وكان سواعْ بنَعمان. تعبده بنو كنانة، وهذيل، ومزينة، وعمرو بن قيس بن عيلان. وكان سدنته بنو صاهلة، من هذيل.
وكان شُمس لبني تميم. وكان له بيت. وكانت تعبده بنو اد كلها: ضبة وتميم وعدي وعكل وثور. وكان سدنته من بنى أوس ابن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيِّد بن عمرو بن تميم.
فكسره هند بن ابي هالة وصفوان بن اسيِّد بن الحلاحل بن أوس ابن مخاشن.
وكان وَد لبني وبرة. وكان موضعه بدومة الجندل. وكان سدنته بني [١] الفرافصة بن الأحوص، من كلب.
وكان الفَلْس بنجد تعبده طيئ. وكان قريبا من فَيد. وكان سدنته بني [١] بولان.
وكانت الأنصار وأزد شنوءة وغيرهم من الأزد يعبدون مناة. وكان بِسيف البحر. سدنته الغطاريف من الأزد.
وكانت سعد هذيم وسائر قضاعة إلا بني وبرة يعبدون السعيدة ومناة.
وكانت الأزد تعبد السعيدة أيضا. وكان سدنتها بنى [١] العجلان.
стр. 317
وكان موضعها باُحد.
وكان ذو الخلصة له بيت تعبده بجيلة، / وخثعم، والحارث بن كعب، وجرم، وزبيد، والغوث بن مر بن اد، وبنو هلال بن عامر، وكانوا سدنته. وكان بين مكة وإليمن، كان بالعبلاء على أربع مراحل من مكة. وهو إليوم بيت قصَّار، فيما اخبرت.
وكان يغوث لمذحج كلها. وكان في أنعم. فقاتلتهم عليه غُطيف، من مراد، حتى هربوا به إلى نجران. فأقروه عند بني النار، من الضباب، من بني الحارث بن كعب. واجتمعوا عليه جميعا.
وكان يعوق لهمدان، وخولان. وكان فى أرحب.
وكان نسر لحمير، تنسكه وتعظمه وتدين له. وكان في غُمدان:
قصر ملك إليمن.
وكان ذو اللبا لعبد القيس بالمشقَّر. سدنته منهم بنو عامر.
وكان المحرق بَسلمان لبكر بن وائل وسائر ربيعة. وكانوا قد جعلوا في كل حي من ربيعة له ولدا. وكان في عنزة (بلج) بن المحرق. فكان في عميرة وغُفيلة (عمرو) بن المحرق. وكان سدنته آل الأسود العجليون.
стр. 318
وكان ذريح لكندة بالنُجير من إليمن ناحية حضرموت.
وكان مرحب لحضرموت. وكان سادنه ذا [١] مرحب. وبه سمي ذا مّرحب.
وكان المنطبق للسُلف، وعك، والأشعرين. وكان صنما من نحاس، يكلَّمون من جوفه كلاما لم يسمع بمثله. فلما كسرت الأصنام وجدوا فيه سيفا، فاصطفاه رسول الله صلى الله عليه، فسمي «مِخذما» .
وكان إساف ونائلة لقريش والأحابيش.
وكان هُبل لبني بكر، ومالك، وملكان، وسائر بني كنانة.
وكانت قريش تعبد صاحب بني كنانة، / وبنو كنانة يعبدون صاحب قريش.
وكانت العرب تعظم هذه المجمع عليها التي يجتمع إليها كل سنة مرة. وكان في كل حي، بعد، أشياء لا تفارقهم، يسألونها ويجابون منها.
وكان ذو الكفين لخزاعة، ودَوس. فلما كسره عمرو بن حممة الدوسي قال: «يا ذا الكفين لست من تلادك. ميلادنا أكبر
стр. 319
من ميلادك [١] » .
فهذه رؤوس طواغيتهم التي كانوا يصدرون إليها من حجهم. لا يأتون بيوتهم حتى يمروا بها، فيعظموها ويتقربوا إليها وينسكوا لها.
وكانت العرب تقف بعرفات. ويدفعون منها والشمس حية، فيأتون مزدلفة. وكانت قريش لا تخرج من مزدلفة ولا تقف بعرفات. يقولون لا نعظم من الحل ما نعظم من الحرم. فبنى قصى المشعر فكان يسرج عليه ليهتدي به أهل عرفات إذا أتوا مزدلفة.
فأبقاه الله مشعرا [٢] ، وأمر بالوقوف عنده. وقال العامري في وقوفهم في الجاهلية:
فاُقسم بالذي حجتْ قريشْ ... وموقف ذي الحجيج إلى إلال [٣]
وكانوا يهدون الهدايا. ويرمون الجمار. ويعظمون الأشهر الحرم، ويحرمونها إلا طيئا وخثعم فانهم كانوا يحلونها.
وكانوا يغتسلون من الجنابة. ويغسلون موتاهم. وقال
стр. 320
الأفْوَه الأودي:
ألا! علِّلاني واعلما أنني غَرَرْ ... وما قلتُ ينجيني الشقاق ولا الحذرْ
وما قلت ينجيني ثوابي إذا بدت ... مفاصل أوصالي وقد شخص البصر
/ وجاءوا بماء بارد يغسلونني ... فيا لك من غسل ستتبعه غبر [١]
فرمُّوا له أثوابه وتفجَّعوا ... فرنَّ مرنَّات وثار به النفر
إلى حفرة يلوي إليها بسعيه ... وذلك بيت الحق، لا الصوف والشعر
فسوَّوا عليه الترب رطبا ويابسا ... ألا كل شيء ما خلا ذاك يختبر
وكانوا يكفنون موتاهم، ويصلون عليهم. وكانت صلاتهم أن يحمل الميت على سرير ثم يقوم وليه فيذكر محاسنه كلها ويثني عليه ثم يقول: «عليك رحمة الله» ، ثم يدفن. وقال الله
стр. 321
عز وجل: «وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» ٩: ١٠٣ [١] . فالصلاة من المخلوقين الدعاء. ومن هذا قيل في الأثر: «من دعي فليجب. فان كان مفطرا فليأكل. وإن كان صائماً فليصل» أي فليدع. وقال الأعشى:
وصهبآء طاف يهوديها ... وأبرزها وعليها ختم
وقابلها الريح فى دنّها ... وصلى على دنها وارتسم
وقال أيضا:
تقول بنتي، وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب ابي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما [٢] فان لجنب المرء مضطجعا
وقال رجل من كلب، جاهلى، لأبيه:
أعمرو! إن هلكتَ وكنتُ حيا ... فاني مكثر لك من صلاتي
وأجعل نصف مالى لابن سلمى ... حياتي إن حييت وفى مماتي
стр. 322
/ وقال بعض الرجاز في الكفن:
وتبَّعا قد أهلكتْ وذا يزن ... وذا نواس أهلكت وذا جدن
فحظه مما حوى وما خزن ... مسحة كافور وغسل وكفن
وكان أكثر العرب يؤمنون بالبعث. وفى ذلك يقول الأعشى:
وما أيبلّى على هيكل ... بناه وصلَّب فيه وصارا
يراوح من صلوات المليك ... طورا سجودا وطورا جؤارا
بأعظم منك تقي في الحساب ... إذا القَسمات [١] يفضن الغبارا
وكانوا يؤمنون بالحساب. وقال الأخنس بن شهاب التميمي، جاهلي:
ولقد شهدتُ الخصم يوم دفاعه ... فأخذت منه خطّة المقتال
стр. 323
وعلمت أن الله جازٍ عبده ... يوم الحساب بأحسن الأعمال
وكان الرجل إذا مات، عمدوا إلى راحلته التي ركبها، فيوقفونها على قبره معكوسة رأسها إلى يدها، ملفوفة الرأس في وليتها. فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت، ليركبها إذا خرج من قبره.
وكانوا يقولون: إن لم يفعل هذا، حشر يوم القيامة على رجله.
وكانت تلك الناقة التي يفعل بها هذا تسمى «البلية» . وقال أبو زبيْد الطائي، وذكر نسوة مسلَّبات في مأتم فشبههن بالبلايا:
كالبلايا رءوسها في الولايا ... مانحات السموم حرّ الخدود
/ وقال جريبة بن أشيم الفقعسي:
يا سعد! إما أهلكنَّ فانني ... اوصيك، إن أخا الوصاة الأقرب
لا تتركنَّ أباك يعثر راجلا ... في الحشر يصرع لليدين وينكب
واحمل أباك على بعير صالح ... وتق الخطيئة إن ذلك أصوب
стр. 324
ولقلّ لى مما جمعت مطية ... فى الهار [١] أركبها إذا قيل اركبوا
وقال عمرو بن زيد الكلبي يوصي ابنه:
ابنُي! زودني، إذا فارقتني ... في القبر، راحلة برحل قاتر
للبعث أركبها إذا قيل اظعنوا ... مستوسقين معا لحشر الحاشر
من لا يوافيه على عيرانة ... والخلق بين مدفَّع أو عاثر
وكانوا لا يورثون البنات ولا النسآء ولا الصبيان شيئا من الميراث. ولا يورثون إلا من حاز الغنيمة وقاتل على ظهور الخيل.
فأول من ورث البنات في الجاهلية فأعطى البنت سهما والابن سهمين ذو المجاسد اليشكري وهو عامر بن جشم [٢] بن حبيب. وقد مات رجل من الأنصار قبل نزول آية المواريث يقال له أوس بن ثابت، من بني خطمة، وترك أربع بنات إلى الدمامة ما هنّ. فأخذ بنو عمه ماله كله. فجاءت امرأة أوس إلى النبي صلى الله عليه فقالت: «يا رسول الله! توفي أوس بن ثابت، وترك مالا حسنا. فجاء ابنا عمه قتادة وعرفطة،
стр. 325
فأخذا المال ولم يعطيا بناته/ شيئا، وهن في حجري لا يطعمن ولا يسقين، وليس فى يدي ما يسعهن» . فقال صلى الله عليه: «إرجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله فيهن» . فأنزل الله : «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ [١] » ٤: ٧. ولم يبين ما هو. فأرسل صلى الله عليه إلى قتادة وعرفطة: «لا تفرقا من المال شيئا، فإنه قد نزل لبنات أوس نصيب، حتى أنظركم هو» . ثم نزلت آية الميراث: «يُوصِيكُمُ الله في أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [٢] » ٤: ١١. فأعطى رسول الله صلى الله عليه البنات الثلثين والمرأة الثمن. وكانت العرب لا تنكح البنات ولا الأمهات ولا الأخوات ولا الخالات ولا العمات.
وكانت العرب تزوج نسآء آبائها، وهو أشنع ما كانوا يفعلون. فيقال للذي يخلف على امرأة ابيه «الضيزن» . قال أوس ابن حجر:
والفارسية فيكم غير منكرة ... فكلكّم لأبيه ضيزن سلف
وكان الرجل إذا مات، قام أكبر ولده فألقى ثوبه على امرأة
стр. 326
أبيه [١] ، فورث نكاحها. فان لم يكن له حاجة فيها، تزوجها بعض إخوته بمهر جديد. وقد فرق الاسلام بين رجال ونساء آبائهم، وهم كثير.
فمنهم [٢] (منظور) بن زبَّان بن سيار بن عمرو الفزاري الذي كانت تحته مليكة بنت خارجة بن سنان المري. خلف عليها بعد أبيه، فأولدها خولة بنت منظور. فتزوجها الحسن بن علي ﵁. ثم خلف عليها بعد الحسن، عبد الله بن الزبير بن العوام. ومنظور الذي يقول:
/ ألا! لا أبالي اليوم ما صنع الدهر ... إذا ذهبت منى مليكة والخمر
وكان عمر بن الخطاب ﵀ فرق بينهما. ومنهم (تميم) بن ابىّ ابن مقبل. وكانت تحته دهماء: إمرأة أبيه. ففرق بينهما الاسلام.
وهو القائل:
هل عاشق نال من دهماء حاجته ... في الجاهلية قبل الدين مرجوم
وقد كان (محصن) بن أبي قيس بن الأسلت ألقى ثوبه على امرأة أبيه كُبيشة بنت معن، من بني خطمة، فورث نكاحها. ثم تركها لا يدخل بها ولا ينفق عليها. فأتت رسول الله صلى الله عليه [وسلم [٣]]
стр. 327
فأخبرته، فقالت: «تركني لا ينفق علي ولا يخلي سبيلي فألحق بأهلي» .
فقال صلى الله عليه [وسلم [١]] : «إرجعي إلى بيتك فان يحدث الله في شأنك شيئا أعلمتك» . فأنزل الله جل وعز: «ًولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلفً» [٢] . فأمره صلى الله عليه فخلى سبيلها.
فأتاه صلى الله عليه نساء قصتهن مثل قصة كبيشة ومحصن، قد ورث نكاحهن غير أبناء أزواجهن. وكانت الورثة يرثون نكاح النساء كما يرثون المال. فأنزل الله جل وعز: «ًيآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا! لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ [٣] » . ٤: ١٩ فخلوا سبيلهن. وكانوا يجمعون بين الاختين. وقد جمع بين الاختين (أبو احيحة) سعيد بن العاص بن امية، جمع بين صفية وهند بنتي المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وجمع (قسي) وهو ثقيف بن منبه، آمنة وزينب بنتي عامر بن الظرب في نكاح واحد. وجمع (هَنَّام) بن سلمة العائشي اخو بني تيم اللات بن ثعلبة/ بن عكابة بين اختين.
وكانوا يقطعون يد السارق إليمنى، ويصلبون قاطع الطريق.
وقد صلب النعمان بن المنذر رجلا من بني عبد مناف بن دارم، من
стр. 328
تميم، كان يقطع الطريق. وقطعت قريش رجالا في الجاهلية في السرق.
منهم (وابصة) بن خالد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، سرق في الجاهلية فقطعت يده. قال هشام: وقطع (عوف) بن عبيد بن عمر بن مخزوم. وقُطع مرارا ثم سرق فرجم حتى مات. و (الخيار) بن عدى ابن نوفل بن عبد مناف. و (عبيد الله) بن عثمان بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم، قطع في سرقة إبل. و (مدرك) بن عوف بن عبيد ابن عمر بن مخزوم. و (مليح) بن شريح بن الحارث بن أسد، و (مقيس) بن قيس بن عدي السهمي وكانا سرقا حلي الكعبة في الجاهلية. فقال في ذلك مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، يخاطب حميد بن زهير، وكان ابن عم مليح:
تمنى حُميد أنه كان حيضة ... ليالى بانت من مليح اصابعه
ليالى بانت كفه من ذراعه ... فأصبح لا يدنو لقرن ينازعه
وقال ايضا لمدرك بن عوف، وكان يلقب «درواسا» :
ودرواسَ مخزومٍ تركنا مجَّدلا ... بما قدمت أظفاره وأشاجعه
فأمسى قليلا للسباع تنوبه ... تسيل دما آرابه وكراسعه
стр. 329
وكانت العرب، دون من سواها من الامم، تصنع عشرة أشياء. منها (في الرأس) خمسة. وهي المضمضة والإستنشاق والسواك والفرق/ وقص الشارب. و (فى الجسد) خمسة. وهي الختانة وحلق العانة ونتف الابطين وتقليم الأظفار والاستنجاء. خصت بهذا العرب دون الامم. قال النابغة الجعدي:
يا كعب! هل لك في كلا ... ب إن أصل العز ذاهبْ
هل تعلمون وأنتم ... قوم تقص لكم شوارب
وقال النابغة الذبياني يذكر السواك:
تجلوا [١] بقادمتى حمامة أيكة ... بردا اُسف لثاته بالاثمد
وقال طرفة يذكر الفرق:
فأهوى بأبيض ذي رونق ... خشيب يريد به مفرقي
وكانوا يوفون بالعقود. ولا يأكلون الميتة. قال حارثة ابن أوس الكلبي، جاهلى:
لا آكل الميتة ما عمرت ... نفسي وإن أبرح إملاقي
والعقد لا أنقض منه القوي ... حتى يوارى القبر أطباقي
فلما جاء الله بالاسلام، وفد الفرات بن حيّان العجلى إلى النبي
стр. 330
صلى الله عليه فسأله عن العقود. فقال: «ما زادها الاسلام إلا شدة.» فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه: «أوفوا بالعقود [١] » . فمما أسقط الاسلام تزويج نساء الآباء، والجمع بين الاختين، وميراث الوارث امرأة وليه كما يرث مالا، وإعطاء المواريث غير أهلها دون ولد الميت، وتوريث الذكور دون الاناث، ووقف ناقة الرجل معكوسة على قبره، والبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، / والاستقسام بالأزلام، والميسر.
فأما البحيرة والسائبة والوصيلة والحام [٢] ، فان سبب ذلك أن أهل الوبر كانوا يقطعون لآلهتهم من أموالهم من اللحم، وأهل المدر يقطعون لها من الحرث. فكان مما يجعل أصحاب الوبر أن الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، عمدوا إلى الخامس ما لم يكن ذكرا فشقوا اذنها.
فتلك البحيرة. فربما اجتمع منها هجمة من البحر، ولا يجزلها وبر، ولا يذكر عليها إن ركبت اسم الله، ولا إن حمل عليها شيء. وكانت البانها للرجال دون النساء.
وأما السائبة، فان الرجل كان يسيّب لها الشيء من ماله إما بهيمة وإما إنسانا، فتكون حراما أبدا. منافعها للرجال دون النساء.
стр. 331
وأما الوصيلة فكانت الشاة إذا وضعت سبعة أبطن، عمدوا إلى السابع. فان كان ذكرا ذبح. وإن كانت انثى تركت في الشاء.
وإن كان ذكروا أنثى قيل وصلت أخاها فحرما جميعا. فكانت منافعهما ولبن الانثى منهما للرجال دون النساء. وذلك قول الله : «وَقالُوا: ما في بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا. وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ [١] » ٦: ١٣٩.
وأما الحام فالفحل اذا أدركت أولادُ أولاده، فصار ولده جدا، قالوا: «حمى هذا ظهره. اتركوه.» فلا يحمل عليه، ولا يركب، ولا يمنع ماء، ولا مرعى. فاذا ماتت هذه التي جعلوها لآلهتهم، اشترك في أكلها الرجال والنساء.
وأما أهل المدر والحرث فكانوا إذا حرثوا حرثا أو غرسوا غرسا، / خطوا في وسطه خطا، فقسموه باثنين. فقالوا: «ما دون هذا الخط لآلهتهم. وما ذرأه لله» . فان سقط فيما جعلوا لآلهتهم شيء مما جعلوه لله اقروه وتركوه. وإن سقط مما جعلوه لآلهتهم شيء فيما جعلوه لله تبارك اسمه ردوه. ثم يرسلون الماء فى الذي سموه لآلهتهم. فان انفتح في الذي سموه لله سدوه.
стр. 332
وإن أرسلوا في الذي سموا لله فانفتح في الذي سموا لآلهتهم قالوا:
اتركوه، فانه فقير إليه. فأنزل الله جل وعز: «وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ من الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً. فَقالُوا: هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ. وَهذا لِشُرَكائِنا.
فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى الله وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ.
ساءَ ما يَحْكُمُونَ» ٦: ١٣٦ [١] .
وأما الازلام، فان العرب كانت إذا كانت بينها مدارأة أو نكاح أو أمر يريدونه ولا يدرون ما الأمر فيه ولم يضح لهم، أخذوا قد احالهم، فيها إفعل، ولا تفعل، ونعم، ولا، وخير، وشر، وبطيء، وسريع. فأما المدارأة، فإن قداحها كانت بيضاء ليس فيها شيء. فكانوا يجيلونها. فمن خرج سهمه، فالحق له. وللحضر والسفر سهمان.
فيأتون السادن من سدنه الأوثان. فيقول السادن: «اللهم! أيهما كان خيرا فأخرجه لفلان» . فيرضى بما خرج له. وإذا شكُّوا في نسب الرجل أجالوا القداح، وفيها صريح وملصق. فان خرج الصريح ألحقوه بهم ولو كان دعيا. وإن خرج القدح الذي فيه ملصق نفوه وإن كان صريحا [٢] . / فهذه قداح الاستقسام.
стр. 333
وأما الميسر فان القوم كانوا يجتمعون فيشترون الجزور بينهم فيفصلونها على عشرة أجزاء. الكتفان، كل واحد منهما جزء.
والزور جزء. وابنا ملاط، وهما العضدان، كل واحد جزء. وابن مخدش، وهو الكاهل، جزء. والملحاء، وهو ما بين السنام إلى عجب الذنب، جزء. والعجز جزء. والفخذان كل واحد جزء. ويقسم الطاطف [١] والسنام والعنق والبطون على الأجزاء، حتى تستوي الأجزاء.
ويجعل الجُزارة، وهي الرأس والفراسن للجزار. فان فضل عن الأجزاء عظم لم يستقم أن يقسم عليها، فذلك للجزار. فان اخذه أحد من الأيسار سب به. وذلك العظم يدعا الريم. قال الشاعر:
وكنتم كعظم الريم لم يدر جازر ... على أى بدئ مقسم اللحم يجعل
والبدء النصيب. والأيسار القوم الذين يدخلون في الميسر، وهم أشراف القوم. ثم يؤتى بالحرضة وهو رجل يتأله عندهم، لم يأكل لحما قط بثمن. ويؤتى بالقداح وهي أحد عشر قدحا. سبعة منها لها حظ إن فازت، وعلى أهلها غرم إن خابت بقدر مالها إن فازت من الحظ. وأربعة تثقل بها القداح، لا حظ لها إن فازت، ولا غرم
стр. 334
عليها إن خابت. فأما التي لها الحظ فأولها (الفذ) في صدره حزٌّ واحد. فإن خرج أخذ نصيبا، وإن خاب غرم صاحبه ثمن نصيب. ثم (التوءم) وله نصيبان إن فاز، وعليه ثمن نصيبين إن خاب. ثم (الضريب) له ثلاثة أنصباء إن فاز، وعليه ثلاثة إن خاب. / ثم (الحلس) وله أربعة إن فاز، وعليه [أربعة إن خاب. ثم (النافس) وله خمسة إن أصاب، وعليه [١]] خمسة إن خاب. ثم (المسبل) وله ستة إن فاز، وعليه ستة إن خاب. ثم (المعلَّي) وله سبعة إن فاز، وعليه سبعة إن خاب. وأسماء الأربعة التي تثقل القداح بها (السفيح) و (المنيح) و (المضعّف) و (المصدّر [٢] ) . فيؤتى بالقداح كلها وقد عرَّف كل رجل ما اختار من السبعة. ولا يكون الأيسار إلا سبعة، لا يكونون أكثر من ذلك. فان نقصوا رجلا أو رجلين فأحب الباقون أن يأخذ واما فضل من القداح، فيأخذ الرجل القدح والقدحين، فيأخذ فوزهما إن فازا، أو يغرم عنهما إن خابا، تركوه.
وذلك يدعا «التتميم» . وقال النابغة الذبياني:
إني اتمم أيساري وأمنحهم ... مثني الأيادي وأكسوا [٣] الجفنة الادما
стр. 335
فيعمد إلى القداح، فتشد مجموعة في قطعة جلد [تسمي «الربابة» ] [١] ثم يعمد إلى الحرضة فيلف على يده إلىمنى صنفة ثوب لئلا يجد مس قدح، له في صاحبه هوى، فيحابيه في إخراجه. ثم يؤتى بثوب أبيض، يدعا «المجول» ، فيبسط بين يدي الحرضة. ثم يقوم على رأسه رجل يدعا «الرقيب» ، ويدفع ربابة القداح إلى الحرضة، وهو محول الوجه فيأخذها بيمينه ويدخل شماله من تحت الثوب فينكز القداح بشماله.
فاذا نهد منها قدح، تناوله، فدفعه إلى الرقيب. فان كان مما لا حظ له رد إلى الربابة. فان خرج المعلي، أخذ صاحبه سبعة أنصباء. فان خرج بعده المُسبِل، أخذ الثلاثة الباقية. وغرم الذين خابوا ثلاثة انصباء من جزور اخرى. / وعلى هذه الحال يفعل بمن فاز وبمن خاب.
فربما نحروا عدة جزر، ولا يغرم الذين فازوا من ثمن الجزور شيئا.
وإنما الغرم على الذين خابوا. ولا يحل للخائبين أن يأكلوا من ذلك اللحم شيئا. فان فاز قدح الرجل، فأرادوا أن يعيدوا قدحه ثانية على خطار، فعلوا ذلك به.
ومما سنت قريش القسامة. وكان سببها أن خداش بن عبد الله ابن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي
стр. 336
كان خرج تاجرا إلى اليمن، ومعه عامر أو عمرو بن علقمة بن المطلب ابن عبد مناف صاحبا وأجيرا. وكان غلاما حدثا. فلما كان ببعض الطريق لقوا ركبا، فسألوهم حبلا لبعض حاجتهم. فقذف إليهم عامر بن علقمة حبلا كان معهم لخداش. فانطلقوا به. فقال خداش لعامر: «أعطيتهم حبلي بغير امري؟» فتراجعا الكلام بينهما. فوثب خداش عليه، فضربه بعصا كانت في يده على رأسه. فشجه. ومنهم من يقول وقعت على كليته. فمرض منها عامر حتى خشي علي نفسه.
فمر ببعض أحياء العرب فانتسب لهم وأخبرهم: «إن خداش بن عبد الله قد ضربه [١] هذه الضربة وإني لا أراها إلا قاتلتي. فان مت ولم أرجع عليكم فأعلموا ذلك قومي بني عبد مناف، وعرفوهم امري. وإن أعش، فسأمر عليكم، فاعلمكم ذلك» . فلم ينشب أن مات منها. وقدم خداش مكة فسئل عن عامر. فقال: «أصابه قدره» .
فصدقوه، ولم يظنوا غير ذلك، حتى قدم حاج العرب في الموسم.
فأقبل أولئك الحي الذين كان عامر عهد إليهم بما عهد، يسألون عن نادي بني عبد مناف. فاشير لهم إليهم. فأتوهم، / فأخبروهم خبر عامر. وخداش يطوف بالبيت لا يعلم بما كان. فقام رجال من بني
стр. 337
عبد مناف إلى صفَّة زمزم. فأخذوا عمدا فيها، ثم عمدوا إلى خداش فضربوه بها. وصاح الناس: «الله الله، يا بني عبد مناف» . وقال خداش: «ما لي ولكم؟» قالوا: «قتلت صاحبنا» . قال: «والله ما قتلته» . فلما قال ذلك تناهوا وتناصفوا، وصاروا في أمره إلى حكم الوليد بن المغيرة، وهو يومئذ أسن قريش. فحكم أن يحلف خداش في خمسين من بني عامر بن لؤي أنه لبريء من دم عامر. ثم يعقلوه بعد. فرضي بنو عبد مناف بذلك. فلما تقدم رجال بني عامر ليحلفوا عند الكعبة، وفيهم حويطب بن عبد العزي بن أبي قيس، أقبلت أمه فأخذت بيده فلم تدعه يدخل في القسامة. فأخذوا مكانه رجلا. فلما حلفوا، لم يَحُل الحول على رجل واحد من الذين حلفوا.
فصارت عامة رباعهم لحويطب. فكان أكثر أهل مكة رباعا.
قال أبو طالب:
أفى فضل حبل، لا أبا لك، ضربة ... بمنسأة قد جاء حبل [١] وأحبل
هلم إلى حكم ابن صخرة إنه ... سيحكم فيما بيننا ثم يعدل
كما كان يقضي في امور تنوبنا ... فيعمد للأمر الجميل ويفصل
وصخرة أم الوليد بن المغيرة وهي بنت الحارث بن عبد الله، من قسر [٢] .
стр. 338
ويقال إنهم رضوا بحكم أبي سفيان بن حرب. فروى بيت ابي طالب:
هلم إلى حكم ابن حرب فانه ... سيحكم فيما بيننا ثم يفصل
ومن سننهم أنه لم يكن للنساء عدة يعتددنها عند الطلاق.
وكانت/ المتوفا [١] عنها زوجها تقعد بعده سنة. وقد ولد منهن عدة على فرش أزواجهن من أزواجهن الأولين. فمن أولئك أن (سعد) ابن زيد مناة بن تميم تزوج الناقمية وهي حامل من معاوية بن بكر ابن هوازن، فولدت على فراش سعد، صعصعة [٢] . فلما مات سعد منعه بنوه ميراثه. فلحق بأصله. وهو قول المخّبل:
كما قال سعد إذ يقود به ابنه ... كبرتُ فجِّنبني الأرانب صعصعا
وقال شُريح بن الأحوص:
تمناني ليلقاني لقيط ... أعام، لك ابن صعصعة بن سعد
ومنهم (ربيعة) بن عاصم بن جزء بن عبد الله بن عامر بن عوف ابن عُقيل. كانت أمه من جعفي فكانت تحت الفُغار الجعفي وهو هُبيرة بن النعمان. فطلقها وهي حامل بربيعة. فتزوجها عاصم فولدت بعد ثلاثة أشهر على فراشه. فخاصمه فيه الفغار إلى عمر بن الخطاب ﵀. فقضي بربيعة للفغار بقول أمه أنه من جعفي. وقضى
стр. 339
فيه علي ﵁ أنه للعقيلي لأنه ولد على فراشه. وأقام العقيليون على أنها ولدت بعد ما تزوجها عاصم بعشرة أشهر، وأقام الجعفيون أنها ولدته لأقل من ثلاثة أشهر. وفيه يقول الجعفي:
قضى عمر فيكم بحق. وما قضى ... لكم لازم اخرى الليال الغوابر
وخالفه فيكم علي. وإنه ... بما سن فيكم خير ناه وآمر [١]
فأنتم إلى جعف أقلوا أو أكثروا ... وإلا فأنتم فقعة بالقرافر
/ فأجابه مسلم بن ربيعة:
إن أك من جعف بن قيس فاننا ... عرانين قحطان الرئيس ابن عامر
وإلا أكن من حي جعف فاننا ... عظام المساعي في عُقيل بن عامر
قال فهم إليوم أشراف بني عقيل. ومنهم (محمد) بن عمير بن عطارد ابن حاجب بن زرارة. وكان عمير سبى أم محمد هذا فى أول الإسلام،
стр. 340
وهي حامل من مالك بن عوف النصري، فولدت محمد أعلى فراش عمير، فلحق به. وله يقول جرير بن عطية:
إنا لنعلم ما أبوك لدارم ... فالحق بأصلك من بني دُهمان
وهذا في قريش والعرب كثير. ولو أردنا استقصاءه لكثر.
ومن سننهم أنهم كانوا يكسبون بفروج إمائهم. وكان لبعضهن راية منصوبة في أسواق العرب فيأتيها الناس فيفجرون بها.
فأذهب الإسلام ذلك وأسقطه فيما أسقط، ولهن أولاد ونسل كثير معروف.
وكان أمر الجاهلية في نكاح النساء على أربع. إمرأة تخطب فتزوَّج. وامرأة يكون لها خليل يختلف إليها، فان ولدت قالت: «هو لفلان» فيتزوجها بعد هذا. وامرأة ذات راية يختلف إليها، فان جاء اثنان فوافياها في طهر واحد ألزمت الولد واحدا منهما، فهذه تدعا المقسِّمة. والرجل يقع على أمة قوم، فيبتاع ولدها فيرغب فيدعيه ويشتريها فيتخذها امرأة.
تسمية أشراف مكاتبي البصرة والكوفة
/ منهم (الجّعد) بن قيس الهمداني الذي يعرف بئره بالكوفة
стр. 341
يقال لها «بئر الجعد» . كان أبوه كاتب على ثلاثين ألفا. ومنهم (راشد) أبو محمد بن راشد، مولى بشير بن جرير البجلي. كان كاتب على ثلاثين ألفا. ومنهم (رُزين أبو داود، وسليمان، وهارون) موالى آل أبي حازم البجليين رهط النضر بن إسمعيل. كاتب على أربعين ألفا. ومنهم (عبد العزيز) بن يسار زوج أم شعبة بن الحجاج الفقيه.
وكان عبد العزيز مولى لبني بحتر. كاتب يسار أبوه على ثلاثين ألفا.
ومنهم (زياد) مولى ثقيف، أبو يزيد بن زياد، وهم بآذربيجان، كاتب على ثلاثين ألفا. وكان تاجرا. وكل هؤلاء كانوا تجارا إلا الجعد فانه كان في مائتين من العطاء. ومنهم (أبو سعيد) مولى خالد بن عرفطة.
كاتب على خمسين ألفا وجاريتين وصبيين تتخذان [١] امي ولد. وكان أبو سعيد يبيع الغنم. ومنهم (راشد) مولى عبد الرحمن بن بُديل بن ورقاء الخزاعي. كاتب على سبعين آلفا. وكان يبيع الرقيق. ومنهم (أشرس) بن جبير النخعي، عين عبد الملك بن مروان بالعراق. وكان عبد الملك فرض له في ألفين. كاتب أبوه جبير على خمسين ألفا وعشرة من الرقيق. وكان له مال يعينه إلى العطاء. ومنهم (أبو مرداس) جد يزيد بن الفيض بن أبي مرداس. كاتب أبو مرداس فى زمن
стр. 342
عثمان لرجل من بني مرهبة على أربعين ألفا، وثلاثين ناقة ورعائها.
ومنهم (طهمان) الوبذي مولى الوليد بن عقبة. كاتب الوليد على سبعين ألفا. وكان يعيِّن ويبيع إلى العطاء. ومنهم (أبو الضًريس) مولى بني تميم. كاتب أبوه على/ خمسين ألفا. وكان يبيع الغنم. ومنهم (بزوان) أبو الفضيل بن بزوان مولى بني البكاء. كاتب على خمسين ألفا. وكان ابنه فضيل من أشراف موالى الكوفة.
ومنهم (غزوان) مولى البراء بن قبيصة بن أبي عقيل الثقفي. كاتب على خمسين ألفا وعدَّة من الوصفاء. وكان ينزل جرجان. ومنهم (سريع) مولى عمرو بن حريث. كاتب على ثلاثين ألفا. وابنه الوليد بن سريع كان عين عبد الملك على العراق. ومنهم (المهلب) ابن طلحة الكاتب. كان أبوه كاتب رجلا من جرم على ثلاثين ألفا.
وكان يبيع الرقيق. ومنهم (أبو دَكين) مولى الجمليِّين، من مراد.
كاتب على مائة الف. وكان يبيع الى العطاء. يبيع كل بياعة من العطر والرقيق والدواب. وأقرض مرة مرادا إلى العطاء سبع مائة ألف درهم. ومنهم (سفيان) مولى قَرظة بن كعب الأنصاري.
كاتب على سبعين ألفا. فوضع قرظة عنه أربعين ألفا وأخذ
стр. 343
الثلاثين. فاشترى بها رقيقا وأعتقهم. ومنهم (يزيد) أبو أبي صادق الأزدي، من غامد، الذي كان يروي عن ربيعة بن ناجذ عن علي ﵁. كاتب على عشرين ألفا. ومنهم (جد جبل [١] ) بن يزيد الأزدي من بني ظبيان، الكاتب. كاتب على أربعين ألفا.
وكان مع المنصور، فضمه إلى أبي أيوب الخوزي [٢] . ومنهم (أبو عبد الرحمن) جد عمر بن [٣] صالح بن أبي عبد الرحمن. كاتب على خمسين ألفا، مولى رجل من خثعم. ومنهم (بسطام) مولى عبد الرحمن ابن محرز بن الحارث بن عبد العزي بن عبد شمس بن عبد مناف. كاتب على ثلاثين آلفا. ومنهم (طرخان) جد محمد بن بشر بن طرخان التاجر، مولى آل/ ابي حازم الأحمسيين. كاتب على عشرين آلفا.
وكان جزارا، يبيع البقر. هؤلاء [٤] مكاتبو الكوفة.
أسماء مكاتبي البصرة
(سيرين) . كان بُعث به إلى عمر، فوهبه لأبي طلحة النجاري.
стр. 344
فوهبه لأنس بن مالك. فكاتبه على اربعين ألفا. وأما آل أنس فيزعمون أن عمر وهبه لانس. فاراد سيرين المكاتبه فابى انسا [١] .
فقال له: «ما يمنعك؟» قال: «اردت ان تموت فارثك» . فاتى سيرين عمر فقال: «اني أردت أنسا على المكاتبة، فأبى» . فامره عمر، فكاتبه على اربعين الفا. وكان (عبد الله) بن الحارث، ابن اخت سيرين، نبطيا، وكان ابوه الحارث ممن سبى فكوتب. فاشتراه سيرين.
فعتق بشراء سيرين اياه لقول رسول الله صلى الله عليه: «من ملك ذا رحم فهو حر» . فكان مولى سيرين. ومنهم (فروخ) مولى الربيع ابن زياد الحارثي. كاتب على مائة الف. فادى خمسين الفا. ثم اتى الربيع بها. فقال: «يا فروخ انت حر وهي لك» . وكان من سبي سجستان.
وله يقول الفرزدق:
أبا حاضر! ما بال برديك أصبحا ... على ابنة فروخ رداء ومئزرا؟
أبا حاضر! من يزن يعرف زناءه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا
وأبو حاضر الأسيدى. ومنهم (فيروز) حصين وكان من سبى زالق
стр. 345
وهو صاحب نهر فيروز بالبصرة. كاتب مولاه حصين بن الحر العنبري على خمسين الفا. ثم أتاه فقال: «إني أكره أن أكون مكاتبا.
ولكني اشتري نفسي منك بها» . / فأخذها منه وأعتقه. وكان خرج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. فلما كان يوم الزاوية [١] ، نادى منادي الحجاج: «من جاء برأس فيروز فله عشرة آلاف» . [٢] فنادى فيروز: «من جاءني برأس الحجاج فله مائة الف» . فأهمت الحجاج نفسه، ولم يأمن ثقاتة. ثم ظفر به الحجاج بعد، فطالبه بأن يطلعه على أمواله. فقال: «إن لي أموالا على الناس وودائع عندهم. فأخرجني مع حرسي حتى أقفه عليها» . فأخرجه مع حرسي. فنادى فيروز: «أيها الناس! من عرفني فقد عرفني. ومن لم يعرفني فأنا فيروز مولى حصين بن الحر العنبري.
فمن لي قبله وديعة أولي عليه مال فهو من ذلك أجمع في حل محلل» .
ثم رجع إلى الحجاج. فقتله. وكانت له أخبار. منها أن رجلين من العرب، ابني عم، تفاخرا وكانت ام أحدهما ام ولد. ففخر عليه ابن العربية بأمه.
ومر فيروز بهما على ثنية ذلك، فقال ابن الأمة: «هذا خالى» وأشار إلى فيروز. فرآه فيروز، وقد أشار إليه، فقال: «فيم أنتما؟» فقال الرجل:
«إن هذا ابن عمي فخر علي بأن أمه عربية. وفخرت بك لأن أمي عجمية» .
стр. 346
فأمر فيروز بعض غلمانه أن يحضره عشرة آلاف [١] درهم وتختا من عَصْب إليمن. فأحضره ذلك وهو واقف. فدفعه إلى الرجل. فقال له: «يا ابن أختي! قل لخال ابن عمك يأتيه بمثل هذا» . ومنهم (أبو نافع) كان غلاما لابن لعبد الله بن عامر بن كريز. وكان مولاه بخيلا.
فسأله المكاتبة. فقال: «أكاتبك على مائة ألف» . فأتى أبو نافع رجلا من آل معمر فقال له: «إن لي مالا وأنا أكره مولاي.
فاشترني وكاتبني على ما/ بدا لك» . فاشتراه بعشرة آلاف [١] وكاتبه على خمسين آلفا. وصار ولاؤه له. ومنهم (أبو القاسم) البراد مولى بني الهجيم. كاتب مولاه على مائة ألف درهم وجفنة كل يوم. فقالت امرأته: «يا أبا القاسم! والله ما عتقنا بعد» . قال: «وكيف؟» قالت:
«لأن بناتي في كل يوم يدققن الأبزار لهؤلاء الأعاريب» . فقال لهم: «يا بني الهجيم! بيعوني هذه الجفنة» . قالوا: «نكره أن ننقطع من منزلك» . قال: «ذاك والله اريد» . قالوا: فأعطنا بها. قال: أعطيكم بها ثلاثين آلفا. فعتق بثلاثين ومائة ألف. وكان أعجمي اللسان.
فقال بعض بنيه لبعض: لو ألزمتم هذا الشيخ مؤدبا يقوِّم لسانه؟
فطلبوا إلى آبي العرباض السلمي، وكان مؤدب بنى زياد ابن أبيه،
стр. 347
وقالوا له: هذا أمر ليس عليك فيه مؤونة. نرزقك مائة درهم في كل شهر ونكفيك مؤونة عيالك وتجلس مع هذا الشيخ. فإن مرت كلمة عوراء أخبرته بها ونهيته عنها. تجلس على مصلى والشيخ على مصلى. فأجابهم إلى ذلك. فكان إذ أمر بعض ذلك الكلام قال له: يا أبا القاسم! لو قلت كذا وكذا، الى ان مر غلام يحمل تينا على طبق فقال: يا غلام! كيف يباع الطين؟ فسكت أبو العرباض. قال وأقبلت أحمرة من النهر تحمل طينا. فقال: يا غلام من أين جئتم بهذا التين؟ فقال أبو العرباض:
قد والله أعربتهما. فلو جعلت الطين تينا والتين طينا؟ قال فقال ابو القاسم: ويحك يا أبا العرباظ ما أضرفك [١] ! قال: ما أضرفك! أم فلان طالق ثلاثا إن جالستك بعد يومي هذا أبدا. ومنهم (سالم) المنتوف. كاتب ابوه مولاه/ من بني قيس بن ثعلبة على خمسين آلفا. ومنهم (القاسم) بن مسلم مولى بني يشكر. كاتب أبوه مولاه على ثلاثين ألفا. وكان للقاسم جلد وهيئة ورواية لم يكن يشبه أولاد المكاتبين. ومنهم (ميمون) بن مهران الفقيه. كاتب مواليه من بنى نصر بن معاوية.
стр. 348
الوافون من العرب
(أوفى) بن مطر المازني. وكان جاوره رجل ومعه امرأة له. فأعجبت قيسا أخاه. فجعل لا يصل إليها مع زوجها. فقتل زوجها غيلة. فبلغ ذلك أوفى، فقتل قيسا أخاه بجاره. وقال:
إني، أبْنَتَ العمرْىّ [١] ! لا ثوب فاجر ... لبست، ولا من غدرة أتقنع
سعيت على قيس بذمة جاره ... لأمنع عرضي. إن عرضي ممنع
(الحارث) بن عباد وكان من وفائه أنه أسر يوم قضة [٢] عدى ابن ربيعة أخا مهلهل، وهو لا يعرفه. فقال له: دلني على عدي.
فقال له عدي: إن دللتك عليه فأنا آمن؟ فأعطاه ذلك. فقال له: فأنا عدي. فخلى سبيله وذلك قول الكميت:
وما كان السموءل في وفاء ... وقد بلغتْ حفيظته الخطوب
غداة ابتاع مكرمة بثكل ... وقد يوفى بذمته الكئيب
стр. 349
ولا ابن محلم [١] وأبو بجير ... وعُجْب من وفائهما عجيب
أبو بجير هو الحارث بن عُباد.
(السموءل) [٢] بن حيَّا بن عاديا الغساني. وكان من وفائه أن امرء القيس بن حُجر لما شخص إلى قيصر، أودعه أدراعا له.
فلما مات/ امرؤ القيس، غزاه بعض ملوك الشام. فأغلق الحصن دونه.
وظفر الملك بابن له كان خارج الحصن. فناداه: «يا سموأل! ادفع إلىّ دروع امرئ القيس، وإلا قتلت إبنك» . فشاور نساءه وأهل بيته. فكل أشار عليه بدفع الدروع واستنقاذ ابنه. فأشرف السموءل على الملك فقال له: «ليس لي إلى الدروع سبيل. فافعل ما بدا لك» .
فذبح ابنه وهو ينظر إليه، وانصرف عنه. فلما حضر الموسم حمل الدروع حتى دفعها إلى ورثة امرئ القيس. فقال الأعشى:
جار ابن حيَّا لمن نالته ذمته ... أوفى وأكرم من جار ابن عمار
خيَّره خطتي خسف فقال له ... مهما تقله فاني سامع حار
فشك غير طويل، ثم قال له: ... إذبح هديك، إني مانع جاري
(عوف) بن محلِّم الشيبانى. وكان من وفائه أن مروان ابن زنباع العبسي كان قد وتر عمرو بن هند اللخمي فجعل على نفسه
стр. 350
ألا يؤمنه حتى يضع يده في يده. وإن مروان غزا بكر بن وائل، فأسره رجل من تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة، ولم يكن منيعا. فخاف مروان أن يبلغ عمرو بن هند مكانه، فيبعث، فيأخذه. فسمع أم الذي اسره وهي تقول لابنها: «كأنك أسرت مروان القرظ» . فقال لها مروان «: وما تأملين من مروان؟» قالت «آمل [١] منه مائة بعير» .
قال: «فأنا مروان وهي لك على إن أديتموني إلى عوف بن محلم» . قالت «ومن لي بالوفاء؟» فأخذ عودا من الأرض فقال: «هذا لك بالوفاء» .
فحمله ابنها حتى أتى به قبة عوف. فلم يصادفه. فأجارته/ ابنته خماعة.
وبلغ عمرو بن هند مكانه، فبعث يطلبه. فأبى عوف أن يسلمه إلا أن يؤمنه. قال: «فاني قد إليت ألا أؤمنه حتى يضع يده في يدي» .
فقال عوف: «فانى ابر قسمك على أن أجعل يدي بين يدك ويده» .
فقال عمرو [٢] : «نفعل» . وآمن [٣] مروان. فقال عمرو بن هند: «لا حرّ بوادي عوف» [٤] . فذهبت مثلا.
стр. 351
(مروان) بن زنباع وكان من وفائه العود الذي أخذه من الأرض، فدفعه رهنا بمائة من الإبل، فوفى بها.
و (عمير) بن سُلمى الحنفي. وكان من وفائه أن رجلا من بني عامر بن كلاب كان استجار عمير بن سُلمى وكانت معه امرأة جميلة.
فكان قرين، أخو عمير، يتحدث إليها حتى بلغ ذلك زوجها. فنهاها.
فخافته فانتهت. فلما رأى قرين ذلك وثب على زوجها، فقتله، وعمير غائب. فأتى أخو المقتول قبر سلمى فعاذ به وقال:
وإذا استجرتَ من اليمامة فاستجر ... زيد بن يربوع وآل مجمَّع
وأتيتُ سلميا فعذت بقبره ... وأخو الزمانة عائذ بالأمنع
أقرين! إنك لو رأيت فوارسى ... بعمايتين إلى جوانب ضَلفع
حدثتَ نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغل الإصبع
وعلمتَ أنك إذ لجأت إليهم ... بهشت يداك ألى وحالم يصقع
стр. 352
فقدم عمير بن سلمى فأخذ أخاه. فبلغ ذلك وجوه بني حنيفة، فأتوه فكلموه. فقال: «والله لا أدعه أو يعفوا [١] عنه جاري» . فأتوا أخا المقتول فأضعفوا له/ الدية. فأبى. فكلمت عميرا أمه وهي ام قرين.
فأبى. ثم أخرج أخاه حتى قطع وادي إليمامة، فربطه إلى نخلة وقال: «أما إذ أبيت أن تعفو أو تأخذ الدية فأمهل حتى أقطع الوادي راجعا، ثم شأنك به ولا أرينك» . فقتله. فقالت أمه:
يَعَدُّ معاذرا لا عذر فيها ... ومن يقتل أخاه فقد ألا ما
(أبو حنبل) جارية بن مر الطائي ثم الثعلبي [٢] . وكان من وفائه أن امرء القيس بن حجر الكندي كان جار العامر بن جوين الطائي ثم الجرمي. فقبَّل عامر امرأة امرئ القيس. فأعلمته ذلك. فسار يريد جارية بن مر ليستجيره. فلم يصادفه، وصادف ابنه. فقال له ابنه:
«أنا أجيرك من الناس كلهم إلا من أبي حنبل» . فرضي بذلك وتحول إليه. فلما قدم أبو حنبل رأي كثرة أموال امرئ القيس. وأعلمه ابنه بما شرط له في الجوار. فاستشار في أكله نساءه. فكلهن أشرن عليه بذلك وقلن له: «إنه لا ذمة له عندك» . فخرج أبو حنبل حتى
стр. 353
أتى الوادي فنادى: «ألا إن أبا حنبل غادر!» فأجابه الصدى من الجبل بذلك. ثم نادى: «ألا إن أبا حنبل واف!» فأجابه الصدى بذلك. فقال: «هذه أحسن من تيك» . ثم أتى منزله فحلب جذعة من غنمة فشرب لبنها ومسح بطنه وقال: «أغدر وقد كفاني لبن جذعة؟» فوفي لامرئ القيس وقال:
لقد اليت أغدر في جذاع ... ولو مُنيت أمَّات الرباع
لأن الغدر في الأقوام عار ... وإن الحر يجزأ بالكراع
/ ثم عقد له. وأعلمه امرؤ القيس أن عامر بن جوين قبَّل امرأته. فركب في اُسرته حتى أتى منزل عامر بن جوين ومعه امرؤ القيس. فقال له: «قبِّل امرأته كما قبل امرأتك. ففعل.
(المعلي) الطائي أحد بني تيم، من جديلة، وهم إليوم يسمون «مصابيح الظلام» . وكان المنذر يطلب امرء القيس ... [١] فلجأ إلى المعلى. فأجاره. وشخص المعلي لبعض أمره. وبلغ المنذر مكان امرئ القيس. فركب حتى أتى ابن المعلي. فعمد ابن المعلي إلى امرئ القيس، فأدخله قبة فيها حرمه، وأنكر أنه عنده. ففتش المنذر منازل المعلي حتى انتهى إلى القبة التي هو فيها. فقال له: «إن فيها
стр. 354
حرم المعلي ولست واصلا إليها.» ونادى في قومه، فمنعوه. فقال امرؤ القيس:
كأني إذ نزلت على المعلي ... نزلتُ على الشوامخ من شمام
فما ملك العراق على المعلي ... بمقتدر ولا الملك الشأمى [١]
أقرّ حشى امرئ القيس بن حجر ... بنو تيم مصابيح الظلام
(عُصيمة) بن خالد بن سنان بن منقر. وغضب النعمان على بنى عامر بن صعصعة، فقتل منهم ناسا وشردهم فألجأهم عصيمة وأجارهم. فبعث إليه النعمان: «إبعث إلى بعبيدي» . فأبى ونادى في قومه شعاره «كوثر» . وأقبل النعمان، فاستقبله عصيمة، فأهوى بالرمح إلى معرفة فرسه وقال له: «وراءك أيها الملك الضروط! فلو شئت أن أضعه في سوى هذا الموضع لوضعته» . ثم إن عصيمة كسا بني عامر وبلَّغهم مأمنهم. وقال في ذلك:
/ منعنا من النعمان سادة عامر ... بأسيافنا في الموقف المتهيّب
فمهلا، أبيت اللعن! لا ترج ذمتي ... فما لى عن جارى بنفسي مرغب
стр. 355
(بدر) [١] بن حمراء الضبي. أصابت الناس سنة. فأتته الأكابر من بني تيم الله بن ثعلبة وهم مالك وعامر وحليحة، فجاوروه. فوفي لهم حتى أحيوا ورجعوا. وجاور بعضهم مساورا فجعل يفجر بنسائهم.
فقال بدر:
وفيتُ وفاء لم ير الناس مثله ... بتِعشار إذ تحنوا [٢] إلى الأكابر
ومن يك مبنيا [٣] به عرس جاره ... فأني امرؤ عن عرس جاري جافر
الطلحات المعدودون في الجود
(طلحة) بن عبيد الله بن عثمان التيمي صاحب رسول الله صلى الله عليه. وهو طلحة الفياض وطلحة الخير. (طلحة) بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي. وهو طلحة الجود. (طلحة) بن عبد الله بن