← Акыда

Акыда · id 122091

العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية

عبد الله الجديع

Полный текст (417 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

منزَلٌ غيرُ مخلوق، وأنَّه مِنَ الله بدأ وإليه يعودُ، وأنَّ الله تعالى يتكلَّمُ بصَوْتٍ، إلى غير ذلك مِمَّا هو مُعْتَقد أهلِ الحقِّ الذي فصَّلْناه في الباب الأوَّل، ممَّا تُرْغَمُ به أنوفُ اللفظيةِ الأشعريةِ وغيرهم الذين يقولُ قائلهُم من غير حَياءٍ ولا وَرَعٍ: "كانَ البخاريُّ مِمَّن قال: لفظي بالقرآن مخلوق". وممَّا يجْدُرُ التنبيهُ عليه أنَّه رُوي عن البخاري ﵀ أنَّه قال للحافظ أبي عَمْرو أحمد بن نَصْرٍ الخفّاف: "يا أبا عَمْرو، احفَظْ ما أقول لك: مَن زعَمَ من أهل نَيْسابورَ، وقُومَسَ، والرَّيِّ، وهَمَذانَ، وحُلوانَ، وبغدادَ، والكوفةِ، والمدينةِ، ومكَّةَ، والبَصْرةِ، أني قلتُ: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو كذَّابٌ، فإنِّي لم أقُلْ هذه المقالةَ، إلَّا أني قلتُ: أفعالُ العباد مخلوقة" (٧٤). قلتُ: لكنَّني أعرضتُ عن الاحتجاج بها صَفْحاً لعَدَم ثُبوتِ إسنادها، وإن كانت قد احتجَّ بها جَماعةٌ من الأئمَّةِ، وفيما حَقَّقْناه كفايةٌ لمَنْ رزقَه الله التجرّدَ للحقّ. • • • • •

стр. 247

المبحث الخامس: اللفظية المثبتة مبتدعة اللفظيةُ المُثْبِتَة -كما سبق في المبحث الأول- هم القائلونَ: (ألفاظُنا بالقرآن غيرُ مَخلوقة) ويريدونَ بهذا الإِطلاق اللفظَ الذي هو كلامُ الله المؤلَّف من الحروفِ العَربيةِ، ويُريدون به أيضاً الرَّدَّ على اللفظية النافيةِ القائلينَ: (ألفاظنا بالقرآن مخلوقة). ولكنَّهم حين أطلَقوا هذه المقالَة -مع صِحَّة مُرادهم- جاء من بعدِهم أقوامٌ وافَقوهم في إطلاق اللفظِ، وأدخَلوا في ذلك فِعْلَ العبدِ وحركَتَه وصَوْتَه، وممَّا أوقَعَهم في ذلك إطلاقهُم القول: إنَّ التلاوةَ هي المتلوُّ، والقراءةَ هي المقروءُ، وقد بَيَّنا فيما سَلَفَ فسادَ هذا الإِطلاق. فمَنَعَ الإِمامُ أحمد ﵀ إطلاقَ هذا اللَّفْظِ: (ألفاظُنا بالقرآن غير مخلوقة) لأمْرَيْن: الأوَّل: أنَّه لفظٌ مُبْتَدعٌ، لم يتكلَّم فيه السَّلَفُ. والثاني: لِما يجُرُّ من الوقوعِ في المَحذور، كما جَرَّ بعضَ مَن جاء بعدُ من أتباع هذه المقالةِ، فمنهمِ من توقَّفَ: هل يدخلُ في اللفظ صوتُ العبد وحركَتُهُ؟ أم لا؟ وتجرّأ آخرونَ فأدخلوا فعلَ العبدِ وحركتَهُ وصوتَهُ.

стр. 248

وهذا سياقٌ لبعض ما تيسَّرَ الوقوفُ عليه من كلامِ إمام السُّنَّة أبي عبد الله أحمد بن حنبل في شأنِ هذه الطائفةِ. ١ - قَدْ سَبَقَ عنه أنه كان يكرَه الكلامَ في اللفظ بإثباتٍ أو نفيٍ. ٢ - وقال أبو بكر بن زَنْجَوَيْهِ: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول: "مَن قالَ: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جَهْميٌّ، ومن قال: غير مخلوق، فهومبتدعٌ لا يُكلَّم" (٧٥). وحكى نحوَ هذا الحافظُ الإِمام محمَّدُ بن جَريرٍ الطَّبريُّ عن أحمد، وقال الإِمام أبو عثمانَ الصابونيُّ عقبهُ: "وأمَّا ما حكاهُ محمَّدُ بن جَرير عن أحمدَ ﵀ أنَّ من قال: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق فهو مبتدعٌ، فإنَّما أرادَ به أنَّ السلفَ الصالحينَ من أهل السُّنَّة لم يتكلَّموا في باب اللَّفظ، ولم يُحْوِجْهم الحالُ إليه، وإنَّما حدَثَ الكلامُ في اللَّفظ من أهْلِ التعمُّقِ وذَوي الحُمْقِ، الذينَ أتَوْا بالمُحْدَثاتِ، وبحَثوا عمَّا نُهوا عنه من الضَّلالاتِ وذَميم المَقالات، وخاضُوا فيما لم يَخُضْ فيه السَّلَفُ من علماءِ الإِسلام، فقال الإِمام أحمدُ: هذا القولُ في نفسِهِ بدعةٌ، ومِن حقّ المتديِّن أن يدَعَهُ وكلَّ بدعةٍ مبتدَعَة، ولا يتفوَّهَ به ولا بمِثْلِهِ من البِدَعِ المبتدَعة، ويقتَصِرَ على ما قالَهُ السَّلَفُ المتَّبعةُ: إنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوق، ولا يزيدُ عليه إلَّا تكفيرَ مَنْ يقولُ بخَلْقِهِ" (٧٦).

стр. 249

٣ - وقال الإِمام أبو بكْرٍ المَرّوذيُّ ﵀: قالَ لي أبو عبد الله -يعني أحمدَ-: "قد غِيضَ قلبي على ابن شَدَّاد" قلتُ: أيّ شيْءٍ حَكى عنكَ؟ قال: "حكى عني في اللَّفظ" فبلغَ ابنَ شدَّاد أنَّ أبا عبد الله قد أنكرَ عليه، فجاءَنا حَمْدويه بن شدَّاد بالرُّقْعَة فيها مسائل، فأدخلْتُها على أبي عبد الله، فنظَرَ، فرَأى فيها: إنَّ لَفْظي بالقرآن غيرُ مخلوقٍ -مع مسائلَ فيها- فقال أبو عبد الله: "فيها كلامٌ ما تكلَّمْتُ به" فقامَ من الدِّهْلِيز فدخَلَ، فأخرَجَ المِحْبَرةَ والقلَمَ، وضرَبَ أبو عبد الله على موضِعِ: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق، وكتَبَ أبو عبد الله بخطِّه بين السَّطْرَيْن: "القرآنُ حيثُ تصرَّفَ غيرُ مَخْلوق" وقال: "ما سَمِعْتُ أحداً تكلَّم في هذا بشَيْءٍ" وأنكرَ على مَن قال: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق (٧٧). قلتُ: حَمْدُويْهِ بن شَدَّاد هذا أحدُ أصحاب الإِمام أحمد. ٤ - وقال صالحُ بن أحمد بن حنبل: تَناهى إليَّ أنَّ أبا طالبٍ (٧٨) يَحْكِي عن أبي أنَّه يقولُ: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق، فأخبَرْتُ أبي بذلكَ، فقال: "مَن أخبَرَكَ؟ " فقلتُ: فلانٌ، قال: "ابْعَث إلى أبي طالب" فوجّهتُ إليه، فجاءَ، وجاء فُوران (٧٩)، فقال

стр. 250

له أبي: "أنا قلتُ [لكَ]: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوقٍ؟ " وغضِبَ، وجعلَ يَرْعُدُ، فقال له: قرأتُ عليكَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقلْتَ لي: "هذا ليسَ بمَخْلوقٍ" قال: " [فَلِمَ حَكَيْتَ عني] أني قلتُ لكَ: لفظي بالقرآن غيرُ مَخلوق؟ وبلغَني أنَّكَ وضَعْتَ ذلك في كتابِكَ، وكتبتَ به إلى قَوْمٍ، فإنْ كانَ في كتابِكَ فامْحُهُ أشَدَّ المَحْوِ، واكْتُب إلى القَوْم الذينَ كَتَبْتَ إليهم: أنِّي لم أقلَ لكَ هذا" وغَضِبَ، وأَقْبَلَ عليه فقال: "تَحْكي عنّي ما لَم أقُل لكَ؟ " فجعَلَ فُوران يَعْتَذِرُ إليه، وانصَرَف من عنده وهو مَرْعوبٌ، فعادَ أبو طالبٍ فذكرَ أنَّه قَدْ حَكَّ ذلكَ من كتابهِ، وأنَّه كتَبَ إلى القَوْم يُخْبِرُهم أنَّه وَهَمَ على أبي عبد الله في الحِكايةِ (٨٠). قلتُ: وهذه القصَّةُ صَحيحةٌ مشهورةٌ عن الِإمام أحمدَ، رَواها عنه ابنه صالحٌ، وأبو بكر المَرّوذيُّ، وفُوران بن محمَّد، والثلاثة من خَواصِّ أصحابهِ، وكلّهم شَهِدوا القصَّةَ. رواية أبي بكر المرّوذي: قال ﵀: بلَغَ أبا عبد الله عن أبي طالب أنَّه كتَب إلى أهْلِ نَصِيبينَ (٨١): أنَّ لفظي بالقرآن غير مخلوقٍ. قال أبو بكرٍ: فجاءَنا صالحُ بن أحمدَ، فقالَ: قُوموا إلى أبي، فَجِئْنَا،

стр. 251

فدخَلْنا على أبي عبد الله، فإذا هو غضبانُ شديدُ الغَضَب، قد تبيَّنَ الغضَبُ في وجهِهِ، فقال: "اذْهَبْ فَجِئْني بأبي طالبٍ" فجئتُ به، فقعَدَ بين يَدَيْ أبي عبد الله وهو يَرْعُدُ، فقال: "كتبتَ إلى أهلِ نصِيبينَ تخبرُهم عنّي أنّي قلتُ: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق؟ " فقال: إنَّما حكيتُ عن نَفْسي، قال: "فلا يَحِلُّ هذا عنْكَ ولا عن نَفْسِي، فما سمعتُ عالماً قال هذا". قال أبو عبد الله: "القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ كيفَ تصَرَّف". فقيلَ لأبي طالب: اخْرُجْ وأخْبِرْ أنَّ أبا عبد الله قد نَهى أن يقالَ: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق، فخرجَ أبو طالب فلقيَ جماعةً من المحدِّثينَ فأخبرَهم أنَّ أبا عبد الله نَهاه أنْ يقولَ: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق (٨٢). رواية فُوران بن محمد: قال ﵀: جاءَني صالحٌ -وأبو بكْرٍ المَرّوذيُّ عندي- فدعاني إلى أبي عبد الله، وقال: إنَّه قدْ بلغَ أبي أنَّ أبا طالبٍ قد حكى عنه أنَّه يقولُ: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق، فقمتُ إليه، فتَبِعَني صالحٌ، فدارَ صالحٌ من بابهِ، فدخَلْنا على أبي عبد الله، فإذا أبو عبدَ الله غضبانُ شديدُ الغضَبِ، بَيِّنُ الغضبُ في وجههِ، فقال لأبي بكر: اذهَبْ فجئْني بأبي طالب، فجاءَ أبو طالب، وجعلتُ أسَكِّنُ أبا عبد الله قبلَ مَجيءِ أبي طالب، وأقولُ: له حُرْمَة، فقعَدَ بين يَدَيْه -وهو متغيّرُ اللَّونِ- فقالَ له أبو عبد الله: "حكَيْتَ عنّي أني قلتُ: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق؟ " فقال: إنَّما حكيتُ عن

стр. 252

نفسي، فقال. "لا تَحْكِ هذا عنكَ ولا عنّي، فما سمعتُ عالماً يقولُ هذا" -أو العلماءَ، شكَّ فُوران- وقال له: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ حيثُ تصرَّفَ". فقلتُ لأبي طالب -وأبو عبد الله يسمَعُ-: إنْ كنتَ حكيت هذا لأحَدٍ فاذهَبْ حتى تُخْبِرَه أنَّ أبا عبد الله نهى عن هذا، فخَرَجَ أبو طالب فأخبرَ غيرَ واحدٍ بنَهْي أبي عبد الله، منهم: أبو بكر بن زنْجَوَيْهِ، والفضلُ بن زياد القطَّانُ، وحَمْدان بن عليّ الورَّاقُ، وأبو عُبَيْد، وأبو عامر، وكتبَ أبو طالبٍ بخَطِّه إلى أهلِ نَصيبينَ بعدَ مَوْت أبي عبد الله يُخبِرُهم أنَّ أبا عبد الله نهى أنْ يقال: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق، وجاءني أبو طالب بكتابهِ وقد ضرَبَ على المسألة مِن كتابهِ. قال زكريّا بن الفَرَج -راوي القصَّة عن فُوران-: فمضَيْتُ إلى عبد الوهّاب الورَّاق، فأخذَ الرُّقْعَةَ فقَرأها، فقال لي: مَن أخبرك بهذا عن أحمد؟ فقلتُ له: فُوران بن محمد، فقال: الثِّقَةُ المأمونُ على أحمد. قال زكريّا: وكانَ قبلَ ذلك قد أخبرَ أبو بكرٍ المَرّوذيُّ عبدَ الوهّاب، فصارَ عند عبد الوهّاب شاهدان (٨٣).

стр. 253

قلتُ. فهذه الحكايةُ الصَّحيحةُ قاطعةٌ في عَدَم قولِ الإِمام أحمدَ بهذه المقالةِ، بل هي صريحةٌ في كونِه لم يتفوَّهْ بها، وإنَّما كان ما نقلَ عنه أبو طالب خطأ تأوَّله، فعنَّفه أحمدُ ونَهاه عنه. فكلُّ ما وَرَدَ عنه من القولِ بها فإنَّ هذه الحكايةَ تُكَذِّبهُ. ٥ - وقال البخاري ﵀: "وقعَ عندِي عن أحمد بن حنبل على اثنين وعشرينَ وجْهاً، كلُّها يُخالِفُ بعضُها بعضاً، والصَّحيحُ عندي أنَّه قال: ما سمعتُ عالماً يقول: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوق" (٨٤). قلتُ: فهذه النصوصُ التي ذكرتُ عن الإِمام أحمدَ كافيةٌ في بيان اعتقادِه في هذه القضيةِ، فكما أنَّه أنكرَ بدعةَ اللفظيةِ النافيةِ أنكرَ كذلك بدعة اللفظيةِ المُثْبِتَة، ولم يُوافِقْ أيّاً من الطائفتين على بدعَتِهم، وأولئك النافيةُ جهَّمهم، وَهؤلاءِ المُثْبِتَة بدَّعَهم وأمَرَ بِهَجْرِهم. • بيان خطإ من أخطأ على الإِمام أحمد في هذه المسألة: ولكنَّ أقواماً من أهْلِ السُّنَّة والحديثِ أرادوا ردَّ بدعةِ اللفظيةِ النافيةِ القائلينَ: (ألفاظُنا بالقرآن مخلوقةٌ) فقابَلوهم بإطلاقِ الضِّدِّ، فقالوا: (ألفاظُنا بالقرآن غيرُ مخلوقة) ولم يكن مرادُهم إلَّا إثباتَ أنَّ هذا القرآنَ

стр. 254

العربيَّ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، لكنَّهم لم يتفطَّنوا لخُطورةِ هذا الإِطلاقٍ، وكانَ حَريّاً بهم أن يسلُكوا مسلكَ الإِمام أحمدَ في المنعِ من ذلك، وعدمِ رَدَّ البدعةِ ببدْعَةٍ. فلمَّا وقعَ ذلكَ منهم، وفيهم أئمَّةُ أعلامٌ، مثلُ: الحافظِ الإِمام أبي حاتِم الرازي، تَبِعَهم عليه طائفةٌ من أهْلِ السُّنَّة المَعروفينَ بالانتسابِ إلى عقيدةِ الإِمام أحمدَ، مثل: أبي عبد الله بن حامد، وأبي نَصْرٍ السِّجْزيّ، وأبي عبد الله بن مَنْدَه، وآخرينَ سِواهم، وظنّوا أنَّ هذا هو مذهبُ أحمد واعتقادُهُ، بل إنَّ منهم مَن كان يقطَعُ بأنَّه اعتقادُ أحمدَ وقولُه المحقَّقُ الذي رَجَع إليهِ، واعتَمَدوا عدى نقولٍ عنه في ذلكَ، وادَّعى بعضُهم أنَّ حكايةَ أبي طالبٍ السابقة مكذوبةٌ عليه (٨٥). قال شيخ الإِسلام: "وليس الأمرُ كمَا قالَه هؤلاء، فإنَّ أعلمَ الناس بأحمدَ وأخصَّ الناس وأصدَقَ الناس في النَّقْل عنه همُ الذينَ رَوَوْا ذلك عنه، ولكنَّ أهْلَ خُراسانَ لم يكن لهم من العِلْمِ بأقوالِ أحمد ما لأهْلِ العِراقِ الذين هم أخصُّ به" (٨٦). وقال فيما احتجّوا به من رواياتٍ عن أحمدَ أنَّه قال ذلك: "وهي رواياتٌ ضعيفةٌ بأسانيدَ مَجْهولةٍ، لا تُعارِضُ ما تواتَرَ عنه عندَ خواصِّ أصحابهِ وأهلِ بَيتهِ والعُلماءِ الثَّقاتِ، لا سِيَّما وقَدْ عُلِمَ أنَّه في حياتهِ خطَّأ أبا طالب في النَّقْلِ عنه، حتى ردَّهُ أحمدُ عن ذلكَ وغَضِبَ عليه غَضَباً

стр. 255

شَديدًا" (٨٧). • ذكر ما جر إليه إطلاق هذا القول من البدع: الألفاظُ المُبْتَدَعةُ لو كانَ المقصودُ منها حسَنًا فإنَّها لا تَخلو من مَفْسَدَةٍ شَرْعيَّةٍ، ولو لَمْ يقَعْ بسَببها إلاَّ الإِحداثُ المذمومُ لكانت حريّةً بأن تُنْبَذَ وتُتركَ، فكيفَ إذا كانت بابًا لِبدَعٍ أعظمَ منها، ولمفاسِدَ أكبرَ منها، شأنَ هذه البدعةِ، فإنَّه كانَ من مقصودِ مُبْتَدِعها الرَّدَ على اللفظية الجَهمية الذين أطلَقوا القولَ: (ألفاظنا بالقرآن مخلوقة) فقابلوا باطِلَهم بباطِلٍ، وبدعَتَهُم ببدعةٍ، ولقد كانَ يكفِيهم ما كفى غيرَهم من أئمَّةِ الهُدى كالإِمام أحمد وغيره، فيُبْطِلوا البدعةَ بدلائل القرآنِ، ويكْشِفوا زيْفَها بواضِح البَيان، مَعَ الاستغناءِ عن الألفاظِ المُحْدَثة، ولكنَّها زلّةٌ كانَت، فالله المستعان. وقد حَدَثَت بسبَبها بدعتانِ شَنيعتان، وقعَتا من بعضِ الجَهَلة لامِمَّن ذكَرْنا من الأئمَّةِ: البدعة الأولى: القول بأنَّ فعْلَ القارئ الذي هو صَوتُه وحركتُهُ بالقراءةِ غيرُ مخلوق. فجعَلوا ذلك من كلام الله، وصَوْتَ القارئِ هو صَوْتُ الله، وهذا ضَلالٌ مُبينٌ، وزَيْغٌ عن الصراطِ المستقيم، وهو باطلٌ من وجوهٍ كثيرةٍ: ١ - أنَّ أفعالَ العبادِ جميعًا مخلوقةٌ، وهي عقيدةُ السَّلَف الكِرام. قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].

стр. 256

وعن حُذيفةَ ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ الله يَصْنعُ كلَّ صانعٍ وَصَنْعَتَه" وتَلا بعضُ الرُّواةِ عند ذلك: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٨٨). قالَ إمامُ المحدّثينَ الحُجَّةُ الحافظُ يحيى بن سعيدٍ القطّانُ ﵀: "ما زلتُ أسمَعُ مِنْ أصحابِنا يقولونَ: "إنَّ أفعالَ العبادِ مخلوقةٌ" (٨٩). قال البخاريُّ ﵀: "حرَكاتُهم وأصواتُهم واكتسابُهم وكتابَتُهم مخلوقةٌ، فأمَّا القرآنُ المَتلوّ المُبينُ، المُثْبَتُ في المصحفِ، المَسطورُ، المكتوبُ، المُوعى في القلوب، فهو كلامُ الله، ليسَ بخَلقٍ، قال الله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] " (٩٠). وقال الإِمامُ أبو عثمانَ الصابونيُّ: "ومِن قولِ أهْلِ السُّنة والجَماعة في أكسابِ العباد أنَّها مخلوقةٌ لله تعالى، لا يَمْتَرونَ فيه، ولا يعدّونَ من

стр. 257

أهلِ الهدى ودين الحقّ مَنْ يُنْكِرُ هذا القولَ ويَنْفيه" (٩١). ٢ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ أضافَ صوتَ القارئ وتحسينَهُ إليه دونَ القرآنِ الذي هو كلام الله تعالى، وذلكَ في غير ما حديثٍ عنه، مِنْ ذلك قولُهُ ﷺ : "زينَّوا القرآنَ بأصِواتكم" (٩٢) وقوله ﷺ : "ما أذِنَ الله لشَيْءٍ، ما أذنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ، يتغَّنى بالقرآنِ يَجْهَرُ به" (٩٣) ففرَّق النَّبيُّ ﷺ بينَ صَوْتِ القارئ والقرآن المتلو الذي هو كلام الله، فأضافَ الصَّوْتَ إلى القارئ، لأنَّه من كَسْبِهِ وعَمَلِه. ٣ - القارىءُ إنَّما يُبَلّغُ القرآنَ بصوتهِ وحركَةِ نفسهِ، فالكلام كلامُ الباري، والصَّوْتُ صَوْتُ القارئ، وهذا المعنى مُتَصوَّرٌ معقولٌ في كلّ كلامٍ، فلِمَ لا يُتَصوَّر في كلام الله تعالى؟ فإنَّ المحدَّثَ إذا حدَّثَ بحديثِ النَّبيَّ ﷺ : "مَن كذَبَ على متعمِّدًا فليتبوّأ مقعَدَهُ من النار" (٩٤)، فإنَّ الكلامَ كلامُ النَّبِيّ ﷺ بلا شَكٌ ولا رَيْب، والمحدّثُ إنَّما بلّغَهُ بصَوْتِ نفسِهِ، وحركةِ لِسانِهِ، ولا يقالُ: إنَّ الصَّوْتَ المسموعَ من المحدّث هو صَوْتُ النَّبِيّ ﷺ ، ولَوْ قالَ ذلكَ قائلٌ لما كانَ معدودًا في عقلاءِ بني آدَم، فإذا كانَ هذا ظاهِرًا في كلام المخلوقِ، فأولى وأحْرى أنْ يكونَ أظهرَ في كلام الله تعالى، ذلكَ لأنَّ صِفةَ المَخلوقِ تشْبَهُ صِفَةَ مثلهِ ومَعَ ذلك أمكَنَ التَّمييزُ

стр. 258

فيها، وصِفَةَ الله لا تَشْبَهُ صِفَةَ المَخلوقِ فلِمَ عَسُرَ التمييزُ فيها؟ ولقد أنكرَ الأئمَّةُ ﵏ هذه البدعَةَ حين ظهَرتْ، كالبخاري رحمه الله تعالى وغيرِهِ، وقَدْ أخَذَ الإِمامُ أبو بكر المَرّوذىُّ - أخصّ أصحابِ الإِمام أحمد به - أجوبةَ أئمَّةِ الإِسلام وعلمائهِ في وقتهِ، من أهل بغدادَ، والبَصْرةِ، والكوفةِ، والحَرَمَيْنِ، والشامِ، وخُراسانَ، وغيرهم من الأئمة في ذلك (٩٥). وقد ساقَ شيخُ الإِسلام منهم جماعةً، منهم: أبو بكر الأثْرَم، ومحمد بن بشَّار بُنْدار، ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، ومحمَّد بن عبد الله المُخَرَّمي، والعبَّاس بن محمد الدُّوريّ، وعبد الكريم بن الهَيْثم العاقوليّ، وأحمد بن سِنان الواسطي، وعليّ بن حَرْب المَوْصلي. قلتُ: وهؤلاء جميعًا من ثِقاتِ المحدِّثينَ وحُفَّاظِهم. قال شيخ الإِسلام: "ومَن شاءَ الله تعالى من أئمَّةِ أهْل السُّنَّة وأهلِ الحَديث، من أصحاب الإِمام أحمد بن حنبل وغيرِهم، يُنْكِرونَ على مَن يَجْعَلُ لَفْظَ العبد بالقرآنِ، أو صوتَه به، أو غيرَ ذلك من صفاتِ العبادِ المتعلِّقةِ بالقرآنِ غيرَ مخلوقةٍ، ويأمُرونَ بعقوبتهِ بالهَجْرِ وغيرِه" (٩٦). والبدعة الثانية: أنَّ أقوامًا جَعَلوا كلامَ الله مجرَّدَ الحُروفِ والأصواتِ، والمَعانيَ ليسَتْ داخلةٌ في ذلك.

стр. 259

وهذه البدعةُ ظاهرةُ الفَسادِ، وقد بَيّنتُ في الباب الأوّل ما فيه كفايةٌ لإِثباتِ كون الكلام اسْمًا لِلّفظ والمعنى جَميعًا، ليسَ اسْمًا لواحدٍ منهما دونَ الآخر. ورُبَّما نسَبَ خُصومُ هذه الطائفةِ إليها أنَّها تقولُ بأنَّ المِدادَ الذي يُكْتَبُ به كلامُ الله، والوَرَقَ أو الجِلْدَ الذي يُكْتَبُ فيهِ، أو ما في معنى هذا ليسَ مَخْلوقًا، وهذا في الحَقيقة قولٌ لم يقلْ به أحدٌ له مُسْكَةٌ من عَقْلٍ، وربَّما وقعَ فيه بعضُ الجُهُال المُتَطرَّفينَ (٩٧)، وفَسادُهُ أظهرُ من أن يُسْتَدَلَّ له. والله أعلم، ولا حولَ ولا قوّة إلاَّ بالله. • • • • •

стр. 260

الباب الثالث عقائد الطوائف المبتدعة في كلام الله تعالى وكشف أباطيلها وفيه تمهيد وثلاثة فصول: = الفصل الأول: ذكر جملة من أقوال طوائف أهل البدع في كلام الله تعالى. = الفصل الثاني: كشف تلبيس الجهمية المعتزلة في كلام الله تعالى وحكم السلف والأئمة فيهم. = الفصل الثالث: كشف تلبيس الأشعرية في إثبات صفة الكلام لله تعالى.

стр. 261

تمهيد لقد بعثَ الله تعالى رسولَه محمَّدًا بالهُدى ودين الحَقَّ، وأنزلَ معهُ الكتابَ نورًا وهدًى للناسِ، فربّى أصحابَه بصِغار العلمِ وكبارِه، فآمَنوا بما جاءَ به وصدَّقوهُ، واتبعوا النُّورَ الذي أنزلَ معَهُ، وكانوا على هَدْيِهِ ونَهْجِهِ وسُنَّتِهِ، فقامُوا بذلكَ وأخَذُوا الكتابَ بقوَّةٍ. وتبعَهم على ذلك خيارُ الأمَّة بعدَهم. حتى خَلَفَ من بَعْدِهم خَلْفٌ أعْرَضوا عن الكتابِ، واتَّخذوهُ وراءَهم ظِهريًا، فشرَعوا الشرائعَ دونَه بظُنونٍ وأوهامٍ حَسِبوها حُجَجًا وبَراهينَ، فعزَّزَ لهم الشَّيْطانُ ذلكَ، فحكَموا به على الكتاب المعصومِ، وظنّوا بذلك أنَّهم بَلَغوا غايةَ العُلوم، فظهَرَ الجَعْدُ بن دِرهَم بفاسدِ المَقالةِ، استفادَها من فاسدِ المَعْقول الذي هو في الحقيقةِ عينُ الجَهالةِ، فأعلنَ بدعته وباطله إعلانًا، فصرَّح بتكذيب القرآن، وقالَ: لم يكلّم الله موسى تكليمًا، ولم يتَّخِذْ إبراهيم خليلًا، فأبطلَ بهَواهُ ما جاءَ به الرَّسول ﷺ ، ونفى أنْ يكون لله كلامٌ، فشبَّههُ بالأبكَمِ، وأبْطلَ صلتَه تعالى بالعبادِ، فلا رسولَ مُرْسَلٌ، ولا كتابَ مُنْزَلٌ.

стр. 262

فجاءَ من بعدهِ رأسُ الضَّلالة الجَهْم بن صَفْوانَ، فزادَ على سلفه إضلالًا للعبادِ، وأدخَلَ عليهم من الشُّبَه ما عمَّ به الفَسادُ، فقرَّت به عينُ إبليسَ اللَّعين وتحقّقَتْ له البُغْيَةُ والمُرادُ. قاتلَ الله جَهْمًا، كم جرَّ على هذه الأمَّةِ من الكُفْر والضَّلال؟ فنفى عن الله صفاتِ كمالهِ، فشبَّههُ بالعدَم، بل هو في الحقيقةِ عنده وعند أوليائِه عَدَمٌ مَحْضٌ، لا يتَّصف بصفَةٍ، ومن المُحال إثباتُ ذاتٍ مُجرّدةٍ عن الصَّفاتِ، فكذَّبَ جَهْمُ الرَّسولَ والقرآنَ، وجاءَ بما تقشعرُّ من ذكرهِ أبدانُ أهلِ الايمانِ، وحسْبُكَ قولُ الإِمام الحُجَّةِ عبد الله بن المبارك: "إنَّا لنَحْكي كلامَ اليهودِ والنَّصارى، ولا نستطيعُ أنْ نحكيَ كلامَ الجَهْمية" (١). فتذكَّرْ ما وَصَفَتْ به اليهودُ والنَّصارى ربَّهم تعالى من النَّقائِصِ، وما نَفَتْ عنه من صفاتِ كمالِهِ مما قصَّ الله تعالى في كتابهِ، وما جاءَ عن نبيّه ﷺ ، واعلَمْ أنَّ الجَهميَّةَ جاؤوا بما هو أعظم، فإنَّ اليهودَ والنَّصارى لم يَصِفوا الله بالعدَم، ولم يقولوا: هو في كلّ مكانٍ قول الجَهمية، ولم يقولوا: إنَّ كلامَه مخلوقٌ قول الجَهْميةِ. فعَمِلَ جَهْمٌ على بَثّ سُمومهِ بين المسلمينَ فكانَ للشرّ رَأسًا. ذُكر عند أبي نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن مَن يقولُ: القرآنُ مخلوقٌ، فقال: "والله ما سمِعْتُ شيئًا من هذا حتى خرَجَ ذاك الخبيثُ جَهْمٌ" (٢).

стр. 263

فتبعهُ على ذلك أقوامٌ، حتى حمَلَ الرايةَ بِشْرُ بن غِياثٍ المِرِّيسيُّ ورؤوس الاعتزالِ، فاحتضَنَت دعوَتَهم الحُكومةُ والسُّلطانُ، فعَمِلَت القوّة في الناس عَمَلها ووقعَت المِحْنةُ. ولقد كانت مسألةُ القرآن من أبْرَز ما ظَهَر به جَهْمٌ من الكُفْرِ والبدعةِ، وقد كانَ يَنفي أن يكونَ لله كلامٌ، على نَهْج سَلَفِه الجَعْدِ بن دِرْهَم، ولكنَّه من بَعْدُ خافَ سطوةَ أهْلِ الحقّ وظهورَهم فحاباهم، فأثبتَ لله كلاماً، لكنَّه عنده ما خلقَه الله في غيرِهِ، وهذا هو الذي تلقّتهُ عنه المعتزلةُ، ودَعَوْا إليه الناسَ، وعزَّزَتهم عليه قوّة السُّلْطان، وهم في الحقيقةِ على أصْلِهم الجَهمي في نَفْي الكلامِ، لكنَّهم ادَّعوا إثباتَه في الظاهر على معنى فاسدٍ باطلٍ، كما سيأتي شرحُهُ ونقضُهُ. وإلى هذا العَهْدِ، وهو على وجْهِ التَّحديد عهدُ الإِمام أحمد بن حنبل وطبقتهِ، لَمْ يكن ظهَرَ في كلام الله من البِدَعِ سوى هذه البدعةِ، فناضَلَ أهلُ الحقّ من أجل دَحْضِها وإبطالِها. قال شيخ الإِسلام: "لمَّا أظهروا هذه البدعةَ اشتدَّ نكيرُ السَّلَفِ والأئمةِ لها، وعَرفوا أنَّ حقيقتها أنَّ الله لا يتكلَّمُ ولا يأمرُ ولا يَنهى، إذ الكلام وسائرُ الصفات إنَّما يعودُ حكمُها إلى مَن قامت به" (٣). ثمَّ لمَّا وقعت المحنةُ في القرآن: هل هو مخلوقٌ، أو غيرُ مخلوقٍ، وانكشفتْ بصُمودِ أهل الحقّ وثَباتِهم على أنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوق، وظُهورِهم على الجهميةِ المعتزلةِ القائلينَ: بأنَّ القرآنَ كلامَ الله مخلوقٌ،

стр. 264

وحَقَّ الله بذلك الحقَّ ونصَرَ أهلَه، عندئذ مَكَرَتِ الجهميةُ مَكْراً جديداً لتدخُلَ على الناس من طريقٍ أخرى من طُرُق التَّلبيس والتَّمويه، فأظهروا بدعةَ اللَّفظ التي شرحْتُها في الباب السابق، وآخرونَ منهم ثَبَتوا على التقيّة لأهْل الحقّ، فوقَفوا، ولَمْ يكن وقوفاً عن ورَعٍ وديانةٍ، وإنَّما كانَ عن خوفٍ ومَهابَةٍ، أو عن شَكٍّ وتردّدٍ، كَما قد شرحته في الباب الأول. فتلقّفَ بدعةَ اللَّفظ طائفةٌ من المُنتسبينَ إلى السُّنَّة، الذَّابينَ بزَعْمِهم عنها، وحَسِبوها هي المقالةَ الوسَطَ، ومن خِلالها حاولوا الردَّ على الجَهمية المعتزلة معَ اتّفاقهم معهم في حقيقةِ مذهَبهم، وكانَ من حامِلي رايةِ هؤلاءِ ذاكَ المَدْعو عبدالله بن سعيد بن كُلّاب أبو محمد القطّان البَصريّ، الذي تُنْسَبُ له طائفة (الكُلّابية) وكانَ رجُلاً يُذْكَر بالجَدَلِ والمُناظرهِ، ولَمْ يكن مَعْدوداً في أهل الرّوايةِ والأثر مع قِدَم عهدِهِ، وهذا من عَلَامة الخُذْلان (٤)، وكانَ من حسنَتهِ إثباتُ الصفاتِ، وربَّما كانَ بعضُ ذلك على مَعاني محرّفةٍ مبتدَعَةٍ، وقد ردَّ على الجَهمية المعتزلةِ من بعض الوجوهِ التي جعلَت بعضَ

стр. 265

أهل العلْمِ والسُّنَّة يعدّونها محامدَ له. ولكنَّه في مسألة القرآن أحدَثَ ما لَم يُسْبَق إليه، ووافقَ الجهمية المعتزلةَ في بعضِ أصُولهم، بل إنَّ تحقيقَ قولهِ يَرْجِعُ إلى قولِهِم، ووافقَهم في ردّ دلائل القرآن والسُّنَّة الموافقةِ لاعتقادِ السَّلَف. وكانَ له أتباعٌ وافقوهُ على مقالَته وتَبِعوه عليها، حتى جاء الأشعريُّ (٥)

стр. 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 267

وقد كانَ معتزلياً منافِحاً عن الاعتزال أربعينَ سنةً -كما يقولُه أتباعُه وغيرهم- وصنَّف في الدَّعوةِ إلى اعتقادِهم، ثمَّ تابَ عنه ورجَع، فسلَكَ طريقةَ ابن كُلّاب وارْتضاها، وإنَّما خالَفَهُ في يَسيرٍ من ذلك، وربَّما ذكَرَ بعض أهل العلم والسُّنَّة أنَّ ابن كلّاب خيرٌ منه على ما فيه. وسَيظهَرُ لك في الفصْل الآتي تَوافُقُ الكُلّابيّةِ والأشعريَّةِ في مسألة القرآن. وكذا جاءَ بعدَ ابن كُلّاب مَن وافقَه في بعض قَوْلِهِ وخالفَهُ في بعضِهِ، ومِنْ أوالئكَ ممَّن كانَ له أتباعٌ: أبو الحسن أحمد بن محمَّد بن سالم البَصْري، وكانَ يُذْكَرُ بِعِبادةٍ وزُهْدٍ، وأتباعُهُ يُقالُ لهمُ: (السَّالِميّة) ومِن أشهرِهم ذاك الصُّوفيّ المَشَهور أبو طالبٍ المَكّىُّ صاحبُ "قوت القلوب". وقابَل هؤلاء طائفةٌ أخرى كان لها صِيتٌ وذُيوغٌ وكَثْرةٌ بخُراسانَ، وهم (الكرّامية) أتباعُ محمَّد بن كرّام السِّجِسْتاني، وكانَ مبتَدِعاً مَشْهوراً، خالفَ أهلَ السُّنَّة والسَّلَف في كثير من أَصولِهم في مسألة الإِيمانِ، والقرآنِ،

стр. 268

والصَّفاتِ، وعِصْمَة الأنبياء، وغير ذلك، وكان في أتْباعهِ مُجَسِّمةٌ مُشبّهةٌ. فهؤلاء مشاهيرُ أهل البدَع في كلام الله تعالى، وهُناك طوائفُ سِواهم أخْمَدَ الله ذكرَهم، سِوى الَمتفلسفة المنسوبينَ إلى الإِسلام -وهو بريءٌ منهم- فهؤلاء لهم قَوْلٌ تضمَّنَ قولَ الجهمية وزيادةً، كما سيأتي ذكرُهُ، وكانَ من أقطاب القائلين به: ابنُ سِينا، ذاك الزَّنْديقُ القُرْمُطي المَحْسوب على الإِسلام، وابنُ عَربيّ الطائيُّ صاحبُ "الفتوحات" و"الفصوص" رأسُ القائلين بالاتّحاد، بَلْ رأسُ أهْلِ الإِلْحادِ، المَعدود في الأولياءِ، زوراً وبهتاناً، وظُلْما وعُدواناً، وأشباهُهما من المارقينَ عن دين المُسْلِمينَ. وإنّي ذاكرٌ في هذا الباب اعتقاداتِ جميعِ هذه الطَّوائِفِ في القرآن العظيم، وعامَّةِ كلام ربّ العالمينَ، وناقِضٌ ذلك عليهم بالحُجَج والبَراهين، واختصَصْتُ بالتفصيل منهم المعتزلةَ والأشعريّةَ، فأفردتُ لكلّ طائفةٍ فَصْلاً، لعُموم البَلْوى باعتقادِ كلٍّ منهما، وخاصَّةً الأشعريةَ الَّذين ضَلَّ باعتقادهم الخاصُّ والعامُّ من المنتسبينَ للعلم وطلَبِهِ، وغيرِهم، إلاَّ قليلًا من الغُرَباء بالسُّنَّة، ولُبَّسَ على كثيرٍ من المنتسبينَ إلىَ السُّنَّة من علماءِ هذا الزَّمانِ فلم يُميّزوا بينَهم وبينَ أهلِ السُّنَّة والجماعَةِ، وحَسِبوهم منهم، وإنَّما وقَعَ هذا اللَّبْسُ لأسبابٍ سأشرحها في خاتمة كتابنا هذا. فالله المُستعانُ، وبه الاعتصامُ.

стр. 269

الفصل الأول ذكر جملة أقوال طوائف أهل البدع في كلام الله تعالى وفيه الطوائف التالية: = ١ = المتفلسفة وبعض غلاة الصوفية. = ٢ = الجهمية من المعتزلة وغيرهم. = ٣ = الكلابية. = ٤ = الأشعرية. = ٥ = السالمية ومن وافقهم من أهل الكلام والحديث. = ٦ = الكرامية.

стр. 270

ذكر جملة أقوال طوائف أهل البدع في كلام الله تعالى • أولا: المتفلسفة وبعض غلاة الصوفية: يقولونَ: كلامُ الله لا وُجودَ له خارجَ نَفْس الرَّسول، وإنَّما هو ما يَفِيضُ على النُّفوسِ من المَعاني، أو هو ما يَفِيضُ من العَقْلِ الفَعَّال أو غيره. وربَّما قالوا: العقلُ الفعَّالُ هو جبريلُ، وربَّما قالوا: غيره. ويقولونَ: كلامُ الله مُحْدَثٌ في نفسِ النبيّ، والكلامُ الذي سَمِعه موسى كان موجوداً في نفسهِ، لم يسمَع موسى كلاماً خارجاً عن نفسهِ. قلتُ: وهذه المقالة مِن أبين الكُفر وأظهرهِ، وهي من التَّحريف المكشوفِ لحَقائق الشَّريعة، وذلك مِنْ وجوهٍ، منها: ١ - تعطيلُ صفة الكلام لله ربِّ العالَمين على الحَقيقة. ٢ - تكذيبُ المعلوم من دينِ المُسلمينَ ضَرورةً من كونِ القرآن مُنْزلًا حقيقةً. ٣ - تكذيبُ المعلوم مِن دينِ المُسلمينَ ضَرورةً أنَّ رَسُولَ ربّ العالَمين الذي كان يَنزِل بالوَحي هو جبريلُ ﵇، وهو مَلَكٌ من

стр. 271

ملائكة الله، ليسَ هو العقلَ الفَعّالَ ولا غير ذلك. ٤ - عَدُّهُم ألفاظَ القُرآنِ وحُروفَهُ مِن إنشاءِ النبيّ ﷺ ، لأنَّ العقلَ الفعّالَ فاضَ عليه بالمَعاني فقط. ٥ - موَافَقَتُهم الجهميةَ في كونهِ مخلوقاً. وجميعُ هذا، بل بعضُه متضمّنٌ تعطيلَ صفَةِ الكَلامِ لله ربِّ العالَمين. لكنَّ هؤلاء قومٌ أمْلى عليهم وليُّهم إبليسُ أنَّهم بلَغوا في علْمِ الحَقيقةِ (!) مَبْلَغاً لم يبلُغهُ نبيٌّ ولا رَسولٌ، كيفَ وقائلُهم يقولُ: "خُضْنا بَحْراً وقفَ الأنبياءُ بساحلهِ"؟ وإنَّا نقولُ لهم: صَدَقْتُم، إنَّ الأنبياءَ لم يخُوضوا في بحارِ الظُّلُمات، ولم يَجْرُؤوا على الله جرأتكُم، وإنَّما كانَ القائلُ منهم يقولُ: ﴿إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠] لا بإملاء الشيطان وتزيينهِ، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. ونقولُ: كَذَبْتُم يا هؤلاء، فإنَّ الأنبياءَ ﵈ أعلمُ الخَلْقِ بالله وأعرفهُم به. وليكْفِكُمْ خِسَّةً ودنَاءةً وكُفْراً أنَّ إلهَكُم الَّذي تعبدونَ في الحُشوشِ والنَّجاساتِ، أو هو الكلبُ والخنزيرُ. وأمَّا نَحْنُ أهلَ الإِسلام فإلهنا الله الذي لا إله إلَّا هو، فوقَ سَبْع سَماواتهِ على عَرْشهِ استوى، ويعلَمُ السِّرَّ وأخْفى. ولقَدْ كنتُ ابتداءً حذفْتُ ذكرَ هؤلاء من كتابي هذا، ولكني رأيتُ

стр. 272

علماءَنا من أهْلِ السُّنَّة يذكرونَهم في جملةِ الطوائفِ الخارجةِ عن أهلِ الحقّ في مسألةِ كلامِ الله، فآثرتُ الاقتداءَ بهم. وحين ذَكَر شيخُ الإِسلام قولَهم قال: "وهذا القولُ أبْعَد عن الإِسلام ممَّن يقول: القرآن مخلوق" (٦). • ثانيا: الجهمية من المعتزلة وغيرهم: يقولون: إنَّ الله تعالى لا يقومُ به شَيْءٌ من الصِّفات: لا حَياةٌ، ولا علمٌ، ولا قُدْرةٌ، ولا كَلامٌ، ولا غيرُ ذلك، فلذا فإنَّ كلامَه مخلوقٌ، خلَقَه في بعض الأجْسام، وابتداؤُه من ذلك الجِسْم لا مِن الله، فلا يقومُ بنفسهِ كلامٌ لا معنى ولا حروفٌ. وفسَّروا المُتكلِّمَ بأنَّه: مَن فعَلَ الكَلام، ولو في مَحَلّ مُنفصلٍ عنه (٧) وقد كشفتُ عن شُبُهاتهم وأباطيلِهم في الفصل الآتي. • ثالثا: الكلابية: وهم أتباعُ عبدالله بن سَعيد بن كُلّاب -كما سبق قريباً-. يقولون: لم يَزَلِ الله تعالى متكلّماً، وكلامهُ صِفَةٌ له قائمةٌ به، وهو الكلامُ النفسيُّ، وهو قديمٌ بِقِدَمهِ تعالى، غيرُ متعلّقٍ بمَشيئتهِ وقدرتهِ، وقيامُ الكلام به كقيامِ الحَياةِ والعَلْم، وليسَ هو بحُروفٍ، ولا يكونُ صوتاً، ولا

стр. 273

يتجزّأ ويتبعَّضُ، ولا يَتَغايرُ ويتفاضَلُ. وهو معنى واحدٌ، يصيرُ أمْرًا ونَهْيًا عند وجود المأمورِ المَنْهِيّ. فالأمْرُ والنَّهيُ والخَبر عندَهم معاني محدَثةٌ. ويقولون: الحروفُ المَنظومة قراءةُ القرآنِ، وهي عِبارةٌ عن كلام الله، وهي مخلوقةٌ. والعِباراتُ عن كلام الله تتغايَرُ وتَخْتَلفُ، فَيُعبَّرُ عنه بالعربيَّةِ كالقرآن، والعِبْريةِ كالتَّوراةِ، والسّريانية كالإِنجيلِ، وكلُّه كلامٌ واحدٌ لا يتغايَرُ، وإنَّما تغايَرَت العبارةُ. وقولُ الله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ حتَّى يفهمَ كلامَ الله. ١ - فنفَوا أن يكونَ القرآنُ العربيُّ المُنْزَلُ، المؤلّفُ من الحُروف المَنظومة كلامَ الله، وإنَّما هو عبارةٌ عنه مخلوقةٌ. ٢ - وأنكَروا أن يكونَ الرَّبُّ تعالى لَم يَزَل آمِرًا ناهيًا مُخْبِرًا، وإنَّما هذه معاني محدَثةٌ. ٣ - وأثبَتوا أنَّ صفةَ الكلامِ الثَّابتةَ لله تعالى، إنَّما هي الكلامُ النَّفْسيُّ، وهو قائمٌ به غيرُ متعلّقٍ بمَشيئتهِ وقُدْرتهِ، وهو معنى واحدٌ. • رابعا: الأشعرية: وافَقوا الكُلّابيّةَ في جَميع قولِهم، لكنَّهم خالَفوهم في: ١ - أنَّ كلامَ الله في الأزَلِ أمْرٌ وَنَهْيٌ وخَبَرٌ واستخبارٌ، والله تعالى لَمْ يَزَل آمِرًا ناهِيًا مُخْبِرًا، وأنَّ هذه صفاتٌ للكَلام لا أنواعٌ له، وكلامَ الله

стр. 274

القائمَ بذاتهِ (الكلام النفسيّ) هو الأمرُ بكلّ مأمورٍ، والنَّهْيُ عن كلّ مَنْهِيّ عنه، والخَبَرُ عن كلّ مُخْبَرٍ عنه. ٢ - في قول بعضهم: هو عدَّةُ مَعانٍ وليس معنًى واحدًا: الأمرُ، والنهيُ، والخَبرُ، والاستخبارُ، والنّداءُ، و .... فلمَّا توافق قولُ الكُلّابيّة مع الأشعريةِ في الغالب، لم أفْرِدْهم بالردّ عليهم، اكتفاءً بالردّ على الأشعريةِ، وسيأتي مفصلًا في الفصل الثالث من هذا الباب. وهناك طائفةٌ أخرى وافقت الأشعريةَ في اعتقادِها، وهم المعروفون بـ (الماتُريدية) أتباع أبي مَنْصور الماتُريديّ (٨)، الذي يعدّونه الإِمام الثاني

стр. 275

لأهلِ السُّنَّة، كذا زعَموا! فلمَّا رأيتهُم متوافقينَ معهم في الاعتقاد لَمْ أرَ ضَرورةً لإِفرادِهم بالكلام عنهم. • خامسا: السالمية ومن وافقهم من أهل الكلام والحديث: يقولونَ: لله تعالى صفةُ الكَلام، وكلامُهُ حُروفٌ وأصواتٌ، وهي قديمةٌ أزليَّةٌ غيرُ مخلوقةٍ، ولَها مَعان تقومُ به، وكلامُه تعالى غيرُ متعلّقٍ بمشيئتهِ وقدرتهِ. وطائفةٌ منهم زادَت فقالت: إنَّ الصَّوتَ القديمَ هو المَسموعُ مِن القارىء إذا قرأ القرآنَ. قلتُ: وهؤلاء وافَقوا الأشعريةَ في عَدَم تعلُّق كلامِهِ تعالى بمشيئته وقدرتهِ، وبهذا جانَبوا اعتقادَ السَّلَف السَّديدَ القَويمَ. ولكنهم وافقوا السَّلَف في أنَّ كلامَ الله غيرُ مخلوقٍ حروفَهُ ومعانِيَهُ، وبهذا جانَبوا اعتقاد الجَهميةِ والأشعريةِ، فقولهم جُمْلةً خيرٌ من قولِ الأشعرية -على ما فيه-.

стр. 276

أمَّا الطائفةُ التي غَلَتْ منهم فزعَمَتْ أنَّ الصَّوْتَ القديمَ هو المسموعُ من القاريء، فهو قولٌ ظاهرُ الفَسادِ، كَما بيّنْتُه في أواخِر الباب السابق، وهو يُفْضِي بالقائلينَ به إلى القَوْل بالحُلولِ، أي: أنَّ صفةَ الخالقِ التي هي صوتُهُ بكلامهِ قد حَلَّتْ بالمَخلوقِ، وربّما أفضى في الآخِر إلى القول بقِدَم سائرِ كلامِ المخلوق وصوتهِ، وفَسادُ هذا أبْيَنُ من أنْ يُسْتدلَّ له، ومنافاتُهُ للكتابِ والسُّنَّة واعتقادِ السَّلَفِ أظهَرُ من أن يُتَكلَّفَ للجَواب عنه. • سادسا: الكرامية: يقولونَ: كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، وهو مَعَ ذلك حادثٌ، وهو حروفٌ وأصْواتٌ قائمةٌ بذات الله تعالى، متعلّقٌ بمشيئتهِ وقُدْرتهِ بعدَ أنْ كانَ الكلامُ مُمْتَنِعًا عليه. ويقولونَ: لم يَزَل الله متكلِّمًا، بمعنى: أنَّه قادرٌ على الكَلام. ويقولونَ: ليسَ لله كلامٌ في الأزَل، أي لم يكن متَّصفًا به، لعدَمِ وُجودِ الحادث. قلتُ: فوافَقَ هؤلاء السَّلفَ في إثباتِ تعلُّقِ الكلام بالمَشيئة والقدرةِ، وأنَّه بحَرْفٍ وصَوْتٍ، ولكن ناقَضوهم في سَلْبِ الرَّبِّ تعالى صفةَ الكلامِ في الأزَل، وإثباتِ عَجْزهِ تعالى عنه، وهو تحكّمٌ باطلٌ، ورَجْمٌ بالغَيْبِ، مُتضَمِّنٌ وصْفَ الرَّبِّ تعالى بالنَّقْصِ، وسَلْبَ صفاتِ كمالهِ، والسَّلَفُ علَى أنَّ كلامَ اللهِ صفةٌ ثابتةٌ له تعالى في الأزَل، ويتكلَّمُ بمشيئتهِ وقدرتهِ، ويتكلَّمُ بحَرْفٍ وصوتٍ، وأقَمْنا الحُجَّةَ على ذلك في الباب الأوَّل بما يُغني ويَكفي.

стр. 277

والكَرّامية أصحابُ زَيْعٍ وضَلالٍ في أكثر الاعتقادِ، وهي طائفةٌ مائلةٌ عن القَصْد، وإنَّما المقصودُ هنا ذكرُ اعتقادِهم في كلام الله تعالى، ومناقَضَتهِ لاعتقاد السَّلَف. ولقَدْ أخمَدَ الله تعالى بدعةَ هذه الطائفةِ في الزَّمانِ المتأخِّرِ، بعدَ ما كان لها من بُعْدِ الصِّيت وكَثْرَةِ الأتباع، فله الحَمْدُ والمِنَّة.

стр. 278

الفصل الثاني كشف تلبيس الجهمية المعتزلة في كلام الله تعالى وحكم السلف والأئمة فيهم وفيه ثلاثة مباحث: = المبحث الأول: ذكر شبه المعتزلة ونقضها. = المبحث الثاني: ذكر ما حرفت المعتزلة من معاني التنزيل لابطال صفة الكلام. =المبحث الثالث: المعتزلة في ميزان أئمة السلف.

стр. 279

المبحث الأول: ذكر شبه المعتزلة ونقضها لقد ذكرتُ لك اعتقادَ المعتزلةِ في كلام الله تعالى جُمْلَةً، وأنَّه اعتقادُ الجهميةِ، إذ المعتزلةُ جَهْميَّةٌ في مسألةِ كلام الله وفي غيرها كالصِّفاتِ والرُّؤْية وغيرِ ذلك، واعتقادُهم مخالفٌ للكتابِ والسُّنَّة وإجماع السَّلَف، كما يَظهر لَكَ ذلك من خِلال مُقارَنَتهِ بما شَرَحْناه في الباب الأوَّل. وإنِّي ذاكرٌ هنا -بحَوْل الله وقوَّته- ما شَبَّهَتْ به المعتزلةُ على من ضَعف تحصيلُه، ومُجيبٌ عن جَميع ذلك بإيجازٍ غيرِ مُخِلٍّ إن شاءَ الله. • الشبهة الأولى: القرآنُ شَيْءٌ، وقَدْ قالَ الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] ولفظ (كلّ) للعُموم، فالقرآنُ داخِلٌ في عُموم ما خَلَقَ الله من الأشياء. جوابها: لا أحسَب أنَّ فسَاد هذا القَوْلِ خافٍ على مَن قالَ به، ولكنَّهم أرادوا إدخالَ الرَّيْب والشَّكِّ على مَن لا يَفْهَم، وذلك أنَّ صيغةَ (كلّ) وما يُشْبِهُها من صِيَغ العُموم، عُمومُ كُلّ منها إنَّما هو بحَسَبهِ، قالَ تعالى في ريحِ عادٍ:

стр. 280

﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] فالتَّدميرُ إنَّما كانَ بأمْرِه تعالى، وأمرُهُ تعالي كلامُهُ، قال: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ فأبانَ أنَّ مساكنَهم لَمْ تُدَمَّر، ومُقتضى ذلك أنَّها لم تُدمِّر الأرضَ ولا الجبالَ ولا غيرَ ذلك مِنْ سِوى أهلِها، فدلَّ ذلك على أنَّ عمومَ (كلّ) إنَّما كانَ في حقّ الكُفّار المُستحقّينَ للوَعيدِ، لا كلّ شَيْءٍ حتى من سِواهُم من الجَماد وغيره، وهذا معقولٌ ظاهرٌ. وقال تعالى في حَقّ بلقيسَ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ومعلومٌ أنَّها لَمْ تُؤْتَ ملكَ سليمانَ، ولا غيرَ أرضِها من الأرض. ولقَدْ أثبتَ تعالى أنَّ له نَفْسًا، قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وقال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥] فَهلْ يُدْخِلُ الجَهْميُّ نفسَ الله تعالى في هذا العُموم؟ إنَّ الأنْفُسَ التي تموتُ إنَّما هي الأنفسُ المَخلوقة، أمَّا الخالقُ تعالى بصفتهِ فهو حيّ لا يموتُ. فدلَّت هذه النُّصوصُ على أنَّ عمومَ (كلّ) إنَّما هو بحَسَبِ المَوضع الذي ورَدَت فيه. فكذلكَ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. فالله تعالى شَيْءٌ، وصفتُهُ شَيءٌ، قَالَ تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] والمخلوقُ شيءٌ، والله هو الخالقُ، وليسَ بمخلوقٍ، وصفاتُهُ تابعةٌ لذاتهِ، فليسَتْ بمخلوقةٍ، والقرآنُ كلامُهُ، وكلامُهُ

стр. 281

صفَتهُ، وصفتُهُ غيرُ مخلوقةٍ، فالله شَيْءٌ غيرُ مخلوقٍ، وصفَتهُ شَيْءٌ غيرُ مخلوقٍ، والمخلوقُ مَن وقَعَ عليه فِعْلُ الخَلْق، وهو كلّ شيءٍ سِوى الله تعالى وصفته. ولكنَّ الجَهْميةَ المعتزلةَ أوقَعَهم في ذلك اعتقادُهم أنَّ الله تعالى لا تقومُ به الصِّفاتُ، فصفاتُهُ عندهم غيرُه، ونحن قَدْ قرَّرنا في الباب الأول أنَّ الصفةَ إنَّما تقومُ بالموصوفِ، والكلامَ إنَّما يقومُ بالمتكلّم، ولا تُعْقَلُ ذاتٌ مجرّدةٌ عن الصِّفات، وهذا من الجَهْميةِ المعتزلةِ هو التعطيلُ لصفاتِ الخالق تعالى، لأنَّ الصفةَ إذا قامَتْ بمَحَلٍّ كانت صفةً لذلك المَحَلّ، فباعتقادِهم تَبْطُلُ جميعُ الصِّفاتِ. وسبحان مَن شاءَ أن يُظهِرَ مخبوأهم ويكْشِفَ مَستورَهم، فإنَّهم أدخَلوا صفةَ الله تعالى في عُموم (كلّ) في هذه الآية، وأخرَجوا أفعالَ العباد من هذا العموم، وقالوا: أفعالُ العباد غيرُ مخلوقةٍ لله، فكذَّبوا القرآن، من حيثُ أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فكذَبُوا على الله ربِّ العالَمين، وألْحَدوا في آياتِهِ، فصرَفوا الآيةَ عمَّا هي لَه، واحتجّوا بها على ما لَيْسَت له. • الشبهة الثانية: القرآنُ مجعولٌ، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] والجَعْل: الخَلْق. جوابها: لفظ (جَعَلَ) يأتي بمعنى (خَلَق) وبغيره.

стр. 282

والقاعِدَة فيه: أنَّه لا يأتي بمعنى (خَلَق) إلَّا إذا تعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ. ومنه قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. وربَّما تعدّى إلى مفعول واحدٍ ولم يَكن بمعنى (خلق) كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [الأنعام: ١٠٠، والرعد: ٣٣] وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥]. أمَّا إذا تعدَّى إلى مَفعولين فلا يكونُ بمعنى (خلَقَ) بأيّ حالٍ. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]. وكذلكَ منه قولُه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فالمفعولُ الأوَّل الضَّميرُ والثاني [قُرْآنًا] والمعنى: قُلناه قرآنًا عربيًا، أو بَيَّناه. فبطلَ تمويه المعتزلةِ بفَضْلِ الله. وقَدْ أجابَ الإِمامُ أحمدُ ﵀ المعتزليَّ حينَ احتجَّ عليه بهذه الآية بقوله: "فقد قالَ الله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أفَخَلَقهم؟ " (٩). • الشبهة الثالثة: القرآنُ مُحْدَثٌ، كما قال الله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ

стр. 283

إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] وكما قال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥] والمُحْدَث: المخلوق. جوابها: قوله (محْدَث) في الأصْلِ من (الحُدوثِ) وهو كونُ الشَّيءِ بعدَ أن لم يكنْ، والقرآن العَظيمُ حينَ كان يَنزِلُ، كان كُلَّما نزَلَ مه شيءٌ كانَ جَديداً على الناس، لَم يكونوا عَلِموه مِن قَبْلُ، فهو مُحْدَثٌ بالنسبة إلى الناسِ، ألا تراهُ قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ﴾؟ فهو محدَثٌ إليهم حين يأتيهم، ومنه قولُ النبيِّ ﷺ : "إنَّ الله يُحدِثُ لِنبيِّه ما شاءَ، وإنَّ مِمَّا أحدثَ لنبيّه: أنْ لا تكلّموا في الصَّلاة" (١٠) وأمرُ الله: قولُهُ وكلامُهُ، وهو غيرُ مخلوقٍ، مُحْدَثٌ بالنسْبَةِ إلى العبادِ، أي: جديدٌ عليهم، فليسَ المحدَثُ هنا هو المخلوق. وهذا الجَواب أحسن ما قيل في ذلك. قالَ أبو عُبيد القاسِمُ إمامُ العربيةِ: " ﴿محْدَثٍ﴾ حدَثَ عند النبيّ ﷺ وأصحابهِ لمَّا عَلَّم الله ما لم يكن يُعْلَم" (١١). وقال ابنُ قُتَيْبَة: "المحدَثُ ليسَ هو في مَوْضِع بمعنى: مخلوق، فإنْ أنْكَروا ذلك فليقولوا في قول الله: ﴿لَعَل اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلكَ أمْراً﴾ [الطلاق: ١] أنَّه يخْلُقُ، وكذلكَ: ﴿لَعَلهُمْ يَتقُونَ أوْ يُحْدِث لَهُمْ ذِكْراً﴾ [طه: ١١٣] أي: يُحْدِثُ لهم القرآنُ ذِكْراً، والمعنى: يُجَدِّدُ عندَهم ما لَمْ

стр. 284

يكن، وكذلكَ قولُهُ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أي: ذكْرٍ حَدَثَ عندَهم لم يكن قبلَ ذلك" (١٢). وقال شَيخُ الإِسلام: "المحدَثُ في الآية ليسَ هو المَخلوقَ الذي يقولُهُ الجَهميُّ، ولكنه الذي أنزلَ جَديداً، فإنَّ الله كانَ يُنْزِلُ القرآنَ شيئاً بعدَ شيْءٍ، فالمُنْزَلُ أوَّلاً هو قديمٌ بالنسبةِ إلى المُنْزَلِ آخراً، وكلُّ ما تقدَّمَ على غيرهِ فهو قديمٌ في لُغَةِ العرَب" (١٣). وربَّما أجابَ بعضُ الأئمَّة بغير هذا، لكنَّ هذا أصَحُّ وأظهرُ. • الشبهة الرابعة: جَعَلَ الله أمرَه مقدوراً فقال: ﴿وَكَانَ أمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب: ٣٨] وأمرُ الله: كلامُهُ، والمقدورُ: المخلوقُ. جوابها: إنَّ لفْظَ: (الأمر) إذا أضيفَ إلى الله تعالى يأتي على تَفْسيرينِ: الأوَّل: يُراد به المَصْدر، كقولهِ تعالى: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْر﴾ [الأعراف: ٥٤] وهو غيرُ مخلوقٍ -كما ذكَرْناهُ في الباب الأوَّل في الاحتجاج لهذه المسألة-. وهذا يُجْمَع على: (أوامر). والثاني: يُراد به المفعولُ الذي هو المأمورُ المقدورُ، كقولهِ تعالى:

стр. 285

﴿وَكَانَ أمرُ اللهِ قَدراً مَقْدُوراً﴾ فالأمرُ ههنا هو المأمورُ، وهذا يُحْمَع على: (أمور) وهو مخلوق. وسبق أن ذكَرْتُ في الباب السابق أنَّ صيغةَ المَصْدَر قد تَرِدُ بمعنى المفعولِ في كلام العَرَب. قال شيخ الإِسلام: "ففي قوله: ﴿وَكَانَ أمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ المرادُ به المأمورُ به المقدورُ، وهذا مخلوقٌ، وأمَّا في قوله: ﴿ذلِكَ أمْرُ اللهِ أنْزَلَهُ إِليْكمْ﴾ [الطلاق: ٥] فأمرُهُ كلامُهُ، إذ لَمْ يُنْزِلْ إلينا الأفعالَ التي أمَرنا بها، وإنَّما أنزلَ القرآنَ، ولهذا كقولهِ: ﴿إِن اللهَ يأمُرُكُمْ انْ تُؤدوا الأمَانَاتِ إلى أهلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فهذا الأمرُ هو كلامُهُ" (١٤). قلتُ: ونظيرهُ لفظُ (الخَلْق) فإنَّه يأتي مَصْدراً فهو حينئذٍ فِعْلُ الربّ تعالى وصفتُهُ، ويأتي مفعولاً فهو حينئذٍ المخلوقُ الذي وقعَ عليه فِعْلُ الخَلْق. فليس لفظُ (الأمْر) إذاً على ما قالت الجَهْميةُ المعتزلةُ من اختصاصهِ بالمَفعول المقدورِ. • الشبهة الخامسة: سمَّى الله تعالى عيسى (كلمتَه) فقال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] وقال: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] وعيسى مخَلوقٌ، فالكلمةُ مَخلوقةٌ.
следующие страницы →