Полный текст (394 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أما الدعاة المحترفون والمتجردون من هذا الإيمان، الذين اتخذوا الدعوة وسيلة للعيش الرغيد وسببًا للرزق الوافر، وغاية ينتهون إليها للشهرة والزعامة؛ فهؤلاء كفئران السفينة لا يهمهم إلا بطونهم غرقت السفينة أم نجت، والفرق بين الصنفين واضح بيّن، الصنف الأول يؤثر بأسلوبه المملوء بالإيمان وبطريقته المشحونة باليقين، فيسير الناس تبع إرشاده ويسلكون السبيل الذي يسلكه ويسخرون كل ما يملكون لنصرة الحق ونشره بين الناس. وأما الآخرون فكلامهم كالطبل الأجوف يُرعب ولا يطرب، ويُقلق ولا يرشد، ولهذا فإنه يدخل من أحد الأذنين ليخرج من الأخرى، فلا ينفعل به الناس ولا يكاد يصل إلى آذانهم حتى يتساقط تحت أقدامهم، وأنى له الطريق إلى قلوبهم؟ ولهذا لما سُئل عبد الله بن المبارك: لماذا يجلس بعض الناس إلى الوعّاظ والمرشدين فيتأثرون بهم ويبكون بين أيديهم، تصل الكلمة إلى آذانهم فتسلك طريقها إلى قلوبهم، فتستقرّ فيها، وتترجمها جوارحهم عملًا خيرًا رشيدًا، يصدق ما في قلوبهم، فإذا جلسوا إلى آخرين وذكَّروهم بمثل ما ذكرهم به الأولون، وقد يكون أسلوبهم أجود وألفاظهم أحلى وأداؤهم مثيرًا، ومع كل هذا فإن الناس لا يتأثرون بهم، ويقومون من مجلسهم وكأنهم لم يكونوا فيها، فأجاب ابن المبارك ﵀: "ثكلتك أمك يا هذا، النائحة المستأجرة كمن تبكي ولدها؟! " لا يعقل أبدًا ولا يمكن، ولهذا قالوا ليست النائحة كالثكلى.
إن الإيمان هو الذي جعل بلالًا ﵁ يتحمّل ما تحمل وصهيبًا يستعذب حرارة النار، وسمية تستخف بالقتل، إن هذا الإيمان هو الذي دعا غلام أصحاب الأخدود أن يضحي بنفسه لتنتشر عقيدته، وجعل أتباعه يفضلون النار المستعرة ولا يعودون إلى الكفر أبدًا، وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: ((ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن
стр. 177
يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)).
الاجتهاد في الطاعات والتقرب بها إلى الله
ومن أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الداعية بعد الإيمان بالله : الاجتهاد في الطاعات والتقرُّب بها إلى الله :
فإن الاجتهاد في الطاعة والتقرب بها إلى الله سبحانه من أقوى أسلحة الدُّعاة؛ ذلك لأن للطاعات نورًا ينعكس على وجوههم، وثناء يشيع في حديثهم، ووقارًا وهيبة يدعوان الناس إلى احترامهم وتقديرهم، وأقرب القربات وأعظم الطاعات ما فرضه الله سبحانه على عباده من أنواع العبادات كالصلاة والصيام والزكاة والحج، ثم يتبع ذلك ما يتطوّع به الناس الدعاة من النوافل، إن الاجتهاد في عبادة الله ابتغاء مرضاة الله يجعل الإنسان ربانيّا يتحرك في طاعة الله ويسكن في مرضات الله ويأكل ليقوى على عبادة الله، فيكون نومه شكرًا وصمته فكرًا وكلامه ذكرًا، في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: ((قال الله تعالى: من عاد لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدًا بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)) فالمحافظة على الفرائض وأدائها كما أمر الله من أعظم القربات إلى الله سبحانه.
стр. 178
ثم تكون النوافل يُجبر الكسر ويكمّل بها النقص ويتقرب بها إلى رب السموات والأرض، فيصفو قلب الداعية وتزكو نفسه وتنفعل جوارحه، فلا ينظر إلا إلى ما يحل له ولا يسمع إلا لما يستفيد منه، ولا يمد يده إلا إلى الحلال ولا يمشي إلا في الطاعة والرضوان، وحينئذ ينعكس أثر الطاعات على من يدعوهم، فيتأثرون بحديثه ويتأسَّون بعمله، ويكون لهم منهجًا رشيدًا يتحرك بينهم بالخير ويدلهم على الرشد، وتكون سيرته أعظم دعاية من خطبه ومواعظه.
ولقد كان رسول الله ﷺ أتقى المسلمين وأخشاهم لله رب العالمين، فكان إذا صلى يُسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فلما قيل له في ذلك قال: ((أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا)) وكان ﷺ حتى يقال لا يفطر وكان لا يترك الليل في حضر ولا في سفر، وكان يتصدق بكل ما عنده ولا يبقي لنفسه شيئًا؛ لهذا كان الاجتهاد في الطاعات والتنافس في الخيرات من أبرز سمات الدعاة إلى الله ؛ حيث تكون الصلة وثيقة بينهم وبين باريهم، فالصلاة معراجهم إلى الله والصوم جُنة لهم من النار والصدقة تطفئ غضب الرب.
التجرد والزهد
ومن أهم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتحلى بها: التجرد والزهد:
والتجرد: هو الجد في نشر الدعوة، والاجتهاد في تبليغها، والتفرغ لها، وتقديمها على غيرها من مصالح الإنسان الخاصة، والزهد: هو عدم التطلع إلى ما في أيدي الناس والاقتناع بما قسم الله من الرزق، وعدم تعليق القلب بالدنيا وزخارفها، وهاتان الصفتان -التجرد والزهد- من أهم أسباب نجاح الدعاة في مهمتهم؛ لأن
стр. 179
الداعية إلى الله إذا لم يجد ويجتهد في نشر الدعوة كسل وتبلّد، والكسل والبلادة قعود عن الحق وإهمالٌ للواجب، ولا يمكن لكسلان أن يقوم بحقّ الدعوة، كما لا يتمكن البليد من تبليغها، ولأن تعليق القلب بالدنيا والاشتغال بتحصيلها يحول بين الداعية وبين الناس، فلا يجتمع عليه أحد ولا يكون في قلبه مكان لدعوته؛ حيث استحوذت الدنيا على قلبه وملكت عليه حواسه، ومن استولت الدنيا على قلبه سخّرته لخدمتها، وعندئذ لا يكون فيه مكان للآخرة؛ لأن الدنيا والآخرة ضرتان، والدعوة لا تنتشر إلا بالعمل الجاد الدائب والبذل المستمر الذي لا ينقطع،.
وكيف يبذل للدعوة من همه جمع المال، بل كيف ينفق في الدعوة من غايته تحصيل الدنيا وجمع حطامها، إن التكالب على الدنيا والحرص على جمع المال والانغماس في الشهوات وبذل أقصى الجهد في مسابقة الناس على الدنيا- كل ذلك يؤدي إلى الانصراف عن الحق الذي هو مهمة الدعاة، وتشبث بالباطل الذي هو مِعْول هدم في الدعوات؛ ولهذا كان النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده -رضوان الله عليهم أجمعين- كانوا أبعد ما يكونون عن الدنيا، حتى إن النبي ﷺ لم يشبع من خبز الشعير مرتين في يوم واحد، وكان ينفق نفقة من لا يخشى الفقر، جاءه رجل فرأى غنمًا بين واديين أو بين جبلين، فنظر إليها فقال له ﷺ : ((أيسرك أن تكون لك؟)) قال: نعم يا رسول الله، فأمر بها له، فرجع الرجل إلى قومه يقول: "يا قوم أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر".
ويذكر الواقدي في (المغازي) أن النبي ﷺ أعطى صفوان بن أمية يوم حنين واديًا مملوءً إبلًا ونعمًا، فقال: "أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي" وكان صفوان يقول: "أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني
стр. 180
حتى إنه لأحب الناس إليّ"، وهكذا ترى أيها الداعية أن الرسول ﷺ تجرّد لدعوته ولم يشغل قلبه بأعراض الدنيا، ولم تتطلع نفسه الشريفة إلى شيء من متاعها، بل كان يبذلها بسخاء ويعطيها لمن يتألفهم؛ ليكسبهم أتباعًا لدعوته وحماة لشريعته، وكان يقول: ((ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها)) ولقد صار خلفاؤه الراشدون ﵃ سيرته، ونهجوا نهجه فجدوا في نشر الدعوة وأرسلوا الدعاة إلى الأمصار يحملون الهدى للناس، ولم يجمعوا شيئًا من الدنيا، وقد فُتحت عليهم وحُملت إليهم كنوزها، فعافوها وبذلوها طائعين في نصرة الدين وتأليف قلوب المستجدين، حتى مات أبو بكر ﵁ ولم يزد ماله الذي كان عنده قبل الخلافة درهمًا، بل نقص، وتوفي عمر ﵁ ولم يكن في بيته غير نفقته المعهودة، حقّا لقد تجردوا لدعوتهم وزهدوا في الدنيا وقد واتتهم مرغمة، حتى انتصر الإسلام وعز المسلمون.
إن الذين يتنافسون على لذيذ الطعام وشهيّ الشراب ببطن لا تشبع، ويتطلعون للقصور الشامخة والمراكب الفارهة بعينٍ لا تدمع من خشية الله، ويسابقون غيرهم إلى الزوجات الفاتنات ويتشوقون للبنين والبنات بقلوب لا تخشع- إن هؤلاء جميعًا لا يصلحون لحمل هذه الدعوة ولا يطيقون مواصلة السير إلى نهاية الشوط؛ لأن شرف العمل لهذه الدعوة لا يناله من يضنّ عليها بوقته، ويعطيها ساعة من فراغه، ولا يحصل عليها من يبخل عليها بماله ويبذل لها نافلته، ولا يحظى به من جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، وجعل الدعوة دبر أذنه وخلف ظهره.
إن شرف الدعوة إلى الله لا يناله إلا المتجردون لها، الباذلون أقصى الجهد في تبليغها، المقدمون لها على أولادهم وأزواجهم وبيعهم وشرائهم وأحسابهم
стр. 181
وعشائرهم، أولئك هم المؤمنون حقًّا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم.
أن يكون في نفسه قدوة حسنة
كما أن من أهم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الداعية: أن يحرص الداعية أن يكون في نفسه قدوة حسنة للذين يدعوهم إلى هذا الدين، فإن الداعية إنما يكسب لدعوته بسلوكه أكثر مما يكسبه لها بخطبه ومواعظه؛ ذلك لأن الناس ينظرون دائمًا إلى الدعاة كنماذج حية لما يدعون إليه، ويتأثرون بسلوكهم العملي أعظم مما يتأثرون بكلمات حُلوة وخطب مؤثرة وندوات مثيرة، ولو أننا رأينا داعية نحريرًا، وخطيبًا مفوهًا، ومحدثًا لبقًا يحاضر الناس عن أضرار التدخين، وقد دعم محاضرته بكل الأساليب العلمية التي تثبت ضرر التدخين وتُظهر آثاره السيئة، وأحضر النماذج الملموسة التي توضح ذلك، وتدل على صدق ما يقوله، واجتمع الناس عليه يسمعون في دهشة لما دعّم به محاضرته وقد ملكت عليه المحاضرة قلوبهم، واستولى بحديثه على نفوسهم، وبينما هم مشدودون إليه لقوة حديثه وتأثير بيانه إذا بهم يفاجئون أنه قد أشعل سيجارة، فماذا تكون النتيجة، بعد أن رأوا فعله وقد سمعوا قوله؟ أيُصدقون ما يسمعون ويكذّبون ما يشاهدون؟ ألست معي ترى أن هذا الذي فعله بإشعاله السيجارة قد أفسد كل ما دبّجه وأن هذه السيجارة قد أفقدت القيمة الحقيقة لكل ما حبَّره وزينه! لا شك أن حديثه مع حلاوته وطلاوته لا يمكن أن يتجاوز المقاعد التي كانوا يشغلونها، ولكن صورته وهو ممسكًا بسيجارته لن تفارق أذهانهم، وستظل معهم يتفكهون بها ويتندرون بالحديث عنها لكل من يقابلون، إنه بذلك قد كذّب نفسه وكأني
стр. 182
بالسيجارة التي أشعلها في محاضرته وهي تصرخ في الناس تقول: لا تصدقوه؛ لو كان صادقًا في قوله ما كذب في فعله.
إن سلوك الداعية هو الصورة الحية العملية لدعوته، يراها الناس في سكونه وحركته ووقوفه ومشيته وبكائه وضحكه، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١)، إن القدوة العملية تُصيب من قلوب الناس أكثر مما تصيب الكلمة مهما كانت الكلمة طيبة وجيدة ومؤثرة، ولقد حدث ذلك مع رسول الله ﷺ حين أمر أصحابه بعد صلح الحديبية أن يتحلّلوا من العمرة بنحر الهدي وحلق الرءوس، يقول ابن القيم: "فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: ((قوموا فانحروا ثم احلقوا))، فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة ﵂ فذكر ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك، أتحب أن ينحر الناس هديهم ويحلقوا رءوسهم؟ قال: ((نعم)) قالت: فاخرج إليهم، ثم لا تكلم أحدًا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمّا".
حين نتأمل في هذه الواقعة نلاحظ أن رسول الله ﷺ وهو من هو أمر أصحابه بالنحر ثم الحلق، فلم يستجب أحد، وكرّر الأمر عليهم ثلاثًا، ولم يفعل أحدٌ شيئًا مما دعاهم إليه، فلما أشارت إليه أم سلمة ﵂ بما أشارت به؛ أن يخرج هو فينحر بدنه ويحلق رأسه، ورأوا ذلك منه ﷺ بادروا إلى النحر والحلق؛ اقتضاءً بفعله ﷺ ، وهكذا نرى أن القدوة العملية تؤثر في الناس مع الصمت أكثر مما
стр. 183
تؤثر الخطب البليغة والعبارات المنمّقة؛ ولذلك قيل: عمل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل.
فعلى الدعاة أن يكونوا عمليين أكثر منهم قوّالين، حتى تثمر دعوتهم وتؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها، وعليهم أن يجعلوا بيوتهم قبلة، يؤمها القاصدون يجدون فيها الإسلام حيًّا يتحرك ممثلًا في الزوجة والأولاد والآباء والأحفاد والخدم والأتباع، وعليهم أن يعلموا أن أي تقصير في تطبيق ما يدعون إليه يجعلهم عُرضة للقيل والقال والسخرية والاحتقار، ثم لا يكون لدعوتهم أيّ أثر في القلوب.
من أجل هذا كان إنكار القرآن الكريم على الذين تخالف أفعالهم أقوالهم، إنكارًا عظيمًا، وكانت التنديد بهم مقرعًا وعنيفًا، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: ٢، ٣) ويقول سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٤٤)، ومن أجل هذا أخبر الصادق المصدوق ﷺ أن الذين يقولون ما لا يفعلون في عذابٍ شديد يوم القيامة، ففي الحديث عنه ﷺ أنه قال: ((أتيت ليلة أسري بي على قومٍ تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتكم الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به))، وروى الشيخان عن أسامة بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يُؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فيقولون: يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه)).
стр. 184
ولقد كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم أجمعين- يتحرجون من الدعوة إلى الله وتعليم الناس الخير قبل أن يحاسبوا أنفسهم وأولادهم وأهليهم، ويأمروهم بالبر والتقوى والعمل الصالح؛ فهذا عمر بن الخطاب ﵁ كان قبل أن يأمر الناس بأمرٍ وينهاهم عن نهيٍ كان يجمع أهل بيته ويقول لهم: "إني سأدعو الناس إلى كذا وكذا، وأنهاهم عن كذا، وإني أقسم بالله العظيم لا يبلغني عن أحدٍ منكم أنه فعل ما نهيت الناس عنه أو ترك ما أمرت الناس به إلا نكلت به نكالًا شديدًا"، ثم يخرج ﵁ فيدعو الناس إلى ما يريد، فما يتأخر أحدٌ عن السمع والطاعة، وهذا مالك بن دينار ﵁ كان إذا حدَّث الناس بهذا الحديث: ((ما من عبد يخطب خطبة، إلا الله سائله عنها يوم القيامة: ما أردت بها؟)) كان يبكي ثم يقول: "أتحسبون أن عيني تقر بكلامي عليكم وأنا أعلم أن الله سائلي عنه يوم القيامة، يقول: ما أردت به؟ فأقول: أنت الشهيد على قلبي، لو لم أعلم أنه أحب إليك لم أقرأ على اثنين أبدًا".
إلا فليتأدّب الدعاة بهذا الأدب الإسلامي الرفيع؛ ليستجيب الناس لهم ويأخذوا عنهم ويتأثروا بمواعظهم.
أن يكون قوي الحجة مستظهرًا للأدلة
ومن الصفات التي يجب على الداعية أن يتحلى بها: أن يكون قوي الحجة مستظهرًا للأدلة التي يستدلّ بها على ما يدعو الناس إليه:
إن من أبرز العوامل التي توصّل الداعية إلى قمة النجاح والتوفيق، وتضفي على مستمعي روح الهيمنة والتأثير- هي قوة إقناعه وظهور استدلاله ونصاعة حجته وبرهانه، وهذا لا يتأتَّى إلا أن يكون الداعية سريع البدهية قوي الملاحظة شديد
стр. 185
الحظر عظيم الإحساس بأحوال الحاضرين، فضلًا عن شمول علمه وسعة ثقافته وجاذبية كلامه ومنطقه وسلاسة فصاحته وأسلوبه، وملامح روحانيته وتقواه.
ولكن في الحقيقة لا تكفي قوى الحجة ولا سرعة البدهية ولا سلاسة الأسلوب ولا ملامح التقوى إذا لم يعطِ الداعية كل إنسان على حسب ما يتناسب مع فهمه، وما يتفق مع عقليته، وما يتلاءم مع نزعته؛ تحقيقًا للمبدأ الذي سنَّه رسول الله ﷺ للدعاة في كل زمان ومكان: ((أمرنا معاشر الأنبياء: أن نحدّث الناس على قدر عقولهم)) فالداعية مثلًا حين يجتمع مع طبقة من المسلمين الفطريين والمؤمنين الصادقين المطبّقين فيكفيه أن يأتي لهم بشواهد القرآن والسنة، ويذكّرهم بسيرة الصحابة والسلف؛ ليؤثر فيهم ويرفع من مستواهم ويأخذ بأيديهم نحو السلوك الأقوم والكمال المنشود، وهذا يختلف كل الاختلاف حين يلتقي مع طبقة من المسلمين المنحرفين والشباب الشّاذين المتحللين، فعلى الداعية أن يعطي هؤلاء من القناعات العقلية والعلمية مما يدفع أولئك إلى القناعة الوجدانية في تجنب الانحراف وفطم النفس عن الشذوذ والتحلل، فحين يريد إصلاح قوم ارتكبوا موبقات الزنا أو الخمر أو الميسر أو الربا أو غير ذلك من هذه الموبقات، التي تؤدّي إلى التحلل والانحراف- فعليه أن يبين لهم ضرر هذه الموبقات من الناحية الجسمية والخلقية والاقتصادية والاجتماعية والعقلية، فبعد هذا البيان يُمكن أن يولّد فيهم القناعة الوجدانية في الامتناع عن هذه الموبقات؛ لما لها من أضرار بالغة وأخطار ظاهرة لا ينكرها إلا مكابر، ثم ينتقل الداعية بالمدوعين إلى السِّر في تحريم الإسلام لهذه الموبقات، فعندئذٍ يُدركون جيدًا الحكمة التشريعية في تحريم الإسلام للزنا أو الخمر أو الميسر أو الربا، فلا يجدون بدّا إن كانوا عقلاء ومنطقين مع أنفسهم إلا أن يكفّوا عن هذه المحرمات والموبقات.
стр. 186
هذه الطريقة الإقناعية هي طريقة رسول الله ﷺ في إصلاح الأفراد وتربية المجتمع، وإليك أيها الداعية هذا الموقف من مواقف رسول الله ﷺ في إقناع الأفراد في الكفِّ عن الفساد، روى أحمد ﵁ عن أبي أمامة ﵁ أن غلامًا شابًّا أتى النبي ﷺ فقال: "يا نبي الله أتأذن لي بالزنا فصاح الناس به، فقال النبي ﷺ وهو الرءوف الرحيم: ((قرِّبوه)) ثم قال للشاب: ((ادنُ)) فدنا، قال: ((ادنُ)) فدنا قال: ((ادنُ)) فدنا، حتى جلس بين يدي النبي ﷺ فقال ﵊: ((أتحبه لأمك)) قال الشاب: لا، جعلني الله فداك، قال: ((كذلك الناس لا يحبونهم لأمهاتهم، أتحبه لأبنتك)) قال: لا، جعلني الله فداك، قال: ((كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟)) قال: لا، جعلني الله فداك، قال: ((كذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم، أتحبه لعماتك أتحبه لخالتك؟)) كل ذلك يقول الشاب: لا، جعلني الله فداك، والنبي ﷺ يقول: ((كذلك الناس لا يحبونه)) ثم وضع ﷺ يده الشريفة الكريمة الطاهرة المباركة على صدر ذلك الشاب ودعا له قائلًا: ((اللهم طهّر قلبه، واغفر ذنبه، وحصّن فرجه)) فلم يكن شيء أبغض إلى ذلك الشاب بعد ذلك من الزنا.
وهكذا ترفَّق النبي ﷺ بالشاب في البدء، ثم أقنعه عقليّا ووجدانيّا بقبح الزنا وأثره على الأخلاق والمجتمع، فبعد أن رأى ﷺ انجذاب الشاب إليه وإقباله عليه وقناعته العقلية بالذي حدّثه به، دعا له بهذه الدعوات الكريمات ذات المعنى والمغزى، فقام من بين يدي رسول الله ﷺ وليس شيء أبغض إليه مما جاء يسأل رسول الله أن يرخص له فيه.
أما إذا كانت الفئة التي يلتقي معها الداعية من طبقة الملحدين المارقين، ومن فئة الدهريين المنكرين ومن صفة الوجودين الإباحيين- فإن المناقشة التي يطرحها
стр. 187
والقضية التي يعرضها والحجج التي يقدمها تختلف كل الاختلاف عن جماعة المؤمنين المطبّقين وطبقة المسلمين الفاسقين المنحرفين.
العلم
ومن الصفات التي ينبغي على الداعية أن يحرص عليها ويتحلّى بها: صفة العلم: فالعلم قبل القول والعمل كما ترجم بذلك الإمام البخاري ﵀ في صحيحه، ومستندًا ومستدلًّا بقول رب العالمين: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (محمد: ١٩) فقدم العلم على العمل، والواقع أن تقديم العمل على أي عمل ضروريٌّ للعامل حتى يعلم ما يريد ليقصده ويعمل للوصول إليه، وإذا كان سبق العلم لأي عمل ضروريًّا فإنه أشد ضرورة للداعي إلى الله؛ لأن ما يقوم به من الدين منسوب إلى رب العالمين، فيجب أن يكون الداعي على بصيرة وعلم بما يدعو إليه وبشرعية ما يقوله ويفعله ويتركه، فإذا فقد الداعية العلم المطلوب واللازم له كان جاهلًا بما يريده، ووقع في الخبط والخلط والقول على الله ورسوله بغير علم؛ فيكون ضرره أكثر من نفعه وإفساده أكثر من إصلاحه، وقد يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف لجهله بما أحل الشرع وأوجبه وبما منعه وحرمه، فيجب إذًا لكل داعٍ إلى الله تعالى أن يتحلَّى بالعلم بشرع الله وبالحلال والحرام وبما يجوز وما لا يجوز، وبما يسوغ فيه الاجتهاد وما لا يسوغ وما يحتمل وجهين أو أكثر وما لا يحتمل، وإنما العلم كما قال ابن القيم ﵀:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
стр. 188
فالعلم الذي هو ضروري للداعية: هو العلم الشرعي الذي تقوم عليه الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله وأقوال الصحابة، وفضل هذا العلم وأهله معروفٌ غير منكور، نطق به القرآن الكريم ورفع شأنه، وأكدته السنة النبوية، وأمر الله بالتزوّد منه وطلب المزيد منه، فقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤) وقال في بيان رفعة درجة العلماء: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١)، وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: ((من يرد به خيرًا يفقهه في الدين)) ولقد استشهد الله ﵎ بأهل العلم -وهو من هو في العلوّ والعظمة- على أجلّ مشهود عليه وهو توحيد الله ، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة المقربين، وفي هذا تزكية لهم وتعديل وتوثيق؛ لأن الله تعالى لا يستشهد بمجروح، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨).
وأهل العلم لا ينفعون أنفسهم فقط، وإنما ينفعون غيرهم بما يرشدونهم إليه ويدلونهم عليه ويوصلونهم به إلى ربهم، فالناس كما قال الإمام أحمد ﵁: "إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب"؛ لأنهم يحتاجون إليهما في اليوم مرة أو مرتين، وحاجتهم إلى العلم بعدد أنفاسهم.
ومن أجل هذا اتفقت كلمة الأئمة الأعلام على أن الانشغال بطلب العلم، أفضل من الانشغال بنوافل العبادات، بهذا قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وغيرهم من أئمة المسلمين، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، وإن الله تعالى وملائكته يصلون على معلمي الناسِ الخير)).
стр. 189
فعلى الداعية المسلم أن يحرص أن يكون دائمًا من المتفقهين في الدين، العلماء بأحكامه، المعلمين للناس الخير؛ حتى يصيبه ما نطقت به هذه الآيات والأحاديث، وليحذر كل الحذر من الكلام بغير علم؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦) قال بعض السلف: "لا تقل سمعت وأنت لم تسمع، ولا تقل علمت وأنت لم تعلم، ولا تقل رأيت وأنت لم ترَ"، وليحذر الداعية أن يقول للشيء: هذا حلال، فيقول الله تعالى له: كذبت ما حللته، وأن يقول للشيء: حرام، فيقول الله تعالى له: كذبت، ما حرمته، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: ١١٦، ١١٧).
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين.
стр. 190
الدرس: ١١ المدعوون .
стр. 191
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(المدعُوّون)
من هو المدعو ؟
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
المدعو هو الركن الثالث في الدعوة، فهناك داعية ومدعو وهناك شيء يدعو إليه، فالذي يدعو إليه هو دين الله ، والدعاة تكلمنا عن صفاتهم. المدعون من هم؟ من هو الإنسان المدعو؟
الإنسان -أيُّ إنسان كان- هو المدعو إلى الله تعالى؛ لأن الإسلام رسالة الله الخالدة، بعث الله به محمد ﷺ إلى الناس أجمعين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: ٢٨)، وهذا العموم بالنسبة للمدعوّين لا يُستثنى منه أيُّ إنسان مخاطب بالإسلام ومكلف بقبوله والإذعان له، وهو الإنسان البالغ العاقل مهما كان جنسه ونوعه ولونه ومهنته وإقليمه وكونه ذكرًا أو أنثى، إلى غير ذلك من الفروق بين البشر.
ولذلك كان ممن آمن بالنبي ﷺ العربي كأبي بكر، والحبشي كبلال والرومي كصهيب، والفارسي كسلمان، والمرأة كخديجة، والصبي كعلي بن أبي طالب، والغني كعثمان بن عفان، والفقير كعمار، وعلى هذا فالدعوة إلى الله عامة لجميع البشر، وليست خاصة بجنس دون جنس أو طبقة دون طبقة أو فئة دون فئة؛ ولهذا يُخاطب القرآن الكريم البشر بصفتهم الآدمية، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (البقرة: ٢١) ويقول سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: ٣١) وعلى الداعي أن يفقه عموم دعوته إلى الله، ويحرص على إيصالها لكل إنسانٍ يستطيع الوصول إليه، وهذا لا يناقض ابتداء الداعي بالأقربين إليه، فيدعوهم قبل البعيدين؛ لأن لكل إنسانٍ الحق في إيصال
стр. 192
الدعوة إليه، فليس الأبعد بأولى من الأقرب، بل الأقرب أولى لسهولة تبليغه واحتمال صيرورته داعيًا أيضًا بعد إسلامه، فيسهل إيصال الدعوة إلى البعيدين، ولهذا جاء في القرآن الكريم قول رب العالمين لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤)، وهذا وإن كان خطابًا له ﷺ ولكنه يشمل معناه الدُّعاة إلى الله، فعلى الدعاة أن ينذروا الأقربين إليهم مبتدئين بأفراد أسرهم وأقاربهم ومن يعرفونهم، بل إن دعوة الأهل وأفراد الأسرة أوجب من غيرهم؛ لأن الداعي إن كان رب أسرة فإنه مسئول عنهم كما في الحديث: ((كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل في بيته راعٍ وهو مسئول عن رعيته)) وهذه المسئولية تشمل القيام بشئونهم المادية من توفير الطعام والشراب والسكن ونحو ذلك من الأشياء المادية، كما تشمل شئونهم الدينية بتعليمهم ما يلزمهم من أمور الإسلام ودعوتهم إليه، قال الله تعالى مثنيًا على أحد رسله الكرام: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ (مريم: ٥٥) وقال لعباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: ٦) ووقايتهم من النار تكون بدعوتهم إلى الإسلام، وطاعة أوامر الله، وترك نواهيه.
ومن حق المدعو أن يؤتى ويدعى؛ أي: إن الداعي يأتي المدعوّ، ويدعوه إلى الله تعالى، ولا يليق بالداعية أن يجلس في بيته وينتظر مجيء الناس إليه، فقد كان نبينا ﷺ يأتي مجالس قريش ويدعوهم، ويخرجوا إلى القبائل في منازلها في موسم قدومها مكة، ويدعوهم ويذهب إلى ملاقاة من يقدم من مكة ويدعوه، فقد جاء في (سيرة ابن هشام) قال: فكان رسول الله ﷺ يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدّقوه ويمنعوه حتى يبلّغ رسالة الله ، كان يقول: ((يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما
стр. 193
تعبدون من دونه هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى أبلِّغ رسالة ربي)) وكان ﷺ لا يسمع بقادم إلى مكة من العرب له اسمٌ وشرف إلا تصدَّى له، فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده، ولم يكتفِ ﷺ بأهل مكة ومن كان يأتيها، وإنما ذهب إلى خارجها، ذهب إلى الطائف يدعو أهلها، والقصة في ذلك مشهورة.
والذي يدقق النظر في القرآن الكريم يجد أن الله تعالى جعل الناس جميعًا ثلاثة أقسام: مؤمنين وكافرين ومنافقين، وأن الكافرين أقسامٌ: أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، ومشركون وهم العرب الأمّيُّون، وقد جمع الله تعالى بين أهل الكتاب والمشركين في أكثر من آية، فقال : ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (البينة: ١) وحكم عليهم جميعًا بالخلود في النار إذا لم يؤمنوا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (البينة: ٦)، وأمر النبي ﷺ أن يدعوهم جميعًا إلى الإسلام، فقال : ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: ٢٠)، وقد أمر الله تعالى الناس جميعًا بعبادته فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢١، ٢٢) فكل إنسان بالغ عاقل ذكرًا كان أو أنثى مكلف بعبادة الله بما جاء به رسول الله ﷺ ، والذي يدقّق النظر في القرآن الكريم يجد أن كل صنفٍ من الأصناف التي ذكرناها أخذ مساحةً واسعةً من القرآن في الحوار والجدال بالتي هي أحسن والدعوة إلى الإيمان بالله وبمحمد رسول الله ﷺ .
стр. 194
دعوة القرآن المشركين للإيمان
والذي يدقق النظر في المحاور التي تدور عليها الآيات في مناقشة مشركي مكة، يرى أنهما محوران اثنان: محور التوحيد ومحور البعث بعد الموت، فما جادل مشركون في شيء مما دُعوا إلى الإيمان به كما جادلوا في التوحيد والبعث بعد الموت؛ أما التوحيد فقد كانوا ألفوا تعدّد الآلهة، فلما قال لهم النبي ﷺ : ﴿اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٥٩) قالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُون﴾ (الصافات: ٣٦)، ولما قال لهم: إنكم إلى الله راجعون، قالوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد﴾ (ق: ٣)، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ (سبأ: ٧، ٨) لذلك كانت دعوة الكريم لمشركي مكة مركزة على الإيمان بالله واليوم الآخر.
ومن الآيات التي عابَت على المشركين شركهم ودَعَتهم إلى التوحيد وعابت عليهم إنكارهم للبعث بعد الموت، وذكّرتهم بالأدلة البراهين الدالة على ذلك قول ربنا : ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ * أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ * جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ
стр. 195
وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ * إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ * وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ (ص: ١ - ١٥).
ويقول سبحانه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُون * أَمْ مَن ْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ * وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (النمل: ٦٠ - ٧٢).
ويقول : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا
стр. 196
مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: ٧٨ - ٩٢).
ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شيئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (الحج: ١ - ١٠).
стр. 197
دعوة القرآن اليهودَ للإيمان
وأما اليهود في المدينة فقد كانوا على علم ببعثة النبي ﷺ وكانوا يعلمون أن نبي آخر الزمان سيهاجر إليها فسبقوه إليها ليكونوا في استقباله، وكانت بينهم وبين أهل المدينة حُروب، فكانوا يخوّفونهم بالنبي ﷺ وأنهم سيؤمنون به ويتبعونه ويقتلونهم معه قتل عاد وإرم، فما هو أن بُعث ﷺ وهاجر إلى المدينة حتى كانوا أول كافر به؛ حسدًا من عند أنفسهم أن كان من بني إسماعيل وليس من بني إسرائيل، وفي ذلك يقول ربنا سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (البقرة: ٨٩، ٩٠) فكفروا بالنبي ﷺ مع أنهم كانوا يعرفونه جيدًا ويعرفونه صفاته مفصلة؛ لأن الله ﵎ وصفهم له في التوراة حتى قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة: ١٤٦) ومع ذلك كانوا أول من كفر به، ولقد عملوا بلا كللٍ ولا ملل على القضاء على رسول الله ﷺ ودعوته، واستخدموا في ذلك أخسَّ الأساليب وأدنأها، فلجئوا إلى كتمان ما يعرفونه عن رسول الله ﷺ وتحريف ما في كتبهم مما يدل عليه، وأخذوا يهزئون به وبدينه، وأخذوا يُثيرون الشبهات على ضعاف المؤمنين وفتحوا أبوابهم للمنافقين وآووهم، ومع ذلك كله استمر النبي ﷺ في دعوتهم بالتي هي أحسن، وصبر على أذاهم وعفا عنهم حتى نقضوا عهده، فأجلى بعضهم عن المدينة وقتل بعضهم بسبب غدرهم وخيانتهم ونقضهم عهدهم من بعد ميثاق.
стр. 198
والذي يدقّق النظر في الآيات التي خاطبت يهود يرى أنها ركزت على دعوتهم إلى الإيمان بالرسول ﷺ وما أنزل إليه من ربه، كما وصتهم بذلك رسلهم وكتبهم، والإقلاع عن إثارة الشبهات حول الدين والنبي الأمين والقرآن الكريم، والكفِّ عن وصف الله سبحانه بما لا يليق بجلاله، ودعوتهم إلى اتباع ملة أبيهم إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈؛ فقد كانوا جميعًا مسلمين: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِي إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٢، ١٣٣)، والنبي محمد ﷺ متبعٌ ملة إبراهيم ﵇، فلو كانت يهود متبعين إبراهيم لاتبعوا محمدًا ﷺ ، فكان رفضهم لاتباع محمد وتكذيبهم إيَّاه دليلًا على أنهم ليسوا على ملة أبيهم إبراهيم ﵇.
ومن الآيات المباركات التي جادلت يهود ودعتهم إلى الإيمان برسول الله ﷺ والإقلاع عن إثارة الشبهات حول الدين والنبي والقرآن، وترك القول على الله بغير علم ووصفه بما لا يليق بجلاله قول ربنا : ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٠ - ٤٣).
وقوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ
стр. 199
الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ * وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ * أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٩٣ - ١٠١).
وقال : ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ * قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ * أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ١٣٥ - ١٤١)، ويقول سبحانه: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (آل عمران: ١ - ٣).
стр. 200
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شيئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (آل عمران: ١٠ - ١٣).
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ * وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (آل عمران: ٦٤ - ٧٤).
ويقول سبحانه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *
стр. 201
فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ * قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: ٩٣ - ٩٩).
ويقول سبحانه: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ * قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: ١٨١ - ١٨٤).
ويقول سبحانه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا *
стр. 202
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا * فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١٥٣ - ١٦٢).
ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شيئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شيئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤١ - ٤٤) قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَاب﴾ (المائدة: ٥٩).
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا
стр. 203
هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ * قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ * قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ * وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ * وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمفْسِدِينَ﴾ (المائدة: ٥٧ - ٦٤).
دعوة القرآن النصارى للإيمان
وأما النصارى، فلم يكن حظهم من القرآن الكريم أقل من حظ اليهود، فقد أخذت النصارى حظًّا كبيرًا من القرآن الكريم في الحوار والدعوة والجدال بالآتي هي أحسن، وذلك بين في سورة آل عمران والنساء والمائدة ومريم وغيرها، والمحور الأساس في دعوتهم هو إبطال ألوهية عيسى وبنوته لله ، وبيان أنه عبد الله ورسوله جاء مصدقًا لما بين يديه من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، يقول الله تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا
стр. 204
إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران: ١ - ٨).
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ * قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٥٧ - ٦٤).
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء: ١٧١ - ١٧٣).
стр. 205
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة: ١١٦ - ١٢٠) وقصَّ عليهم كيف ولد عيسى ابن مريم ﵇ بالتفصيل في سورة "مريم"، نكتفي بالإشارة إليها.
دعوة القرآن المنافقين للإيمان
وأما المنافقون وهم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، فقد أخذوا أيضًا من القرآن الكريم مساحة واسعة في سورة البقرة وآل عمران والتوبة ومحمد ﵇ وغيرها من السور، بل أُفردت لهم سورة كاملة سُمّيت باسمهم سورة المنافقون، وأكثر الله سبحانه من صفاتهم وتعريف النبي وأصحابه بها في سورة التوبة، حتى إن ابن عباس ﵁ سمى سورة التوبة الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، ما زال ينزل فيها: ومنهم ومنهم ومنهم، حتى ظنوا لن تترك منهم أحدًا.
يقول الله ﵎: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
стр. 206
لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ٨ - ٢٠).
ويقول سبحانه: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا * وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا * الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا
стр. 207
بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١٣٨ - ١٤٦).
هذه هي أصناف المدعوِّين من غير المسلمين من المشركين واليهود والنصارى والمنافقين، وقد دعا الله ﵎ إلى التوبة والدخول في الإسلام، واتباع النبي ﵊، وقام ﷺ بدعوتهم جميعًا، لم يفرق بين مشرك وكتابي ومنافق، ولقد قضى ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو المشركين إلى التوحيد، وكان يغشاهم في مجالسه وأنديتهم ويزورهم في بيوتهم، وكان يدعوهم فرادى ومجتمعين، ولم يترك دعوتهم مع انصرافهم عنه وإصرارهم على عدم الاستماع إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (فصلت: ٥، ٦) فأمره ﷺ بالاستمرار في دعوتهم وإن دعوه إلى عدم دعوتهم وعدم تذكيرهم.
كما كان ﵊ في المدينة يأتي اليهود ويدعوهم إلى الإسلام؛ ففي البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ((انطلقوا إلى يهود))، فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدارس فقام ﷺ فناداهم: ((يا معشر يهود، أسلموا تسلموا)) فقالوا: بلغت يا أبا القاسم، فقال: ((ذلك أريد)) ثم قالها ثانية، فقالوا: بلغت أبا القاسم، ثم قالها الثالثة، فقال: ((اعلموا أن الأرض لله ولرسوله، وإني أريد أن أجليكم، فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه، وإن لا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله)).
كذلك كان ﷺ يأتي المنافقين ويدعوهم إلى الإسلام؛ ففي مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: "قيل للنبي ﷺ : لو أتيت عبد الله بن أبي؟ قال: فانطلق إليه،
стр. 208
وركب حمارًا وانطلق المسلمون، وهي أرض سبغة، فلما أتاه النبي ﷺ قال: إليك عني، فوالله قد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحًا منك"، وقال الإمام النووي تعليقًا على هذا الحديث: وفي الحديث بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الحلم والصفح والصبر على الأذى في الله تعالى، ودوام الدعاء إلى الله تعالى وتألُّف قلوبهم.
فعلى الداعية المسلم الحريص على الأجر والثواب أن يقتضي برسول الله ﷺ ، فينتقل إلى الناس في أماكنهم ومجالسهم وقراهم، ويبلغهم الإسلام ويدعوهم إلى الله تعالى، ويا حبذا لو توزّع الدعاة إلى القرى والمحلات، وتفرع كل واحد منهم إلى جهة، فإنه بهذا يتحقق الخير الكثير بإذن الله تعالى ؛ لأنه لا بد من تبليغ دين الله عن طريق الدعوة إلى الله اقتضاءً برسول الله ﷺ .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 209
الدرس: ١٢ المصادر التي يعتمد عليها الداعية في دعوته المصدر الأول: القرآن الكريم .
стр. 210
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(المصادر التي يعتمد عليها الداعية في دعوته المصدر الأول: القرآن الكريم)
التعريف بالمصدر الأول: القرآن الكريم
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد:
القرآن الكريم أشهر من أن ي ُ عر َّ ف، ومع هذا فقد اعتنى الأصوليون بتعريفه، وذكروا له تعاريف شتى حرص كل منهم أن يكون جامع ً امانع ً ا، ومن هذه التعاريف:
القرآن الكريم: هو الكتاب المنزل على رسول الله محمد ﷺ المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا عنه نقل ً امتواتر ً ابل اشبه ة، ولا خلاف بين المسلمين أن القرآن حجة على الجميع، وأنه المصدر الأول للتشريع بل حجة على جميع البشر، والبرهان على حجيته أنه من عند الله، والبرهان على أنه من عند الله إعجازه.
فإذا ثبت كون القرآن من عند الله بدليل إعجازه؛ وجب اتباعه من قبل الجميع، وللقرآن الكريم خواصه؛ منها: أنه كلام الله المنزل على رسوله ﷺ وعلى هذا لا ت ُ عتبر من القرآن الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والإنجيل؛ لأنها لم تنز َّ ل على محمد ﷺ .
ثاني ً ا: القرآن هو مجموع اللفظ والمعنى، وأ ن لفظه نزل باللسان العربي كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: ٢) فليس في القرآن الكريم لفظ غير عربي، يقول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى: "جميع كتاب الله نزل بلسان العرب "، وقال أيض ً ا: ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، وعلى هذا لا ت ُ عتبر الأحاديث النبوية من القرآن؛ لأن ألفاظها ليست من الله وإن كان معناها موح ًى به من الله، وكذا لا يُعتبر من القرآن تفسيره ولو كان باللغة العربية، وكذا ترجمته إلى غير العربية لا تعتبر من القرآن.
стр. 211
ثالث ً ا: أنه نقل إلينا بالتواتر أي: أن القرآن الكريم نقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواط ؤ هم على الكذب؛ لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم عن قوم مثلهم، وهكذا إلى أن يتصل النقل برسول الله ﷺ فيكون أول النقل ك آخره، وأوسطه كطرفيه كله متواتر، وعلى هذا فما نقل من القراءات من غير طريق التواتر لا ي ُ عتبر من القرآن مثل ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قرأ قول الله تعالى، وذلك في كفارة اليمين ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (البقرة: ١٩٦) قرأها ابن مسعود بزيادة كلمة متتابعات " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات ". فهذه القراءة محمولة على أنها تفسير لثلاثة أيام بكونها متتابعات على رأي ابن مسعود.
رابع ً ا: أنه محفوظ من الزيادة والنقصان؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) فلا نقص فيه ولا زيادة، ولن يستطيع مخلوق أن يزيد عليه شي ئًا أو ينقص منه شي ئًا؛ لأن الله تعالى تولى بنفسه حفظه وما تولى الله حفظه لم تصل إليه يد العابثين المفسدين.
خامس ً ا: أن القرآن معجز، ومعنى كونه معجز ً اعجز البشر أجمعين عن ال إ تيان بمثله، وقد ثبت إعجازه بتحد ّ يه للعرب المخالفين بأن يأتوا بمثله، فعجزوا، ثم تحداهم بأن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا، ثم تحداهم بسورة واحدة من سوره فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨).
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (هود: ١٣) وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (يونس: ٣٨)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ
стр. 212
مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ٢٣)، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: في الحاضر ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ولن تفعلوا في المستقبل، أي: لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٤). اتقو ها بالإيمان بأن القرآن كلام الله رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين.
ومع هذا التحدي المتكرر الذي يستفذ الهمم، ويبعث على المعارضة عجز العرب عن المعارضة، بالرغم من وجود المقتضي لها، وعدم المانع منها، أما وجود المقتضي؛ فلأن العرب كانوا حريصين كل الحرص على إبطال دعوة محمد ﷺ فلو كانوا قادرين لجا ءوا بما يعارض القرآن ويبطل دعوة محمد ﷺ . أما عدم المانع من المعارضة؛ فلأنهم أهل البلاغة والفصاحة والمعرفة التامة باللغة العربية وأصحاب الحكم والسلطان، فلم َّا ثبت عجزهم ثبت أن القرآن النازل بلغة العرب هو كتاب الله، وأن محمدًا رسول الله حق ًّ ا.
وجوه إعجاز القرآن الكريم: وجوه إعجاز القرآن الكريم كثيرة منها: بلاغته التي بهرت العرب، وجعلتهم مشدوهين على نحو لم تعهد في كلام العرب من قبل، لا في منظوم ولا منثور، مع بقائها في مستوى عال ٍ في جميع أجزاء القرآن، وبالرغم من تناوله مو اضيع شتى، وأحكام ًا مختلفة، وبالرغم من نزوله في فترات متباعدة. إن أي قارئ لأي كتاب سوى كتاب الله يجد أن الكاتب يصلُ إلى حد عظيم جدًّا من البلاغة في فصل من فصول هذا الكتاب. ثم
стр. 213
إذا به يأتي إلى فصل آخر فيجده دون ما وصل إليه الكاتب من البلاغة في الفصل السابق، وهذه هي طبيعة البشر.
أما القرآن الكريم فاقرأه من الفاتحة إلى الناس تجد البلاغة في أطول سورة وفي أقصر سورة، وتجدها في أطول آية وأقصر آية، على الرغم من أن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ على مدار الثلاث والعشرين سنة، طرفان متباعدان ومع ذلك فأول ما نزل وآخر ما نزل من البلاغة على درجة واحدة، وهذا وجه من وجوه الإعجاز، وكذلك تناول القرآن الكريم مواضيع شتى وأحكام ًا مختلفة تناول تشريعات وتناول قضايا، وحل مشكلات، وتناول حدود ً اوأحكام ًا وعبادات، ومع ذلك فعلى الرغم من تنوع المواضيع واختلاف الأحكام؛ فالبلاغة في كل آية منه.
ثاني ً ا: من وجوه إعجاز القرآن إخباره بوقائع تحدث في المستقبل، وقد حدثت فعل ً امن ذلك قول ربنا سبحانه: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (الروم: ١ - ٤)، وهذا من الإخبار بما سيكون في المستقبل، وما كان لمحمد ﷺ أن يجر ؤ على أن يقول هذا القول لو كان من عنده؛ لأنه لا يعلم الغي ب؛ فلولا أنه على يقين تام من أن هذا القرآن كلام الله ما استطاع أن يصدع بهذا القول، ومع ذلك صدع به، ثم تحقق ما أخبر به؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الفرقان: ٦).
ومن وجوه إعجاز القرآن الكريم: إخباره بوقائع الأمم السابقة المجهولة أخبارها عند العرب جهل ً اتام ًّ ا؛ لعدم وجود ما يدل عليها من آثار ومعالم، ولذلك فإن الذي يقرأ القصص القرآني يرى الله دائم ً ايُعقب على كل قصة
стр. 214
بالإشارة إلى أنه اوحي من الله إلى رسوله ﷺ ما كان ليعلمها لولا الوحي، نقرأ مثل ً افي سورة هود قصة نوح ﵇ ثم نرى الله يعق ّ ب عليها بقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (هود: ٤٩) ونقرأ قصة يوسف ﵇ مع أخوته وما كان منهم معه، ثم نرى الله يقول في آخر القصة: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف: ١٠٢).
ومن إعجاز القرآن إشارته إلى بعض الحقائق الكونية التي أثبتها العلم الحديث، والتي لم تكن معروفة من قبل من ذلك قول ربنا : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠) وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ (الحجر: ٢٢) فهذه بعض وجوه إعجاز القرآن الكريم.
أما أحكام القرآن فقد اشتمل القرآن الكريم على أحكام كثيرة متنوعة ي ُ مكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأحكام المتعلقة بالعقيدة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذه هي الأحكام الاعتقادية، ومحل دراستها في علم التوحيد.
القسم الثاني: أحكام تتعلق بتهذيب النفس وتقويمها، وهذه هي الأحكام الأخلاقية ومحل دراستها في علم الأخلاق.
القسم الثالث: الأحكام العملية المتعلقة بأقوال وأفعال المكلفين، وهي المقصودة ب علم الفقه، والتي يهدف هذا العلم وأصوله إلى معرفتها والوصول إليها، وهذه الأحكام العملية نوعان:
стр. 215
الأول: العبادات كالصلاة والصيام، والغرض منها تنظيم علاقة الفرد بربه.
النوع الثاني: ما عدا العبادات، وت ُ سمى باصطلاح الفقهاء بالمعاملات، وهي تشمل الأحكام التي تتدخل في نطاق القانون الخاص والقانون العام حسب الاصطلاح القانوني الحديث، وهذه الأحكام ي ُ قصد بها تنظيم علاقة الفرد بالفرد، أو الفرد بالجماعة أو الجماعة بالجماعة، ومن هذه الأحكام الأحكام المتعلقة بالأسرة، وهي تدخل في نطاق ما ي ُ سمى بقانون الأسرة، أو بمسائل الأحوال الشخصية كالنكاح، والطلاق، والبنو ُّ ة، والنسب، والولاية، ونحو ذلك.
ويقصد بهذه الأحكام بناء الأسرة على أسس قويمة وبيان حقوق وواجبات أفرادها، وقد أخذت هذه الأحكام من آيات القرآن الكريم نحو سبعين آية.
ثاني ً ا: الأحكام المتعلقة بمعاملات الأفراد المالية كالبيع والرهن، وسائر العقود، وهي تدخل في نطاق ما ي ُ سمى بالقانون المدني، وآياتها نحو سبعين آية.
ثالثًا: الأحكام المتعلقة بالقضاء والشهادة واليمين، وي ُ قصد بها تنظيم إجراءات التقاضي لتحقيق العدالة بين الناس وهي تدخل في ما يسمى اليوم بقانون المرافعات، وآياتها نحو ثلاث عشر آية.
رابعًا: الأحكام المتعلقة بالجرائم والعقوبات وهي تكو ّ ن القانون الجنائي الإسلامي، وآ ياتها نحو ثلاثين آية، ويقصد بها حفظ الناس وأعراضهم وأموالهم، وإشاعة الطمأنينة والاستقرا ر في المجتمع.
خامسًا: الأحكام المتعلقة بنظام الحكم ومدى علاقة الحاك م بالمحكوم، وبيان حقوق وواجبات كل من الحاكم والمحكومين، وهي تدخل فيما يسمى بالقانون الدستوري، وآياتها نحو عشر آيات.
следующие страницы →