← Акыда

Акыда · id 122091

العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية

عبد الله الجديع

Полный текст (417 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

"هؤلاء الذين يقولونَ: كلامُ الله ويسكُتونَ، شَرٌّ من هؤلاء -يعني ممن قالَ: القرآنُ مخلوقٌ" (١٦). ٨ - وقال أبو داودَ: سألتُ أحمدَ بن صالح المِصْريَّ (الحافظ الِإمام) عمَّن يقول: القرآن كلامُ الله، ولا يقول: مخلوقٌ، ولا غيرُ مخلوقٍ؟ قال: "لهذا شاّكٌّ" (١٧). ٩ - وقال أبو خَيْثَمة (ثِقَةٌ حافِظٌ) -وسأل يَحيى بن مَعِين- فقال: إنَّهم يقولون: إنّكَ تقولُ: القرآنُ كلامُ الله، وتَسْكُت، ولا تقولُ: مخلوقٌ، ولا غيرُ مَخلوقٍ، قال: "لا" فعاوَدتهٌ، فقال: "مَعاذَ الله، القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخْلوقٍ، ومَن قالَ غير لهذا فعليه لعنةُ الله" (١٨). ١٠ - وقالَ أبو حاتِمٍ وأبو زُرْعةَ الرّازيان الحافظان: "ومَن شَكَّ في كلام الله ، فوقَفَ شاكّاً فيه، يقولُ: لا أدْري، مَخْلوقٌ أو غير مَخلوقٍ، فهو جَهميّ، ومَن وقَفَ جاهلاً عُلِّمَ، ويُدّعَ ولَم يُكَفَّر" (١٩). وكذا ذكَر الإِمامُ هِبَةُ الله ابنُ الطَّبريّ نحوَ ما ذُكِرَ من الإِنكار عن نَحْوِ مِئَةٍ من المحدِّثينَ والفُقَهاء (٢٠).

стр. 142

قلت: وإنَّما شدَّدَ الأئمةُ كلَّ هذا التَّشديدِ على هؤلاءِ الواقفةِ لأجلِ أنَّ الحقَّ في كَلام الله قَدْ بانَ وظَهَرَ، وقامَتْ عليه دلائِلُ الشَّرْعِ القاطعةُ، فلِمَ يبقى عندَ هؤلاءِ تردُّدٌ اعتقادِهِ والقولِ به؟ أمّا دَعْواهم أنَّ القولَ: (القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ) لم يتكلَّمْ به المتقدِّمون، فهو مُكابَرةٌ منهم لإِحقاق باطِلِهم، وإلاَّ فكيفَ يتكلَّمُ المتقدِّمون بما لَمْ يَقَعْ ولم يَشْهَدوه؟ أو بما لا يَدْرون إنْ وَقَعَ كيفَ يكونُ؟ وقد شرَحْنا من الدَّلالةِ ما يَكفي لصِحَّةِ اعتقادِ أهْل السُّنَّة، وبَيَّنَّا أنَّه الذي مَضى عليه سَلَفُ الأمَّةِ حتى قبلَ ظُهور هذهِ البِدْعَة من جِهَةِ اتّفاقهم على أنَّها صِفَةُ الله، والخالقُ بصفاتِهِ غيرُ المَخْلوق بصفاتِهِ. وفي قصَّة الوَحيد حُجّةٌ على هؤلاء، قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ١١ - ٣٠] فما أشبَه القومَ به، ومن قالَ: إنَّه قولُ الجنّ، أو المَلائكة، أو غير ذلك من خَلْق الله فهو مع الوَحيدِ في القَوْل سَواء، إلّا أنَّ القومَ يتستَّرونَ بالإسلام. وقد أبَنّا لكَ فيما مَضى أنَّ الله تعالى لا يوصَفُ بشَيْءٍ مَخْلوقٍ، وفيما ذكرنا كفايةٌ ومقنعٌ لمَن أرادَ الحقَّ وقصَدَهُ.

стр. 143

المبحث السابع: كلام الله تعالى بحرف وصوت ومن اعتقادِ السَّلَف في كلامِ الله تعالى أنَّ كلامَه جَلَّ وعَزَّ مؤلَّفٌ من الحُروفِ، إنْ شاءَ جَعَلَها عَربيَّةً، وإن شاءَ جعَلَها عِبْرانِيَّةً، وإن شاء جَعَلها غيرَ ذلك، فهو المتكلّمُ بحرُوفِ القرآنِ، والتَّوراةِ، والإِنجيلِ، وغيرِها من كلامِهِ. قالَ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقال تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران:١ - ٤]. فأخْبَرَ تعالى أنه أنْزَل الكُتُبَ: القرآنَ، والتَّوراةَ والإِنجيلَ، وإنَّما ذلك بلُغاتِ الرُّسل الذين أنْزَل عَلَيهم، وبلُغات أقوامِهم، لأجْلِ أن تقومَ الحُجَّةُ عليهم به، إذ لوكانَ بغيرِ لُغتهم ما فَقِهُوهُ. قال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا

стр. 144

لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١ - ٢] وقالَ تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١ - ٤] وقالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. وقالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٩] وقالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧ - ٢٨]. وقالَ سُبحانه: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ١ - ٤]. وقالَ تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ...﴾ [فصلت: ٤٤]. فأخبرَ تعالى أنَّ القرآنَ الذي نزلَ به جِبريلُ ﵇ منهُ ﵎ وحيُهُ وتنزيلُهُ، وهو هذا القرآنُ العربيُّ الذي أنْزلَ على محمَّد ﷺ -

стр. 145

بلغةِ قومِهِ، ليفقَهوهُ ويَعْقِلُوهُ ويعْلَمُوهُ. وقولُه: ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: بلغةِ العربِ. فالله تعالى تكلَّمَ به كذلك، بحروفهِ العربيَّةِ، كالألفِ والباءِ والتَّاءِ، ليسَ شَيْءٌ من ذلك قولَ أحَدٍ سِواهُ، وإنّما بلَّغَهُ جبريلُ ﵇ عنه، وبلَّغَهُ محمَّدٌ ﷺ عن جِبريل، وهو الذي أعجزَ الكفَّارَ أنْ يأتوا بمثلِه، بَلْ تحدَّى الله تعالى الإِنسَ والجنَّ أنْ يأتوا بمثلِهِ، كما قالَ تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإِسراء: ٨٨]. فكونُهُ مؤلّفًا من الحُروفِ ظاهرٌ لا يَحْتاجُ إلى استدلالٍ، إذْ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يعلَم أنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ آيةٌ، وهي أربَعُ كَلِمَاتٍ، كلُّ كلمةٍ مؤلَّفةٌ من حَرْفيْنِ أو أكثر، وهي كَلِماتٌ عَرَبيَّةٌ، وحروفٌ عربيَّةٌ. ولكنَّ بعضَ أهْلِ البدَعِ نازعَ في إطلاقِ لفظِ (الحَرْف) وأنَّه يَحتاجُ إطلاقُهُ إلى دليلٍ. وهذا المُنازع لا يَخْلو من أحَدِ حالَيْنِ: إمّا أنْ يكونَ مُكابِرًا -كما هي سِمَة أهلِ البِدَعِ-. وإمَّا أنْ يكونَ غَبيّاً جاهلًا. وذلك أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُبصرُ (آلمَ. آلمر. كهيعص. حم. طه. يس) لا يخطرُ ببالهِ غيرُ أنَّها حُروفٌ، وليسَ لها تسميةٌ إلاَّ هذهِ. ونحن معَ ذلك نزيدُهُ حُجَجاً على صِحَّةِ إطلاقِ لهذه التَّسْميةِ من السُّنَّة وآثارِ السَّلَفِ، لنكْسِرَ أنفَ كِبْرِهِ، أو نَمْحُو جَهْلَ فِكْرِهِ، فمِنْ ذلك:

стр. 146

١ - حديث ابن عباس ﵄ قال: بينَما جِبريلُ قاعِدٌ عندَ النَّبيِّ ﷺ سَمِعَ نقيضًا مِنْ فَوْقهِ، فرفَعَ رأسَه فقال: "هذا بابٌ منَ السَّماءِ فُتِحَ اليومَ لم يُفْتَح قطّ إلاَّ اليوم، فَنَزَلَ منه مَلَكٌ، فقال: هذا مَلَكٌ نَزَلَ إلى الأرضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلاَّ اليَوْم، فسَلَّمَ وقالَ: أبْشِرْ بنورَين أوتيتَهما لم يؤتَهمُا نبيٌّ قبلَكَ: فاتحةِ الكتابِ، وخَواتيمِ سُورَةِ البقرَةِ، لَنْ تَقْرَأ بحَرْفٍ منهما إلاَّ أعْطِيتَه" (٢١). ٢ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "تعلَّموا القرآنَ، فإنَّه يُكْتَبُ بكلِّ حرفٍ منه عشرُ حسناتٍ، ويُكَفَّرُ به عَشْرُ سيّئاتٍ، أمَا إني لا أقول: ﴿الم﴾ ولكن أقولُ: ألفٌ عَشْرٌ، ولامٌ عَشْرٌ، وميمٌ عَشْرٌ" (٢٢).

стр. 147

٣ - وقول ابن عبَّاس ﵁: "ما يمنَعُ أحدَكُم إذا رَجَعَ من سُوقِهِ، أو منْ حاجَتِهِ، إلى أهْلِهِ، أنْ يَقْرأ القرآنَ فيكونَ لَه بكلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ" (٢٣). ٤ - وقالَ شُعَيْبُ بن الحَبْحاب (ثِقَةٌ منْ صِغار التَّابعينَ): كانَ أبو العاليةِ إذا قَرَأ عنده رَجُلٌ لم يَقُلْ: ليس كما يَقرأ، وإنَّما يَقولُ: أمَّا أنا فأقرأ كَذا وكَذا، قال: فذكَرْتُ ذلك لإِبراهيمَ النَّخَعيّ، فقالَ: أرى صاحِبَك قَدْ سَمِعَ: "أنَّ مَنْ كَفَرَ بحَرْفٍ منهُ، فقد كَفَرَ به كُلِّه" (٢٤). * وأمَّا كلامُهُ تعالى بصَوْتٍ، فقد قامت الدَّلائلُ القَواطِعُ على إثباتِهِ، وهو كسائِر صفاتِهِ تعالي، كلما أنَّها لا تَشْبَهُ صفاتِ المَخلوقينَ، فصوتُهُ تعالى لا يشبَهُ أصواتَهم، وقياسُ الخالِق على المَخلوقٍ تَشْبيهٌ، والله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ذاتِهِ، وجَميعِ صفاتِهِ. والأدلَّةُ على إثباتِ كلامِ الله تعالى بصَوْتٍ كثيرةٌ، منها: ١ - تكليمُهُ تعالى لموسى ﵇، فإنَّه قالَ له: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا

стр. 148

يُوحَى﴾ [طه: ١٣]. فَدَلَّ هذا على أنَّهُ سَمعٍ كلامَ الله تعالى، ولا يُسْمَعُ إلاَّ الصَّوْتُ، وربُّنا تعالى قَدْ خاطَبَنا باللِّسانِ العَربيّ الذي نفْهَمُهُ، وليسَ فيه سَماعٌ بحصَل من غير صَوْتٍ (٢٥). وسبق أنْ بيّنّا أنَّ كلامَ الله لمُوسى كانَ أعلى درجاتِ التَّكليمِ، وليس هو من جنسْ الإلهاماتِ، وإنَّما هو كلامٌ مسموعٌ بالآذانِ. وقد قالَ عبد الله بن أحمدَ بن حَنْبل: سألْتُ أبي ﵀ عن قومٍ يقولونَ: لمَّا كلَّمَ الله موسى لم يتكلَّمْ بصَوْتٍ؟ فقال أبي: "بَلَى، إنَّ ربَّكَ تَكَلَّمَ بصَوْتٍ، هذه الأحاديثُ نَرْويها كما جاءت" (٢٦). واحتجَّ لذلكَ بحديث ابن مَسعودٍ الآتي. وقالَ الِإمام أبو بكر المَرُّوذِيُّ صاحبُ الإِمام أحمدَ: سمعتُ أبا عبد الله -يعني أحمدَ- وقيل له: إنَّ عبْدَ الوهّاب قَدْ تكلَّم وقالَ: مَنْ زعَمَ أنَّ الله كلَّمَ موسى بلا صَوْتٍ فهو جَهميٌّ عدُوُّ الله وعدوُّ الإِسلام، فتبسَّمَ أبو عبد الله وقال: "ما أحسَنَ ما قال، عافاه الله" (٢٧). وقال عبدُ الله بن أحمدَ أيضًا: قلتُ لأبي: إنَّ ههُنا مَنْ يقولُ: إنَّ الله لا يتكلَّمُ بصوْتٍ، فقال: "يا بُنيَّ، هؤلاء جَهْميَّةٌ زنادِقَةٌ، إنَّما يَدوُرونَ على

стр. 149

التَّعطيل" وذكرَ الآثارَ في خِلاف قَوْلهم (٢٨). ٢ - إخبارُه تعالى عن ندائِهِ لمُوسى ﵇، ولعباهِ يومَ القيامةِ. وذلك في عدَّةِ مَواضِعَ مِن كتابِهِ، منها: قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٥، ١٦] وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١١]. وقوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢، ٧٤]. والنِّداءُ: قال الجوهَريّ: "الصَّوْتُ، وقد يُضَمّ، مثل: الدُّعاء، والرُّغاء، وناداه مُناداةً، ونِداءً، أي: صاحَ به" (٢٩). وفي "اللسان": النِّداءُ -ممدودٌ- الدُّعاءُ بأرفَع الصَّوْت، وقد نادَيْتُه

стр. 150

نِداءً" (٣٠). وقال شيخ الإِسلام: "والنِّداء في لغة العَرَب: هو صوتٌ رَفيعٌ، لا يُطلَق النِّداء على ما ليسَ بصوتٍ، لا حَقيقةً ولا مَجازًا" (٣١). قلت: ما قالَه شيخ الإِسلام مُوافق لِما حكيْتُه عن أهلِ اللغةِ من أنَّ النداءَ الصَّوتُ الرَّفيعُ. فإذا عُلِمَ هذا ثَبَتَ أنَّ الله تعالى نادى موسى بصَوْتٍ، ويُنادِي بصَوتٍ عبادَه يومَ القيامةِ. ٣ - حديثُ عبد الله بن أنَسٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يَحْشُرُ الله العبادَ -أو الناسَ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا". قلنا: ما بُهْماً؟ قال: "ليسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، فَيُناديهم بصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ -أحسَبُه قالَ: كما يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ-: أنا المَلِكُ، أنا الدَّيَّانُ ... " الحديث (٣٢). وهذا الحديثُ صَريحٌ في إثْباتِ كلام الرَّبِّ تعالى بصَوْتٍ، وقَد احْتجَّ به على ذلك إمامُ أهل الحديث محمَّدُ بن إسماعيل البُخاريُّ ﵀، فقال:

стр. 151

"وإنَّ الله ينادي بِصَوْتٍ، يَسْمَعُه مَنْ بَعُدَ كَما يَسْمَعه من قَرُبَ، فليسَ هذا لغير الله جَلَّ ذكرُه، وفي هذا دليلٌ أنَّ صوتَ الله لا يشبَهُ أصواتَ الخَلْقِ, لأنَّ صوتَ الله جلَّ ذكرُهُ يُسْمَع من بُعْدٍ كما يُسْمَع من قُرْبٍ ... " ثُمَّ أسنَدَ الحديثَ (٣٣). ٤ - حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: "إذا قَضى الله الأمرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بأجْنِحَتِها خُضْعانًا لقولِهِ، كأنَّه سلْسِلةٌ على صَفْوانٍ، فإذا فُزِّعَ عن قُلوِبهم قالوا: ماذا قالَ

стр. 152

ربُّكُم؟ قالوا للَّذي قال: الحَقَّ، وهو العليُّ الكبيرُ" (٣٤). وفي لفظ: "إنَّ الله إذا قضى أمْراً في السَّماءِ، ضَرَبتِ الملائكةُ بأجْنِحتِها جَميعاً، ولقولهِ صَوْتٌ كصَوْتِ السِّلْسِلةِ على الصَّفا الصَّفوانِ، فذلكَ قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] (٣٥). ووجه الاستدلال بهذا اللَّفظ ظاهرٌ، وذلكَ أنَّ قولَه: "ولقوله صوتٌ كصوتِ السِّلْسِلَة" صَريحٌ في أنَّ قولَه تعالى وكلامَه يكون بصوتٍ. وأمَّا اللفظُ الأوَّل فإنَّ الضَّميرَ في قوله: "كأنَّه سِلْسِلة" عائدٌ إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: "لقولِه" فقوله: "سِلْسِلَة على صَفْوان" تضمَّنَ إثباتَ الصَّوتِ للمُخْبَرِ عنه الذي هو القولُ، فيظهرُ بهذا إثباتُ قولِهِ تعالى وكلامِهِ بصَوْتٍ. ولكنَّ بعضَ أهل البِدَع أبَوْا ذلك من أجْلِ أنْ يُبْطلوا تَكَلُّمَ الرَّبِّ

стр. 153

تعالى بصَوْتٍ، فقالوا: الضَّميرُ في قوله: "كأنَّه" عائدٌ على أجنحةِ الملائكةِ، فالصَّوتُ صَوْتُ أجْنِحةِ الملائكةِ. ولهذا ظاهرُ البُطلانِ لوَجهينِ: الأول: أنَّ الضَّميرَ في الأصْل يعودُ إلى أقرَب مذكورٍ. والثاني: أنَّه ضميرُ مذكَّرٍ، ولو كان عائداً على أجنحةِ الملائكة لكانَ مؤنَّثاً. فإن قيلَ: هذان الوجهان تصرفهُما القَرائن! قلنا: نعَمْ، إن وُجِدتْ، لكنَّها هنا مُنْتفية، يؤكِّدُ نفْيَها اللَّفظُ الثاني لحَديث أبي هُرَيْرَة كما تَراه. والحديثُ مِمَّا احتجَّ به البخاريُّ ﵀ لإِثباتِ تَكَلُّم الرَّبِّ تعالى بصَوْتٍ (٣٦). ٥ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إنَّ الله إذا تكلَّمَ بالوَحْي، سَمِعَ أهلُ السماواتِ للسَّماءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسلةِ على الصَّفا، فيُصْعَقونَ، فلا يزالونَ كذلك حتى يأتيَهم جِبريلُ، فإذا جاءَهم جِبْريلُ فُزِّعَ عن قُلوبهم، قال: فيقولونَ: يا جبريلُ، ماذَا قالَ رَبُّكَ؟ قال: الحَقَّ" (٣٧).

стр. 154

وفي لفظٍ عن عبد الله قال: "إذا تكلَّمَ الله بالوحْيِ سَمِعَ صوتَهُ أهلُ السَّماءِ، فَيَخِرِّونَ سُجْداً ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: سُكِّنَ عنْ قُلُوبِهم -نادى أهلُ السَّماءِ: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ ...﴾ قال: كَذا وكَذا" (٣٨). وهذا الحديث مما احتجّ به الإِمامُ أحمد لإثبات كلام الربّ تعالى بصوتٍ. قال ابنُه عبد الله، قال أبي ﵀:

стр. 155

"حديث ابن مسعود ﵁: إذا تكلَّم الله سُمِعَ له صَوْتٌ كَجَرّ السِّلْسِلة على الصَّفْوان". قال أبي: "وهذا الجهميةُ تُنْكِرُهُ". وقال أبي: هؤلاء كُفَّارٌ، يُريدونَ أن يُمَوِّهوا على النَّاسِ، مَنْ زَعَمَ أنَّ الله لم يتكلَّمْ فهو كافرٌ، إلاَّ أنَّا نروي هذه الأحاديث كما جاءَت" (٣٩). قلتُ: فهذه الأدلَّةُ كافيةٌ -لمَن استهدى- لإِثباتِ صفةِ تكلّم الرَّبّ تعالى بصوْتٍ, ونُمِرُّ ذلك كما جاء، فلا نكيّفُهُ، ولا نشبّهُهُ بصَوْتِ المَخلوق، ونقولُ: هو صَوْتٌ على الحقيقةِ، ونَبْرأ إلى الله تعالى من بدَعِ المبتَدعينَ، الَّذين لم يَعْرِفوا من الأدلَّةِ إلا الآراءَ المَذمومةَ، والظُّنون الفاسدة، المَحْرومينَ من نُورِ الكتاب والسُّنَّةِ وهَدْي خَيْر القُرون من السَّلَفِ والأئمَّةِ. قال شيخُ الإِسلام: "واستفاضت الأثار عن النبيّ ﷺ ، والصَّحابةِ, والتابعين، ومَن بعدَهم من أئمَّةِ السُّنَّة، أنَّه سبحانه يُنادي بصَوْتٍ، نادى موسى، ويُنادي عِبادَه يومَ القيامةِ بصَوْتٍ، ويتكلَّمُ بالوحي بصَوتٍ, ولم يُنْقَل عن أحدٍ من السَّلَفِ أنه قال: إنَّ الله يتكلَّمُ بلا صَوْتٍ، أو بِلا حَرْفٍ، ولا أنَّهُ أنْكَرَ أنْ يَتَكَلَّمَ الله بصَوْتٍ، أو بحَرْفٍ" (٤٠).

стр. 156

وقال: "وليسَ في الأئمَّة والسَّلَف من قالَ: إنَّ الله لا يتكلَّمُ بصَوْتٍ، بل قَدْ ثبَتَ عن غير واحدٍ من السَّلَفِ والأئمَّة أنَّ الله يتكلَّمُ بصَوْتٍ، وجاءَ ذلك في آثارٍ مشهورةٍ عن السَّلَفِ والأئمَّةِ، وكانَ السَّلَفُ والأئمةُ يذكرونَ الآثارَ التي فيها ذكرُ تَكلُّمِ الله بالصَّوْتِ ولا يُنْكِرُها منهم أحدٌ" (٤١). وقال الحافظُ أبو نَصْرٍ السِّجْزيُّ: "وليسَ في وجود الصَّوْتِ من الله تعالى تَشبيهٌ بمَنْ يوجَد الصَّوْتُ منه من الخَلْق, كما لَم يكنْ في إثباتِ الكلامِ له تشبيهٌ بمنْ له كلامٌ من خلقِهِ" (٤٢). تنبيهان: الأول: الفَرْقُ بين الحُروفِ التي يتكلَّمُ الله بها، والحُروفِ التي يتكلَّمُ بها المخلوق. تنازع الناسُ في حُروف المعجم: هَلْ هي مخلوقةٌ؟ أو غيرُ مخلوقة؟ وليس في تحقيق ذلك كبيرُ فائدةٍ، وليس فيه نصٌّ عن معصومٍ يُصار إليه، وإنَّما يَجِبُ الكَفُّ عن إطلاقِ القَوْلِ بالخَلْقِ لئلاَّ يتوهّم متوهّمٌ أنَّ الحروفَ التي تكلَّم الله بها مخلوقةٌ. وذكرَ شيخُ الإِسلام في غير مَوْضِع أنَّ الإِمامَ أحمدَ أنكَرَ الإِطلاقَ، لأنَّهُ مَسْلَكٌ إلى البِدْعَةِ, وإلى القَوْلِ بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ (٤٣). وكما يُمْنَع مِن إطلاق القَوْلِ بأنَّ الحروفَ مخلوقةٌ، يُمْنَع أيضاً

стр. 157

إطلاقُ القَوْل بأنَّ الحُروفَ غيرُ مخلوقةٍ، لئلا يتوهَّمَ متوهِّم أنَّ الحُروفَ التي هي مَباني كَلام الناس غيرُ مخلوقةٍ، والذي يجرُّ إلى القول بأنَّ ما يتكلَّمُ به العبادُ مِن كلام أنفُسهم هو نفسُه كلامُ الله، فيتحقَّقُ حينئذ للمَلاحِدَة كابن عربي الطائي وأمثاله صِحَّةُ قولِهم: وكلُّ كَلامٍ في الوجودِ كلامُهُ ... سَواء علينا نَثْرُه ونِظامُهُ وهذا القولُ من أفحَش الباطِل، وأكفَر الكُفْرِ، إذ مَعْناه أنَّ كلَّ ما تلفِظُ به الخَلائق من الصِّدْق والكَذِبِ، والزُّورِ، والبُهْتان، وألفاظِ الخَنا والفُجور والكُفْر، كلامُ الله. وحينئذ لا يتميَّزُ حَقٌّ من باطلٍ، ولا صِدْقٌ من كَذبٍ ولا كفرٌ من إيمانٍ. وإنَّما الحَقُّ والصَّوابُ أن يُقالَ: إنَّ الحَرْفَ المجرَّد الَّذي هو جزءٌ من اللفظ، مثل: (ز) من كلمة: (زيد) لا يُقالُ فيه مخلوقٌ ولا غيرُ مخلوق, لأنَّ الحرْفَ المجرَّدَ ليس كَلاماً، وإنَّما يقَع الكلام فيما ألّفَ من الحروفِ فأفادَ مَعنًى، ككلمةِ (زيد) اسمُ عَلَمٍ مَعْروفٌ (٤٤).

стр. 158

والكلامُ المؤلَّفُ من الحُروف الذي يُفيد معنًى يُفَصَّل فيه: فإنْ كانَ كلاماً لله تعالى كانَ غيرَ مخلوقٍ، وإنْ كان كلاماً للعبد يُنْشِئُهُ من تِلقاء نفسهِ، ولا يُريدُ به قِراءةَ كلام الله فهو مَخلوقٌ, فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ....﴾ [الأحزاب: ٣٧] غيرُ مخلوق، وقولك: (جاءَني زيدٌ فأكرمتُهُ) مخلوقٌ, لأنَّ الأوَّل كلامُ الله تعالى نظمه وحروفه، والثانيَ كلامُكَ نظمه وحروفه. ولو قالَ قائلٌ: (محمَّدٌ رسولُ الله) أو: (ألف، لام، ميم) لم يصحّ فيه إطلاق أنَّه مخلوقٌ، أو غيرُ مخلوق، حتى يُسْتَفْصَل منه، فإنْ أرادَ بهِ قِراءةَ كلامِ اللهِ كانَ غيرَ مخلوقٍ، وإنْ كان أنشأهُ مبتدِئاً مِن نفسهِ، أو يُبَلِّغُهُ عن غيرهِ، وهو من إنشاءِ ذلكَ الغيرِ سِوى الله تعالى، كانَ مخلوقاً. وقد سألَ الحافظُ الثِّقَةُ أحمدُ بن الحَسن الترمذيُّ الإِمامَ أحمَدَ فقال: قلتُ لأحمدَ بن حنبل: إنَّ الناسَ قد وقَعوا في أمرِ القرآنِ، فكيف أقولُ؟ قال: "أليسَ أنت مخلوق؟ ". قلتُ: نعَمْ. قال: "فكلامُكَ منك مخلوقٌ؟ ". قلت: نعم.

стр. 159

قال: "أوَلَيسَ القرآنُ من كلامِ الله؟ ". قلت: نعم. قال: "وكلامُ الله؟ ". قلت: نعم. قال: "فيكون من الله شيءٌ مَخلوق؟ " (٤٥). فتأمَّل هذا القولَ الموجَز فإنَّه من أسَدِّ الكلام وأحسَنِهِ، فرَّق الإِمامُ أحمدُ فيه بَيْنَ كلامِ الله وكلامِ المَخلوق، بأنَّ كلامَ الله هو الذي قالَه مبتدئاً، وكلامَ المخلوق هو الذي قالَه مبتدئاً، فلمَّا كان كلامُ الله ابتدأ منه كانَ غيرَ مخلوقٍ, لأنَّه ليسَ من الله شيءٌ مخلوق، ولمَّا كانَ كلامُ المخلوقِ ابتدأ منه -بمعنى أنه هو الذي أنشَأه- كانَ مخلوقاً, لأنَّ العبدَ بأفعاله جميعاً مخلوقٌ. التنبيه الثاني: الصَّوْتُ المسموعُ من القارئ وهو يتلو كلامَ الله، هو صَوْتُ القارئ، لا صَوْت الله تعالى، كما نصَّ عليه الأئمَّةُ كأحمدَ وغيرِهِ (٤٦). وذلكَ أنَّ صوتَ العبْدِ إنَّما هو فعلُه القائمُ به، وأفعاله جميعاً مضافة إليه مخلوقةٌ كخَلقهِ، لكنَّ المسموعَ بصَوْتهِ، الذي نطَقَ به لسانُهُ، وتحرَّكَتْ به شفَتاهُ، كلامُ الله تعالى.

стр. 160

والدَّليلُ على ذلكَ قولُ النَّبيِّ ﷺ : "زيّنوا القرآنَ بأصواتِكم" (٤٧). فأضافَ النَّبِيُّ ﷺ الأصواتَ إلى القُرّاء, لأنَّها اكْتِسابُهُمْ وفعلهُمْ، وفرَّقَ بينها وبينَ القرآن الذي هو كلامُ الله ووحيُهُ وتنزيلُهُ، الذي لا يكونُ من التالي سِوى قراءتِه وأدائِه وتبليغهِ. فالقرآنُ كلامُ الله مُضافٌ إليه تعالى لأنَّه منهُ، لا يُضافُ للتالي لأنَّه أدّاه بصَوتِهِ وحَرَكَتهِ، شأن كلّ كلامٍ سواه يُبلِّغهُ الواحدُ مِنَّا، فإنَّهُ إنَّما يُضافُ إلى مَن قالَه مُبتدئاً. فقولُكَ: "إنَّمَا الأعمالُ بالنّياتِ، وإنَّما لكلّ امرئٍ ما نَوى" (٤٨) تُبلّغُه أنتَ بصَوْتِكَ وحَرَكَتِكَ، وليسَ لك من نظْمهِ شيْءٌ، إنَّما هو كلامُ النَّبي ﷺ بلفظهِ ومعناه، ولو قلتَ: هو كَلامي، لكذّبكَ مَن يسمَعُك، إذ ليسَ لك من ذلك إلاَّ التبليغُ والأداءُ.

стр. 161

فكذلكَ كلامُ الله تعالى إذا تلاه التالي، وقرأه القارئ. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ...﴾ [التوبة: ٦] فأضافَ الكلام إلى نفسِهِ، لأنَّه هو الذي ابتدأ نَظْمَهُ بحُروفِهِ ومعانيهِ، يسمَعُه المُشرك بأذُنَيْهِ بصَوْتِ القارئ، فإنَّه إنَّما يسمَع كلامَ الله مِنَ القارئ.

стр. 162

المبحث الثامن: كلام الله تعالى بمشيئته واختياره يَعْتَقِدُ السَّلَفُ أنَّ الله تعالى يتَّصفُ بالصِّفاتِ الاختياريَّةِ، كَالكَلامِ، والنَّداءِ، والرَّضا، والغَضَبِ، والحُبَّ، والبُغْضِ، والرَّحْمَةِ، والرَّأفَةِ، والانْتقامِ، والإِتيانِ، والنُّزَولِ، والاسْتِواءِ على العَرْشِ، والخَلْقِ، والرَّزْقِ، وغَيْرِ ذلكَ من صفاتِهِ العَليَّةِ التي تقومُ بمَشيئتهِ واختيارهِ، ومعنى تعلُّقِها بمشيئتهِ واختياره أنَّه تعالى لا يَزالُ متكلِّماً إذا شاءَ، ولا يَزالُ رَحيماً إذا شاءَ، ولا يزالُ خالقاً إذا شاءَ، وهكذا، فالصِّفَةُ ثابتةٌ له تعالى في الأزَلِ، وهي متعلِّقةٌ بمشيئتِهِ، فإنْ شاءَ تكلَّمَ وإن شاءَ سَكَتَ (٤٩) وإن شاءَ

стр. 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 164

خلَقَ، وإن شاءَ لم يَخْلُقْ، وإنْ شاءَ غَضِبَ، وإنْ شاءَ رَضِيَ. ومن الأدلَّة الموضِّحةِ لذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ...﴾ [الأعراف: ١١]. تضمَّنت الآيَةُ ثلاثَ صفاتٍ: الخَلْقَ، التَّصويرَ، الأمْرَ، وقد وصف الله بها نفسَه، وهي صفاتُه قبل خَلْق الخَلْق، متعلَّقةٌ بمشيئتهِ، فشاءَ أن يخلقَ فخلقَ، وبعدَ الخَلْق صَوَّرَ، وبعدَ التَّصوير أمرَ الملائكةَ بالسُّجود، فهيَ أفعالٌ متعاقبةٌ، لم يقعْ تصويرٌ لآدم قبلَ خلقِهِ، ولا أمرٌ بالسُّجودِ للملائكةِ قبلَ خلقهِ وتصويرهِ، وإنَّما كان ذلك بعدَ الخَلْق والتَّصوير، ولا يزال الله تعالى خالقاً، مصوِّراً، آمِراً، إذا شاءَ. ٢ - وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥]. فقوم فرعونَ لَمَّا أغضَبوا ربَّهم تعالى انتقمَ منهم، لم يقَعِ انتقامُهُ منهم قبل ذلك، مَعَ أنَّه لا زالَ متَّصفاً بالانتقام من أعدائِه، كما قالَ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]. ٣ - وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]. فإحباطُ أعمالِهم لم يكنْ قبلَ اتِّباعِهم ما أسخَطَ الله وكراهِيَّتِهم رضوانَه، فدلَّ ذلك على أنَّ فعلَ الإِحباط الذي هو صفةُ الرَّبّ تعالى إنَّما أوقَعَه الله بعدَ استحقاقِ العبدِ ذلك.

стр. 165

وأمثلة هذا لا تدخلُ تحتَ الحَصْر، وهو أمرٌ أبْيَنُ مِنْ أنْ يُستدلَّ له، ولكنَّ أهلَ البدعِ أبَوْا إلاَّ إنكارَ الحقائقِ. وهذا الذي بَيَّناهُ هو قولُ السَّلَفِ. قال البخاري ﵀: "وقالَ أهل العلم: التَّخليقُ فعلُ الله، وأفاعيلُنا مخلوقةٌ، لقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ...﴾ [الملك: ١٣، ١٤] يعني: السرّ والجهر من القول، ففعلُ الله صفةُ الله، والمفعولُ غيرُه من الخَلْق" (٥٠). قلتُ: ويَجْري هذا في سائر أفعاله تعالى، فكلّ أفعاله تعالى صفاتٌ له، والمخلوقُ إنَّما هو مفعولُهُ. قالَ شيخ الإِسلام: "هو المأثورُ عن السَّلَف، وهو الذي ذكرَه البخاريُّ في خلق أفعال العباد عن العلماءِ مُطلقاً، ولم يذكُرْ فيه نِزاعاً، وكذلك ذكَره البغويُّ وغيره عن مذهب أهل السُّنَّة". وقال: "وهو قولُ السَّلَف قاطبةً، وجمهورِ الطوائف ... " (٥١). وكلامُ الله تعالى ونداؤه كذلكَ، فهو تعالى موصوفٌ بالكلام والنَّداء وصْفاً أزليّاً، متعلّقاً بمشيئتهِ واختيارهِ، يتكلَّم إذا شاء متى شاء، ويُنادي إذا شاءَ متى شاء، يتكلَّم كلاماً بعدَ كلام، ويُنادي نِداء بعدَ نداء، وكلّ ذلك غيرُ مخلوقٍ لأنَّه صفتُهُ.

стр. 166

والأدَّلةُ على ذلك كثيرةٌ جداً في الكتابِ والسُّنَّةِ والمعقولِ الموافِقِ لهما. فمن ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. فهو تعالى يقول لكلِّ ما يُريدُ خلقَه وتكوينَه: ﴿كُنْ﴾ ليكونَ، وقولُه: ﴿كُنْ﴾ كلامُهُ وصفتُه، جعلَه متعلقاً بإرادتِهِ، فمتى يريد تكوينَ شيء قال: ﴿كُنْ﴾ فيكون، فقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] هو يَوْمُ القيامةِ، ويومُ القيامةِ لم يكنْ بعد، والله تعالى لم يقل له بعدُ: ﴿كُنْ﴾ وإنَّما يقولُ ذلك حين يشاءُ ذلك. وهذا من أظهر الأدلَّة على تعلُّق كلامهِ تعالى بمشيئتهِ. والأشعريَّةُ وأشباهُهم يحتجُّون بهذه الآية وأمثالِها على أنَّ القرآنَ غيرُ مخلوق ويَردّون بذلك على المُعتزلةِ الجهميَّةِ، وأغفَلوا دلالةَ الآيةِ نَفسها على تعلُّق قولِه تعالى بمشيئتِهِ، وهو من حَيْدَتِهم عن الحَقَّ والصَّراط المُستقيم كما سيأتي شرحه في الباب الثالث. ٢ - أخبرَ تعالى عن تكليمهِ لموسى ونِدائهِ له في مواضِعَ عدّةٍ من كتابِهِ، وإنَّما وقعَ ذلك بعد خَلْق موسى، لم يكلِّم موسى ولم ينادهِ قبل أن يخلقه، بل لم ينادِهِ ولم يكلِّمْه قبل أن يأتِيَ الشَّجرة، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ فلم ينادِه قبل إتيانِهِ، خِلافاً لأهل البدع، وهذا مقتضى اللُّغَة التي نزلَ بها القرآنُ، والله تعالى إنَّما خاطب العبادَ بألسنتهم

стр. 167

التي يعقلونَها ويفهمونَها. ٣ - وقالَ تعالى مُخاطباً أهلَ النار: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ الآيات [المؤمنون: ١٠٥ - ١٠٨]. فهذا قولُه تعالى وكلامُه، إنَّما يُكَلِّمُ به أهلَ النار بعدَ أن يُصارَ بهم إليها, ولم يقع ذلك بعدُ، وإنَّما أخبرَنا عنْ وقوعهِ، ولا يفقَهُ مؤمنٌ، بل ولا عاقلٌ أنَّ الله تعالى قَدْ كَلَّم أهلَ النَّارِ من الأزلِ -كما يدّعيه بعضُ أهْلِ البدع- فقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ وهم لم يوجَدوا بَعْدُ ولَمْ يُخْلَقوا. ٤ - وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قال رسولُ الله ﷺ : "احتجّ آدمُ وموسى ... " فذكر الحديثَ، وفيه: " ... فقال آدمُ: أنتَ موسى الذي اصطفاكَ الله برسالتهِ وبكلامهِ، وأعطاكَ الألواحَ فيها تبيانُ كلّ شَيْءٍ، وقرَّبك نجيّاً، فبِكمْ وجَدْتَ الله كتبَ التّوراةَ قبلَ أن أخْلَق؟ قال موسى: بأربعينَ عاماً ... " الحديث (٥٢). فأخبر النبيُّ ﷺ أن تَكَلُّمَ الرَّبّ تعالى بالتوراة كان مُوَقَّتاً بوقتٍ، وذلك قبلَ خلقِ آدم بأربعينَ سنةً، هذا معَ أنَّ كلامَه تعالى قديمُ النَّوْعِ، وصفةَ الكَلامِ له ثابتة في الأزَلِ، إلاَّ أنَّها متعلَّقةٌ بمشيئتهِ واختيارهِ، فلمَّا شاءَ أن

стр. 168

يتكلَّمَ بالتَّوراةِ تكلَّمَ بها، فخطَّها لموسى بيدهِ، جلَّ وعَلَا. ٥ - جميْعُ ما سقتُهُ من أدلَّةِ التكليم في الآخرةِ لم يقَعْ منه شيْءٌ بعدُ، وإنَّما يقَعُ في الآخرة، وهو أبْيَنُ من أن يُفصَّلَ. وقد سبقَ النقلُ عن الإِمام أحمدَ ﵀ من طريق حنبل بن إسحاق قال: قلتُ لأبي عبد الله -يعني أحمد-: الله يُكَلِّمُ عبدَه يوم القيامةِ؟ قال: "نَعَمْ، فمنْ يقضي بين الخَلائق إلاَّ الله ، يكلِّمُ عبدَه ويسألهُ، الله متكلِّمٌ، لم يزَل الله يأمرُ بما يَشاءُ وَيَحْكُم، وليس له عَدْلٌ ولا مِثْلٌ، كيفَ شاءَ، وأنَّى شاءَ" (٥٣). ٦ - وفي حديث جابرِ بن عبد الله ﵄ في حَجَّةِ النبيَّ ﷺ قوله ﷺ : "نَبْدأ بما بدأ الله به" فبدأ بالصَّفا وقرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ...﴾ [البقرة: ١٥٨] (٥٤). وفي هذا دليل على أنَّ كلامَ الله يتلو بعضُه بعضاً، ويسْبِقُ بعضُه بعضاً. قال شيخ الإِسلام: "وقد قالَ الإِمام أحمد ﵁ وغيره من الأئمَّة: لم يزل الله متكلّماً إذا شاءَ، وهو يتكلَّمُ بمشيئتهِ وقدرتِهِ، يتكلَّمُ

стр. 169

بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ" (٥٥). وقال أبو عبد الله بنُ حامد: "ولا خلافَ عن أبي عبد الله -يعني أحمد- أنَّ الله كانَ متكلِّماً قبلَ أن يخلُقَ الخَلْقَ، وقبل كلّ الكائناتِ، وأنَّ الله كان فيما لم يزَل متكلِّماً، كيف شاءَ, وكما شاءَ، وإذا شاءَ أنزلَ كلامَه، وإذا شاءَ لم يُنْزِله" (٥٦). قلتُ: فأفادَ هذا النقلُ عن الإِمام أحمدَ أمرين: الأوَّل: أنَّ صفةَ الكلام لله تعالى ثابتةٌ له في الأزَل ليسَتْ مُحْدَثَةً ولا مَخلوقةً. والثاني: أنَّ كلامَه تعالى متعلقٌ بمشيئتهِ، فهو يتكلَّم إذا شاءَ, ويسْكُتُ إذا شاءَ. وأمَّا قولُ ابنِ حامد في نقله الذي حَكَينا: "وإذا شاءَ أنزلَ كلامَه ... " إلخ ففيه نَظَرٌ، ذلك لأنَّهُ مُفهِمٌ أنَّه تعالى لا يتكلَّمُ بعدَ خلق الخَلْق، وإنَّما يُنزِل كلامَه الَّذي تكلَّمَ به، وهذا المعنى ليسَ هو قولَ الإِمام أحمد -كما ينقله شيخ الإِسلام وغيره- وإنَّما قولُه: إنَّ الله تعالى يتكلَّم بكلامٍ بعدَ كلام، وفي الأدلَّة التي سُقْنا دَلالةٌ بَيّنةٌ على ذلك، وهذا الذي قاله أبو عبد الله بنُ حامد إنَّما هو على طريقة بعض فُضَلاءِ الحنابلة الذين كانوا يَذْهَبون إلى قِدَمِ الكَلام المُعَيَّنِ قبلَ خلقِ الخَلْقِ، والتَّحقيقُ أنَّ هذا ليسَ

стр. 170

مذهبَ السَّلَفِ، وهو خلافُ ما دلَّتْ عليه الأدلَّةُ من أنَّ كلامَه تعالى متعلقٌ بمشيئتهِ ولا نُؤوّلُ ذلك بأنَّ إنزالَ كلامه متعلقٌ بمشيئتهِ، وقد أرادَ ابنُ حامد معنى اعتقادِ أحمدَ ولكنَّه أخطأه، وأصابه شيخُ الإِسلام حين قالَ: " ... وهو يتكلَّم بمشيئتهِ، يتكلَّم بشيء بعدَ شيء". وسَبَقَ أن قرَّرنا أنَّ الله تعالى له الكمالُ المُطلَقُ، والمتكّلمُ بمشيئته واختياره أكمَلُ ممَّنْ لا يتكلَّمُ بمَشيئتهِ واختياره، بلْ إنَّه لا يُتَصوَّر متكلمٌ بغير مشيئةٍ ولا قُدْرةٍ ولا اخْتيارٍ، وإنَّما يوصَفُ بذلك الأخرسُ، فإنَّه لو قَدَّر الكلامَ في نفسهِ لا يَقْدِر على التكلُّم به والتلفُّظِ به للآفةِ التي فيه، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن هذا النَّقْصِ، وهو أعلى وأجلُّ من أن يتَّصف به، فمَنْ لَمْ يُثْبِتْ له الكلام بمشيئتهِ واختيارِهِ فهو واصفٌ له بالنَّقْصِ والآفَةِ، تعالى عن ذلك عُلُوّاً كبيراً.

стр. 171

المبحث التاسع: تفاضل كلام الله تعالى كَلِماتُ الله تعالى لا نِهَايَةَ لهَا، وهي باقيةٌ لا تَنْفَدُ كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. ومِن كلماتهِ تعالى: كُتُبُه المنزَلَةُ، كالتَّوراةِ، والِإنجيلِ، والقرآنِ، وكلماتُهُ التي يخلقُ بها الخَلْقَ، وكلماتُهُ التي كلَّمَ بها آدمَ، والَّتي كلَّم بها موسى، والتي كلَّمَ بها محمَّداً ﷺ ، وكلماتُهُ التي يُكلِّمُ بها عبادَه في المَحْشَر، وفي الجنَّةِ، وكلماتُهُ التي يُخاطِبُ بها أهلَ النار توْبيخاً وتَقْريعاً، وغيرُ ذلك من كلامِهِ ﵎. فكلامُهُ تعالى متبعّضٌ مُتَجَزّىءٌ، فالتَّوراةُ بعضُ كلامِه وجزءٌ منه، والإنجيلُ كذلك، والقرآنُ كذلكَ، والقرآنُ أبعاضٌ وأجزاءٌ، وسُوَرٌ وآياتٌ، وكلماتٌ. وجَميعُ هذا من المُسَلَّماتِ المَعْلومةِ لدى الكافَّةِ, دَلَّ عليها الحِسُّ، والعقْلُ، والشَّرْعُ، وهي أجلى من أن تحتاجَ إلى ضَرْبِ الأمثلةِ، وسِياق البَراهينِ والأدلّة، ولكن مَنْ رامَ الهدى باتباع الهوى فقد ضلَّ السَّبيلَ.

стр. 172

فكلامُهُ تعالى الذي هو أجزاءٌ وأبعاضٌ، بعضُهُ أفضَلُ من بعضٍ، وليس ذلك من جِهَةِ المُتكلِّم به وهو الله تعالى، وإنَّما هو من جهةِ ما تضمَّنَ من المَعاني العَظيمةِ، فإنَّ كلامَ الله المتضمِّن للتَّوحيدِ والدَّعْوةِ إليه، أفضلُ من كلامهِ المتضمِّنِ ذكرَ الحُدودِ والقِصاصِ ونحو ذلكَ، وما يُخْبِرُ به عن نفسهِ وصفاتِهِ أعظمُ مما يُخْبِرُ به عن بعضِ خلقهِ، وذلكَ لشَرَف الأوَّلِ على الثاني. وقد ورَدَ في السُّنَّةِ الصَّحيحةِ ما يُثْبِتُ ذلك ويوضِّحُه ويُجَلّيهِ، فمِنْ ذلك: ١ - حديث أنَس بن مالكٍ ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ في مَسيرٍ لَهُ، فنزَلَ ونزَلَ رجُلٌ إلى جانِبِهِ، فالتفتَ إليه النبيُّ ﷺ ، فقال: "ألا أخْبركَ بأفضَلِ القُرآنِ؟ ". قال: فتلا عليه ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥٧). ٢ - وعن أبي سَعيد بن المُعلَّى ﵁ قال: كنتُ أصلِّي في المَسْجدِ، فدَعاني رسولُ الله ﷺ ، فلَمْ أجِبْهُ، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنِّي كنتُ أصلّي، فقالَ:

стр. 173

"ألَم يَقُلِ الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ثمَّ قالَ لي: "لأعلِّمَنَّكَ سورةً هي أعظمُ السُّوَرِ في القرآنِ، قبلَ أن تَخْرُجَ من المَسجدِ". ثمَّ أخَذَ بيَدي، فلَمَّا أرادَ أنْ يَخرُجَ قلتُ لهُ: ألَمْ تَقُلْ: "لأعلِّمنَّكَ سورةً هي أعظَمُ سورةٍ في القُرآنِ"؟ قال: "الحَمْدُ لله ربّ العالَمينَ، هيَ السَّبعُ المَثاني، والقُرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُهُ" (٥٨). ٣ - وعن أبَيّ بن كَعْبٍ قال: قالَ رسول الله ﷺ : "يا أبا المُنْذر، أتَدْري أيُّ آيةٍ مِن كتابِ الله معَكَ أعظَمُ؟ ". قال: قلتُ: الله ورسولُهُ أعلَمُ. قال: "يا أبا المُنْذِرِ، أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ من كتابِ الله مَعَكَ أعظَمُ؟ ". قال: قلتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ...﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال: فضربَ في صَدْرِي، وقالَ:

стр. 174

"والله، لِيَهْنِكَ العِلمُ أبا المُنْذر" (٥٩). ٤ - وعن أبي سَعيد الخُدْريّ ﵁ أنَّ رجلاً سَمعَ رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُها، فلمَّا أصبَحَ جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ ، فذكر ذلك له -وكأنَّ الرَّجُل يتقالُّها- فقالَ رسولُ الله ﷺ : "والذي نَفْسِي بيده إنَّها لَتعْدِلُ ثلُثَ القُرآنِ" (٦٠). ٥ - وعن عُقْبَة بن عامر ﵁ قال: كنتُ أقودُ برسولِ الله ﷺ في ناقَتَهُ في السَّفر، فقالَ لي: "يا عُقْبَةُ، ألَا أعلّمكَ خيرَ سورتين قُرِئَتا؟ ". فَعلَّمَني: ﴿قُلْ أَعوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. قال: فلَمْ يَرَني سُرِرْتُ بهما جدّاً، فلمَّا نَزَلَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ صلَّى بِهِما صلاةَ الصُّبْحِ للناسِ، فلمَّا فرَغَ رسُولُ الله ﷺ من الصلاةِ التفتَ إليَّ

стр. 175

فقالَ: "يا عُقْبَةُ كيفَ رأيتَ؟ " (٦١). ويُوجِّهُ شيخ الإِسلام حديثَ فضْل سورةِ الإِخلاصِ فيقولُ: "وذلك أنَّ القرآنَ إمَّا خبرٌ، وإمَّا إنشاءٌ , والخبَرُ إمَّا خبَرٌ عن الخالقِ، وإمَّا عن المَخلوقِ، فثلُثُهُ قَصَصٌ، وثُلثُهُ أمْرٌ، وثُلُثُهُ توحيدٌ، فهيَ تَعْدِل ثُلُثَ القرآن بهذا الاعتبارِ" (٦٢). قلتُ: فدلَّتْ هذه النُّصوصُ على تَفْضيلِ كلامِ الله بعضِهِ على بعضٍ، وذلكَ حسبَ ما يدلُّ عليه من المَعاني، وهو مَذْهَبُ جُمهورِ السَّلَفِ وأهلِ السُّنَّةٍ. قالَ شيَخُ الإِسلام: "والصَّوابُ الَّذي علَيْهِ جُمْهورُ السَّلَف والأئمَّة أنَّ بَعْضَ كلامِ الله أفْضَلُ من بَعْضٍ، كما دلَّ على ذلك الشَّرعُ والعقلُ" (٦٣). .....

стр. 176

المبحث العاشر: كلام الله تعالى منزل منه , منه بدأ وإليه يعود يَعْتَقدُ السَّلَفُ أنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى، منه خرجَ وبدأ، تكلَّمَ به بحُروفِهِ ومَعانيهِ، فأسمَعَهُ جبريلَ ﵇، ونَزل به جبريلُ على قلبِ نبيِّنا ﷺ ، وهو هذا اللِّسانُ العربيُّ المُبينُ، النّازلُ بلغةِ قُرَيْشٍ. وهذا مُبَيَّن في غيرِ مَوْضع من كتاب الله تعالى، فمِنْ ذلك: ١ - قولُه تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]. ٢ - وقولُه : ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه:٤]. ٣ - وقولهُ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]. ٤ - وقولُه تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [السجدة: ١ - ٣]. ٥ - وقولُه جلَّ وَعَلا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا

стр. 177

أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ...﴾ [الزمر: ١ - ٢]. ٦ - وقولُه تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصّلت:١ - ٤]. ٧ - وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. فأخبرَ تعالى في هذه الآيات وما يشبَهُها أنَّ القرآنَ العربيَّ الذي هو كلامهُ، إنَّما هو تنزيلُه، نَزلَ منهُ، فمنه بدَأ وَخَرَجَ لا مِنْ سِواه. ٨ - وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٣] فأنبأ تعالى في هذه الآياتِ أنَّ القرآنَ العربيَّ نزَلَ به رُوحُ القُدُس منه، ورُوحُ القُدُس هو جبريلُ ﵇، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧]. فليسَ هو كلامَ محمَّدٍ ﷺ -كما زعَمَ الكفَّارُ- ولا كلامَ جبريلَ ﵇ -كما زعمَه بعضُ أهلِ البِدَع- وإنَّما هو كلامُ الله تعالى، منه بدأ وخَرَجَ، وهو الذي أنزلَه بواسطةِ رسولهِ الملَك جبريلَ، فمن قال غير هذا فقَدْ

стр. 178

كَفَرَ, لأنَّه كذَّبَ الله في قولِهِ، وجَحَدَ ما أنبأتْ به رسلُه، وإنِ ادّعى الإِسلامَ وانتسبَ إليه، فالإِسلامُ يَبْرأ منه. وقد ذكرتُ في المَبْحث الخامس أنَّ الله تعالى لم يُضِف شيئاً ممَّا أنزله إلى نفسِهِ غيرَ كلامهِ، وذلك لأنَّه صفتُهُ. * وأمَّا عَوْدُ كلامهِ تعالى إليه فقد تأوَّلَهُ بعضُ أهلِ السُّنَّة بعَودِ تلاوته وقراءته التي هي كَسْبُ العبدِ. وهذا المعنى حَق، فإنَّه تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ولكن ليسَ هو المُرادَ في تفسيرِ هذه اللَّفْظَة (وإليه يعودُ) وإنَّما المرادُ أن كلامَ الله تعالى يُسرى عليه في ليلةٍ فَيُرْفَع من المَصاحفِ، وصُدور الحُفَّاظ، فلا تَبْقى في الأرضِ منه آية. وبهذا جاء الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ وغيرِه من أصحابه. فأمَّا الخبر عن رسول الله ﷺ فعَنْ حذيفةَ بن اليَمان وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "يُسْرى على كتاب الله لَيْلاِّ، فيُصْبحُ الناسُ ليس في الأرضِ، ولا جوفِ مسلمٍ منه آية" (٦٤). وأما الخَبَرُ عن أصحابهِ، فوردَ عن أبي هريرة وابن مسعود. ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 179

"يُسْرى على كتاب الله، فيُرْفَعُ إلى السَّماءِ فلا يُصْبِحُ في الأرض آيةٌ من القرآنِ، ولا من التوراةِ، والإِنجيل، ولا الزَّبورِ، ويُنْتَزَعُ من قُلوبِ الرِّجالِ، فيُصْبِحونَ ولا يَدْرون ما هو" (٦٥). ٢ - وعن شَدَّاد بن مَعْقِل أنَّ عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: "لَيُنْتَزَعَنَّ هذا القرآنُ من بين أظْهُرِكُمْ". قال: قلتُ: يا أبا عبد الرَّحمن! كيفَ يُنْتَزَعُ وقد أثْبَتْنَاهُ في صُدورِنا، وأثبتناهُ في مَصاحِفنا؟ قالَ: "يُسْرى عليهِ في ليلةٍ، فلا يَبقى في قَلْبِ عَبْدٍ منه، ولا مُصحَفٍ منه شَيْءٌ، ويُصْبِحُ الناسُ فُقَراءَ كالبَهائم". ثمَّ قرأ عبد الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٦] (٦٦). وهذان الأثران تضَمَّنا الِإخبارَ عن غيبٍ، لا يقال إلاَّ بتوقيف. فبهذا يظهرُ لكَ معنى قولِ من قال من السَّلَفِ: (القرآنُ كلامُ الله، مُنْزَلٌ غيرُ مَخْلوقٍ، منه بدّأ وإليه يَعودُ). والمَصيرُ إلى هذا التفسير واجِبٌ لدلالةِ ما ذكرنا من الأخبار. وقال شَيْخُ الإِسلام: "فقالوا: (منه بدأ) ردّاً على الجَهْميةِ الذين

стр. 180

يقولون: بدأ من غيرهِ، ومقصودُهُم أنَّه هو المتكلِّمُ به، كما قالَ تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وقالَ تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ...﴾ وأمثال ذلك" (٦٧). قال: "وأمَّا (إليه يَعودُ) فإنه يُسْرى به فى آخِر الزَّمانِ، من المَصاحفِ والصُّدور، فلا يبقى في الصُّدور منه كلمةٌ، ولا في المصاحف منه حرفٌ" (٦٨). قلتُ: والتنصيص على هذه العقيدةِ مأثور عن جَماعةٍ من أئمَّةِ السَّلَف، منهم: ١ - عَمْرو بن دينار (أحد خيار التابعين وثِقاتِهم وأئمَّتِهم). قال: "أدركْتُ أصحابَ النَّبيّ ﷺ (٦٩) فمَنْ دونَهم منذُ سَبعينَ سنةً، يقولونَ: الله الخالقُ، وما سواهُ مَخْلوقٌ، والقُرآنُ كلامُ الله منهُ خرجَ وإليه يعودُ". ٢ - سفيان الثَّوْري (الإِمام العَلَم). قال: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخلوقٍ، منه بَدَأ وإليه يعودُ، مَنْ قال غيرَ هذا فهو كُفْرٌ"
следующие страницы →