← Акыда

Акыда · id 122091

العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية

عبد الله الجديع

Полный текст (417 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 107

قلت: وهذا تَكليمٌ على الحَقيقةِ، بلا واسطةٍ، ومُواجَهَةٌ بلا حِجابٍ، ولهذا خُصوصيَّة لعبد الله ﵁ فَضْلاً منه تعالى ومنَّةً لِما نالَه في سَبيل الله، وإنَّما وقَعَ في الحَياة بعدَ الموتِ. • • • • •

стр. 108

المبحث الخامس: كلام الله تعالى غير مخلوق كلامُ الله تعالى صفةٌ من صفاتهِ غيرُ مَخلوقٍ كسائر صِفاتِه، سَواء كان القرآن العربيَّ، أوِ التَّوراةَ العِبربَّةَ، أو غيرَ ذلك من كلامِهِ تعالى، ممَّا وقَعَ من كلامِهِ، وممَّا لَم يقع بَعْدُ. ولَقَدْ كانَ السَّلفُ في صَدْرِ الإِسلام في غِنًى عن إطلاقِ لفظِ (غير مخلوق) لأنَّه كانَ من المُسَلَّمِ عندهم أنَّ كلامَ الله صفةٌ مِن صفاتِهِ، وصفاتُهُ غيرُ مَخلوقةٍ، حتى ظَهَرت الجَهميةُ، فنفَتْ صفةَ الكلامِ عن الله تعالى، لكنْ لمَّا كانَ فذا القولُ منكَراً شَنيعاً، تَنفرُ منه قلوبُ الناسِ، وتقشَعِرُّ منه جلودُهم، ويرفُضُهُ إيمانُهُمْ، أبدَلوهُ بقَوْلِهم: كلامُ الله مَخْلوقٌ، فتظاهَروا بإثباتِ الكلامِ، وأبطلُوهُ بقولهم: مخلوقٌ. فلمَّا كانَ حقيقةُ قَوْلِهم إبطالَ صفةِ الكلامِ وتَعطيلَها قابَلهم السَّلَفُ برفْضِ هذهِ البدعةِ وإنكارِها، والتَّشديدِ عليهم في ذلكَ، بل وتكفيرهم، لأنَّ حقيقةَ قولهم الكفرُ، لِما تضمَّنَ من تكذيبِ القرآنِ، وإثبات النَّقْصِ للرَّحمنِ، فقالَ السَّلَفُ حينئذٍ: (كلامُ الله -كالقرآن وغيره- غيرُ مخلوقٍ). ولقَدْ كانَتْ لهذه العقيدةُ مبنيَّةً على أسُسٍ متينةٍ وقَواعدَ عظيمةٍ من

стр. 109

الكتابِ والسُّنَّةِ، والمَعقولِ الصَّريحِ، ونُصوصِ السَّلَفِ وكَلامِهم، خِلافًا لما يحسَبُه الجاهلونَ. وإنِّي ذاكرٌ لكَ من ذلكَ ما فَتَحَ الله تعالى به لئلاَّ تضِلَّ السَّبيلَ، ولتَتَّقيَ ما أحدثَهُ الناسُ من القالِ والقيلِ: • من أدلة الكتاب: ١ - قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. والاحتجاجُ بهذه الآيةِ من وَجْهَيْنِ: الأول: أنَّه تعالى فرَّقَ بين الخَلْقِ والأمْرِ، وهما صِفَتان من صِفاتِهِ، أضافَهما إلى نفسهِ، أمَّا الخَلْقُ فَفِعْلُهُ، وأمَّا الأَمرُ فقولُهُ، والأصْلُ في المُتعاطفين التَّغايُرُ إلاَّ إذا قامَتِ القرينةُ على عَدم إرادَة ذَلكَ، وهنا قد قامتِ القرائنُ على توكيدِ الفَرْقِ بَيْنَهُما، ومنها الوجهُ الآتي. والثاني: أنَّ الخَلْقَ إنَّما يكونُ بالأمْرِ، كَما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. فقوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ هو أمْرُهُ، فلو كانَ مَخْلوقاً لاحتاجَ خلقُهُ إلى أمْرٍ، والأمْرُ إلى أمرٍ، إلى ما لا نِهاية، وهذا باطلٌ. وقد احَتجَّ الإمامُ أحمدُ ﵀ على الجَهْمِيَّة المُعْتزلةِ بهذه الآية. قال ﵀: "قلتُ: قال الله: ﴿ألَا لَهُ الْخَلْقُ والأمْرُ﴾ ففرَّقَ بين

стр. 110

الخَلْقِ والأمْرِ" (٣٨). وقال لهم: "قال الله: ﴿أتَى أَمْرُ اللهِ ...﴾ [النحل: ١] فأمْرُهُ كلامُه واستطاعَتُهُ ليسَ بمخلوقٍ، فلا تَضْرِبوا كِتابَ الله بعضَهُ بِبعضٍ" (٣٩). وقالَ فيما كتَبَهُ للمتوكِّل حينَ سألَهُ عن مَسألةِ القرآنِ: "وقَدْ قالَ الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ...﴾ [التوبة: ٦]، وقَالَ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾، فَأخبَرَ بالخَلْقِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالأمْرُ﴾، فأخبرَ أنَّ الأمرَ غَيْرُ مَخلوقٍ (٤٠). وقد سبَقَ الإِمامَ أحمد إلى هذا الاحتجاج شيخُه الإمامُ سفيانُ بن عُيَيْنَةَ الهِلاليُّ الحافظُ الثِّقَةُ الحُجَّةُ، فقالَ ﵀: "ما يَقولُ هذا الدُّوَيْبَّةُ؟ " -يعني بشرًا المَريسِيّ-. قالوا: يا أبا محمَّدٍ، يزعُمُ أنَّ القُرآنَ مَخلوقٌ، فقالَ: "كَذَبَ، قال الله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ﴾ فالخَلْقُ خَلْقُ الله ﵎، والأمْرُ القرآنُ" (٤١). قال الحافظُ هبةُ الله ابنُ الطَّبَريّ عقبَ هذا: "وكذلكَ قالَ أحمدُ بن حنبل ونُعَيْمُ بن حمَّادٍ، ومحمَّدُ بن يحيى الذُّهْليُّ، وعَبْدُ السَّلام بن عاصمٍ

стр. 111

الرازيُّ، وأحمدُ بن سِنانٍ الواسطيُّ، وأبو حاتِمٍ الرازيُّ". ٢ - وقالَ تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٣]. ففرَّقَ تعالى بينَ عِلمهِ وخَلْقِهِ، فالقرآنُ عِلْمُهُ، والإنسانُ خلقُهُ، وعِلْمُهُ تعالى غيرُ مَخلوقٍ. قالَ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٤٠]. وقالَ تعالى: ﴿... وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إنَّكَ إذاً لَمِنَ الظَّالمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. وقالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧]. فسمَّى الله تعالى القرآنَ عِلْماً، إذْ هو الذي جاءَه مِنْ رَبِّهِ؟ وهو الذي عَلَّمهُ الله تعالى إيَّاه ﷺ ، وعِلْمُهُ تعالى غيرُ مَخلوقٍ، إذ لو كانَ مخلوقًا لاتَّصَفَ تعالى بِضدِّهِ قبلَ الخَلْقِ، تعالى الله عن ذلك وتنزَّه وتقدَّس. وبهذا احتجَّ الإِمامُ أحمدُ ﵀ على الجَهْميةِ فيما كتبَهُ للمتوكِّل في مسألة القرآنِ. قالَ ﵀: "قالَ : ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، فَأخبرَ تَعالى أنَّ القرآنَ مِنْ عِلْمِهِ" ثمَّ احتجَّ بالآياتِ الثلاثِ المذكوراتِ، ثمَّ قال: "فالقرآنُ من علم الله تعالى، وفي هذه الآيات دليلٌ على أنَّ الذي جاءَه ﷺ هو القرآنُ، لقولِهِ: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ

стр. 112

أهْوَاءَهْمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ " (٤٢). وقالَ ﵀ في حكايةِ مُناظرتِهِ للجَهْميةِ في مَجْلس المُعتصِم: "قالَ لي عبدُ الرَّحمن القزّازُ (٤٣): كانَ اللهُ ولا قرآنَ، قلتُ له: فكانَ الله ولا عِلْم! فأمْسَكَ، ولَوْ زعَمَ أنَّ اللهَ كانَ ولا عِلْم لكفَرَ باللهِ" (٤٤). وقيلَ له ﵀: قومٌ يقولونَ: إذا قال الرَّجُلُ: كلامُ الله ليسَ بمخلوقٍ، يقولون: مَنْ إمامُكَ في هذا؟ ومِنْ أيْنَ قلتَ: ليس بمخلوقٍ؟ قال: "الحجَّة قولُ الله ﵎: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، فما جاءَه غيرُ القرآن". قال: "القرآنُ من عِلْمِ الله، وعلمُ الله ليسَ بمخلوقٍ، والقُرْآنُ كلامُ الله ليسَ بمخلوقٍ، ومثلُ هذا في القرآنِ كثيرٌ" (٤٥). وقالَ ﵀: "القُرآنُ علمٌ مِنْ عِلمِ الله، فمَنْ زعَمَ أنَّ عِلمَ الله مخلوقٌ فهو كافرٌ" (٤٦). ٣ - وقالَ تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف: ١٠٩].

стр. 113

وقالَ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. فأخبرَ تعالى -وقولُهُ الحَقُّ- أنَّ كَلِماتِهِ غيرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلو أنَّ البحارَ التي خَلَقَ الله كانتْ مِدادًا تُكْتَبُ به، والشَّجَرَ الذي خلقَ الله أقلاماً تُخَطٌ بِهِ، لَنَفِدَ مِدادُ البُحورِ، وَلَفَنِيَت الأقْلاَمُ، ولم تَفْنَ كَلِماتُ الله. وإنَّمَا في هذه الإبانةُ عن عَظَمَةِ كَلَامِهِ تعالى، وأنَّه وَصْفُهُ وَعِلْمُهُ، وهذا لا يُقاسُ بالكلامِ المَخلوقِ الفاني، إذ لَوْ كان مخلوقًا لَفَنِيَ من قبلِ أنْ يَفنى بَحْرٌ من البُحورِ، ولكنَّ الله تعالى إنَّما كتَبَ الفناءَ على المَخلوقِ لا عَلَى نفسِهِ وصفَتِهِ. ٤ - أسماءُ الله تعالى في القُرآنِ، كـ (الله، الرحمن، الرحيم، السميع، العليم، العفور، الكريم ...) وغيرها من أسمائِهِ الحُسْنى، وهي من كلامِهِ، إذ هو الذي سَمَّى بها نفسَه، بألفاظِها وَمَعانِيها. وقد ساوى الله تعالى بين تَسبيحِ نَفْسِهِ وتَسبيحِ أسمائِهِ، فقال تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤، ٩٦ والحاقة: ٥٢]. وساوى تعالى بين دُعائِهِ بنفسهِ ودُعائِهِ بأسمائِهِ، فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقال: ﴿وَلِلهِ الأسْمَاءُ

стр. 114

الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وكذلك ساوى تعالى بين ذِكْرِهِ بنفسهِ وذِكْرِهِ بأسمائِهِ، فقالَ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وقالَ: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥]. وهذا التَّسبيحُ والدُّعاءُ والذِّكْرُ إنْ كانَ يَقَعُ لمَخلوقٍ كان كُفْراً بالله. فإنْ قيلَ: إنَّ كلامَه تعالى مَخلوقٌ، كانتْ أسماؤُهُ داخِلةً في ذلكَ، ومَنْ زعَمَ ذلك فقَدْ كَفَرَ لِما ذكرنا، ولأنَّ معنى ذلكَ أنَّ الله تعالى لم تكن لَه الأسماءُ الحُسنى قبل خَلْقِ كلامهِ، ولَكانَ الحالفُ باسْم من أسمائِهِ مُشْرِكاً لأنه حلَفَ بمَخلوقٍ، والمَخلوقُ غيرُ الخالقِ، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَن حَلَفَ بغير الله فقد أشركَ" (٤٧). وبهذه الحُجَّةِ احتجَّ جماعةٌ من السَّلفِ والأئمَّةِ على كَوْنِ القرآنِ غيرَ مخلوقٍ، منهم: ١) الإِمام الحُجَّة سُفيان بن سَعيد الثوريّ. قال: "مَنْ قالَ: إنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ مخلوقٌ، فهو

стр. 115

كافِر" (٤٨). ٢) ناصرُ السُّنَّة أبو عبد الله محمَّد بن إدريسَ الشَّافعي. قال: "مَنْ حَلَفَ باسمٍ مِن أسماءِ الله فحنَثَ فعليه الكفَّارة، لأنَّ اسمَ الله غيرُ مَخلوقٍ، ومن حلَفَ بالكعبةِ، أو بالصَّفا والمَرْوةِ، فليسَ عليه الكفَّارةُ، لأنَّهُ مَخلوقٌ، وذاكَ غيرُ مَخْلوقٍ" (٤٩). ٣) إمامُ أهل السُّنَّة أحمدُ بن حَنبل. قال: "مَنْ قالَ: القرآن مخلوق فهو عندنا كافرٌ، لأنَّ القُرآن من عِلْمِ الله ، وفيه أسماءُ الله " (٥٠). وقالَ: "وأسماءُ الله في القُرْآنِ، والقُرْآنُ من عِلْمِ الله، فمَنْ زَعَمَ أنَّ القرآنَ مخلوقٌ فهو كافرٌ، ومن زعَمَ أنَّ أسْمَاءَ الله مخلوقةٌ فقدْ كَفَرَ" (٥١). وذَكَرَ لَه رَجُلٌ أنَّ رَجُلاً قالَ: إنَّ أسماءَ الله مخلوقةٌ، والقرآنُ مخلوقٌ، فقال أحمدُ: "كُفْرٌ بَيِّنٌ" (٥٢). وقالَ: "أسْماءُ الله في القرآنِ، والقرآنُ من عِلْم الله، وعِلْمُ الله ليس بمخلوقٍ، والقرآنُ كلامُ الله ليسَ بمخلوقٍ على كلِّ وجهٍ، وعلى كلِّ

стр. 116

جهةٍ، وعلى أيِّ حالٍ" (٥٣). وكما أنَّه تعالى لا يوصَف بصفةٍ مخلوقةٍ، فلا يسمَّى باسم مَخلوقٍ. ٥ - أخبرَ تعالى عن تَنزيلهِ منه وإضافتهِ إليهِ، كما قالَ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢]، وقالَ: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، ولَم يُضِف شيئًا ممَّا أنزلَه إلى نفسِه غير كلامِهِ (٥٤)، ممَّا دَلَّ على الاختصاصِ بمَعنى، فليسَ هو كإنزالِ المَطَر والحديد وغير ذلك، فإنَّ هذه الأشياءَ أخبرَ عن إنزالِها، لكنَّه لم يُضِفْها إلى نفسِهِ، بخِلافِ كلامِهِ تعالى، والكلامُ صِفَةٌ، والصِّقَةُ إنَّمَا تُضافُ إلى مَن اتَّصَفَ بها لا إلى غيرهِ، فلو كانت مخلوقةً لفارقت الخالقَ، ولم تصلحْ وَصْفاً له، لأنَّه تعالى غَنِيُّ عن خَلقِهِ، لا يَتَّصفُ بشيءٍ منه. • منه أدلة السنة: ١ - حديث خَوْلَةَ بنت حَكيم السُّلميَّة قالَتْ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ: أعوذُ بِكَلِماتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ، لم يَضُرَّهُ شَيْءٌ حتَّى يرتَحِلَ مِنْ مَنْزِلهِ ذلكَ" (٥٥).

стр. 117

وحديثُ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: جاء رجلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: يا رَسُولَ الله، ما لَقِيتُ مِنْ عَقْربٍ لَدَغَتْني البارحةَ، قال: "أما لَو قُلْتَ حين أمْسَيْتَ: أعوذ بكلماتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ لم تَضُرَّكَ" (٥٦). وفي سياق آخرَ عنه قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ قالَ إذَا أمْسى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أعوذُ بكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ من شَرِّ ما خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّهُ حُمَةٌ تلكَ اللَّيْلة". قال: فكان أهلُنا قد تعلَّمُوها، فكانوا يقولونَها، فلُدِغَتْ جاريةٌ منهم، فلم تَجِدْ لها وَجَعاً (٥٧).

стр. 118

وحَديثُ عبدالله بن عباسٍ ﵄ أنَّ رَسولَ الله ﷺ كانَ يُعَوِّذُ حَسَنًا وحُسَيْنًا، يقولُ: "أعيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيطانٍ وهامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ". وكانَ يقولُ: "كانَ إبْراهيمُ أبي يُعَوِّذُ بهما إسْماعيلَ وإسحاقَ" (٥٨). فأثبتَ النَّبيُّ ﷺ بما ذكَرْناهُ عنه شرعيَّةَ الاستعاذةِ بكلماتِ الله، فلو كانَتْ كلماتُهُ مخلوقةً لكانت الاستعاذةُ بها شِرْكًا، لأنَّها استعاذةٌ بمَخلوقٍ، ومن المعلوم أنَّ الاستعاذةَ بغير الله تعالى وأسمائِهِ وصفاتِهِ شِرْكٌ، فكيفَ يَصِحُّ أن يُعلِّمَ النَّبيُّ ﷺ أمَّتَه ما هو شركٌ ظاهرٌ، وهو الذي جاءهم بالتَّوحيدِ الخالصِ؟ فدلَّ هذا على أنَّ كلماتِ الله تعالى غيرُ مخلوقةٍ. وقالَ نُعَيْمُ بن حمَّاد (شيخُ البخاري، ومن أئمَّة السُّنَّة): "لا يُستعاذُ بالمَخلوقِ، ولا بكلامِ العباد والجنِّ والإِنسِ والملائكةِ". وقال البخاري عَقِبهُ: "وفي هذا دَليلٌ أنَّ كلامَ الله غيرُ مخلوقٍ، وأنَّ

стр. 119

سواه خَلْقٌ" (٥٩). ثمَّ احتجَّ البخاريُّ لذلك بما ذكرنا. واعترضَ بعضُ أهل البدَعِ على هذه الحُجَّة بقوله ﷺ : "اللَّهمَّ أعوذُ بِرِضاكَ من سَخَطِكَ، وبمُعافاتِك من عُقوبَتِك ... " الحديث (٦٠)، فقالوا:

стр. 120

فاستعاذَ النبي ﷺ بالرِّضا والمُعافاة وهما مَخلوقان. والجوابُ: أن هذا الاعتراضَ من فاسدِ الفهْم الذي أدخلَه عليهم الشيطانُ -لعنه الله- وذلك أنَّهم حَسِبوا أنَّ الرِّضا والمعافاةَ من خَلْقه تعالى، جَرْياً على سُنَّتِهِم في أنَّ الله تعالى لا يقوم به اختيارٌ ولا مَشيئة، والرِّضا والمعافاةُ إنَّما يتعلَّقان بالمشيئةِ، وكلُّ ما تعلَّقَ بالمشيئة فهو مخلوقٌ. وهذا الأصل الفاسِدُ جرَّهم إلى الوقوع في تعطيل جميعِ الصفاتِ الاختيارية، كالرِّضا، والغَضبِ، والرَّحْمةِ، والرَّأفةِ، والحُبِّ، والبُغْضِ، والإِنْعام، والانتقامِ، وغيرِها مَما يتعلَّقُ بمشيئتهِ تعالى واختيارهِ. والحَقُّ الأبلجُ الذي يبهَرُ أبصارَ أهلِ البِدَع أنَّه تعالى تقومُ به الصِّفاتُ الاختياريةُ، كما سيأتي تقريره بأبسط من هَذا.

стр. 121

والاستعاذة بالرِّضا والمُعافاةِ، استعاذةٌ بصفته تعالى، إذ رضاهُ تعالى صفتهُ التي يرضى بها عمَّنْ شاءَ من عبادهِ، ومعافاتُهُ صفَتُهُ التي يُعافي بها من شاءَ من عبادِهِ، والمَخلوق إنَّما هو العافيةُ الموجودةُ في الناس، والتي كانت بمعافاتِهِ ﵎، فتأمَّل هذا رحِمَكَ الله ترشَد إن شاءَ الله. ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "فَضْلُ كلامِ الله على سائرِ الكلامِ كفَضْلِ الله على سائرِ خلقِهِ" (٦١). تضمَّن هذا الحديث إثباتَ عقيدةِ السَّلَفِ (القرآن كلام الله غيرُ مخلوق) وذلك من وجهين: الأوَّل: التفريق بين كلام الله وما سِواه من الكلام، والكلامُ إما كلامُ الله الذي هو صفته، أو الكلامُ المخلوق الذي يقَعُ من خلقِهِ، فأضافَ ما كانَ صفةً لله إلى الله، وعمَّمَ ما سِواهُ، ليشمَلَ كلَّ كلام سوى ما أضافه إلى الله، ولو كان الجميعُ مَخْلوقاً لمَا كانت هناك حاجة إلى التفريق. والثاني: جعلَ الفَرْقَ بينَ كلام الله وكلام غيره كالفَرْقِ بينَ ذاتِ الله وذاتِ غيره، فجعلَ كلامَه مساوياً لذاتِهِ، وكَلاَمَ المخلوقِ مساوياً لذات المخلوقِ، ولو كان كلامُهُ مخلوقاً لم يساوِه بذاتِهِ، فإنَّ الله تعالى ليسَ يُساويه شيءٌ غيرُ صفاتِهِ وأسمائِهِ. وقد احتجَّ بهذا الإِمام عثمان بن سعيد الدَّارِمِيُّ في "الردِّ على

стр. 122

الجهمية" فقال بعدَما ذكَر الأحاديثَ في هذا المعنى: "ففي هذه الأحاديث بيانُ أنَّ القرآنَ غير مخلوقٍ, لأنَّه ليس شيءٌ من المخلوقينَ من التفاوت في فَضْلِ ما بينهما كما بين الله وبينَ خلقِهِ في الفَضْلِ, لأنَّ فَضْلَ ما بين المخلوقين يُسْتَدْرَك، ولا يُسْتدركُ فَضْلُ الله على خلقِهِ، ولا يُحْصِيهِ أحَدٌ، وكذلك فَضْلُ كلامهِ على كلام المخلوقين، ولو كانَ مخلوقاً لم يكن فضْلُ ما بينَه وبين سائر الكلام كفضْلِ الله على خلقهِ، ولا كَعُشْرِ عُشْرِ جُزءٍ من ألفِ ألفِ جُزْءٍ، ولا قريباً فافْهَموه، فإنَّه ليسَ كمثله شيءٌ, فليسَ كَكَلامِهِ كلامٌ، ولن يُؤْتى بمثلِهِ أبداً" (٦٢). • من المعقول الصريح: وذلك من وجهين: الأول: أنَّ كلامَ الله إنْ كانَ مخلوقاً، فلا يخلو من أحَدِ حالَيْن: الأولى: أنْ يكونَ مخلوقاً قائماً بذاتِ الله. والثانية: أنْ يكونَ منفصلاً عن الله بائناً عنه. وكلا الحالين باطلٌ، بل كفرٌ شنيعٌ. أمّا الأولى فيَلزَمُ منها أن يقوم المخلوقُ بالخالقِ، وهو باطلٌ في قولِ أهلِ السُّنَّةِ، وعامَّةِ أهلِ البِدَعِ، فإنَّ الله تعالى مُستغنٍ عن خلقهِ من جميع الوجوهِ. وأمّا الثانية فيلزَمُ تعطيلُ صفَةِ الكلام للباري تعالى، إذْ أنَّ الصفةَ إنَّما

стр. 123

تقومُ بالمَوصوف -كما سبق تقريرةُ- لا تقومُ بسِواه، فإنْ قامَتْ بغير الموصوف كانت وصفاً لمن قامتْ به، وهذا معناه أنَّ الرَّبَّ تعالى غيرُ متكلّمٍ، وهو كفرٌ بَيِّنٌ، كما بَيَّنا الدلالةَ عليه. والثاني: علمتَ أنَّ الصفةَ لا تقومُ بنفسِها، فإن كانتْ صفةً للخالق قامت به، وإن كانتْ صفةً للمخلوقِ قامتْ به ولا بدَّ، فالحركةُ، والسُّكونُ، والقيامُ، والقعودُ، والقدرةُ، والإِرادةُ، والعلمُ، والحياةُ، وغيرُها من الصِّفاتِ، إن أضيفت لشيءٍ كانت وصفاً لهُ، وهي تابعةٌ لمن قامَتْ به، فهذه صفاتٌ تُضاف للمخلوقِ، فهي صفات له حيث أضيفتْ له، ومنها ما يُضافُ إلى الخالق، كالقُدْرةِ والإِرادةِ والعلمِ والحياةِ وغيرِ ذلك، فهي صفاتٌ له حيثُ أضيفت له، وحيثُ أضيفت للمخلوقِ فهي مخلوقةٌ، وحيثُ أضيفت للخالقِ فهي غير مخلوقةٍ. فصفةُ الكلامٍ كغيرها من الصِّفاتِ، لا بدَّ أن تقومَ بمَحَلٍّ، فإذا قامت بمَحَلٍّ كانت صفةً لذلك المَحَلِّ، لا صفةً لغيرهِ، فإنْ هى أضيفت إلى الخالق تعالى فهيَ صفتُهُ، وإنْ أضيفتْ إلى غيرِهِ فهي صفةٌ لذلك الغيرِ، وصفةُ الخالقِ غير مخلوقةٍ كنفسهِ، وصفةُ المخلوقِ مخلوقةٌ كنفسهِ. فلمَّا أضافَ الله لنفسه كلاماً، ووصَفَ نفسَهُ به، كان كلامُهُ غيرَ مخلوقٍ, لأنَّه تابعٌ لنفسِهِ، ونفسُهُ تعالى غيرُ مخلوقةٍ، والكلامُ في الصِّفات فَرْعٌ عن الكلامِ في الذاتِ. فإنْ قيلَ: هو مخلوقٌ، قُلْنَا: إذاً يتنزَّةُ الله عن الاتّصافِ بمخلوقٍ، وأنتم تنزهونه تعالى بزَعْمِكُمْ عن قيام الحوادث به، فحيثُ نزّهتم ربَّكم تعالى عن ذلك فإنَّه يلزمُكُم أن لا تضيفوا إليه كلاماً، وبهذا تكذّبون السَّمْعَ

стр. 124

والعقل الشاهِدَيْنِ على أنَّ لله تعالى صفةَ الكلام, كما قدْ بيَّناه فيما مضى. لكنَّهم أبَوُا الإِقرار بأنَّ كلامَ الله تعالى غيرُ مخلوقٍ بأدهى ممَّا سبَقَ من الباطل, فقالوا: نُثْبِتُ أنَّ الله متكلمٌ بكلامٍ قائمٍ في غيرهِ، فكلَّم الله تعالى موسى بكلامٍ مَخَلوقٍ قائِمٍ بالشَّجَرة، لا بهِ تعالى، فنحن نزَّهناه عن قيام الحوادث بهِ. قُلْنا: جعلتُمُ الكلامَ إذاً صفةً للمَحَلِّ الذي قامَ به، وهو على قولِكم الشَّجَرةُ، فكانت الشجرةُ بهذا هي القائلةُ لمُوسى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فانتفى حينئذ الفرقُ بين قولِ الشَّجرةِ وقول فرعونَ اللَّعين: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾؛ لأنَّ كلامَ الشجرةِ صفَتُها لا صفةُ الله، وكلامَ فرعونَ صفتُهُ، وكلٌّ ادَّعى الربوبيَّة، فلم يكن موسى إذاً محِقّاً في إنكارهِ قولَ فرعونَ وقبولهِ قولَ الشجرةِ. سُبحان الله! كم تجُرُّ البدعُ على أهلِها من المَحاذير؟ تأمَّل رحِمَكَ الله لهذا الكُفْرَ الصُّراح، الَّذي أوقعَ أهلَه فيه الابتداعُ المُشِينُ، وعدَمُ الرِّضا والتَّسليم لحَقائق التَّنزيلِ، واستبدالُ الوحي الشريفِ بزُبالاتِ الأذْهانِ التي تُصَرِّفها الأهواءُ كيف شاءَت. ولقد كانتْ هذه الحجَّةُ العَقْليَّة ممَّا احتَجَّ به الإِمامُ أحمدُ ﵀ على الجَهْميةِ المعتزلةِ حين ناظرَهم بحضْرَة المعتصِم، قال ﵀: "وهذه قصَّةُ موسى، قال الله في كتابهِ حكاهُ عن نفسهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ فأثبتَ الله الكلامَ لموسى كرامةً منه لموسى، ثمَّ قالَ بعدَ كلامهِ له ﴿تَكْلِيمًا﴾ تأكيداً للكلامِ، قالَ الله تعالى: يَا مُوسَى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ

стр. 125

إِلَّا أَنَا﴾ وَتُنْكرونَ هذا، فتكونُ هذه الياءُ تَرِدُ على غير الله، ويكونُ مخلوقٌ يدَّعِي الرُّبوبية؟! ألَا هو الله " (٦٣). وكذا احتجَّ بهذه الحُجَّة من أئمَّة السَّلَفِ الثِّقةُ المأمونُ أبو أيوب سليمانُ بن داودَ الهاشميُّ، فقال: "مَنْ قالَ: القرآن مخلوقٌ فهو كافرٌ، وإن كانَ القرآنُ مخلوقاً كما زعمها فَلِمَ صارَ فرعونُ أولى بأنْ يُخَلَّدَ في النَّارِ، إذْ قالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وزعَموا أنَّ هذا مخلوقٌ، والذي قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾، هذا أيضاً قد ادّعى ما ادّعى فرعونُ، فَلِمَ صارَ فرعونُ أولي بأن يُخَلَّدَ في النَّارِ من هذا، وكلاهُما مخلوقٌ؟ ". قال البُخاريُّ ﵀: فأخْبِرَ بذلكَ أبو عُبَيْد فاستحسَنه وأعجَبه (٦٤). قلتُ: وأبو عُبَيد هو القاسم بن سلاَّم لغويُّ أهلِ الحديث. • من كلام أئمه السلف في إثبات هذه العقيدة: ١ - عمرو بن في دينار (من خيار أئمَّةِ التَّابعينَ): قال: "أدركتُ أصحابَ النَّبي ﷺ فَمَن دونَهم منذ سبعينَ سنة، يقولون: الله الخالقُ، وما سِواه مخلوق، والقرآن كلام الله، منه خَرجَ وإليه يعودُ" (٦٥).

стр. 126

قال إسحاقُ بن راهوَيْهِ: "وقد أدْرَكَ عَمْرُو بن دينارٍ أجلّةَ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، من البَدْريينَ، والمُهاجِرينَ، والأنصار، مثل: جابر بن عبد الله، وأبي سعيدٍ الخُدْري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن الزبير، وأجلّة التابعين، وعلى هذا مضى صدرُ هذه الأمَّةِ" (٦٦). ٢ - جَعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحُسَين المَعروف بـ "الصادق" (إمامٌ ثقَةٌ سُنِّيٌّ): قال معاويةُ بن عمَّارٍ الدُّهْنِيُّ: قلْتُ لجَعْفر -يعني ابنَ محمد- إنَّهم يسألون عن القرآنِ: مخلوقٌ هو؟ قال: "ليس بخالِقٍ ولا مَخلوقٍ، ولكنَّه كلامُ الله" (٦٧).

стр. 127

٣ - مالك بن أنس (إمام دار الهجرة): قال عبد الله بن نافع: كان مالكٌ يقول: "كلَّم الله موسى ﷺ " ويقول: "القرآنُ كلامُ الله" ويستفظِع قولَ من يقول: القرآن مخلوق (٦٨). ٤ - سفيان بن عُيَيْنَة (إمامٌ حُجَّةٌ): سئل عن القرآن؟ فقال: "كلامُ الله، وليس بمخلوقٍ" (٦٩). ٥ - عبد الله بن المبارك (ذاكَ العَلَم): قال: "القرآنُ كلامُ الله ، ليسَ بخالقٍ ولا مَخلوقٍ" (٧٠). ٦ - أبو عبد الله الشَّافعيُّ الإِمامُ: قالَ الرَّبيعُ بن سُلَيْمان صاحبهُ وتلميذُهُ حاكياً المناظرةَ التي جَرَتْ بينَهُ وبينَ حفْصٍ الفَرْدِ في القرآن: فسألَ الشَّافعيَّ، فاحتجَّ عليه الشافعيُّ وطالَت فيه المُناظرةُ، فأقامَ الشَّافعيُّ الحُجَّةَ عليهِ بأنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، وكفَّر حَفْصاً الفَرْدَ. قال الرَّبِيعُ: فلقيتُ حفْصاً الفَرْدَ في المَجْلسِ بَعْدُ، فقال: أرادَ الشَّافعيُّ

стр. 128

قَتْلي (٧١). ٧ - وكيعُ بن الجَرَّاح (أحدُ كبارِ الحُفَّاظ): قال: "القرآنُ كلامُ الله ليسَ بالمَخلوقِ" (٧٢). ٨ - يحيى بن سعيد القطَّان (رأسٌ في الحَديثِ وعِلَلِهِ): قال الحافظُ أبو الوليد الطَّيالِسيُّ: قالَ لي يحيى بن سعيدٍ: "كيف يصْنَعونَ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟ كيف يَصْنَعونَ بهذه الآية: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾؟ يكونُ مخلوقاً؟ " (٧٣). ٩ - يزيد بن هارون (من كبار أئمَّةِ الحَديثِ): قال: "مَنْ قالَ: القرآنُ مخلوقٌ فهو كافرٌ" (٧٤). ١٠ - عبد الله بن إدريس (ثقَةٌ ثَبْتٌ): قال: "القرآنُ كلامُ الله، ومنَ الله، وما كانَ مِنَ الله فليسَ بمخلوقٍ" (٧٥). ١١ - أبو الوليد الطَّيالِسي: هشامُ بن عبد الملك (ثِقَةٌ حافِظٌ):

стр. 129

قال: "القرآنُ كلامُ الله، وكلامُ الله ليسَ بمَخلوقٍ" (٧٦). ١٢ - سليمان بن حَرْبٍ (ثقَةٌ جَبَلٌ صاحبُ سُنَّة): قال عباسُ بن عبد العظيم -وكان ثِقَةً- سمعتُ سُليمانَ بن حَرْبٍ قال: "القرآنُ ليسَ بمَخلوقٍ". فقلت له: إنَّكَ كنتَ لا تقولُ هذا، فما بَدا لكَ؟ قالَ: "استَخْرَجْتُهُ من كتاب الله : ﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] فالكلام والنظرُ واحدٌ" (٧٧). ١٣ - الإِمام أحمدُ بن حَنبل إمام أهل السُّنَّة: النَّقْلُ عنه في ذلك متواترٌ، والناقلونَ عنه لا يُحصيهم العدُّ، وكَفى ما كان منه في المِحْنَةِ مع الجهميةِ المعتزلةِ القائلين بخلقِ القرآن، وقد تقدَّم ذكرُ بعضِ النقلِ عنه، وسيأتي بعض ذلك متناثِراً. وممَّا يَحْسُنُ ذكرُهُ هنا ما قالَه الإِمام أحمدُ جواباً لسؤالِ المتوكّلِ عن مسألة القرآنِ: "وقد رُويَ عن غير واحدٍ ممَّن مَضى من سَلَفِنا ﵏ أنَّهم كانوا يقولون: القرآنُ كلام الله ، وليس بمخلوقٍ، وهو الذي أذْهَبُ إلَيهِ، ولسْتُ بصاحبِ كلامٍ، ولا أرى الكلامَ في شَيْءٍ من هذا، إلاَّ ما كانَ في

стр. 130

كتابِ الله ، أو في حديثٍ عن النبي ﷺ ، أو عن أصحابِهِ، أو عنِ التابعينَ، فأمَّا غير ذلك فإنَّ الكلامَ فيه غيرُ مَحْمودٍ" (٧٨). وقال حنبلٌ: سمعتُ أبا عبد الله يقولُ: "لم يَزَل الله متكلِّماً، والقرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، وعلى كلِّ جِهَةٍ, ولا يوصَفُ الله بشَيْءٍ أكثرَ ممَّا وصَفَ به نَفْسَهُ " (٧٩). ١٤ - يحيى بن مَعين (إمامُ الجَرْحِ والتَّعديلِ) وأبو خيثمة زُهَيْر بن حَرْب (حافظٌ إمامٌ ناقِدٌ): قالا: "القرآنُ كلام الله ، وهو غيرُ مَخْلوقٍ" (٨٠). ١٥ - أبو بكر بن أبي شَيْبَة (حافظٌ إمامٌ مُصَنِّفٌ): قال له رجُلٌ من أصحابِهِ: القرآنُ كَلامُ الله وليسَ بمَخلوقٍ، فقال أبو بكر: "مَنْ لَمْ يَقُلْ هذا فهو ضالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ" (٨١) ١٦ - عثمان بن أبي شَيْبَةَ (ثِقَةٌ حافِظٌ):

стр. 131

قال: "القرآنُ كلامُ الله وليسَ بمَخلوقٍ" (٨٢). ١٧ - جماعةٌ من شُيوخ أبي داودَ السِّجِستاني صاحب "السُّنن": قال أبو داود ﵀: سمعتُ إسحاقَ بن إبراهيمَ بن راهُوَيهِ، وهَنَّادَ بن السَّريّ، وعبدَ الأعلي بنَ حمَّادٍ، وعُبيدَ الله بن عُمَر بنِ مَيسرةَ القواريريَّ، وحكِيم بن سيفٍ الرَّقيَّ، وأيوبَ بن محمَّدٍ، وسَوّارَ بنَ عبد الله، والرَّبيعَ بن سليمان -صاحبَ الشَّافعيّ- وعبدَ الوهّابِ بن الحَكَم، ومحمَّدَ بن الصَبّاح بنِ سُفيانَ، وعُثمانَ بن أبي شَيْبَة، ومحمَّدَ بنَ بَكّارِ بنِ الرَّيَّانِ، وأحمدَ بن جَوَّاس الحنَفيَّ، ووَهْبَ بن بَقِيَّةَ، ومَن لا أحْصيهم من عُلمائِنا، كلُّ هؤلاءِ سَمِعْتُهم يقولونَ: "القُرْآنُ كلامُ الله ليسَ بمَخلوقٍ". وبعضهُم [قال: "القرآنُ] غيرُ مخلوقٍ" (٨٣). قلتُ: وجميعُ هؤلاءِ الشيوخِ من أئمَّة الحديثِ، وكلُّهم ثِقاتٌ، سِوى حَكيم بن سَيْف فإنَّه صالحٌ لا بأس به. ١٨ - عليُّ بن المديني (صَيْرفيّ الحَديثِ وأهلِهِ). قال محمَّدُ بن عثمانَ بن أبي شَيْبة: سمعتُ عليَّ بن المَديني يقولُ

стр. 132

قبلَ أن يموتَ بشَهرين: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومَن قالَ: مخلوقٌ، فهو كافرٌ" (٨٤). ١٩ - أبو يعقوب البُويْطيِّ (تلميذُ الشافعي وخرّيجُهُ): قال:"مَنْ قالَ: القرآنُ مخلوقٌ، فهو كافرٌ" (٨٥). ٢٠ - المُزَنيُّ: إسماعيل بن يحيى (إمامٌ فَقيهٌ، من أخَصّ أصحابِ الشافعي به): قال: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومَن قالَ: إنَّ القرآنَ مخلوقٌ، فهو كافرٌ" (٨٦). ٢١ - البخاريّ: محمَّد بن إسماعيل (إمامُ المحدّثين): قال: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ" (٨٧). ٢٢ - أبو حاتِمٍ وأبو زُرْعَة الرّازيانِ (عالمانِ حافظانِ، من كبارِ أئمَّةِ الحديثِ): قال عبدُ الرَّحمن بن أبي حاتِم:

стр. 133

سألتُ أبي وأبا زُرْعةَ عن مَذاهبِ أهل السُّنَّة في أصولِ الدّينِ، وما أدركا عليه العلماءَ في جميع الأمصارِ، وما يَعْتَقِدان من ذلك؟ فقالا: "أدْرَكْنَا العُلَماءَ في جَميع الأمصار: حِجازاً، وعِراقاً، وشاماً، ويَمَناً، فكان من مذهبهم: الإِيمان قولٌ وعَمَلٌ يَزيدُ وينقصُ، والقرآنُ كلامُ الله غير مخلوقٍ بجميع جهاتِهِ" (٨٨). فهؤلاءِ بِضْعةٌ وثلاثونَ من الأئمَّةِ، قد سمِّيناهم، عامَّتهم ممَّن يُقْتَدى بهم، وجميعهم من أهلِ القُرونِ المُفَضَّلَة التي هي خيرُ القرون. قال الإِمام أبو عثمانَ الصابونيُّ: "ويشهَد أصحابُ الحديث، ويعتقدونَ: أنَّ القرآنَ كلام الله وكتابُه، وخِطابُه، ووحيُهُ، وتنزيلُهُ، غيرُ مخلوقٍ، ومَنْ قالَ بِخَلْقِهِ واعتقدَه فهو كافرٌ عندهم" (٨٩). ولو أرَدْنا استيعاب ما بلَغنا من أقوالهم في إثباتِ هذه العقيدةِ (القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخْلوقٍ) لاحتاجَ ذلك إلى تصنيفٍ مُستقلٍّ. وقد ساقَ الإِمامُ أبو القاسِم هبةُ الله بن الحَسَن الطَّبريُّ اللَّالكائي في كتابه العَظيم (شرحِ أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) أو (كتاب السنة) القولَ بذلك عن خَمْسِ مِئَةٍ وخَمسينَ نَفْساً من علماءِ الأمَّةِ وسَلَفِها، كلُّهُم يقولونَ: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومَن قال: مخلوقٌ، فهو كافرٌ". قال ﵀:

стр. 134

"فهؤلاء خَمْسُ مِئَةٍ وخمسونَ نَفْساً أو أكثر، من التَّابعينَ، وأتباع التَّابعينَ، والأئمةِ المَرْضييّنَ، سوى الصحابة الخيّرين، على اختلاف الأعصارِ، ومُضِيّ السّنين والأعوامِ، وفيهم نحوٌ من مِئة إمامٍ، ممَّن أخذَ الناسُ بقَوْلهم، وتَديَّنوا بمَذاهبهم، ولو اشتغلتُ بنقلِ قولِ المُحَدِّثينَ لبلَغتْ أسماؤهم ألوفاً كثيرةً" (٩٠). قلتُ: وفيما ذُكر كفايةٌ لإِثباتِ قوَّةِ هذه العقيدةِ، وأنَّها المَذْهبُ الحقُّ وحدَه، ومُجانَبَةِ مُخالفِهِ للحَقِّ البيّن الصَّريحِ الذي أطبقَ على اعتقادهِ سادةُ علماءِ الأمَّة، فهو إجماعُ أهلِ السُّنًّة الَّذي لا يقعُ فيهِ امتراءٌ، والله أعلم. • • • • •

стр. 135

المبحث السادس: الوقف في القرآن المُراد بهذه المَسْألة السُّكوتُ عن القولِ: القرآنُ مَخلوقٌ، أو غيرُ مَخلوقٍ، والاكتفاء بالقول: إنَّه كلامُ الله. وقد ذَكَرْنا فيما مضى أنَّ الناسَ في صَدْرِ الإِسلام كانوا في غِنًى عن الزِّيادةِ على القول: (القرآنُ كلامُ الله) لأنَّهم لم يكونوا يفقَهون مِنْ هذهِ الإِضافةِ إلاَّ أنَّها صفةُ الله، وهم أجَلُّ مِن أنْ يجْهَلوا أنَّ صفاتِهِ تعالى تابعةٌ لذاتهِ، غيرُ مَخلوقةٍ. فلمَّا ظهرَت بدعةُ القَول بخَلْقِ القرآن عَقَلَ أئمَّةُ السُّنَّة خَطَرَها، فردُّوها وأبطَلوها، وليسَ بعدَ ذلكَ من سَبيل إلاَّ القولُ: (القرآن كلام الله غيرُ مخلوق) لإِبطالِ دين أهل الضّلالةِ، وإحقاقِ دينِ أهل السُّنَّةِ. وقدْ أقَمْنا الحُجَجَ على صحَّة هذا الاعتقادِ، وموافقتهِ للكتاب والسُّنَّة. ولكنَّ طائفةً من المُنْتَسبينَ إلى العِلْمِ لم يفقَهوا حقيقةَ هذه البِدْعَةِ، ولم يفْهَموا مُرادَ أهلِها جَهلاً منهم، فتعسَّروا القولَ: القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوق، كما تعسَّروا القولَ: كلامُ الله مخلوق، خَوْفاً من البدعَةِ، فوقَفوا

стр. 136

عن وَرَعٍ مبنيٌ على جَهْلٍ، وإنَّما أكَّدَ ذلكَ أنَّها كانت مسألةً حديثةَ الوُرود على أذهانِهم، لم يكن لهم بها سابقُ عِلْمٍ. ولكن الناسَ حين وقَعوا في ذلك، وعَظُمَت بسَبَبهِ البليّةُ، وجَبَ إظهارُ الحقّ والإِبانةُ عنه، وذلك ما كان من الأئمَّةِ، وأعلامِ الأمَّة، الذين هم قُدْوةُ الناس -كما حكيناه عنهم فيما مضى ... ولقد سُئِلَ الإِمامُ أحمدُ ﵀: هَلْ لهم رُخْصَةً أنْ يقولَ الرجلُ: القرآن كلام الله تعالى ثمَّ يَسْكت؟ فقالَ: "ولِمَ يسكُت؟ لولا ما وقَعَ فيه الناس كان يسَعُهُ السُّكوتُ، ولكن حيثُ تكلَّموا فيما تكلَّموا لأيِّ شيءٍ لا يتكلَّمون؟ " (١). قال الحافظ أبو بكر الآجُريُّ:"معنى قول أحمدَ بن حنبل في هذا المعنى، يقول: لم يختلفْ أهلُ الإِيمان أنَّ القرآنَ كلامُ الله ، فلمَّا جاءَ جَهْمٌ فأحْدَثَ الكُفْرَ بقولِهِ: إنَّ القرآن مخلوقٌ، لم يسَع العلماءَ إلاَّ الرَّدُّ عليه بأنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ بلا شكٍّ ولا تَوقُّفٍ فيهِ، فمَنْ لم يَقُلْ: غيرُ مخلوقٍ، سُمّيَ واقفيّاً شاكاً في دينه" (٢). وقال أحمدُ أيضاً: "كنا نرى السُّكوتَ عن هذا قبلَ أن يخوضَ فيه هؤلاء، فلمَّا أظهروهُ لم نَجِدْ بُدّاً من مُخالفتهم والرَّدِّ عليهم" (٣). والأئمةُ جميعاً على إنكارِ مَسْلَكِ هؤلاءِ، والتَّشديد عليهم،

стр. 137

وتَبْدِيعهم، وأبو عبد الله أحمد بن حنبل أشدُّهم إنكاراً. قال أبو داود السِّجِستانيُّ: سمعتُ أحمدَ ذَكَرَ رَجُلينِ كانا وَقَفا في القرآنِ، ودَعَوَا إليه، فجعَلَ يَدعو علَيْهما، وقالَ لي: هذا لأحدِهما فِتْنةٌ، وجعَلَ يذكرهما بالمَكْروهِ (٤). وقالَ: رأيتُ أحمدَ سلَّمَ عليه رجلُ من أهْلِ بغداد ممَّن وقَفَ -فيما بلَغني- فقال: "اغْرُبْ، لا أرَينَّكَ تَجِيءُ إلى بابي -في كلام غَليظ-" ولَمْ يرُدَّ ﵇، وقالَ لَهُ: "ما أحوَجَكَ إلى أنْ يُصْنَعَ بك ما صنَعَ عُمَرُ بصَبِيغٍ". قال أبو داودَ: فهَّمَني بصَبيغ بعضُ ولَد أحمدَ -[فدخَلَ بيتَه وردَّ البابَ] (٥). وقالَ أبو طالب: سألتُ أبا عبد الله عمَّن أمسكَ، فقال: لا أقولُ ليسَ هو مخلوقاً، إذا لَقِيَني بالطريقِ وسلَّمَ عليَّ، أسَلِّمُ عليه؟ قال: "لا تُسَلِّمْ عليه، ولا تكلِّمْهُ، كيفَ يعرفُه الناسُ إذا سلَّمتَ عليْهِ؟ وكيفَ يعرفُ هو أنَّك مُنكرٌ عليه، فإذا لَمْ تُسَلِّم عليه عَرَفَ الذّلَّ، وعرفَ أنك أنكرتَ عليه، وعرفهُ النَّاسُ" (٦).

стр. 138

وقال أبو داودَ: سمعتُ أحمدَ وقيلَ له: ما تَرى في الصَّلاةِ خَلْفَ من يقولُ في القرآنِ: كلامُ الله، ويَقِفُ؟ قال: "يُعْجِبُني أنْ يُجْفَوا" (٧). وسيأتي عنه البيانُ أنَّ الجاهلَ من هؤلاءِ يَسألُ ويتعلَّمُ. وسيأتي عن الإِمامين أبي حاتِمٍ وأبي زُرْعَةَ الرازيَّيَّنِ أنَّه مبتدعٌ ولا يُكَفَّر, لأنَّه وقفَ عن جَهْلٍ وضَعْفِ بَصيرةٍ. وبعدَ انكشافِ المِحْنَة عن الناس في عَهْد المتوكِّل، وقُوَّةِ شَوْكةِ أهل السُّنَّةِ حينئذ، وإخمادِ نارِ الفتنةِ وخُذلان أهْلِها، لجَأتْ طائفةٌ من الجَهميةِ إلى استعمال التَقِيَّة خَوْفاً من سَيْفِ أهْلِ السُّنَّةِ، فقالوا: نحن نقولُ: القرآنُ كلامُ الله، ولا نَزيدُ، فلا نقولُ: مخلوقٌ، ولا غيرُ مخلوقٍ. وتابعهم علي ذلك بعضُ مَنْ لا يَفْهَم. ووجَدوا في وَقْفِ من كانَ يقِفُ تورّعاً مِنْ بعضِ من خَفِيَه الحقُّ من المنتسبين إلى الحَديث مِمَّنْ أشَرْنا إليهم آنفاً، حِيلةً يَتَشَبثون بها، ويحتجّون بها على صحَّةِ مذهَبِهم، وهم يُبْطنونَ الحقيقةَ الفاسدةَ. ولكنَّ الأئمَّةَ كانوا حَديثي عَهْدٍ بالفتنةِ، وقَدْ عالَجوها وخَبرُوها، فلم يغترّوا بهذه المَقالةِ، فأنكَروها وشدَّدوا على مُعْتَقِدِها وقالوا: هو شاكٌّ، وهذا أدنى أحوالِهم عندَهم. فألحقوهم بالجَهميَّةِ الأوائِلِ، ولذا يقولُ الإِمامُ أحمدُ ﵀: "افترقَت الجَهميَّةُ على ثَلَاثِ فِرَق: فِرْقَةٍ قالوا: القرآنُ مخلوقٌ، وفرقةٍ

стр. 139

قالوا: كلامُ الله وتسْكُتُ، وفرقةٍ قالوا: لفظُنا بالقرآنِ مخلوقٌ" (٨). ومقالاتُ الإِمام أحمدَ فيهم كثيرةٌ مُستفيضةٌ، وكذا عن غيرِه من أئمَّةِ السُّنَّة، فمِنْ ذلك: ١ - قال مُهَنّا أبو عبد الله السُّلَميّ (وكان من خيار أصحاب أحمد): سألتُ أحمدَ بن حنبل بعدَ ما أخْرجَ من السِّجنِ بسنتين: ما تقول في القرآنِ؟ فقَالَ: "كلامُ الله غيرُ مخلوق" وقال: "مَن رَوى عنّي غيرَ هذا القولَ فهو مُبْطِل" قلتُ له: إنَّ بعضَ مَن ذكَرَ عنك أنَّك قلتَ له: هو كلام الله، لا مَخلوق ولا غيرُ مخلوق، ولكن هو كلام الله، فقال أحمد: "أبْطَلَ، ما قلتُ هذا، ولكنَّه هو كلامُ الله غير مخلوقٍ" (٩). ٢ - وقالَ سلَمةُ بن شَبيب: دخلتُ على أحمد بن حنبل فقلتُ: ما تقول فيمن يقول: القرآن كلامُ الله؟ فقال أحمد: "مَنْ لم يَقُلْ: القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوق فهو كافرٌ". ثمَّ قالَ: "لا تَشُكَّنَّ في كُفْرِهم، فإنَّ مَن لم يَقُلِ: القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوق فهو يقول: مخلوقٌ، ومَن قال: هو مخلوقٌ، فهو كافر بالله ". قال سلمَةُ: وقلتُ لأحمدَ: الواقفة كفّارٌ؟ فقال:"كفّارٌ" (١٠). ٣ - وقال عبد الله بن أحمدَ: سمعتُ أبي -وسُئلَ عن الواقفة- فقال

стр. 140

أبي: "مَن كانَ يُخاصِمُ ويُعرَفُ بالكلام فهو جَهْميٌّ، ومن لم يُعرَف بالكلام يُجانَب حتى يَرْجِعَ، ومَن لم يكن له عِلمٌ يَسأل" (١١). وقالَ مرَّةً في الواقِفَةِ:"هُمْ شَرٌّ مِن الجهميَّةِ" (١٢). قلتُ: لخَفاءِ أمرِهم. ٤ - وقال إسحاقُ بن راهُوَيْهِ (الِإمامُ الفقيةُ الحافِظُ): "مَنْ قالَ: لا أقولُ: القرآنُ مخلوقٌ، ولا غيرُ مخلوقٍ، فهو جَهميُّ" (١٣). ٥ - وقال قُتَيبةُ بن سعيد (وهو ثِقَةٌ ثَبْتُ حافِظٌ): "هؤلاءِ -يعني الواقفة- شَرٌّ مِنْهم، ممَّن قالَ: القرآنُ مخلوقٌ" (١٤). ٦ - وقال الحافظُ الإِمامُ أبو الوليد الطَّيالِسيُّ: "مَن لم يَعْقِدْ قلبَه على أنَّ القرآنَ ليسَ بمخلوقٍ فهو خارجٌ من الإِسلام" (١٥). ٧ - وقال عثمانُ بن أبي شيبة (ثِقَةٌ حافِظٌ):

стр. 141

"هؤلاء الذين يقولونَ: كلامُ الله ويسكُتونَ، شَرٌّ من هؤلاء -يعني ممن قالَ: القرآنُ مخلوقٌ" (١٦). ٨ - وقال أبو داودَ: سألتُ أحمدَ بن صالح المِصْريَّ (الحافظ الِإمام) عمَّن يقول: القرآن كلامُ الله، ولا يقول: مخلوقٌ، ولا غيرُ مخلوقٍ؟ قال: "لهذا شاّكٌّ" (١٧). ٩ - وقال أبو خَيْثَمة (ثِقَةٌ حافِظٌ) -وسأل يَحيى بن مَعِين- فقال: إنَّهم يقولون: إنّكَ تقولُ: القرآنُ كلامُ الله، وتَسْكُت، ولا تقولُ: مخلوقٌ، ولا غيرُ مَخلوقٍ، قال: "لا" فعاوَدتهٌ، فقال: "مَعاذَ الله، القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخْلوقٍ، ومَن قالَ غير لهذا فعليه لعنةُ الله" (١٨). ١٠ - وقالَ أبو حاتِمٍ وأبو زُرْعةَ الرّازيان الحافظان: "ومَن شَكَّ في كلام الله ، فوقَفَ شاكّاً فيه، يقولُ: لا أدْري، مَخْلوقٌ أو غير مَخلوقٍ، فهو جَهميّ، ومَن وقَفَ جاهلاً عُلِّمَ، ويُدّعَ ولَم يُكَفَّر" (١٩). وكذا ذكَر الإِمامُ هِبَةُ الله ابنُ الطَّبريّ نحوَ ما ذُكِرَ من الإِنكار عن نَحْوِ مِئَةٍ من المحدِّثينَ والفُقَهاء (٢٠).

стр. 142

قلت: وإنَّما شدَّدَ الأئمةُ كلَّ هذا التَّشديدِ على هؤلاءِ الواقفةِ لأجلِ أنَّ الحقَّ في كَلام الله قَدْ بانَ وظَهَرَ، وقامَتْ عليه دلائِلُ الشَّرْعِ القاطعةُ، فلِمَ يبقى عندَ هؤلاءِ تردُّدٌ اعتقادِهِ والقولِ به؟ أمّا دَعْواهم أنَّ القولَ: (القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ) لم يتكلَّمْ به المتقدِّمون، فهو مُكابَرةٌ منهم لإِحقاق باطِلِهم، وإلاَّ فكيفَ يتكلَّمُ المتقدِّمون بما لَمْ يَقَعْ ولم يَشْهَدوه؟ أو بما لا يَدْرون إنْ وَقَعَ كيفَ يكونُ؟ وقد شرَحْنا من الدَّلالةِ ما يَكفي لصِحَّةِ اعتقادِ أهْل السُّنَّة، وبَيَّنَّا أنَّه الذي مَضى عليه سَلَفُ الأمَّةِ حتى قبلَ ظُهور هذهِ البِدْعَة من جِهَةِ اتّفاقهم على أنَّها صِفَةُ الله، والخالقُ بصفاتِهِ غيرُ المَخْلوق بصفاتِهِ. وفي قصَّة الوَحيد حُجّةٌ على هؤلاء، قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ١١ - ٣٠] فما أشبَه القومَ به، ومن قالَ: إنَّه قولُ الجنّ، أو المَلائكة، أو غير ذلك من خَلْق الله فهو مع الوَحيدِ في القَوْل سَواء، إلّا أنَّ القومَ يتستَّرونَ بالإسلام. وقد أبَنّا لكَ فيما مَضى أنَّ الله تعالى لا يوصَفُ بشَيْءٍ مَخْلوقٍ، وفيما ذكرنا كفايةٌ ومقنعٌ لمَن أرادَ الحقَّ وقصَدَهُ.

стр. 143

المبحث السابع: كلام الله تعالى بحرف وصوت ومن اعتقادِ السَّلَف في كلامِ الله تعالى أنَّ كلامَه جَلَّ وعَزَّ مؤلَّفٌ من الحُروفِ، إنْ شاءَ جَعَلَها عَربيَّةً، وإن شاءَ جعَلَها عِبْرانِيَّةً، وإن شاء جَعَلها غيرَ ذلك، فهو المتكلّمُ بحرُوفِ القرآنِ، والتَّوراةِ، والإِنجيلِ، وغيرِها من كلامِهِ. قالَ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقال تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران:١ - ٤]. فأخْبَرَ تعالى أنه أنْزَل الكُتُبَ: القرآنَ، والتَّوراةَ والإِنجيلَ، وإنَّما ذلك بلُغاتِ الرُّسل الذين أنْزَل عَلَيهم، وبلُغات أقوامِهم، لأجْلِ أن تقومَ الحُجَّةُ عليهم به، إذ لوكانَ بغيرِ لُغتهم ما فَقِهُوهُ. قال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا

стр. 144

لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١ - ٢] وقالَ تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١ - ٤] وقالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. وقالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٩] وقالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧ - ٢٨]. وقالَ سُبحانه: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ١ - ٤]. وقالَ تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ...﴾ [فصلت: ٤٤]. فأخبرَ تعالى أنَّ القرآنَ الذي نزلَ به جِبريلُ ﵇ منهُ ﵎ وحيُهُ وتنزيلُهُ، وهو هذا القرآنُ العربيُّ الذي أنْزلَ على محمَّد ﷺ -

стр. 145

بلغةِ قومِهِ، ليفقَهوهُ ويَعْقِلُوهُ ويعْلَمُوهُ. وقولُه: ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: بلغةِ العربِ. فالله تعالى تكلَّمَ به كذلك، بحروفهِ العربيَّةِ، كالألفِ والباءِ والتَّاءِ، ليسَ شَيْءٌ من ذلك قولَ أحَدٍ سِواهُ، وإنّما بلَّغَهُ جبريلُ ﵇ عنه، وبلَّغَهُ محمَّدٌ ﷺ عن جِبريل، وهو الذي أعجزَ الكفَّارَ أنْ يأتوا بمثلِه، بَلْ تحدَّى الله تعالى الإِنسَ والجنَّ أنْ يأتوا بمثلِهِ، كما قالَ تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإِسراء: ٨٨]. فكونُهُ مؤلّفًا من الحُروفِ ظاهرٌ لا يَحْتاجُ إلى استدلالٍ، إذْ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يعلَم أنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ آيةٌ، وهي أربَعُ كَلِمَاتٍ، كلُّ كلمةٍ مؤلَّفةٌ من حَرْفيْنِ أو أكثر، وهي كَلِماتٌ عَرَبيَّةٌ، وحروفٌ عربيَّةٌ. ولكنَّ بعضَ أهْلِ البدَعِ نازعَ في إطلاقِ لفظِ (الحَرْف) وأنَّه يَحتاجُ إطلاقُهُ إلى دليلٍ. وهذا المُنازع لا يَخْلو من أحَدِ حالَيْنِ: إمّا أنْ يكونَ مُكابِرًا -كما هي سِمَة أهلِ البِدَعِ-. وإمَّا أنْ يكونَ غَبيّاً جاهلًا. وذلك أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُبصرُ (آلمَ. آلمر. كهيعص. حم. طه. يس) لا يخطرُ ببالهِ غيرُ أنَّها حُروفٌ، وليسَ لها تسميةٌ إلاَّ هذهِ. ونحن معَ ذلك نزيدُهُ حُجَجاً على صِحَّةِ إطلاقِ لهذه التَّسْميةِ من السُّنَّة وآثارِ السَّلَفِ، لنكْسِرَ أنفَ كِبْرِهِ، أو نَمْحُو جَهْلَ فِكْرِهِ، فمِنْ ذلك:
следующие страницы →