Полный текст (394 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ومنها: أنه يمي ّ ز العمل من العيوب كتمييز اللبن من الفرس والدم، ومنها أن المخلص إذا نام حتى ي ُ ريح نفسه ويجم ّ ها للعمل ليتقو َّ ى على العبادة يكون نومه عبادة، كما في الحديث عن أبي الدرداء ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: ((من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح؛ ك ُ تب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه)).
وعن أبي كبشة الأنماري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مال ً اوعلم ً افهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علم ً اولم يرزقه مال ً افهو صادق النية يقول: لو أن لي مال ًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجره سواء)).
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفات العلى أن يعيننا على إخلاص نيتنا له، وأن يجعل جهدنا الذي نبذله في الدعوة إليه خالص ًا لوجه هـ الكريم، لا نريد به رياء ولا سمعة، ولا عرض ًا من أعراض الدنيا، فإن الله ﵎ قال: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (الشورى: ٢٠).
من أهم الأخلاق التي تلزم الداعية: الشجاعة
ومن أهم الأخلاق التي تلزم الداعية بعد الإخلاص: الشجاعة:
الشجاعة: لغة مصدر شَجُع فلان أي: صار شجاع ًا، وهو مأخوذ من مادة شجع التي تدل على الجرأة والإقدام. قال ابن فارس: ومن ذلك قولهم الرجل الشجاع وهو المقدام، والشجعة من النساء الجرئية، وقال ابن منظور: شجع شجاعة اشتد ّ عند البأس، والشجاعة شدة القلب في البأس، والشجاعة
стр. 317
اصطلاح ً اتنوعت فيها عبارات العلماء. فقال الجاحظ: الشجاعة هي الإقدام على المكاره والمهالك عند الحاجة إلى ذلك، وثبات الجأش عند المخاوف مع الاستهانة بالموت. وقال المناوي: الشجاعة هي الإقدام الاختياري على مخاوف نافعة في غير مبالاة. وقال ابن حزم: الشجاعة هي بذل النفس لل ذ ود عن الدين أو الحريم أو عن الجار المضطهد، أو عن المستجير المظلوم، وعمن هضم ظلم ً افي المال والعرض، وسائر سبل الحق سواء قل َّ من يعارض أوكثر. وقال الجرجاني: الشجاعة هيئة حاصلة للقوة الغضبية بين التهور والجبن، بها ي ُ قدم على أمور ينبغي أن يقدم عليها، كالقتال مع الكفار ما لم يز ي دوا على ضعف المسلمين.
وقد أمر الله ﵎ عباده المؤمنين بالشجاعة والثبات عند اللقاء، ونهاهم عن الجبن وحذرهم من تولي ة الأدبار فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال: ١٥، ١٦)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: ٤٥)، ومدح الله أصحاب رسول الله ﷺ على شجاعتهم وجرأتهم، وإقدامهم على لقاء عدوهم فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: ١٧٣، ١٧٤)
والشجاعة من أهم أخلاق الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - وبفضلها بعد فضل الله واجهوا قومهم وتحدوهم، وثبتوا في وجههم حتى بلغوهم رسالة ربهم، انظر إلى شجاعة أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض نوح ﵇-
стр. 318
يقول الله ﵎: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (يونس: ٧١)، إن كان الأمر قد بلغ منكم مبلغ الضيق؛ فلم تعودوا تتحملون بقائي فيكم ودعوتي لكم، وتذكيري لكم بآيات الله؛ فأنتم وما تريدون، وأنا ماض ٍ في طريقي لا أعتمد إلا على الله، فعلى وحده توكلت، فهو حسبي دون غيره فأجمعوا أنتم أمركم وشركاء كم، وتدبروا مصادر أمركم وموارده، وخذوا أ ُ هبَّتكم متضام ن ين، ولا يكن أمركم عليكم غ ُ م ّ ة، بل ليكن الموقف واضحًا في نفوسكم وما تعتزمونه مقرر ً الا لبس فيه ولا غمو ض، ولا تردد فيه ولا رجعة، ثم اقضوا فنفذوا ما اعتزمت بشأني، وما دبرتم بعد الر ّو ي ّ ة ووزن الأمور كلها والتصميم الذي لا تردد فيه، ﴿و َ ل َ ات ُ ن ْ ظ ِ ر ُ ون َ﴾ ولا تمهلوني للأهبة والاستعداد، فكل استعدادي هو اعتمادي على الله وحده دون سواه.
الله أكبر: إنه التحدي الصريح المثير الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئ يديه من قوته، واثق كل الوثوق من ع ُ د ّ ته حتى لا يغري خصومه بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يه اجموه، فماذا كان وراء نوح من القوة والع ُ دة؟ وماذا كان معه من قوى الأرض جميع ً ا؟ لقد كان معه الإيمان، الإيمان القوة التي تتصغار أمامها القوى، وتتضاءل أمامها الكثرة، ويعجز أمامها التدبير، وكان وراء هـ الله الذي لا يدع أولياءه لأولياء الشيطان، إنه الإيمان بالله وحده ذلك الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما فيه ومن فيه، فليس هذا التحدي غرور ً ا، وليس كذلك تهور ً ا، وليس انتحار ً ا؛ إنما هو تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوى الهزيلة الفانية التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإيمان.
стр. 319
وتأمل أخي الداعية أيضًا شجاعة هود ﵇ وهو يواجه قومه ويتحداهم بعد أن هد ّ دوه بأنهم يخافون عليه من آلهتهم أن تصيبهم بسوء إن لم تكن قد أصابته ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ (هود: ٥٤) فماذا كان جوابه ﵇ قال: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود: ٥٤ - ٥٧)
وإن الإنسان ليدهش لرجل فرد يواجه قومًا غلاظ ًا شداد ًا حمقى يبلغ بهم الجهل أن يعتقد أن هذه المعبودات الزائفة تمس ّ رجل ًا فيهذي، ويرى في الدعوة إلى الله الواحد هذيان ًا من أثر المس، إن الإنسان ليدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفترا ة هذه الثقة فيسفهم عقيدتهم، ويقرعهم عليهم، ويؤنبهم، ثم يهيج ضر اوتهم بالتحدي لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم، ولا يدعهم يتريثون فيفتر غضبهم.
إن الإنسان ليدهش لرجل فرد يقتحم هذا الاقتحام على قوم غلاظ شداد، ولكن الدهشة تزول عندما يتدبر العوامل والأسباب إنه الإيمان والثقة، والاطمئنان. الإيمان بالله، والثقة بوعده، وال اطمئنان إلى نصره، الإيمان الذي ي ُ خالط القلب فإذا وعد الله بالنصر حقيقة ملموسة في هذا القلب لا يشك فيها لحظة؛ لأنها ملء يديه وملء قلبه الذي بين جنبيه، وليست وعد ً اللمستقبل في ضمير الغيب؛ إنما هي حاضر واقع تتمل َّ اه العين والقلب، ولم تكن هذه الشجاعة قاصرة على فرد أو فردين من أنبياء الله ورسله، ولكنها كانت خ ُ ل ُ ق جميع الأنبياء والمرسلين كما
стр. 320
قال الله ﵎ عنهم: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (الأحزاب: ٣٩).
يقول ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: يمدح الله ﵎ الذين يبلغون رسالات الله أي: إلى خلقه، ويؤد ّ ونها بأماناتها، ويخشونه أي: يخافون الله وحده، ولا يخافون أحد ًا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله تعالى ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله ناصر ً اومعين ً ا، ثم يقول ابن كثير ﵀: وسيد الناس في هذا المقام، بل وفي كل مقام محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع؛ فإنه قد كان النبي قبله إنما ي ُ بعث إلى قومه خاصة، وأما هو ﷺ فإنه ب ُ عث إلى جميع الخلق عربيهم وعجمهم كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨). ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ﵃ بلغوا عنه، كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله في ليله ونهاره، وحضره وسفر، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زمننا هذا، فبنورهم يقتضي المقتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم بإحسان.
والشجاعة والإخلاص متلازمان؛ فكلما أخلص الداعية نيته، واحتسب عند الله جهده ودعوته كلما كان جريئًا على تبليغ دين الله ، يقول العلامة السعدي ﵀: الشجاعة خلق نفسي، ولكن له مواد تمدُّه منها الإخلاص لله وعدم مراءاة الخلق، فإن المخلص الذي لا يريد إلا وجه الله وثوابه لا يُبالي بلوم
стр. 321
اللائمين إذا كان في ذلك رضًا لرب العالمين؛ فيُقدم على قول الحق غير مبالٍ بانتقاد من انتقده في موضوعه أو لفظه أو فصاحته أو عدمها لا يعدُّ المدح من الناس شيئًا في جانب قيامه بالحق. أما المرائي المتزيّن للناس، الواقف في همته على مدحهم وذمهم، فما أسرع خوره في المقامات الرهيبة، وما أعظم هلعه وهيبته إذا رماه الناس بأبصارهم، وما أقل ثبوته عند اعتراض المعترضين، وذم الذَّامين، والسبب في هذا أنه جعل تعظيم الخلق ومدحهم وثناءهم نُصب عينيه، وقبلة قلبه، وهو غايته التي يطلب.
ومعلوم أن من كانت هذه حالة أن أقواله وأفعاله تقع على هذا النحو الذي ينحو، والطريقة التي إليها يصبو، ومع ذلك لو قام في مقام من مقاماته الوضيعة؛ لكانت أقواله وأفعاله قليلة البركة، غير مأمون من ثبوته عليها، ولو تأملت الغاية التي يسعى إليها وهي إرادة تعظيم الخلق؛ لوجدت هذا التعظيم أو الثناء، إذا فرض وجوده نفاقًا وتزينًا، واتباعًا للأغراض المتنوعة، فما أسرع ما ينقطع ويتبدّل بضدّه. أما المخلص لله القاصد لوجهه الذي غرضه نفع عباد الله، فإن الله يجعل في أعماله وكلامه الخير والبركة، ولو قُدّر أن يعترضه في هذا الطريق لوم اللائمين، وطعنهم، فيا سرعان ما يزول ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: ١٧).
ومن الجدير بالذكر أنه ليس من الشجاعة أن يحرص الداعية على أن يقول كلمته، مهما ترتَّب عليها من المضارّ والمفاسد، وليس من الشجاعة أن يقف الداعية على منبره يسبّ ويشتم، ويشهّر، ويجرح معتقدًا أن ذلك من الشجاعة، وأنه بذلك من أفضل المجاهدين يبلّغ رسالة ربه ولا يخاف في الله لومة لائم، وهذا فهم خاطئ؛ لأن هذا التصرف إنما هو من التهور المذموم، لأن الشجاعة المحمودة -
стр. 322
كما سبق في تعريفها- إنما هي بين الجُبن والتهوُّر. يقول الإمام السعدي -رحمة الله عليه: حقيقة الشجاعة هي الصبر والثبات والإقدام على الأمور النافع تحصيلها أو دفعها، وتكون في الأقوال وفي الأفعال.
فأصلها في القلب، وهو ثباته وقوته، وسكونه عند المهملات والمخاوف، وثمرته الإقدام في الأقوال والأفعال، وعند القلق والاضطراب، وكماله وزينته أن يكون موافقًا للحكمة، فإنه إذا زاد عن حدّ الحكمة؛ خُشي أن يكون تهورًا وسفهًا وإلقاء باليد إلى التهلكة، كم من داعية مُنع من منبره بكلمة قالها، وكم من داعية ذي جمهور غفير نفع الله به، حرم نفسه من جمهور وحرم جمهوره منه بكلمة عفوية صدرت منه، ظنّ أن قولها شجاعة وكان في الحقيقة تهورًا، فعلينا أن نفقه أن الأخلاق الحميدة دائمًا وسط بين المذموم والمحمود، يقول الشيخ ﵀: فإذا زاد عن حدّ الحكمة خُشي أن يكون تهورًا وسفهًا وإلقاء باليد إلى التهلكة، وذلك مذموم كما يذم الجبن يذم التهور، فالشجاعة خلق فاضل متوسط بين خلقين رزيلين وهما الجبن والتهور.
وإذا كان الإخلاص مددٌ للداعية يشجعه على الشجاعة والإقدام، وتبليغ دين الله ؛ فإن مما يمدّ هذا الخلق أيضًا الإيمان بالله وقوة التوكل عليه، وكمال الثقة به سبحانه، وأن يعلم الداعية أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما أن مما يمد الداعية بالشجاعة الإكثار من ذكر الله والثناء عليه كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: ٤٥).
فمتى قوي العبد بالله وبقضائه وقدره وقوي يقينه بالثواب والعقاب، وتمّ توكله على الله، وثقته بكفاية الله، وعلم أن الخلق لا يضرون ولا ينفعون، وأن
стр. 323
نواصيهم بيد الله ، وعلم الآثار الجليلة الناشئة عن الشجاعة متى تمكنت هذه المعارف من قلب الداعية قوي قلبه، واطمأن فؤاده، وأقدم على كل قول وفعل ينفع الإقدام عليه، ولا بد لمن كانت هذه حالة أن يمده الله بمدد من عنده لا يدركه العبد بحوله ولا قوته، فإن من كان الله معه فلا خوف عليه، ومن كان الله معه هانت عليه المصاعب، ودفع الله عنه المكاره يقول الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٤٩) انظر إلى حالة نبينا -صلوات الله وسلامه عليه- وقد أحاطت به المخاوف المزعجة وهو في الغار، والأعداء منتشرون في طلبه، وأبو بكر يقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، فما كان منه ﷺ إلا أن قال لصاحبه: ((يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا)).
وانظر إلى جميع مقاماته ﷺ في الدعوة وجهاد الأعداء وهو صادع بأمر الله، معلن بدعوته للقريب والبعيد والعدو والصديق، لا تصده معارضة الأعداء ولا قلة الأنصار والأولياء، لم يفتر ولم يضعف، ولم يلن ولم يخف مخلوقًا، ولم يثنه خذلان الخاذلين، ولا لوم اللائمين، بل ثبت ﷺ على الدعوة والجهاد المستمر أعظم من ثبوت الرواسي، وهو مع ذلك مطمئنّ الضمير، ثابت الجأش، واثقًا بوعد الله، مستبشرًا بنصر الله حتى أنجز الله ما وعده، وأكمل دينه، وأعز جنده، وهزم أعداءه، وجعل له العاقبة الحميدة، وتبعه على ذلك خلفاؤه وأصحابه فمضوا على ما مضى عليه نبيهم بإيمان ويقين وثبات كامل، وقوة في الدين؛ حتى فتحوا الأمصار ودانت لهم الأقطار، وأظهر الله بهم الدين، وأتم نعمته على المؤمنين ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الجاثية: ٣٦، ٣٧)
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 324
الدرس: ١٨ أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (٢) .
стр. 325
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن عشر
(أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (٢))
من أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها: الإيجابية
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد:
أعني بالإيجابية أن يكون الداعية له دور فعال في إصلاح المجتمع بحيث يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير، ولا يكون سلبيًّا انعزاليًّا لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، ولا يدعو إلى الخير.
إن الإنسان لا يعيش وحده في هذه الحياة، وإنما يعيش داخل أسرته الصغيرة، وهي العائلة هو فرد من أفرادها، ثم يعيش بأسرته داخل الأسرة الكبيرة، وهي مجتمع هو أيضا في هذا المجتمع أحد أفراده ما يصيب المجتمع من خير يصيبه، وما يصيب المجتمع من شر يصيبه، وذلك يوجب عليه أن يسعى جاهدًا لتحقيق الخير للمجتمع؛ لأنه سيعمه، كما يجب عليه أن يسعى جاهدًا لدفع الشر عن المجتمع؛ لأن الشر إذا عم سيشمله، فمن الخير لكل فرد أن يبذل جهده في تحقيق الخير، ودفع الشر قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: ٢٤، ٢٥).
فأمر الله ﵎ المؤمنين بالاستجابة لله وللرسول في كل ما أمر به الله والرسول ﷺ حتى يحيوا في هذه الحياة الدنيا حياة طيبة ملؤها الأمن والأمان، والسلامة، والسعادة، والسلام، ثم حذرهم من عدم الاستجابة لما دعاهم إليه كما حذرهم من القعود عن دعوة الذين لم يستجيبوا لربهم إن هم استجابوا؛ فليحذروا أن يقعدوا عن دعوة الذين لم يستجيبوا فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وفي هذا
стр. 326
التعقيب تحريض جميعهم على الاستجابة المستلزم تحذيرهم من ضدها بتحذير المستجيبين من إعراض المعرضين؛ ليعلموا أنهم قد يلحقهم أذًى من جراء فعل غيرهم إذا هم لم يقوموا عوج قومهم؛ كي لا يحسبوا أن امتثالهم كافٍ إذا عصى دهماؤهم، فحذرهم فتنة تلحقهم فتعم الظالم وغيره.
فإن المسلمين إن لم يكونوا كلمة واحدة في الاستجابة لله وللرسول ﷺ دب بينهم الاختلاف، واضطربت أحوالهم، واختل نظام جماعتهم باختلاف الآراء، وذلك الحال هو المعبر عنه بالفتنة؛ فعلى عقلاء الأقوام، وأصحاب الأحلام منهم إذا رأوا دبيب الفساد في عامتهم أن يبادروا للسعي إلى بيان ما حل بالناس من الضلال في نفوسهم، وأن يكشفوا لهم ماهيته، وشبهته، وعواقبه، وأن يمنعوه منه بما أوتوه من الموعظة، والسلطان، ويزجروا المفسدين عن ذلك الفساد حتى يرتدعوا؛ فإن هم تركوا ذلك، وتوانوا فيه لم يلبس الفساد أن يسري في النفوس، وينتقل بالعدوى من واحد إلى غيره حتى يعم أو يكاد فيعسر اقتلاعه من النفوس، وذلك الاختلال يفسد على الصالحين صلاحهم، وينكد عليهم عيشهم على الرغم من صلاحهم، واستقامتهم فظهر أن الفتنة إذا حلت بقوم لا تصيب الظالم خاصة بل تعمه، والصالح.
فمن أجل ذلك، وجب اتقاؤها على الكل؛ لأن أضرار حلولها ستصيب جميعهم. عن زينب بنت جحش ﵂: ((أن النبي ﷺ دخل عليها ذات ليلة فزعًا فقال: سبحان الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم إذا كثر الخبث))، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: ١٠٥) يعني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يا من رضيتم بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، ورسولًا يا
стр. 327
من صدقتم بالله، ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل الزموا إصلاح أنفسكم، وتزكيتها بما شرعه الله لكم لا يضركم ضلال غيركم إذ اهتديتم إذ لا تذر وازرة وزر أخرى.
ومن أصول الهداية: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فإذًا لا تكونون مهتدين إلا إذا بلغتم دعوة الحق، والخير، وعلمتم الجاهلين ما أعطاكم الله تعالى من العلم، والدين، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر فإذا لا تكونون مهتدين إلا إذا قمتم بهذا الواجب فلا تكتموا الحق، والعلم كما كتمه من كان قبلكم فلعنهم الله على لسان أنبيائه، ولسان نبيكم ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (المائدة: ٧٨)، ثم أعلمهم أنهم إلى الله راجعون ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: إليه وحده رجوعكم، ورجوع من ضل عما اهتديتم إليه فينبئكم عند الحساب بما كنتم تعملون في الدنيا، ويجزيكم به.
روى الإمام ﵀ قال: "قام أبو بكر الصديق ﵁ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: ١٠٥)، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه))، وهكذا صحح الخليفة الأول -رضوان الله عليه- ما ترامى إلى وهم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة، ونحن اليوم أحوج إلى هذا التصحيح؛ لأن القيام بتكاليف تغيير المنكر قد صارت أشق فما أيسر ما يلجأ الضعفاء إلى تأويل هذه الآية على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهاد ومشاقه، ويريحهم من عنت الجهاد، وبلائه.
стр. 328
لقد اتفق السلف -رضوان الله عليهم أجمعين- أن المؤمن لا يكون مهتديًا بمجرد إصلاحه نفسه إذا لم يهتم بإصلاح غيره، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويفهم منه أن هذا فرض لازم دائم، ولكن البعض قد يقول: إن فريضة الأمر والنهي، تسقط إذا فسد الناس فساد لا يرجى معه تأثير الوعظ، والإرشاد أو فسادًا يخشى إلى إيذاء الواعظ والمرشد، ولكن لا بد كما أمر الله من واجب القيام بالمعروف، والنهي عن المنكر فإذا قامت الدعاة بواجبهم، وكانوا إيجابيين في مجتمعهم لهم دورهم الفعال في الدعوة إلى الهدى، والصلاح فاستجاب المجتمع لهم فقد تحقق الخير للجميع، ونجوا جميعًا من عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة.
وإذا قام الدعاة بواجبهم فلم يستجب لهم الناس فنزل العذاب أخذ الظالمين، ونجى الله ﵎ الدعاة الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر كما قال الله تعالى: ﴿وَاسْْْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦)، ففي هذه الآيات المباركات من سورة الأعراف يأمر الله رسوله ﷺ أن يسأل اليهود عن هذه الواقعة المعلومة لهم في تاريخ أسلافهم، ولا يذكر اسم القرية التي كانت حاضرة البحر فهي معروفة للمخاطبين.
فأما الواقعة ذاتها؛ فقد كان أبطالها جماعة من بني إسرائيل يسكنون مدينة ساحلية، وكان بنو إسرائيل قد طلبوا أن يجعل لهم يوم راحة يتخذونه عيدًا للعبادة، ولا يشتغلون فيه بشئون المعاش فجعل لهم السبت، ثم كان الابتلاء
стр. 329
ليربيهم الله تعالى، ويعلمهم كيف تقوى إرادتهم على المغريات، والأطماع، وكيف ينهضون بعهودهم حين تصطدم بهذه المغريات، والأطماع، ولم يصمت فريق من بني إسرائيل للابتلاء الذي كتبه الله عليهم بسبب ما تكرر قبل ذلك من فسوقهم، وانحرافهم فلقد جعلت الحيتان في يوم السبت تتراءى لهم على الساحل قريبة المأخذ سهلة الصيد فتفوتهم، وتفلت من أيديهم بسبب حرمة السبت التي قطعوها على أنفسهم؛ فإذا مضى السبت، وجاءتهم أيام الحل لم يجدوا الحيتان قريبة ظاهرة كما كانوا يجدونها يوم الحرم، فإذا جماعة منهم تهيج مطامعهم أمام هذا الإغراء فتتهاوى عزائمهم، وينسون عهدهم مع ربهم، وميثاقهم فيحتالون الحيل على طريقة اليهود للصيد في يوم السبت.
وقد روي في بيان هذه الحيلة التي احتالوا بها على الصيد في يوم السبت أنهم كانوا يقيمون الحواجز على السمك، ويحوطون عليه في يوم السبت حتى إذا جاء الأحد سارعوا إليه فجمعوه، وقالوا: إنهم لم يصطادوه في السبت فقد كان في الماء، وراء الحواجز غير مصاد، وهكذا راح فريق من سكان القرية يحتالون على السبت الذي حرم عليهم الصيد فيه، وراح فريق منهم آخر يرى ما يفعلونه من الاحتيال على الله فيحذر الفريق العاصي مغبة احتياله، وينكر عليه ما يزاوله من الاحتيال بينما مضى فريق ثالث يقول للآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر: ما فائدة ما تزاولونه مع هؤلاء العصاة، وهم لا يرجعون عن ما هم آخذون فيه، وقد كتب الله عليهم الهلاك، والعذاب: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (الأعراف: ١٦٤).
فلم تعد هناك جدوى من الوعظ لهم، ولم تعد هناك جدوى لتحذيرهم بعد ما كتب الله عليهم الهلاك أو العذاب الشديد بما اقترفوه من انتهاك الحرمات فقال الذين قاموا بواجب الدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر قال الإيجابيون
стр. 330
الذين حرصوا على أن يكون لهم دور فعال في إصلاح المجتمع بقيامهم بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فهو واجب لله نؤديه، واجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتخويف من انتهاك الحرمات لنبلغ إلى الله عذرنا، ويعلم أن قد أدينا واجبنا، ثم لعل النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فيثير فيها وجدان التقوى.
وهكذا انقسم سكان الحاضرة إلى ثلاث فرق، أو ثلاث أمم: أمة عاصية محتالة، وأمة تقف في وجه المعصية والاحتيال وقفة إيجابية بالإنكار، والتوجيه، والنصيحة، وأمة تدع المنكر، وأهله، وتقف موقف الإنكار السلبي، ولا تدفعه بعمل إيجابي، وهي طرائق متعددة من التصور، والحركة تجعل الفرق الثلاثة أممًا ثلاثة فلما لم يجد النصح، ولم تنفع العظة، وسدر السادرون في غيهم حقت كلمة الله، وتحققت نظره فإذ الذين كانوا ينهون عن السوء في نجوة من السوء، وإذا الأمة العاصية يحل بها العذاب الشديد العذاب البئيس بما كانوا يفسقون، وأما الأمة الانعزالية الثالثة التي سكتت عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فقد سكت النص عنها ربما تهوينًا لشأنها، وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب إذ أنها قعدت عن الإنكار الإيجابي، ووقفت عند حدود الإنكار السلبي فاستحقت الإهمال، وإن لم تستحق العذاب: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (الأعراف: ١٦٥، ١٦٦).
فعليك أيها الداعية أن تكون إيجابيًّا، وإياك أن تكون انعزاليًّا تؤثر الراحة، والخلود إلى الأرض، وتأوي إلى الفراش، وتترك الناس يتركون دين الله،
стр. 331
ويتركون ما فرض عليهم القيام به، ويقعون فيما حرم عليهم؛ فإنك أيها الداعية راع، وكل راع مسئول عن رعيته كما قال ﷺ فإذا غبت عن رعيتك تخلت عن واجبها، وتعرضت لعذاب الله الذي يخشى أن يصيبك معهم كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥).
فلا يجوز للداعية أن يبتعد عن الناس، ويعتزلهم، ويترك دعوتهم، ولو كانت له نية حسنة في هذه العزلة، وهذا الابتعاد عن المجتمع إننا نقرأ في كتاب الله أن عملًا كهذا سبق من موسى ﵇ فأوقفه الله به موقف الحساب والمؤاخذة؛ لأن شعبا بأسره ضل بغياب موسى عنهم قال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾، (طه: ٨٣ - ٨٦).
وإنا لنرى في سيرة سيد الدعاة محمد ﷺ أنه لم يلجأ إلى هذه العزلة مرة واحدة مذ أمره الله بالدعوة، والتبليغ فقد ظل مع أصحابه، وأتباعه لا يفارقهم فهو معهم في المسجد، والسوق، والحقل، والبستان، وسائر مجالسهم، وكان يصحبهم في حروبهم، وموسم حجهم، ويزورهم في بيوتهم، ويعود مرضاهم، ويشيع جنازاتهم، ويجاملهم، ويواسيهم، ويشاطرهم ما ينزل بهم من خير وشر، وهو في كل ذلك مصدر رشاد، وهداية، وزاد لقلوبهم، وأرواحهم، ونور يمشون به إلى الله نعم لقد كان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، ولكن أين كان يعتكف إنه كان يعتكف في مسجده الشريف في وسط المدينة، والمسجد كما كان دار عبادتهم كان دار ندوتهم، ومجلس شوراهم، وما كان ينقطع دخول الناس فيه ليلًا، ولا نهارًا فهو اعتكاف أشبه بمخالطة، ومخالطة أشبه بعزلة، وهو على أي حال اعتكاف لا يعزله عن الناس، ولا يعزل الناس عنه، ولا يدع الرعية للسامري بدون راعٍ.
стр. 332
لا يصح للداعية أن يطاوع نفسه في العزلة مهما تزينت له المقاصد، والأسباب فصومعة الداعية ميدان دعوته، ومحرابه الذي يستنزل فيه من الله الهدى، والمعونة على فعل الخير إن الله يتجلى على العاملين في ميادينهم بأفضل مما يتجلى على العابدين في محاريبهم، وما أبعد الفرق بين من ينهض إلى الله يوم القيامة، ومعه أمة، ومن ينهض إلى الله وليس معه أحد فيا أيها الداعية كن إيجابيًّا، ولا تكن سلبيًّا مهما كلفتك الإيجابية فإنه لا بد من التضحية من أجل هذا الدين سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
إنه لا بد لأصحاب العقيدة أن يدافعوا عن عقيدتهم، وأن يلقوا في سبيلها العنت، والألم، والشدة، والضر، وأن يتراوحوا بين النصر والهزيمة حتى إذا ثبتوا على عقيدتهم لم تزعزهم شدة، ولم ترهبهم قوة، ولم يهنوا تحت مطارق المحنة، والفتنة استحقوا نصر الله؛ لأنهم يومئذ أمناء على دين الله مأمونون على ما ائتمنوا عليه صالحون لصيانته، والزود عنه، واستحقوا الجنة؛ لأن أرواحهم قد تحررت من الخوف، وتحررت من الذل، وتحررت من الحرص على الحياة أو على الدعة، والرخاء فهي عندئذ أقرب ما تكون إلى عالم الجنة، وأرفع ما تكون عن عالم الطين يقول الله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: ٢١٤).
هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى، وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها، وإلى سنته في تربية عباده المختارين الذين يكل إليهم رايته، وينوط بهم أمانته في الأرض، ومنهجه، وشريعته، وهو خطاب مضطرد لكل من يختار لهذا الدول العظيم، وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة، إن هذا السؤال
стр. 333
من الرسول، والذين آمنوا معه من الرسول الموصول بالله، والمؤمنين الذين آمنوا بالله إن سؤالهم جميعًا: متى نصر الله؟ إن هذا السؤال ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة، ولن تكون إلا محنة فوق الوصف تلقي على ظلالها على مثل هاتيك القلوب فتبعث منها ذلك السؤال المكروب متى نصر الله؟
وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة عندئذ تتم كلمة الله، ويجيء النصر من الله ألا إن نصر الله قريب، ولكنه مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية الذين يثبتون على البأساء، والضراء الذين يصمدون للزلزلة الذين لا يحنون رءوسهم للعاصفة الذين يستيقنون ألا نصر إلا نصر الله، وعندما يشاء الله، وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها فهم يتطلعون فحسب إلى نصر الله لا إلى أي حل آخر، ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله، ولا نصر إلا من عند الله بهذا يدخل المؤمنون الجنة مستحقين لها جديرين بها بعد الجهاد، والامتحان، والصبر، والثبات، والتجرد لله وحده، والشعور به وحده، وإغفال كل ما سواه، وكل من سواه.
إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة، ويرفعها على ذواتها، ويطهرها في بوتقة الألم فيصفو عنصرها، ويضيء، ويهب العقيدة عمقا، وقوة، وحيوية فتتلألأ حتى في أعين أعدائها، وخصومها، وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجًا كما وقع، وكما يقع في كل قضية حق يلقى أصحابها ما يلقون في أول الطريق حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم، وناصرهم أشد المناوئين، وأكبر المعاندين على أنه حتى إذا لم يقع هذا يقع ما هو أعظم منه في حقيقته يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض، وشعورها، وفتنتها، وأن تنطلق من إيثار الحرص على الدعة، والراحة، والحرص على الحياة نفسها في النهاية، وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها، وكسب للأرواح التي تصل إليه
стр. 334
عن طريق الاستعلاء كسب يرجح جميع الآلام، وجميع البأساء، والضراء التي يعانيها المؤمنون المؤتمنون على راية الله، وأمانته، ودينه، وشريعته.
وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف، وهذا هو الطريق كما يصفه الله تعالى للجماعة المسلمة الأولى، وللجماعة المسلمة في كل جيل هذا هو الطريق إيمان، وجهاد، وتضحية، ومحنة، وابتلاء، وصبر، وثبات، وتوجه إلى الله وحده، ثم يجيء النصر في الدنيا، ثم يجيء النعيم في الآخرة في جنات النعيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ولقد أعلم الله تعالى رسوله ﷺ من أول ساعة كلفه فيها بالدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أول ساعة أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ أعلمه أنه سيبذل الكثير من الجهد، وسيبذل الكثير من الوقت، وسيلقى الكثير من الاضطهاد، والتعذيب، وأن عليه ﷺ أن يعد نفسه لذلك بما أرشده الله تعالى إليه ليمضي قدمًا في طريق دعوته غير عابئ، ولا مكترث بما يبذله من أجلها من تضحيات، ولا بما يصيبه بسببها من مصائب يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (المزمل: ١ - ١٠).
هكذا نادى الله نبيه ﷺ وقد رجع بعد أول لقاء معه مع جبريل ﵇ إلى زوجه خديجة ﵂ خائفًا مرتعشًا يقول: ((زملوني زملوني فزملوه فنام فجاءه الوحي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾)) يا أيها الملفوف بلحافه المتغطي بثيابه يا أيها المزمل قم قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك قم للجهد، والنصب،
стр. 335
والكد، والتعب قم فقد مضى وقت النوم، والراحة قم فتهيأ لهذا الأمر، واستعد له، وإنها لكلمة عظيمة رهيبة تنتزعه ﷺ من دفء الفراش في البيت الهادئ، والحضن الدافئ لتدفع به في الخضم بين الزعازع، والأنواء بين الشد، والجذب في ضمائر الناس، وفي واقع الحياة سواء. إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، ولكنه يعيش صغيرًا، ويموت صغيرًا؛ فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير فما له، والنوم، وما له والراحة، وما له والفراش الدافئ، والعيش الهادئ، والمتاع المريح.
ومن ثم كان نصيب القادة من العناء، والبلاء مكافئًا لما أوتوا من مواهب، ولما أدوا من أعمال سئل رسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الناس على قدر دينهم فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه، ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه، وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي على الأرض ما عليه خطيئة))، فاختلاف أنصبة الناس من الجهد، والتبعة، والهموم الكبيرة يعود إلى طاقتهم في التحمل، والثبات، وسنة العظمة، والاعتداد هي التي أوحوت لقائد أمريكي أن يقول: "لا تسأل الله أن يخفف حملك، ولكن اسأل الله أن يقوي ظهرك".
إن خفة الحمل، وفراغ اليد، وقلة المبالاة صفات قد يظفر الأطفال منها بقسط كبير لكن مشاغل العيش، وهموم الواجب، ومرارة الكفاح، واستدامة السعد هي أخلاق الجاهدين البنائين في الحياة، والرجل القاعد في داره لا يصيبه غبار الطريق، والجندي الهارب من الميدان لا يشوكه سلاح، ولا يروعه زحف أما الذين أسهموا في معركة الحياة، وخاضوا غمارها فستغبرهم وعثاؤها، وتنالهم جراحاتها، ويدركهم من النصب، والكلال ما يدركهم، ومن هنا كرم الإنسان المنتصبين لأعراض الدنيا، وواسى المتعبين مواساة تطمئن بالهم، وتخفف آلامهم.
стр. 336
فالمؤمن السارب في الحياة هدف لمشاكلها الجمة أما العاجز الهارب من الميدان فماذا يصيبه؟ وذلك هو سر قول النبي ﷺ : ((من يرد الله به خيرًا يصيب منه))، وقوله ﷺ : ((إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم)) فالمتعارض لآلام الحياة يدافعها، وتدافعه أرفع عند الله درجات من المنهزم القابع بعيدًا لا يخشى شيئًا، ولا يخشاه شيء، وما ادخره الله تعالى لأولئك العانين الصابرين يفوق ما ادخره لضروب العبادات الأخرى من ثواب جزيل، وفي الحديث: ((يؤد أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء ثواب لو أن جلودهم كانت قرضت بالمقاريض)).
من الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها التضحية
فعليك أيها الداعية بمخالطة الناس، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتضحية لهذا الدين مهما كلفتك التضحية، ولك في رسول الله ﷺ وأصحابه الأسوة الحسنة فلقد بذل النبي ﷺ من أجل هذه الدعوة الكثير، والكثير، وعانى من أجلها أيضًا الكثير، والكثير، ولقي من الظلم، والاضطهاد، والتعذيب الشيء الكثير، وكتب السيرة مليئة بهذه الصور صور الاجتهاد، والتعذيب التي لاقاها النبي ﷺ وأصحابه من أجل قيامهم بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
من هذه الصور ما رواه البخاري عن عبد الله قال: ((بينما رسول الله ﷺ قائمًا يصلي عند الكعبة، وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي أيكم يقوم إلى جذور آل فلان فيعمد إلى فرثها، ودمها، وسلاها فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد، وضعه بين كتفيه فانبعث أشقاهم فلما سجد رسول الله ﷺ وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ﷺ ساجدًا فضحكوا حتى مال
стр. 337
بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵂ وهي جويرية فأقبلت تسعى، وثبت النبي ﷺ ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى ﷺ الصلاة قال: اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش، ثم سمى بعضهم، فقال: اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد. قال عبد الله: لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، ثم قال رسول الله ﷺ : وأتبع أصحاب القليب لعنة)).
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: ((قال أبو جهل: هل يُعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرنّ وجهه في التراب قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني، وبينه لخندقًا من نار، وهولًا، وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا)) فأنزل الله فيه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ (العلق: ٦ - ١٢) إلى آخر السورة.
بل إنهم قد حاولوا قتل النبي ﷺ لا لشيء إلا لدعوتهم إلى الله سبحانه، فروى البخاري أيضًا عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص: ((أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ﷺ فقال: بينما النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي ﷺ وهو يقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾)) كل هذا، والنبي ﷺ صابر محتسب لم يرجع عن دعوته، ولم يفكر في هجر قومه، واعتزالهم.
стр. 338
كما أن الذين سبقوا الإسلام، واتبعوه ﵊ لقوا من الأذى، والاضطهاد، والتعذيب على يد المشركين الكثير، والكثير فمعلوم من سيرته ﷺ أنه بدأ دعوته سرًّا فكان أول من آمن به من النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الرجال أبو بكر فكان أبو بكر ﵁ من رؤساء قريش، ومحط مشورتهم، وكان من أعف الناس، وكان كريمًا سخيًّا يبذل المال محببًا في قومه، ومع كل ذلك فإنه لم يسلم من قومه بل قيدوه، وحاولوا تعذيبه كذلك فعلوا بعثمان بن عفان، وسعد بن أبي، وقاص، وطلحة بن عبد الله، وخالد بن سعيد بن العاص، وما قصة بلال بخافية عن عامة المسلمين فضلًا عن دعاتهم فلقد كانوا يأخذونه في وسط النهار فيخرجون به إلى الصحراء يجردونه من ثيابه، ويضعونه على الرمال الساخنة في حر الظهيرة، ويضعون الصخور الثقيلة على بطنه فما يزالون يعذبونه، ولا يزيد على قوله: أحد أحد.
ولما اشتد الأذى، والاضطهاد، والتعذيب جاءوا يشكون إلى النبي ﷺ كما قال: خباب ﵁: ((شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا فقال ﷺ : قد كان من قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيفرق فرقتين ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه)).
فيا أيها الداعية ضح من أجل دعوتك، وجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فإن الجزاء عظيم يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف: ١٠ - ١٣).
стр. 339
فجاهد في سبيل الله، ولا تخش في الله لومة لائم، واصبر على ما تلقاه من الأذى، والاضطهاد كما، وصاك الله فإن الله تعالى قد مدح لقمان الحكيم على وصيته ابنه بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى فحكى الله وصية لقمان لابنه على سبيل المدح، والثناء الذي يدل على الرضا ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ (لقمان: ١٧) اصبر على ما أصابك، وإياك، والفزع، وإياك، والجزع فتترك الدعوة، وتنعزل، وتقعد في بيتك وحيدًا، وتتخلى عن الطريق فإن الله ﵎ ذم من كانت هذه حاله فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (العنكبوت: ١٠، ١١).
فاصبر، واحتسب، وإليك هذه الصورة الرائعة من صور التضحية من أجل الدعوة إلى الله كانت من شباب الدعوة في الذين مضوا من قبلنا، عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلامًا أعلمه السحر فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه، وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب، وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر فبينما هو على ذلك إذا أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم آلساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فرماها فقتلها، ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى
стр. 340
وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه، والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله تعالى فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك، فآمن بالله تعالى فشفاه الله تعالى فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي قال: ولك ربي غيري؟ قال: ربي، وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام.
فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه، والأبرص، وتفعل، وتفعل؟ فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله تعالى فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا، وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا.
وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل بأصحابك؟ قال: كفانيهم الله تعالى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحلموه في قرقور، وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه، وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل بأصحابي؟ قال: كفانيهم الله تعالى، ثم قال الغلام للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد،
стр. 341
وتصلبني على جزع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جزع، ثم أخذ سهمًا من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه فمات فقال الناس: آمنا برب الغلام فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت، وأضمر فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له: اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة، ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق)).
هذه صور من صور تضحية الدعاة من أجل دعوة الله ، ومن أجل القيام بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده أيها الداعية ضح كما ضحوا، واصبر كما صبروا فاصبر إن العاقبة للمتقين.
وصلى الله وسلم، وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 342
الدرس: ١٩ أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (٣) .
стр. 343
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع عشر
(أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (٣))
من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: الصبر
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد ًا عبده، ورسوله، أما بعد:
إن هذه الدنيا دار ابتلاء، واختبار، وامتحان أكد الله على ذلك في أكثر من آية فقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: ٣١)، وقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ والْأَنْفُسِ والثَّمَرَاتِ﴾ (البقرة: ١٥٥). ثم بين ما يفعله المسلم عند وقوع البلاء فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٥ - ١٥٧).
قال الشيخ السعدي ﵀: "أخبر أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن؛ ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تعالى تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر هذه هي فائدة المحن لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين؛ فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده بشيء من الخوف أي: من الأعداء، والجوع، والتنكير في قوله: بشيء للتقليل أي: بشيء يسير من الخوف، ومن الجوع؛ لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، لو ابتلاهم بالخوف كله أو الجوع كله لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك، ونقص من الأموال، وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وتمزق، وضياع، واستيلاء الظلمة، وقطاع الطريق، وغير ذلك.
ونقص من الأنفس أي: ذهاب الأحباب من الأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد أو بدن من يحبه، ونقص من الثمرات أي:
стр. 344
الحبوب، وثمار النخل، والأشجار كلها، والخضر ببرد يصيبها أو حر أو حرق آو آفة سماوية من جراد، ونحوه فهذه الأمور لا بد أن تقع؛ لأن العليم الخبير أخبر بها فوقعت كما أخبر، وإنما أخبر الله عباده بالبلاء قبل وقوعه لوجوه من الحكم:
أحدها: ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت؛ فيكون ذلك أبعد لهم من الجزع، وأسهل عليهم بعد الورود؛ لأن المصيبة المنتظرة المتوقعة تكون أخف على النفس ألمًا وشدة، ووجعًا من المصيبة المفاجئة غير المتوقعة.
ثانيها: أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحنة اشتد خوفهم فيصير ذلك الخوف تعجيلًا للابتلاء فيستحقون به مزيد الثواب.
ثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا محمدًا ﷺ وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحن والجوع يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته، فيدعوهم ذلك إلى مزيد من التأمل في دلائله.
ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصرًّا على ذلك المذهب كان ذلك أدعى إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب.
رابعها: أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه، ثم وجد فكان ذلك معجزة.
خامسها: أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول ﷺ طمعًا منه في المال، وسعة الرزق فإذا اختبره الله تعالى بنزول المحن؛ فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق؛ إلا أن المنافق إذا سمع ذلك نفر منه، وترك دينه فكان في هذا الاختبار هذه الفائدة.
стр. 345
سادسها: أن إخلاص الناس حالة البلاء، ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه؛ فكانت الحكمة في هذا الابتلاء ذلك.
فتلك هي الحكم المستفادة من إخبار رب العالمين بوقوع البلاء بعباده قبل وقوعه؛ فإذا وقع البلاء انقسم الناس قسمين: جازعين، وصابرين فالجازع حصلت له المصيبتان فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر ففاز بالخسارة، والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا، والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان، وأما من وفقه الله تعالى للصبر عند وجود هذه المصائب فحبس نفسه عن التسخط قولًا وفعلًا، واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه؛ لأنها صارت طريقًا لحصول ما هو خير له، وأنفع منها فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب فلهذا قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
والصبر لغة: مصدر صبر يصبر، وهو مأخوذ من مادة صَبَرَ التي تدل على معان منها: الحبس، ولذلك قال الراغب في تعريف الصبر: الصبر هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسه عنه، حبس النفس عن الجزع، والفزع، والشكاية، والتسخط، والاعتراض بحيث يسلم المبتلى أمره لله ، ويصل بعد الصبر إلى الرضا بقضاء الله، ويعلم أن اختيار الله ﵎ له خير من اختيار نفسه كما قال : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: ٢١٦). وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ١٩)، ومن هذا الخير ما وعد الله ﵎ به الصابرين في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
стр. 346
أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب، ثم وصف الله ﵎ الصابرين بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة﴾، وهي: كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ أي: مملوكون له مدبرون تحت أمره وتصريفه؛ فليس لنا من أنفسنا، وأموالنا شيء فإذ ابتلانا بشيء منها فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه، وأموالهم فلا اعتراض عليه، ومع أننا مملوكون له فإنا إليه راجعون يوم القيمة ليوفينا أجرنا، وثوابنا الذي وعدنا به على الصبر.
﴿أُوْلَئِكَ﴾ الموصوفون بالصبر المذكور ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، وصلاة الله ﵎ على عبده معناها الثناء عليه في الملأ الأعلى، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة يدخلهم الله فيها، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به، وهو هنا صبرهم لله ﵎.
وهكذا جمع الله ﵎ للصابرين ما لم يجمعه لغيرهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٧)، وهذا من فضائل الصبر، وفضائل الصبر كثيرة؛ منها: أن الله ﵎ أخبر أنه يحب الصابرين فقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ومَا ضَعُفُوا ومَا اسْتَكَانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٦)، وأخبر أنه مع الصابرين فقال : ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين﴾، وهذه المعية معية خاصة لأولياء الله ﵎ الذين يحبهم، ويحبونه، ومقتضاها النصر، والتأيد، والسداد، والتوفيق، وهي خلاف المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد: ٤)، فهذه المعية العامة من الله لجميع خلقه معية الإحاطة، والقدرة، وهي تقتضي الخشية، والرهبة بينما الأولى تقتضي الرجاء، والرحمة، والأمن، والطمأنينة.
стр. 347
كما أخبر الله أن الإمامة في الدين إنما تنال بالصبر، واليقين، فقال : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤)، وأخبر سبحانه أن التمكين في الأرض لا يتحقق إلا بالصبر؛ فقال على لسان يوسف ﵇، وقد كشف لإخوته عن هويته فقالوا متعجبين من حاله الذي انتهى إليها من الرفعة، والسيادة، والتمكين في الأرض: ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٠).
وأخبر ربنا أن الأخلاق العالية، والأعمال الصالحة لا تنال إلا بالصبر فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ ويْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وعَمِلَ صَالِحًا ولَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ (القصص: ٨٠)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ ولَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ * ومَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ومَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: ٣٤، ٣٥).
وأخبر أن الصبر جُنة تقي العبد كيد العدو وضرره، فقال سبحانه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وإِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: ١٢٠)، وأخبر أن النصر لا يكون إلا مع الصبر فقال سبحانه: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: ١٢٥)، ولذلك أمر المؤمنين بالصبر، والثبات عند لقاء العداء فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: ٤٥، ٤٦).
стр. 348
وصح في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: ((واعلم أن النصر مع الصبر))، وهكذا ظهر لنا أن خير الدنيا كله مرده إلى الصبر، وكذلك نعيم الآخرة لا يناله إلا الصابرون كما قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ ولَقَّاهُمْ نَضْرَةً وسُرُورًا * وجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ (الإنسان: ١١، ١٢). وقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ (الفرقان: ٧٥)، ولهذا كان الصبر خير ما يعطاه الإنسان كما قال النبي ﷺ : ((وما أعطي أحد عطاءً خيرًا، وأوسع من الصبر)).
فهذا هو فضل الصبر على البلاء لكن هذا الأجر، والثواب إنما يكون على الصبر عند الصدمة الأولى كما قال ﷺ لامرأة عند قبر، وهي تبكي، فقال: ((اتقي الله، واصبري، قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي فقيل لها: إنه النبي ﷺ فأتت بابه لتعتذر إليه فلم تجد عنده بوابين فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى))، يعني: إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة، وحرارتها فإنه يدل على قوة القلب، وتثبته في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك.
ولذلك قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث؛ يعني: إن الأحمق الذي إذا نزلت به المصيبة يلطم الخدود، ويشق الجيوب، وينثر الشعور، ويدعو بالويل والثبور، ثم لا يكاد يمضي عليه ثلاثة أيام إلا ويسكن، ويهدأ، ويبرد حر المصيبة في قلبه فيظهر، وكأنه صابر محتسب، ولكن هيهات هيهات فعلى العاقل أن يحبس نفسه عند الصدمة الأولى عن الجزع، والفزع، ومخالفة الشرع، وألا يقول إلا ما يرضي الرب: إنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 349
فيشترط لحصول المبتلى على أجر وثواب الصبر أن يصبر عند الصدمة الأولى متى قيل: حدث كذا مما يزعج الإنسان، ويفزعه، ويقلقه يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون كما يشترط لحصول الأجر، والثواب على الصبر أن يكون الصبر إيمانًا، واحتسابًا ابتغاء وجه الله ولذلك قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر: ٧) أي: اصبر، واجعل صبرك لله ، ومدح أولي الألباب بقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وجْهِ رَبِّهِم﴾، فهؤلاء الذين يضاعف لهم الأجر، والثواب على المصيبة. فإن قيل: وهل يصبر الإنسان لغير الله فالجواب: نعم، ومما أثر عن بعضهم قوله:
وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع
فهذا رجل يقول: أنه إذا نزلت به مصيبة تجلد، وصبر، وتصبر حتى لا يشمت به أعداؤه إذا رأوه فزعًا جزعًا من المصيبة فهو يصبر لا لله صبر، ولكن لم يكن صبره لله، ولكن صبره للشامتين حتى لا يشمتوا به فهذا لا أجر له، ولا ثواب أما الأجر، والثواب فلمن كان صبره ابتغاء وجه الله.
ولتيسير الصبر أسباب: الصبر شاق على النفس؛ لأن للصبر من اسمه نصيبا لكنه يسير على من يسره الله عليه، ولتيسير الصبر أسباب إذا قارنت حزمًا، وصادفت عزمًا هانت المصيبة، وسهل الصبر عليها بإذن الله تعالى من هذه الأسباب التي تيسر الصبر على المصيبة: العلم بالآيات، والأحاديث المتقدمة التي فيها مدح الصابرين، وبشارتهم، ووعدهم بالجزاء الحسن كلما قرأ الإنسان القرآن، وما فيه من فضل الصبر، وقرأ أحاديث النبي ﷺ وما فيها من فضل الصبر تصبر بإذن الله، ومنها
стр. 350
أن يعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة، وحلاوة الدنيا هي بعينها مرارة الآخرة، ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة خير من عكس ذلك.
ففي الحديث: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسًا قط هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط)).
ومن الأسباب التي تعين على الصبر استشعار النفس بما تعلمه من نزول الفناء، وتقضي المسار، وأن لها آجالًا منصرفة، وأقدارًا منقضية إذ ليس للدنيا حال تدوم، ولا لمخلوق عليها بقاء كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: ١٨٥)، ومنها أن يتصور انحلال الشدائد، وانكشاف الهموم، وأن الله قدرها بأوقات لا تنصرم قبلها، ولا تستديم بعدها؛ فلا تقصر تلك الأوقات بجزع، ولا تطول بصبر، وأن كل يوم يمر بها يذهب منها ببعضها حتى تنجلي كلها، وتنفرج، وتزول المكاره، والخطوب كما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ولَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: ١١٠)، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: ٢١٤).
ومنها أن يعلم أن البلاء عنوان محبة الله كما في الحديث: ((إنّ الله إذا أحب قومًا ابتلاهم)) بل عليه أن يعلم أنه كلما ارتفع الإنسان منزلة عند الله وقدرًا
стр. 351
زاد الله له في البلاء، وفي الحديث: عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: ((قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)).
فهذه الأسباب تعين المبتلى على الصبر، ثم عليه الدعاء بالصبر، فقد قال ﵊: ((ومن يتصبر يصبره الله))، ومن يتصبر يعني يسأل الله تعالى الصبر، ولذلك مدح الله ﵎ السحرة سحرة فرعون بعد إيمانهم، وتهديد فرعون لهم بالعذاب مدحهم الله على تصبرهم، وسؤالهم الصبر بقوله: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٦)، ومدح أتباع الأنبياء أنهم كانوا إذا لقوا أعداءهم سألوا الله تعالى الصبر: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٠) ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٧).
فالصبر شيء عظيم جدًّا، وأهم الناس يلزمهم الصبر هم الدعاة إلى الله يلزمهم أن يصبروا على تكاليف الدعوة، وأعباء الدعوة، ومشاق الدعوة، ويلزمهم أن يصبروا على المدعوين، وأذاهم، ويلزمهم أن يصبروا على كل ما يلقونه في سبيل تبليغ دعوة الله ولذلك أكثر الله على نبيه ﷺ من الصبر في القرآن الكريم: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ (القلم: ٤٨) ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٣٥) ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر: ٧) فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيننا على القيام بما حملنا من واجب الدعوة إليه على بصيرة، وأن يرزقنا الصبر حتى نبلغ دعوة ربنا إيمانًا، واحتسابًا، ولعل الله أن يقر أعيننا برؤية ثمار دعوتنا؛ فإن لم نرها فستتحقق، ولو بعد وفاتنا كما قال الله لنبينا: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أونَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (غافر: ٧٧).
стр. 352
من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: الرفق
الرفق لغة مأخوذ من مادة رفق التي تدل على موافقة، ومقارنة بلا عنف هذا هو أصل الرفق، ثم يشتق منه كل شيء يدعو إلى راحة، وموافقة يقال: رفق بالأمر وله، وعليه يرفق رفقًا.
والرفق اصطلاحًا: هو لين الجانب بالقول، والفعل، والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف، والرفيق: اسم من أسماء الله ﵎ ففي الحديث: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه)). ولقد أمر الله ﵎ موسى، وهارون ﵉ بالرفق حين قال لهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣، ٤٤).
وامتن الله على نبيه محمد ﷺ بما حباه من الرأفة، والرفق فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩). ولقد كان ﷺ المثل الأعلى في الرفق بالعامة: عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز -أي: أخفف في الصلاة- مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه))، وعن عائشة ﵂ قالت: ((إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم)).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء))، وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)).
стр. 353
وعن عائشة ﵂ قالت: ((اعتم النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى فقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي))، وعنها ﵂: ((أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم))، وذلك في رمضان في صلاة قيام الليل.
وعنها ﵂ أنها قالت: ((ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا))، وكان ﷺ يحثُّ أصحابه على الرفق، ويرغبهم فيه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه))، وعنها ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)).
وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: ((يا عائشة ارفقي؛ فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا دلهم على باب الرفق))، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار على كل قريب هين سهل))، وعن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله))، وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق)).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن هذا الدين يسر، ولا يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، ويسروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة، وشيء من الدلجة))، وكان ﷺ ينكر على من يشدد على نفسه عن
стр. 354
عائشة ﵂: ((أن النبي ﷺ دخل عليها، وعندها امرأة فقال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها قال: مه عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه)).
وعن أنس بن مالك ﵁: ((أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فرأى حبلًا ممدودا بين ساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: لزينب تصلي فيه فإذا فترت تعلقت به فقال: حلوه حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد))، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها -أي: عدوها قليلة- فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ -كأنهم يلتمسون العذر لرسول الله ﷺ في قلة عبادته، هكذا ظنوا فقالوا- قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر -ونحن لسنا كذلك فنحن بحاجة إلى اجتهاد في العبادة- فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له لكني أصوم، وأفطر، وأصلي، وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)).
وهكذا كان ﷺ رفيقًا بأصحابه، وأمرهم بالرفق، ونهاهم عن الشدة، والعنف، والتشدد، والتنطع، ويتأكد الرفق في حق العالم بالمتعلم، وفي حق العالم بالجاهل؛ فيجب على كل عالم أن يكون رفيقًا بكل متعلم، وأن يكون رفيقًا بكل جاهل؛ فلا يعنفه، ولا يوبخه، ولا يسبه، ولا يشتمه، ولا يضربه لقلة فهمه، ولا لسوء حفظه، ولا لخطأ صدر منه عفوًا عن أبي هريرة ﵁: ((أن أعرابيًّا بال في ناحية المسجد فأسرع الناس إليه أي: لينهوه أو ليقعوا به فنهاهم
стр. 355
النبي ﷺ وقال: إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين صبوا عليه -أي: على بول الأعرابي- سجلًا من ماء أو قال: ذنوبًا من ماء)).
وعن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: ((بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله)) وكان الكلام في أول الأمر مباحًا في الصلاة، كان الكلام المباح مباحًا؛ يعطس العاطس فيشمت، يسلم المسلم فيرد ﵇، ثم نهوا عن ذلك، ولم يعلم معاوية بأنهم قد نهوا عن الكلام فبينما هو يصلي إذ عطس رجل فقال: يرحمك الله ((قال: فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم)) -يعني يقولون: اسكت اسكت- لا يستطيعون أن يتكلموا قال: فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت -لم يفهم لماذا يسكتونه لكنه سكت- فلما صلى رسول الله ﷺ يقول معاوية: فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله، ولا بعده أحسن تعليمًا منه فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن))، أو كما قال رسول الله ﷺ .
وعن أبي أمامة ﵁ قال: ((إن فتى شابًّا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، -ما هذا الذي تقول لرسول ال له - قالوا: مه مه، فقال: ادنه -ادنه يا بني اقترب مني- فدنا منه قريبًا، قال: فجلس -فخاطب فيه العقل- قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم -وأخذ يعدد عليه محارمه، كل ذلك يقول: لا والله يا رسول الله، فيقول: وكذلك الناس لا يحبونه لمحارمهم- قال: ثم وضع يده على صدي، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)).
следующие страницы →