قال: "لا يُصلّى خلفه، ولا يُجالَسُ، ولا يُكلَّمُ، ولا يُسَلَّمُ عليه" (٢٩).
٧ - أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذيّ عنه.
قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمدَ بن حَنْبل يقول: "اللَّفظيَّةُ جَهْمِيةٌ، يقولُ الله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ مِمَّنْ يَسمَع؟ " (٣٠).
٨ - أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زَنْجَوَيْهِ عنه.
قال: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول: "مَنْ قالَ: لَفْظي بالقرآنِ مخلوقٌ فهو جَهْميٌّ" (٣١).
فهذه بعضُ النُّصوص الصَّحيحةِ الثابتةِ عن الإِمام أحمدَ، وهي عن الأثباتِ من أصحابهِ عنه، دالَّةٌ دلالةً صَريحةً على أنَّ اللفظيةَ جَهْميةٌ، وهم بمنْزلة المُصرِّحينَ بخَلْقِ القرآنِ.
وقد حكى الإِمام أبو عثمان الصابونيُّ في "عقيدتهِ" ما حَكاهُ ابنُ جَرير ﵀ عن الإِمام أحمد في تَجْهيم اللفظيةِ، ثمَّ قال:
"والَّذي حكاهُ عن أحمَدَ ﵁ وأرضاهُ: أن اللَّفظيَّةَ جَهْميةٌ، فصَحيح عنه، وإنَّما قالَ ذلك لأنَّ جَهْماً وأصحابَه صَرَّحوا بخَلْقِ القرآن،
стр. 212
والذينَ قالوا باللَّفظ تدَرَّجوا به إلى القَوْلِ بخَلْقِ القرآنِ، وخافوا أهلَ السُّنَّةِ في ذلك الزَّمانِ من التَّصْريحِ بخَلْقِ القرآن، فأدْرَجوهُ في هذا القول ذي اللَّبْس، لِئَلَّا يُعَدّوا في زُمْرَةِ جَهِمٍ الذين هم شياطينُ الإِنس يُوحي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُروراً، فذكَروا هذا اللفظَ وأرادوا به أنَّ القرآنَ بلفْظِنا مخلوقٌ، فلذلك سَمَّاهُم أحمدُ ﵀ جَهْميَّةً، وحُكيَ عنه أيضاً أنه قال: اللَّفظيةُ شَرٌّ من الجَهْميةِ" (٣٢).
قلتُ: صرّحَتْ نصوصُ الإِمام أحمد السابقةُ بتجهيم اللفظيةِ، لأجْل أنَّهم يعدّون القرآنَ العربيُّ، المَسموعَ المقروءَ المَلفوظَ، المؤلَّفَ من الحُروفِ والكلماتِ، والسُّوِر والآياتِ، مخلوقاً، وقدْ بيَّنَ أحمدُ ﵀ ذلكَ بقولهِ: "يزعُمُون أنَّ جبريلَ، إنَّما جاءَ بشيءٍ مخلوقٍ" وهذا هو الفَصْلُ في مُرادِ أحمدَ بتجهيم اللَّفظيةِ.
ولَمْ يُجَهِّم الإِمامُ أحمد مَن أرادَ باللفظ فِعْلَ القارئِ وصوتَه الذي هو مخلوقٌ، ولِذا أبانَ عن ذلكَ بقولِهِ الذي رَواه عنه ابنُه عبد الله: "كلّ مَن يَقْصِدُ إلى القرآن بلفظٍ، أو غيرِ ذلك، يُريد به مخلوق، فهو جَهميّ" وأبيَنُ منه قولُه: "مَن قالَ: لَفْظي بالقرآنِ مخلوق، يريد به القرآنَ، فهو كافرٌ" (٣٣) فاحتَرَز بقوله: "يريدُ به القرآنَ" عن تكفير مَن قال: "لفظي بالقرآن مخلوقٌ"
ويُريدُ بهِ حركتَهُ وصوتَه به، لا نفسَ الكلام الملفوظِ المقروءِ، مع أنَّ إطلاقَ هذا اللفظِ فيه إيهامُ القَوْلِ بخَلْقِ الملفوظِ الذي هو كلامُ الله، فوجَب
стр. 213
الكَفُّ عنه كلّيةً لأجلِ ذلك.
وقد غَلِطَ أقوامٌ على الإِمام أحمد في هذه المسألة، فقالوا عليه ما لَم يقُلْ، وافتَرَوْا عليه القولَ بخَلْقِ القرآنِ العربيّ المنظومِ من الحروفِ العربية الذي نزلَ به جبريلُ على نبيّنا ﷺ ، وقد خصَّصْتُ مبحثاً في هذا الفصل لتبرئتهِ ممَّا نُسِبَ إليهِ، وإقامَةِ الحُجَجِ القَواطِع من النقولِ الصحيحةِ عنه على بطلانِ هذه النسبة إليهِ.
وقَدْ وافقَ الإِمامَ أحمدَ غيرُه من أئمَّةِ السُّنَّة في زمانه وبعدَه، في إنكار بدعةِ اللفظيةِ النافيةِ، فمنهم:
١ - إسحاق بن إبراهيم بن راهُوَيْه الإِمام العَلَم.
قال أبو داود السِّجِسْتانيّ: سمعتُ إسحاق بن إبراهيم سُئلَ عن اللفظية؟ فبدَّعَهم (٣٤).
٢ - أبو جعفر أحمد بن صالح المِصْريّ الحافظ.
قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن صالح ذكَرَ اللفظيَّةَ فقالَ: "هؤلاء أصحابُ بِدْعَةٍ، ويدخُلُ عليهم أكثرُ من البدعةِ" (٣٥).
٣ - أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزُّهْريّ الفَقيه القاضي.
أتاه قومٌ فسألوهُ: إنَّ قِبَلنا ببغدادَ رجُلاً يقولُ: لفْظُهُ بالقرآن مخلوقٌ؟
فقال: "يا أهلَ العراقِ، ما يأتينا منكم هَناه، ما يَنْبَغي أن نتلقى
стр. 214
وجوهَكُم إلاَّ بالسُّيوفِ، هذا كلامٌ نَبَطِىٌّ خَبيثٌ" (٣٦).
٤، ٥ - أبو زُرْعَةَ عُبيد الله بن عبد الكريم، وأبو حاتِم محمد بن إدريس الرازيان إماما الجَرْح والتعديل:
قالا: "مَن قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جَهْمي، أو القرآن بلفظي مخلوقٌ، فهو جَهْمي" (٣٧).
٦ - حرب بن إسماعيلَ الكَرْمانيّ (فقيهٌ ثَبْتٌ، من خِيارِ تلاميذ أحمدَ).
قال: "إنَّ الحَقَّ والصَّوابَ الواضحَ المستقيمَ الذي أدرَكْنا عليه أهل العلْم أنَّ مَنْ زعَمَ أنَّ ألفاظَنا بالقرآنِ وتلاوَتنا، مخلوقةً، فهو جَهْميٌّ مُبْتدعٌ خَبيثٌ" (٣٨).
وساقَ الإِمامُ أبو القاسِم هِبَةُ الله بن الحَسَنِ اللَّالكائيّ أكثَرَ من خمسينَ نَفْساً متقاربي الطبقةِ، فيهم جَمْعٌ من الأئمَّة المُقتدى بهم (٣٩) أنهم
стр. 215
قالوا: من قالَ لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو بمنزلةِ من قالَ: القرآنُ مخلوقٌ، وقالوا: هذه مقالَتُنا، ودينُنا الذي نَدِينُ الله به (٤٠).
ثمَّ ساق نصوصَ بعض الأئمَّةِ، ثمَّ قالَ:
"فرجَعَ كلامُ لهؤلاءِ الأئمَّةِ ﵃ في أنَّ القرآنَ مَسموعٌ من الله على الحقيقةِ، وحينَ يقرأهُ القارىءُ فلا يكونُ من لفظِ القارىءِ القرآنُ ككَلام الآدَميينَ حينَ يَلْفِظُ بهِ فيكون مخلوقاً، وكلامُ الله لا يَشْبَهُ كلامَهم لأنه غيرُ مخلوقٍ، فكذلك يُخالفُهُ في القِراءةِ" (٤١).
قلتُ: وقد رُوي إنكارُ اعتقادِ اللفظية عن إمام السُّنَّةِ محمد بن إدريس الشافعيّ، لكنْ بإسنادٍ فيه نَظَرٌ، ولا أحسَبُ ذلك كان إلاَّ في طبقةِ تلامذتهِ، كالإِمام أحمد وأقرانِهِ من الأئمَّة، فأنكروهُ وشدَّدوا فيه.
ولِذا قال الإِمام محمَّد بن جَرير الطبريُّ: "وأمَّا القولُ في ألفاظِ العباد بالقرآنِ، فلا أثرَ نَعْلَمُهُ عن صَحابِيّ مَضى، ولا عَن تابعيّ قَفا، إلاَّ عَمَّن في قولِه الشِّفا والغَناءُ، وفي اتّباعِهِ الرُّشْدُ والهُدى، ومَنْ يقومُ لَدَيْنا مقامَ الأئمَّة الأولى، أبي عبد الله أحمد بن محمَّد بن حَنبل".
стр. 216
ثمُّ ساقَ قولَه الذي ذكرتُهُ آنفاً برقم (٧) وقولًا آخر بمَعناه، ثمَّ قال:
"ولا قوْلَ عندَنا في ذلك يجوزُ أن نقولَه غيرُ قولِه، إذْ لَمْ يكن لنا إمامٌ نأتمُّ به سِواه، وفيه الكفايةُ والمَقْنَعُ، وهو الإِمامُ المتَّبَعُ" (٤٢).
قلتُ: وقد سُقْتُ من نُصوصِهِ ما فيه الكفايَةُ والهِدَايَةُ لِذَوي البَصائر.
قال الحافظُ أبو بكرٍ الآجُرّيُّ: "احذَروا رحمكم الله تعالى هؤلاء الذين يقولون: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، هذا عندَ أحمدَ بن حنبل ومَنْ كانَ على طريقته منكَرٌ عظيمٌ، وقائلُ هذا مبتدِعُ، يُجْتَنَبُ، ولا يُكَلَّمُ، ولا يُجالَسُ، ويُحَذَّرُ منه الناسُ" (٤٣).
وقالَ شيخ الإِسلام: "أنْكَرَ بدْعَةَ اللفظيةِ الذينَ يقولونَ: إنَّ تلاوةَ القرآنِ وقراءَتَه واللفظَ به مَخلوقٌ، أئمّةُ زمانِهم، جَعَلوهُم من الجهميةِ، وبيّنوا أنَّ قولَهم يقتضي القولَ بخَلْقِ القرآنِ، وفي كثير من كلامِهم تكفيرُهُمْ" (٤٤).
• • • • •
стр. 217
المبحث الثالث: إقامة الحجة على بطلان اعتقاد اللفظية النافية
تبيَّنَ لكَ ممَّا سبَقَ توجيهُ وصْفِ الأئمَّةِ أحمَدَ وغيرهِ لِلَّفظيةِ النافية القائلينَ: ألفاظُنا بالقرآن، وتلاوتُنا له مخلوقةٌ.
وذلكَ أنَّهم يُفرِّقونَ بين القراءةِ والمقروءِ، والتلاوةِ والمتلوّ، ويُطلقونَ ذلك، ويقولونَ: التلاوةُ والقراءةُ مخلوقةٌ، وليسَ مُرادُهم فِعْلَ العبْدِ وحَرَكَتَه وصَوْتَه، وإنَّما يُدْخِلونَ في ذلك الكلامَ العربيَّ المؤلَّفَ من الحُروفِ والكلماتِ، والسُّورِ والآيات، فهو عندَهم مخلوقٌ، وجبريلُ أتى بشيْءٍ مخلوقٍ، والمقروءُ والمَتلو عندَهم هو المعنى المُعبّر عنه بهذه الحُروفِ العربيةِ، وهذه الحروفُ مخلوقةٌ، واختلفوا أينَ خُلِقَتْ -كما سيأتي في الرد على الأشعرية في الباب الثالث-.
فعندهم هذا القرآنُ الذي يتلوهُ الناسُ بألسنَتِهم وأصواتِهم مخلوقٌ، ليسَ مُنزلاً من الله، وليسَ هو الذي تكلَّم به.
وهذه العقيدةُ مُنافيةٌ لِما قرّرناه في الباب الأول من اعتقاد السَّلَف، وهي متضمِّنةُ التكذيبَ بما أنزلَ الله على رسولِه، كتضمُّنِ ذلك عقيدة الجَهْمية المُصرّحينَ بخَلّقِ القرآن.
стр. 218
وإني ذاكرٌ بحَوْلِ الله وقوَّتهِ الحُجَّةَ الدّامِغَةَ لقَوْلِ هؤلاءِ المُبْطلينَ، فأقولُ:
قَدْ قامَت الدلائلُ من كتاب الله المعصوم الذي لا يأتيهِ الباطلُ من بين يَدَيْه ولا من خَلْفِه، على أنَّ الله تعالى تكلَّمَ بهذا القرآنِ العربيّ، وليسَ هناكَ قرآنٌ سِواه، تكلَّمَ الله تعالى به بلفظهِ ومَعناه، وسَمِعَهُ منه جبريلُ ﵇، وبلَّغَهُ كما سَمِعَهُ إلى محمَّد ﷺ ، وبلَّغَه محمَّدٌ ﷺ -كما سَمِعَهُ، إلى أمَّتهِ، وذلكَ من وُجوهٍ:
الوجه الأوَّل: قالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٣].
دلَّت الآياتُ على ما ذكَرْنا من وُجوهٍ:
الأول: قولُه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ القرآنُ: اسمٌ للنَّظمِ العربيّ المَسطور بينَ الدّفّتين، المُوعى في قلوب الحفّاظِ، المَلفوظِ بألسنة القُرّاءِ المؤلَّفِ من الحُروف كالألفِ والباءِ والجِيم، وهذا ممَّا لا خلاف فيه.
والثاني: القراءةُ إنَّما تقعُ لألفاظِهِ وكلماتهِ، لا لمَعانٍ مجرّدةٍ، فإنَّ
стр. 219
المعنى المجرَّدَ لا تُتَصَوَّرُ قراءَتهُ كما لا يخفى.
والثالث: الذي تُبَدَّلُ منه آيةُ مكانَ آيةٍ هو القرآنُ, لأنَّه هو المؤلَّفُ من الآياتِ، وهذا يسلِّمُ به اللفظيةُ.
والرابع: قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ أثبتَ مُنْزِلاً وَمُنْزَلاً به، والمُنْزِلُ هو الله كما هو ظاهِر، وفِعْل التَّنزيلِ مُضافٌ إليه كما هو صَريحُ الآية، وقد مَرَّ بكَ أنَّه تعالى لَمْ يُضِفْ شيئاً من الإِنزالِ إلى نفسهِ إلاَّ كلامَهُ، والمُنْزَلُ به هو القرآن الذي تُبدَّلُ منه آيةٌ مكان آيةٍ، وهذا لا يَقْدِرُ اللَّفظىُّ على إنكارهِ.
والخامس: قوله: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ الضَّميرُ في قوله: ﴿نَزَّلَهُ﴾ عَائدُ على قولهِ: ﴿بِمَا يُنَزِّلُ﴾، وقد عَلِمنا أنّه القرآن، فأثبتَ أنَّ روحَ القُدُسِ نزَّلهُ من الله، فكان مَسموعاً له منه، متلقّىً عنه، وروحُ القدس هو جبريلُ، وقد بيّناه آنفاً.
فالذي نَزَلَ من الله تعالى هو الذي نَزَل به رُوحُ القُدُس، ولم يُضِفْ إلى رُوح القُدُسِ شيئاً من فعلِهِ سوى التَّنْزيل له من ربّ العالمينَ.
والسادس: المُرادُ من هذا السياق للآيات إثباتُ أنَّ هذا القرآنَ ليس من افتراءِ بشرٍ، والرَّدُّ على الكُفَّارِ قولَهم: ﴿يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، وأرادوا رجلاً أعجَمياً، فكذَّبَ الله مقالَهم، ودحَضَ باطِلَهم، فقالَ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، واللّسانُ: اللغة، واللُّغةُ: إنَّما هي ألفاظٌ مركَّبةٌ من الحُروفِ، وهذا ممَّا لا يُخْتَلَفُ فيهِ، فأقامَ الله الحُجَّةَ على الكفَّار وأبْطَلَ دَعواهم، بأنَّ صاحِبَهم الذي ادَّعوا أنَّ رسولَ الله
стр. 220
- ﷺ يتعلَّمُ منه القرآن أعجَميٌّ، وهذا كلامُ عربيٌّ، فأنَّى له أنْ يُعَلَّمَهُ معَ عُجْمَتِهِ، ولو كانَ إنَّما تأتيهِ مَعانٍ مُجرَّدةٌ لأمْكَنَ الأعجميَّ أنْ يُعَلِّمَهُ المَعانيَ، ولكنَّه إنَّما كان يأتيهِ القرآنُ العَربيُّ.
وأشارَ بقوله: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ﴾ إلى حاضِرٍ، وهو القرآن الذي هو تنزيلُه الذي نزلَ به جبريلُ، فأقامَ الله الحُجَّةَ على الكُفَّار بكَوْنِ هذا اللسانِ العربيّ كلامَهُ، ومحمَّدٌ ﷺ مُبَلِّغٌ، وجبريلٌ ﵇ مُبَلِّغٌ، ليس لهما وظيفةٌ إلاَّ هذهِ.
والوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤].
دلَّت الآيةُ على ما ذكَرْنا من وُجوهٍ:
الأوَّل: الكتابُ المُفَصَّلُ هو القرآنُ العربيُّ بلا خِلافٍ.
وفي وصفهِ بـ (الكتاب) دليلٌ قاطعٌ على أنَّه القرآنُ المؤلَّفُ من الحروفِ العربيةِ، ولو كانَ معانيَ مجرَّدةً لما صَحَّ وصفه بـ (الكتاب) لأنَّه أرادَ بالكتاب: المكتوبَ (٤٥)، والمَعنى المجرَّدُ لا يُكْتَبُ حتى يؤلّفَ حُروفاً منظومةً، وتَسميةُ القرآنِ كلام الله بـ (الكتاب) جاءَت في مواضِعَ كثيرة من
стр. 221
القرآنِ، ولا فَرْق بين تسميتهِ بـ (القرآن) أو بـ (الكتاب) وكلُّ ذلك كلامُ الله تعالى وقولُه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٠]، فسمَّاه قُرآناً وكتاباً، والذي يُسمَع إنَّما هو القرآنُ الذي هو الكلامُ المؤلَّفُ من الحُروفِ والمَعاني.
قال شيخُ الإِسلام: "الكتابُ عند مَن يقولُ: إنَّ كلام الله هو المعنى دون الحروفِ اسمٌ للنَّظم العَربيّ، والكَلام عندَه اسمٌ للمعنى، والقرآن مُشْتَرِك بينهما، فلفظ (الكتاب) يتناوَلُ اللفظَ العربيَّ باتّفاق الناسِ، فإذا أخبرَ أنَّ ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ﴾ عُلِمَ أنَّ النظمَ العربيَّ مُنْزَلٌ من الله، وذلك يدلُّ على ما قالَ السَّلفُ: إنَّه منه بدَأ، أي: هو الذي تكلَّم به" (٤٦).
والثاني: جَعَلَ تعالى إنزالَ الكتابِ مفصَّلاً فِعْلاً مُضافاً إلى نفسِهِ.
والثالث: أثْبَتَ أنَّ تنزيلَه منه لا مِن غيره، فدلَّ على أنَّ ابتداءَه منه.
والرابع: أخبرَ أنَّ أهلَ الكتاب يعلَمونَ أنَّه تنزيلُه وأنَّ ابتداءَه منه، والعلمُ يفيدُ اليقينَ المُنافيَ للجَهْلَ والظَّنِّ والشَّكِّ والرَّيْبِ، وأقرَّ تعالى علمَهُم هذا ولَمْ يُنْكِرْهُ، بل وَكَّده بقولهِ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مَنَ المُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] فدَلَّ على أنَّه حَقٌّ، ولو كانَ ما عَلِموهُ باطلاً، وأنَّ القرآنَ من غيره بدأ لا منه، لَما أقرَّهُم تعالى على ذلك.
стр. 222
وأشارَت الآيةُ إلى أنَّ أهلَ الكتاب الذين يعلَمونَ أنَّ هذا القرآنَ العربيَّ مُنَزَّلٌ من الله تعالى لا مِنْ بعضَ خَلْقِهِ خيرٌ وأفضَلُ من اللَّفْظِيةِ الذين يقولون: هذا الكتابُ العربيُّ مخلَوقٌ، كما أنَّهم أفضَلُ من سائرِ الجهمية القائلينَ بخَلْقِ القرآن.
والوجه الثالث: حين سمّاهُ المشركونَ شِعراً، لم يُريدوا بهذه التسميةِ إلاَّ لهذا القرآنَ العربيَّ المؤلّف من الحُروفِ العربيَّةِ، فكذَّبَ الله تعالى دعواهُم، كَما قالَ تعالى: ﴿وَمَا عَلمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينُ﴾ [يس: ٦٩].
قال الإِمام أبو محمَّد بن قُدامَة: "فلمَّا نفى الله عنه أنَّه شِعْرٌ وأثبتَه قرآناً لم يبقَ شُبْهَة لِذي لُبٍّ في أنَّ القرآنَ هو هذا الكتابُ العربيُّ الذي هو كَلِماتٌ وحروفٌ وآياتٌ, لأن ما ليسَ كذلك لا يقولُ أحدٌ: إنَّه شِعْرٌ" (٤٧). قلتُ: وهذا هو القرآنُ الذي قالَ السَّلَف: إنَّه غيرُ مَخلوق، وقالت الجهميةُ: إنَّه مخلوقٌ.
والوجه الرابع: ما تقرَّر في اعتقادِ السَّلَف الذي شَرَحْناه في الباب الأوَّل من كون هذا القرآنِ من الله بَدأ وإليه يعودُ، وقد فصَّلناه بما يُغني عن الإِعادة.
والوجه الخامس: إضافةُ هذا القرآن إلى الرَّسولِ البَشري تارةً، وإلى الرَّسولِ المَلَكي تارةً -كما سبق تقريرُهُ في الفصل السابق- وأنَّ معنى ذلك أنَّهما أدّياهُ وبلَّغاهُ، دليلٌ على أنَّهُ قولُ المُبَلَّغِ عنه وكلامُهُ، وهو الله
стр. 223
تعالى.
والوجه السادس: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] أضافَ الكلامَ إلى نفسهِ، وأبانَ أنَّه هو الذي يسمَعه الكافرُ المُستجيرُ، والأصْل أنَّ الكلامَ على حقيقتهِ المفهومةِ حالَ إطلاقهِ حتى تَرِدَ القرينةُ التي تَصْرِفُهُ عن المعنى المُتبادر، وكلامُ الله هنا هو القرآنُ لا غيرُهُ، والكلامُ كما قرَّرناه في الباب الأول اسمٌ لِلَّفظ والمعنى جميعاً، فدلَّ هذا إذاً على أنَّ الذي يسمعهُ المشركُ المُستجيرُ هو كلام الله على الحقيقةِ، وكلامُهُ تعالى غيرُ مخلوقٍ.
والوجه السابع: إطباقُ جَميع أهل الإِسلام على أنَّ القرآنَ العربيَّ كلامُ الله تعالى لا كلامُ غيره، منه بدَأ بألفاظهِ وحُروفِه لا من غيره، وأنَّه ليس لله قرآنً سِواهُ، هو الذي بلَّغَهُ رسُولُ الله محمَّد ﷺ عن جبريلَ، وجبريلُ ﵇ عن ربّه تعالى، لم يتقوَّلْ منه جبريل ولا محمَّدٌ ﷺ حَرْفاً ولا كلمةً، كيفَ وهما أمِيناهُ على وَحْيِهِ، و ﴿اللهُ أَعْلَمٌ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
والوجه الثامن: يلزَمُ اللَّّفظيةَ ما لَزِمَ القائلينَ بخَلْقِ القرآن مطلقاً أنَّه لو كانَ القرآنُ العربيُّ المَلفوظُ بالألفاظ العَربيةِ مخلوقاً، فأين خُلِقَ؟ إذْ لا بدَّ أن يكونَ مخلوقاً في مَحَلٍّ، كسائر المَخلوقات، فإذاً يصيرُ صفةً للمَحَلِّ الذي خُلِقَ فيه، لا صِفةً لله، ويكونً حينئذٍ كلاماً للمَحَلِّ الذي خُلِقَ فيه، لا كَلاماً لله تعالى، وهذا كُفْرٌ بَيِّنٌ، والعَجيبُ أن يكونَ هذا الوجهُ ممَّا يُحاجِجُ به اللفظيَّةُ الجَهميَّةَ.
فهذه بعضُ الوجوه المُبْطلةِ لاعتقادِ اللَّفظِيَّة، ويَرِد عليهم أكثرُ من
стр. 224
ذلك، ولكنَّ الحُجَّةَ تقمُ ببعضهِ.
فمن تأمَّل هذه الحقائقَ التي ذكَرْتُ وما يشبهها، بانَ له صِحَّةُ وصفِ اللفظية القائلينَ بأنَّ ألفاظَنا بالقرآن مخلوقةٌ، بالجَهمية.
والسَّلَفُ والأئمةُ حينَ كفَّروا مَن قالَ بخَلْق القرآنِ، إنَّما كفّروا من قالَ بخَلْقِ القرآنِ الذي بين دَفّتَي المُصْحَف، المَسْطور فيه، الملفوظِ بالألسنةِ، المؤلَّفِ من الحُروفِ العَربيةِ، ولا يَعْرِفُ السَّلَفُ والأئمةُ هذا التفريقَ المُبْتَدَعَ الذي ظَهَرَتْ به اللَّفظيَّةُ النافيةُ، فليسَ عندهم القرآنُ سِوى هذا القرآنِ العربيّ، وهو كَلامُ الله تكلَّمَ به على الحقيقةِ.
وهذه بعضُ النُّصوصِ البيّنةِ الموضحَةِ لِما ذكرتُهُ عنهم:
١ - عبد الله بن المبارك (الإِمام الحُجَّة).
إنَّه قرأ ثلاثينَ آيةً من (طه) فقال: "مَنْ زَعمَ أنَّ هذا مخلوقٌ فهو كافِرٌ" (٤٨).
قلتُ: وهذه عند اللفظية ألفاظٌ مَخْلوقةٌ.
٢ - إمام السُّنَّة أحمد بن حنبل.
قال أحمد بن سعيد الدارميُّ: قلتُ لأحمدَ بن حنبل: أقولُ لكَ قَولي، وإنْ أنكرتَ منه شيئاً فقُلْ: إني أنْكِرُهُ، قلتُ له: نحنُ نقولُ: القرآنُ كلامُ الله من أوَّله إلى آخِره، ليسَ منه شيءٌ مخلوقٌ، ومَنْ زعَمَ أنَّ شيئاً منه
стр. 225
مخلوقٌ فهو كافرٌ، فما أنكرَ منه شيئاً ورضِيَهُ (٤٩).
قلتُ: واللَّفْظية يقولونَ: كلامُ الله ليسَ له أوَّلٌ ولا آخِرٌ، ولا يَتَجزأ، وهو غيرُ القرآنِ العربيّ، والقرآنُ العربيّ، إنَّما هو عِبارةٌ عنه أو حِكايةٌ.
وقال الإِمام أحمدُ: "نحنُ لا نحتاجُ أنْ نشُكَّ في هذا القرآن عندَنا، فيه أسماءُ الله، وهو من عِلْمِ الله، فمَن قال لنا: إنَّه مخلوقٌ , فهو عندَنا كافِرٌ" (٥٠).
قلتُ: وهذا النصُّ نقلَه أبو الحَسن الأشعريُّ عنه في "الإبانة" وهو من الحُجَّةِ على الأشعرية من غير وجْهٍ، سأذكرها في الردّ عليهم. وقال الإِمام أحمدُ: "على كُلّ حالٍ من الأحْوَالِ القرآنُ كلامُ الله غير مخلوقٍ" (٥١).
وهذا كقوله: "القرآنُ كلامُ الله حيثُ تَصَرَّفَ" (٥٢).
قلتُ: يعني على كُلّ حالٍ، مكْتوباً، ومَسْموعاً، ومَتلوّاً، ومَحفوظاً.
والنقل عن أحمَدَ في هذا المعنى يعسُرُ إحصاؤهُ، وفي النصوصِ التي سُقْتُها عنه في هذا الباب والذي قبلَه كفايةٌ لمَن أرادَ الهداية.
٣ - إسحاق بن إبراهيم بن راهُوَيْهِ الإِمام الفَقيه.
стр. 226
قال: "ليسَ بينَ أهل العِلْمِ اختلافٌ أنَّ القرآنَ كلامُ الله ليسَ بمخلوقٍ، فكيفَ يكونُ شَيْءٌ خَرَجَ من الرَّبِّ مَخْلوقاً؟ " (٥٣).
قلتُ: واللفظيةُ يقولون: كلامُ الله ليسَ بخارج منْهُ، والقُرآنُ بدأ من غيرهِ تعالى.
٤ - يحيى بن يحيى النَّيْسابوري الثِّقَة الثَّبْت.
قال: "مَن زَعمَ أنَّ مِنَ القرآن مِن أوَّله إلى آخرهِ آيةٌ مَخلوقةٌ فهو كافِرٌ" (٥٤).
قلتُ: واللفظيةُ يقولون: ما تألَّفَ من الآياتِ هو النظمُ العربيُّ، وهو مَخلوقٌ.
٥ - محمد بن أسْلَم الطُّوسيْ الثِّقَة الحافِظ.
قال: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، أينَما تُلِيَ، وحيثُما كُتِبَ، لا يتغيّرُ، ولا يتَحوَّلُ، ولا يتبدَّلُ" (٥٥).
قلتُ: إنَّما يُكْتَبُ وَيُتلى هو القرآنُ العربيّ المَجيدُ.
٦ - أبو جعفر محمد بن جَرير الطَّبريّ الإِمام المُجْتهد.
стр. 227
قال في عقيدتِه: "أوَّلُ ما نبدأ بالقولِ فيه من ذلك كَلَامُ الله وتنزيلهُ, إذ كانَ من مَعاني توحيدِهِ، والصَّوابُ من القَوْلِ في ذلك عندَنا: أنَّه كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، وكيفَ كُتِبَ، وكيفَ تُلِيَ، وفي أيّ موضِعٍ قُرِئ، في السَّماءِ وُجِدَ، أو في الأرضِ حُفِظَ، في اللوحِ المَحفوظِ كانَ مكتوباً، أو في ألواحِ صِبيان الكَتاتيب مَرْسوماً، في حَجَرٍ نُقِشَ، أو في رَقٍّ خُطَّ، في القَلْبِ حُفِظَ، أو باللسانِ لُفِظَ، فَمَنْ قالَ غير ذلكَ، أو ادّعى أنَّ قرآناً في الأرضِ، أو في السَّماءِ، غيرُ الذي نتلوهُ بألْسِنَتِنَا، ونكتُبهُ في مَصاحِفِنا، أو اعتقَدَ ذلكَ بقلبهِ، أو أضْمَرهُ في نفسِهِ، أو قالَه بلسانِهِ دائناً به، فهو بالله كافرٌ، حَلالُ الدَّمِ، وبَرِيءٌ من الله، والله بَريءٌ منه، يقولُ الله : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] وقالَ -وقولُه الحقّ-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، فأخْبَرَ الله جَلَّ ثَناؤُه أنَّهُ في اللَّوْح المَحْفوظِ، وأنَّهُ من لسانِ محمدٍ ﷺ مَسْموعٌ، وهو قُرْآنٌ واحدٌ، مِن محمَّدٍ ﷺ مَسْموعٌ، وفي اللَّوحِ المَحْفوظِ مكتوبٌ، وكذلكَ هو في الصُّدورِ مَحْفوظٌ، وبألسُنِ الشيوخ والشُّبانِ مَتْلوٌّ، فمَن رَوى علينا أو حَكى عنَّا، أو تقوَّلَ علينا، أو ادّعى أنَّا قُلْنا غيرَ ذلك، فعلَيْه لعنةُ الله وغضَبُهُ، ولعنَةُ اللاعنينَ والملائكةِ والناسِ أجْمعينَ، لا يَقْبَلُ الله منه صَرْفاً ولا عَدْلاً، وهَتَكَ سِتْره، وفضحَهُ على رُؤوسِ الأشهادِ، يَوْمَ لا تنفَعُ الظالمينَ معذرتُهم ولهم اللَّعْنةُ ولهم سوءُ الدَّارِ" (٥٦).
стр. 228
٧ - القاضي الإِمام أبو بكر أحمد بن كامل البغداديّ (إمامٌ حافظٌ مُتَجَرِّدٌ، تلميذُ ابن جَرير).
روى عن ورّاقِ داود الأصبهاني إمام أهْلِ الظاهر قول داود في القرآن، قال: سُئل عن القرآن؟ فقال: "القرآنُ الذي قالَ الله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ وقَال: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ غيرُ مخلوقٍ، وأمَّا الذي بينَ أظهُرِنا يمسُّهُ الحائِضُ والجُنُبُ فهو مخلوقٌ".
فقال القاضي أحمدُ بن كامل: "هذا مذهبٌ يذهبُ إليه الناشئُ المتكلِّمُ (٥٧)، وهو كُفْرٌ بالله، صَحَّ الخَبرُ عن رسُولِ الله ﷺ أنَّه نهى أن يُسافَرَ بالقرآن إلى أرضِ العدوّ، مخافةَ أنْ ينالَه العدوُّ، فجعلَ ﷺ ما كُتِبَ في المصاحفِ والصُّحُفِ والألواح وغيرها قرآناً، والقرآن على أي وجْهٍ قُرِىءَ، وتُلِيَ فهو واحدٌ غيرُ مَخلوقٍ" (٥٨).
قلتُ: فتأمَّل رحمكَ الله هذا الحكمَ على قولِ داودَ، وداود أخَفُّ بكثير من اللفظية الكُلاّبيةِ والأشعرية، وذلك أنه كانَ يعتقدُ أنَّ هناك قرآناً مكتوباً في اللَّوْح غيرَ مَخْلوقٍ، والذين جاؤوا من بَعْدُ مِنَ اللفظية يقولونَ: ليسَ لله كلامٌ إلاَّ ما في نفسهِ، وهذا القرآنُ خلَقَهُ الله في اللَّوْحِ المَحفوظِ أو في غيرهِ، فجعَلوا ما في اللَّوْحِ مخلوقاً، وهذا أدهى من قولِ داود.
وسيأتي مزيدٌ في شَرْح اعتقادهم في الباب الثالث.
стр. 229
٨ - الحافظ الإِمام عبد الله بن محمد بن جَعفر أبو الشَّيْخ الأصبَهانيُّ:
قال: "إنَّ القرآنَ كلامُ الله تكلَّمَ به، فيه أمرُهُ ونَهْيُه ووعدُهُ ووعيدُهُ، وذِكْرُ رحْمَتِهِ ونِقْمَتِهِ، وعذابهِ وسَخَطهِ، وذكْرُهُ النَّعيمَ والمِنَنَ، والأهوالَ والشَّدائدَ، في التَّرغيبِ والتَّرهيبِ، بقولِهِ الصَّادقِ، وعِلْمِهِ النافذِ، ومشيئتهِ السَّابقةِ، وحُجَّتهِ البالغةِ، وذكْرُ سُلطانِهِ الدَّائم، وليس منها شيْءٌ مَخلوقٌ، لأنَّها كلَّها قَولُه من علْمهِ الأزليّ، من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ كلامُ الله غيرُ مَخلوقٍ، فالمُنْكِرُ فيه كالشَّاك، والشَّكُّ والإِنكارُ فيه كفرٌ، فالمُنكِرُ الجهميُّ، والشَّاكُّ الواقفيّ، وهوكلامُه في الأحوالِ كُلِّها، حيث تُلِيَ وتصرَّف، في الدَّفَّتين، وبين اللَّوحين، وفي صدورِ الرجالِ، وحيثُ ما قُرئ في المَحاريب وغيرِها، وحيثُ ما سُمِعَ، أو حُفِظَ، أو كُتِبَ، أو تُلِيَ، منه بَدَأ وإليه يعودُ، ومَن زعَمَ أنَّ القرآنَ أو بعضه، أو شيئاً منه مخلوقٌ، فلا يُشَكُّ فيه عندَنا، وعندَ أهل العلْمِ من أهل السُّنَّة والفضْلِ والدِّين أنَّه كافِرٌ كُفْراً يُنْقَلُ به عن المِلَّةِ، ومَن زعَمَ أنَّ القرآنَ كلامُ الله ووقَفَ، ولم يقُلْ: غيرُ مخلوق، فهو جَهْميٌّ، أخبثُ قولاً من الأول وشرٌّ منهُ، ومَنْ قالَ: لا أقولُ: مخلوقٌ، ولا غيرُ مخلوقٍ، فهو جَهميٌّ، ومَنْ شكَّ في كُفْر مَنْ قال: القرآنُ مخلوقٌ، بعد علمهِ، وبعدَ أنْ سَمِعَ من العلماءِ المَرْضيينَ ذَلك، فهو مثلُهُ، ومَن وقفَ عند اللَّفظِ فهو واقفيٌّ، ومَن وقفَ عند القرآن فهو جَهْميٌّ" (٥٩).
وقالَ ﵀: "فجبريلُ سَمِعَه من الله تعالى، والنبيُّ ﷺ سمعَهُ
стр. 230
من جبريلَ ﵇، وأصحابُ النبيِّ ﷺ ورضِيَ عنهم سَمِعوا من النبي ﷺ ، ثمَّ الأوَّلُ فالأوَّلُ هَلُمَّ جَرّاً إلى يومِنا هذا، وبعدَنا يكونُ كما كَانَ قبلَنا، وهو كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومَن زعَمَ أنَّ القرآن أو بعضه مخلوقٌ، أو شَيْء منه في حالةٍ من الحالاتِ بجهةٍ من الجهاتِ، فقد زعَمَ أنَّ جبريلَ سَمِعَ من الله مخلوقاً، وأدَّى إلى النبيِّ ﷺ مخلوقاً وأدَّى النبيُّ ﷺ إلى أمتِهِ مخلوقاً" (٦٠).
٩ - الإِمام الحافظ أبو عثمان الصَّابونيُّ.
قال: "ويَشْهدُ أصحابُ الحديثِ ويعتقِدونَ أنَّ القرآنَ كلامُ الله وكتابُه وخطابهُ ووحيهُ وتنزيلُهُ غيرُ مخلوق، ومَن قال بخَلْقِهِ واعتقده فهو كافرٌ عندهم، والقرآنُ الذي هو كلام الله ووحيُهُ هو الذي ينزل به جبريلُ على الرَّسولِ ﷺ قرآناً عربياًص لقوم يعلَمون بَشيراً ونذيراً، كما قال عزَّ من قائل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥]، وَهو الذي بلَّغهُ الرَّسولُ ﷺ أمَّتَه كما أمِرَ به في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، فكان الذي بلَّغَه كلامَه ، وفيه قال النبيُّ ﷺ : "أتَمنعوني أنْ أبلّغَ كلامَ ربي؟ " (٦١) وهو الذي تحفَظُهُ الصُّدُورُ، وتتلوهُ الألسنةُ، ويُكْتَبُ في المَصاحفِ، كيفَ ما تصَرَّفَ: بقراءةِ قارىءٍ, ولفظِ لافظٍ، وحفظِ حافظٍ، وحيثُ تُلِيَ، وفي أيّ مَوْضِع قُرىءَ، أو كُتِبَ، في مصاحفِ أهل الإِسلام وألواحِ صبيانهم، وغيرها، كلامُ الله جلَّ
стр. 231
جلالُهُ، وهو القرآنُ بعينهِ الذي نقولُ: غير مخلوقٍ، فمن زعَمَ أنَّه مخلوقٌ فهو كافرٌ بالله العظيمِ" (٦٢).
١٠ - الإِمام أبو القاسِم هِبَةُ الله بن الطَّبَريّ.
قال: "سِياقُ ما دلَّ من الآياتِ من كتابِ الله تعالى، وما رُوي عن رسولِ الله ﷺ ، والصَّحابةِ والتابعينَ، على أنَّ القرآنَ تكلَّمَ الله به على الحقيقةِ، وأنَّه أنزَلَهُ على محمَّدٍ ﷺ ، وأمَرَه أنْ يتحدَّى به، وأنْ يدعوَ الناسَ إليهِ، وأنَّه القرآنُ على الحقيقةِ، مَتلوٌّ في المَحاريبِ، مكتوبٌ في المَصاحفِ، محفوظٌ في صُدور الرِّجالِ، ليسَ بحِكايةٍ ولا عِبارةٍ عن قرآنٍ، وهو قرآنٌ واحدٌ غيرُ مخلوقٍ، وغيرُ مَجْعولٍ ومربوبٍ، بل هو صفةٌ من صفاتِ ذاتِهِ، لَمْ يزَلْ بهِ متكلِّماً، ومَنْ قالَ غيرَ هذا فهو كافرٌ ضالٌّ مُضِلٌّ مبتدِعٌ، مخالِفٌ لمَذاهبِ السُّنَّةِ والجَماعةِ" (٦٣).
ثمَّ شرَعَ في سَرْدِ الأدلَّة.
قلتُ: فهذه هي العقيدةُ السَّلَفيةُ قبلَ أنْ يَعْرِفَ الناسُ بدعةَ اللفظِ، ولا يَعْرِفُ الناسُ القرآنَ الذي تكلَّم الله تعالى به إلاَّ على هذا التفسير، حتى أدخَلَت الجهميّةُ على الأمَّةِ بدعةَ اللَّفْظِ، ليُطْفِئوا بها نورَ العقيدةِ المرضِية التي كان عليها خيرُ الناسِ من بَعْد رسولِ الله ﷺ ، أصحابُه فمَن بعدَهم من أئمةِ الهدى، حتى عَهْدِ إمامِ السُّنَّةِ رافعِ رايتِها، وعدوّ البدعةِ وكاشفِ سوأتها، الإِمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فكانَ لها
стр. 232
وإخوانُه بالمِرْصادِ، كما وقفَ لهم حين صرَّحوا بخلق القرآنِ، فبدَّدَ ظلامَها بنور الكتابِ وهدي خير الأنام، فعَقَلَ كلامَه من عقَلَه فنفَعَهُ الله، وكانَ على هدًى مستقيم، وعَمِيَت بصائرُ أقوام فضلّوا عن القَصْدِ، وما فَقِهوا مقالَه، فتمكّنتْ منهم الأهواءُ حتى بلغَت منهم الجَهْدَ، وربَّما كانت فيهم رؤوس تُنَّظَرُ أقوالُهم، بسَبب ما فيهم من الزَّهادةِ والعبادةِ، والعلمِ بالفروع وكثيرٍ من الأصول، ولكنَّ الهدى كلّ الهدى أنْ يُتّبعَ السَّلَفُ الكِرام، فإنَّ العبدَ إن التفتَ إلى مَن بعدهم بعدَ دخول الأهواء في الأصولِ والفروعِ، فإنَّه لا يضمَنُ السَّلامة في الدِّيانة، وإنَّما يُعْتَبَرُ العالمُ من الخَلَفِ، بمقدارِ ما يَقْتدِي فيه بالسَّلف.
وكلُّ خيرٍ في اتباعِ مَنْ سَلَفْ ... وكلُّ شرّ في ابتداع مَن خَلَفْ
والله المستعان ولا حولَ ولا قوة إلاَّ بالله.
стр. 233
المبحث الرابع: بيان غلط اللفظية النافية على الامامين أحمد والبخاري
• بيان غلطهم على الإِمام أحمد بن حنبل ﵀:
لقد عرّفتُكَ حُكْمَ الِإمام أحمد رحمه الله تعالى فيمن يقول: (لفظي بالقرآن مخلوقٌ) وشرَحْتُ ذلك من وجوهٍ كثيرةٍ عنه، ممَّا لا يدعُ مجالاً للشكِّ صحَّةِ قولهِ فيهم.
ولكن لمَّا كان من أمرهِ في الفتنة ما كانَ، ممَّا رفعَ الله به شأنَهُ، صارَ الانتسابُ إلى عقيدتِه سلامَةً، والحَيْدُ عنها بدعةً، وعلامَةُ السُّنّي اتباعَ عقيدةِ أحمد، وعلامةُ المُبتدع تركها, لذا صارَكلُّ من أتى بعدَه من طوئفِ أهل القبلةِ يفخَرُ بالانتساب إليه في الاعتقاد، ويعتَصِمُ به، وكلُّ طائفةٍ صارَتْ تَنْسُبُ إليه اعتقادَها، وتقولُ. هو اعتقادُ أحمدَ بنِ حنبل، فيروجُ ذلك عند مَن لا تمييزَ له ويقبَلُه وينصُرُهُ، ولكنَّ الإِنصافَ في ذلك أنْ تُقيمَ كلُّ طائفة حجَّتَها على صحَّةِ دعواها, ولقد عَلِمْنا من سُنَّةِ السَّلفِ الكرام ﵏ أنَّ (الإِسنادَ من الدين) فمن أسندَ فقد برئ، ومَن لا فلا.
وليس يشُكُّ الناظرُ في كلام الِإمام أحمد، والمتتبّعُ لطريقتهِ، أنَّه بَريءٌ من البدعِ وأهلِها، فسائرُ هذه الطوائفِ التي تنتسبُ إليه تنصُرُ
стр. 234
عقائدها بأحمد، إما:
١ - بالكذبِ الصَّريح عليه.
٢ - أو بنقول عنه لا تثبتُ أسانيدُها.
٣ - أو بنقولٍ صحَّتْ عنه، ولكنها مجمَلَة، لم يُوَفَّقوا للوصول إلى معرفة مراده منها.
سِوى الطائفةِ المنصورةِ -إن شاء الله- أهل السُّنَّةِ والأثر، التي لا تعرِفُ علمَ الكلام والبِدَع، المُتنزِّهةِ عن الصفاتِ السَّابقةِ التي يتَّصفُ بها المُبتدعةُ، فلا تكْذِبُ عليه، ولا تحتجُّ عنه إلاَّ بما صحَّ إسنادُه، وثبتَ، وظهرَت الدَّلالةُ منه مفسَّرَةً لا لَبْسَ فيها ولا غُموض، وذلك بجَمْع مقالات الإِمام إلى بعضِها، والتوفيق بين ما أشكلَ منها، وضمِّها إلى أقوالِ أسلافهِ وإخوانِهِ من الأئمة الذين لم يُعْرَفوا بالبدع، إن وُجِدت، لِيَصِحَّ لهم حينئذٍ القولُ: اعتقادُنا هو اعتقادُ أحمد بن حنبل، وهو اعتقادُ السَّلَف.
وهذا المنهجُ هو الذي سلَكْناه في كتابنا هذا -ولله الحمد والمِنَّة-.
والمقصودُ هنا: أنَّ اللفظيةَ النافيةَ انْتَسبوا إلى الإِمام أحمد، ونقَلوا عنه ما ظنُّوهُ مُوافقاً لعقيدتِهم، وتأوَّلوا نصوصَه الصَّريحةَ في إنكارِ مقالَتِهم على ما يوافق أهواءَهم، ونصَروا ذلك من وجوهٍ:
الأوَّل: رَوَوا عنه أنَّه يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق".
ولهذا ذكره البيهقيُّ في اعتقاد الإِمام أحمد (٦٤).
стр. 235
والثاني: رَوَوْا إنكارَه القولَ: (لفظي بالقرآن غير مخلوق) في قصة أبي طالب وغيره.
وقد ساقَ البيهقيُّ القصَّةَ من رواية فُوران عن الإِمام أحمد، وكذا قصة ابن شَدَّادٍ، ثمَّ قال: "فهاتان الحكايتان تُصرِّحان بأنَّ أبا عبد الله أحمد ابن حنبل ﵁ بَريءٌ ممَّا خالَفَ مذهب المحققينَ من أصحابِنا، إلاَّ أنَّه كان يستحبُّ قلَّةَ الكلامِ في ذلك، وتركَ الخَوْضِ فيه، معَ إنكار ما خالَفَ مذهبَ الجَماعةِ" (٦٥).
قلتُ: أرادَ مذهب اللَّفظيةِ، فإنَّهُ احتجَّ بإنكارِ أحمدَ على أبي طالب وابن شدَّادٍ بأنه كانَ على ضِدَّ قولهما، وأنَّ الصَّوابَ عنده أنَّ اللفظَ بالقرآن مخلوقٌ، فإنَّ هذا هو قول من سمَّاهم المحقَّقينَ من أصحابهم، أمثال أبي الحسَن الأشعريّ ومَن تَبِعَه كابن الباقلاّني وابن فَوْرَك وغيرهم.
والثالث: تأوَّلوا ما تواترَ عنه من إنكارهِ على من قال: (لفظي بالقرآن مخلوق) على ثلاثةِ معانٍ:
١ - لأنَّه قولٌ محدَثٌ لم يتكلَّمْ به السَّلَف.
٢ - أنَّه أرادَ به الجهميَّ المَحْضَ الذي يزعُمُ أنَّ القرآنَ الذي لم ينزل مخلوقٌ.
وهذا قولُ البيهقي فيما حَكاه عنه شيخ الإِسلام (٦٦).
٣ - أنَّ اللفْظ معناه الطَّرْحُ والرَّمْي، ومنه قولُك: (لفظتُ باللقمةِ) إذا
стр. 236
طرحتَها وألقيتَ بها، وهذا المعنى لا تجوزُ إضافتُه إلى القرآن.
وهذا قول أبي الحسَن الأشعريّ وغيره (٦٧).
والرابع: وربَّما احتجّ بعضهُم بما رواه فُوران قال: سألني الأثرمُ وأبو عبد الله المُعَيْطي أن أطلبَ من أبي عبدِ الله خُلْوةً،، فأسألَه فيها عن أصحابِنا الذين يُفرّقونَ بين اللفظِ والمَحْكي، فسألتهُ؟ فقال: "القرآن كيفَ تصرّفَ في أقوالِهِ وأفعالِهِ فغيرُ مخلوقٍ، فأمَّا أفعالنا فمخلوقةٌ" قلتُ: فاللفظيةُ تعدُّهم يا أبا عبد الله في جملة الجَهْمية؟ فقال: "لا، الجَهميةُ الذين قالوا: القرآن مخلوق" (٦٨).
ونَحْن نجيبُ -بتوفيق الله تعالى- عن جميع هذه الظنونِ، فنقولُ:
* أمَّا الوجه الأوَّل فهو خطأ ظاهرٌ، وإفكٌ بَيِّنٌ على الإِمام أحمد، يُكَذَّبُه النقلُ المتواترُ عنه من روايةِ خاصَّةِ أصحابهِ وأهلِ بيته، فيما سُقناه آنفاً.
ولو كان ذلك من رواية ثِقَةٍ معروفٍ لَكان خطأ بيّناً، إذْ إنَّه يَلْزَمُ من قَبولِهِ رَدُّ الأخبارِ الصَّحيحةِ المُتواترةِ عنه بضدِّ ذلك، وهذا لا يقولهُ عالمٌ، ولا عجَبَ فإنَّ الأهواءَ تصنَعُ بأهلِها ما هو أعْجَب من ذلك.
* وأمَّا الوجهُ الثاني فقد أجَبْتُ عنه في المَبْحث الآتي بعدَ هذا، وبيّنتُ أنَّ سببَ إنكارِ الإِمام أحمد لإِطلاقِ (لفظي بالقرآن غير مخلوق) يرجِعُ لسَببين:
стр. 237
- أحدهما: كونه بِدْعةٌ محدثةٌ لم يتكلَّم بها السَّلَف.
- والثاني: لِما يوهِمُ من المَعاني الباطلةِ، كإدخالِ فِعْلِ القارىِء وصوتِهِ في ذلك.
ومذهبُ مُحقِّقيهم (!) لم يقُلْ به الإِمامُ أحمدُ ولا ارتضاهُ، بل أنكرَهُ بأشدَّ ممَّا أنكَرَ به قولَ أبي طالب الذي حكاهُ عنه، فإنَّ ما حكاهُ أبو طالب من كَوْنِ اللفظ بالقرآن غيرَ مخلوقٍ عَدَّهُ أحمدُ بدْعَةً يُهجَرُ أصحابُها, ولكنَّ قولَ من وصفهم البيهقيُّ بـ (المحقِّقينَ) أنكرَه بأشدَّ منه، وجهَّم القائلينَ به، إذ مقتضاهُ أنَّ جِبريلَ إنَّما جاءَ بشيْءٍ مخلوقٍ, لأنَّ كلامَ الله عندَهم معنى قائمٌ به، ليسَ هو لغةً عربيةً ولا غيرَها, ولا هو حروفاً ولا كلماتٍ، وهذا اللَّفظُ العربيُّ عندهم عبارةٌ عنه وهو مخلوقٌ، وجبريلُ ﵇ لم يَأتِ بقرآنٍ غيرِ هذا العربيّ، فكانَ ما أتى به مخلوقاً إذاً على اعتقادِهم، وارجِعْ إلى نصوصِ الإِمام أحمدَ في إنكار هذه الضَّلالةِ في المبحث الثاني من هذا الفصل، لتعلمَ أنَّ هذه الطائفةَ التي حمَلَتْ كلامَ أحمدَ على غير مَحاملهِ قد حُرِمَت التوفيقَ في فَهْم كلامهِ.
* وأمَّا الوجه الثالث فإنَّ جميع ما ذكروهُ تأويلاتٌ فاسدةٌ.
- أمَّا أولاً فإنَّه حقٌ في نفسهِ، ولكن ليسَ هو المرادَ, لأنَّ مجرَّد كونِ القول به بدعةٌ محدثةً فإنَّه لا يَستدعي تكفيرَ القائل بهِ، وهذا المَعنى يتنزَّهُ عن مثلهِ مَن دونَ الإِمام أحمد عِلماً وفَهْماً ومعرفةً، فكيف تصلحُ إضافته إليه ﵀ وهو مِن أنزَهِ الناس لساناً، وأصْوَبِهم مقالاً، بما آتاه الله من العِلْم والهُدى؟
стр. 238
- وأمَّا ثانياً فإنَّما أوقعَهم في مثلهِ اضطرارُهم لتعليلِ ما وَقعوا فيه من مُخالفة عقيدةِ أحمد، وإلاَّ فإنَّ هذا التفسيرَ يردُّهُ ظاهرُ قَوْلِ أحمد ﵀، فإنَّه قَدْ سبَقَت حكايتُنا لقولهِ مفسَّرةً لا يَرِد عليها مثلُ هذا الحَمْلِ الفاسدِ، من ذلك قوله: "هم شرٌّ من قول الجهميةِ، مَن زعَم هذا فقد زعَمَ أنَّ جبريلَ جاء بمخلوقٍ وأنَّ النَّبيَّ ﷺ تكلَّم بمخلوق" والذي جاء به جبريلُ وتكلَّمَ به محمَّدٌ ﷺ هو هذا القرآنُ العربيُّ المعلوم عند جَميع المسلمينَ، لم يأتِ جبريل بقرآنٍ سِواه، ولَم يتكلَّم الله بقرآنٍ سِواه، وأحمدُ ﵀ إنَّما قالَ هذهِ المقالةَ وما يُشْبِهُها في الذين قالوا بخَلْق هذا القرآن العربيّ، لا فيمَنْ قال: إنَّ القرآنَ الذي لَمْ يَنْزِل مخلوقٌ، فإنَّه ليسَ هناك قرآن لَم يَنْزِل، ولم تكن هناك جَهميةٌ يقولونَ: القرآنُ قرآنان، قرآنٌ نَزَل، وآخرُ لم يَنْزِلْ، وهما مخلوقانِ، ليُحْمَلَ قولُ أحمد على أنَّه أرادَهم، وإنَّما كانت الجهميةُ المحْضةُ يقولون: ليسَ لله كلامٌ، والله لا يتكلَّمُ، والقرآن مخلوقٌ.
- وأمَّا ثالثاً ففسادُهُ ظاهرٌ، فإنَّه لا يُساعدُ على مثلهِ ألفاظ الإِمام في تجهيم اللَّفظية، ثمَّ إنَّ لفظَ (اللَّفظ) إنما يُراد به هنا النُّطْقُ، لا لفظ اللُقمةِ، وهو أبْيَنُ من أن يخفى.
* وأمَّا الوجه الرابع فإنَّ (اللفظيةَ) لفظٌ مجمَلٌ، يُطلَق على اللَّفظيةِ النافية التي تقول: (ألفاظنا بالقرآن مخلوقة) وعلى اللَّفظية المُثْبِتة التي تقول: (ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة) وتعيينُ المُرادِ إنَّما يكون بالدليل، فتأمَّلْنا حالَ اللفظيةِ النافيةِ هل هم المُرادونَ بذلك أم لا؟ فوجدناهم غيرَ مُرادِينَ لِما يأتي:
стр. 239
١ - أنَّ وصفَهُم بالجهميةِ مُتواتر عن الإِمام أحمد -كما سبقَتْ حكايته-.
٢ - أنَّ أصحابَ أحمدَ ليسَ فيهم من كان يقولُ: (لفظي بالقرآن مخلوق) وإنَّما فيهم مَن قال: (لفظي بالقرآن غير مخلوق) -كما سيأتي في المبحث الآتي في حكايته قصَّةِ أبي طالبٍ وابن شدَّادٍ- وقد أنكرَها أحمدُ ﵀، وبدَّعَ أصحابَها, ولم يُجَهَّمْهم.
٣ - قال في الرواية: "القرآن كيفَ تصرَّفَ في أقوالهِ وأفعالِهِ فغير مخلوق، فأمَّا أفعالُنا فمخلوقة" واللُّفظيةُ النافيةُ عندهم القرآن غير المخلوقِ لا يتصرَّف في أقوالِه وأفعالِهِ، وإنَّما هو معنى واحدٌ قائمٌ بذاتِ الله، وأما القرآن الذي يتصرَّفُ في أقواله وأفعاله فهو مخلوقٌ عندهم.
فبانَ بهذا أنَّه يعني اللفظيةَ المثبِتَةَ القائلينَ: (لفظي بالقرآن غير مخلوق) فإنَّهم مع بدعتهم ليسوا جهميةً.
• بيان غلطهم على الإِمام البخاري ﵀:
البخاريُّ ذاكَ الإِمام الذي لا يُجْهَل فضلُهُ وقَدْرُهُ، أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل صاحب "الصحيح" أعظم كتابٍ على الإِطلاقِ في سنَّةِ رسولِ الله ﷺ ، تَلَقَّتْه الأمَّةُ من بعدِهِ بالقَبول، وعوَّلَت عليه قبلَ سِواه لمعرفةِ ما جاءَ به الرَّسول، رفَعَ الله تعالى به للبُّخاريّ المنزلةَ العاليةَ، فلا تكاد ترى مسلماً يفهَم لا يَعلمُ فضْلَ محمَّد بن إسماعيل بفضْل "صحيحه" وكذلك هو الإِمامُ المعتمَدُ في الجرْح والتَّعديل، ومَعْرفة الرجالِ والعِلَل، وكيفَ لا يكون كذلك وبأحمدَ وابن المَديني وإسحاقَ تخرَّجَ؟
стр. 240
ولقد كانَ ﵀ إمامَ أهلِ السُّنَّة ورأسَ أهل الحديث بعدَ أحمد ابن حنبل، فإنَّه كانَ على أثرهِ وطريقتهِ، ما حادَ عنه ولا زادَ، ومَن تأمَّل كتابَ "التوحيد" من "الصحيح" و "خلق أفعال العباد" قامَت له الحُجَّةُ على صحَّة ما قُلْنا.
ولكنه ﵀ لمَّا آتاه الله تعالى من سَعَةِ العلمِ والمعرفةِ ما آتاه مِمَّا فاقَ بهِ الأقرانَ، وصارَ المشارَ إليه بالبنانِ، حَمَل عليه بعضُ أقرانِه بسبَب الحسَدِ المَمْقوتِ، فحمَّلوا كلامَه ما لا يَحْتَمِلُ، وادَّعوا عليه إطلاق الفولِ: (ألفاظنا بالقرآن مخلوقة) وأشاعوا ذلك وأذاعوهُ في نَيْسابور وغيرِها، لِيُنَفَّرَ عنه وعن الانتفاعِ به.
وكانَ حامِلُ رايةِ المُنفِّرينَ عنه الإِمامَ الحافظَ محمَّدَ بن يحيى الذُّهْليَّ، وكانَ مِنْ ثقاتِ المحدِّثين وحُفَّاظِهم، أثنى عليه الأئمَّةُ وعدّلوه وارتضَوْه، وكانَ صاحِبَ سُنَّةٍ مُتَّبِعاً، ﵀، إلاَّ أنَّه وقَعَ في نفسهِ على البخاري، وزُوَّرَتْ إليه المَقالةُ عَليه في مسألة اللَّفظ، فشدَّدَ على البخاري بسَبَبِها، مع أنَّه ارتضاه أوَّلَ الأمر.
قالَ الحافظ أبو حامد الأعمَشيُّ (وكان ثِقَةً ثَبْتاً): رأيتُ محمَّدَ بن إسماعيل البُخاريَّ في جنازةِ أبي عثمان سعيد بن مَرْوان، ومحمَّدُ بن يحيى يسألُهُ عن الأسامِي والكُنى وعلل الحديثِ، ويَمُرُّ فيه محمدُ بن إسماعيل مثلَ السَّهْم كأنَّه يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فما أتى على هذا شهرٌ حتى قال محمد بن يحيى: ألا مَنْ يختلفُ إلى مجلسهِ لا يختلف إلينا، فإنَّهم كتبوا إلينا من بغدادَ: أنَّه تكلَّمَ في اللَّفظ، ونَهَيْناهُ فلم ينتَهِ. فلا تقرَبوهُ، ومَن يَقْرَبْهُ؛ فلا يَقْرَبنا. فأقامَ محمد بن إسماعيلَ ها هنا مدَّةً، وخرَج إلى
стр. 241
بُخارى (٦٩).
قلتُ: كانَ البخاريُّ ﵀ يَرى أنَّ هذا ممَّا أوقعَ فيه محمدَ بن يحيى الحَسدُ في العِلْم، وذلك أنَّ الله فتحَ عليه وآتاه ما لَمْ يؤتَ الذُّهْليّ.
قال محمد بن شادل -وكان مُحدِّثاً ثَبْتاً-: لَمَّا وقَع بين محمد بن يحيى والبُخاريّ دخَلْتُ على البَّخاري فقلتُ: يا أبا عبد الله، أيْشٍ الحيلة لَنا فيما بينكَ وبين محمَّد بن يحيى، كلُّ من يَخْتَلِفُ إليك يُطرَد؟
فقال: "كم يَعْتري محمَّد بن يحيى الحسَدُ في العِلْم، والعِلْمُ رزقٌ الله يُعطيه مَن يَشاءُ" فقلتُ: هذه المَسْألة التي تُحكى عنك؟ قال: "يا بنيّ، هذه مسألةٌ مشؤومةٌ، رأيتُ أحمد بن حنبل وما نالَه في هذه المسألة، وجعلتُ على نَفْسي أن لا أتكلَّمَ فيها" (٧٠)
قُلتُ: البخاريُّ ﵀ نزيهُ اللسان، لا يَرْمي قرينَهُ بداءِ الحسَدِ بمُجَرَّد الظنّ من غير أن تحفَّهُ القرائنُ، ولكنّي أرى مع ذلك أن يكونَ النقلُ الذي بلغَ الذُّهْليّ عن البُخاريّ هو السَّببَ الدَّاعيَ للتنفير منه، وكانَ الأجدرَ بالإِمام الذُّهْليّ أن يَسْتثْبِتَ من البخاري نفسِه، ولكن أبى الله أن يكون إلاَّ ما أراد.
والتَّحقيقُ الذي يرتَضيه كلُّ مُنصفٍ هوأنَّ البخاريَّ ﵀ لم يقل بقولِ اللفظيةِ، ولم ينْطِق بذلك لسانُهُ، وإنَّما كانَ يقول ألفاظاً يَرِدُ بسَببها
стр. 242
بعضُ الإِيهام واللَّبْس، ولكن من تأمَّلها ثَبَتَ له صحَّةُ ما قُلنا، فالمآخِذُ عليه في هذه القضية أربعةٌ:
الأوَّل: وقفُهُ عن التَّصريحِ بتَجْهيم أو تبديع اللَّفظيَّةِ القائلين:
(لفظي بالقرآن مخلوق).
والثاني: جاء عنه قولُهُ -وقد سُئِلَ عن اللَّفظ بالقرآن؟ -: "أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا" ففَهِمَ بعضُ مَن حضَرَ مَجْلِسَه أنَّه يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق" وأبى ذلك آخرون (٧١).
والثالث: ما أشاعَه عنه الذُّهْليُّ من القوْل: "ألفاظنا بالقرآن مخلوقة".
والرابع: إطلاقُهُ الفَرْقَ بين التّلاوةِ والمتْلوّ، والقراءةِ والمَقروء.
فاستغلَّ القائلونَ: (ألفاظنا بالقرآن مخلوقة) ممَّن جاء بعدَه من الأشعرية وغيرِهم هذه الأمورَ فقالوا: قولٌ البُخاري هو قولُنا، فإنَّا نفرّق ببن التلاوةِ والمَتلوِّ، فالتلاوةُ هذه الألفاظ العربيةُ، والمتلوُّ ما دلّتْ عليه التلاوةُ، وهو عندَهم كلامُ الله القائمُ بذاتهِ الذي هو معنى مجرَّدٌ.
وهذا من الزُّور والبُهْتان الذي لم يقل البخارىُّ بشيءٍ منه، وهوبريء منه بحَمْدِ الله، وإني ناقضٌ بحَوْل الله تعالَى وقوّته ما حرَّفوهُ من المعاني يسَبب ما ذكرنا من المآخذ على البخاريٌ.
* أما المأخذُ الأوَّل فهو غيرُ قائم, لأنَّ وقفَه حين وقفَ لَمْ يكن عن شكٍّ في بِدْعَتِهم، أو تردُّدٍ في بُطلان مذْهَبِهم، وإنَّما كانَ ذلك اتقاءً لِما
стр. 243
يُحْتَمل وقوعهُ من الفتنة بسَبَبِها، ألَا تراهُ احتجَّ بأحمدَ ﵀؟ قال: "هذه مسألةٌ مشؤومةٌ، رأيتُ أحمدَ بن حنبل وما نالَهُ في هذه المسألة، وجعلتُ على نَفْسي أن لا أتكلَّمَ فيها".
واكتفى ببيان الفَرْق بين أفعالِ العباد وكلامِ الله تعالى، وقال: إنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ، وكلامَ الله القرآن وغيرَه غيرُ مَخلوقٍ، وأبانَ عن هذا أحسنَ الإبانة في كتابه "خلق أفعال العباد".
* وأمَّا المأخذ الثاني فإنَّه إيرادٌ مُشْتَبَهٌ، ونحنُ قَدْ شَرَحْنا فيما سبقَ أنَّ (اللفظ) مُطْلقاً، قد يُرادُ به فعلُ العَبْدِ الذي هو حركتهُ وصوتهُ بالقرآن فهو حينئذ مخلوقٌ، وقد يُرادُ به كلامُ الله تعالى المسطورُ المقروءُ الذي هو الحروفُ العربيةُ فهو حينئذ غيرُ مخلوقٍ.
والأئمَّةُ مَنَعوا إطلاقَ اللفظ: (لفظي بالقرآن مخلوق) من غير تبيين المُرادِ، لأنَّ الجهميةَ ابتدَعوا ذلك ليُموّهوا على الناس، ولم تكن حينئذٍ قد ظَهَرتْ بدعةُ القائلينَ: (لفظي بالقرآن مخلوق) وهم يُريدونَ خَلْقَ القرآنِ العربيّ المؤلَّفِ من الحُروفِ العربيَّةِ، من الأشعرية وغيرهم.
فالبخاريُّ ﵀ في هذه المَقالة أبانَ عن حقيقةِ قولهِ، بقوله: "أفعالُنا مخلوقةٌ، وألفاظُنا من أفعالنا" عن مفارقتهِ لاعتقاد الجَهمية الباطلِ، وموافقتهِ لأهل السُّنَّةِ، فإنَّه فَسَّرَ ههُنا مرادَهُ باللفظ وأنَّه إنَّما أرادَ فعلَ العبدِ، وهو مخلوقٌ قَطْعاً، وقد سبقَتْ حكايتُنا قولَ الِإمام أحمد: "مَن قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، يريدُ به القرآنَ، فهو كافرٌ" والبخاريّ ﵀ لَم يُرِدْ باللفظِ القرآنَ، وإنَّما أرادَ فِعل العَبْدِ، فَغَلِطَ أناسٌ في فَهْم مُرادهِ فافتَروا عليه.
стр. 244
معَ أنَّ الأوْلى والأحْرى بالبخاريّ ﵀ تركُ هذه اللَّفظة جملةً، لأنَّها مما تركَ السَّلفُ الكلامَ فيها، واكتَفَوا بالبيان: "أنَّ أفعالَ العباد مخلوقة، والقرآن كلامُ الله غيرُ مخلوق حيث تصرَّف".
ولكنَّ المقصودَ هنا بيانُ أنَّ البخاريَّ ﵀ لم يكن اعتقادُه في اللَّفظِ هو اعتقادَ اللفظيَّة الذين يعتقدونَ أنَّ جبريلَ ﵇ إنَّما جاء بكلامٍ مخلوقٍ، وهو هذا القرآن المؤلَّف من الحُروف العربيةِ، وأنَّ الله تعالى لم يتكلَّم بالحُروف.
* وأمَّا المأخذ الثالث فهو مبنيٌّ على خَطأ على البخاريّ، عضَّدَهُ ما وقعَ في النُّفوسِ من الحسَد في العلم -كما بيّنا-.
* وأمَّا المأخذ الرابع فإنَّ البخاريَّ حين فرَّقَ بين التّلاوةِ والمَتْلوّ، يعتقدُ أنَّ التلاوةَ فِعْلُ العبد فقط، ولا يُدْخِلُ فيها الكلامَ المؤلَّفَ من الحروفِ، والمتلوَّ هو هذا القرآنُ العربيُّ المُبينُ الذي نزلَ به جبريلُ ﵇ على محمَّد ﷺ ، خِلافاً لِما يعتقدُهُ اللَّفظيةُ الذين اعتصَموا بقولِهِ -من الأشعرية وغيرهم- فإنَّ هؤلاء يُدْخِلونَ القرآنَ العربيَّ المفتَتَحَ بالفاتحة، والمُخْتَتَمَ بالنَّاس في التِّلاوة، والمَتْلُوُّ عندَهم هو المعنى الذي وصَفو بالنَّفسي، القائمِ بذاتِ الله تعالى، وشتَّانَ ما بينَ المَعْنيين.
هذا مع أنَّنا قد شَرَحْنا فيما سَلَفَ أوَّلَ هذا البابِ عدمَ صحَّةِ إطلاقِ الفَرْق بين التَّلاوةِ والمَتلوّ، أو التَّسْويةِ بينَهما، لأنَّ كُلًّا من الإِطلاقين يَجُرُّ إلى مَحاذيرَ مَرفوضةٍ شَرْعاً، وبيّنا أن تمييزَ القولِ في هذه القضيةِ هو الجوابُ عن جَميع ما أورِدَ عليها من الإِشكالِ.
стр. 245
فتبيَّن إذاً بهذا البيانِ بَرَاءَةُ البُخاري ﵀ مِمَّا نَسَبَتْ إليه اللفظيةُ النافيةُ من الاعتقادِ الباطِلِ، وإنِّي أورِدُ عليهم قولَ البُخاري نفسِه في ذلك ليمْحَقَ باطلَهم، قال ﵀ بعدَ أن أسْنَدَ عن يحيى بن سعيد قولَه: "ما زِلْتُ أسمَعُ من أصحابِنا يقولون: إنَّ أفعالَ العبادِ مخلوقة" قال البخاريُّ: "حرَكاتُهم، وأصواتُهم، واكْتِسابُهم، وكتابَتهُم، مخلوقةٌ، فأمَّا القرآنُ المَتْلوُّ المُبينُ، المُثْبَتُ في المُصْحَف، المَسطورُ، المكتوبُ، المُوعى في القلوبِ، فهو كلامُ الله، ليسَ بخَلْقٍ" (٧٢).
وقال ﵀: "وقال الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ولكنَّه كَلامُ الله تَلْفِظُ به العبادُ والملائكةُ" (٧٣).
قلتُ: ولا يَجْهَلُ مسلمٌ يفهَمُ أنَّ المرادَ بالقرآنِ في هذه الآيةِ هو القرآنُ العربيُّ المُعْجِزُ الذي أعجَزَ الإِنسَ والجنَّ عن الإِتيانِ بمثلِهِ، وهو نفسُهُ الذي وصَفَهُ البُخاري بأنَّه كلامُ الله، وهو نفسُهُ الذي يتلفَّظُ به العبادُ، والمَلائكةُ، فما أثْبَتَ للعبادِ والملائكةِ -وهم عامَّةُ من يَعْقِلُ من خَلْقِ الله- إلَّا تَلَفُّظَهم به الذي هو فِعْلُهُمْ: نُطْقُ ألسِنَتِهم، وحرَكةُ شِفاهِهم، أمَّا القرآنُ المُعْجزُ فغير مَقدورٍ لهم أن يأتوا بمثلهِ، وهذا كلّه خِلافُ دين اللَّفْظية النافيةِ، فإنَّ هذا القرآنَ العربيُّ المُعجزَ في نَظْمِهِ مخلوقُ النَّظْمِ عندَهم.
وقد أثبتَ البخاري ﵀ في كتابِهِ "خلق أفعال العباد" أنَّ القرآنَ
стр. 246
منزَلٌ غيرُ مخلوق، وأنَّه مِنَ الله بدأ وإليه يعودُ، وأنَّ الله تعالى يتكلَّمُ بصَوْتٍ، إلى غير ذلك مِمَّا هو مُعْتَقد أهلِ الحقِّ الذي فصَّلْناه في الباب الأوَّل، ممَّا تُرْغَمُ به أنوفُ اللفظيةِ الأشعريةِ وغيرهم الذين يقولُ قائلهُم من غير حَياءٍ ولا وَرَعٍ: "كانَ البخاريُّ مِمَّن قال: لفظي بالقرآن مخلوق".
وممَّا يجْدُرُ التنبيهُ عليه أنَّه رُوي عن البخاري ﵀ أنَّه قال للحافظ أبي عَمْرو أحمد بن نَصْرٍ الخفّاف: "يا أبا عَمْرو، احفَظْ ما أقول لك: مَن زعَمَ من أهل نَيْسابورَ، وقُومَسَ، والرَّيِّ، وهَمَذانَ، وحُلوانَ، وبغدادَ، والكوفةِ، والمدينةِ، ومكَّةَ، والبَصْرةِ، أني قلتُ: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو كذَّابٌ، فإنِّي لم أقُلْ هذه المقالةَ، إلَّا أني قلتُ: أفعالُ العباد مخلوقة" (٧٤).
قلتُ: لكنَّني أعرضتُ عن الاحتجاج بها صَفْحاً لعَدَم ثُبوتِ إسنادها، وإن كانت قد احتجَّ بها جَماعةٌ من الأئمَّةِ، وفيما حَقَّقْناه كفايةٌ لمَنْ رزقَه الله التجرّدَ للحقّ.
• • • • •
стр. 247
المبحث الخامس: اللفظية المثبتة مبتدعة
اللفظيةُ المُثْبِتَة -كما سبق في المبحث الأول- هم القائلونَ: (ألفاظُنا بالقرآن غيرُ مَخلوقة) ويريدونَ بهذا الإِطلاق اللفظَ الذي هو كلامُ الله المؤلَّف من الحروفِ العَربيةِ، ويُريدون به أيضاً الرَّدَّ على اللفظية النافيةِ القائلينَ: (ألفاظنا بالقرآن مخلوقة).
ولكنَّهم حين أطلَقوا هذه المقالَة -مع صِحَّة مُرادهم- جاء من بعدِهم أقوامٌ وافَقوهم في إطلاق اللفظِ، وأدخَلوا في ذلك فِعْلَ العبدِ وحركَتَه وصَوْتَه، وممَّا أوقَعَهم في ذلك إطلاقهُم القول: إنَّ التلاوةَ هي المتلوُّ، والقراءةَ هي المقروءُ، وقد بَيَّنا فيما سَلَفَ فسادَ هذا الإِطلاق.
فمَنَعَ الإِمامُ أحمد ﵀ إطلاقَ هذا اللَّفْظِ: (ألفاظُنا بالقرآن غير مخلوقة) لأمْرَيْن:
الأوَّل: أنَّه لفظٌ مُبْتَدعٌ، لم يتكلَّم فيه السَّلَفُ.
والثاني: لِما يجُرُّ من الوقوعِ في المَحذور، كما جَرَّ بعضَ مَن جاء بعدُ من أتباع هذه المقالةِ، فمنهمِ من توقَّفَ: هل يدخلُ في اللفظ صوتُ العبد وحركَتُهُ؟ أم لا؟ وتجرّأ آخرونَ فأدخلوا فعلَ العبدِ وحركتَهُ وصوتَهُ.
стр. 248
وهذا سياقٌ لبعض ما تيسَّرَ الوقوفُ عليه من كلامِ إمام السُّنَّة أبي عبد الله أحمد بن حنبل في شأنِ هذه الطائفةِ.
١ - قَدْ سَبَقَ عنه أنه كان يكرَه الكلامَ في اللفظ بإثباتٍ أو نفيٍ.
٢ - وقال أبو بكر بن زَنْجَوَيْهِ: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول: "مَن قالَ: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جَهْميٌّ، ومن قال: غير مخلوق، فهومبتدعٌ لا يُكلَّم" (٧٥).
وحكى نحوَ هذا الحافظُ الإِمام محمَّدُ بن جَريرٍ الطَّبريُّ عن أحمد، وقال الإِمام أبو عثمانَ الصابونيُّ عقبهُ:
"وأمَّا ما حكاهُ محمَّدُ بن جَرير عن أحمدَ ﵀ أنَّ من قال: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق فهو مبتدعٌ، فإنَّما أرادَ به أنَّ السلفَ الصالحينَ من أهل السُّنَّة لم يتكلَّموا في باب اللَّفظ، ولم يُحْوِجْهم الحالُ إليه، وإنَّما حدَثَ الكلامُ في اللَّفظ من أهْلِ التعمُّقِ وذَوي الحُمْقِ، الذينَ أتَوْا بالمُحْدَثاتِ، وبحَثوا عمَّا نُهوا عنه من الضَّلالاتِ وذَميم المَقالات، وخاضُوا فيما لم يَخُضْ فيه السَّلَفُ من علماءِ الإِسلام، فقال الإِمام أحمدُ: هذا القولُ في نفسِهِ بدعةٌ، ومِن حقّ المتديِّن أن يدَعَهُ وكلَّ بدعةٍ مبتدَعَة، ولا يتفوَّهَ به ولا بمِثْلِهِ من البِدَعِ المبتدَعة، ويقتَصِرَ على ما قالَهُ السَّلَفُ المتَّبعةُ: إنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوق، ولا يزيدُ عليه إلَّا تكفيرَ مَنْ يقولُ بخَلْقِهِ" (٧٦).
стр. 249
٣ - وقال الإِمام أبو بكْرٍ المَرّوذيُّ ﵀: قالَ لي أبو عبد الله -يعني أحمدَ-: "قد غِيضَ قلبي على ابن شَدَّاد" قلتُ: أيّ شيْءٍ حَكى عنكَ؟ قال: "حكى عني في اللَّفظ" فبلغَ ابنَ شدَّاد أنَّ أبا عبد الله قد أنكرَ عليه، فجاءَنا حَمْدويه بن شدَّاد بالرُّقْعَة فيها مسائل، فأدخلْتُها على أبي عبد الله، فنظَرَ، فرَأى فيها: إنَّ لَفْظي بالقرآن غيرُ مخلوقٍ -مع مسائلَ فيها- فقال أبو عبد الله: "فيها كلامٌ ما تكلَّمْتُ به" فقامَ من الدِّهْلِيز فدخَلَ، فأخرَجَ المِحْبَرةَ والقلَمَ، وضرَبَ أبو عبد الله على موضِعِ: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق، وكتَبَ أبو عبد الله بخطِّه بين السَّطْرَيْن: "القرآنُ حيثُ تصرَّفَ غيرُ مَخْلوق" وقال: "ما سَمِعْتُ أحداً تكلَّم في هذا بشَيْءٍ" وأنكرَ على مَن قال: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق (٧٧).
قلتُ: حَمْدُويْهِ بن شَدَّاد هذا أحدُ أصحاب الإِمام أحمد.
٤ - وقال صالحُ بن أحمد بن حنبل:
تَناهى إليَّ أنَّ أبا طالبٍ (٧٨) يَحْكِي عن أبي أنَّه يقولُ: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق، فأخبَرْتُ أبي بذلكَ، فقال: "مَن أخبَرَكَ؟ " فقلتُ: فلانٌ، قال: "ابْعَث إلى أبي طالب" فوجّهتُ إليه، فجاءَ، وجاء فُوران (٧٩)، فقال
стр. 250
له أبي: "أنا قلتُ [لكَ]: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوقٍ؟ " وغضِبَ، وجعلَ يَرْعُدُ، فقال له: قرأتُ عليكَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقلْتَ لي: "هذا ليسَ بمَخْلوقٍ" قال: " [فَلِمَ حَكَيْتَ عني] أني قلتُ لكَ: لفظي بالقرآن غيرُ مَخلوق؟ وبلغَني أنَّكَ وضَعْتَ ذلك في كتابِكَ، وكتبتَ به إلى قَوْمٍ، فإنْ كانَ في كتابِكَ فامْحُهُ أشَدَّ المَحْوِ، واكْتُب إلى القَوْم الذينَ كَتَبْتَ إليهم: أنِّي لم أقلَ لكَ هذا" وغَضِبَ، وأَقْبَلَ عليه فقال: "تَحْكي عنّي ما لَم أقُل لكَ؟ " فجعَلَ فُوران يَعْتَذِرُ إليه، وانصَرَف من عنده وهو مَرْعوبٌ، فعادَ أبو طالبٍ فذكرَ أنَّه قَدْ حَكَّ ذلكَ من كتابهِ، وأنَّه كتَبَ إلى القَوْم يُخْبِرُهم أنَّه وَهَمَ على أبي عبد الله في الحِكايةِ (٨٠).
قلتُ: وهذه القصَّةُ صَحيحةٌ مشهورةٌ عن الِإمام أحمدَ، رَواها عنه ابنه صالحٌ، وأبو بكر المَرّوذيُّ، وفُوران بن محمَّد، والثلاثة من خَواصِّ أصحابهِ، وكلّهم شَهِدوا القصَّةَ.
رواية أبي بكر المرّوذي:
قال ﵀: بلَغَ أبا عبد الله عن أبي طالب أنَّه كتَب إلى أهْلِ نَصِيبينَ (٨١): أنَّ لفظي بالقرآن غير مخلوقٍ.
قال أبو بكرٍ: فجاءَنا صالحُ بن أحمدَ، فقالَ: قُوموا إلى أبي، فَجِئْنَا،