Полный текст (394 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ثالث ً ا: أنه نقل إلينا بالتواتر أي: أن القرآن الكريم نقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواط ؤ هم على الكذب؛ لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم عن قوم مثلهم، وهكذا إلى أن يتصل النقل برسول الله ﷺ فيكون أول النقل ك آخره، وأوسطه كطرفيه كله متواتر، وعلى هذا فما نقل من القراءات من غير طريق التواتر لا ي ُ عتبر من القرآن مثل ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قرأ قول الله تعالى، وذلك في كفارة اليمين ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (البقرة: ١٩٦) قرأها ابن مسعود بزيادة كلمة متتابعات " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات ". فهذه القراءة محمولة على أنها تفسير لثلاثة أيام بكونها متتابعات على رأي ابن مسعود.
رابع ً ا: أنه محفوظ من الزيادة والنقصان؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) فلا نقص فيه ولا زيادة، ولن يستطيع مخلوق أن يزيد عليه شي ئًا أو ينقص منه شي ئًا؛ لأن الله تعالى تولى بنفسه حفظه وما تولى الله حفظه لم تصل إليه يد العابثين المفسدين.
خامس ً ا: أن القرآن معجز، ومعنى كونه معجز ً اعجز البشر أجمعين عن ال إ تيان بمثله، وقد ثبت إعجازه بتحد ّ يه للعرب المخالفين بأن يأتوا بمثله، فعجزوا، ثم تحداهم بأن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا، ثم تحداهم بسورة واحدة من سوره فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨).
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (هود: ١٣) وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (يونس: ٣٨)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ
стр. 212
مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ٢٣)، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: في الحاضر ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ولن تفعلوا في المستقبل، أي: لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٤). اتقو ها بالإيمان بأن القرآن كلام الله رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين.
ومع هذا التحدي المتكرر الذي يستفذ الهمم، ويبعث على المعارضة عجز العرب عن المعارضة، بالرغم من وجود المقتضي لها، وعدم المانع منها، أما وجود المقتضي؛ فلأن العرب كانوا حريصين كل الحرص على إبطال دعوة محمد ﷺ فلو كانوا قادرين لجا ءوا بما يعارض القرآن ويبطل دعوة محمد ﷺ . أما عدم المانع من المعارضة؛ فلأنهم أهل البلاغة والفصاحة والمعرفة التامة باللغة العربية وأصحاب الحكم والسلطان، فلم َّا ثبت عجزهم ثبت أن القرآن النازل بلغة العرب هو كتاب الله، وأن محمدًا رسول الله حق ًّ ا.
وجوه إعجاز القرآن الكريم: وجوه إعجاز القرآن الكريم كثيرة منها: بلاغته التي بهرت العرب، وجعلتهم مشدوهين على نحو لم تعهد في كلام العرب من قبل، لا في منظوم ولا منثور، مع بقائها في مستوى عال ٍ في جميع أجزاء القرآن، وبالرغم من تناوله مو اضيع شتى، وأحكام ًا مختلفة، وبالرغم من نزوله في فترات متباعدة. إن أي قارئ لأي كتاب سوى كتاب الله يجد أن الكاتب يصلُ إلى حد عظيم جدًّا من البلاغة في فصل من فصول هذا الكتاب. ثم
стр. 213
إذا به يأتي إلى فصل آخر فيجده دون ما وصل إليه الكاتب من البلاغة في الفصل السابق، وهذه هي طبيعة البشر.
أما القرآن الكريم فاقرأه من الفاتحة إلى الناس تجد البلاغة في أطول سورة وفي أقصر سورة، وتجدها في أطول آية وأقصر آية، على الرغم من أن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ على مدار الثلاث والعشرين سنة، طرفان متباعدان ومع ذلك فأول ما نزل وآخر ما نزل من البلاغة على درجة واحدة، وهذا وجه من وجوه الإعجاز، وكذلك تناول القرآن الكريم مواضيع شتى وأحكام ًا مختلفة تناول تشريعات وتناول قضايا، وحل مشكلات، وتناول حدود ً اوأحكام ًا وعبادات، ومع ذلك فعلى الرغم من تنوع المواضيع واختلاف الأحكام؛ فالبلاغة في كل آية منه.
ثاني ً ا: من وجوه إعجاز القرآن إخباره بوقائع تحدث في المستقبل، وقد حدثت فعل ً امن ذلك قول ربنا سبحانه: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (الروم: ١ - ٤)، وهذا من الإخبار بما سيكون في المستقبل، وما كان لمحمد ﷺ أن يجر ؤ على أن يقول هذا القول لو كان من عنده؛ لأنه لا يعلم الغي ب؛ فلولا أنه على يقين تام من أن هذا القرآن كلام الله ما استطاع أن يصدع بهذا القول، ومع ذلك صدع به، ثم تحقق ما أخبر به؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الفرقان: ٦).
ومن وجوه إعجاز القرآن الكريم: إخباره بوقائع الأمم السابقة المجهولة أخبارها عند العرب جهل ً اتام ًّ ا؛ لعدم وجود ما يدل عليها من آثار ومعالم، ولذلك فإن الذي يقرأ القصص القرآني يرى الله دائم ً ايُعقب على كل قصة
стр. 214
بالإشارة إلى أنه اوحي من الله إلى رسوله ﷺ ما كان ليعلمها لولا الوحي، نقرأ مثل ً افي سورة هود قصة نوح ﵇ ثم نرى الله يعق ّ ب عليها بقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (هود: ٤٩) ونقرأ قصة يوسف ﵇ مع أخوته وما كان منهم معه، ثم نرى الله يقول في آخر القصة: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف: ١٠٢).
ومن إعجاز القرآن إشارته إلى بعض الحقائق الكونية التي أثبتها العلم الحديث، والتي لم تكن معروفة من قبل من ذلك قول ربنا : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠) وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ (الحجر: ٢٢) فهذه بعض وجوه إعجاز القرآن الكريم.
أما أحكام القرآن فقد اشتمل القرآن الكريم على أحكام كثيرة متنوعة ي ُ مكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأحكام المتعلقة بالعقيدة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذه هي الأحكام الاعتقادية، ومحل دراستها في علم التوحيد.
القسم الثاني: أحكام تتعلق بتهذيب النفس وتقويمها، وهذه هي الأحكام الأخلاقية ومحل دراستها في علم الأخلاق.
القسم الثالث: الأحكام العملية المتعلقة بأقوال وأفعال المكلفين، وهي المقصودة ب علم الفقه، والتي يهدف هذا العلم وأصوله إلى معرفتها والوصول إليها، وهذه الأحكام العملية نوعان:
стр. 215
الأول: العبادات كالصلاة والصيام، والغرض منها تنظيم علاقة الفرد بربه.
النوع الثاني: ما عدا العبادات، وت ُ سمى باصطلاح الفقهاء بالمعاملات، وهي تشمل الأحكام التي تتدخل في نطاق القانون الخاص والقانون العام حسب الاصطلاح القانوني الحديث، وهذه الأحكام ي ُ قصد بها تنظيم علاقة الفرد بالفرد، أو الفرد بالجماعة أو الجماعة بالجماعة، ومن هذه الأحكام الأحكام المتعلقة بالأسرة، وهي تدخل في نطاق ما ي ُ سمى بقانون الأسرة، أو بمسائل الأحوال الشخصية كالنكاح، والطلاق، والبنو ُّ ة، والنسب، والولاية، ونحو ذلك.
ويقصد بهذه الأحكام بناء الأسرة على أسس قويمة وبيان حقوق وواجبات أفرادها، وقد أخذت هذه الأحكام من آيات القرآن الكريم نحو سبعين آية.
ثاني ً ا: الأحكام المتعلقة بمعاملات الأفراد المالية كالبيع والرهن، وسائر العقود، وهي تدخل في نطاق ما ي ُ سمى بالقانون المدني، وآياتها نحو سبعين آية.
ثالثًا: الأحكام المتعلقة بالقضاء والشهادة واليمين، وي ُ قصد بها تنظيم إجراءات التقاضي لتحقيق العدالة بين الناس وهي تدخل في ما يسمى اليوم بقانون المرافعات، وآياتها نحو ثلاث عشر آية.
رابعًا: الأحكام المتعلقة بالجرائم والعقوبات وهي تكو ّ ن القانون الجنائي الإسلامي، وآ ياتها نحو ثلاثين آية، ويقصد بها حفظ الناس وأعراضهم وأموالهم، وإشاعة الطمأنينة والاستقرا ر في المجتمع.
خامسًا: الأحكام المتعلقة بنظام الحكم ومدى علاقة الحاك م بالمحكوم، وبيان حقوق وواجبات كل من الحاكم والمحكومين، وهي تدخل فيما يسمى بالقانون الدستوري، وآياتها نحو عشر آيات.
стр. 216
سادسًا: الأحكام المتعلقة بالمعاملة الدولة الإسلامية للدول الأخرى ومدى علاقاتها بها، ونوع هذه العلاقة في السلم والحرب، وما يترتب على ذلك من أحكام، وكذلك بيان علاقة المستأمنين مع الدولة الإسلامية، وهذه الأحكام منها ما يدخل في نطاق القانون الدولي العام، ومنها ما يدخل في نطاق القانون الدولي الخاص، وآ ياتها نحو من خمس وعشرين آية.
أخير ً ا: الأحكام الاقتصادية وهي المتعلقة بموارد الدولة ومصارفها وبحقوق الأفراد في أموال الأغنياء، وآ ياتها نحو من عشر آيات، كيف بيَّن القرآن الكريم هذه الأحكام للناس؟ قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩)، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨).
بيان القرآن الكريم للأحكام الشرعية
فالقرآن الكريم فيه بيان لجميع الأحكام الشرعية إلا أن بيانه على نوعين:
النوع الأول: ذكر القواعد والمبادئ العامة للتشريع، وبيان الأحكام بصورة مجملة؛ فمن القواعد والمبادئ العامة التي تكون أساس ًا للتشريع وتفريع الأحكام: مبدأ الشهرة؛ حيث قال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ (آل عمران: ١٥٩)، ومدح المؤمنين بأخذ أنفسهم بهذا المبدأ فقال على سبيل المدح: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: ٣٨).
ومنها: مبدأ العدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: ٩٠) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨)، ومنها: أن الإنسان لا يُسأل عن ذنب غيره، وإنما هو فقط مأخوذ بجريرته قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤)، ومنها: أن العقوبة مقدرة بقدر
стр. 217
الجريمة قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (الشورى: ٤٠) ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: ١٢٦)، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٩٠).
ومن هذه القواعد والمبادئ العامة: أن مال الغير له حرمة؛ فلا يجوز الاعتداء على مال الغير قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (النساء: ٢٩، ٣٠)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٨٨)
ومنها: مبدأ التعاون على الخير وما يحقق المصلحة العامة للأمة، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢)، ومنها: الأمر بالوفاء وفاء الإنسان بكل ما يلتزمه من عهود وعقود ومواعيد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: ١)، ومنها: الحرج مرفوع قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ٧٨)، ومنها: الضرورات تبيح المحظورات، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: ١٧٣).
ومن الأحكام التي جاءت مجملة في القرآن ولم يفصل حكمها: الأمر بالزكاة، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (التوبة: ١٠٣)، وقال في القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (البقرة: ١٧٨) ولم يبين القرآن الكريم شروط القصاص، وقد بينتها السنة، وكذلك البيع والربا قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) فجاءت السنة
стр. 218
ببيان البيع الحلال وشروطه، والربا الحرام وأنواعه، وهذا النوع من البيان للأحكام وهو البيان الإجمالي، وهو الغالب في القرآن، الغالب في القرآن الإجمال.
والحكمة في مجيء أحكام القرآن على شكل قواعد ومبادئ عامة هي أن مجيئها على هذا النوع يجعلها تتسع لما يستجد من الحوادث فلا تضيق بشيء أبد ً ا.
النوع الثاني من أحكام القرآن: الأحكام التفصيلية: والأحكام المفصلة في القرآن الكريم قليلة؛ منها: مقادير المواريث، ومقادير العقوبات في الحدود، وكيفية الطلاق، وعدد الطلقات، وكيفية اللعان بين الزوجين، وبيان المحرمات من النساء، ونحو ذلك، لكن الأحكام التفصيلية - كما ذكرنا - أقل بكثير من الأحكام الإجمالية. وللقرآن الكريم في بيان الأحكام أساليب مختلفة اقتضتها بلاغته وكونه معجز ً ا، وكتاب هداية وإرشاد هو يعرض الأحكام عرض ً افيه تشويق للامتثال، وتمثيل ٌ عن المخالفة والعناد، ولهذا نجد ما هو واجب قد ينص ّ على وجوبه بصيغة الأمر كقوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (الطلاق: ٢).
أو بأن الفعل مكتوب على المخاطبين كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (البقرة: ١٧٨)، وقد يكون بيان الواجب بذكر الجزاء الحسن والثواب لفاعله كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (النساء: ١٣)، والمحرم قد يكون بيان بصيغة النهي كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وكقوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقد يكون بالتوعد على الفعل، أو بترتب العقوبة عليه كقوله تعالى:
стр. 219
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (النساء: ١٠). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء: ١٤).
وعلى هذا؛ فيجب على كل من يريد استنباط الأحكام من القرآن أن يعرف أساليب القرآن في بيان الأحكام، وما يقترن بالنصوص مما يدل على الوجوب أو الحرمة أو الإباحة، ومن الضوابط والقواعد النافعة في هذا الباب:
أولًا: يكون حُكم الفعل الوجوب أو الندب إذا جاء بالصيغة الدالة على الوجوب أو الندب، أو إذا ذ ُ كر في القرآن واقترن به مدح أو محبة أو ثناء له، أو لفاعله، أو إذا اقترن به الجزاء الحسن والثواب لفاعله، ويكون حكم الفعل الحرمة أو الكراهة إذا جاء ذكره بصيغة تدل على طلب الشارع لتركه، والابتعاد عنه، أو إذا ذ ُ كر على وجه الذم له ولفاعله، أو أنه سبب للعذاب أو لسخط الله أو مقته، أو دخول النار، أو لعن فاعله، أو وصف الفعل بأنه رجس أو فسق أو من عمل الشيطان، أو وصف فاعله بالبهيمة أو الشيطان، ونحو ذلك. ويكون حكم الفعل الإباحة إذا جاء بلفظ يدل على ذلك كالإحلال "أُ حِلَّ لَكُمْ" "أُ ذِنَ لَكُمْ "، ونفي الحرج "لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ" "لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ "، أو الإنكار على من حرم الشيء ونحو ذلك مما يدل على الإباحة.
ودلالة القرآن على الأحكام قد تكون قطيعة، وقد تكون ظنية، لقد عرفنا أن القرآن قطعي ّ الثبوت؛ لأنه وصل إلينا بطريق التواتر المفيد للعلم اليقيني بصحة المنقول، فأحكام القرآن إذًا قطعية الثبوت إلا أن دلالة القرآن عن الأحكام قد تكون قطعية وقد تكون ظنية، فالقرآن قطعي الثبوت أما من حيث الدلالة على الأحكام؛ فقد تكون دلالته قطعية، وقد تكون ظنية، فإذا كان اللفظ لا يحتمل
стр. 220
إلا معنى واحد ًا فقط؛ ففي هذه الحالة تكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة قطعية مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: ١٢) فالنصف والربع من الألفاظ التي لا تحتمل إلا معن ً ى واحد ً ا.
وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور: ٢) فالمائة من الألفاظ القطعية الدلالة على مدلولها لا تحتمل معنى آخر، وتكون دلالة القرآن الظنية إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى، فتكون دلالة اللفظ الحكم إذًا دلالة ظنية وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (البقرة: ٢٢٨) فلفظ "قروء" يحتمل أن يكون المراد به الأطهار، ويحتمل أن ي ُ راد به الحيضات، فمع هذا الاحتمال تكون دلالة ال آية على الحكم ظنية لا قطعية، ولما كان الق ُ رء أو القروء تحتمل الأطهار والحيضات؛ لذلك اختلف الفقهاء في المراد بها، وبماذا تعتد ّ المطلقة، والراجح - والله أعلم - أن القروء المراد بها الحيضات لقول النبي ﷺ للمرأة المستحاضة ((دعِ الصلاة أيام قرئك)) أي: أيام حيضتك.
أهمية القرآن الكريم في حياة الداعية والمجتمع
فهذا هو القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع، والمصدر الأول الذي يستمد ّ الداعية منه دعوته ومادتها، والذي فرض الله ﵎ على نبينا محمد ﷺ أن يجاهد به جهاد الدعوة في مكة قبل أن يفرض عليه جهاد السيف في المدينة قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٥١، ٥٢) أي: بالقرآن الكريم جهاد ً اكبير ً ا، فالقرآن الكريم هو سلاح الداعية ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُه ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ
стр. 221
حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: ١) ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤١، ٤٢) ((فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قسمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله)).
وقد تكف َّ ل الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة فقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (طه: ١٢٣ - ١٢٧).
لقد أنزل الله ﵎ هذا القرآن ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: ١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (النساء: ١٧٤ - ١٧٥).
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: ١٥، ١٦) وما أدق ّ هذا التعبير وما
стр. 222
أصدقه ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ السلام الذي يسكبه هذا الدين في الحياة كلها، سلام الفرد، وسلام الجماعة، سلام العالم، وسلام الضمير، سلام العقل، وسلام الجوارح، سلام البيت، وسلام الأسرة، وسلام المجتمع والأمة والبشرية والإنسانية، والسلام مع الحياة، والسلام مع الكون، والسلام مع الله رب الحياة والكون، السلام الذي يقوم عل عقيدته وشريعته، وهي دعوة صريحة لدعاة السلام إن كانوا جادين في البحث عن حل للخروج من ويلات الحرب وما جلبته عليهم من دمار وخراب وفساد.
إن كانوا حق ًّ اجادين في دعوتهم للسلام، فإن هذا هو طريق السلام آمنوا بهذا القرآن، وا دخلوا في السلام كافة، فإن الله قال عن القرآن الكريم: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (المائدة: ١٦) من ظلمات الوهم والخرافة وظلمات الأوضاع والتقاليد، وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة، وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين إلى نور الحق والحقيقة، ونور الهدى والإيمان، ونور الطمأنينة واليقين. وهي دعوة صريحة أمر الله رسوله ﷺ أن يدعوهم إليها فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٦٤).
فإذا أرادت البشرية أن تخرج من بؤسها وشقائها فلتقبل هذه الدعوة، وليقم أهل القرآن بواجبهم نحوه، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، تلاوة صحيحة، مجودة بالأحكام؛ فإن تلاوة القرآن الكريم ق ُ ربة من أعظم القرب، وعبادة من أجل العبادات، يعطي الله ﵎ عليها من الأجر والثواب ما لا يعطي على
стр. 223
غيرها، وقد بي َّ ن النبي ﷺ كثرة هذا الأجر بقوله: ((من قرأ حرف من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول "الم" حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)).
وحتى تتصو ّ ر أي ّ ها الداعية كثرة الأجر الذي يمن ّ الله عليك به على قراءة القرآن، أذكرك بأن الفاتح ة "الحمد لله رب العالمين" مائة وثلاث عشرة حرف ًا، فإذا قرأتها مرة أعطاك الله عليها ألف ًا ومائة وثلاثين حسنة، فكم مرة يقرأ المسلم "الفاتحة" في اليوم الواحد، ولذلك كانت قراءة القرآن من التجارة التي لا تبور كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر: ٢٩، ٣٠) كان قتادة ﵀ إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء، وذلك لما أثبتته لهم من الأجر العظيم والثواب المضاعف لا ينعمون بالأجر الوافي، وإنما يزيدوهم الله إكرامًا وفضلًا.
وقد أخبر النبي ﷺ أن القرآن يرفع صاحبه في الدنيا والآخر عن عمر ﵁ قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين))، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها)). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب، حلِّه فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب، زدنه فيلبس حُلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق، وتزاد بكل آية حسنة)).
ولقد كان النبي ﷺ يحضّ على تعلم القرآن وتعليمه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، وكان يقول: ((وما
стр. 224
اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)). وكان ﷺ يحثهم على قراءة القرآن والخروج في طلبه بلغة التجارة والربح، عن عقبة بن عامر، قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصُّفَّة فقال: ((أيكم يحب أن يغدوا كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق؛ فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم، فقلنا: يا رسول الله، نحب ذلك. قال: أفلا يغدوا أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين وثلاثة خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)).
والتعلم والتعليم الذي حضَّ عليه النبي ﷺ يشمل القراءة، كيف يقرأ القرآن، وكيف يتلى، وكيف يجود، وكيف يرتل، ويشمل كذلك التفسير ومعرفة المعاني حتى يعقل العبد عن الله مراده، ويشمل استخراج الأحكام ومدارستها؛ فمن فعل ذلك فقد تلا القرآن حق تلاوته، ودخل في عموم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (البقرة: ١٢١) قال ابن مسعود ﵁: "والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحلَّ حلاله ويحرم حرامه، ويقرؤه كما أنزله الله، ولا يحرّف الكلم عن مواضع، ولا يتأوَّل منه شيء على غير تأويله".
وقال الحسن البصري ﵀: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِه﴾ يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابه، ويكلون ما أُشكل عليهم إلى عالمه. وقال الإمام السيوطي ﵀: والأمة كما هي متعبدة بفهم معاني القرآن وأحكامه متعبدة بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من الأئمة القُراء، وهي الصفة المتصلة بالحضرة النبوية أي: أنه لا يكفي الأخذ من المصاحف بدون تلقٍّ عن أفواه المشايخ المتقنين للتلاوة.
стр. 225
يدل على ذلك ما رواه الطبراني عن مسعود بن زيد قال: كان عبد الله بن مسعود يقرئ رجلًا فقرأ الرجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ فخطف المد في "الفقراء" فلم يُشبع المد كما ينبغي، فقال ابن مسعود: ما هكذا أُقرِئتُها ثم تلاها مرة أخرى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (التوبة: ٦٠) ومدَّ "الفقراء" المد اللازم المعروف.
فاحذر أيها المتعلم أن تأخذ القرآن من المصحف، أو من الأشرطة دون تصحيح على أهل القرآن المتخصصين؛ فإن ذلك يعرضك للخطأ ولقد عرف أعداء الأمة أن هذا القرآن هو سر بقائها، وسبب فوزها، فعملوا جادين على فصل المسلمين عن القرآن وعزله عن حياتهم، وكادوا يظفرون بما يؤملون فقل الحفظة، وصدق فيهم قول القائل:
وقد كانوا إذا عُدوا قليلًا ... فصاروا اليوم أقل من القليل
وسادت الأمية من حيث القرآن وقراءته كثير من المثقفين والمتعلمين بحيث أنك ترى الرجل يحمل الشهادات العليا، وهو لا يحسن يقرأ القرآن، وصارت المصاحف تتخذ في البيوت لمجرد البركة فقط، أما التلاوة أما التدبر أما التفسير أما استخراج الأحكام؛ فهذا له رجال هكذا ظنوا، ولذلك قلت البركة والرحمة في البيوت، وغابت عنها الملائكة، وسكنتها الشياطين، وعادت شكوى رسول الله ﷺ تئنّ من جديد: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: ٣٠).
فاقرءوا القرآن يا أمة القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، كما النبي ﷺ اقرءوا القرآن فإنه روح لكم في السماء، وذكر لكم في الأرض قال الله تعالى
стр. 226
للنبي ﷺ ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: ٤٤)، وقال للقوم أنفسهم: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠)، اقرءوا القرآن فإنه يهدي للتي هي أقوم في كل أمر من الأمور، وكل مسألة من المسائل وكل مشكلة من المشاكل، اقرءوا القرآن فإنه عزكم وشرفكم، وبه يتم سؤددكم، لقد ساد السلف الصالح الدنيا كلها حين قبلوا كتاب ربهم، واستمسكوا به وجعلوه أمامهم فقادهم إلى الخير والبر، والنجاح والفلاح؛ فلما نبذ الخلف كتاب ربهم وراء ظهورهم تداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فاقرءوا القرآن يا أمة القرآن، فلن تزالوا على الهدى ما قرأتم القرآن، وتمسكتم به، كم أخبركم بذلك نبيكم ﷺ ((تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي)).
وعليك أيها الداعية، إن كنت قد أتممت القرآن حفظًا أن تتاعهده بالمراجعة حتى لا يتفلت من صدرك، وإن كنت لم تتمه فعليك أن تجتهد في إتمامه؛ فإنه سلاحك الأول، والمصدر الأول الذي تستمدّ منه مادة دعوتك، ولأن تنجح في دعوتك حتى يكون القرآن في صدرك وأنت على المنبر كما لو كان في يدك تتناول منه ما تشاء، وتستدل به على ما تشاء، لا تردد، ولا تتلعثم، ولا تقف عند آية تريد أن تستدل بها، ولا تستطيع أن تأتي بها.
ثم اعلم -بارك الله فيك- أنك كداعية ينبغي عليك أن تكون متخلق بأخلاق القرآن، ومتأدب بآدابه متأسيًا بالنبي ﷺ فقد سُئلت أمنا عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: ((كان خلقه القرآن))، وتذكر أنه يجب عليك ما لا يجب على العامة، ولذلك قال ابن مسعود ﵁ ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبحزنه إذ الناس
стр. 227
يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، ولا ينبغي أن يكون جافيًا ولا غافلًا، ولا صخابًا، ولا حديدًا.
وقال الفضيل بن عياض ﵀: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلغوا مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو؛ تعظيمًا لله تعالى، ولا ينبغي أن يكون له إلى أحد حاجة؛ بل ينبغي أن تكون حوائج الناس إليه، ويوم أن يكون الدعاة إلى الله متخلقين بهذه الأخلاق، ومتأدبين بهذه الآداب يمشون بين الناس قرآنًا يراه الناس في مظهرهم ومخبرهم ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. (الروم: ٤، ٥).
وصلى وسلم وبارك على نبين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 228
الدرس: ١٣ المصدر الثاني: السنة .
стр. 229
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(المصدر الثاني: السنة)
التعريف بالسنة وأهميتها في التشريع
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
للسنة في اللغة معنى، وفي اصطلاح الفقهاء لها معنى، وعند الأصوليين لها معنى، أما السنة في اللغة فهي عبارة عن الطريقة المعتادة المحافظ عليها التي يتكرر الفعل بموجبها ومنه قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: ٦٢)، وسنة الإنسان طريقته التي يلتزم بها فيما يصدر عنه ويحافظ عليها سواء أكان ذلك فيما يحمد عليه أو يذم.
أما السنة في اصطلاح الفقهاء على ما قاله البعض: فهي ما كان من العبادات نافلة ليس بواجب. وهذا هو المشهور حتى عند العامة يقولون: فرض وسنة. للظهر أربع ركعات فرض وأربع ركعات سنة، فالسنة في اصطلاح الفقهاء ما يقابل الفرض، ولكن المستفاد من كتب فروع الفقه أن السنة أيضًا تُطلق عند الفقهاء على ما هو مندوب من العبادات وغيرها، وقد تُطلق كلمة السنة في كلام بعض الفقهاء على ما يقابل البدعة؛ فيقال: فلان على سنة إذا عمل وفق عمل النبي ﷺ ويقال: فلان على بدعة إذا عمل على خلاف السنة.
والسنة في اصطلاح الأصوليين: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير. فهي بهذا الاعتبار دليل من أدلة الأحكام ومصدر من مصادر التشريع، والدليل على أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع الكتاب والإجماع والمعقول. أما الكتاب فقد دلَّ على أن ما ينطق به النبي ﷺ على وجه التشريع مبناه الوحي أي: مصدره الوحي من الله قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣، ٤).
стр. 230
فقوله ﷺ كالقرآن من جهة أن الاثنين مصدرهما وحي من الله، إلا أن السنة مُوحًى بها بالمعنى فقط؛ أما القرآن فكما سبق في بيان المصدر الأول للدعوة وهو القرآن أن القرآن لفظه ومعناه من الله، أما السنة فمعناها من الله، ولفظها من عند رسول الله ﷺ . وحيث إن القرآن واجب الاتباع لأنه من الله، فكذا أقوال الرسول ﷺ واجبة الاتباع لأن معناها من الله أيضًا.
ثانيًا: أعطى الله ﵎ نبيه ﷺ وظيفة البيان لمعاني القرآن والشرح لأحكامه المجملة قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤)، وقد عرفنا ونحن نتحدث عن أحكام القرآن أن أكثر أحكام القرآن مجملة والأحكام المفصلة قليلة، فهذا المجمل في القرآن الكريم من الذي بيّنه؟ النبي ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (النور: ٥٦) لم يبين عدد ركعاتها ولم يبين كيفيتها، لم يبين الأموال التي تجب فيها الزكاة، لم يبين الأنصبة والمقادير، كل ذلك بيَّنه النبي ﷺ بأمر الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤). فإذا كان كذلك فيكون بيانه ﷺ للقرآن متممًا للقرآن، وضروريًّا لاستفادة الحكم الشرعي ومعرفة المطلوب، فدل ذلك على أن السنة مصدر من مصادر الدعوة والتشريع.
ثالثًا: دلَّ على أن السنة مصدر للتشريع النصوص الكثيرة جدًّا الواردة في القرآن التي تدل بصورة قاطعة على لزوم اتباع السنة، والالتزام بها، واعتبارها مصدرًا للتشريع، واستفادة الأحكام منها، وقد جاءت هذه النصوص دالة على ما ذكرنا بأساليب متنوعة، وصيغ مختلفة، فهي تأمر بطاعة الرسول ﷺ وتجعل طاعته طاعة لله، وتأمر برد المتنازع فيه إلى الله وإلى الرسول، أي: إلى كتاب الله وسنة الرسول ﷺ وتأمر بأخذ ما يأتينا به الرسول ﷺ والابتعاد عما ينهانا عنه،
стр. 231
وتصرح ألا إيمان لمن لا يُحكّم رسول الله ﷺ فيما يختلف فيه مع غيره، وتقول: أنه لا اختيار لمسلم فيما قضى به رسول الله ﷺ ، وتحذر المخالفين لأمره من سوء العاقبة والعذاب الأليم. وهكذا دلَّ القرآن الكريم على وجوب اتباع سنة النبي ﷺ .
وكذلك دلَّ الإجماع: فقد اجتمع المسلمون من عهده ﷺ إلى اليوم على وجوب الأخذ بالأحكام التي جاءت بها السنة، وضرورة الرجوع إليها لمعرفة الأحكام الشرعية، والعمل بمقتضاها، فما كان الصحابة ولا من جاء بعدهم يفرقون بين حكم ورد في القرآن وبين حكم وردت به السنة، فالجميع عندهم واجب الاتباع؛ لأن المصدر واحد وهو وحي الله ، والوقائع الدالة على إجماعهم كثيرة لا تحصى.
ثالثًا: المعقول فقد ثبت بالدليل القاطع أن محمدًا ﷺ رسول الله، ومعنى الرسول هو المبلغ من الله، ومقتضى الإيمان برسالته لزوم طاعته والانقياد لحكمه، وقبول ما يأتي به وبدون ذلك لا يكون للإيمان به معنى، ولا تتصور طاعة الله والانقياد إلى حكمه مع مخالفة رسوله ﷺ . إذًا قد دل الكتاب والإجماع والمعقول على أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع وللدعاة خاصة.
ولكن قد يرد سؤال هل جميع ما صدر عن النبي ﷺ له هذا المقام أي: مقام لزوم الاتباع والاستدلال به على الحكم الشرعي، أم لا؟ وهل كل ما صدر عن النبي ﷺ يصلح أن يكون مصدرًا للتشريع أم لا؟ وللجواب على هذين السؤالين لا بد من الكلام عن أنواع السنة من حيث ماهيتها، أي: ذاتها، ثم الكلام عن أنواع السنة من حيث ورودها إلينا.
стр. 232
أولًا: أنواع السنة من حيث ماهيتها، السنة من حيث ماهيتها أي: ذاتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة تقريرية. أما السنة القولية: فهي أقوال الرسول ﷺ التي قالها في مناسبات مختلفة، وأغراض شتى، وهي التي يُطلق عليها اسم الحديث عادة؛ فإذا أطلق هذا الاسم الحديث تبادر إلى الفهم أن المقصود به السنة القولية.
فالسنة بهذا الاعتبار مرادفة للفظ الحديث، ويكون الحديث أخص من السنة بمعناها العام، ومع هذا فإن بعض العلماء يجعل معنى الحديث ما أُثر عن النبي ﷺ أي: نسب إليه من قول أو فعل أو تقرير، وبهذا المعنى يكون لفظ الحديث مرادفًا للفظ السنة بمعناها العام، وبهذا الاعتبار سمى الإمام البخاري كتابه الشهير بالصحيح من الحديث، مع أنه اشتمل على ما نُسب إلى النبي ﷺ من أقوال وأفعال وتقريرات.
والسنة القولية كثيرة جدًّا: "العمد قود"، "لا ضرر ولا ضرار"، "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، وأقوال النبي ﷺ إنما تكون مصدرًا للتشريع إذا كان المقصود بها بيان الأحكام أو تشريعها، أما إذا كانت الأقوال في أمور دنيوية بحتة لا علاقة لها بالتشريع ولا مبنية على الوحي؛ فلا تكون دليلًا من أدلة الأحكام، ولا مصدرًا تستنبط منه الأحكام الشرعية، ولا يلزم اتباعها ومن ذلك ما هو مشهور أن النبي ﷺ رأى قومًا في المدينة يؤبّرون النخل فأشار عليهم بتركه، ترك التأبير والتلقيح؛ ففسد الثمر ولم يؤت أكله، فقال لهم: أبروا، "أنتم أعلم بأمور دنياكم". فإشارته عليهم بترك التأبير كان مجرد رأي دنيوي لم يكن من عند الله فلما لم يؤت النخل أكله قال لهم: "أبروا أنتم أعلم بأمور دنياكم". إذن أقواله ﷺ إنما تكون مصدرًا
стр. 233
للتشريع إذا كان المقصود بها بيان الأحكام أو تشريعها، أما إذا كانت الأقوال في أمور دنيوية بحتة فلا علاقة لها بالتشريع.
أما السنة الفعلية: فهي ما فعله ﷺ كأداء الصلاة بهيئاتها وأركانها، وكقضائه بشاهد واحد مع يمين المدعي ونحو ذلك، وأفعاله ﷺ كأقواله منها ما يكون مصدرًا للتشريع، ومنها ما لا يكون:
أولًا: الأفعال التي تصدر عن النبي ﷺ بحسب الطبيعة البشرية، وبصفته الإنسانية كالأكل والشرب والمشي، والقعود، ونحو ذلك؛ فهذه لا تدخل في باب التشريع إلا على اعتبار إباحتها في حق المكلفين، فلا تجب متابعة الرسول ﷺ في طريقة مباشرته لها، وإن كان بعض الصحابة يحرص على هذه المتابعة كعبد الله بن عمر، وهذه المتابعة له ﵊ في أفعاله في الأكل والشرب والمشي والقعود أمر حسن، لكن مما ينبغي التنبيه عليه أنه قد ورد عن النبي ﷺ في الشرب وفي المشي وفي القعود بعض الأوامر، وبعض النواهي. فحينئذ يكون ما أمر به من هيئات الشرب، وهيئات القعود يكون ما أمر به واجبًا، وما نهى عنه محرمًا.
قال: ويُلحق بهذا النوع في عدم اعتباره مصدرًا للتشريع ما صدر عنه بمقتضى خبراته الإنسانية في الأمور الدنيوية مثل: تنظيم الجيوش والقيام بما يقتضيه تدبير الحرب وشئون التجارة ونحو ذلك، فهذه الأفعال لا تعتبر تشريعًا للأمة؛ لأن مبناها التجربة لا الوحي، والرسول ﷺ لم يلزم المسلمين بها، ولم يعتبرها من قبيل تشريع الأحكام، ولذلك كان في بعض الغزوات يستشير أصحابه، ويأخذ بآرائهم. ويلحق بهذا النوع أيضًا في عدم اعتباره مصدر للتشريع إثبات وقائع الدعوى التي ينظر فيها؛ لأن ذلك أمر تقديري له وليس تشريعًا للأمة، أما حكمه على فرض ثبوت وقائع الدعوى فهو تشريع للأمة، ولهذا قال ﷺ :
стр. 234
((إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع قطعة من النار)). ومعنى أن يكون بعضكم ألحن بحجته من بعض أي: أقوم بها منه وأقدر عليها.
ثانيًا: ما ثبت كونه من خواصه ﷺ فهو له وحده لا تشاركه الأمة فيه، كاختصاصه بالوصال في الصوم، فقد كان يواصل لليومين والثلاثة لا يفطر بينهما، فلما أرادوا أن يواصلوا اقتداء بفعله قال: ((إنكم لستم كهيئتي))، وكالزيادة في النكاح على أربع، وغير ذلك، فهذه الأمور خاصة به ﷺ ولا يصح متابعته عليها.
ثالثًا: ما عُرف أن فعله ﷺ بيان لنص مجمل جاء في القرآن، فبيان تشريع الأمة ويثبت الحكم في حقنا، ويكون حكم الفعل الذي صدر منه في هذه الحالة كحكم النص الذي بيّنه الفعل من الوجوب والندب وغيرهما، ويكون الفعل بيانًا للمجمل إما بصريح المقال، أو بقرائن الأحوال، فمن الأول قوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فأمر بالاقتداء به في فعله في الصلاة وفي الحج قال: ((خذوا عني مناسككم))، فأداؤه الصلاة بيان للصلاة التي أمر الله بها على وجه الإجمال في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (النور: ٥٦)، وأداؤه ﷺ لمناسك الحج بيان للحج المفروض علينا بقول ربنا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ٩٧).
أما قرائن الحال الدالة على البيان فمثل أمره بقطعه يد السارق من الكوع، فهذا الفعل بيان للمراد من قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: ٣٨)؛ لأن لفظ اليد في القرآن مجمل، فاليد تُطلق على ما بين رءوس
стр. 235
الأصابع إلى الكوع، وتطلق من الكوع إلى المرفق، وتطلق على اليد كلها إلى المنكب ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: ٣٨) من أين نقطع؟ قطع ﷺ يد السارق إلى كوع فدلّ على أن هذا هو المعتبر.
رابعًا: ما فعله ﷺ ابتداء وعرفت صفته الشرعية من وجوب وندب وإباحة، فإنه تشريع للأمة، فيثبت حكم ما فعله في حق المكلفين لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١).
خامسًا: ما فعله ﷺ ولم تُعرف صفته الشرعية، ولكن عرف أن في الفعل قصد القربة كقيامه ببعض العبادات دون مواظبة عليها، فإن الفعل يكون مستحبًّا في حق الأمة، أما إذا لم يعرف في الفعل قصد القربة؛ فإن الفعل يكون دالًّا على إباحته في حق الأمة كالمزارعة والبيع ونحو ذلك.
أما السنة التقريرية: فهي سكوته ﷺ على إنكار قول أو فعل صدر في حضرته، أو في غيبته، وعلم به، قال بعض الصحابة قولًا بحضرة النبي ﷺ فسكت عليه ولم ينكره، أو فعل فعلًا بحضرته فسكت عليه ولم ينكره، أو قال بعضهم أو فعل في غيابه وبلغه أنه قال وفعل فسكت ولم ينكره، فهذا السكوت منه ﷺ يدل على أن القول الصادر أو الفعل الصادر من الصحابة أو بعضهم ليس منكرًا ولا باطلًا؛ لأنه لا يجوز للرسول أن يسكت عن باطل أو منكر، فسكوته يدل على جواز الفعل والقول وإباحته.
ومن أمثلة هذا النوع من السنة سكوته ﷺ وعدم إنكاره للغلمان الذين كانوا يلعبون بالحراب في المسجد في يوم العيد، وكذلك سكوته ﷺ عن الجاريتين اللتين كانتا تغنيان بغناء بعاث في بيته يوم العيد أيضًا، ومثل السكوت في الدلالة على جواز الفعل استبشاره ﷺ به أو إظهار رضاه عنه أو الاستحسان له، بل إن هذا
стр. 236
الرضا والاستحسان أظهر في الدلالة على جواز الفعل من مجرد سكوته ﷺ .
ويلاحظ هنا أن إباحة الفعل المستفادة من سكوت النبي ﷺ لا تعني أن الفعل لا يكون إلا جائزًا فقط، فقد يكون الفعل واجبًا بدليل آخر وعلى هذا فمجرد سكوت النبي ﷺ لا يفيد أكثر من إباحة الفعل، وقد يستفيد الفعل صفة الوجوب أو الندب من دليل آخر، هذه هي أقسام السنة من حيث ماهيتها أي: ذاتها تنقسم إلى سنة قولية وفعلية وتقريرية.
أقسام السنة من حيث ورودها إلينا
أما أنواع السنة من حيث ورودها إلينا أي: من حيث روايتها وهو ما يُعبَّر عنه بسند السنة، فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: سنة متواترة وسنة مشهورة وسنة آحاد، وهذا التقسيم عند الحنفية متواترة ومشهورة وآحاد، أما جمهور العلماء أو المحدثين؛ فالسنة عندهم قسمان: متواترة وآحاد؛ لأن المشهورة عند الجمهور هي من نوع الآحاد ولا يجعلونها قسمًا قائمًا بنفسه كما يفعل الحنفية.
أولًا: السنة متواترة: ويمكن تعريفها بأنها التي رواها جمع كثير تُحيل العادة تواطؤهم على الكذب، أو وقوعه منهم من غير قصد التواطؤ عن جمع مثلهم، حتى يصل المنقول إلى النبي ﷺ ، ويكون مستند علمهم بالأمر المنقول عنه ﷺ المشاهدة أو السماع.
وهذا التعريف قد تضمن شروط التواتر.
متى يكون الخبر متواترًا؟
стр. 237
شروط التواتر هي: أن يكون الرواة للسنة جمعًا كثيرًا يمتنع تواطؤهم على الكذب أو وقوعه منهم من دون قصد حسب العادة، ولا يشترط للتواتر عدد معين، بل يعتبر ما يفيد العلم على حسب العادة في سكون النفس إليهم -أي: إلى الرواة- وعدم تأتّي التواطؤ على الكذب منهم، إما لفرط كثرتهم، وإما لصلاحهم ودينهم، ونحو ذلك، كما لا يشترط لتحقق التواتر أن يجمع الناس أو أن يُجمع الناس كلهم على التصديق به، بل ضابطه حصول العلم الضروري به، فإذا حصل ذلك؛ علمنا أنه متواتر وإلا فلا.
الشرط الثاني: أن يكون الرواة في كل طبقة من طبقات الرواية بهذا الوصف الذي ذكرناه في الشرط الأول.
الشرط الثالث: أن يكون مستند علم الرواة مستفادًا عن طريق المشاهدة أو السماع، ويترتب على هذا الشرط أمران:
الأول: إذا لم يكن الرواة عالمين بالمخبر به بأن كانوا ظانين؛ فإن الشرط لا يتحقق وبالتالي لا يتحقق التواتر.
والثاني: إذا كان علم الرواة مستندًا إلى أمر عقلي غير محسوس؛ فلا يتحقق التواتر، فإذا تحققت شروط التواتر أفاد الخبر اليقين، والعلم الضروري وهو الذي يُضطر إليه الإنسان؛ بحيث لا يمكن دفعه لأن الثابت بالتواتر كالثابت بالمعاينة، الخبر إذا بلغك عن طريق التواتر كأنك أنت الذي رأيت وكأنك أنت الذي سمعت، وعلى هذا فالسنة المتواترة مقطوع بصحة نسبتها إلى الرسول ﷺ دون أي شك، فتكون دليلًا من أدلة الأحكام، ومصدرًا تشريعيًّا لها بلا خلاف بين المسلمين.
стр. 238
والسنة المتواترة قد تكون قولية وقد تكون فعلية، والقولية المتواترة قليلة، والفعلية كثيرة، أما السنة المتواترة القولية؛ فهي نوعان: لفظي ومعنوي، فالنوع الأول: ما تواتر لفظه كقوله ﵊: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار))، فهذا بلفظه نقل إلينا بالتواتر كل من رواه رواه بهذا اللفظ. وأما التواتر المعنوي: فهو ما تواتر المعنى المشترك فيه دون تواتر لفظه يعني: اتفق الرواة على المعنى واختلفت ألفاظهم، فيكون هذا المتواتر متواترًا معنويًّا، ولا يلزم هذا النوع أن يكون أصحاب كل رواية على حدة قد بلغوا حد التواتر، ولكن المعنى المشترك يشترط فيه بلوغ حد التواتر باعتبار مجموع الروايات.
ومثال هذا النوع: كون الأعمال مبناها النية، وأن اعتبار الأعمال بالنية، فهذا المعنى رُوي عن النبي ﷺ بصورة متواترة، إذ وردت به أخبار كثيرة تبلغ حد التواتر في دلالتها على هذا المعنى، وإن كان كل خبر لم يبلغ بنفسه حد التواتر، فمن هذا الأخبار المروية عنه ﷺ ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))، هذا لفظ يدل على أن الأعمال مبناها على النية، لفظ تان ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو سبيل الله)) لفظ ثالث ((رُبَّ قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته)) هذه الأخبار الكثيرة دلت على أن اعتبار العمل إنما يكون بالنية، فهذا المعنى تواتر عن النبي ﷺ ؛ إذ جاء في أخبار كثيرة، وإن اختلفت الألفاظ وتنوعت القضايا.
أما السنة المشهورة على مذهب الأحناف فهي التي رواها عن النبي ﷺ واحد أو اثنان أي: عدد لم يبلغ حد التواتر، ثم تواترت في عصر التابعين، وعصر تابعيهم بأن كان رواتها جموعًا لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، فالسنة المشهورة إذن هي التي كانت في الأصل من سنن الآحاد؛ أي: ما نقلها عن النبي ﷺ عددٌ دون عدد
стр. 239
التواتر، ثم اشتهرت، وتواترت في القرن الثاني والثالث، وهما عصرا التابعين وتابعي التابعين.
ومن هذا التعريف يتضح لنا بجلاء أن السنة المشهورة غير مقطوع بصحة نسبتها إلى الرسول ﷺ ، ولكنها مقطوع بصحة نسبتها إلى الراوي لها عن الرسول ﷺ ، ولهذا قال الحنفية عنها: أنها تفيد ظنًّا قويًّا كأنه اليقين، وهو يسمى بعلم الطمأنينة بصحة نسبتها إلى الرسول ﷺ ، وهي بمنزلة السنة المتواترة عند الحنفية من جهة لزوم العمل بها، وجعلها مصدرًا تشريعيًّا، ودليلًا من أدلة الأحكام ومن هذا النوع حديث: ((إنما الأعمال بالنيات))، وحديث تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها.
أما سنة الآحاد: فهي ما رواها عن النبي ﷺ عدد لم يبلغ حد التواتر؛ وذلك في عصر التابعين وتابعيهم فهي ما ليست سنة متواترة ولا مشهورة على قول الأحناف، أو ما ليست متواترة على قول الجمهور، فالسنة عند الجمهور -كما ذكرنا- متواترة وآحاد، وعند الأحناف فصلوا بين المشهور والآحاد، وسنة الآحاد عند الجمهور تفيد الظن الراجح بصحة نسبتها إلى الرسول ﷺ ، وتفيد العلم لا الظن عند الظاهرية وبعض أهل الحديث.
ولكن؛ هل تعتبر سنة الآحاد مصدرًا من مصادر التشريع؟
الجواب: لا خلاف بين المسلمين أن سنة الآحاد حجة على المسلمين في وجوب العمل بها، والتقيد بأحكامها، وجعلها دليلًا من أدلة الأحكام، والبرهان على ذلك من وجوه عديدة نذكر منها: يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) والطائفة في اللغة تطلق على الواحد، فلولا أن خبر الواحد حُجة في العمل لما كان لإنذار من يتفقه في الدين فائدة.
стр. 240
ثانيًا: تواتر عن الرسول ﷺ إرسال أمرائه وقضاته ورسله وسُعاته إلى الآفاق، وهم آحاد، ولا يرسلهم إلا لقبض الصدقات، وحل العهود وتقريرها، وتبليغ أحكام الشرع، وكان ﷺ يلزم أهل النواحي قبول قول من يرسلهم إليهم، ولو لم يكن خبر الواحد حجة لما أمرهم بذلك.
ثالثًا: إنّ العامي بالإجماع مأمور باتباع المفتي وتصديقه مع أنه ربما يُخبر عن ظنه، فالذي يُخبر بالسماع عن النبي ﷺ الذي لا يشك فيه أولى بالتصديق والقبول والعمل بموجب خبره.
رابعًا: إننا مأمورون بالحكم بشهادة اثنين مع أنّ هذه الشهادة تحتمل الكذب، فلو كان العمل بها لا يجوز إلا بانتفاء احتمال الكذب بصورة قاطعة لما عملنا بها، فإذا وجب العمل بالشهادة مع احتمالها الكذب، فلأن يجب العمل برواية الآحاد عنه ﷺ أولى.
خامسًا: إجماع الصحابة في حوادث لا تُحصى على قبول خبر الواحد والعمل به، فأبو بكر مثلًا أعطى الجدة السدس؛ لورود الخبر بذلك، وعمر بن الخطاب ورَّث المرأة من دية زوجها لورود السنة بذلك وهي سنة آحاد، وأخذ الجزية من المجوس بسنة آحاد أيضًا، وهكذا فعل الصحابة الآخرون فيما بلغهم من أخبار الآحاد.
ولكن، ما هي شروط العمل بسنة الآحاد؟
الجواب: أجمع المسلمون على أن سنة الآحاد حجة على الجميع يلزم اتباعها، وأنها من مصادر التشريع، إلا أنهم اختلفوا في الشروط اللازمة لذلك أي: في شروط وجوب العمل بها، واستنباط الأحكام منها، ويمكن رد اختلافهم إلى قولين:
стр. 241
القول الأول: إن السنة التي رواها العدل الثقات بأن توافر في الراوي شروط قبول روايته حسبما يشترط أصحاب هذا القول، على اختلاف فيما بينهم في هذه الشروط، واتصل سند الرواية بالرسول ﷺ ، ففي هذه الحالة يجب العمل بهذه السنة واستنباط الأحكام منها، وعدها مصدرًا للتشريع، وهذا قول الحنابلة والشافعية والظاهرية والجعفرية، وبعض الفقهاء من المذاهب الأخرى، أما إذا لم يتصل السند بأن سقط من سلسلة الرواة الصحابي الذي روى الخبر عن الرسول ﷺ وهو المُسمى بالحديث المرسل؛ فقد اختلف أصحاب هذا القول في وجوب العمل به، فعند الظاهرية لا يكون حجة ولا يجب العمل به، ومذهب الشافعي الأخذ به بشروط منها: أن يكون من مراسيل كبار التابعين كابن المسيب، وأن يسند من جهة أخرى، أو يوافق قول الصحابي، أو يفتي بمقتضاه أكثر العلماء.
ومذهب أحمد بن حنبل الأخذ بالمرسل والعمل به إذا لم يكن في الباب حديث متصل السند، فعند الإمام أحمد الحديث الضعيف أحسن من الأخذ بالرأي.
القول الثاني: وأصحابه لم يكتفوا بكون الرواة عدولًا ثقاة، وإنما اشترطوا شروطًا أخرى لا تتعلق بسند الرواية، وإنما تتعلق بأمور أخرى حتى يترجح عندهم جانب صحة الحديث، ونسبته إلى الرسول ﷺ وأصحاب هذا القول هم المالكية والحنفية، ونذكر فيما يلي بإيجاز شديد أهم شروطهم.
أولًا: شروط المالكية لقبول سنة الآحاد: اشترط المالكية لقبول خبر الآحاد عدم مخالفته لعمل أهل المدينة، والحجة في ذلك عندهم أن عمل أهل المدينة بمثابة السنة المتواترة؛ لأنهم ورثوا العمل عن أسلافهم عن الرسول ﷺ فكأن عملهم بمنزلة الرواية والسنة المتواترة، والمتواتر يتقدم على خبر الآحاد، وعلى هذا الأساس لم يأخذ الإمام مالك بحديث: ((المتبايعان بالخيار حتى يتفرقا))،
стр. 242
فقد قال مالك عن هذا الحديث: ليس لهذا عندنا -يعني: عند أهل المدينة- حد معروف ولا أمرٌ معمول به.
كما اشترطوا ألا يُخالف خبر الآحاد الأصول الثابتة، والقواعد المرعية في الشريعة وعلى، هذا الأساس لم يأخذوا بخبر المصرَّاة، وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تصرّوا الإبل والغنم)) ومعناه: ترك اللبن في الضرع عند إرادة البيع، فيُخدع المشتري حين يرى الضرع مليئًا، ويظن أن هذه هي عادة البهيمة، وإذا به بعد حلبها تعود إلى عادتها وينقص لبنها، فقال ﵊: ((لا تصروا الإبل والغنم ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها)) إذا اشتراها مصراة ثم حلبها فوجد الفرق فهو بخير النظرين إن شاء أمسك وأمضى البيع، وإن شاء ردَّها على صاحبها بائعها وصاعًا من تمر الصاع من تمر مقابل اللبن الذي أخذه.
فرد المالكية هذا لأن هذا الخبر في نظرهم قد خالف أصل الخراج بالضمان، وأصل أن متلف الشيء إنما يغرم مثله إن كان مثليًّا وقيمته إن كان قيميًّا، فلا يضمن في إتلاف المثل جنسًا غيره من طعام أو عروض، وكذلك لم يأخذوا بخبر إكفاء القدور التي طبخت من الإبل والغنم، قبل قسمة الغنائم بحجة مخالفة الأصل رفع الحرج والمصلحة المرسلة، فقد كان يكفي أن يقال لهم: إن ما صدر عنكم لا يجوز، ثم يؤذن لهم بالأكل منها، فإتلاف المطبوخ إفساد منافي المصلحة مما يدل على عدم صحة الخبر. هذه الشروط التي اشترطها المالكية للعمل بسنة الآحاد.
أما الحنفية فقد اشترطوا لقبول سنة الآحاد ألا تكون السنة متعلقة بما يكثر وقوعه؛ لأن ما يكثر وقوعه لا بد أن ينقل عن طريق التواتر أو الشهرة؛ لتوافر الدواعي للنقل، فإذا لم ينقل على هذا الوجه ونقل عن طريق الآحاد؛ دلّ ذلك
стр. 243
على عدم صحة السنة، ومثال ذلك رفع اليدين في الصلاة؛ فإنه جاء عن طريق الآحاد مع عموم الحاجة إليه لتكرار الصلاة في كل يوم فلا يقبل.
ثانيًا: ألا تكون السنة مخالفة للقياس الصحيح وللأصول والقواعد الثابتة في الشريعة، وهذا إذا كان الراوي غير فقيه؛ لأنه إذا كان كذلك فقد يروي السنة بالمعنى لا باللفظ، وهو أمر كثير الوقوع؛ فيفوته شيء من معاني الحديث لا يتفطن له، فلا بد من الاحتياط ألا يقبل الحديث في هذه الحالة إذا كان مخالفًا للأصول العامة، ومقتضى القياس الصحيح.
على هذا الأساس لم يأخذ الحنفية أيضًا بحديث المصراة كما فعل الإمام مالك؛ لأن راوي الحديث وهو أبو هريرة عندهم غير فقيه، كما أن هذا الحديث خالف الأصول والقواعد المقررة كقاعدة الخراج بالضمان التي جاءت بالسنة، وهذه القاعدة تقتضي بأن غلة العين تكون ملكًا لمن يكون عليه الضمان عند هلاك العين، وعلى هذا يجب أن يكون اللبن للمشتري؛ لأن العين في ضمانه كما أن هذا حديث خالف قاعدة الضمان القاضية بأن الضمان يكون بالمثل إذا كان المتلف مثليًّا.
ثالثًا: اشترط الأحناف لقبول سنة الآحاد ألا يعمل الراوي بخلاف الحديث الذي رواه، لأن عمله يدل على نسخه أو تركه لدليل آخر، أو أن معناه غير مراد على الوجه الذي روي فيه، ويمثلون لذلك بحديث: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعًا، إحداهن بالتراب))، فإنهم لم يأخذوا به؛ لأن راوي الحديث كان يغسل الإناء ثلاثًا إذا ولغ فيه الكلب ولا يغسله سبعًا فردوا الحديث لترك الراوي العمل به.
والقول الراجح في مسألة قبول خبر الآحاد، نقول فيه: مع تسليمنا بأن الحنفية والمالكية ما اشترطوا هذه الشروط إلا ليطمئنوا على صحة السنة ونسبتها إلى الرسول ﷺ فإن
стр. 244
قولهم مرجوح صحيح أنهم أرادوا أن يحتاطوا للسنة إلا أن قولهم مرجوح، وقول غيرهم هو الراجح؛ لأن السنة متى صحت روايتها بأن رواها العدول الثقات الضابطون لزم اتباعها والأخذ بها واستنباط الأحكام منها، سواء وافقت عمل أهل المدينة أم خالفته، وسواء اتفقت مع الأصول المقررة ومقتضى القياس أم لم تتفق، وسواء عمل بها راويها أو لم يعمل، وسواء كانت في أمر يكثر وقوعه أو يقل؛ لأن أهل المدينة جزء من الأمة لا كلها، والعبرة بما يرويه الراوي لا بما يعمل به؛ إذ ربما يعمل بخلاف ما روى خطأ أو نسيانًا أو تأويلًا. فهو بشر غير معصوم.
وكون الأمر الذي جاءت به السنة كثير الوقوع لا تأثير له في قبول أو رد أخبار الآحاد؛ لأن الحاجة لمعرفة حكم ما يقل وقوعه كالحاجة لمعرفة حكم ما يكثر وقوعه، وكلاهما قد ينقله الآحاد فضلًا عن أن الكثرة أو القلة لا ضابط لها في هذا الباب.
أما التشبث بمخالفة سنة الآحاد للأصول فغير مقنع، لأن السنة هي التي تؤصّل الأصول، فإذا جاءت بحكم يخالف الأصول الثابتة فإنها تعتبر أصلًا قائمًا بنفسه يعمل في دائرته، كما في السلم "بيع السلم" مع أنه بيع معدوم والاستقراء دلَّ على أن المردود من سنة الآحاد الصحيحة السند بحجة المخالفة للأصول إنه في الحقيقة موافق للأصول لا مخالف لها، فحديث المصراة الذي ردّوه بحجة المخالفة للأصول غير مخالف للأصول التي قالوها، فقاعدة الخراج بالضمان لا تعمل هنا؛ لأن اللبن المصَّرى لم يحدث بعد الشراء، وإنما كان قبله، فليس هو من قبيل الغلة التي تحدث عند المشتري حتى يستحقه، وقاعدة الضمان لا تعمل هنا
стр. 245
أيضًا؛ لتعذّر معرفة مقدار اللبن الحادث عند المشتري لاختلاطه باللبن الذي كان قبل الشراء، فلا يمكن الضمان بالمثل، وإنما صار الرد بصاع من تمر؛ لأن التمر أقرب المثليات إلى اللبن بجمع أن كلًّا منهما مكيل ومطعوم ومقتات، فأين المخالفة للقياس والأصول.
أما التشبث بعدم فقه الراوي؛ فقول غير مستساغ، لأن رواة السنة عندهم من الفقه لملازمتهم للرسول ﷺ ما يكفي للاطمئنان بصحة نقلهم، وأنه لم يفتهم شيء من معناه؛ فضلًا عن معرفتهم بأساليب العربية وبيانها، وعلى هذا فقول الجمهور في قبول سنة الآحاد هو الراجح، فكل سنة صحت بأن رواها الثقات الضابطون وجب المصير إليها وعدم الالتفات إلى ما خالفها، ومن خالفها كائنًا من كان؛ لأن الله تعبدنا باتباع سنة نبيه ﷺ ، ولا سبيل للوصول إليها إلا عن طريق الرواة، فإذا ثبت عندنا ضبطهم وعدالتهم، أو ترجح ذلك كان دليلًا على صحة نسبتها للرسول ﷺ إما على سبيل العلم القاطع أو الظن الراجح، وكلاهما يوجبان العمل بها شرعًا.
إذا تبين ذلك وعرفنا أن السنة بقسميها المتواترة والآحاد حجة في العقائد والأحكام نقول: ما هي الأحكام التي جاءت بها السنة؟
الأحكام التي جاءت بها السنة أنواع:
النوع الأول: أحكام موافقة لأحكام القرآن ومؤكدة لها، ومن هذا النوع النهي عن عقوق الوالدين، وعن شهادة الزور، وقتل النفس، فالقرآن نهى عن عقوق الوالدين، والنبي ﷺ نهى عن عقوقهما، القرآن عن شهادة الزور، والنبي ﷺ نهى عنها، وهكذا.
стр. 246
النوع الثاني: مبينة لمعاني القرآن ومفصلة لمجمله، ومن ذلك السنة التي بينت مناسك الحج، ونصاب الزكاة ومقدارها، ومقدار ما يقطع فيه السارق، ونحو ذلك مما سبقت الإشارة إليه.
النوع الثالث: قد تأتي السنة بأحكام مقيدة لمطلق القرآن أو مخصصة لعامه.
النوع الرابع: حُكم سكت عنه القرآن وجاءت به السنة؛ لأن السنة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في هذا الباب يدل على ذلك قول النبي، ﷺ : ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)) أي: أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن، ولذلك قال ﷺ : ((ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله)).
ومن الأنواع التي بين النبي ﵊ ولم تأت في القرآن تحريم الحمر الأهلية، وتحريم أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، والحكم بشاهد ويمين، وجواز الرهن في الحضر، ووجوب الدية على العاقلة، وميراث الجدة ونحو ذلك.
ما هي دلالة السنة على الأحكام؟ عرفنا أن السنة من حيث ورودها قد تكون قطعية وقد تكون ظنية أما من جهة دلالتها على الأحكام؛ فقد تكون ظنية أو قطعية، فهي كالقرآن من هذه الجهة من حيث الدلالة على الأحكام، فتكون الدلالة ظنية إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى أي: يحتمل التأويل، فإذا لم يحتمل التأويل تكون الدلالة قطعية، فمن القطعية قوله ﷺ : ((في خمس من الإبل شاة)). فلفظ خمس يدل دلالة قطعية على معناه، ولا يحتمل غيره، فيثبت الحكم لمدلول هذا اللفظ، وهو وجوب إخراج شاة زكاة عن هذا المال.
ومن الظنية قوله ﵊: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) فهذا حديث يحتمل التأويل، فيجوز أن يحمل على أن الصلاة لا تكون صحيحة مجزية إلا بفاتحة
стр. 247
الكتاب، ويحتمل أن يكون المراد أن الصلاة الكاملة لا تكون إلا بفاتحة الكتاب ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال، وبالتأويل الأول نفي الصحة أخذ الجمهور، وبالتأويل الثاني نفي الكمال أخذ الأحناف، وقالوا بعدم وجوب قراءة "الفاتحة"، وتمسكوا بعموم قوله : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (المزمل: ٢٠).
لذلك كله وغيره تلقت الأمة السنة بالقبول، وأجمعت على أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع، وأنه لا غنى أبدًا للمسلمين عن السنة ولو بالقرآن، وأخبار أصحاب رسول الله ﷺ من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة والتابعين في ذلك كثيرة جدًّا، ومن ذلك قول خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق ﵁: "لست تاركًا شيئًا مما كان رسول الله ﷺ يعمله أن أزيغ" يعني: مخافة أن أزيغ وأضل.
ولذلك لما امتنع نفر من المسلمين عن أداء الزكاة إلى أبي بكر متأولين قول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (التوبة: ١٠٣) لما مات رسول الله ﷺ أشكل الأمر على نفر من المسلمين فامتنعوا عن أداء الزكاة قائلين: أمر الله رسوله بأخذها، وقد مات رسول الله ﷺ فلا يحق لأحد أن يأخذها بعده، فهمَّ أبو بكر ﵃ بقتالهم، فقال عمر مراجعًا فيما هم به من قتالهم كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله))؟ فقال أبو بكر ﵁: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها".
стр. 248
ومن ذلك قول أمير المؤمنين عمر ﵁ الذي طار في الآفاق واشتهر عند الجميع؛ عند العامة فضلًا عن الخاصة، حين أراد أن يُقبّل الحجر الأسود، قال: "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك". وعن عثمان بن عفان ﵁ أنه قعد على المقاعد -يعني: مقاعد الوضوء- فتوضأ ثم دعا بطعام ممن مسته النار فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة فصلى ثم قال: "قعدت مقعد رسول الله ﷺ وأكلت طعام رسول الله ﷺ ، وصليت صلاة رسول الله ﷺ ".
وعن علي ﵁ قال: كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهر القدمين.
وعنه ﵁ أنه قال في القيام للجنازة: قام رسول الله ﷺ فقمنا وقعد فقعدنا، يعني: أن الأمر بالقيام للجنازة عند مرورها منسوخ، وقد قمنا حين قام، وقعدنا لما قعد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 249
الدرس: ١٤ الثقافة التي يحتاج إليها الداعية .
стр. 250
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
(الثقافة التي يحتاج إليها الداعية)
الثقافة الدينية
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد:
إن أول ما يلزم الداعية المسلم من عُدّة فكرية أن يتسلح بثقافة دينية ثابتة الأصول، باثقة الفروع، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ونعني هنا بالثقافة الدينية الثقافة التي محورها دين الإسلام، مصادره وأصوله وعلومه المتعلقة به المنبثقة عنه، وهذا أمر منطقي فإن الداعية الذي يدعو إلى الإسلام لا بد أن يعرف ما الإسلام الذي يدعو الناس إليه، ولا بد أن تكون هذه المعرفة معرفة يقينية عميقة لا سطحية مضطربة، ولهذا كان لا بد أن يستمد هذه المعرفة عن الإسلام من مصادره الأصلية، ومن ينابيعه المصفّاة، بعيدًا عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
وبهذا يكون الداعية على بينة من ربه، وتكون دعوته على بصيرة، كما عرض الله لرسول ﷺ ومن تبعه واهتدى بهداه قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨) لا بد للداعية إذًا أن يقف على أرض صُلبة من دراسة العلوم الإسلامية دراسة وعي وهضم وتذوق، ثم يُخرج منها شرابًا مختلفًا ألوانه فيه شفاء للناس.
ومما لا شك فيه: أن المصدر الأول للإسلام هو القرآن الكريم؛ فهو إذًا المصدر الأول للثقافة الإسلامية، فكل تعاليم الإسلام يجب أن ترجع في أصولها إلى القرآن؛ سواء في ذلك العقائد والمفاهيم، والقيم والموازين والعبادات والشعائر والأخلاق والآداب والقوانين والشرائع، كل هذه قد وضع القرآن الكريم أسسها، وأرسى دعائمها وجاءت السنة فبينت وفصلت، وأقامت عليها بنيانًا شامخ لا تنال منه الليالي والأيام.
следующие страницы →