← Акыда

Акыда · id 122091

العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية

عبد الله الجديع

Полный текст (417 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المبحث العاشر: كلام الله تعالى منزل منه , منه بدأ وإليه يعود يَعْتَقدُ السَّلَفُ أنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى، منه خرجَ وبدأ، تكلَّمَ به بحُروفِهِ ومَعانيهِ، فأسمَعَهُ جبريلَ ﵇، ونَزل به جبريلُ على قلبِ نبيِّنا ﷺ ، وهو هذا اللِّسانُ العربيُّ المُبينُ، النّازلُ بلغةِ قُرَيْشٍ. وهذا مُبَيَّن في غيرِ مَوْضع من كتاب الله تعالى، فمِنْ ذلك: ١ - قولُه تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]. ٢ - وقولُه : ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه:٤]. ٣ - وقولهُ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]. ٤ - وقولُه تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [السجدة: ١ - ٣]. ٥ - وقولُه جلَّ وَعَلا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا

стр. 177

أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ...﴾ [الزمر: ١ - ٢]. ٦ - وقولُه تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصّلت:١ - ٤]. ٧ - وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. فأخبرَ تعالى في هذه الآيات وما يشبَهُها أنَّ القرآنَ العربيَّ الذي هو كلامهُ، إنَّما هو تنزيلُه، نَزلَ منهُ، فمنه بدَأ وَخَرَجَ لا مِنْ سِواه. ٨ - وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٣] فأنبأ تعالى في هذه الآياتِ أنَّ القرآنَ العربيَّ نزَلَ به رُوحُ القُدُس منه، ورُوحُ القُدُس هو جبريلُ ﵇، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧]. فليسَ هو كلامَ محمَّدٍ ﷺ -كما زعَمَ الكفَّارُ- ولا كلامَ جبريلَ ﵇ -كما زعمَه بعضُ أهلِ البِدَع- وإنَّما هو كلامُ الله تعالى، منه بدأ وخَرَجَ، وهو الذي أنزلَه بواسطةِ رسولهِ الملَك جبريلَ، فمن قال غير هذا فقَدْ

стр. 178

كَفَرَ, لأنَّه كذَّبَ الله في قولِهِ، وجَحَدَ ما أنبأتْ به رسلُه، وإنِ ادّعى الإِسلامَ وانتسبَ إليه، فالإِسلامُ يَبْرأ منه. وقد ذكرتُ في المَبْحث الخامس أنَّ الله تعالى لم يُضِف شيئاً ممَّا أنزله إلى نفسِهِ غيرَ كلامهِ، وذلك لأنَّه صفتُهُ. * وأمَّا عَوْدُ كلامهِ تعالى إليه فقد تأوَّلَهُ بعضُ أهلِ السُّنَّة بعَودِ تلاوته وقراءته التي هي كَسْبُ العبدِ. وهذا المعنى حَق، فإنَّه تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ولكن ليسَ هو المُرادَ في تفسيرِ هذه اللَّفْظَة (وإليه يعودُ) وإنَّما المرادُ أن كلامَ الله تعالى يُسرى عليه في ليلةٍ فَيُرْفَع من المَصاحفِ، وصُدور الحُفَّاظ، فلا تَبْقى في الأرضِ منه آية. وبهذا جاء الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ وغيرِه من أصحابه. فأمَّا الخبر عن رسول الله ﷺ فعَنْ حذيفةَ بن اليَمان وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "يُسْرى على كتاب الله لَيْلاِّ، فيُصْبحُ الناسُ ليس في الأرضِ، ولا جوفِ مسلمٍ منه آية" (٦٤). وأما الخَبَرُ عن أصحابهِ، فوردَ عن أبي هريرة وابن مسعود. ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 179

"يُسْرى على كتاب الله، فيُرْفَعُ إلى السَّماءِ فلا يُصْبِحُ في الأرض آيةٌ من القرآنِ، ولا من التوراةِ، والإِنجيل، ولا الزَّبورِ، ويُنْتَزَعُ من قُلوبِ الرِّجالِ، فيُصْبِحونَ ولا يَدْرون ما هو" (٦٥). ٢ - وعن شَدَّاد بن مَعْقِل أنَّ عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: "لَيُنْتَزَعَنَّ هذا القرآنُ من بين أظْهُرِكُمْ". قال: قلتُ: يا أبا عبد الرَّحمن! كيفَ يُنْتَزَعُ وقد أثْبَتْنَاهُ في صُدورِنا، وأثبتناهُ في مَصاحِفنا؟ قالَ: "يُسْرى عليهِ في ليلةٍ، فلا يَبقى في قَلْبِ عَبْدٍ منه، ولا مُصحَفٍ منه شَيْءٌ، ويُصْبِحُ الناسُ فُقَراءَ كالبَهائم". ثمَّ قرأ عبد الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٦] (٦٦). وهذان الأثران تضَمَّنا الِإخبارَ عن غيبٍ، لا يقال إلاَّ بتوقيف. فبهذا يظهرُ لكَ معنى قولِ من قال من السَّلَفِ: (القرآنُ كلامُ الله، مُنْزَلٌ غيرُ مَخْلوقٍ، منه بدّأ وإليه يَعودُ). والمَصيرُ إلى هذا التفسير واجِبٌ لدلالةِ ما ذكرنا من الأخبار. وقال شَيْخُ الإِسلام: "فقالوا: (منه بدأ) ردّاً على الجَهْميةِ الذين

стр. 180

يقولون: بدأ من غيرهِ، ومقصودُهُم أنَّه هو المتكلِّمُ به، كما قالَ تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وقالَ تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ...﴾ وأمثال ذلك" (٦٧). قال: "وأمَّا (إليه يَعودُ) فإنه يُسْرى به فى آخِر الزَّمانِ، من المَصاحفِ والصُّدور، فلا يبقى في الصُّدور منه كلمةٌ، ولا في المصاحف منه حرفٌ" (٦٨). قلتُ: والتنصيص على هذه العقيدةِ مأثور عن جَماعةٍ من أئمَّةِ السَّلَف، منهم: ١ - عَمْرو بن دينار (أحد خيار التابعين وثِقاتِهم وأئمَّتِهم). قال: "أدركْتُ أصحابَ النَّبيّ ﷺ (٦٩) فمَنْ دونَهم منذُ سَبعينَ سنةً، يقولونَ: الله الخالقُ، وما سواهُ مَخْلوقٌ، والقُرآنُ كلامُ الله منهُ خرجَ وإليه يعودُ". ٢ - سفيان الثَّوْري (الإِمام العَلَم). قال: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخلوقٍ، منه بَدَأ وإليه يعودُ، مَنْ قال غيرَ هذا فهو كُفْرٌ"

стр. 181

٣ - سفيان بن عُيَيْنَة (إمامٌ حافِظٌ). سأله رجُلٌ: يا أبا محمَّدٍ، ما تقولُ في القرآنِ؟ فقال: "كَلامُ الله، مِنْهُ خَرجَ وإليه يَعودُ". ٤ - أبو بكر بن عيَّاش (إمامٌ محدِّثٌ صاحِبُ سُنَّة). قال: "القرآنُ كلامُ الله، ألقاه إلى جبرائيلَ، وألقاهُ جِبرائيلُ إلى محمَّدٍ ﷺ ، منه بدَأ، وإليه يعودُ" (٧٠). ٥ - الِإمام أحمدُ بن حنبل. قال: "لقيتُ الرِّجالَ، والعُلَماءَ، والفُقَهاءَ، بمكَّةَ، والمَدينةِ، والكُوفةِ، والبَصْرةِ، والشامِ، والثُّغورِ، وخُراسانَ، فرأيتُهم على السُّنَّة والجَماعَة، وسألتُ عنها -يعني هذه اللفظة- الفُقَهاءَ؟ فكلٌّ يقولُ: القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخْلوق، منه بدَأ، وإليه يعودُ" (٧١). وقالَ: "لم يَزَلِ الله عالماً متكلّماً، نعبُدُ الله لصِفاتهِ، غير محدودَةٍ ولا مَعلومةٍ إلَّا بما وصَفَ به نفسه، ونردُّ القرآن إلى عالمهِ ﵎، إلى الله، فهو أعلَمُ به، منه بَدَأ وإليه يَعودُ" (٧٢). ٦ - أبو جعفر أحمد بن سِنان الواسطي (حافِظٌ ثَبْتٌ، من شُيوخِ

стр. 182

البُخاريّ ومُسْلم). قال: "مَن زَعَمَ أنَّ القرآنَ شَيْئَين (٧٣) أو أنَّ القرآنَ حِكايةٌ، فهو والله الذي لا إله إلاَّ هو، زِنديقٌ كافرٌ بالله، هذا القُرْآنُ هو القُرآنُ الذي أنزله الله على لسانِ جبريلَ على محمَّد ﷺ ، لا يغيَّر ولا يُبَدَّل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، كَما قالَ الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِه ...﴾ [الِإسراء:٨٨]، ولو أنَّ رجلاً حلفَ لا يتكلَّمُ اليومَ، ثمَّ قرأ القرآنَ، أو صلَّى وقرأ القرآنَ، أو سلَّمَ في الصَّلاةِ، لم يحنَثْ، لا يُقاسُ بكَلام الله شَيْءٌ، القرآنُ كلامُ الله، منه بَدَأ وإليه يَعودُ، ليس من الله تعالى شَيْءٌ مخلوقٌ، ولا صِفاتُهُ، ولا أسماؤُهُ، ولا عِلْمُهُ" (٧٤). ونقلَ شيخُ الإِسلام اتّفاقَ السَّلَفِ والأئمَّةِ على ذلك في غيرِ موضع من كلامه (٧٥). تنبيه: ويجب أن يُعلَمَ أنَّه ليسَ معنى قولهم (منه خَرَجَ) أنَّ صفةَ الكلام فارَقَتْهُ تعالى، وحلَّتْ في غيرهِ، وأنَّ ما تكلَّم به نُسِبَ إلى غيرِه، وصارَ وصفاً لذلك الغَيْر -كما قد وَسْوَسَ به بعضُ أهل البدَع- فإنَّ هذا المعنى لا يُعقَل في حَقّ الِإنسانِ المَخلوقِ الضَّعيفِ، إذا تكلَّمَ بكلام تزولُ عنهُ صفةُ

стр. 183

الكَلام بذلك وتفارقُه إلى غيرهِ، فإنَّ من كانَ كذلكَ لم يمكِنْه الكلامُ إلاَّ مرّةً واحدةً، فإذا تكلَّمَ هذه المرَّة فارقَتْهُ صفتُهُ, لأنَّ الكلامَ خرَجَ منه وفارقَهُ، وبمفارقته زالتْ عنه الصّفة ولَحِقَتْ غيرَهُ، هذا كلامٌ لا يقوله مَن يَدري ما يقولُ، فإنَّ مَنْ وُصِفَ بالكلام على هذا المعنى موصوفٌ بالعَجْز عنه، وهو غيرُ متصوَّرٍ في حقّ الناطق المَخلوق على ضَعْفه، فكيف تصوَّرَهُ هؤلاء الضُّلاَّلُ في حقّ الله الذي ليسَ كمثلهِ شيءٌ، فإنَّه تعالى وصفَ نفسَه بأنَّه متكلمٌ بكلامٍ متعلقٍ بمَشيئتهِ وقُدْرتهِ، يُسْمِعُه من شاءَ من خلقهِ، متى شاءَ، وأنَّ كلماتِهِ تعالى لا تَنْفَدُ، ومن كان هذا وصْفُهُ لم تفارقْهُ صفَتُهُ بتكلّمهِ مرَّةً أو مرَّاتٍ، وكانَ كلُّ ما تكلَّمَ به منسوباً إليه لا إلى غيرِهِ. قالَ الإِمام الحافظُ أبو الوليد الطَّيالِسيُّ: "القُرْآنُ كلامُ الله ليسَ ببائنٍ من الله" (٧٦). وقال شيخ الإِسلام: "وإنَّ قولَ السَّلَف: (منه بدأ) لم يُريدوا به أنه فارقَ ذاتَهُ، وحَلَّ في غيره، فإنَّ كلامَ المخلوقِ، بل وسائرَ صفاتهِ لا تفارقُه وتَنْتَقِلُ إلى غيرِهِ، فكيفَ يجوزُ أنْ يفارقَ ذاتَ الله كلامُه أو غيرُهُ من صفاتِهِ" (٧٧). قلتُ: قالَ الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] فالَّذي يسمَعُهُ المُشْرك المستجيرُ من القارئ إنَّما هو كلامُ الله المضافُ إليه لا إلى غيرهِ، فلو أن كلامَه بانَ منه

стр. 184

وفارقَه لَما صَحَّتْ إضافَتُهُ إليه إضافةَ الصِّفَةِ إلى الموصوفِ. وهذا الكلامُ بعَيْنِهِ هو الذي في مَصاحفِ المُسلمينَ بلا شَكٍّ ولا ريبٍ، خِلافاً لِلَّفظيةِ من الأشعريةِ وغيرهم القائلينَ بأنَّ ما في المَصاحفِ دلالةٌ على كلام الله، وليسَ هو كلامَ الله، وقد قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فأبان أنَّ كلامَه الذي هو وحيُهُ وتنزيلُهُ يكونُ في الكتاب المكنونِ، فكذلك كونُه في المَصاحفِ، ونحنُ لا نعلَمُ القرآنَ إلاَّ هذا العربيَّ المنزَلَ، وهو الذي سمَّاه الله تعالى كلامَه. وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا تُسافِروا بالقرآن إلى أرْضِ العَدُوّ، فإنِّي أخافُ أن ينالَهُ العدوُّ" (٧٨). ولا خِلافَ في أنَّ النَّهيَ عن السَّفر بالقرآن، إنَّما هو النَّهْيُ عن السَّفَرِ

стр. 185

بالمَصاحفِ, لأنَّ القرآنَ إنَّما يكونُ فيها، وهي التي تُحْمَلُ وتُنْقَلُ، ولا نعلَمُ القرآنَ إلاَّ كلامَ الله المنزَلَ على الحقيقةِ. قال شيخُ الإِسلام: "وممَّا كانَ أحمدُ أنكرَه من قولِ الجهميَّةِ قولُ من زعَمَ أنَّ القرآنَ ليسَ في الصُّدورِ، ولا في المَصاحفِ" (٧٩). قلتُ: وفي الباب الثالث في إبطال اعتقادِ الأشعرية ما يتضمَّنُ إبطالَ قَوْلِ من قال: ليسَ القرآن في المُصْحَف على الحَقيقةِ، وإنَّما فيه الدلالة عليه. والله تعالى أعلم، وما توفيقي إلاَّ به عليه توكَّلت وإليه أنيب.

стр. 186

الباب الثاني: توضيح مسألة اللفظ بالقرآن ورفع ما وقع بسببها من الاشكال وفيه تمهيد وفصلان: = الفصل الأول: تفسير الألفاظ المجملة التي وقع بسببها الاشكال. = الفصل الثانى: مسألة اللفظ وموقف أهل السنة.

стр. 187

تمهيد المُرادُ بمسألةِ اللَّفْظِ بالقُرآنِ هو القولُ بأنَّ (لفظَ القارئ بالقرآنِ، وقِراءَتَه له، وتلاوتَهُ) هل يُقال: (مخلوقٌ، أو مخلوقةٌ) أو لا يقال ذلك؟ وهي من المَسائل التي كان لها صَدًى واسعٌ في صفوفِ المُحدِّثينَ وغيرهم، ممَّا أدّى إلى شقاقٍ وفرقةٍ، أفرحَت الشيطانَ وأولياءَه، وضاقَتْ بسَبَبِها صدورُ أهْل السُّنَّة والجَمَاعَةِ. وكانت هذه المسألةُ حَيْدةً من الجَهمية القائلينَ بخَلْقِ القرآنِ إلى لفظٍ يوهِم موافقَتَهم لأهْل السُّنَّةِ، مع أنَّهم يُريدون مذهَبَهم الباطلَ، فلبَّسوا بهذا على الناسِ، وفتَحوا عليهم باباً جديداً من البدعة، فقالوا: ألفاظُنا بالقرآن مخلوقةٌ. وكانَ مبدأ ظهورِ هذه اللَّفظةِ والقولِ بها في عَهْدِ الإِمام أحمدَ، حين ظَهَرَ الحقُّ الذي أعلاهُ الله بأحمدَ بن حنبل ومن ثَبَتَ معَه من إخوانهِ، وقَوِيَتْ شَوْكةُ أهله، ونصرَهم الله، وخَذَل المبتدعة من الجهمية المعتزلة القائلينَ بخَلْقِ القرآنِ. وكان أوَّلُ من عُرِفَ أنه قالَها الحُسَينَ الكرابيسيَّ.

стр. 188

قال الإِمام إسماعيلُ بن الفَضْل الأصبهانُّي: "وأوَّل من قالَ باللَّفظ، وقال: ألفاظُنا بالقرآن مخلوقةٌ حُسَينٌ الكَرابيسيُّ، فبدَّعَه أحمد بن حنبل، ووافقَه على تبديعهِ علماءُ الأمصار ... " (١). ثم ساقَ أسماءَ جماعةٍ من الأئمَّة والعُلماءِ. ووافقه عبد الله بن سَعيد بن كُلاَّب وداودُ الظاهريُّ. وسبَبُ ذلك ما ابْتُلوا به من علْمِ الكلام المَذمومِ، فَوافقوا الجَهمية في حقيقةِ قولهم. ولمَّا كان الإِمام أحمدُ قَدْ خَبِرَ باطلَ القوم، وعَرَف مَداخِلَه، لم يتردَّدْ في تَضْليلِهم، وتَبْديعِهم وتَجْهيمِهم، ونقَلَ عنه الثّقاتُ من أصحابهِ من ذلك ما فيه الكفايةُ والمَقْنَع لمَن نوَّرَ الله قلبَه بنورِ الهداية، وجنَّبه سُبُلَ الغِوايةِ. فجاءَ من بَعْدِهِ أقوامٌ غَلِطوا في مَعرفةِ حَقيقةِ قَولهِ، وذلكَ إمَّا لخَفاءِ نُصوصِهِ الصَّريحةِ عنهم وإمَّا لهَوًى وبدعةٍ فيهم، وإنْ وقع انتسابُ الكثير منهم للعلْمِ والسُّنَّةِ. فرأيتُ من الضِّرورةِ -وقَدْ خُضْتُ غِمارَ هذا الموضوع- أن أوضِّحَ -بما يَسَّر الله تعالى- ما وقعَ من اللَّبْس في هذه القضيةِ، ولولا ما وقعَ بسَبَبِها من النبلاء لكانَ في تركِ الكلام فيها غُنْيَةٌ. والله المُستعان، ولا حَوْل ولا قوَّة إلاَّ به. • • • • •

стр. 189

الفصل الأول: تفسير الألفاظ المجملة التي وقع بسببها الاشكال وفية مبحثان: = المبحث الأول: بيان هل اللفظ هو الملفوظ؟ أم غيره؟ = المبحث الثاني: تبيين المراد بقوله تعالى: إنه لقول رسول كريم.

стр. 190

المبحث الأول: بيان هل اللفظ هو الملفوظ؟ أم غيره ؟ وقوعُ الإِجْمالِ في إطلاق القَوْلِ: اللَّفْظ هو المَلفوظُ، أو غيرُهُ، وكذلك: القراءةُ هي المقروءُ أو غيرُهُ، وكذلك: التّلاوةُ هي المتلوُّ، أو غيره، أعظمُ مَوارد اللّبس في هذه القضيّة. وبيانُ ذلك كما يأتي: (اللَّفظ، القِراءة، التِّلاوة) ألفاظٌ تُطلَقُ على المَصْدَر الذي هو فِعْلُ اللاَّفظ، والقارئ، والتالى، وكَسْبُهُ الذي يكونُ بآلاتهِ وجوارحهِ، ومنه صَوْتُه وحَركةُ شَفَتَيْهِ. وتُطْلَقُ على المَفْعول، الًذي وقعَ عليه فعل القارىءِ، وهو المَلفوظ، المقروءُ، المتلوُّ. والأغلبُ استعمالُها في المَصادرِ في لُغَةِ العَرَبِ، لكنَّهم يستعملونَ المصدرَ بمعنى المَفْعولِ. قال إمامُ العربية سِيبَوَيْه ﵀: "وقد يجيء المصدرُ على المفعول، وذلك قولُكَ: (لَبَنٌ حَلَبٌ) إنَّما تريدُ: مَحلوب، وكقولهم:

стр. 191

(الخَلْق) إنَّما يُريدونَ: المَخلوق، ويقولونَ للدِّرْهم: (ضَرْبُ الأمير) وإنَّما يريدون: مضروب الأمير". قال: "وربَّما وقع على الجَميع" (٢). قلتُ: ومثالُه قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦] فالخَلْقُ هُنا المَصْدر، وهو فعلهُ تعالى، وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، فالخَلْق هنا المخلوقُ، الذي هو مفعولُ الربّ تعالى. قال ابنُ قُتَيْبَةَ ﵀: "القراءةُ قد تكون قرآناً, لأنَّّ السَّامعَ يسمَعُ القراءةَ، وسامعُ القراءةِ سامعُ القرآنِ، وقال الله : ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦]. قال: "والعربُ تُسمّي القراءةَ قرآناً، قال الشاعرُ في عثمانَ بن عفَّان ﵁: ضَحّوا بأشْمَطَ عنوانُ السُّجودِ به ... يُقَطِّعُ الليل تَسْبيحًا وقرآناً أي: تسبيحًا وقراءةً. وقالَ أبو عُبيد: يقالُ قَرأتُ قِراءة، وقُرآناً، بمعنى واحدٍ. فجعَلَها مَصْدَريْن لقرأتُ. وقال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: قراءة الفَجْر" (٣).

стр. 192

وفي هذا جميعاً كانت القراءة هي المقروءَ. وكذلك فإن القراءةَ عَمَلٌ، يُثابُ عليها فاعلُها، وكذا يقَعُ المَدْحُ لِقراءة قارىءٍ, والذَّمُّ لِقراءةِ آخر، والمُفاضَلةُ بين قِراءةِ قارىءٍ وآخر، وفي هذا كانت القراءةُ فعلَ القارىء. فلمَّا كانت هذه الألفاظُ تأتي بالمَعْنيين، بمعنى فِعْلِ اللاَّفظ، والقارىء والتالي، وما وقَعَ عليه فعلُهُ، وهو الملفوظُ المقروءُ المتلوّ، منعَ الإِمامُ أحمدُ وغيرُهُ من أئمَّة السُّنَّة من إطلاقِ كِلَا اللَّفْظين في كَلامِ الله تعالى -كما سيأتي- فلا يقالُ: اللَّفْظ هو المَلفوظُ، ولا يقال: غيره، وكذلك القراءةُ والتّلاوةُ، لمِا في الإطلاقِ من إيهامِ مَعانٍ فاسِدةٍ. فلو أطْلِقَ القولُ: (لَفْظي بالقرآن مخلوقٌ) دخَلَ في الإِطلاق فعلُ اللافظ، وحركتُهُ، وصوتُهُ، وهو حَقٌّ، ودخلَ الملفوظُ الذي هو كلامُ الله المؤلّفُ من الحُروفِ المَنطوقة المَسْموعةِ المَفْهومةِ، وهو باطلٌ. وهذا هو مُرادُ من أطلقَ ذلكَ, لأنَّ أوَّلَ من أطلقه الجَهْمِيَّةُ القائلون بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ (٤). وإنْ أطْلَقَ القولُ: (لَفْظي بالقرآن غيرُ مخلوقٍ) دخَلَ في الإِطلاق أيضاً فعلُ اللافظ، وهو باطلٌ، فإنَّ أفعالَ العباد جَميعاً مخلوقةٌ لله تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ودخلَ الملفوظُ الذي هو كلامُ الله، وهو حَقٌّ، فإنَّ كلامَ الله تعالى غيرُ مخلوقٍ، حُروفَه ومعانِيَهُ.

стр. 193

قال شيخُ الإِسلام: "واللَّفظُ في الأصْلِ: مصدرُ (لَفَظ، يَلْفِظ، لفظاً) وكذلك: التلاوةُ، والقراءةُ، لكنْ شاعَ استعمالُ ذلك في نفسِ الكلام المَلفوظ المقروء المتلوّ، وهو المُراد باللفظ في إطلاقهم، فإذا قيلَ: (لفظي، أو: اللفظ بالقرآن مخلوق) أشْعرَ أنَّ هذا القرآنَ الذي يقرؤُهُ ويَلْفِظُ به مخلوقٌ، وإذا قيل: (لفظي غيرُ مَخلوق) أشْعر أنَّ شيئاً ممَّا يُضافُ إليه غيرُ مخلوقٍ، وصوتُهُ وحركَتُهُ مخلوقانِ، لكنَّ كلامَ الله الذي يقرؤه غيرُ مخلوقٍ، والتلاوةُ قد يُرادُ بها نفسُ الكلام الذي يُتلى، وقد يُرادُ بها نفسُ حركَةِ العبدِ، وقَدْ يُرادُ بها مَجموعُهما، فإذا أريدَ بها الكلامُ نفسُه الذي يُتلى فالتلاوةُ هي المتلوُّ، وإذا أريدَ بها حركةُ العَبْدِ فالتلاوةُ ليسَتْ هي المتلوَّ، وإذا أريدَ بها المجموعُ فهي متناولةٌ للفعلِ والكلامِ، فلا يُطلَق عليها أنها المتلوُّ، ولا أنَّها غيرُهُ" (٥). قلتُ: ولِذا قالَ الِإمام أحمدُ ﵀: "مَن قالَ: لَفْظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جَهْمِيٌّ، ومَن قالَ: غيرُ مخلوقٍ، فهو مُبْتَدِعٌ، لا يُكلَّم" (٦). وقال عبد الله ابنُه: وكانَ أبي ﵀ يكرَهُ أنْ يُتَكَلَّمَ في اللَّفْظِ بشَيْءٍ، أو يُقالَ: مخلوقٌ، أو غيرُ مَخلوقٍ (٧).

стр. 194

وسيأتي شرح قولِ الطائفتين: النافيةِ، والمثبتةِ. المقصودُ هنا بيانُ عدَمِ صحَّةِ إطلاقِ القولِ بخَلْق اللَّفظِ وعدَمهِ في كلام الله تعالى.

стр. 195

المبحث الثاني: تبيين المراد بقوله تعالى ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ قول الله تعالى هذا جاءَ في موْضِعَيْن من كتابه: الموضع الأوَّل: في سورة الحاقَّة [آية: ٤٠]. والموضع الثاني: في سورة التكوير [آية: ١٩]. والمُرادُ بالرَّسولِ في آية الحاقَّة نبيّنا ﷺ ، وفي آيةِ التَّكوير جِبريلُ ﵇، فأحدهُما الرَّسول البَشريُّ، والآخَرُ الرَّسولُ المَلَكيُّ. قالَ تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وقال سبحانه: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] وأمَّا الدليلُ على تَعيين المرادِ في الموضعِ الأولِ أنَّه محمَّد ﷺ فمِنْ وجُوهٍ دلَّ عليها سياق الآياتِ. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)

стр. 196

فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الآيات [الحاقة:٤٠: ٤٨]. فالوجه الأوَّل: دلَّ السّياقُ على أنَّ المرادَ تنزيهُ كونِ هذا القول الذي هو القرآنُ قولَ شاعرٍ أو كاهنٍ. والذي وصفَه الكفَّارُ بالشّعر والكَهَانَةِ هو رَسولُ الله ﷺ ، كمَا قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥] وكما قالَ تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] فأبطَلَ الله تعالى وصفَهم إيَّاه بذلكَ بإثباتِ أنَّه قولُ رسولٍ كريم، اجتمعَتْ فيه مَعاني الكرَم، والتي منها طَهارتهُ ونزاهَتهُ وصِدْقهُ وأمانَتهُ، التي تمنَعهُ من التَّقوُّل والافتراءِ، والشِّعرِ والكَهانة، إذ أنَّها جَميعًا مَعاني باطلةٌ لا تَليقُ بمَقامهِ، لأنَّه الكريمُ في خُلُقِهِ وطَبْعهِ وأصْلِهِ. والوجه الثاني: قوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أضْمَرَ الفاعلَ للعلمِ به، وهو المذكورآنفًا بوصْفِهِ الرَّسول الكَريم، وهذا ظاهرٌ، فلو لم يكن محمَّداً ﷺ فمَنْ يكونُ إذًا؟ أجاب عن هذا بعضُ المُبتدعةِ فقالَ: هو جبريلُ ﵇، بقرينة آية التكوير. قلنا: يردُّهُ ظاهرُ الخِطابِ، قالَ تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ وهذا خِطابٌ لقُريشٍ، فلو كانَ جبريلُ ﵇ هو المفترَض تقوُّلُهُ، فلا مَعنى إذًا لتَحدِّي قُرْيشٍ بقولِهِ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ لأنَّ حِمَايَتَهُمْ وَحِفْظَهُمْ لجبريلَ غيرُ مقدورٍ لهم، فلا فائدةَ

стр. 197

من تحدِّيهم فيهِ. والوجه الثالث: أنَّ هذا قولُ عامَّة المفسِّرينَ، إلاَّ مَنْ شَذَّ لبدعةٍ أو عدَم أمانةٍ، كالكلبيّ ومُقاتلٍ (٨). والدَّليلُ على تَعيين المُرادِ في المَوضِع الثاني، وأنَّه جبريلُ ﵇، فمِنْ وُجوهٍ أيضًا: الأول: وصفُه بقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ كقولِهِ في النجم: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ ومعلومٌ هناك أنَّه جبريلُ. والثاني: قولُهُ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ الهاء في قوله: ﴿رَآهُ﴾ عَائدةٌ على الرَّسولِ الكَريمِ، والذَي رآه صَاحبُنا محمَّدٌ ﷺ بالأفُق المُبين إنَّما هو جبريلُ ﵇ كما صرَّحَ به الخبرُ عن النبيِّ ﷺ ، وقَدْ سُقناهُ في الباب الأول (٩). والثالث: قولُهُ: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ رَدٌّ على الكفَّارِ القائلينَ: إنَّما يأتي محمَّدًا شيطانٌ يعلِّمُهُ، وهو نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]، وكانَ هذا بعدَ قولهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ

стр. 198

رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، وهذا ظاهرٌ في كونهِ جبريلَ ﵇. والرابع: اتّفاقُ المفسّرينَ على أنَّه جبريلُ. فهذه الوجوهُ التى سُقْتُها كافيةٌ للدَّلالةِ على تَعيين المُرادِ بالرَّسولِ في كِلا المَوْضعَيْن لمَنْ هَداهُ الله تعالى وبصَّرَهُ، مَعَ أنّي أرى الفرقَ بينهما ظاهرًا بأدنى تأمُّلٍ. • معنى إضافة القول إلى جبريل ومحمد عليها الصلاة والسلام: المُرادُ بالقوْلِ ظاهِرٌ في أنَّه القرآنُ المُنْزَلُ بهذا اللّسان العَربيّ المُبين، الذي هو تنزيلُ ربّ العالَمينَ، وإضافَتهُ إلى الرَّسولَيْنِ لأجْلِ أنَّ كُلاًّ منهما بَلَّغَهُ وأدَّاهُ، فهو قولهُ من هذهِ الجهَة، وليسَ قولَهُ بمعنى أنَّه أنَشأه وابتدَأهُ لامتناع ذلك، إذ أنَّه لو كانَ من إنشاءِ أحدِهما ونظْمهِ لمَا صحَّت إضافَتهُ إلى أحدِهما دونَ الآخر، لأنَّ كُلاًّ منهما يكونُ قَدْ أنشأه وقالَه، وهو باطلٌ. وهو كلامُ الله بألفاظهِ ومَعانيه جَميعًا، ألقاهُ إلى جبريلَ ﵇، فبلَّغَهُ جبريلُ إلى محمَّد ﷺ ، فبلَّغهُ محمَّد ﷺ إلى أمَّتهِ، وليس لجبريلَ ﵇ ولا لمُحمَّد ﷺ إلاَّ التبليغُ والأداءُ. والدليل عليه من وُجوهٍ: الأوَّل: أنَّه قال: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ ولم يَقُلْ: لَقْولُ مَلَكٍ، أو: نَبِيّ،

стр. 199

والرسولُ يقتَضي مُرْسِلاً وَمُرْسَلاً به، والمُرْسِل هو الله تعالى، والمرسَلُ به كلامُه ووحيُهُ، لا معنى للرسالةِ إلاَّ هذا. قالَ ابن قُتيبة ﵀: "لم يُرِد أنَّه قولُ الرَّسولِ، وإنَّما أرادَ أنَّه قولُ رَسولٍ عن الله جَلَّ وَعَزَّ، وفي الرَّسولِ ما دلَّ على ذلك، فاكتفى به من أن يقولَ: عن الله" (١٠). والثاني: أنَّه لَوْ كان الرَّسولُ قدْ أنشَأهُ لمَا كانَ أميناً على رِسالتهِ، لأنَّ المُرسِلَ ائتمَنَه على تبليغ كلامهِ على وَجْهِهِ بألفاظِهِ وَمَعانيه -لأنَّ الكلامَ لا يكونُ إلاَّ كذلكَ كما سبقَ تقريرُه في الباب الأوَّل- فأنشَأ له الرَّسول نَظْماً آخرَ، وهذا خِيانةٌ للأمانَةِ. والثالث: أنَّه لو كانَ من إنشاءِ أحَدِ الرَّسولين لامتنعَ أن يكونَ من إنشاءِ الآخر -كما سَبَق قريبًا- والرابع: أنَّ الله تعالى قالَ عقبَ إضافةِ القَوْلِ إلى الرَّسولِ الكَريم في سورة الحاقَّة، وبعدَ أنْ نزَّهَه أن يكونَ قولَ شاعرٍ أوكاهنٍ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فجَعلَ ابتداءَهُ منه لا مِنْ محمَّدٍ ﷺ , ولا من جبريلَ ﵇، يُجَلّيه ويوضِّحُهُ قولُهُ فى الشعراء: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ فَبيَّن أنَّ المنزَلَ بلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ -واللّسانُ: اللُّغة- هَو الذي نزلَ به الرُّوحُ الأمينُ جبريلُ من عندِ رَبِّ العالَمين تعالى، فبانَ بهذا أنَّه قولُه تعالى وكلامُهُ ووحيُهُ.

стр. 200

والخامس: أنَّه تعالى توعَّدَ بسَقَرَ مَن زَعَمَ أنّه قولُ البَشَر، كما قالَ عن الوَحيد: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر ١٨ - ٢٦]. ولا يَخفى أنَّه لا فَرْقَ بين أنْ يُدَّعى أنَّه قولُ البَشَر، أو أنَّهُ قَوْلُ مَلَكٍ، أو جِنّيٌّ. والسادس: أنَّ الله تعالى خاطَبَ به العرَبَ بلسانِهم، وتحَدَّاهم أن يَأتوا بمثلهِ، أو بمِثْلِ عَشْر سُوَرٍ مثله، بل تَحَدَّاهم أن يأتوا بسوةٍ مثلهِ، كما قال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقَالَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ - ١٤] وقال ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]، ولم يكن ليتحدَّاهُم بغير مَقْدورٍ لهُمْ، فلمَّا أعجَزَهم الإِتيانُ بمثلهِ أو بِشَيْءٍ مِنْ مثلهِ دلَّ على أنَّه ليسَ ككلاَم البشَر، ولا ككلام الجِنِّ، وإنَّما هوَ كلامُ ربّ الإِنسِ والجنِّ. واستقصاءُ الوجوهِ لِما ذكَرْنا يَطولُ، وفيما ذكرنا كفايةُ لمن استهدى. وقد سَبَقَ تقريرُ العقيدةِ السَّلَفية في أنَّ القرآنَ العربىَّ وغيرَه من كَلام الله، منَ الله بدأ وإليه يعودُ، وذكرتُ لذلكَ من الأدلَّة ما فيه الكفايةُ، وإنَّما

стр. 201

المقصودُ هُنا إزالة الاشتباهِ الذي أورَدَهُ بعضُ أهل البدعِ حولَ إضافةِ القَوْلِ إلى الرَّسولِ في سورتي الحاقَّة والتكوير، وأنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى ألفاظَه ومَعانِيَه، غيرُ مَخلوقٍ بألفاظهِ -التي هي حروفه العربية المنظومةُ- ومَعانيهِ.

стр. 202

الفصل الثاني: مسألة اللفظ وموقف أهل السنة وفيه خمسة مباحث: = المبحث الأول: جملة اختلاف الناس في مسألة اللفظ. = المبحث الثاني: اللفظية النافية جهمية. = المبحث الثالث: إقامة الحجة على بطلان اعتقاد اللفظية النافية. = المبحث الرابع: بيان غلط اللفظية النافية على الامامين أحمد والبخاري. = المبحث الخامس: اللفظية المثبتة مبتدعة.

стр. 203

المبحث الأول: جملة اختلاف الناس في مسألة اللفظ حينَ ابتدَعَ الجَهْمِيَّةُ -قاتَلَهم الله- القَوْلَ بأنَّ ألفاظَ العباد بالقرآن مخلوقةٌ، أوقَعَ ذلك لَبْساً، جَرَّ بعض المُنْتسبينَ إلى السُّنُّةِ والحديث إلى الوقوع في بعضِ المَحاذير، بل جَرَّ آخرينَ إلى مُوافَقَةِ الجَهميةِ في حقيقةِ قولهم ومُرادِهم، وكانَت مسألةُ اللَّفظ سِتراً يَسْتَتِرُ به المنافقونَ من الجَهْمِيَّة، لِما يَخْشَوْنَ من فضيحَةِ أهْلِ الْحَقِّ لهم حينَ يصرّحون باعتقادِهم, فيقولونَ: القرآنُ مخلوقٌ. وكان الناسُ قد افترقوا حينَ ظَهَرَتْ هذه البدعةُ إلى أرْبَعِ فِرَقٍ: الأولى: الجهميّةِ القائلينَ بخَلْقِ القرآنِ، تستّروا بالقولِ: ألفاظُنا بالقرآنِ مخلوقةٌ، ومُرادهم: أنَّ كلامَ الله مخلوقٌ اعتقادَ أسْلافهم. والثانية: طائفةٍ شابَهَتِ الجَهْمِيَّةَ في بعضِ قولِهم، وهم الكُلاّبيَّة -أتباعُ عبد الله بن كُلاّب- فأطلَقوا القولَ كالجَهْميَّة: ألفاظُنا بالقرآنِ مخلوقةٌ، ومُرادُّهم: أنَّ القرآنَ العربيّ الذي نزلَ بهِ جبريلُ، الذي هو الألفاظُ المؤلَّفةُ من الحُروفِ كالألفِ والباءِ والتَّاءِ مخلوقٌ، وأنَّ الله تعالى لمْ يتكلَّم بالحُروفِ، إنَّما كلامُه معنى مُجَرَّدٌ عن الألفاظِ وهذا قديمٌ غيرُ

стр. 204

مخلوقٍ، وهؤلاءِ هم المُسَمَّونَ بـ "اللفظيةِ النافية". والثالثة: طائفةٍ من أهْلِ الحديثِ، كأبي حاتِمٍ الرَّازي الحافِظِ، وأبي سَعيد الأشَجَّ (١١)، وغَيْرِهما، لمَّا رَأوْا تَضَمُّنَ قَوْلِ الجَهْميةِ والكُلاّبيَّةِ معنًى باطلًا، أرادوا الردَّ عليهم، فأطلقوا القولَ بضِدَّ مَقالَتِهم، فقالوا. ألفاظُنا بالقرآنِ غيرُ مخلوقةٍ. ومرادُهم: أنَّ الألفاظَ المؤلَّفةَ من الحُروف، والتي هي القرآنُ العربيُّ الذي نزَلَ به جبريلُ ﵇ من ربّ العالَمين غيرُ مَخلوقةٍ، لكن لمّا كان إطلاقُهم مُوهِماَّ إدخالَ فِعْل العَبْد فيهِ والذي بيّناه فيما مضى، وقعَ المَحذورُ، فتَبعَتْهُم طائفةٌ على مقالَتهم وأدخلوا في إطلاقها صَوْتَ العَبْدِ بالقرآن وفعلَهُ، وربَّما توقَّفَ بعضُهم في ذلك، ولهؤلاء هم المُسَمَّون بـ (اللفظية المُثْبِتَة). والرابعة: طاثفةِ الأئمَةِ الرباّنيين من أهل السُّنَّة والاتّباع -كالإِمامين أحمدَ والبُخاريّ وأتباعِهما- مَنَعوا إطلاقَ القَوْلَيْن السَّابِقَيْن: اللَّفظُ بالقرآنِ مخلوقٌ، وغيرُ مخلوقٍ، وقالوا: القرآنُ كلامُ الله ووحْيُهُ وتنزيلُهُ، بألفاظهِ ومَعانيهِ، ليس هو كلامُه بألفاظهِ دونَ مَعانِيهِ، ولا بِمَعانيهِ دونَ ألفاظهِ، وأفعالُ العباد وأصواتُهم مخلوقةٌ، والعبدُ يقرأ القرآنَ، فالصَّوتُ صَوتُ القارىء, والكلامُ كلامُ الباري. هذه جملةُ مذاهب الناس حينَ ظهَرت بدعةُ اللَّفْظ.

стр. 205

المبحث الثاني: اللفظية النافية جهمية اللَّفظيةُ النافيةُ -كما سبَقَ قريبًا- هم القائلونَ: (ألفاظُنا بالقُرآن مخلوقةٌ) ويريدونَ: أنَّ القرآنَ العربيَّ مخلوقٌ، وأنَّ جبريلَ إنَّما نزلَ بقرآن مخلوقٍ. وهذا القولُ في الحَقيقةِ هو قَوْلُ الجَهْميَّة الذين أطلَقوا أنَّ القرآنَ مَخلوقٌ، فإنَّ القرآنَ لا يُعْرَفُ إلَّا أنَّهُ اسْمَ للنَّظْمِ العَرَبيّ، والجَهْمِيَّةُ أطلَقَتِ القولَ بخَلْقهِ، وهؤلاءِ وافَقوهُم في كَوْنِ القرآنِ العَرَبيّ مَخْلوقَ النَّظْم، لأنَّهُ مؤلَّفٌ من الحُروفِ، وما تألَّفَ منَ الحروفِ فهو مَخْلوقٌ, لأنَّ الحُروفَ مخلوقةٌ، والله لَمْ يتكلَّم بها، إلاَّ أنَّهم خالفوهم خِلافًا لَفظيًّا في الحَقيقةِ، وذلكَ أنَّهُم ادَّعَوْا لله تعالى صفةَ الكلام، لكنَّهم قالوا: هو مَعنى أو مَعاني مجرّدةٌ، ليسَتْ بحُروفٍ ولا أصواتٍ، وهذا القولُ من أفسَدِ المَقالاتِ، وسيأتي نقضُه عليهم في الباب الثالث في الردّ على الأشعرية. وإنَّما وَصَفْتُهُ بكونهِ (لفظيًّا) لأن القائلينَ به لم يُثْبتوا في الحقيقةِ لله تعالى صفةَ الكَلام، وإنَّما افترَوا صِفةً لا حَقيقةَ لها، فنَسَبوها للربِّ تعالى، سَمَّوْها صفةَ الكَلامِ، وأبطَلوا ما هو معلومٌ ضَرورةً في تفسيرِ الكلام.

стр. 206

فلذا صَحَّ وصفُهُم بالجَهْمِيَّة. وقَدْ قَالَ الإِمام أحمدُ ﵀ -فيما رواه ابنه صالحٌ عنه-: "افترقَت الجَهْمِيَّةُ على ثَلاثِ (١٢) فِرَقٍ: فِرْقَةٍ قالوا: القرآنُ مَخلوقٌ، وفرقةٍ قالوا: كلامُ الله وتسْكُتُ، وفرقةٍ قالوا: لفظُنا بالقرآنِ مَخلوقٌ، قالَ الله في كتابهِ: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فجبريلُ سَمِعَه من الله، وسَمِعَه النبيُّ ﷺ من جبريلَ ﵇، وسمِعَهُ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ من النَّبِيِّ, فالقُرآنُ كَلامُ الله غيرُ مخلوقٍ" (١٣). والنُّصوصُ عن الإِمام أحمدَ في تبديعِهم، بلْ وبعضُها في تكفيرهم، متواتِرةٌ، أسوقُ منها بعضَ ما فَتح الله تعالى بهِ، وثَبَتَ إسنادُهُ. وهو مَرويٌّ عنه من وجوهٍ: ١ - عبد الله ابنه عنه. قال: سألت أبي ﵀، قلتُ: ما تَقولُ في رجُلٍ قال: التَّلاوةُ مَخلوقةٌ، وألفاظُنا بالقرآن مَخلوقةٌ، والقُرآنُ كلامُ الله وليس بمَخلوقٍ؟ وما تَرى في مُجانَبتهِ؟ وهل يُسمَّى مُبْتدِعًا؟ فقال: "هذا يُجانَبُ، وهو قولُ المُبتَدِع، وهذا كلامُ الجَهْمية، ليسَ القرآنُ بمخلوقٍ، قالتْ عائشةُ ﵂: تَلا رسولُ الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١٤) [آل عمران: ٧] فالقرآن ليسَ

стр. 207

بمَخْلوقٍ" (١٥). وقال عبد الله: سَألتُ أبي ﵀، قلتُ: إنَّ قومًا يقولونَ: لفظُنا بالقرآن مخلوقٌ؟ فقال: "هم جَهْميَّةٌ، وهم أشَرُّ ممَّنْ يَقِفُ (١٦)، هذا قولُ جَهْمٍ". وعَظّمَ الأمرَ عنده في هذا، وقال: "هذا كَلَامُ جهْمٍ" (١٧). وقال عبد الله: سمعت أبي ﵀ يقولُ: "كلُّ مَن يقصِدُ إلى القرآن بلفظٍ، أو غيرِ ذلكَ، يريدُ بهِ مخلوق، فهو جَهميُّ" (١٨). قلتُ: وأرادَ بقوله: "يريدُ به ... " إلخ، الاحتراز عن قول من قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، وأراد فعلَ العبدِ القائمَ به الذي هو حركتُهُ وصوتُهُ، لا كلامَ الله تعالى المسْطورَ المكتوبَ الملفوظَ، فإنَّ من قالَ ذلك على هذا النحو فقوله حقٌ على هذا المعنى، لكنَّ إطلاقَهُ غيرُ جائزٍ لما يوقِعُ فيه من المَحْذورِ.

стр. 208

وقالَ عبد الله: سمعتُ أبي يقولُ: "مَنْ قال: لَفْظي بالقرآنِ مخلوقٌ، هذا كلامُ سُوءٍ رديءٌ، وهو كلامُ الجَهمية". قلت له: إنَّ الكَرابيسيَّ يقولُ هذا، فقالَ: "كذَبَ، هَتَكَهُ الله، الخَبيثُ". وقال: "قد خَلَفَ هذا بِشْرًا المَرِيسيَّ" (١٩). قلتُ: والكَرابيسي هو الحُسَين، من أسلاف الأشعريَّةِ والماتُريديَّة في مسألةِ اللَّفظِ، فإنَّ مقالَتَهم نَفْسُ مقالَتِهِ معَ زيادةٍ عليه، وهو أحسن حالًا منهم بكَثيرٍ. وهذا الذي ذكرتُ بعضُ ما نَقَلَ عبدُ الله عن أبيه. ٢ - صالح ابنه عنه. قال: قلتُ لأبي: مَن قالَ: لفظي بالقرآنِ مخلوقٌ يُكَلَّمُ؟ قال: "هذا لا يُكلَّمُ، ولا يصلَّى خَلْفَه، وإنْ صلَّى رجُلٌ أعادَ" (٢٠). وسَبَقَ قبلَ قليلٍ نقلُهُ عن أبيه قولَه في افتراقِ الجَهْمية إلى ثلاثِ فِرَقٍ، منها اللفظيَّة. ٣ - يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ عنه. قال لَه أحمد: "إنَّ اللَّفْظيَّةَ إنَّما يدورونَ على كلام جَهْمٍ، يزعُمونَ أنَّ جبريلَ إنَّما جاءَ بشيءٍ مخلوقٍ" يعني: جبريل، مخَلوقٌ جاء به إلى

стр. 209

محمدٍ ﷺ (٢١). وقال صالحُ بن أحمدَ: سألَ يعقوبُ بن إبراهيمَ الدورقيُّ أبي عمَّنْ قال: لفظُهُ بالقرآنِ مخلوقٌ، كيفَ يقولُ في هؤلاءِ؟ قال: "لا يُكَلَّمُ لهؤلاءِ، ولا يُكلَّمُ في هذا، القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ على كُلِّ جهَةٍ، وعلى كلّ وَجْهٍ، وعلى أيّ حالٍ" (٢٢). ٤ - أحمد بن إبراهيم الدَّورقي عنه. قال: سألتُ أحمدَ بن حنبل، قلتُ: لهؤلاء الذين يقولونَ: إنَّ ألفاظنا بالقرآنِ مخلوقةٌ؟ قال: هُمْ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الجَهْمية، مَن زعَمَ هذا فقَدْ زعَمَ أنَّ جِبريلَ جاءَ بمَخلوقٍ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ تكَلَّمَ بمخلوقٍ" (٢٣). ٥ - أبو داود سُليمان بن الأشعث عنه. قال: سمعتُ أحمدَ يتكلَّمُ في اللَّفْظيَّةِ، ويُنْكِرُ عَلَيْهم كلامَهم (٢٤). وقال: كتبتُ رُقْعَةً, وأرسَلْتُ بها إلى أبي عبد الله -وهو يومئذٍ مُتوارٍ- فأخرجَ إليَّ جَوابَه مكتوبًا فيه: قلتُ: رجلٌ يقولُ: التّلاوةُ مخلوقةٌ، وألفاظُنا بالقرآن مخلوقةٌ، والقرآنُ ليسَ بمخلوقٍ، وما تَرى في مُجانبتهِ؟ وهل يُسمَّى مبتدِعًا؟ وعلى ما يكون عَقْدُ القلبِ في التّلاوةِ والألفاظِ؟ وكيفَ الجوابُ فيه؟

стр. 210

قال: "هذا يُجانَبُ، وهو فَوْقَ المُبْتَدعِ، وما أراهُ إلَّا جَهْمِيًّا، وهذا كلامُ الجَهْمية، القرآن ليسَ بمخلوقٍ، قالتْ عائشةُ ﵂: قالَ رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ...﴾ الآية، قالتْ: فقال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتمُ الذين يتّبعون ما تَشابَهَ منه فَاحْذَروهم، فإنَّهم هم الذينَ عنى الله" (٢٥). فالقرآن ليسَ بمخلوقٍ" (٢٦). ٦ - إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النَّيْسابوريّ عنه. قال: سمعتُ أبا عبد الله -يعني أحمد- يقول: "مَن زعَمَ أنَّ لَفظي بالقرآنِ مخلوقٌ فهو جَهْميٌّ". وقال: "أرأيتَ جبريلَ ﵇ حيث جاءَ إلى النَّبِيّ ﷺ فَتَلا عليهِ، تلاوةُ جبريلَ للنبيّ ﷺ أكانَ مخلوقاً؟ ما هو مَخْلوق" (٢٧). وقال: وسألتُهُ عن الذي يقول: لَفْظي بالقرآن مخلوق؟ قال: "هذا كلامُ جَهْمٍ، مَنْ كانَ يُخاصِمُ منهم فلا يُجالَسُ، ولا يُكلَّمُ، والجَهْمىَ كافرٌ" (٢٨). وقال: سُئل -يعني أحمدَ- عمَّنْ يقول: لَفْظي بالقرآنِ مخلوقٌ، أيُصلّى خلفه؟

стр. 211

قال: "لا يُصلّى خلفه، ولا يُجالَسُ، ولا يُكلَّمُ، ولا يُسَلَّمُ عليه" (٢٩). ٧ - أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذيّ عنه. قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمدَ بن حَنْبل يقول: "اللَّفظيَّةُ جَهْمِيةٌ، يقولُ الله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ مِمَّنْ يَسمَع؟ " (٣٠). ٨ - أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زَنْجَوَيْهِ عنه. قال: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول: "مَنْ قالَ: لَفْظي بالقرآنِ مخلوقٌ فهو جَهْميٌّ" (٣١). فهذه بعضُ النُّصوص الصَّحيحةِ الثابتةِ عن الإِمام أحمدَ، وهي عن الأثباتِ من أصحابهِ عنه، دالَّةٌ دلالةً صَريحةً على أنَّ اللفظيةَ جَهْميةٌ، وهم بمنْزلة المُصرِّحينَ بخَلْقِ القرآنِ. وقد حكى الإِمام أبو عثمان الصابونيُّ في "عقيدتهِ" ما حَكاهُ ابنُ جَرير ﵀ عن الإِمام أحمد في تَجْهيم اللفظيةِ، ثمَّ قال: "والَّذي حكاهُ عن أحمَدَ ﵁ وأرضاهُ: أن اللَّفظيَّةَ جَهْميةٌ، فصَحيح عنه، وإنَّما قالَ ذلك لأنَّ جَهْماً وأصحابَه صَرَّحوا بخَلْقِ القرآن،

стр. 212

والذينَ قالوا باللَّفظ تدَرَّجوا به إلى القَوْلِ بخَلْقِ القرآنِ، وخافوا أهلَ السُّنَّةِ في ذلك الزَّمانِ من التَّصْريحِ بخَلْقِ القرآن، فأدْرَجوهُ في هذا القول ذي اللَّبْس، لِئَلَّا يُعَدّوا في زُمْرَةِ جَهِمٍ الذين هم شياطينُ الإِنس يُوحي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُروراً، فذكَروا هذا اللفظَ وأرادوا به أنَّ القرآنَ بلفْظِنا مخلوقٌ، فلذلك سَمَّاهُم أحمدُ ﵀ جَهْميَّةً، وحُكيَ عنه أيضاً أنه قال: اللَّفظيةُ شَرٌّ من الجَهْميةِ" (٣٢). قلتُ: صرّحَتْ نصوصُ الإِمام أحمد السابقةُ بتجهيم اللفظيةِ، لأجْل أنَّهم يعدّون القرآنَ العربيُّ، المَسموعَ المقروءَ المَلفوظَ، المؤلَّفَ من الحُروفِ والكلماتِ، والسُّوِر والآياتِ، مخلوقاً، وقدْ بيَّنَ أحمدُ ﵀ ذلكَ بقولهِ: "يزعُمُون أنَّ جبريلَ، إنَّما جاءَ بشيءٍ مخلوقٍ" وهذا هو الفَصْلُ في مُرادِ أحمدَ بتجهيم اللَّفظيةِ. ولَمْ يُجَهِّم الإِمامُ أحمد مَن أرادَ باللفظ فِعْلَ القارئِ وصوتَه الذي هو مخلوقٌ، ولِذا أبانَ عن ذلكَ بقولِهِ الذي رَواه عنه ابنُه عبد الله: "كلّ مَن يَقْصِدُ إلى القرآن بلفظٍ، أو غيرِ ذلك، يُريد به مخلوق، فهو جَهميّ" وأبيَنُ منه قولُه: "مَن قالَ: لَفْظي بالقرآنِ مخلوق، يريد به القرآنَ، فهو كافرٌ" (٣٣) فاحتَرَز بقوله: "يريدُ به القرآنَ" عن تكفير مَن قال: "لفظي بالقرآن مخلوقٌ" ويُريدُ بهِ حركتَهُ وصوتَه به، لا نفسَ الكلام الملفوظِ المقروءِ، مع أنَّ إطلاقَ هذا اللفظِ فيه إيهامُ القَوْلِ بخَلْقِ الملفوظِ الذي هو كلامُ الله، فوجَب

стр. 213

الكَفُّ عنه كلّيةً لأجلِ ذلك. وقد غَلِطَ أقوامٌ على الإِمام أحمد في هذه المسألة، فقالوا عليه ما لَم يقُلْ، وافتَرَوْا عليه القولَ بخَلْقِ القرآنِ العربيّ المنظومِ من الحروفِ العربية الذي نزلَ به جبريلُ على نبيّنا ﷺ ، وقد خصَّصْتُ مبحثاً في هذا الفصل لتبرئتهِ ممَّا نُسِبَ إليهِ، وإقامَةِ الحُجَجِ القَواطِع من النقولِ الصحيحةِ عنه على بطلانِ هذه النسبة إليهِ. وقَدْ وافقَ الإِمامَ أحمدَ غيرُه من أئمَّةِ السُّنَّة في زمانه وبعدَه، في إنكار بدعةِ اللفظيةِ النافيةِ، فمنهم: ١ - إسحاق بن إبراهيم بن راهُوَيْه الإِمام العَلَم. قال أبو داود السِّجِسْتانيّ: سمعتُ إسحاق بن إبراهيم سُئلَ عن اللفظية؟ فبدَّعَهم (٣٤). ٢ - أبو جعفر أحمد بن صالح المِصْريّ الحافظ. قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن صالح ذكَرَ اللفظيَّةَ فقالَ: "هؤلاء أصحابُ بِدْعَةٍ، ويدخُلُ عليهم أكثرُ من البدعةِ" (٣٥). ٣ - أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزُّهْريّ الفَقيه القاضي. أتاه قومٌ فسألوهُ: إنَّ قِبَلنا ببغدادَ رجُلاً يقولُ: لفْظُهُ بالقرآن مخلوقٌ؟ فقال: "يا أهلَ العراقِ، ما يأتينا منكم هَناه، ما يَنْبَغي أن نتلقى

стр. 214

وجوهَكُم إلاَّ بالسُّيوفِ، هذا كلامٌ نَبَطِىٌّ خَبيثٌ" (٣٦). ٤، ٥ - أبو زُرْعَةَ عُبيد الله بن عبد الكريم، وأبو حاتِم محمد بن إدريس الرازيان إماما الجَرْح والتعديل: قالا: "مَن قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جَهْمي، أو القرآن بلفظي مخلوقٌ، فهو جَهْمي" (٣٧). ٦ - حرب بن إسماعيلَ الكَرْمانيّ (فقيهٌ ثَبْتٌ، من خِيارِ تلاميذ أحمدَ). قال: "إنَّ الحَقَّ والصَّوابَ الواضحَ المستقيمَ الذي أدرَكْنا عليه أهل العلْم أنَّ مَنْ زعَمَ أنَّ ألفاظَنا بالقرآنِ وتلاوَتنا، مخلوقةً، فهو جَهْميٌّ مُبْتدعٌ خَبيثٌ" (٣٨). وساقَ الإِمامُ أبو القاسِم هِبَةُ الله بن الحَسَنِ اللَّالكائيّ أكثَرَ من خمسينَ نَفْساً متقاربي الطبقةِ، فيهم جَمْعٌ من الأئمَّة المُقتدى بهم (٣٩) أنهم

стр. 215

قالوا: من قالَ لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو بمنزلةِ من قالَ: القرآنُ مخلوقٌ، وقالوا: هذه مقالَتُنا، ودينُنا الذي نَدِينُ الله به (٤٠). ثمَّ ساق نصوصَ بعض الأئمَّةِ، ثمَّ قالَ: "فرجَعَ كلامُ لهؤلاءِ الأئمَّةِ ﵃ في أنَّ القرآنَ مَسموعٌ من الله على الحقيقةِ، وحينَ يقرأهُ القارىءُ فلا يكونُ من لفظِ القارىءِ القرآنُ ككَلام الآدَميينَ حينَ يَلْفِظُ بهِ فيكون مخلوقاً، وكلامُ الله لا يَشْبَهُ كلامَهم لأنه غيرُ مخلوقٍ، فكذلك يُخالفُهُ في القِراءةِ" (٤١). قلتُ: وقد رُوي إنكارُ اعتقادِ اللفظية عن إمام السُّنَّةِ محمد بن إدريس الشافعيّ، لكنْ بإسنادٍ فيه نَظَرٌ، ولا أحسَبُ ذلك كان إلاَّ في طبقةِ تلامذتهِ، كالإِمام أحمد وأقرانِهِ من الأئمَّة، فأنكروهُ وشدَّدوا فيه. ولِذا قال الإِمام محمَّد بن جَرير الطبريُّ: "وأمَّا القولُ في ألفاظِ العباد بالقرآنِ، فلا أثرَ نَعْلَمُهُ عن صَحابِيّ مَضى، ولا عَن تابعيّ قَفا، إلاَّ عَمَّن في قولِه الشِّفا والغَناءُ، وفي اتّباعِهِ الرُّشْدُ والهُدى، ومَنْ يقومُ لَدَيْنا مقامَ الأئمَّة الأولى، أبي عبد الله أحمد بن محمَّد بن حَنبل".
следующие страницы →