وهو القرآن الكريم كتاب الله رب العالمين، وتدبرنا آياته، وتأملنا موضوعاته واهتماماته نستطيع أن نصفه بأن كتاب الإنسان؛ فالقرآن كله إما حديث إلى الإنسان أو حديث عن الإنسان، إن كلمة الإنسان تكررت في القرآن الكريم ثلاثًا وستين مرة، فضلًا عن ذكر الإنسان بألفاظ أخرى مثل بني آدم، التي ذُكرت ستّ مرات، وكلمة الناس التي تكررت مائتين وأربعين مرة في القرآن كله مكيّه ومدنيّه، ولعل من أبرز الدلائل على ذلك أن أول ما نزل من آيات القرآن الكريم على رسول الله ﷺ خمس آيات من سورة العلق ذُكرت كلمة الإنسان في اثنتين منها، ومضمونها كلها العناية بأمر الإسلام.
استمع أخي الداعي إلى هذه الآيات: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ (العلق: ١ - ٦) إن هذه الآيات الكريمة التي تُكتب في أقل من سطرين، والتي بدأ بها الوحي الإلهي تاريخًا جديدًا للبشرية، إن هذه الآيات تُعبّر أوضح التعبير عن نظرة الإسلام إلى الإنسان وعلاقته بالله تعالى وعلاقة الله تعالى به، إنها خطابٌ لرسول الله ﷺ ولكل إنسان يفهم الخطاب من بعده، الإنسان في هذه الآيات مأمورٌ أن يقرأ، والقراءة هنا رمزٌ لكل عمل نافع يقوم به الإنسان، وإنما خصّ
стр. 105
القراءة بالذكر لأنها نقطة الانطلاق للإنسان ومفتاح رقيه، ولأن العمل في الإسلام يجب أن يقوم على العلم، والعلم مفتاحه القراءة، وأمر الإنسان بالقراءة معناه: قدرته على أن يفعل، وقدرته على أن يترك أيضًا، وهذا يعني إثبات مسئولية الإنسان ودور إرادته، فالآلة الصماء لا تؤمر ولا تنهى.
ولم يؤمر الإنسان هنا بمجرد القراءة، بل أمر بقراءة مقيدة باسم ربه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ الخالق، والقرآن هنا حريص على التعبير عن ذات الله -سبحانه تعالى- في هذا المقام باسم الرب مضافًا إلى ضمير المخاطب وهو الإنسان، وذلك لما يوحي به اسم الرب من معاني التربية والرعاية والترقية في مدارج الكمال، وما توحي به الإضافة والخطاب من القرب والاختصاص والتكريم، وقد تكرر اسم الرب هكذا مرتين مع وصفه مرة بالخالقية ومرة بالأكرمية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ فعلاقة الإنسان ليست بمجرد رب ولا برب كريم فقط، بل برب أكرم بل بالرب الأكرم على الإطلاق؛ لأنه سبحانه يعطي بغير حساب وبغير عوض ولا مقابل.
وذكر القرآن الكريم من دلائل أكرمية رب العالمين أنه سبحانه الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، فالله تعالى بالنسبة للإنسان مُعلم، والإنسان مُتعلِّم ما لم يكن يعلم، هذه ميزته استعدادٌ للتعلم بالقراءة والكتابة بالقلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ (النحل: ٧٨) هذه هي أولى الآيات نزولًا على نبينا محمد ﷺ وهذا هو أول نص نزل به الوحي الإلهي على محمد ﷺ ، وهو نص فريد ورائع حقًّا، حرص على تأكيد أمور معينة من أول لحظة:
من هذه الأمور: أن الإنسان مخلوق مكلف.
стр. 106
ثانيًا: العناية بشأن الإنسان حيث ذُكر في أول الآيات نزولًا مرتين.
ثالثًا: أول ما أُمر به الإنسان القراءة التي هي مفتاح التعلم.
رابعًا: تعظيم شأن القراءة؛ حيث أُمر بها مرتين.
خامسًا: أول أداة ذكرها الوحي هي القلم.
سادسًا: أول ما وصف الله به نفسه في أول الآيات نزولًا الرب الخالق الأكرم المعلم.
سابعًا: أول ما وصف به الله الإنسان القدرة على التعلم، ثم إن القرآن الكريم قد بيّن للإنسان حقيقته وجلّاها له حتى لا يزهو ويتكبّر ويفتخر، وحتى لا يزدري نفسه ويحتقرها، فذكر الله ﵎ الإنسان في القرآن الكريم بأصل نشأته، قال سبحانه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (السجدة: ٧ - ٩)، وقال الله ﵎ عن الإنسان الأول: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: ٢٨، ٢٩) وهكذا لفت القرآن الكريم نظر الإنسان إلى حقارة ذلك الماء الذي خلقه الله منه في رحم أمه من ماء مهين، ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِق * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِق * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِب﴾ (الطارق: ٦، ٧) ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِين﴾ (يس: ٧٧) فذكر الله ﵎ الإنسان بأصله وأن أصله ماء مهين نطفة قذرة، ذكر الله تعالى الإنسان بأصله ليهذّب كبرياءه فيجعله متواضعًا واقعيًّا في حياته، كما قال بعضهم: من كان أوله نطفة قذرة وآخره جيفة نتنة وهو بين ذلك يمشي وبين جنبيه الأقذار كيف يتكبر؟!
стр. 107
فذكر الله ﵎ الإنسان بأصل خلقه من ماء مهين من ماء دافق؛ ليندِّد بغطرسة الإنسان ويهذّب كبرياءه فيجعله متواضعًا واقعيًّا في حياته، ثم بيَّن له عناية الله به في ظلمات الرحم، حينما أنشأه جنينًا وربَّاه في بطن أمه حتى أتم خلقه ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُون﴾ (الزُّمَر: ٦)، ويقول سبحانه مبينًا الأطوار التي يمرّ بها الإنسان في بطن أمه حتى يخرج بشرًا سويًّا في أحسن صورة يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: ١٢ - ١٤) ذكر الله ﵎ الإنسان برحمته به وتربيته له في بطن أمه؛ ليثير عنده عاطفة العرفان بالجميل والشكر للخالق والخشوع لله، فكان من نتيجة هذه التربية القرآنية دعاء الرسول ﷺ في السجود: ((سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)).
وفي مقابل ذلك كله بيّن الإسلام للنوع البشري أنه ليس من الذلة والمهانة والابتذال في درجةٍ يتساوى فيها مع الحيوان والجماد وسائر المخلوقات، فقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠)، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ (الحج: ٦٥)، وقال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (الجاثية: ١٣) فقد رزق الله تعالى الإنسان قدرة جعله بها يسيطر على ما حوله من الكائنات وسخرها له، ومنعه من أن يذلّ نفسه لشيء
стр. 108
منها، وجعله آمنًا من كل المخاوف إزاء كل هذه الكائنات، بل أشعره بأنها طوع يده سخرها الله تعالى لمصلحته، وهذه خطوة تربوية ربانية ينشِّئ بها القرآن الكريم الإنسان على الشعور بالكرامة وعزّة النفس، ويشعره في الوقت ذاته بفضل الله ، فإذا ركب شيئًا مما سخر الله له كالطائرة والسيارة والبهائم الحيوانية؛ ذكر الله ﵎ مسبّحًا شاكرًا بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (الزخرف: ١٣، ١٤).
ومما كرّم الله تعالى به الإنسان أن جعله قادرًا على التمييز بين الخير والشر، فألهم الله تعالى النفس الإنسانية فجورها وتقواها، وغرس في جبلّتها الاستعداد للخير والشر، وجعل عند الإنسان إرادة يستطيع بها أن يختار بين الطرق المودّية للخير والسعادة أو الطرق الموصلة إلى الشقاء، وبيَّن له أن هدفه في هذه الحياة أن يترفّع بنفسه عن سبل الشر وأن يزكّي نفسه، أن ينمّيها ويطهّرها ويسمو بها في وقت معًا نحو الفضيلة والاتصال بالله قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٧ - ١٠).
وأخبر الله ﵎ الإنسان بما جُبل إليه من دنايا الأخلاق وقبيح الصفات، ثم أرشده إلى وسائل التزكية التي بها يزكو ويطهر فيصلح لمجاورة الرب في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (المعارج: ١٩ - ٢١)، فلما أخبر الإنسان بما جُبل عليه من دنايا الأخلاق وقبيح الصفات أرشده إلى وسائل التزكية فقال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ
стр. 109
أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (المعارج: ٢٢ - ٣٥).
فالجنة هي مأوي ومنزل الإنسان إذا زكّى نفسه وطهرها، أما من دسَّاها فقد خاب وخسر، ولذلك لعن الله قومًا دعاهم غرورهم إلى أن يكذبوا بهذه الحقيقة فزعموا أن النفس الإنسانية لا تطغى قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (الشمس: ١١ - ١٣) ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء، لكن القوم كذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقبها، فكان جزاء طغيانهم أن سوى الله بهم وبمدينتهم الأرض؛ لأنهم اختاروا طريق الشر ومعصية الله ورسوله قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (طه: ٧٤ - ٧٦).
ومما كرم الله به الإنسان وفضله أن وهبه القدرة على التعلم والمعرفة، وزوّده بكل أدوات هذه القدرة، كما قال في الآيات التي سبقت في أول سورة العلق: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ٣ - ٥) بل إن الله علم آدم وهو في السماء قبل أن ينزل الأرض، وأظهر شرفه للملائكة بالعلم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: ٣١ - ٣٣).
стр. 110
وزوَّد الله ﵎ الإنسان بكل الحواس التي يستطيع بها أن يتعلم ما أمره الله به أن يتعلمه فقال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: ٧٨) فالسمع معناه إحراز المعرفة التي اكتسبها الآخرون، والبصر معناه تنميتها بما يُضاف إليها من ثمرات الملاحظة والبحث، والفؤاد معناه تنقيتها من أدرانها وأوشابها ثم استخلاص النتائج منها، وهذه القوى الثلاث إذا تضافرت بعضها على بعض نتجت عنها المعرفة التي منَّ الله بها على بني آدم، والتي بها وحدها استطاع الإنسان أن يهزم سائر المخلوقات ويسخرها لإرادته، ولقد عاب الله ﵎ أقوامًا لم ينتفعوا بهذه الحواس التي وهبهم الله ﵎ إيَّاها، وتوعدهم على إهمالها بالنار فقال : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩).
من أهم أهداف التعلم عند الإنسان والفكر: أن يتعلم الإنسان شريعة الله كما قال الله تعالى حكاية عن الأبوين إبراهيم وإسماعيل أنهما دعوا الله ربهما: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيم﴾ (البقرة: ١٢٩)، كما أن من أهم الأهداف التي وُهِب الإنسان من أجلها هذه الحواسّ أن يتفكّر في نفسه وفي الكون من حوله، فإن الله ﵎ أمر بذلك فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: ٢٠ - ٢١)، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (الغاشية: ٢٠).
следующие страницы →