Полный текст (394 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
النوع الثاني: مبينة لمعاني القرآن ومفصلة لمجمله، ومن ذلك السنة التي بينت مناسك الحج، ونصاب الزكاة ومقدارها، ومقدار ما يقطع فيه السارق، ونحو ذلك مما سبقت الإشارة إليه.
النوع الثالث: قد تأتي السنة بأحكام مقيدة لمطلق القرآن أو مخصصة لعامه.
النوع الرابع: حُكم سكت عنه القرآن وجاءت به السنة؛ لأن السنة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في هذا الباب يدل على ذلك قول النبي، ﷺ : ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)) أي: أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن، ولذلك قال ﷺ : ((ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله)).
ومن الأنواع التي بين النبي ﵊ ولم تأت في القرآن تحريم الحمر الأهلية، وتحريم أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، والحكم بشاهد ويمين، وجواز الرهن في الحضر، ووجوب الدية على العاقلة، وميراث الجدة ونحو ذلك.
ما هي دلالة السنة على الأحكام؟ عرفنا أن السنة من حيث ورودها قد تكون قطعية وقد تكون ظنية أما من جهة دلالتها على الأحكام؛ فقد تكون ظنية أو قطعية، فهي كالقرآن من هذه الجهة من حيث الدلالة على الأحكام، فتكون الدلالة ظنية إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى أي: يحتمل التأويل، فإذا لم يحتمل التأويل تكون الدلالة قطعية، فمن القطعية قوله ﷺ : ((في خمس من الإبل شاة)). فلفظ خمس يدل دلالة قطعية على معناه، ولا يحتمل غيره، فيثبت الحكم لمدلول هذا اللفظ، وهو وجوب إخراج شاة زكاة عن هذا المال.
ومن الظنية قوله ﵊: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) فهذا حديث يحتمل التأويل، فيجوز أن يحمل على أن الصلاة لا تكون صحيحة مجزية إلا بفاتحة
стр. 247
الكتاب، ويحتمل أن يكون المراد أن الصلاة الكاملة لا تكون إلا بفاتحة الكتاب ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال، وبالتأويل الأول نفي الصحة أخذ الجمهور، وبالتأويل الثاني نفي الكمال أخذ الأحناف، وقالوا بعدم وجوب قراءة "الفاتحة"، وتمسكوا بعموم قوله : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (المزمل: ٢٠).
لذلك كله وغيره تلقت الأمة السنة بالقبول، وأجمعت على أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع، وأنه لا غنى أبدًا للمسلمين عن السنة ولو بالقرآن، وأخبار أصحاب رسول الله ﷺ من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة والتابعين في ذلك كثيرة جدًّا، ومن ذلك قول خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق ﵁: "لست تاركًا شيئًا مما كان رسول الله ﷺ يعمله أن أزيغ" يعني: مخافة أن أزيغ وأضل.
ولذلك لما امتنع نفر من المسلمين عن أداء الزكاة إلى أبي بكر متأولين قول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (التوبة: ١٠٣) لما مات رسول الله ﷺ أشكل الأمر على نفر من المسلمين فامتنعوا عن أداء الزكاة قائلين: أمر الله رسوله بأخذها، وقد مات رسول الله ﷺ فلا يحق لأحد أن يأخذها بعده، فهمَّ أبو بكر ﵃ بقتالهم، فقال عمر مراجعًا فيما هم به من قتالهم كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله))؟ فقال أبو بكر ﵁: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها".
стр. 248
ومن ذلك قول أمير المؤمنين عمر ﵁ الذي طار في الآفاق واشتهر عند الجميع؛ عند العامة فضلًا عن الخاصة، حين أراد أن يُقبّل الحجر الأسود، قال: "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك". وعن عثمان بن عفان ﵁ أنه قعد على المقاعد -يعني: مقاعد الوضوء- فتوضأ ثم دعا بطعام ممن مسته النار فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة فصلى ثم قال: "قعدت مقعد رسول الله ﷺ وأكلت طعام رسول الله ﷺ ، وصليت صلاة رسول الله ﷺ ".
وعن علي ﵁ قال: كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهر القدمين.
وعنه ﵁ أنه قال في القيام للجنازة: قام رسول الله ﷺ فقمنا وقعد فقعدنا، يعني: أن الأمر بالقيام للجنازة عند مرورها منسوخ، وقد قمنا حين قام، وقعدنا لما قعد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 249
الدرس: ١٤ الثقافة التي يحتاج إليها الداعية .
стр. 250
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
(الثقافة التي يحتاج إليها الداعية)
الثقافة الدينية
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد:
إن أول ما يلزم الداعية المسلم من عُدّة فكرية أن يتسلح بثقافة دينية ثابتة الأصول، باثقة الفروع، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ونعني هنا بالثقافة الدينية الثقافة التي محورها دين الإسلام، مصادره وأصوله وعلومه المتعلقة به المنبثقة عنه، وهذا أمر منطقي فإن الداعية الذي يدعو إلى الإسلام لا بد أن يعرف ما الإسلام الذي يدعو الناس إليه، ولا بد أن تكون هذه المعرفة معرفة يقينية عميقة لا سطحية مضطربة، ولهذا كان لا بد أن يستمد هذه المعرفة عن الإسلام من مصادره الأصلية، ومن ينابيعه المصفّاة، بعيدًا عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
وبهذا يكون الداعية على بينة من ربه، وتكون دعوته على بصيرة، كما عرض الله لرسول ﷺ ومن تبعه واهتدى بهداه قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨) لا بد للداعية إذًا أن يقف على أرض صُلبة من دراسة العلوم الإسلامية دراسة وعي وهضم وتذوق، ثم يُخرج منها شرابًا مختلفًا ألوانه فيه شفاء للناس.
ومما لا شك فيه: أن المصدر الأول للإسلام هو القرآن الكريم؛ فهو إذًا المصدر الأول للثقافة الإسلامية، فكل تعاليم الإسلام يجب أن ترجع في أصولها إلى القرآن؛ سواء في ذلك العقائد والمفاهيم، والقيم والموازين والعبادات والشعائر والأخلاق والآداب والقوانين والشرائع، كل هذه قد وضع القرآن الكريم أسسها، وأرسى دعائمها وجاءت السنة فبينت وفصلت، وأقامت عليها بنيانًا شامخ لا تنال منه الليالي والأيام.
стр. 251
وقد حوى القرآن الكريم من حقائق الغيب وحقائق النفس وحقائق الحياة، وحقائق الاجتماع الإنساني، وبيَّن من سنن الله تعالى، ومن آياته في الأنفس والآفاق ما لا يستغنى بشر عن معرفته والاهتداء به، وقد صاغ ذلك كله في أسلوب معجز هو نور من الكلام أو كلام من النور، لا يوصف إلا بأنه ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير﴾ (هود: ١) وصفه منزله بأنه نور، والنور من طبيعته أن يضيء ويهدي قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (النساء: ١٧٤)، كما وصفه بأنه روح، والروح من طبيعتها أن يحرك ويحيي قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (الشورى: ٥٢).
ولهذا كان شأن المؤمنين المهتدين بالقرآن أن يُوصفوا بالحياة وبالنورانية معًا؛ لأنهم انتصروا على الموت وعلى الظلام جميعًا قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (الأنعام: ١٢٢)، فعلى الداعية أن يعنى كل العناية وأن يهتم كل الاهتمام بالقرآن الكريم حفظًا ودراسة، وترتيلًا ووعيًا، وفهمًا، وتعليمًا، ودعوة.
ينبغي للداعية أن يحفظ من القرآن الكريم قدر ما يستطيع بل يحسن للداعية أن يحفظ القرآن كله، ويستظهره متى تيسر له أسباب ذلك؛ ليكون أقدر على استحضاره والاستشهاد به في كل مناسبة ممكنة، فالقرآن ذخيرة لا تنفد، ومعين لا ينضب لامتداد الدعاة، ومن اللازم للحافظ وغير الحافظ دوام التلاوة لكتاب الله بخشوع وتأمل وتدبر، تنفتح معه أقفال القلوب وتنشرح الصدور لما جاء به من الحق، وتقتبس العقول منه أنور المعرفة، وتجتني ثمار الحقائق، ودوام هذه التلاوة مع التفهم والتدبر يجعل الداعية متمكنًا من استحضار الشواهد القرآنية التي يريد أن يؤيّد به فكرته، ويمنحها نسبة إلهية.
стр. 252
بل إن مما يلزم الداعية الموفق أن يُحسن تلاوة القرآن بإتقان وترتيل كما أمر الله، وأن يدرس من أحكام التجويد ما يصحح به قراءته حتى يتلوه بخشوع وتأثر وحزن، فإن وجد بكاء بكى، وإلا تباكى.
والقرآن الكريم له خصائصه؛ فينبغي لمن يريد أن يفهم القرآن أن يقرأه، وهو يعي خصائصه ومميزاته، ويدركها بعقله وقلبه، من أولى هذه الخصائص: أنه كلام الله تعالى خالصًا غير مشوب بأوهام البشر، ولا بأهواء البشر، ولا بتحريفات البشر، وانحرافات البشر، هو كله من الله مائة في المائة من ألفه إلى يائه، ليس لجبريل ﵇ منه إلا النقل، ولا لمحمد ﷺ منه إلا التلقي والحفظ، ثم التبليغ والبيان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: ٩٢ - ٩٥).
ومن خصائص القرآن التيسير، فهو كتاب يسر الله تعالى تلاوته، ويسر فهمه، ويسر العمل به لمن أراد، لا يكلف الإنسان شططًا، ولا يرهقه من أمره عسرًا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧)، قال بعض السلف: فهل من طالب علم فيُعان عليه، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (الدخان: ٥٨).
وكل هذا يوجب على الداعية أن يعرض القرآن سهل ميسر كما أنزله الله، ولا يضعه في إطار من الألغاز، والمعميات والتكلفات التي تُخرجه عن طبيعته المُيَسَّرة، والمُيَسِّرة كذلك، ومن خصائص القرآن أنه كتاب معجز أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يتحدى به المشركين من العرب أن يأتوا بحديث مثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة مثله، أو من مثله، فغلبوا وانقطعوا، وسجَّل القرآن عليهم ذلك في جلاء وصراحة
стр. 253
فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨).
ومن خصائص القرآن أنه كتاب الخُلود ليس كتاب جيل ولا كتاب عصر، ولا كتاب أجيال أو أعصار محدودة، بل هو الكتاب الخاتم للرسالة الخاتمة، ولهذا تكفَّل الله بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)، وقال ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فصلت: ٤٢)، ومن خصائص القرآن الشمول، فكما أنه كتاب الزمن كله فهو كتاب الدين كله، جمع أصول الهداية الإلهية، والتوجيه الرباني في العقائد والشعائر والآداب والأخلاق، كما جمع أصول التشريع الإلهي في العبادات والمعاملات، وشئون الأسرة وعلاقات المجتمع الصغير والكبير، المحلي والدولي حتى إن أطول آية في القرآن أُنزلت لتنظم شأنًا من شئون الحياة الاجتماعية، وهي كتابة الدين.
وإلى جانب هذا هو كتاب الإنسانية كلها، وكتاب الحياة كلها، ولهذا جعله الله للناس وللعالمين كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (البقرة: ١٨٥)، وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (يوسف: ١٠٤) فليس هو كتاب لجنس دون جنس، ولا لوطن دون وطن، ولا طائفة من الناس.
أودّ أن أنبه الداعية إلى عدة أمور: منها ضرورة العناية بالقصص القرآني وما اشتمل عليه من عبر وعظات وأسرار، وحكم بالغة، وعليه أن يعلم أن القرآن الكريم حين يقصّ القصص لا يهتَمُّ بذكر الأشخاص والبلدان، والتواريخ، ولا يهتم بالتفصيلات المملة؛ إنما يهتم برءوس العبر، ورسم ملامح الشخصيات التاريخية، واتجاهات الأحداث ونتائجها قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ
стр. 254
عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (يوسف: ١١١)، ولما سألوا النبي ﷺ عن ذي القرنين، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (الكهف: ٨٣) أي: لن أسرد الوقائع والأحداث سردًا، وإنما سأتلوا عليكم من هذه القصة ما فيه الذكر والعبرة والمنفعة والقصص في القرآن الكريم كثير جدًّا، وقد صنفت فيه مصنفات وألفت فيه مؤلفات.
كذلك على الداعية أن يعنى بالنماذج القرآنية التي تصور لنا الشخصية الإنسانية في مختلف المجالات والأحوال، كنموذج الغني الشاكر في شخصية سليمان بن داود ﵉، وكنموذج الحاكم أو الملك العادل في شخصية ذي القرنين ﵁، وكنموذج المبتلى الصابر الراضي بالقضاء في شخصية أيوب ﵇، وكنموذج الشاب المتعفف عن الحرام بالرغم من فتوته وجماله ونضرة شبابه وقوة الدواعي كيوسف ﵇، وكنموذج الشاب الممتثل لأمر الله وإن أودى بحياته كإسماعيل ﵇، وكنموذج الداعية صاحب الرسالة الذي يُحكم عليه بالسجن ظلمًا فلا ينسيه الظلم ولا تنسيه الظلمة السجن أن يقوم بواجب الدعوة إلى الله مع السجناء كشخصية يوسف ﵇.
نماذج كثيرة للشخصية الإنسانية امتلأ بها القرآن الكريم ينبغي للداعية أن يُعنى بها.
ومما ينبغي للداعية أن يتحرَّاه ويَحرص عليه ويُحكمه حسنُ الاستدلال بالقرآن وآياته على ما يريد تقريره، أو تثبيته بالأحكام، وتعاليم، وأفكار؛ فإنه إذا أحسن الاستدلال بالنص القرآني ووضعه في موضعه أزاح كل شبهة، وقطع كُل تعلة، وأخرص كل معارض، فلا دليل بعد القرآن ولا حديث بعد كلام الله ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٥٠) ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا﴾ (النساء: ١٢٢). كما يجب على الداعية أن يحضر ويحذر من
стр. 255
الانحراف والتحريف، وسوء التأويل لآيات الكتاب، وحملها على معان تُخرجها عما أرادها الله بها، وهذا نوع من التحريف الذي ذمَّ الله عليه أهل الكتاب، فقد حرفوا كتبهم لفظيًّا بالزيادة والنقصان، ومعنويًّا بسوء التأويل.
أما القرآن؛ فهو محفوظ بفضل الله في الصدور والمصاحف لا سبيل إلى تحريفه تحريفًا لفظيًّا، ولكن قد يدخل في تفسيره سوء التأويل وهو التحريف المعنوي، فليكن الداعية من ذلك على حذر، كما أن على الداعية أن يبتعد عن اتباع المتشابهات، وعليه بالمحكمات، فإن الله سبحانه ذمَّ الذين تركوا المحكمات واتبعوا المتشابهات قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: ٧).
معرفة علوم القرآن
ومما يلزم الداعية معرفته: علوم القرآن وهي بمثابة مدخل لا بد منه لدراسة القرآن ذاته، وقد أُلفت في علوم القرآن كتب جامعة قديمًا وحديثًا، فمن كتب القدماء (البرهان في علوم القرآن) للزركشي، و (الإتقان في علوم القرآن) للسيوطي، ومن الكتب الحديثة (مناهل العرفان في علوم القرآن) للزرقاني، و (مباحث في علوم القرآن) للدكتور صبحي الصالح، والشيخ مناع القطان، وكثير غيرها مما أُلّف لطلاب الكليات الإسلامية، كما أُلفت كتب قديمة وحديثة في بعض أنواع من علوم القرآن مثل الكتب التي تبحث في إعجاز القرآن وما يتعلق بالتفسير، مثل رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية في أصول التفسير، ونحو ذلك.
стр. 256
ولا ريب أن أهم علوم القرآن هو التفسير الذي يُعين على فهم المراد من كلام الله تعالى بقدر الطاقة البشرية، وقد دُوّن في تفسير القرآن مئات ومئات من الكتب منها ما فُقد ومنها ما لم يُفقد، وهذا الذي بقي منه ما طُبع ومنه ما يزال مخطوطًا، ولا يحسن للداعية أن يكتفي بكتاب واحد منها، ويهمل سائرها؛ فإن لكل منها مزية لا توجد غالبًا عند غيره، فالأولى أن ينهل الداعية منها كلها ما استطاع، وأن يقتبس من كل كتاب خير ما فيه، ولُبّ ما يتميز به، وأن يحترز مما فيه من أهواء أو شطحات.
وهذه وصايا للداعية وهو يطالع كتب التفسير:
الوصية الأولى: ضرورة الإعراض عن الحشو والفضول والاستطراد الذي انتفخت به بطون كتب التفسير من الاستغراق في المباحث اللفظية، أو المسائل النحوية، والنكات البلاغية، والتطويل في المجادلات الكلامية، والمخالفات الفقهية، وغير ذلك من ألوان الثقافات التي شغلت حيزًا ضخمًا من كتب التفسير، حتى حجبت قارئها عن إدراك أسرار كلام الله تعالى، وهو الذي أُلفت كتب التفسير من أجله مما جعل بعضهم يقول عن (التفسير الكبير) للرازي جمع في كتابه في التفسير أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك حُكي عن بعض المتطرفين أنه قال: فيه كل شيء إلا التفسير، ولا ريب أن هذه الكلمة غلو من قائلها، ففي الكتاب لفتات تفسيرية رائعة لا تجدها في غيره، ولكن استطراداته الطويلة المجيدة في شتى العلوم ومجالاته الواسعة مع أرباب المذاهب الكلامية والفقهية قللت من الإفادة بالكتاب.
كذلك على الداعية أن يَحذر من الإسرائيليات، وأن يبتعد عنها قدر استطاعته، وعليه أيضًا أن يحذر من الروايات الضعيفة فضلًا عن الموضوعة، فهناك كتب
стр. 257
كثيرة امتلأت بالأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة التي قد تطعن في القرآن وفي النبي ﵊ ومن سبقه من الأنبياء، فليكن الداعية وهو يطالع كتب التفسير على حذر من هذه الروايات الضعيفة والموضوعة. كما أن عليه أن يحذر الأقوال الضعيفة بل الفاسدة في بعض الأحيان، وهي أقوال صحيحة النسبة إلى قائليها من جهة الرواية، ولكنها سقيمة أو مردودة من جهة الدراية، هذا هو المصدر الأول لثقافة الداعية وهو القرآن الكريم، وما ينبغي للداعية تجاه القرآن الكريم وعلومه.
أما المصدر الثاني لثقافة الداعية فهو السنة: فالسنة هي شارحة القرآن والمبينة له، والمفصلة لما أُجمل فيه، وفيها يتمثل التفسير النظري والتطبيق العملي لكتاب الله فقد قال الله تعالى لرسوله محمد ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم﴾ (النحل: ٤٤)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: ٦٤).
ولقد سئلت أمنا عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: "كان خُلُقه القرآن". والسنة المصدر الثاني للثقافة الدينية للداعية المراد بها: أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وأوصافه وسيرته، فهذه السنة بهذا الشمول هي سجل حافل لحياة النبي ﷺ وجهاده في سبيل دعوته، حوت من جوامع الكلم وجواهر الحكم وكنوز المعرفة وأسرار الدين، وحقائق الوجود، ومكارم الأخلاق وروائع التشريع، وخوالد التوجيه، ودقائق التربية، وشوامخ المواقف، وآيات البلاغة ثروة طائلة هائلة لا تنفد على كثرة الإنفاق، ولا تبلى جدتها بكرّ الغداة ومرّ العشية.
ولا يستغني داعية يريد أن يحدث أو يدرس أو يحاضر أو يخطب أو يكتب عن الرجوع عن هذا المصدر الغني، والمنهل العذب؛ ليستقي منه بقدر ما يتسع
стр. 258
واديه، فيرتوي ويروي. وقد صور النبي ﷺ ما بعثه الله به من الهدى والعلم وموقف الناس من الاستفادة منه والإفادة به تصويرًا بليغًا معبرًا؛ فيما رواه الشيخان عن أبي موسى مرفوعًا قال: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصابوا طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تُمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل ما فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل ما لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)).
وكتب السنة -والحمد لله- كثيرة جدًّا، ولكن ينبغي للداعية أن يقدم منها ما هو الأهم منها: كالكتب الستة، ومسند الدارمي، وموطأ مالك، ومسند أحمد ﵃ أجمعين- وثمَّت كتب أخرى متخصصة هدفها تجميع نوع معين من الأحاديث كأحاديث الأدعية، والأذكار وما يتعلق بها كـ (الأذكار للنووي) و (الكلم الطيب) لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهناك أحاديث الآداب والفضائل وما يتعلق بها كـ (الأدب المفرد) للبخاري، و (شعب الإيمان) للبيهقي، و (رياض الصالحين) للنووي، وهناك كتب جمعت الأحاديث التي تضمن الترغيب والترهيب، وكتاب الحافظ المنذري، وهناك كتب جمعت أحاديث الأحكام الفقهية كـ (عمدة الأحكام) للمقدسي، و (الإلمام) لابن دقيق العيد، وغير ذلك.
وإلى جانب هذه الأنواع من الكتب توجد الشروح وهي كتب جد نافعة، ولا يستغني عنها داعية ففيها من الفوائد الحديثية والفقهية والأصولية واللغوية والأدبية والتاريخية والأخلاقية ما لا يزهد فيه ذو عقل، فهي مفاتيح لمن أراد أن يفتح مغاليق ما أُشكل من الأحاديث أو بدا تعارضه في الظاهر، وهي مصابيح تنير الطريق لمن يريد معرفة ما تضمنه الأحاديث من أحكام وآداب وتشريع
стр. 259
وتوجيه. ولا يسع عالمًا أن يُعرض عن هذه الثروة، ويبدأ وحده من جديد، فهذا منافٍ لمنطق العلم ومنطق العقل ومنطق التاريخ.
من هذه الكتب كتب الشروح شروح البخاري لابن حجر وللعيني والقسطلاني، وشروح مسلم وأبرزها النووي، وشروح أبي داود كـ (معالم السنن)، و (تهذيب السنن)، و (عون المعبود)، وشروح الترمذي كـ (العارضة)، و (التحفة)، وشروح الموطأ كـ (المنتقى)، و (تنوير الحوالك)، وشرح المسند في (الفتح الرباني)، وشرح (المشكاة المصابيح) المسمى (مرقات المفاتيح)، وشرح (الجامع الصغير)، وشرح (رياض الصالحين)، وشرح (الأربعين النووية)، وغير ذلك من كتب الشروح.
كما ينبغي للداعية أن يهتم بكتب الغريب، وهي التي تُعنى بشرح المفردات والجمل الغريبة في الحديث مثل: (غريب الحديث) لأبي عبيد، و (الفائق في غريب الحديث) للزمخشري، و (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير، وهو موسوعة جليلة، و (مشارق الأنوار) للقاضي عياض، لكن أيضًا كما وجهنا التوصيات للداعية، وهو يقبل على التفسير كذلك ونوجه النصائح والتوصيات للداعية، وهو يهتم بالسنة وكتبها، فنقول:
مما ينبغي للداعية أن يُعنى به في مجال السنة أن يهتم بالسيرة النبوية، فإن السيرة النبوية هي الناحية العملية من سنة النبي ﷺ وهي المفسرة لكل ما كان في القرآن من العبادات العملية، والأخلاق الحميدة التي دعا إليها الإسلام، فلقد تمثَّل النبي ﷺ بكل خلق حميد، وبكل طاعة وعبادة أمر الله ﵎ بها في القرآن؛ فعلى الداعية أن يظهر شخصية الرسول ﷺ لتكون المثل الأعلى في العبادة لله، وفي حسن المعاملة مع عباد الله، والحمد لله أُلفت كتب في السيرة كثيرة ومن أشهرها (سيرة ابن هشام)، و (الروض الأنف)، و (إمتاع الأسماع)، و (السيرة الحلبية)، ونحو ذلك.
стр. 260
لكن لا بد من التذكير بأن للسيرة مصادر أخرى فأعظمها هو القرآن الكريم، وتفاسيره، وثانيها كتب الحديث وكتب الشمائل والهدي النبوي، وكتب التاريخ العام، وكتب دلائل النبوة، وما نبهنا عليه في شأن القرآن من العناية بجمع الآيات في الموضوع الواحد ومحاولة تصنيفها وتقسيمها على أجزاءه، وعناصره ننبه عليه هنا أيضًا فيما يتعلق بالأحاديث، وعلى الداعية وهو يبلغ السنة أن يحذر من سوء الفهم للأحاديث، وأن يحذر من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأن يحذر من القصص الباطلة، وأن يحذر من حملة التشكيك التي تتطعن في السنة وتزهد فيها، التي قام بها المستشرقون وأذنابهم. على الداعية أن يكون على حذر من هذه الحملة، وأن يقف كالجبل الشامخ يذبّ عن سنة رسول الله ﷺ وينافح عنها، ويبين منزلتها في الدين.
وعلى الداعية أيضًا أن يتجنب الأحاديث التي تُشكّل على جمهور الناس، ولا تسيغها عقولهم وثقافاتهم؛ لأن لها تفسيرات وتأويلات قد لا يفهمونها، وربما كانت أعلى من مستواهم، فليس من فقه الداعية أن يتلو على مسامع الناس هذه الأحاديث بغير ضرورة تقتضيها، ولا مناسبة توجبها، بل الداعية الفقيه هو الذي يُعنى بالأحاديث التي لا صلة بواقع الناس ويتحرى البعد عن المتشابهات والمشكلات، وما لا تبلغه عقول الناس، وعليه أيضًا أن يحذر من التفسيرات الباطلة لسنة النبي ﷺ وأن يهتم بمعرفة فقه الحديث وأحكامه، كما فهمها السلف الصالح ودوّنها لنا في شروح السنة التي أشرنا إليها سابقًا.
ومن المهم للداعية بعد الاهتمام بالقرآن والسنة أن يهتم بعلم الفقه بحيث يعرف أهم الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والآداب، وذلك مهم للداعية من نواحي عدة:
стр. 261
أولًا: ليستطيع أن يجيب السائلين عن الحلال والحرام، وشئون العبادة، والأسرة، ونحوها فإنما يسألونه عما يحتاجون إليه في عبادتهم لربهم، وفي معاملة بعضهم بعضًا؛ فلا بد من معرفة الفقه، ولتمكنه هذه المعرفة من تصحيح ما يقابله من أخطاء، وتقويم ما يواجههم من انحرافات في ضوء الأحكام الشرعية، فإذا رأى بعض البدع الفاشية أو المنكرات السائدة أو الأخطاء الدينية الشائعة؛ واجهها بعلم وفقه لا بمجرد غضب وعاطفة.
كما أننا نوصي الداعية في هذا المجال أن يحرص على ربط الأحكام بأدلتها من الكتاب والسنة، وما أرشد إليها من اعتبارات أخرى كالإجماع والقياس والاستصلاح والاستحسان، وغيرها من أدلة ما لا نص فيه، والفقهاء قد عرفوا الفقه بأنه معرفة الأحكام الشرعية المأخوذة من أدلتها التفصيلية؛ فلا فقه إلا بدليل على أن الدليل يكسو الحكم أو الفتوى نورًا وجمالًا، ويمكنُ للداعية أن ينتفع بكتب فقه الحديث مثل (الإحكام) لابن دقيق العيد و (نيل الأوطار) للشوكاني، و (سبل السلام) للصنعاني، و (الروضة الندية) لصديق حسن خان، وأن ينتفع بالكتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم وغيرهما. ومثل ذلك كتب الفقه التي تعنى بالدليل والترجيح ومناقشة الآخرين كـ (المغني) لابن قدامة، و (المجموع) للنووي، و (الاستذكار) لابن عبد البر، و (المحلى) ابن حزم، وغير ذلك.
وإذا كان الداعية ملتزمًا بمذهب من المذاهب الفقهية المتبوعة فلا يمنعه هذا من التعرّف على أدلة مذهبه؛ ليطمئن قلبه، ولا مانع من ترك مذهبه في بعض المسائل التي لا يجد عليها دليلًا، أو يجد عليها دليلًا ضعيفًا لا ينتهض للاحتجاج به، ولا يجوز للداعية أن يدع السنة الصحيحة الصريحة بحجة تقيده بمذهبه كما
стр. 262
يفعله بعض الناس، كما يحسن للداعية أن يتعرف على المذاهب الأخرى وبخاصة التي يتبعها بعض من يدعوهم، فإن كان مالكيًّا وهو في بيئة حنبلية، أو حنبليًّا وهو في بيئة حنفية ومثل ذلك؛ فعليه أن يهتم بمعرف مذاهب الذين يدعوهم، وعليه أن يذكرهم بأن كل إمام من أئمة المذاهب قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
فلا يجوز للمسلم أن يتقلد مذهب ما فيجعله كالقرآن لا يخرج عنه قيد أُنملة، هذا لا يجوز أبدًا؛ بل على الداعية أن يدور مع الدليل حيث دار، وعلى العامي أن يتبع مفتيه فيما يفتيه به، كما ينبغي للداعية أن يقتضي بالقرآن والسنة في تعليل الأحكام، وبيان حكمها وثمراتها في الأنفس والحياة، وربطها بالفلسفة العامة للإسلام حتى تقع من الناس موقع القبول.
وعلى الداعية أن يحذر من المبالغة في تعليل العبادات بأمور دنيوية وربطها بها ربط العلة بالمعلول مع الغفلة عن حقيقة كبيرة يجب التنبيه عليها، وهي أن العبادات مطلوبة طلب الغايات والمقاصد لا طلب الأدوات والوسائل؛ فهي مرادة لذاتها بغض النظر عما وراءها من منافع وثمرات، بل هي الغاية من خلق المكلفين، كما قال رب العالمين: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).
وعلى الداعية أيضًا أن يحذر الاقتصار على التعليل بالأمور المادية الحسية، وخصوصًا فيما يتعلق بالعبادات الشعائرية كالوضوء والصلاة والصيام والحج؛ فالوضوء في نظر بعض الذين يتحدثون عن الإسلام أو يكتبون عنه حكمته النظافة، والصلاة في نظرهم حكمتها الرياضة، والحج في نظرهم رحلة استكشافية كل هذا جهل وخلط ولبس ما ينبغي للداعية أن يسير وراء هؤلاء، فالله ﵎ قد ذكر في كتابه الكريم الحكم والتعليلات الروحانية القلبية لما فرضه من العبادات.
стр. 263
وإذا كان على الداعية أن يتعلم علم الفقه؛ فإنه من باب أولى عليه أيضًا أن يلُمَّ بعلم أصول الفقه حتى يعرف الأدلة المتفق عليها بين فقهاء الأمة وهي الكتاب والسنة، والأدلة التي اختلف فيها فذهب الجمهور إليها وهي الإجماع والقياس، والأدلة الأخرى التي هي محل خلاف عند الأصوليون منها الاستحسان والاستصحاب، وشرع ما قبلنا وقول الصحابي إلى غير ذلك، وإذا كان الكتاب والسنة هما الأصلين والمصدرين الأساسيين؛ فكيف تستنبط منهما الأحكام، ومن يجوز له الاستنباط ويجب عليه، ومن يحل له التقليد أو يحرُم عليه، كل هذا ونحوه إنما يُعرف من كتب أصول الفقه مثل: (جنة الناظر) لابن قدامة، و (إرشاد الفحول) للشوكاني، و (أصول الفقه) للخضري، و (علم أصول الفقه) لخلَّاف.
كما أن على الداعية أن يهتمّ بدراسة العقيدة، وعليه أن يحذر كل الحذر من أن يأخذ العقيدة من كتب أهل الكلام، بل عليه أن يأخذ العقيدة من كتب أهل السنة الذين ساروا في عقيدتهم على منهج التابعين والصحابة الذين أخذوا العقيدة من رسول الله ﷺ بواسطة الكتاب والسنة الصحيحة؛ لهذا نريد من دارس العقيدة أن يهتمَّ بما يلي: أن يكون كتاب الله تعالى وما يبين من صحيح السنة هو المصدر الفذّ للعقيدة المنشودة بعيدًا عن الشوائب، والزوائد، والفضول التي لحقت بها على مر العصور.
ثانيًا: أن يتبع منهج القرآن في مخاطبة العقل والقلب معًا من أجل تكوين الإيمان الصحيح، فبناء العقيدة على العقل وحده كما هو اتجاه الفلاسفة، أو على القلب وحده كما هو اتجاه الصوفية لا يتفق مع شمول المنهج الإسلامي الذي يقوم الإيمان فيه على اقتناع العقل وانفعال القلب وصدق الإرادة.
ثالثًا: الاهتمام بأدلة القرآن التي ذكرها لإثبات معتقداته وإقناع مدعويه، والرد على خصومه، وتفنيد ما يثيرونه من شبهات ومفتريات.
стр. 264
رابعًا: صرف الهمة إلى مشكلات العقل المعاصر، والاشتغال بقضايا العقيدة الكبرى مثل وجود الله تعالى وتوحيده، والنبوة، والحياة الآخرة، والقدر.
خامسًا: الاستفادة من ثقافة العصر وخصوصًا في ميادين العلوم البحتة كالفلك والطب والفيزياء وغيرها؛ لتأييد قضايا العقيدة وتثبيتها، كما فعل ذلك كثير من المؤلفين في زماننا من الأجانب والمسلمين، كمثل صاحب العلم يدعو إلى الإيمان، وأصحاب الله يتجلى في عصر العلم، وصاحب قصة الإيمان، ومؤلف الله والعلم الحديث، والإسلام يتحدى.
سادسًا: أن يتبنَّى طريقة السلف في وصف الله تعالى بما وصف به نفسه من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، وهي الطريقة التي انتهى إليها أساطين علم الكلام من الأشاعرة وغيرهم، مثل أبي الحسن الأشعري في (الإبانة)، والغزالي في (إلجام العوام عن علم الكلام)، والفخر الرازي في (أقسام اللذات)؛ حيث يقول فيه: لقد تأملت المناهج الفلسفية، والطرق الكلامية فلم أرها تشفي عليلًا، أو تنفع غليلًا، ورأيت خير الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥)، وأقرأ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١)، ومن جرب مثل تجربتي عرَّف مثل معرفتي.
ومن أهم ما ينبغي للداعية أن يدرسه دراسة وعي وهضم النظام الإسلامي، أو نظام الإسلام، أو المذهبية الإسلامية، أو فلسفة الإسلام، ونُعنى بهذا دراسة الإسلام خالصًا غير مشوب، متكاملًا غير مجزأ، وحتى نفهم الإسلام فهمًا صحيحًا يلزمنا أن نهتم بهذه النقاط، أن نحذر كل الحذر أن يزاد في النظام الإسلامي، ويلصق به ما ليس منه من رواسب الديانات السابقة، وثنيَّة أو محرفة، وشوائب النِّحَل، والمذاهب شرقية وغيرها، وأن يحذر أن ينقص منه ما
стр. 265
هو من أجزائه وصلب كيانه، أو يؤخذ بعضه دون بعض كما فعلت بنوا إسرائيل، وأن يحذر أن تشوَّه تعاليمه في العقيدة أو العبادة، والأخلاق، أو التشريع، فتعرض على غير حقيقتها ممسوخة محرفة بفعل الجهل أو الهوى.
كما شوّهت فكرة القضاء والقدر في العقيدة، أو فكرة الحج في العبادة، أو فكرة الزهد في الأخلاق، أو فكرة الطلاق وتعدد الزوجات، وغير ذلك، وأن يحذر أن يختل التوازن بين قيمه وتعاليمه فيُعطى بعضها دون حقه، ويأخذ بعضها الآخر أكثر من حقه، ويقدم ما يستحق التأخير، ويؤخر ما يستحق التقديم، مع أن الإسلام قد أعطى كل عمل من الأعمال، وكل واحد من تعاليمه قيمة، وسعرًا خاصًّا؛ فلا توضع الفروع موضع الأصول، ولا تحتل النوافل مكان الفرائض، ولا تقدم أعمال الجوارح على أعمال القلوب، ولا تؤثر قُربات الفردية القاصرة على العبادات الاجتماعية المتعدية، بل يوضع كل شيء في مرتبته الشرعية دون غلوّ ولا تقصير، وإلا اضطربت المعاير وقُدّم ما حقه التأخير. ومن هنا ينبغي عند دراسة النظام الإسلامي أو الكتابة تفادي هذه الأخطار الأربعة من الزيادة فيه، أو النقص منه، أو التشويه له، أو الاختلال بتوازنه.
الثقافة التاريخية
كما أن من الثقافة اللازمة للداعية الثقافة التاريخية، فالتاريخ هو ذاكرة البشرية وسجل أحداثها، وديوان عبرها، والشاهد العدل لها أو عليها. ويهمنا في ذلك تاريخ الإسلام والأمة الإسلامية خاصة، وتاريخ الإنسانية بصفة عامة أعني: المواقف الحاسمة منه، والملامح الرئيسية فيه؛ لأنه لا يُتصوّر أن يدرس الإنسان تاريخ البشرية كافة ولو كان متخصصًا، فكيف بغير المتخصص، وإنما يحتاج الداعية إلى التاريخ لأمور منها:
стр. 266
أن يوسع آفاقه، ويطلعه على أحوال الأمم وتاريخ الرجال، وتقلبات الأيام، فإن الله تعالى قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: ٤٦)، ومنها: أن التاريخ أصدق شاهد على ما يدعو إليه الدين من قيم ومفاهيم، فهو مرآة مثقولة تتجلى فيها عاقبة الإيمان والتقوى، ونهاية الكفر والفجور، وجزاء الشاكرين وعقوبة الكافرين؛ لهذا اهتمّ القرآن بقصص السابقين وتواريخ الغابرين لما فيها من عبر بليغة، وعظات حية، كما قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: ٣٦، ٣٧).
وأود أن ينتبه الداعية الذي يطالع التاريخ ويقتبس منه إلى الأمور الآتية:
أولًا: ألا يجعل أكبر همه وعي جزئيات التاريخ وتفصيلاته، فهذه لا يمكن أن تُحصر، ولو أمكن أن تُحصر؛ لكانت فائدة الداعية جدّ قليلة؛ إنما المهم رءوس العبر ومواقع العظمة في التاريخ.
ثانيًا: أن يكون ذا وعي يقظ للوقائع التاريخية التي تخدم موضوعه، وتعمق فكرته، وتقدم له الشواهد الحية.
ثالثًا: أن يُعنى بسير الرجال، ومواقف الأبطال، وبخاصة علماء والدعاة والصالحين، وفي تاريخنا بفضل الله ثروة من السير تتمثل فيها الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، وتبرز الشخصية المسلمة مجسدة في مواقف وأعمال، كما نلمس ذلك في كتب الطبقات والتراجم كـ (وفيات الأعيان)، و (طبقات ابن سعد)، و (تهذيب التهذيب)، و (حلية الأولياء)، و (صفة الصفوة)، وغيرها.
стр. 267
رابعًا: أن يهتم الداعية بربط الحوادث والوقائع، وخصوصًا في تاريخنا الإسلامي بأسبابها وعللها المعنوية والأخلاقية، وأن يكون محور التاريخ الإسلامي هو الإسلام نفسه دعوة ورسالة، وأثره في تربية الأجيال، وتكوين الأمة المسلمة، وإقامة الدولة الإسلامية، وبناء الحضارة الإسلامية، والثقافة الإسلامية، وهنا يجب أن نُركّز على عدة حقائق تاريخية قد يغفلها مغفلون عمدًا أو سهوًا.
أولًا: يجب إبراز الجاهلية العالمية والعربية التي كان يتردَّى فيها العالم عامة، والعرب خاصة على حقيقتها بلا إفراط ولا تفريط، كما قال رب العالمين: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢).
ثانيًا: يجب الاهتمام بحركة الإصلاح والتجديد في تاريخ الإسلام، وبرجال التجديد الذين يبعثهم الله بين حين وآخر في هذه الأمة؛ ليجددوا لها دينها أيًّا كان لون هؤلاء الرجال واتجاههم، كما يجب الالتفات إلى دور الإسلام ورجاله وأثره في حركات المقاومة والتحرير التي ظهرت في العالم الإسلامي على تباعد أطرافه.
الثقافة الأدبية والواقعية
وأخيرًا إذا كانت الثقافة الدينية لازمة للداعية في الدرجة الأولى؛ فإن الثقافة الأدبية واللغوية لازمة له كذلك، ولكن الأولى تلزمه لزوم المقاصد والغايات، والثانية تلزمه لزوم الوسائل والأدوات. واللغة بمفرداتها ونحوها وصرفها لازمة لسلامة اللسان وصحة الأداء، فضلًا عن حسن أثرها في السامع بل صحة الفهم أيضًا؛ فالأخطاء اللغوية إن لم تحرف المعنى وتشوّه المراد؛ يمجها الطبع وينفر منها السمع.
стр. 268
والأدب بشعره ونثره، وأمثاله وحكمه، ووصاياه وخطبه مهم للداعية، يثقف به لسانه، ويجود أسلوبه، ويرهف حسه، ويقفه على أبواب من العبارات الرائقة والأساليب الفائقة، والصور المعبرة، والأمثال السائرة، والحكم البالغة، ويفتح له نافذة على الروائع والشوامخ، ويضع يده على مئات بل ألوف من الشواهد البليغة التي يستخدمها الداعية في محلها فتقع من القلوب أحسن موقع، وأبلغه، وقد جاء في الحديث: ((إن من البيان لسحرًا)).
وكان من أصحاب النبي ﷺ شعراء معروفون مثل: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة من الأنصار، وقد أذن النبي ﷺ أن يجود بلسانه وشعره ويرد عنه هجو شعراء قريش، وقال لهم: ((اهجوهم وروح القدس معك)).
ومن الجوانب المهمة في الثقافة الأدبية ما تحكيه كتب الأدب من حوار وقصص وأخبار، كثيرًا ما تكون له قيمة أخلاقية، أو دلالة تربوية فيلتقطها الداعية ذو الحس المرهف؛ لينقلها من مجال المتعة بالقراءة إلى مجال الدعوة والتوجيه.
من الثقافة التي ينبغي للداعية أن يهتم بها وبمعرفتها الثقافة الواقعية، وأعني بها الثقافة المستمدة من واقع الحياة الحاضرة، وما يدور في الفلك ودنيا الناس في العالم الإسلامي وفي خارجه، فلا بد للداعية حتى ينجح في دعوته أن يكون واقفًا على معرفة أحوال الناس من حوله، ومن هنا يجب على الداعية في عصرنا هذا أن يدرس واقع العالم الإسلامي، وواقع القوى العالمية المعادية للإسلام، وواقع الأديان المعاصرة، وواقع المذاهب السياسية المعاصرة، وواقع الحركات الإسلامية المعاصرة، وواقع التيارات الفكرية المعارضة للإسلام، وواقع الفرق المنشقة عن الإسلام، وواقع البيئة المحلية.
стр. 269
هذه معالم سريعة لما ينبغي أن تقوم عليه ثقافة الواقع، ولا يخفى أن هذه الثقافة لا تُستمد من الكتب وحدها فهي ثقافة نامية متجددة مستمرة يمكن الداعية أن يجدها في الصحف، والمجلات، والدوريات، والنشرات الرسمية وغير الرسمية، والداعية ذو العقل اليقظ والحس المرهف يستطيع أن يأخذ مددًا جديدًا من كل ما حوله من وقائع الحياة اليومية. فهذه هي ثقافة الداعية التي ينبغي أن يتسلح بها؛ لأن الدعوة إلى الله ﵎ جهاد، وكل جهاد لا بد له من سلاح، فلا بد للداعية أن يتسلح بأسلحة شتَّى، أولها سلاح الإيمان؛ فبدونه يبطل كل سلاح، وثانيها الأخلاق وهي من لوازم الإيمان الحق وثمراه، وثالثها العلم أو الثقافة فهي العُدّة الفكرية للداعية، والدعوة إلى الله زكاة العلم، ومن لم يملك النصاب كيف يزكي.
ولقد أمر الله ﵎ رسوله ﷺ أن يسأله المزيد من العلم فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤).
وقد استجاب ﷺ لأمر ربه فكان كل يوم إذ انصرف من صلاة الصبح قال: ((اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا، ورزقًا طيبًا)).
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 270
الدرس: ١٥ ركائز الدعوة في الإسلام .
стр. 271
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(ركائز الدعوة في الإسلام)
التصور الإسلامي للكون والحياة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله؛ أما بعد:
التربية الإسلامية: هي تنمية فكر الإنسان، وتنظيم سلوكه وعواطفه على أساس الدين الإسلامي، وبقصد تحقيق أهداف الإسلام في حياة الفرد والجماعة، أي: في كل مجالات الحياة؛ فالتربية الإسلامية على هذا عملية تتعلق قبل كل شيء بتهيئة عقل الإنسان وفكره وتصوراته عن الكون والحياة، وعن دوره وعلاقته بهذه الدنيا، وعلى أي وجه ينتفع بهذا الكون وبهذه الدنيا، وعن غاية هذه الحياة المؤقتة التي يحياها الإنسان، والهدف الذي يجب أن يوجّه مساعيه إلى تحقيقه.
وقد قدم الإسلام هذه الأفكار كلها في منظومة من التصورات المترابطة متينة البنيان، كما قدم لنا العقائد التي يجب على الإنسان أن يؤمن بها؛ لكي تحرك في نفسه الأحاسيس والمشاعر، وتغرس العواطف الجديرة بأن تدفعه إلى السلوك الذي نظمت الشريعة له قواعد وضوابطه: السلوك التعبدي الذي يُحقق الهدف الذي خُلق من أجله الإنسان سواء أكان هذا السلوك فرديًّا أم جماعيًّا.
فالجانب الإيماني الاعتقادي من الدين يُقدّم لنا أساسًا راسخًا من العقيدة الثابتة والتصورات الواضحة والمترابطة، والأهداف النيرة، والحوافز الدافعة إلى السعي، الباعثة على بعد الأمل والتفاؤل والجد والوعي. والجانب التشريعي يُقدم لنا قواعد وضوابط نقيم عليها سلوكنا وننظّم بها علاقاتنا، بل هو الذي يرسم لنا خطة حياتنا وسلوكنا، والجانب التعبدي هو سلوك المسلم الذي يحقّق به كل تلك التصورات والأهداف والضوابط والأوامر التشريعية، وعملية التربية هي تنمية شخصية الإنسان على أن تتمثل كل هذه الجوانب في انسجام وتكامل، تتوحد
стр. 272
معه طاقات الإنسان، وتتضافر جهوده لتحقيق هدف واحد تتفرع عنه وتعود إليه جميع الجهود والتصورات، وضروب السلوك ونبضات الوجدان.
ويمتاز التصور الإسلامي عن الكون والحياة والعقيدة التي يجب أن يؤمن بها الإنسان بمميزات أهمها:
أولًا: وضوح الأفكار التي بُني عليها نظام حياة المسلم فاعتنقها ودعا إليها على بصيرة وآمن بها، وتابع تذكرها؛ لأنها هي الضابط لجميع سلوكه وتصرفاته، والرقيب على أعماله وحياته.
ثانيًا: كما يمتاز التصور الإسلامي بمنطقية هذه المعتقدات ومعقوليتها وملاءمتها للفطرة العقلية والوجدانية والنفسية.
ثالثًا: تمتاز المعتقدات الإسلامية بعرضها عرضًا مقنعًا؛ إذ يستنبطها القرآن من لفت الأنظار إلى الواقع المحسوس للتأمل فيما حولنا، وفي أنفسنا تأملًا يوصلنا إلى معرفة الله وقدرته ووحدانيته وفقًا لطبيعتنا النفسية وفطرتنا الدينية؛ فالباحث المنصف إذا تأمل كلام الله يلاحظ كيف يلفت القرآن الكريم نظر الإنسان إلى نفسه ليرى كيف أن الله خلقه من علق، وعلمه الكتابة والقراءة، واستخدام الكائنات، وجعله قابلًا للتعلم، وكيف خلقه وكونه في رحم أمه أطوارًا ومراحلَ؛ حتى تكامل خلقه، ثم وُلد لا يعلم شيئًا فشبَّ حتى أصبح خصيمًا مبينًا.
رابعًا: ولو تساءل الإنسان؛ لماذا اتخذ القرآن هذا الأسلوب الاستجوابي الحسي العاطفي الذي يُخاطب العقل والوجدان، ويحرك دمع العين مع نبضات القلب، وتصورات الفكر والجنان عندما كرَّر ذكر آيات في الآفاق وفي أنفسنا لأجابنا القرآن الكريم بأنه لم يقصد بهذه الصور التي رسمها لنا عن الكون والإنسان،
стр. 273
وكررها، ونوَّع أساليب عرضها في مواطن عديدة لم يقصد مجرد المعرفة الثقافية، ولا مباراة الثقا فات والفلسفات الأخرى؛ ليثبت تفوقه المنطقي وقدرته البلاغية عليها فحسب، ولا قصد تدريب عقولنا على الحفظ والفهم، بل أراد أن تتحول هذه المعرفة إلى حركة فكرية وعاطفية، ثم إلى قوة دافعة لتحقيق مدلولها في عالم الواقع أي: لكي نحقق عبوديّتنا لله الذي ما جعل هذه الصور الكونية الرائعة إلا تذكرة لمن يخشى؛ حتى نتجه إلى العبادة والعمل الإسلامي المُثمر في إعمار الكون، وتحقيق عدل الله وشريعته في الحياة الإنسانية.
وأراد من عرضه آياته في الآفاق أن ترجع البشرية إلى ربها، وإلى منهجه الذي أراد لها، وإلى الحياة الرفيعة الكريمة التي تتفق مع الكرامة التي كتبها الله للإنسان، والتي تحققت في فترة من فترات التاريخ على ضوء هذا التصور عندما استحال واقعًا في الأرض يتمثَّل في أمة تقود البشرية إلى الخير والصلاح والنماء.
ونبدأ أولًا: بنظرة الإسلام إلى الإنسان فنقول: من الثابت في علم النفس أن نظرة الإنسان إلى نفسه من أقوى المؤثرات في تربيته؛ لذلك قُدّمت هذه النظرة القرآنية إلى الإنسان، وما زال الإنسان منذ وجد على وجه الكرة الأرضية مأخوذًا بسوء الفهم لنفسه، يميل إلى جانب الإفراط حينًا؛ فيرى أنه أكبر وأعظم كائن في العالم، وينادي بذلك وقد امتلأ أنانية وغطرسة وكبرياء، كما نادى قوم عاد وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (فصلت: ١٥)، وكما نادى فرعون في قومه ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: ٣٨)، ويربأ بنفسه أن يعتقد أنه مسئول أمام أحد ويتحول إلى متألّه يستهدف القهر والجبروت والبطش والظلم والشر والطغيان.
وأحيانًا يميلُ إلى جانب التفريط؛ فيظن أنه أدنى وأرذل كائن في العالم، فيطأطئ رأسه أمام كل شجر، أو حجر، أو نهر، أو جبل، أو حيوان، ولا يرى السلامة
стр. 274
إلا في أن يسجد للشمس والقمر والنجوم والنار، وما إليها من الموجودات التي يرى فيها شيئًا من القوة أو القدرة على ضرره أو نفعه، وقد عرض الإسلام الإنسان على حقيقته وبيَّن أصله ومميزاته، وما فُضل به ومهمته في الحياة وعلاقته بالكون، وقابليته للخير والشر.
أما حقيقة الإنسان وأصل خلقه: فترجع حقيقة الإنسان إلى أصلين: الأصل البعيد وهو الخِلقة الأولى من طين حين سوَّاه الله تعالى ونفخ فيه من روحه، والأصل الثاني: القريب وهو خلقه من نطفة، وقد بيَّن الله ﵎ هذين الأصلين في قوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (السجدة: ٧ - ٩).
وأوضح الله لنا كيف خلق آدم فقال : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر: ٢٨ - ٣٠). وهكذا لفت القرآن الكريمُ نَظَر الإنسان على حقارة ذلك الماء الذي خُلق منه في رحم أمه: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (السجدة: ٨) حقير، ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (الطارق: ٦، ٧)، ولذلك قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (يس: ٧٧) فأرشد الله ﵎ الإنسان إلى أصل خلقه من ماء مهين، من ماء دافق، من نطفة إذ تمنى، أرشده ولفت نظره إلى هذا الأصل؛ ليندّد بغطرسة الإنسان، ويهذّب كبرياءه فيجعله متواضعًا واقعيًّا في حياته.
ثم بيَّن له عناية الله به في ظلمات الرحم حينما أنشأه جنينًا، ورباه حتى تمَّ خلقه: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ
стр. 275
لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (الزمر: ٧) ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: ٧ - ٩).
ذكر الله ﵎ الإنسان بعنايته به وهو في ظلمات الرحم؛ ليثير عنده عاطفة العرفان بالجميل والشكر للخالق والخشوع لله، فكان من نتيجة هذه التربية القرآنية دعاء الرسول ﷺ في السجود ((سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشقّ سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين))، وفي رواية كان يقول: ((اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره وشقّ سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين)).
وفي مقابل ذلك كله بيَّن الإسلام للنوع البشري أنه ليس من الذّلة والمهانة والابتذال في درجة يتساوى مع الحيوان والجماد، وسائر المخلوقات فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠)، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ (الحج: ٦٥). فقد رزق الله تعالى الإنسان قدرتنا جعله به يسيطر على ما حوله من الكائنات، وسخّرها الله له فمنعه من أن يذلّ نفسه لشيء منها، وجعله آمن من كل المخوف إزاء هذه الكائنات، بل أشعره بأنها طوع يديه، سخرها لمصلحته. وهذه خطوة تربوية ربانية ينشئ بها القرآن الكريم الإنسان على الشعور بالكرامة وعزة النفس. ويُشعره في الوقت ذاته بفضل الله، فإذا ركب شيئًا مما سخر الله له كالطائرة والسيارة ذكر قول الله تعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (الزخرف: ١٣، ١٤).
стр. 276
ومما كرم الله تعالى به الإنسان أن جعله قادرًا على التمييز بين الخير والشر، فألهم الله تعالى النفس الإنسانية فجورها وتقواها، وغرس في جبلتها الاستعداد للخير والشر، وجعل عند الإنسان إرادة يستطيع بها أن يختار بين الطرق المؤدّية إلى الخير والسعادة، والطرق الموصلة إلى الشقاء، وبيَّن له أن هدفه في هذه الحياة أن يترفَّع بنفسه عن سبل الشر، وأن يزكي نفسه أي: ينمّيها ويطهرها ويسمو بها في وقت معًا نحو الفضيلة والاتصال بالله ، يقول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٧ - ١٠).
ولعن الله قومًا دعاهم غرورهم إلى أن يكذبوا بهذه الحقيقة، فزعموا أن النّفس الإنسانية لا تطغى فقال في تمام الآيات السابقة: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (الشمس: ١١ - ١٥)، فكان جزاء طغيانهم أن سوَّى الله بهم وبمدينتهم الأرض؛ لأنهم اختاروا طريق الشر ومعصية الله ورسوله.
ومما كرَّم الله به الإنسان وفضله أن وهبه القدرة على التعلم والمعرفة، وزوَّده بكل أدوات هذه القدرة يقول تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، (العلق: ٣ - ٥). ويقول سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: ٣١، ٣٢).
أما أدوات القدرة على التعلّم؛ فمنها السمع والبصر والفؤاد كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: ٧٨)، فالسمع معناه إحراز المعرفة التي اكتسبها الآخرون، والبصر معناه: تنميتها بما يُضاف إليها من ثمرات
стр. 277
الملاحظة والبحث، والفؤاد معناه تنقيتها من أدرانها وأوشابها، ثم استخلاص النتائج منها، وهذه القوى الثلاث إذا تضافرت بعضها على بعض نجمت عنها المعرفة التي منَّ الله بها على بني آدم، والتي بها وحدها استطاع الإنسان أن يهزم سائر المخلوقات ويسخرها لإرادته.
وندَّد الله تعالى بالذين لا يستفيدون من سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم فقال : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩).
ومن هذه الأدوات التي منحها الله تعالى الإنسان حتى يتعلم اللسان والقدرة على البيان، والقلم والقدرة على الكتابة قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ (البلد: ٨، ٩)، وقال تعالى: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان﴾، وقال ﷻ : ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾، ومن أهم أهداف التفكير والتعلم عند الإنسان أن يتعلم الناس شريعة الله قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٩).
ومن هذه الأهداف أن يتفكروا في خلق السموات والأرض وفي أنفسهم كما قال تعالى: ﴿آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُو نَ﴾ (الذاريات: ٢٠، ٢١)، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (الطارق: ٥)، وقال سبحانه ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (الفجر: ١٧ - ٢٠)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ٥٠)، وفي كل هذه الآيات دليلٌ على أن الله
стр. 278
سبحانه خلق لنا السمع والبصر والفؤاد؛ لنتفكر ونتأمَّل وننظر نظرة تَمْحِيص، ونلاحظ ما حولنا ثم نمحِّص ذلك بعقلنا وفؤادنا؛ لنستخدم ما سخره الله لنا أي: لنتربَّى تربية علمية على الملاحظة والمناقشة والاستنتاج والتفكير، فنجمع أكبر قسط من المعرفة والمخترعات، وحينئذٍ نظفر بميزة الزعامة على الإنسانية كما ظفر بها أسلافنا، ثم أضعناها؛ لأننا تركنا الاستفادة الحق من سمعنا وأبصارنا وأفئدتنا كما يريد الله منا.
ولم يكتفِ الإسلام بتكريم الإنسان وتفضيله وتمييزه على الكائنات، بل حمَّله مقابلة ذلك مسؤولية عظيمة، وكلَّفه بتكاليف كثيرة، ورتَّب عليها الجزاء الوفاق، حمَّله مسؤولية تطبيق شريعة الله، وتحقيق عبادته، تلك المسؤولية التي أبتْ سائر المخلوقات أن تحملها وأشفقت من حملها كما قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٢، ٧٣)، وكما جعل الله تعالى للإنسان حُرّية وإرادة وقدرة على التمييز بين الخير والشر، كذلك جعله مجزئ يوم القيامة بما اختار لنفسه من الخير ومن الشر قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (الزلزلة: ٧، ٨).
وكذلك جعل الله تعالى الإنسان مسئولًا عن سمعه وبصره وفؤاده وجميع جوارحه، فلا يجوز له أن يستعملها إلا في الخير قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦)، وهذا الشعور بالمسئولية يربِّي في نفس الإنسان الوعي واليقظة الدائمة، والبعد
стр. 279
عن المزالق وعدم الاستسلام للأهواء، والعدالة والبعد عن الظلم والبغي، والاستقامة في كل سلوك الإنسان وشئونه.
وكذلك قرَّر رسول الله ﷺ مسئولية الإنسان عن ماله وعن عمره وعن شبابه فقال ﷺ : ((لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسئل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل فيه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه))، وجماع كل هذه المسئوليات مسئولية الإنسان عن عبادة الله وتوحيده أي: إخلاص العبادة له وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨).
هذه هي نظرة الإسلام للإنسان أما نظرة الإسلام إلى الكون فإنها أيضًا نظرة تمتاز بأنها ليست نظرة عقلية محضة، ولكنها تعمل على تحريكًا عواطف الإنسان وشعوره بعظمة الخالق، وبصغر الإنسان أمامه، وبضرورة الخضوع له، كل ذلك إلى جانب البراهين العقلية القاطعة على وحدانية الله وألوهيته في هذا الكون، وسائر الأكوان التي لا نراها. فالكون كله مخلوق لله خلقه لهدف وغاية، وما كان اللعب والعبث باعثًا عن الخلق قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الدخان: ٣٨، ٣٩)، وقال سبحانه ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (الروم: ٨).
أما تحريك عواطف الإنسان؛ فبالاستفهام والحضّ على العبادة وتوحيد الله بعد تأمل مخلوقاته يقول سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ
стр. 280
الْخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ * بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: ٦٢ - ٦٧)، ولهذه النظرة الإسلامية إلى الكون آثار تربوية: منها ارتباط المسلم بخالق الكون وبالهدف الأسمى من الحياة، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
ثانيًا: تربية الإنسان على الجدية؛ فالكون كله أُقيم على أساس الحق، ووجد لهدف معين وإلى أجل مسمى عند الله، وليس العبث واللهو من شأن الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ١٦، ١٧)، وهذا يعلم الإنسان أن يبحث عن غاية كل ظاهرة من ظواهر الكون، وأن يُبعد تفكيره عن اللهو والعبث والضياع، وأن يكون تأمله لهذا الكون تأملًا منطقيًّا علميًّا، ولتحقيق هذا واستكماله لفت القرآن نظر المتأمل إلى أمرين آخرين غير الجدية والغاية منها خضوع الكون لسنن الله تعالى وفق أقدار قدرها يقول سبحانه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٣، ٣٤)، ويقول سبحانه: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: ١٩ - ٢١).
стр. 281
فدورة الشمس والقمر في فلك لا يحيدان عنه، وفي مواسم لا تتخلف كل ذلك يجري حسب سنن كونية سنها الله تعالى، وحسب مقادير قدرها ، وكذلك جميع الأحياء التي على الأرض جعل الله لها معايش مقدرة مقننة: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: ١٩ - ٢١)، وقد علم الله تعالى الإنسان الحساب بتكرار الليل والنهار وتقدير الفصول الأربعة والأشهر القمرية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (الإسراء: ١٢)، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ (الأنعام: ٩٥) وقال: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ (الأنعام: ٩٦).
ومما تقدم نجدُ أنّ القرآن ربّى عقل المسلم على مبدأين آخرين علميين غير مبدأي السلبية والغائية والتفكير الجدي المنطقي، وهما تكرار حوادث الكون حسب سنن سناها الله، وهو ﷻ وحده يملك أن يغيرها إذا شاء، وهذا هو المبدأ الذي بُنيت عليه اليوم جميع القوانين العلمية، وهو أساس التفكير العلمي الذي به اكتشف الإنسان واخترع كل مظاهر الحضارة.
ثانيًا: أن سنن هذا الكون وجميع حوادثه وظواهره وكائناته من أصغر ذرّة إلى أكبر جرم، قد خلقها الله تعالى وسيرها، أو أنزلها بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى شيء حدوده، فيختل توازنه ويخلّ بنظام غيره مما جاوره أو قابله، وتأثر وأثر فيه ومن هذه المبادئ التي استوحاها علماء المسلمين القرآن وارتقوا بها في العلوم الطبيعة استقت أوربا مبادئ التفكير العلمي، ووحدة قوانين العلم الحديث، ومناهج التفكير العلمي المنطقي، وهذا هو المبدأ الثاني من مبادئ المنطق العلمي إقامة الملاحظة العلمية على أساس القياس الكمي لا على أساس الوصف الكيفي. إنه المبدأ الذي يربي العقل على الدقة ليأخذ كل شيء بمقياس.
стр. 282
والكون مسيّر ومدبّر دائمًا بقدرة الله، فالله سبحانه هو الذي رتَّب سنن الكون، فبقي وما زال قائمًا على تسيير الله وتدبيره أمره يمده بقوته، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر: ٤١)، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (الروم: ٢٥)، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام: ٦١)، وكذلك الإنسان قد رتب الله سننًا اجتماعية لحياته؛ فأرسل على أساسها الرسل وعذب الأمم وأهلك بعضها، ورتب آجالها، وغيَّر أحوالها يقول سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٧). والكون كله قانت لله كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة: ١١٧ - ١١٧).
والقنوت معناه الطاعة والخضوع والانقياد، فإذا كان الكون كله بما فيه من الكائنات والجمادات خاضعًا لربه مستسلمًا له، منقادًا فأجدر بالإنسان العاقل المفكر أن يعترف لربه بالنعمة والفضل، ويستشعر عظمته، ويسبح بحمده ويقدس له، كما يمتاز الدين الإسلامي بأن جعل الإنسان يستخدم ما حوله من الكائنات وقوى الكون، ولفت نظره إلى أنه مسلط عليها بإذن الله، وأن الله قد سخرها له من أكبر الأجرام التي تؤثر في حياته كالشمس إلى أصغر الكائنات التي يستطيع الاستفادة منها كالنحل والذرة، يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
стр. 283
دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: ٣٢ - ٣٤)، ويقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٩).
التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع
أما نظرة الإسلام إلى الحياة؛ فإن الإسلام قد نظر إلى الحياة نظرة جدية؛ ملؤها الشعور بالمسئولية، وتوجيه الدوافع، وعندما عرضنا نظرة الإسلام للإنسان رأيت أن الحياة مبدأين أولهما: عندما خلق آدم من طين ثم سواه، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة أن تسجد له، ومنذ مبدأ الحياة البشرية الأول ميز الله هذا الجنس عن الملائكة وسائر المخلوقات بميزتين:
الميزة الأولى: العلم والعقل والإرادة والاختيار والتمييز بين الخير والشر.
والميزة الثانية: أنه مخلوق من طين، ثم من دم ولحم، وأنه تبعًا لذلك مجبول على الشهوات والدوافع الغريزية وما يتفرع عنها من الجهل وسفك الدماء والإفساد والخسران، والهلع والجزع والطمع ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: ٧٢)، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (١٩ - ٢١)، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات: ٨)، ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء: ١١)، ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: ٢٨)، ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ (الإسراء: ١٠٠)، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (الأعلى: ١٧).
وقد جمع الله تعالى للإنسان هاتين المجموعتين من المميزات والصفات الإنسانية المتقابلة، وجعل الله تعالى للإنسان هاتين المجموعتين من المميزات والصفات الإنسانية المتقابلة، وجعل الإنسان قادرًا على اختيار طريق الخير أو الشر، وجعل
стр. 284
ذلك أساسًا لحياته النفسية، وجعل عنده مقابل كل صفة من هذه النقائص قدرة عقلية على الضبط والاعتدال بالرجوع إلى الشرع، والخوف من الله وعبادته.
وفي مقابل ذلك كله؛ ولكي ندرك كمال التصور القرآني للنفس والكون والحياة، وترابط هذه التصورات وتقابلها وتكاملها نتأمل وصف القرآن للحياة فنجد أن الإسلام قد جعل هذه الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، يمر بها الإنسان ليصل إلى الآخرة، وهي حياة دائمة لا موت بعدها، فهنالك حساب فإما نعيم أبدي وإما عقاب وعذاب أبدي أبدًا.
الله أكثر في القرآن الكريم من وصف الحياة الدنيا؛ حتى لا يغتر بها الناس ولا يركنوا إليها وحتى يؤثروا الآخرة على الدنيا ويعملوا لها، قال الله ﵎: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (الكهف: ٤٥)، وقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: ٢٠)، وقال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: ١٤).
وقد ذمَّ الله الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة فقال ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (سبح: ١٧، ١٨)، وقال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ (القيمة: ٢٠، ٢١)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ
стр. 285
بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (يونس: ٧)، وقال سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: ٨٦)، وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٥، ١٦).
وعاب الله على المؤمنين قعودهم عن الجهاد في سبيل الله حبًّا للراحة، وخلودًا إلى الأرض؛ فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (التوبة: ٣٨)، ومع ذلك فإن الله أمر المؤمنين أن ينتفعوا بما أحلّ لهم من الطيبات، وأن يتمتعوا بها في الحياة الدنيا فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (المائدة: ٨٧، ٨٨)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٢). ولذلك مما قاله علماء بني إسرائيل لقارون إذ بغى لقومه فقال له علماء بني إسرائيل: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: ٧٧).
ومن هذه الآيات نأخذ أهم صفات الحياة الدنيا وعلاقة الإنسان بها:
أولًا: الدنيا متاع مؤقت ومكان عبور، ووسيلة إلى الآخرة لا يجوز اتخاذها غاية ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا
следующие страницы →