← Общие книги

Общие книги · id 12202

أصول الدعوة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (394 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فدورة الشمس والقمر في فلك لا يحيدان عنه، وفي مواسم لا تتخلف كل ذلك يجري حسب سنن كونية سنها الله تعالى، وحسب مقادير قدرها ، وكذلك جميع الأحياء التي على الأرض جعل الله لها معايش مقدرة مقننة: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: ١٩ - ٢١)، وقد علم الله تعالى الإنسان الحساب بتكرار الليل والنهار وتقدير الفصول الأربعة والأشهر القمرية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (الإسراء: ١٢)، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ (الأنعام: ٩٥) وقال: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ (الأنعام: ٩٦). ومما تقدم نجدُ أنّ القرآن ربّى عقل المسلم على مبدأين آخرين علميين غير مبدأي السلبية والغائية والتفكير الجدي المنطقي، وهما تكرار حوادث الكون حسب سنن سناها الله، وهو ﷻ وحده يملك أن يغيرها إذا شاء، وهذا هو المبدأ الذي بُنيت عليه اليوم جميع القوانين العلمية، وهو أساس التفكير العلمي الذي به اكتشف الإنسان واخترع كل مظاهر الحضارة. ثانيًا: أن سنن هذا الكون وجميع حوادثه وظواهره وكائناته من أصغر ذرّة إلى أكبر جرم، قد خلقها الله تعالى وسيرها، أو أنزلها بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى شيء حدوده، فيختل توازنه ويخلّ بنظام غيره مما جاوره أو قابله، وتأثر وأثر فيه ومن هذه المبادئ التي استوحاها علماء المسلمين القرآن وارتقوا بها في العلوم الطبيعة استقت أوربا مبادئ التفكير العلمي، ووحدة قوانين العلم الحديث، ومناهج التفكير العلمي المنطقي، وهذا هو المبدأ الثاني من مبادئ المنطق العلمي إقامة الملاحظة العلمية على أساس القياس الكمي لا على أساس الوصف الكيفي. إنه المبدأ الذي يربي العقل على الدقة ليأخذ كل شيء بمقياس.

стр. 282

والكون مسيّر ومدبّر دائمًا بقدرة الله، فالله سبحانه هو الذي رتَّب سنن الكون، فبقي وما زال قائمًا على تسيير الله وتدبيره أمره يمده بقوته، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر: ٤١)، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (الروم: ٢٥)، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام: ٦١)، وكذلك الإنسان قد رتب الله سننًا اجتماعية لحياته؛ فأرسل على أساسها الرسل وعذب الأمم وأهلك بعضها، ورتب آجالها، وغيَّر أحوالها يقول سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٧). والكون كله قانت لله كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة: ١١٧ - ١١٧). والقنوت معناه الطاعة والخضوع والانقياد، فإذا كان الكون كله بما فيه من الكائنات والجمادات خاضعًا لربه مستسلمًا له، منقادًا فأجدر بالإنسان العاقل المفكر أن يعترف لربه بالنعمة والفضل، ويستشعر عظمته، ويسبح بحمده ويقدس له، كما يمتاز الدين الإسلامي بأن جعل الإنسان يستخدم ما حوله من الكائنات وقوى الكون، ولفت نظره إلى أنه مسلط عليها بإذن الله، وأن الله قد سخرها له من أكبر الأجرام التي تؤثر في حياته كالشمس إلى أصغر الكائنات التي يستطيع الاستفادة منها كالنحل والذرة، يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ

стр. 283

دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: ٣٢ - ٣٤)، ويقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٩). التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع أما نظرة الإسلام إلى الحياة؛ فإن الإسلام قد نظر إلى الحياة نظرة جدية؛ ملؤها الشعور بالمسئولية، وتوجيه الدوافع، وعندما عرضنا نظرة الإسلام للإنسان رأيت أن الحياة مبدأين أولهما: عندما خلق آدم من طين ثم سواه، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة أن تسجد له، ومنذ مبدأ الحياة البشرية الأول ميز الله هذا الجنس عن الملائكة وسائر المخلوقات بميزتين: الميزة الأولى: العلم والعقل والإرادة والاختيار والتمييز بين الخير والشر. والميزة الثانية: أنه مخلوق من طين، ثم من دم ولحم، وأنه تبعًا لذلك مجبول على الشهوات والدوافع الغريزية وما يتفرع عنها من الجهل وسفك الدماء والإفساد والخسران، والهلع والجزع والطمع ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: ٧٢)، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (١٩ - ٢١)، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات: ٨)، ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء: ١١)، ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: ٢٨)، ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ (الإسراء: ١٠٠)، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (الأعلى: ١٧). وقد جمع الله تعالى للإنسان هاتين المجموعتين من المميزات والصفات الإنسانية المتقابلة، وجعل الله تعالى للإنسان هاتين المجموعتين من المميزات والصفات الإنسانية المتقابلة، وجعل الإنسان قادرًا على اختيار طريق الخير أو الشر، وجعل

стр. 284

ذلك أساسًا لحياته النفسية، وجعل عنده مقابل كل صفة من هذه النقائص قدرة عقلية على الضبط والاعتدال بالرجوع إلى الشرع، والخوف من الله وعبادته. وفي مقابل ذلك كله؛ ولكي ندرك كمال التصور القرآني للنفس والكون والحياة، وترابط هذه التصورات وتقابلها وتكاملها نتأمل وصف القرآن للحياة فنجد أن الإسلام قد جعل هذه الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، يمر بها الإنسان ليصل إلى الآخرة، وهي حياة دائمة لا موت بعدها، فهنالك حساب فإما نعيم أبدي وإما عقاب وعذاب أبدي أبدًا. الله أكثر في القرآن الكريم من وصف الحياة الدنيا؛ حتى لا يغتر بها الناس ولا يركنوا إليها وحتى يؤثروا الآخرة على الدنيا ويعملوا لها، قال الله ﵎: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (الكهف: ٤٥)، وقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: ٢٠)، وقال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: ١٤). وقد ذمَّ الله الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة فقال ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (سبح: ١٧، ١٨)، وقال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ (القيمة: ٢٠، ٢١)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ

стр. 285

بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (يونس: ٧)، وقال سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: ٨٦)، وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٥، ١٦). وعاب الله على المؤمنين قعودهم عن الجهاد في سبيل الله حبًّا للراحة، وخلودًا إلى الأرض؛ فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (التوبة: ٣٨)، ومع ذلك فإن الله أمر المؤمنين أن ينتفعوا بما أحلّ لهم من الطيبات، وأن يتمتعوا بها في الحياة الدنيا فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (المائدة: ٨٧، ٨٨)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٢). ولذلك مما قاله علماء بني إسرائيل لقارون إذ بغى لقومه فقال له علماء بني إسرائيل: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: ٧٧). ومن هذه الآيات نأخذ أهم صفات الحياة الدنيا وعلاقة الإنسان بها: أولًا: الدنيا متاع مؤقت ومكان عبور، ووسيلة إلى الآخرة لا يجوز اتخاذها غاية ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا

стр. 286

مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (الإسراء: ١٨، ١٩). ثانيًا: الدنيا مملوءة بالزينة والزخرف والشهوات والملذات، وهذا من ابتلاء الله ﵎ وامتحان لعباده. ثالثًا: يجوز للمُسلم بل يحقّ له أن يستمتع بالحياة الدنيا وزينتها في حدود الشرع، ويشترك بها مع غيره من الكفار والملحدين، ولكن بشرط إلا تلهيه عن طاعة الله أي: يجب عليه أن يبتغي بها الدار الآخرة، وأن يسخرها في طاعة الله، فيستمتع بالمال ليؤدي زكاته، ويستمتع بالولد ليربيه على طاعة الله وشريعته، وهكذا يستمتع بما أباح الشرع بهدف تحقيق الشرع. رابعًا: الدنيا عالم له قوانينه الاجتماعية والبشرية التي سنَّها الله بين الشعوب والأمم، فمن سعى في الدنيا استوفى نافلة سعيه في الدنيا، ومن سخر الدنيا لإرضاء الله ربح في الدنيا والآخرة. خامسًا: الحياة الدنيا قصيرة الأمد لا تعدو أن تكون ساعة ويومًا من أيام الآخرة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا﴾ (طه: ١٠٢ - ١٠٤)، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (الروم: ٥٥). سادسًا: الحياة الدنيا دار تعب وكدح وجد قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (البلد: ٤)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ (الانشقاق: ٦). سابعًا: المؤمنون ينصرهم الله في الدنيا والآخرة فليست الدنيا لظهور الكفر والفساد فقط، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

стр. 287

وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر: ٥١)، وأخيرًا الحياة الدنيا دار لعب ولهو وتفاخر وتكاثر، كما قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ (الحديد: ٢٠)، وقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: ١، ٢). هذه هي نظرة الإسلام إلى الإنسان والمجتمع، وإلى الكون والحياة، وهذه النظرة لها آثارها العملية والتربوية، ومنها ألا يغتر المسلم بالحياة الدنيا ويغفل عن الهدف الذي أوجدت من أجله، بل يحاسب نفسه ويعمل فيها على أنها دار امتحان مؤقت، فيبقى جادًّا يقظًا صبورًا على الشظف، مغامرًا تقدميًّا لا يقف طموحه عند حدّ، بل يتجاوز الأهداف الدنيوية القريبة فيقوم بمشاريع تُشبه المعجزات، ومنها ألا يحرم نفسه مع ذلك من خيراتها، بل يتمتع بهذه الخيرات على أن يحقق بهذا التمتع عبوديته لله تعالى، ويستهدف من وراء كل متعة إرضاء الله قال النبي ﷺ : ((وفي بضع أحدكم صدقة؟ قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أريتم إذا وضعها في الحرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وضعها في الحلال كان له أجر))، وقال ﷺ لسعد بن أبي وقاص: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيه امرأتك)) حتى اللقمة أي: يداعب الزوج بها امرأته فيضعها في فيها له أجر عليها. ومن الفوائد التربوية أن يصبر المسلم على البلاء في الدنيا والبأساء والضراء؛ لأنه قد علم أن هذه الدنيا هي دار الامتحان، وتلك طبيعتها نكد وهمّ وغم وحزن قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٥ - ١٥٧)،

стр. 288

فالمسلم إذا أصيب في هذه الدنيا بما يكره في نفسه وماله وأهله وولده لا ييأس ولا يتذمَّر بل يصبر ويستعد للجهاد. ومن الآثار التربوية الناتجة عن نظرة الإسلام إلى الكون والمجتمع والإنسان والحياة أن يُجند الفرد والمجتمع كل عُدّته لمنازلة أعداء الفضيلة والخير من الجنة والناس، وأن يعلم أن الله ينصر المؤمنين إن هم حققوا إيمانهم في سلوكهم، واتبعوا كتابه ورسوله، وأخذوا بأسباب القوة والعزة والمنعة، كما أمرهم الله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: ٧)، وقال : ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (لقمان: ٤٠، ٤١)، وقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: ٦٠). وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 289

الدرس: ١٦ علاقة الإسلام بالدعوات السابقة .

стр. 290

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (علاقة الإسلام بالدعوات السابقة) الإسلام هو الدين القيم الذي فطر الله الناس عليه إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فطر الله الإنسان على التدين، وركز في وجدانه الإيمان بأن هناك خالقًا لهذا الكون مدبرًا له: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم: ٣٠) والدين صنو الإنسان في الوجود على هذه الأرض التي خلقها الله من أجل الإنسان، والإيمان بالله عهد وميثاق أخذه الله تعالى على بني آدم في عالم الذر، وقال عن هذا العهد والميثاق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٢، ١٧٣). والحقيقة التي أجمع عليها مؤرخو الأديان هي أنه ليست هناك جماعة إنسانية بل وأمة كبيرة ظهرت وعاشت ثم مضت دون أن تفكر في مبدأ الإنسان ومصيره، وفي تعليل ظواهر الكون وأحداثه، ودون أن تتخذ لها في هذه المسائل رأيًا معينًا حق ًّ اأو باطلًا يقينًا أوظن ًّ اتصور به القوة التي تخضع لها هذه الظواهر في نشأتها، والمآل التي تصير إليه الكائنات بعد تحولها، وسواء اعترفت هذه المذاهب بالآلهة أم لم تعترف فالنتيجة واحدة، لكن المسألة إنما هي في صحة تسمية أمثال هذه المذاهب أديانًا. وقد ورد لفظ الدين في اللغة وأطلق على معان ٍ عدة منها الطاعة والحساب والجزاء والقضاء والحكم والحال والعادة إلى غير ذلك، إلا أن الدين الذي يتعب ّ د به الله فهو لا يكون إلا وحيًا من الله إلى أنبيائه الذين يختارهم من عباده، ويرسلهم أئمة يهدون بأمر الله تعالى، قال تعالى لنبينا محمد ﷺ :

стр. 291

﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (النساء: ١٦٣)، وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الشورى: ٣)، وقال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى: ١٣)، قال الرازي في تفسير هذه الآية: المراد شرع لكم من الدين دينًا تطابقت الأنبياء على صحته. وقد بي َّ ن النبي ﷺ أن الدين القيم الذي فطر الله تعالى الناس عليه هو دين الإسلام، فقال ﵊: ((ما من مولود إلا يُولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أوينصرانه، أويمجسانه)). ولم يقل أويسلمانه؛ لأنه يولد مسلمًا، قال القرطبي ﵀: وهذا قول عامة السلف أن دين الفطرة هو دين الإسلام. كما بين النبي ﷺ أن العهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى من بني آدم هو أن يعبدوه لا يشركوا به أحدًا، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا لو كانت لك الدنيا كلها أكنت مفتديًا بها، فيقول: نعم، فيقول الله تعالى: قد أردتُ منك أيسر من هذا وأنت في صلب أبيك آدم، ألا تشرك بي شيئًا ولا أدخلك النار وأدخلك الجنة، فأبيت إلا الشرك)). وقد نزل آدم ﵇ إلى الأرض وكان نبي ًّ امكلمًا وأعلمه الله من أول ساعة نزل فيها أنه سيأتيهم الهدى من الله فمن اتبع هذا الهدى فاز ونجا، ومن أعرض عنه خاب وخسر قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ

стр. 292

لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (طه: ١٢٣ - ١٢٧). وكان آدم ﵇ نبي ًّ امكلمًا، فعاش مسلمًا وتبعه أبناؤه على الإسلام لله ّ- وإفراد الله بالعبادة، وظلوا على ذلك طيلة عشرة قرون، ثم اجتالت الشياطين أكثر الناس فأخرجتهم من نور التوحيد إلى ظلمات الشرك، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: ((إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين؛ فاجتالتهم عن دينهم))، وكان السبب في وقوع أكثر الناس في الشرك بالله وخروجهم عن الإسلام والتوحيد لله الغلو في الصالحين؛ فقد مات جماعة من الصالحين في أوقات متقاربة فحزن الناس عليهم، فاتخذوا لهم صورًا يذكرونهم بها، فلما طال العهد عبد الناس تلك الصور. كما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ في ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح: ٢٣) قال ابن عباس في هذه الأسماء: أسماء رجال صالحين من قوم نوح؛ فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتن اسخ العلم ع ُ بدت. ولما كان الله ﵎ يحب العذر، فقد أرسل رسله مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: ٢١٣). قال ابن عباس ﵄: كان الناس أمة

стр. 293

واحدة على الإسلام والتوحيد عشرة قرون، فاختلفوا ووقع أكثرهم في الشرك، فبعث الله النبيين مبشرين لمن ثبت على الإسلام والتوحيد، ومنذرين لمن خرج عن الإسلام إلى الكفر وعن التوحيد إلى الشرك. وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض نوح ﵇ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (نوح: ١ - ٤) وهكذا دعا نوح قومه إلى إفراد الله بالعبادة وإخلاص الدين له وترك ما يعبدون من دونه، وصرح ﵇ بأنه مأمور أن يكون من المسلمين السابقين الأولين من عهد آدم ﵇ قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس: ٧١، ٧٢) هكذا صرح نوح ﵇ بأنه مأمور من رب العالمين أن يكون من المسلمين إشارة إلى السابقين الأولين من آدم ﵇ ومن بعده من ذريته حتى اختلفوا. فالإسلام هو دين الله الذي ارتضاه لعباده وفطرهم عليه، وقد صرح كل الأنبياء ع١٣:٠١ بعد نوح ﵇ بما صرح به قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ

стр. 294

أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِي إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٢٧ - ١٣٣). وقال تعالى: عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: ١٠١)، وقال تعالى: عن لوط وأهله لما جاء قومه العذاب: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الذاريات: ٣٥، ٣٦)، وقال تعالى: ﴿قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ (يونس: ٧١)، ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ (يونس: ٨٤، ٨٥) فدللوا على إسلامهم وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (المائدة: ٤٤). وقال تعالى في قصة سليمان بن داود ﵉ مع ملكة سبأ، وقد أرسل إليها كتابًا يدعوها فيه إلى الدخول في دين الله وهو دين الإسلام: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: ٢٩ - ٣١)، فلما أرسلت إليه بهديتها: ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ * قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: ٣٦ - ٣٨)، وقال : ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا

стр. 295

قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: ٤٢ - ٤٤). وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٥٢). ولذلك قال الله تعالى عن نصارى الحبشة: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (القصص: ٥١ - ٥٣)، فلما بعث الله تعالى محمدًا ﷺ أمره باتباع ملة أبيه إبراهيم والاهتداء بهدي إخوانه المرسلين فقال : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٣)، وسمى مجموعة من الرسل في سورة الأنعام، ثم قال لرسوله محمد ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (الأنعام: ٩٠)، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الشورى: ٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (النساء: ١٦٣)، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (الشورى: ١٣). ولذلك أمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٩) وأمره أن يصرح بأن دينه هو الإسلام فقال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (النمل: ٩١)، ولذلك كان ﷺ إذا أصبح يقول: ((أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد ﷺ وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين)).

стр. 296

فالدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده وبعث به رسله هو الإسلام، هو دين جميع الأنبياء والمرسلين، وليس محمد ٌ ﷺ أول رسول يدعو إلى الإسلام وإنما هو خاتم الرسل الذين بعثوا بالإسلام كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٤٠)، فدين الرسل واحد وهو الإسلام كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥). وجوهر الإسلام هو التوحيد المستلزم لإفراد الله تعالى بالعبادة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥)، وقال سبحانه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (النحل: ١، ٢). وصرح ربنا بأن كل نبي بعثه دعا إلى توحيد الله قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود: ٢٥، ٢٦)، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٦٥)، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (هود: ٦١)، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٨٥)، وقال سبحانه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ١٦).

стр. 297

وكثر في القرآن الكريم أمر النبي محمد ﷺ بدعوة قومه إلى ما دعا إليه الأنبياء أقوامهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (النساء: ٣٦)، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: ٢٣)، ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (الأنعام: ١٥١)، ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (النحل: ٥١)، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ١١٠). فدين الرسل واحد وهو الإسلام وجوهره التوحيد وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، ونبذ كل ما ي ُ عبد من دونه ولذلك قال يوسف ﵇ لصاحبيه في السجن: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٣٧ - ٤٠). فإفراد الله ﵎ بالعبادة هو جوهر الدين الذي بعث الله به الرسل، ولذلك اتفقت الرسل كلهم على أصول العبادة من الصلاة والصيام والزكاة والحج، فقد حكى الله تعالى عن إبراهيم الخليل ﵇ أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (إبراهيم: ٤٠، ٤١). وقال عن إسماعيل ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (مريم: ٥٤، ٥٥).

стр. 298

وقال الله تعالى لموسى ﵇ في أول ما أوحى إليه: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: ١٣، ١٤)، ومما نطق به عيسى ابن مريم ﵇ وهو في المهد صبي ًّ ا: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (مريم: ٣٠، ٣١)، وقال تعالى لمريم أم عيسى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمران: ٤٣)، وقال الله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٨٣)، وقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (البقرة: ٤٠)، ثم قال لهم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٣). وقال عن السابقين: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥) وقال تعالى لنا نحن المسلمين أتباع محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣)، وقال لإبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (الحج: ٢٧)، وقال: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: ١٢٥)، وقال عن الأنبياء السابقين: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٣). فالدين القيم الذي فطر الله الناس عليه هو الإسلام، وأساسه التوحيد وإفراد الله بالعبادة، وترك ما يعبد من دونه، وأصول العبادة هي الصلاة والصيام والزكاة

стр. 299

والحج اتفق عليها جميع الأنبياء. أما الشرائع وهي مجموعة الأحكام الت ي ك ُ ل ّ فت بها الرسل وأقوامهم فهي مختلفة، كما قال الله : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨). قال الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: ٤٨). قال الطبري في تفسير هذه الآية: ثم ذكر نبينا محمدًا ﷺ وأخبره أنه أنزل إليه الكتاب مصدقًا لما بين يديه من الكتاب وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أنزل إليه فيه دونما في سائر الكتب غيره، وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعة غير شريعة الأنبياء والأمم قبله، الذين قص ّ عليه قصصهم، وإن كان دينه ودينهم في توحيد الله والإقرار بما جاءهم به من عنده والانتهاء إلى أمره ونهيه واحدًا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكل واحد منهم ولأمته فيما أحل لهم وحرم عليهم. عن قتادة في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قال: سبيل ً اوسنة والسنن مختلفة للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، ي ُ حل ّ الله فيها ما يشاء وي ُ حر ّ م ما يشاء بلاء ً؛ ليعلم من يطيعه ممن يعصيه ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به الرسل، وقال الزمخشري في قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (الأنعام: ٩٠): المراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة وهي هدى ما لم تنسخ، فإذا نسخت لم تبق هدى بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبدًا.

стр. 300

حكمة اختلاف الشرائع من أمة لأمة وقد بين الإمام الشوكاني - رحمة الله عليه - حكمة اختلاف الشرائع من أمة لأمة فقال قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (النحل: ٩٣) أي: بشريعة واحدة، وكتاب واحد، ورسول واحد ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ (المائدة: ٤٨) أي: ولكن لم يشأ ذلك الاتحاد، بل شاء الابتلاء لكم باختلاف الشرائع، ومعنى ﴿ف ِ يم َ اآ َ ت َ اك ُ م ْ﴾ فيما أنزله عليكم من الشرائع المختلفة باختلاف الأوقات والرسل، هل تعملون ب ذلك وت ُ ذعنون له، أوتتركونه وتخالفون ما اقتضته مشيئة الله وحكمته، وتميلون إلى الهوى، وتشترون الضلالة بالهدى، وفيه دليل على أن اختلاف الشرائع هو لهذه العلة أعني: الابتلاء والامتحان، لا لكون مصالح العباد مختلفة باختلاف الأوقات والأشخاص. وفي ذلك يقول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شت َّ ى ودينهم واحد)). قال الإمام النووي ﵀: قال العلماء: أولاد العلات هم الإخوة لأب من أمهات شت َّ ى، وأما الإخوة من الأبوين فيقال لهم: أولاد الأعيان، قال جمهور العلماء: معنى الحديث أصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة، فإنهم متفقون في أصول التوحيد، وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف، فإذا ثبت أن الدين الحق هو الإسلام، وأنه دين جميع الأنبياء وجوهره توحيد الله فمن أين جاءت المسميات الأخرى، من أين جاءت اليهودية والنصرانية، ومن أين ع ُ بد المسيح ابن مريم وعبد عزير وغيرهما، إذا كان دين الأنبياء واحدًا هو الإسلام وجوهره التوحيد هو إفراد الله ﵎ بالعبادة؟.

стр. 301

والجواب: أن كلمة يهودية وكلمة نصرانية ومسيحية صارتا علمًا بالغلبة على رسالتي موسى وعيسى -عليهما

стр. 302

السلام - وإن كان موسى وعيسى لم ي ُ علنا هذه التسمية، ولم ترد في النصوص المنسوبة إليهم في الكتاب المقدس أو القرآن الكريم. يقول المفسرون: إن مرد ّ كلمة يهودية إلى عوامل منها العنصرية أوالوصفية، أما العنصرية فهي نسبة إلى يهوذا أحد أسباط بني إسرائيل، والذي غلب أبناؤه على الحكم بعد هـ، وعندما ن ُ قلت الكلمة من العبرية إلى العربية قيل: يهودا بتصحيف الذال إلى دال، ثم ن ُ سب إليها فقيل: يهودي بعد حذف الألف المتطرفة، وتدل هذه الكلمة على كل من ينتسب إلى بني إسرائيل، ويدين ويتبع موسى ﵇. القول الثاني: نسبة إلى التهود أي: الترنح عند قراءة التوراة، وهذه سمة اليهود عند تلاوة التوراة حتى الآن. القول الثالث: من قولهم: إنا هدنا إليك أي: تبنا ورجعنا، وو ُ سموا بها؛ لأن توبتهم أشق ّ أنواع التوبة في تاريخ البشرية، فكل ٌّ يتوب بالقول والفعل أخذًا من ظواهر النصوص، إلا بني إسرائيل جعل الله توبتهم في قتلهم أنفسهم: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ (البقرة: ٥٤) باتخاذكم العجل إلهًا من دون الله وقد تركهم موسى ﵇ وذهب لميقات ربه واستخلف هارون عليهم، وقال: ﴿اخ ْ ل ُ ف ْ ن ِ ي ف ِ ي ق َ و ْ م ِ ي و َ أ َ ص ْ ل ِ ح ْ و َ ل َ ات َ ت َّ ب ِ ع ْ س َ ب ِ يل َ ال ْ م ُ ف ْ س ِ دين َ﴾ (الأعراف: ١٤٢)، ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ (الأعراف: ١٤٨)، وحاول هارون ﵇ أن يثنيهم عن عبادة العجل من دون الله : ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْم إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ

стр. 303

وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ (طه: ٩٠، ٩١). فكان من توبة الله عليهم من تلك الجريمة التي ارتكبوها وهي عبادة العجل من دون الله ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ٥٤). هذه هي أرجح الآراء في التسمية لكلمة يهود ويهودي، وهي إلى وصف بني إسرائيل أقرب منها إلى وصف المعتقد إلا أن اليهود أنفسهم قد استخدموها في الدلالة على المعتقد كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة: ١٣٥)، كما استخدمها القرآن الكريم في الدلالة على الأمرين معًا فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٠)، وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠). أما كلمة المسيحية أو النصرانية؛ فالمسيحية نسبة إلى المسيح ﵇ والنصرانية مرد ُّ ها إلى قرية الناصرة وإلى نصرة المسيح وإلى قولهم: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٥٢) إجابة لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (الصف: ١٤)، ولما كانوا مضرب المثل في التضحية لنصرة المسيح؛ د ُ عوا بهذا الاسم النصارى، وهذه النسب فيها خلاف بين كثيرين ليس هذا مجال بيانه الآن. وإذا كان الاسمان السابقان: يهود ونصارى قد وردا كثير ً افي القرآن الكريم مرادًا بهما أتباع موسى وعيسى ﵉ فإن القرآن لم يرد هذه التسمية وقت النزول كاصطلاحًا صار علمًا بالغلبة على هؤلاء، وعندما أراد اليهود والنصارى أن يجعلوا ذلك أي: التسمية وحيًا إلهي ًّ اوعقيدة دينية رد َّ القرآن ذلك؛ لأن ما عليه القوم غير ما جاء به موسى وعيسى ﵉ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (البقرة: ١٣٥) فقال اليهود: كان إبراهيم يهودي ًّ ا، وقالت النصارى: كان إبراهيم نصراني ًّ افبر َّ أه الله تعالى مما قالوا، وأنزل فيه القرآن فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: ٦٧). وفي النص تعريض بهؤلاء دون الإفصاح ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إشارة إلى ما وقعوا فيه من الشرك هم، وعندما ك َ ث ُ ر جدلهم وحوارهم حول هذا الأمر ورد الخطاب العقلي الهادي الهادف ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: ٦٥ - ٦٧). وقال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ١٤٠) إذن الدين هو الإسلام، وهذه المسميات اليهودية والنصرانية ت ُ سمى بها أقوام ورضوها لأنفسهم اسمًا يدل على دينهم، ولا أساس لهذه التسمية في كتبهم المنزلة من عند الله . ولقد أخبرنا الله تعالى أن أهل الكتاب حر َّ فوا كلام الله وغي َّ روا دينه فقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أولًا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ

стр. 304

يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: ٧٥ - ٧٩). وأخبرنا الله سبحانه أنهم تجرءوا على الله فوصفوه بما لا يليق بجلاله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٠، ٣١)، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: ٦٤)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (آل عمران: ١٨١، ١٨٢). كما أخبرنا الله سبحانه أنهم عادوا الأنبياء الذين خالفوهم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: ٨٧)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (المائدة: ٧٠). ولقد حاولوا قتل عيسى ابن مريم رسول الله فنج َّ اه الله تعالى، ورفعه إليه، ومع ذلك تبجحوا قائلين: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله فكذبهم الله

стр. 305

تعالى فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١٥٧، ١٥٨) ولقد حاولوا قتل محمد رسول الله ﷺ أكثر من مرة ولكن الله عصمه كما وعده ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧)، حاولوا قتله مع أنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ لكثرة نعوته في التوراة، بل إنهم هاجروا إلى المدينة قبل وصوله ﷺ انتظارًا له، وكانت بينهم وبين أهل المدينة من مشركي العرب حروب، فكانت يهود ت ُ هد ّ د المشركين العرب بأنه قد آن أوان نبي آخر الزمان يؤمنون به ويتبعونه ويقتلون العرب معه قتل عاد وإرم، فلما جاءهم كانوا هم أول الكافرين به كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (البقرة: ٨٩، ٩٠). ولم تكن النصارى بأفضل من اليهود فقد حر َّ فوا أيضًا كتاب الله وغلوا في دين الله، وابتدعوا فيه ما لم ينزل الله به سلطان ً ا، وافتروا على الكذب، وقالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وزعموا أن المسيح أمرهم بعبادته من دون الله فكذبهم الله تعالى فقال: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٧٩، ٨٠). وأخبر أن عيسى ﵇ سيتبر َّ أمنهم يوم القيامة ومما نسبوه إليه قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 306

قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: ١١٦، ١١٧). ولقد دمغهم الله تعالى بالكفر بسبب ما زعموا فقال : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة: ١٧)، ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٧٢، ٧٣). ولما كان الله بالناس رءوفًا رحيم ً ا؛ فقد دعاهم إلى التوبة، وقد قالوا ما قالوا، ووصفوه بما لا يليق بجلاله فقال بعد ذلك: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: ٧٤)، وأمر النبي ﷺ إلى أن يدعوهم إلى الدخول في الإسلام وعبادة الله وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبدون من دونه فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٦٤). وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 307

الدرس: ١٧ الأخلاق ومكانتها في الإسلام - أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (١) .

стр. 308

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (الأخلاق ومكانتها في الإسل ام - أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (١)) الأخلاق ومكانتها في الإسلام إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله؛ أما بعد: إن ديننا الحنيف لا ينظم علاقة الإنسان بخالقه فقط وإنما ينظم بخالقه والناس أجمعين مؤمنين وكافرين، ويدعو الدين إلى أن يكون الإحسان هو أصل علاقة الإنسان بربه والناس أجمعين، يقول الله ﵎: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: ٣٦)، وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((اتق ِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحوها، وخالق الناس بخلق حسن))، وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: تقوى الله وحسن الخلق)). قال ابن القيم - رحمة الله عليه -: "جمع النبي ﷺ بين تقوى الله وحسن الخلق؛ لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وربه، وحسن الخلق يصلح ما بين العبد وبين خلقه، فتقوى الله توجب للعبد محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إل ى محبته، وقد سئل ﷺ عن خير الناس فقال: ((أحسنهم أخلاقًا)). فبي َّ ن ﷺ أن خيار المسلمين من حسنت أخلاقهم وكرمت صفاتهم، أما من ساءت منهم الأخلاق وقبحت الصفات فأولئك مع الأشرار، وإن كانوا يصلون ويصومون ويحجون، فإن صلاتهم ليست بصلاة الخاشعين، وصيامهم مجاراة، وحجهم ر ياءً، ولو كان ذلك منهم بإخلاص لأثمر بلا مراء كرام الأخلاق. فإن الصلاة الحق ة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام الخالص داعية الصبر والكرم، والحج المبرور ي ُ ثمر خلق الصبر، وحسن العشرة والمعونة، فبرهان

стр. 309

الصدق في العبادات والإخلاص فيها كرم الأخلاق وآية التقصير فيها سو ؤ ها، عن أبي هريرة ﵁ قال: ((قال رجل: يا رسول الله، إن فلانة تُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال ﷺ : هي في النار. قال: يا رسول الله، فإن فلانة تذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وإنها تص َّ د َّ ق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها بلسانها قال: هي في الجنة))، فسوء الخلق أفسد الأعمال الصالحة وأحبطها فلم تغن ِ عن صاحبها شي ئًا، وحسن الخلق أدخل صاحبه الجنة مع قلة العمل. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وس لم-: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)). وقد اختلفت عبارات العُلماء في ضابط الخلق الحسن؛ فقال علي: " حسن الخلق في ثلاث خصال؛ اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسعة على العيال ". وعن الحسن قال: " حسن الخلق الكرم، والبذلة، والاحتمال "، وعنه قال: " حسن الخلق بسط الوجه، وبذل الند ا، وكف ّ الأذى ". وعن عبد الله بن المبارك قال: " حسن الخلق طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى ". وعنه قال: " حسن الخلق أن يحتمل ما يكون من الناس ". وقال الإمام أحمد: " حسن الخلق ألا تغضب ولا تحقد ". وقال محمد بن نصر: قال بعض أهل العلم: " حسن الخلق ك ظ م الغيظ لله، وإظهار الطلاقة والبشر، والعفو عن الزال ّ ين، وكف الأذى ". قال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: وكل هذه الأقوال إنما هي في ثمرة حسن الخلق، ولم تتعرض لحقيقته. ونحن نقول: الخ ُ ل ُ ق والخ َ ل ْ ق عبارتان مستعملتان مع ً ا، يقال: فلان حسن الخ ُ لق والخ َ لق أي: حسن الباطن والظاهر، في ُ راد بالخ َ ل ْ ق الصورة الظاهرة، وي ُ راد بالخ ُ ل ُ ق الصورة الباطنة، ولكل واحد منهما هيئة وصورة إما قبيحة وإما جميلة.

стр. 310

فالخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروي ّ ة، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقل ً اوشرع ً اسميت تلك الهيئة خلق ً احسن، وإن كان صادر عنها الأفعال القبيحة سميت خلق ًا سيئ ًا. فإذا كان المؤمن بحاجة إلى حسن الخلق؛ فإن الداعية إلى الله هو أحوج المؤمنين إلى حسن الخلق؛ إذ بحسن خلقه ي ُ قبل عليه المدعو ُّ ون، ويستمعون له، ويتبعونه، وينتفعون بدعوته، ولذلك قال الله ﵎ للنبي ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩). والأخلاق الحميدة التي دعا إليها الإسلام كثيرة جد ًّ ا، ويكفي أن يتخل َّ ق الداعية بكل خلق حسن ذكره الله ﵎ في القرآن الكريم، ودعا إليه وحمد أهله وأثنى عليهم؛ اقتضاء بالنبي ﷺ ، فلقد تخلق بمكارم الأخلاق كلها كما أمره ربه في القرآن الكريم، ولذلك لما س ُ ئلت أمنا عائشة ﵂ عن خلقه ﷺ قالت للسائل: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم. قالت: ((كان خلقه القرآن)). من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: الإخلاص أمر الله ﵎ بالإخلاص في القرآن الكريم في أكثر من آية فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (الزمر: ٢)، وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (غافر: ٦٥)، وبي َّ ن أنه أمر السابقين بالإخلاص كما أمر الأخيرين، فقال عن السابقين: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (البينة: ٥)، وبي َّ ن الله أن الإخلاص شرط في قبول

стр. 311

الأعمال فقال : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٢٧)، وقال سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (الحج: ٣٧)، والمراد بالتقوى هو الإخلاص، والمراد بالمتقين المخلصين. وقال : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: ٢). قال الفضيل بن عياض ﵀ في تفسير هذه الآية ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ يعني: أخلصه وأصوبه، فإذا كان العمل خالص ً اولم يكن صواب ً الم ي ُ قبل، وإذا كان صواب ً الم ي ُ قبل، وإذا كان صواب ً اولم يكن خالص ً ا؛ لم يقبل، حتى يكون خالص ً اوصواب ً ا. قالوا: يا أبا علي، ما الخالص، وما الصواب؟ قال: الخالص ما كان لله، والصواب ما وافق سنة رسول الله ﷺ . وقال الله ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ١١٠). قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ قال: هذان ركن االعمل المتقبل لا بد أن يكون خالص ً الله صواب ً اعلى شريعة رسول الله ﷺ . وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى: العمل بغير إخلاص ولا اقتضاء كالمسافر يمل أجرابه رمل ً اينقله ولا ينفعه. فهذا بعض ما جاء في القرآن الكريم في الأمر بإخلاص النية لله . فما هو الإخلاص لغة ً واصطلاح ً ا؟ أقول الإخلاص: لغة مصدر أخلص يخلص، وهو مأخوذ من مادة خَلَص التي تدل على تنقية الشيء وتهذيبه، والشيء الخالص كالصافي إلا أن الخالص ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه، والصافي قد يقال لما لا شوب فيه، وقد تعدَّدت عبارات العلماء في ضابط الإخلاص، فقال التستري: الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة، وقال إبراهيم بن أدهم: الإخلاص صدق النية مع الله تعالى، وقال أبو

стр. 312

عثمان: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط، وقال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وقد قال النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى))، وبهذا الحديث صد َّ ر البخاري ﵀ كتابه الصحيح، وأقامه مقام الخطبة له؛ إشارة منه إلى أن كل عمل لا ي ُ راد به وجه الله تعالى فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة، فالإسلام يرقب بعناية فائقة ما يقارن أعمال الناس من نيات وما ي ُ لابسها من عواطف وانفعالات، وقيمة العمل في الإسلام ترجع قبل كل شيء إلى طبيعة البواعث التي تمخضت عنه، قد ي ُ عطي الإنسان هبة جزيلة؛ لأنه يريد بصنائع المعروف أن يستميل إليه القلوب، وقد يعطيها لأنه يريد أن يجز ي خير ًا من سبقوا، وأسدوا إليه خير ً ا، وكلا المسلكين كرم دفع إليه شعور المرء بنفسه سلب ً اأ وإيجاب ً اكما ي ُ عب ّ ر علماء النفس، ولكن الإسلام لا يعتد ّ بالصدقة إلا خلصت من شوائب النفس، وتمخضت لله وحده على نحو قول الله سبحانه حكاية عن الأبرار: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (الإنسان: ٩). وكما قال عن سيد الصحابة أبي بكر ﵁: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (الليل: ٨١ - ٢١). إن صلاح النية وإخلاص الفؤاد لرب العالمين يرتفعان بمنزلة العمل الدنيوي البحت، فيجعلانه عبادة متقبلة، وإن خبث الطوي َّ ة يهبط بالطاعات المحضة فيقبلها معاصي شا نئة؛ فلا ينال المرء منها بعد التعب في أدائها إلا الفشل والخسارة، حدث في غزوة العسرة أن تقدم إلى رسول الله ﷺ رجال يريدون أن يقاتلوا الكفار معه، وأن يجودوا بأنفسهم في سبيل الله غير أن رسول الله ﷺ لم

стр. 313

يستطع تجهيزهم للخروج معه، فعادوا يبكون حزن ً اعلى عدم قدرتهم على الخروج مع رسول الله ﷺ ، فرفع الله ﵎ عنهم الحرج، وأنزل فيه قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (التوبة: ٩٢)، ف لما انتهى النبي ﷺ إلى تبوك قال للجيش الذي خرج معه: ((إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعب ً اولا وادي ً اإلا وهم معنا، حبسهم العذر)). إن النية الصادقة سج َّ لت لهم ثواب المجاهدين؛ لأنهم قعدوا راغمين، ولئن كانت النية الصالحة ت ُ ضفي على صاحبها هذا القبول الواسع، فإن النية المدخول ة تنضم إلى العمل الصالح في صورته؛ فيستحيل بها إلى معصية تستجلب الويل، كما قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون: ٤ - ٧). إن الصلاة مع الرياء أمست جريمة، وبعدما فقدت روح الإخلاص باءت صورة ميتة لا خير فيها، وكذلك الزكاة إنها إن صدرت عن قلب يسخو لله ويدخر عنده صدقته ق ُ بلت منه، وإلا فهي عمل باطل كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ (البقرة: ٢٦٤) إن القلب المقفرَّ من الإخلاص لا ي ُ نبت قبول ً اكالحجر المكسو ّ بالتراب لا ي ُ خرج زرع ً ا، والقشور الخادعة لا تغني عن اللباب الرديء شيئ ً األا ما أنفس الإخلاص، وأغزر بركته إنه ي ُ خالط القليل فينم ّي هـ حتى يزن الجبال، ويخلو منه الكثير؛ فلا يزن عند الله مثقال ذرة، فعلى طالب العلم أن ي ُ خلص نيته لله ﵎ وعلى كل داعية أن ي ُ خلص نيته لله ﵎، وعلى معلم العلم ومعلم القرآن أن يخلص نيته لله ﵎، وعلى

стр. 314

كل عامل أن يخلص لله في عمله، وأن يبتغي وجه الله ؛ حتى يتحقق له الأجر والثواب الذي وعده الله ﵎ به، وإلا انقلب عمله عليه، وصار حجة عليه، ودخل بسبب عدم إخلاص نيته النار الحامية، والعياذ بالله. عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول الناس ي ُ قضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جرئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجه فألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأ ُ تي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت ف يها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجه هـ حتى أ ُ لقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت. ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجه فألقي في النار)). وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسل م-: ((بش ّ ر هذه الأمة بالثناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب)). فالإخلاص الإخلاص أيها الداعية فإنه أساس نجاحك في دعوتك، وأساس قبول جهدك الذي تبذله في هذه الدعوة، فإن قلت: وما هي علامة الإخلاص؟ فالجواب: إن علامة إخلاصك في الدعوة انفعالك بالدعوة وتحسسك لها، وبذل أقصى الجهد في تبليغها؛ لأن من أخلص لشيء أعطاه كل ما يملك من ماله ووقته وجهده وفكره، وكل إمكانياته، لا بد أن تكون كلها في خدمة الدعوة، وتحت تصرفها.

стр. 315

فالداعية الذي يعطي دعوته ماله ويبخل عليها بوقته، أويعطيها جهده الجسمي ويضن ّ عليها بنتاج عقله؛ لا يمكن أن يكون مخلص ً الدعوته، ولا مهتم ًّا بنشرها؛ لأن الداعية المخلص يجب أن تكون دعوته هي شغل هـ الشاغل الذي لا يصرفه عنه صارفه مهما عظم، فهو يقدم الدعوة على طعامه وشرابه، ويؤثرها على زوجه وأولاده، ويتصورها في يقظته ومنامه، ويبذل ماله ليكسب لها الأنصار، ويتألف بها الأعوان، ويضني جسمه ليبلغ بها أبعد الآفاق، ويكد ّ عقله ليبتكر الوسائل التي تعينه على إقناع الناس بها، وتحثهم على الالتفاف حولها. هذا؛ وإن للإخلاص فوائد كثيرة: منها أن يمد ّ جأش صاحبه بقوة، فلا يتباط أأن ينهض للدفاع عن الحق، ومنها: أنه يشرح صدر صاحبه للإنفاق في وجوه البر فتجده ي ُ ؤثرها بجانب من ماله وإن كان به خصاصة، ومنها أنه يعلم صاحبه الزهد في عرض الدنيا فلا ي ُ خشى منه أن ينو ّ هـ الحق، أويلبسه بشيء من الباطل ولو أعطي الشيء الكثير من المال، ومنها أنه يحمل القاضي على تحقيق النظر في القضايا، فلا يتسرع في القضية ويفصل فيها إلا بعد أن يتثبت، ويتبين له الحق. ومن فوائد الإخلاص أنه يحمل المعلم على أن يبذل جهده في إيضاح ما خفي على التلميذ، وأ لا يبخل على الطلاب بما تسعه أفاهمهم من المباحث المفيدة، ومنها أنه يمنع التاجر من الخيانة؛ فلا يخون الذي يأتمنه، ومنها أنه يحمل صاحبه على إجادة العمل، وأن يكون محسن ًا فيه، ومنها أنه يحمل صاحبه على الوفاء بالعهد والوعد، ومنها أنه يحمل صاحبه عل ى الوفاء بالعهد والوعد، ومنها أنه يحمل صاحبه على أن يكون عمله للقريب والبعيد سواء، ومنها أن العبد لا يتخلص من الشيطان إلا بإخلاص ني َّ ته للرحمن، فقد حكى الله ﵎ عن إبليس -لعنه الله- أنه قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: ٨٢، ٨٣).

стр. 316

ومنها: أنه يمي ّ ز العمل من العيوب كتمييز اللبن من الفرس والدم، ومنها أن المخلص إذا نام حتى ي ُ ريح نفسه ويجم ّ ها للعمل ليتقو َّ ى على العبادة يكون نومه عبادة، كما في الحديث عن أبي الدرداء ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: ((من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح؛ ك ُ تب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه)). وعن أبي كبشة الأنماري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مال ً اوعلم ً افهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علم ً اولم يرزقه مال ً افهو صادق النية يقول: لو أن لي مال ًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجره سواء)). فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفات العلى أن يعيننا على إخلاص نيتنا له، وأن يجعل جهدنا الذي نبذله في الدعوة إليه خالص ًا لوجه هـ الكريم، لا نريد به رياء ولا سمعة، ولا عرض ًا من أعراض الدنيا، فإن الله ﵎ قال: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (الشورى: ٢٠). من أهم الأخلاق التي تلزم الداعية: الشجاعة ومن أهم الأخلاق التي تلزم الداعية بعد الإخلاص: الشجاعة: الشجاعة: لغة مصدر شَجُع فلان أي: صار شجاع ًا، وهو مأخوذ من مادة شجع التي تدل على الجرأة والإقدام. قال ابن فارس: ومن ذلك قولهم الرجل الشجاع وهو المقدام، والشجعة من النساء الجرئية، وقال ابن منظور: شجع شجاعة اشتد ّ عند البأس، والشجاعة شدة القلب في البأس، والشجاعة

стр. 317

اصطلاح ً اتنوعت فيها عبارات العلماء. فقال الجاحظ: الشجاعة هي الإقدام على المكاره والمهالك عند الحاجة إلى ذلك، وثبات الجأش عند المخاوف مع الاستهانة بالموت. وقال المناوي: الشجاعة هي الإقدام الاختياري على مخاوف نافعة في غير مبالاة. وقال ابن حزم: الشجاعة هي بذل النفس لل ذ ود عن الدين أو الحريم أو عن الجار المضطهد، أو عن المستجير المظلوم، وعمن هضم ظلم ً افي المال والعرض، وسائر سبل الحق سواء قل َّ من يعارض أوكثر. وقال الجرجاني: الشجاعة هيئة حاصلة للقوة الغضبية بين التهور والجبن، بها ي ُ قدم على أمور ينبغي أن يقدم عليها، كالقتال مع الكفار ما لم يز ي دوا على ضعف المسلمين. وقد أمر الله ﵎ عباده المؤمنين بالشجاعة والثبات عند اللقاء، ونهاهم عن الجبن وحذرهم من تولي ة الأدبار فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال: ١٥، ١٦)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: ٤٥)، ومدح الله أصحاب رسول الله ﷺ على شجاعتهم وجرأتهم، وإقدامهم على لقاء عدوهم فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: ١٧٣، ١٧٤) والشجاعة من أهم أخلاق الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - وبفضلها بعد فضل الله واجهوا قومهم وتحدوهم، وثبتوا في وجههم حتى بلغوهم رسالة ربهم، انظر إلى شجاعة أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض نوح ﵇-

стр. 318

يقول الله ﵎: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (يونس: ٧١)، إن كان الأمر قد بلغ منكم مبلغ الضيق؛ فلم تعودوا تتحملون بقائي فيكم ودعوتي لكم، وتذكيري لكم بآيات الله؛ فأنتم وما تريدون، وأنا ماض ٍ في طريقي لا أعتمد إلا على الله، فعلى وحده توكلت، فهو حسبي دون غيره فأجمعوا أنتم أمركم وشركاء كم، وتدبروا مصادر أمركم وموارده، وخذوا أ ُ هبَّتكم متضام ن ين، ولا يكن أمركم عليكم غ ُ م ّ ة، بل ليكن الموقف واضحًا في نفوسكم وما تعتزمونه مقرر ً الا لبس فيه ولا غمو ض، ولا تردد فيه ولا رجعة، ثم اقضوا فنفذوا ما اعتزمت بشأني، وما دبرتم بعد الر ّو ي ّ ة ووزن الأمور كلها والتصميم الذي لا تردد فيه، ﴿و َ ل َ ات ُ ن ْ ظ ِ ر ُ ون َ﴾ ولا تمهلوني للأهبة والاستعداد، فكل استعدادي هو اعتمادي على الله وحده دون سواه. الله أكبر: إنه التحدي الصريح المثير الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئ يديه من قوته، واثق كل الوثوق من ع ُ د ّ ته حتى لا يغري خصومه بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يه اجموه، فماذا كان وراء نوح من القوة والع ُ دة؟ وماذا كان معه من قوى الأرض جميع ً ا؟ لقد كان معه الإيمان، الإيمان القوة التي تتصغار أمامها القوى، وتتضاءل أمامها الكثرة، ويعجز أمامها التدبير، وكان وراء هـ الله الذي لا يدع أولياءه لأولياء الشيطان، إنه الإيمان بالله وحده ذلك الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما فيه ومن فيه، فليس هذا التحدي غرور ً ا، وليس كذلك تهور ً ا، وليس انتحار ً ا؛ إنما هو تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوى الهزيلة الفانية التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإيمان.

стр. 319

وتأمل أخي الداعية أيضًا شجاعة هود ﵇ وهو يواجه قومه ويتحداهم بعد أن هد ّ دوه بأنهم يخافون عليه من آلهتهم أن تصيبهم بسوء إن لم تكن قد أصابته ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ (هود: ٥٤) فماذا كان جوابه ﵇ قال: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود: ٥٤ - ٥٧) وإن الإنسان ليدهش لرجل فرد يواجه قومًا غلاظ ًا شداد ًا حمقى يبلغ بهم الجهل أن يعتقد أن هذه المعبودات الزائفة تمس ّ رجل ًا فيهذي، ويرى في الدعوة إلى الله الواحد هذيان ًا من أثر المس، إن الإنسان ليدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفترا ة هذه الثقة فيسفهم عقيدتهم، ويقرعهم عليهم، ويؤنبهم، ثم يهيج ضر اوتهم بالتحدي لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم، ولا يدعهم يتريثون فيفتر غضبهم. إن الإنسان ليدهش لرجل فرد يقتحم هذا الاقتحام على قوم غلاظ شداد، ولكن الدهشة تزول عندما يتدبر العوامل والأسباب إنه الإيمان والثقة، والاطمئنان. الإيمان بالله، والثقة بوعده، وال اطمئنان إلى نصره، الإيمان الذي ي ُ خالط القلب فإذا وعد الله بالنصر حقيقة ملموسة في هذا القلب لا يشك فيها لحظة؛ لأنها ملء يديه وملء قلبه الذي بين جنبيه، وليست وعد ً اللمستقبل في ضمير الغيب؛ إنما هي حاضر واقع تتمل َّ اه العين والقلب، ولم تكن هذه الشجاعة قاصرة على فرد أو فردين من أنبياء الله ورسله، ولكنها كانت خ ُ ل ُ ق جميع الأنبياء والمرسلين كما

стр. 320

قال الله ﵎ عنهم: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (الأحزاب: ٣٩). يقول ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: يمدح الله ﵎ الذين يبلغون رسالات الله أي: إلى خلقه، ويؤد ّ ونها بأماناتها، ويخشونه أي: يخافون الله وحده، ولا يخافون أحد ًا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله تعالى ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله ناصر ً اومعين ً ا، ثم يقول ابن كثير ﵀: وسيد الناس في هذا المقام، بل وفي كل مقام محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع؛ فإنه قد كان النبي قبله إنما ي ُ بعث إلى قومه خاصة، وأما هو ﷺ فإنه ب ُ عث إلى جميع الخلق عربيهم وعجمهم كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨). ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ﵃ بلغوا عنه، كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله في ليله ونهاره، وحضره وسفر، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زمننا هذا، فبنورهم يقتضي المقتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم بإحسان. والشجاعة والإخلاص متلازمان؛ فكلما أخلص الداعية نيته، واحتسب عند الله جهده ودعوته كلما كان جريئًا على تبليغ دين الله ، يقول العلامة السعدي ﵀: الشجاعة خلق نفسي، ولكن له مواد تمدُّه منها الإخلاص لله وعدم مراءاة الخلق، فإن المخلص الذي لا يريد إلا وجه الله وثوابه لا يُبالي بلوم
следующие страницы →