صفَتهُ، وصفتُهُ غيرُ مخلوقةٍ، فالله شَيْءٌ غيرُ مخلوقٍ، وصفَتهُ شَيْءٌ غيرُ مخلوقٍ، والمخلوقُ مَن وقَعَ عليه فِعْلُ الخَلْق، وهو كلّ شيءٍ سِوى الله تعالى وصفته.
ولكنَّ الجَهْميةَ المعتزلةَ أوقَعَهم في ذلك اعتقادُهم أنَّ الله تعالى لا تقومُ به الصِّفاتُ، فصفاتُهُ عندهم غيرُه، ونحن قَدْ قرَّرنا في الباب الأول أنَّ الصفةَ إنَّما تقومُ بالموصوفِ، والكلامَ إنَّما يقومُ بالمتكلّم، ولا تُعْقَلُ ذاتٌ مجرّدةٌ عن الصِّفات، وهذا من الجَهْميةِ المعتزلةِ هو التعطيلُ لصفاتِ الخالق تعالى، لأنَّ الصفةَ إذا قامَتْ بمَحَلٍّ كانت صفةً لذلك المَحَلّ، فباعتقادِهم تَبْطُلُ جميعُ الصِّفاتِ.
وسبحان مَن شاءَ أن يُظهِرَ مخبوأهم ويكْشِفَ مَستورَهم، فإنَّهم أدخَلوا صفةَ الله تعالى في عُموم (كلّ) في هذه الآية، وأخرَجوا أفعالَ العباد من هذا العموم، وقالوا: أفعالُ العباد غيرُ مخلوقةٍ لله، فكذَّبوا القرآن، من حيثُ أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فكذَبُوا على الله ربِّ العالَمين، وألْحَدوا في آياتِهِ، فصرَفوا الآيةَ عمَّا هي لَه، واحتجّوا بها على ما لَيْسَت له.
• الشبهة الثانية:
القرآنُ مجعولٌ، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] والجَعْل: الخَلْق.
جوابها:
لفظ (جَعَلَ) يأتي بمعنى (خَلَق) وبغيره.
стр. 282
والقاعِدَة فيه: أنَّه لا يأتي بمعنى (خَلَق) إلَّا إذا تعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ.
ومنه قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
وربَّما تعدّى إلى مفعول واحدٍ ولم يَكن بمعنى (خلق) كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [الأنعام: ١٠٠، والرعد: ٣٣] وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥].
أمَّا إذا تعدَّى إلى مَفعولين فلا يكونُ بمعنى (خلَقَ) بأيّ حالٍ.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣].
وكذلكَ منه قولُه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فالمفعولُ الأوَّل الضَّميرُ والثاني [قُرْآنًا] والمعنى: قُلناه قرآنًا عربيًا، أو بَيَّناه.
فبطلَ تمويه المعتزلةِ بفَضْلِ الله.
وقَدْ أجابَ الإِمامُ أحمدُ ﵀ المعتزليَّ حينَ احتجَّ عليه بهذه الآية بقوله: "فقد قالَ الله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أفَخَلَقهم؟ " (٩).
• الشبهة الثالثة:
القرآنُ مُحْدَثٌ، كما قال الله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
стр. 283
إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] وكما قال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥] والمُحْدَث: المخلوق.
جوابها:
قوله (محْدَث) في الأصْلِ من (الحُدوثِ) وهو كونُ الشَّيءِ بعدَ أن لم يكنْ، والقرآن العَظيمُ حينَ كان يَنزِلُ، كان كُلَّما نزَلَ مه شيءٌ كانَ جَديداً على الناس، لَم يكونوا عَلِموه مِن قَبْلُ، فهو مُحْدَثٌ بالنسبة إلى الناسِ، ألا تراهُ قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ﴾؟ فهو محدَثٌ إليهم حين يأتيهم، ومنه قولُ النبيِّ ﷺ : "إنَّ الله يُحدِثُ لِنبيِّه ما شاءَ، وإنَّ مِمَّا أحدثَ لنبيّه: أنْ لا تكلّموا في الصَّلاة" (١٠) وأمرُ الله: قولُهُ وكلامُهُ، وهو غيرُ مخلوقٍ، مُحْدَثٌ بالنسْبَةِ إلى العبادِ، أي: جديدٌ عليهم، فليسَ المحدَثُ هنا هو المخلوق.
وهذا الجَواب أحسن ما قيل في ذلك.
قالَ أبو عُبيد القاسِمُ إمامُ العربيةِ: " ﴿محْدَثٍ﴾ حدَثَ عند النبيّ ﷺ وأصحابهِ لمَّا عَلَّم الله ما لم يكن يُعْلَم" (١١).
وقال ابنُ قُتَيْبَة: "المحدَثُ ليسَ هو في مَوْضِع بمعنى: مخلوق، فإنْ أنْكَروا ذلك فليقولوا في قول الله: ﴿لَعَل اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلكَ أمْراً﴾ [الطلاق: ١] أنَّه يخْلُقُ، وكذلكَ: ﴿لَعَلهُمْ يَتقُونَ أوْ يُحْدِث لَهُمْ ذِكْراً﴾ [طه: ١١٣] أي: يُحْدِثُ لهم القرآنُ ذِكْراً، والمعنى: يُجَدِّدُ عندَهم ما لَمْ
стр. 284
يكن، وكذلكَ قولُهُ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أي: ذكْرٍ حَدَثَ عندَهم لم يكن قبلَ ذلك" (١٢).
وقال شَيخُ الإِسلام: "المحدَثُ في الآية ليسَ هو المَخلوقَ الذي يقولُهُ الجَهميُّ، ولكنه الذي أنزلَ جَديداً، فإنَّ الله كانَ يُنْزِلُ القرآنَ شيئاً بعدَ شيْءٍ، فالمُنْزَلُ أوَّلاً هو قديمٌ بالنسبةِ إلى المُنْزَلِ آخراً، وكلُّ ما تقدَّمَ على غيرهِ فهو قديمٌ في لُغَةِ العرَب" (١٣).
وربَّما أجابَ بعضُ الأئمَّة بغير هذا، لكنَّ هذا أصَحُّ وأظهرُ.
• الشبهة الرابعة:
جَعَلَ الله أمرَه مقدوراً فقال: ﴿وَكَانَ أمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب: ٣٨] وأمرُ الله: كلامُهُ، والمقدورُ: المخلوقُ.
جوابها:
إنَّ لفْظَ: (الأمر) إذا أضيفَ إلى الله تعالى يأتي على تَفْسيرينِ: الأوَّل: يُراد به المَصْدر، كقولهِ تعالى: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْر﴾ [الأعراف: ٥٤] وهو غيرُ مخلوقٍ -كما ذكَرْناهُ في الباب الأوَّل في الاحتجاج لهذه المسألة-.
وهذا يُجْمَع على: (أوامر).
والثاني: يُراد به المفعولُ الذي هو المأمورُ المقدورُ، كقولهِ تعالى:
стр. 285
﴿وَكَانَ أمرُ اللهِ قَدراً مَقْدُوراً﴾ فالأمرُ ههنا هو المأمورُ، وهذا يُحْمَع على: (أمور) وهو مخلوق.
وسبق أن ذكَرْتُ في الباب السابق أنَّ صيغةَ المَصْدَر قد تَرِدُ بمعنى المفعولِ في كلام العَرَب.
قال شيخ الإِسلام: "ففي قوله: ﴿وَكَانَ أمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ المرادُ به المأمورُ به المقدورُ، وهذا مخلوقٌ، وأمَّا في قوله: ﴿ذلِكَ أمْرُ اللهِ أنْزَلَهُ إِليْكمْ﴾ [الطلاق: ٥] فأمرُهُ كلامُهُ، إذ لَمْ يُنْزِلْ إلينا الأفعالَ التي أمَرنا بها، وإنَّما أنزلَ القرآنَ، ولهذا كقولهِ: ﴿إِن اللهَ يأمُرُكُمْ انْ تُؤدوا الأمَانَاتِ إلى أهلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فهذا الأمرُ هو كلامُهُ" (١٤).
قلتُ: ونظيرهُ لفظُ (الخَلْق) فإنَّه يأتي مَصْدراً فهو حينئذٍ فِعْلُ الربّ تعالى وصفتُهُ، ويأتي مفعولاً فهو حينئذٍ المخلوقُ الذي وقعَ عليه فِعْلُ الخَلْق.
فليس لفظُ (الأمْر) إذاً على ما قالت الجَهْميةُ المعتزلةُ من اختصاصهِ بالمَفعول المقدورِ.
• الشبهة الخامسة:
سمَّى الله تعالى عيسى (كلمتَه) فقال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] وقال: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] وعيسى مخَلوقٌ، فالكلمةُ مَخلوقةٌ.
стр. 286
جوابها:
إنَّ عيسى ﵇ مخلوقٌ، خَلَقَه الله بأمْره حين قال له: ﴿كُن﴾ كما قالَ تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] وقال: ﴿إن مَثَلَ عِيْسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُم قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] فكانَ عيسى بكلمة الله تعالى وقوله (كُنْ).
فالكلمةُ (كن) لا عَيْنُ عيسى، والمُكَوَّنُ بها هو عيسى ﵇. وبهذا أجابَ غيرُ واحد من الأئمَّةِ.
قال قتادةُ -وهو من أئمة التابعينَ في التفسير وغيره- قوله: ﴿بكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قال: "قوله (كن) فسمَّاهُ الله كلمته , لأنَّه كانَ عن كلمتهِ كما يُقال لِما قدَّرَ الله مِنْ شَيْءٍ: هذا قَدَرُ الله وقضاؤُهُ، يعني به: هذا عن قَدَر الله وقضائِهِ حَدَثَ" (١٥).
• الشبهة السادسة:
القُرآن تَرِد عليه سِماتُ الحدوثِ والخَلْق، وذلكَ من وجوهٍ عِدَّة:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] فأخبرَ عن وقوع النَّسْخ فيه.
٢ - هو حروفٌ مُتعاقبةٌ، يَسْبِقُ بعضُها بعضاً.
٣ - لا يكونُ إلاَّ بِمَشيئةٍ واختيارٍ، فيلزَمُ منه أن تَسْبِقه الحَوادثُ،
стр. 287
ويتأخَّرَ عنها.
٤ - له ابتداءٌ وانتهاءٌ، وأوَّلٌ وآخرٌ.
٥ - هو متبعّضٌ متجزّئٌ.
٦ - مُنْزَلٌ، والنُّزولُ لا يكونُ إلاَّ بحركةٍ وانتقالٍ وتَحَوّلٍ.
٧ - مكتوبٌ في اللَّوْح والمَصاحفِ، وما حُدَّ وحُصِرَ فهو مخلوقٌ.
وهذه الوجوهُ وما يُشْبِهها صفاتٌ للمَخلوق المُحْدَث.
جوابها:
هذه المعاني جميعاً مبنيّةٌ على أصْلِهم الذي ابتدَعوه لإِثبات خَلْق العالَم وقِدَم الصَّانع، وهو الاستدلالُ على حُدوثِ العالَم بطريقةِ الحَركات، فقالوا: لا يُمْكِنُ معرفةُ الصّانع إلاَّ بِإثباتِ حدوثِ العالَم، ولا يُمكنُ إثباتُ حدوث العالم إلاَّ بإثبات حدوثِ الأجسام، والاستدلال على حدوثِ الأجسام إنَّما هو بحُدوث الأعْراضِ القائمة بها كالحرَكة والسُّكون.
فهذا الأصلُ المبتَدَعُ هو الذي جرَّهم إلى القولِ بخَلْقِ القرآن ونَفْي الصِّفاتِ والأفعالِ لله تعالى (١٦).
ولو أنَّهم سَلَّموا لنُصوص الكتابِ والسُّنَّة لكفَتْهم في ذلك، ولانْتَشَلَتْهُمْ من وَرْطَةِ التَّعْطيل، فإنَّ هذه أَمورٌ لا يُتَوصَّلُ إليها بمُجرَّدِ العقلِ، والله تعالى قد أثبتَ أزليَّتَه وخَلْقَ العالَم بأحسَن البَراهين وأقوى الحُجَج: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾؟
стр. 288
ونحنُ لا نُناظر المعتزلةَ في دفْع هذه الأباطيل بمُحْدَثاتٍ من الأقوالِ والأصول، ولا نُسلِّمُ لهم قولَهم ودَعْواهم، وإنَّما نرفُضُ ذلك أشدَّ الرَّفْضِ، ونقولُ: هو بِدْعة ضَلالةٌ لِما جَرَّت إليه من الكُفْرِ والباطل -شأنَ سائر البدع- ولا نسلُكُ مَسلكَ أهْل البِدَع في الرَّدِّ عليهم ومناظَرتِهم شأنَ الأشعريةِ والماتُريديةِ أتباع ابن كُلّاب والأشعريّ والماتُريديّ، فإنَّ هؤلاء أرادوا نقضَ ضَلالات المُعتزلةِ بنفس طريقتِهم، فتَراهم تابَعوهم في هذا الأصل الذي ذكَرْناه عنهم، فتسلَّطت عليهم به المعتزلةُ وأظهَرت تناقُضَهم.
وصدَق فيهم شيخ الإِسلام حين قال: "فهم قَصَدوا نَصْرَ الإِسلام بما يُنافي دينَ الإِسلام" (١٧).
وأصلُ المعتزلةِ الذي ابتدَعوه أوقعَهم في قياسِ صفةِ الخالقِ على المخلوق وصفتهِ، فإنَّهم إنَّما بَنوا أصلَهم على ما عَهِدُوه في المخلوق من أحوالٍ وصفاتٍ، فحَسبوا أن ذلك يَلْحَقُ صفةَ مَن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فقاسُوا ما لَمْ يُحيطوا به عِلْماً على ما حصّلوهُ من الظنونِ والأوهام التي حَسِبوها غايةَ العلوم.
وهذا مِن أعظَم ما أدخلَه الشَّيطانُ -لعنه الله- من التلبيس على هؤلاء أنْ زيَّنَ لهم ابتداعَ أصولٍ لم تَرِدْ في كتابٍ ولا سُنَّة، فالتَزموها، والتَزموا بسَبَبها خِلافَ الشَّريعةِ، فجَعلوها الحاكمَ على الكتابِ والسُّنَّة، ومِنْ تلكَ الأَصولِ الفاسدةِ هذه الدَّعاوى المجرّدةُ عن البُرهاَن مِمَّا هو مَحْضُ العُقولِ الزَّائفةِ، القَفْرِ من نُور الوَحْي.
стр. 289
فكلُّ ما أوردوهُ ممَّا سَمَّوْهُ (معقولاً) ليَستدلوا به على خلق القرآن هو من قِياسِ صفةِ الخالق على صفةِ المخلوق، وهو كُفْرٌ بالله تعالى، فإنَّه كما لا شِبهَ له في ذاتهِ فلا شِبهَ له في صفاتهِ، وهذا مقرَّرٌ في موضعه.
فهذه أظهرُ ما استدلَّ به الجهميةُ المعتزلةُ من الحُجَجِ (!) وأبينُها وأقْواها عندَهم، وقد بانَ لك زيفُها وبُطلانُها، وقارِنْها بما سَبَق ذكرُهُ من الأدلَّةِ لاعتقادِ أهل السُّنَّة والجَماعة، يَجْلُ لك الحقُّ بذلك وتعلَم استقامةَ منْهَج أهل السُّنَّة، واتّباعَ أهل البدع للأهواءِ والظُّنون.
وصدَقَ شيخ الإِسلام -وهو بهم خَبيرٌ- في قوله: "وليسَ مَعَ هؤلاء
عن الأنبياء قولٌ يُوافقُ قولَهم، بل لهم شبَهٌ عقليةٌ فاسدةٌ" (١٨).
• • • • •
стр. 290
المبحث الثاني: ذكر ما حرفت المعتزلة من معاني التنزيل لابطال صفة الكلام
• أولا: تكليم الله تعالي لموسي ﵇:
قالوا: إنَّ الله خلَقَ كلاماً في الشَّجَرةِ التي أتاها موسى فسَمِعَه موسى.
واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠] على أنَّ ابتداء الكلامِ كان من الشَّجَرة.
فحرَّفوا التنزيلَ، ليُثْبِتوا التَّعْطِيلَ، بتَقرير أصلِهم الفاسدِ، ونَفْيِ صفة الله تعالى.
والرد عليهم من وجوه:
الأول: أنَّ الكلامَ هو ما قام بالمتكلّم لا ما قامَ بغيره، وقيامُ الصفة إنَّما يكونُ بالموصوف بها لا بغيرهِ، والصِّفَةُ إذا قَامَتْ بمحلّ كانتْ صفةً له لا صفةً لغيرهِ -كما فصّلتُ القولَ فيه في الباب الأوَّل- فما خلقَه الله تعالى من الصفاتِ في الأشياء ليسَ مِن ذلك شَيْءٌ صفةً له، إنَّما هي صفاتٌ
стр. 291
لمَخلوقاتهِ، فهو تعالى قد أنطَقَ سائرَ الأشياءِ نُطْقاً مُعتاداً أو غيرَ معتادٍ، فأنْطقَ الإِنسانَ والجانَّ وغيرَ ذلك من خلقهِ نُطْقاً مُعتاداً، وأنطقَ السماوات والأرْضَ وما بينَهما نُطْقاً غيرَ معتاد، كما قالَ تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الِإسراء: ٤٤] وقالَ في غير موضِع ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وأنْطَقَ الطيرَ لسُليمانَ، وأنْطَقَ النَّملةَ، وأسمَعَ نبيَّه ﷺ تسبيحَ الحَصى (١٩)، وفي الآخرة تَنْطِقُ الجنَّةُ والنَّارُ، وتُحَدَّث الأرضُ بأخبارها، وتشهَد الجلودُ على أهلِها حين تُبْلى السَّرائرُ: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصْلت: ٢١] فكلُّ هذا الِإنطاقِ مِن خَلْقِ الله في الأشياء، فنُطْقُها صفاتٌ لها, ولا يقولُ أحَدٌ: إنَّ نُطْق الأشياءِ صفَةٌ لله، إلاَّ حُلوليّ مارقٌ يعتقدُ أنَّ صفةَ الله تَحُلُّ في المَخلوقِ، أو اتّحاديٌّ يَرى اتّحادَ المَخلوق في الخالِق، فَنُطْقُ المَخلوق وصوتُهُ وكلامُهُ هو بعينهِ صفةُ الرَّبّ تعالى، كما قالَ قائلهُم:
وكلُّ كَلامٍ في الوُجودِ كَلامُهُ ... سَواءٌ عَلَيْنا نَثْرُهُ ونِظامُهُ
وهذا غايةُ الكُفْر والإِلحادِ، إذ مقتضاهُ أنَّ ما يَنْطِق به المخلوقُ من الخَيْر والشَّرّ وفُحْش القَوْلِ، بل وحتَّى أصوات البهائم وسائر الحَيواناتِ، كلُّ ذلك صفةٌ للرَّبِّ تعالى وتقدَّسَ وتنزَّةَ عن صفات خلقهِ.
فلو أخلصَت المعتزلةُ النيَّةَ لله وسألوه التَّوفيق لاهتدوا إلى فُحْشِ ما
стр. 292
أقدَموا عليه، ولكنَّهم حُرِموا ذلك فهُم عن الصِّراط لناكبونَ, فَحَسِبوا أنَّ الصَّوتَ الذي سَمِعَه موسى صَوْتٌ مَخلوقٌ في الشَجرةِ، كنحو صَفير وَرَقِها إذا عصَفَت الرِّيحُ، وما عَقَلوا أنَّ معنى هذا أنَّ الشجرةَ هي القائلةُ لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وهي القائلةُ: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] ولا فَرْقَ حينئذٍ بين دَعوى الشَّجرةِ ودَعوى فرعونَ، فكلٌّ ادّعى الرُّبوبيّة، فصدَّق موسى الشجرةَ وكذَّبَ فِرْعون.
والثاني: أنَّ الله تعالى حين أخبرَ عن تكليمهِ لموسى قال: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ فَأكَّدَهُ بالمَصْدَر ﴿تَكْلِيماً﴾ وقد قالَ جماعةٌ من أهل التَّحقِيقِ في العربيةِ: "إنَّ التوكيدَ بالمصْدَر ينفي المَجاز".
والثالث: قالَ ابن قُتَيْبَة ﵀: "خَرَجوا بهذا التأويلِ من اللغةِ ومن المَعقولِ, لأنَّ معنى (تكلَّمَ الله) أتى بالكلام مِن عندهِ، و (ترحَّمَ الله) أتى بالرَّحْمة مِن عندِه، كما يقال: (تخشَّعَ فلان) أتى بالخشوع من نفسهِ، و (تشجَّع) أتى بالشَّجاعةِ من نفسهِ، و (تبتَّل) أتى بالتبتّل من نفسهِ، و (تحلَّم) أتى بالحلْم من نفسهِ، ولو كانَ المرادُ: أوجَدَ كلاماً، لمْ يَجُزْ أنْ يُقال: (تكلَّم) وكانَ الواجبُ أن يقالَ: (أكلمَ) كما يقال: (أقبحَ الرجُلُ) أتى بالقَباحة، و (أطابَ) أتى بالطيّب، و (أخسَّ) أتى بالخَساسةِ، وأنْ يقال:
(أكلمَ الله موسى إكلاماً) كما يقال: (أقبرَ الله الرَّجلَ) أي جعَلَ له قَبراً، أو (أرْعى الله الماشيةَ) جعلها ترعى، في أشباه لهذا كثيرةٍ لا تَخفى على أهلِ اللغة" (٢٠).
стр. 293
والرابع: أنَّ تكليمَ الله تعالى لموسى كان خصيصةً فُضِّلَ بها على غيره مِمَّن لَمْ يُؤْتَ مثلَ ما أوتي من الرُّسل، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] فإنْ كانَ التكليمُ لموسى حصَلَ بواسطةِ الشَّجَرة لم يكن له على مَن سِواه مِمَّن يوحى إليه بواسطةِ الرَّسولِ فضْلٌ، ولَمْ تكن منزلةُ التكليم من وراء حِجابٍ حاصلةً لأحَد من رسُل الله، وهذا تكذيبٌ للقرآن، وإبطالٌ لواضِح البُرْهان، فجازى الله تعالى الجَهميةَ المعتزلة على ما أرادوا به إفسادَ دينِ المُسلمينَ بما هم أهلُه.
والخامس: أنَّ قوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ لابتداءِ الغايةِ نحو قولك: (رأيتُ الهلالَ مِنْ داري) و (سمعتُ كلامَ زيدٍ مِن البيت) فليسَ الهلالُ في الدارِ، ولا البيتُ هو المتكلّم.
• ثانيا: إضافة الكلام إلى الله فى مثل قوله: (حتى يسمع كلام الله):
قالوا: هي إضافَةُ خَلْقٍ وتشريفٍ لا إضافة صفةٍ، كـ (بيت الله) و (ناقة الله) و (رسول الله).
وهذا نوعٌ آخرْ من تَمْويههم وتَلْبيسهم ليَفِرُّوا من الحَقِّ ويُنفِّروا الخلْقَ.
والرَّدُّ عليهم في هذا التشويشِ يطولُ شرحُهُ، ولكن أذكرُ ها هُنا قاعدةً ذكرَها شيخُ الإِسلام ﵀ في هذه المسألة تغني اللَّبيب عن التفصيل.
стр. 294
قال ﵀: "كلُّ ما يُضافُ إلى الله إنْ كَانَ عَيْناً قائمةً بنفسِها فهو مُلْكٌ له، وإن كانَ صفةً قائمةً بغيرِها ليس لها مَحَلٌّ تقومُ به فهو صفةٌ لله" (٢١).
ومثَّلَ لِما كانَ عيناً قائمةً بنفسِها بقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] قال: "وهو جبريلُ".
فهذا خَلْقٌ له ومُلْكٌ له، ومثله: (رسول الله) و (عباد الله) و (قبلة الله) ونحو ذلك.
ومثَّل لِما كان صفةً قائمةً بغيرِها بـ (علم الله، كلام الله، قدرة الله، حياة الله، أمر الله).
فهذه إذا أضيفتْ إلى الله تعالى كانتْ صفاتٍ له.
قال: "لكن قد يُعبَّرُ بلفظِ المَصْدَر عن المفعولِ به، فيُسمَّى المعلومُ علماً، والمقدورُ قدرةً، والمأمورُ به أمْراً، والمخلوقُ بالكلمةِ كلمةً، فيكون ذلك مخلوقاً، كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ (٢٢) بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٢٣)
стр. 295
قلتُ: وإنَّما يُصارُ إلى هذا المعنى بالقَرائنِ، أمَّا بمجرَّدِ إضافةِ الصِّفَةِ إلى الله فإنَّها حينئذ صفةٌ له.
стр. 296
المبحث الثالث: المعتزلة فى الميدان
شَرَحْتُ لك اعتقادَ المعتزلة الجهميةِ في كلام الله، وما شبَّهوا به على الناس، ضَربوا نصوصَ القرآن بعضَها ببَعْضٍ، وحرَّفوا معانيَ التنزيل، ووَصفوا رَبَّهم تعالى بالعيوبِ والنَّقائِصِ، وحَكَموا على دينهِ بالأهواءِ والظُّنونِ، وحَمَلوا الناسَ علىَ ذلك رغبةً ورهبةً، وصَدُّوهم عن الهدى إلاَّ مَن ثبَّتهُ الله تعالى، وتركُوا فِتْنَتهم وقَدْ فُتِحَت بها على الأمَّةِ أبوابٌ من الشرِّ والبدعةِ لم تُغْلق إلى يومِنا هذا.
وكان من مقصودِ دَعْوة القَوْم إبطالُ دين المسلمينَ، إذ معنى إبطالِ كونِ الرَّبّ تعالى متكلِّماً إبطالُ جَميعِ الشَّرائع، وما أنزلَ الله تعالى على رسُلهِ, لأنَّ الرُّسُلَ إنَّما بُعِثوا لتبليغِ وحْي الله وتشريعهِ الذي هو كلامُه وتنزيلُه.
بل إنَّ في ذلك إبطالَ التَّوحيدِ، لأنَّ مَن لا يتكلَّمُ ولا يَقُومُ به علمٌ ولا حَياة فهو كالأمواتِ، ومَن لا تقومُ به الصِّفاتُ فهو عَدَمٌ مَحْضٌ.
فلمَّا فَهِمَ أئمَّةُ هذه الأمَّةِ وعلماؤُها مقصودَ القَوْم، جاهَدُوهم بالبيناتِ، حتى أحقَّ الله بهم الحقَّ وأوضحَ السَّبيلَ، فأبطَلَ شُبُهاتِهم وأظهرَ
стр. 297
فضائِحَهم، وكشَفَ سوآتِهم، واتَّفق أهلُ الحقّ من سَلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها على أنَّ هؤلاءِ مِنْ شَرِّ طوائف أهْل البِدَع.
قالَ شيخ الإِسلام: "حتى أخرجهم كثيرٌ عن الثّنتين والسَّبعينَ فرقةً" (٢٤).
قلتُ: وهذا معناه إخراجهم من أمَّةِ محمَّد ﷺ .
وقد تواتَرَت النُّصوصُ عن الأئمَّة الأعلام في تكفيرهم، ومُجانَبتهم، وعَدَم مُوالاتهم، وقد نبَّهتُ على بعضها في الباب الأوَّل، وأسوقُ إليك هنا نُبَذاً مَنها تحقيقاً لبَراءةِ الذمَّةِ وإقامةِ الحُجَّة بذِكْرِ أسماءِ بعضِ أعلام أئمَّةِ السَّلَف ومَقالاتهم:
١ - سليمان بن طَرَّخان التَّيمي (تابعيُّ إمامٌ ثَبْتٌ).
قال: "ليسَ قومٌ أشدَّ نَقْضاً للإِسلام من الجَهمية والقدريّة، فأمَّا الجَهميةُ فقد بارَزوا الله تعالى، وأمَّا القدريّةُ فإنَّهم قالوا في الله " (٢٥).
٢ - سفيان بن سعيد الثَّوْريّ (أميرُ المؤمنين في الحَديث).
قال: "مَن قالَ: إنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ مخلوقٌ، فهو كافرٌ" (٢٦).
٣ - سلاّم بن أبي مُطيع (عاقِلٌ، صاحبُ سُنَّة، لا بأسَ به في
стр. 298
الحديث).
قال: "الجَهميَّةُ كُفَّارٌ، لا يُصَلَّى خَلفهم" (٢٧).
٤ - مالكُ بن أنس (إمامُ دارِ الهجرةِ):
قال عبد الله بن نافع -صاحبُهُ-: كان مالكُ بن أنَس ﵀ يقول: "مَن قال: القرآنُ مخلوقٌ، يوجَع ضَرْباً، ويُحْبَس حتى يموتَ" (٢٨).
وقال ابن نافع أيضاً: قال مالكٌ: "مَن قال: القرآنُ مخلوقٌ يؤدَّبُ ويحْبَس حتى تُعلَمَ منه التَّوبةُ" (٢٩).
وقال ﵀: "مَن قالَ: القرآنُ مخلوقٌ يُسْتَتابُ، فإنْ تابَ وإلاَّ ضُرِبَتْ عُنُقُه" (٣٠).
٥ - عبد الله بن المبارك (الإِمام العَلَم).
стр. 299
كانَ يقول: "الجَهميَّةُ كفَّارٌ" (٣١).
وقال محمد بن أعْيَن (ثِقَةٌ صَدوقٌ): سمعتُ النَّضْرَ بن محمد يقول: مَن قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، مخلوقٌ، فهوكافرٌ.
قال: فأتيتُ ابنَ المبارك فقلت له: ألا تعجَب من أبي محمَّد قالَ كذا وكذا؟
قال: "وهَل الأمْرُ إلَّا ذاكَ، وهَلْ يَجِدُ بُدّاً من أنْ يقولَ هذا؟ " (٣٢).
وفي رواية:
"صَدَقَ أبو محمَّد عافاه الله، ما كانَ الله يأمُرُ أنْ نعبُدَ مخلوقاً" (٣٣).
٦ - أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي صاحب أبي حنيفة (الثِّقَة الصَّدوق الفَقيه).
قال: "جيئونى بشاِهدَيْن يَشْهَدان على المِرِّيسيّ، والله لأملأنَّ ظهرَه وبطنَه بالسِّياط، يقول في القرآن" يعني: مخلوق (٣٤).
قلتُ: ونصوصُ الأئمَّة في تكفير المِرِّيسيّ -وهو بشْر بن غِياث،
стр. 300
رأسٌ من رؤوس المُعتزلة الجهميةِ- كثيرةٌ.
٧ - معتمر بن سُليمان، حماد بن زيد، يزيد بن زُرَيع (محدّثون ثِقاتٌ أصحابُ سُنَّة).
قال فِطْر بن حمَّاد (شيخٌ صدوقٌ):
سألتُ معتمرَ بن سُليمانَ، فقلتُ: يا أبا محمد، إمامٌ لقومٍ يقول: القرآن مخلوق، أصلِّي خلفَه؟
فقال: "ينبغي أنْ تُضْرَبَ عنقُه".
قال فِطْرٌ: وسألتُ حمَّادَ بن زيد فقلت: يا أبا إسماعيل، لَنا إمامٌ يقول: القرآن مخلوق، أصلِّي خلفَه؟
قال: "صَلِّ خلْفَ مُسْلمٍ أحبّ إليَّ".
وسألتُ يزيدَ بنَ زُرَيْع فقلتُ: يا أبا معاوية، إمامٌ لقومٍ يقول: القرآن مخلوق، أصلِّي خلفَه؟
قال: "لا, ولا كَرامة" (٣٥).
٨ - عبد الله بن إدريس الأوْدي (مِن أئمَّة المسلمينَ، ثِقَةٌ عابدٌ).
قالَ يحيى بن يوسف الزِّمّيُّ (وكانَ ثِقَةً عَدْلًا):
كنّا عندَ عبد الله بن إدريس، فجاءَه رجلٌ فقال: يا أبا محمد، ما تقول في قومٍ يقولون: القرآن مخلوق؟ فقال: "أمِنَ اليهودِ؟ " قال: لا، قال: "فمن النَّصارى؟ " قال: لا، قال:"فمن المَجوسِ؟ " قال: لا، قال:
стр. 301
"فمِمَّن؟ " قال: من أهْلِ التَّوحيدِ، قال:
"ليسَ هؤلاء مِن أهْل التَّوحيدِ، هؤلاءِ الزَّنادِقةُ، مَن زعَمَ أنَّ القرآنَ مخلوقٌ فقد زعَمَ أنَّ الله مخلوقٌ، يقول الله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فالله لا يكونُ مخْلوقاً، والرَّحمنِ لا يكونُ مخلوقاً، وهذا أصْلُ الزَّنادِقةُ، مَن قالَ هذا فعلَيْه لعنةُ الله، لا تُجالِسوهُمْ، ولا تُناكِحوهُمْ" (٣٦).
٩ - أبو بكر بن عيّاش (إمامٌ عَدْلٌ، مُحَدِّثٌ مُكْثِر).
قالَ حمزةُ بن سعيد المَرْوزي (ثِقَةٌ مأمونٌ):
سألتُ أبا بكر بن عيّاش قلت: يا أبا بكر، قدْ بَلَغَكَ ما كانَ مِنْ أمْرِ ابن عُلَيَّة في القرآن، فما تقولُ؟ فقال: "اسْمَع إليَّ ويْلَك: مَن زَعَمَ لك أنَّ القرآنَ مخلوقٌ فهو عندَنا كافرٌ زِنْديقٌ عدوُّ الله، لا تُجالِسْه، ولا تُكلِّمْه) (٣٧).
١٠ - وكيع بن الجرّاح (ثِقَةٌ حافظٌ حُجَّة).
قال: "أمَّا الجَهميّ فإنِّي أستتيبُه، فإنْ تابَ وإلاَّ قتلتُه" (٣٨).
وقال أبو جعفَر السُّوَيْديُّ (وكان ثِقَةً مُتَثَبِّتاً): سمعتُ وكيعاً وقيل له:
إنَّ فلاناً يقول: إنَّ القرآن محدَثٌ، فقال: "سبحانَ الله، هذا كفرٌ".
стр. 302
قالَ السُّوَيْديُّ: وسألتُ وكيعاً عن الصلاة خلفَ الجَهميَّة؟
فقال: "لا يُصَلى خلفَهم" (٣٩).
وقالَ أبو خيثَمة (زهيرُ بن حرب):
اختَصَمْتُ أنا ومُثنَّى، فقال مُثنَّى: القرآن مخلوقٌ، وقلتُ أنا: كلام الله، فقالَ وكيعٌ وأنا أسمَع "هذا كفْرٌ، مَن قالَ: إنَّ القرآن مخلوق هذا كُفْرٌ" فقال مُثنَّى: يا أبا سفيان، قال الله : ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فأيّ شيءٍ هذا؟ فقال وكيع: "مَن قالَ: القرآن مخلوقٌ هذا كُفْرٌ) (٤٠).
١١ - سفيان بن عُيَيْنَة الهلاليّ (إمامٌ حُجًةٌ فَقيه).
قال: "القرآن كلامُ الله ، مَن قال: مخلوقٌ، فهو كافرٌ، ومَن شكَّ في كُفْرِه فهوكافرٌ" (٤١).
١٢ - أبو معاوية الضَّريرُ محمد بن خازم (حافِظٌ ثِقَةٌ).
قال: "الكلامُ فيه بدعَةٌ وضَلالةٌ، ما تكلَّمَ فيه النَّبيُّ ﷺ ، ولا الصَّحابةُ، ولا التابعون والصَّالحونَ" يعني: القرآن مخلوق (٤٢).
١٣ - عبد الرَّحمن بن مَهْدي (عَلَمٌ، من أثْبَت المُحدِّثين وأحفظِهم).
стр. 303
قال: "مَن زَعَمَ أنَّ الله تعالى لم يُكَلِّم موسى صلواتُ الله عليه يُسْتَتَاب، فإنْ تابَ وإلاَّ ضُرِبَت عنقُه" (٤٣).
وقال: "لو كان لي من الأمْر شَيْءٌ لَقُمْتُ على الجِسْرِ، فَلَا يمرُّ بي أحدٌ إلاَّ سألتُهُ عن القرآن، فإنْ قال: إنَّه مخلوقٌ، ضربتُ رأَسَه ورميتُ به في الماءِ" (٤٤).
وقيل له: إنَّ الجهميَّةَ يقولون: إنَّ القرآنَ مخلوقٌ، فقال: "إنَّ الجهميَّةَ لَمْ يُريدوا ذا، وإنَّما أرادوا أنْ يَنْفوا أنْ يكونَ الرَّحمنُ على العَرشِ اسْتَوى، وأرادوا أنْ يَنْفوا أنْ يكونَ الله تعالى كَلَّمَ موسى، وقالَ الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وأرادوا أنْ يَنْفوا أنْ يكونَ القرآنُ كلامَ الله تعالى، أرى أنْ يُسْتَتابوا، فإنْ تابوا وإلاَّ ضُرِبَتْ أعناقُهم" (٤٥).
١٤ - أنس بن عِياض أبو ضَمْرَة اللَّيثي (مُحدثٌ ثِقَةٌ صَدوق).
قالَ إسحاق بن البُهلول (ثِقَةٌ عالِمٌ): قلتُ لأنس بن عِياض أبي ضَمْرَة: أصلّي خلْفَ الجهمية؟
قال: "لا ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ
стр. 304
مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (٤٦) ".
١٥ - يزيد بن هارون (إمامٌ في السُّنَّة، ثَبْتٌ حُجَّةٌ حافِظٌ).
قال: "مَن قالَ: القرآن مخلوق، فهو كافر" (٤٧).
وقال شاذّ بن يحيى الواسطيُّ (وكانَ خَيِّراً صَدوقًا):
حلفَ لي يزيد بن هارون في بيتهِ: "والله الَّذي لا إله إلَّا هو عالم الغيبِ والشَّهادةِ الرَّحمن الرَّحيم، مَن قال: القرآن مخلوق، فهو زِنْديق" (٤٨).
١٦ - أبو عُبَيد القاسمُ بن سلّام (الُغويّ المحدّثين، ثِقَةٌ فَقيهٌ).
قال: "مَن قال: القرآن مخلوق، فقد افترى على الله ، وقالَ عليه ما لَم تقلْهُ اليَهودُ والنَّصارى" (٤٩).
وقال: "لَو أن خمسينَ يؤمّونَ الناسَ يومَ الجُمُعة، لا يقولونَ: القرآنُ مخلوق، يأمُرُ بعضُهم بعضاً بالإِمامةِ، إلَّا أنَّ الرَّأسَ الذي يأمُرُهم يقولُ هذا، رأيتُ الِإعادةَ, لأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما تَثْبُتُ بالرأسِ" (٥٠).
قال عبد الله ابن الِإمام أحمد: فأخبرتُ أبي ﵀ بقول أبي
стр. 305
عُبيد، فقال: "هذا يُضَيِّقُ على الناس، إذا كانَ الذي يُصلّي بنا لا يقولُ بشَيْءٍ مِن هذا صلَّيْتٌ خلفَه، فإذا كانَ الذي يصلّي بنا يقولُ بشَيْءٍ من هذا القول أعدتُ الصلاةَ خلفَه" (٥١).
قلتُ: وهذا أقوَمُ من قَوْلِ أبي عُبيد, وأوفَقٌ للسُّنَّة، ولكن دلَّ قولُ أبي عُبَيْدٍ ﵀ على بيانِ فُحْش هذا الاعتقادِ -اعتقاد الجَهمية- وأنَّهم كفَّارٌ, وإلَّا لَما شدَّد هذا التشديدَ , وضيَّقَ هذا التضييقَ.
١٧ - أبو الوليد هِشام بن عبد الملك الطَّيالِسيّ (حافِظٌ حُجَّةٌ).
قال: "مَن لم يَعْقِدْ قلبَه على أنَّ القرآنَ ليسَ بمخلوقٍ، فهو خارجٌ من الإِسلام" (٥٢).
١٨ - أحمد بن عبد الله بن يونُس (ثِقَةٌ ثَبْتٌ، صاحبُ سُنَّة).
قال: "لا يُصلَّى خلْفَ مَن قال: القرآن مخلوق، هؤلاء كفَّار" (٥٣).
١٩ - هارون بن معروف المَرْوَزيّ (محدِّثٌ، ثِقَةٌ، خَيِّرٌ).
قال: "مَن قالَ: القرآن مخلوق، فهو يعبُدُ صَنمًا" (٥٤).
وقال: "مَن زعَمَ أنَّ اللهَ لا يتكلَّمُ، فهو يَعْبُدُ الأصنامَ" (٥٥).
٢٠ - يوسف بن يحيى أبو يعقوب البُوَيْطيُّ صاحب الشافعي (ثِقَةٌ
стр. 306
فَقيهٌ صاحبُ سُنَّة).
قال: "مَن قال: القرآن مخلوق، فهو كافرٌ، قال الله : ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فأخبرَ الله أنَّهُ يخلُقُ الخَلْقَ بـ (كُن) فمَن زعَمَ أنَّ (كن) مخلوق، فقد زعَمَ أنَّ الله تعالى يخلُقُ الخَلْقَ بخَلْقٍ" (٥٦).
٢١ - يحيى بن مَعين (العَلَم، إمامُ أهل الحَديث).
قال: "مَن قال: القرآن مخلوق، فهو كافر" (٥٧).
وقال أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقيُّ (ثِقَةٌ حافظٌ): أخبرني يحيى بن مَعين أنَّه يعيدُ صلاةَ الجمُعة مُذْ أظهَرَ عبد الله بن هارون المأمونُ ما أظهَرَ، يعني: القرآن مخلوق (٥٨).
وقال أحمد بن زُهَيْر (ابن أبي خَيْثَمة): سمعتُ أبي -وسألَ يحيى بن مَعين- فقال: إنَّهم يقولونَ: إنَّكَ تقولُ: القرآن كلامُ الله وتسكُتُ، ولا تقول: مخلوق، ولا غير مخلوق، قال: "لا" فعاودته، فقال: "معاذَ الله: القرآن كلام الله غيرُ مخلوق، ومَن قالَ غيرَ هذا فعليه لعنةُ الله" (٥٩).
٢٢ - إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل.
стр. 307
والنَّقلُ عنه في تكفيرِهم، ومُجانَبتِهم، وتَرْك الصَّلاة خلفَهم، والكَشْفِ عن مَساوئهم، لا يدْخُلُ تحتَ الحَصْر، فمن ذلك:
قال أبو داود: قلتُ لأحمَدَ: من قالَ: القرآنُ مخلوق، أهو كافر؟
قال: "أقولُ: هو كافرٌ" (٦٠).
وقال حنبل: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ أحمدَ بن حنبل -وسألَهُ يعقوبُ الدَّوْرقيُّ عَمَّن قال: القرآنُ مخلوقٌ؟ - فقال: "مَنْ زعَمَ أنَّ عِلمَ اللهِ تعالى وأسماءَه مخلوقةٌ، فقد كفَرَ بقولِ اللهِ : ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] أفليسَ هو القرآنَ؟ ومَن زعَمَ أنَّ علمَ اللهِ تعالى وأسماءَه وصفاتِهِ مخلوقةٌ، فهو كافرٌ، لا شكَّ في ذلكَ، إذا اعتقدَ ذلك، وكانَ رأيُه ومذهبُه دِيناً يتدَيَّنُ به، كانَ عندنا كافِرًا" (٦١).
وقال عبد الله ابنهُ: سمعتُ أبي ﵀ يقول: "مَنْ قالَ ذلكَ القولَ لا يُصَلَّى خلفَه الجُمُعةَ ولا غيرَها، إلاَّ أنَّا لا ندعُ إتيانَها، فإنْ صلَّى رجُلٌ أعادَ الصَّلاةَ" يعني: خلفَ من قال: القرآن مخلوقٌ (٦٢).
وقال عبد الله: سمعتُ أبي ﵀ يقول: "إذا كانَ القاضِي جَهْميًا فَلا تشهَدْ عندَه" (٦٣).
وقال محمد بن يوسف بن الطبّاع (وكان ثِقَةً): سمعتُ رجلاً سألَ
стр. 308
أحمدَ بن حنبل، فقال: يا أبا عبد الله، أصلّي خلفَ مَن يَشْرَبُ المُسْكِرَ؟
فقال: "لا".
قالَ: فأصلّي خلفَ مَن يقول: القرآن مخلوق؟
فقال: "سبحان الله، أنهاكَ عن مُسْلمٍ، وتسألُني عن كافر؟ " (٦٤). وقال صالحٌ ابنُهُ عنه: "مَن زعَم أنَّ القرآنَ مخلوقٌ فقَدْ كَفَرَ، ومَن زعَمَ أنَّ أسماءَ الله مخلوقة كَفَر، لا يُصَلّى خلفَ مَن قال: القرآن مخلوق، فإن صلَّى رجلٌ أعادَ" (٦٥).
٢٣ - أحمد بن صالح المِصْري (إمامٌ ثَبْتٌ حافِظٌ).
قالَ أبو داود: سألتُ أحمدَ بن صالح عمَّن قال: القرآن مخلوق؟
فقال؟ "كافر" (٦٦).
٢٤ - هارون بن موسى الفَرْويّ (شَيْخٌ ثِقَةٌ، صاحِبُ سُنَّة).
قالَ: "لم أسْمَعْ أحَداً مِنْ أهلِ العلْم بالمدينةِ وأهلِ السُّنَن إلاَّ وهم يُنكرونَ على مَن قال: القرآنُ مخلوقٌ، ويُكَفِّرونَه".
قال هارون: "وأنا أقولُ بهذه السُّنَّة" (٦٧).
٢٥ - محمَّد بن إِسماعيلَ البُخاري (العَلَمُ، صاحِبُ الصَّحِيح).
стр. 309
قال: "نَظَرْتُ في كلامِ اليَهودِ والنَّصارى والمَجوسِ، فما رأيتُ أضَلَّ في كُفْرهم منهم -يعني الجَهمية- وإنِّي لأستجْهِلُ مَن لا يكفّرُهم إلاَّ مَن لا يَعْرِفُ كفرَهم" (٦٨).
وقال: "ما أبالي، صلَّيت خلفَ الجهميّ والرَّافضي، أم صلَّيْتُ خلفَ اليَهود والنَّصارى، ولا يُسَلَّم عليهم، ولا يُعَادُوْنَ، ولا يُناكَحونَ، ولا يُشْهَدونَ، ولا تؤكَلُ ذَبائِحُهم" (٦٩).
٢٦ - أبو حاتِم محمد بن إدريس، وأبو زُرعة عُبيد الله بن عبد الكريم الرَّازيان (إماما الجَرْحِ والتَّعديل).
قالا: "وَمَنْ زَعَمَ أنَّ القرآنَ مخلوقٌ، فهوكافرٌ بالله العَظيم كُفْراً يَنْقُلُ عن المِلِّة، ومَن شكَّ في كُفْرهِ مِمَّن يفهَم فهوكافرٌ" (٧٠).
٢٧ - أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَة (إمام الأئمَّة).
قال: "القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوق: فمن قالَ: إنَّ القرآن مخلوقٌ فهو كافرٌ بالله العَظيم، لا تُقبَل شهادتُهُ، ولا يُعادُ إنْ مَرِضَ، ولا يُصلَّى عليه إنْ ماتَ، ولا يُدْفَنُ في مقابر المُسلمينَ، ويستتابُ، فإنْ تابَ، وإلَّا ضُرِبت عُنقُه" (٧١).
стр. 310
٢٨ - محمد بن جَرير أبو جعفر الطَّبري (الإِمام الحافظُ الفَقِيه الحُجَّة).
قال القاضي أحمدُ بن كامل (وكانَ ثقةً فاضلاً): سمعتُ أبا جعفر محمد بن جَرير الطَّبري -ما لا أحصِي- يقول: "مَن قال: القرآن مخلوق، معتقداً له، فهو كافِرٌ حَلالُ الدَّم والمال، لا يرثُهُ وَرثَتُهُ من المسلمينَ، يُسْتَتاب، فإنْ تابَ وإلاَّ ضُرِبَت عُنُقُه".
فقلتُ له: عمَّن لا يَرثُهُ ورثَتُه من المسلمينَ؟
قال: "عَن يحيى القطَّان، وعبد الرَّحمن بن مَهدي" (٧٢).
قيل للقاضي ابن كامل: فلِمَن يكونُ مالُه؟ قال: فَيْئاً للمسلمين (٧٣).
فهذه بعضُ أحكامِ الأئمةِ الأعلامِ في حقّ المعتزلةِ الجَهميةِ، تُبيّنُ لكَ عن فُرقانٍ بين الحقِّ والباطِلِ، والكُفْرِ والإِيمانِ، وهؤلاء الأعلامُ مِن سادَةِ أئمَّةِ السَّلَفِ الذين كانوا أسوةَ الناس، وفيهم السَّادةُ الكبارُ الذين يَفْزَع إليهم الناسُ في كَشْف الشُّبُهات، وإبانةِ الحَقِّ مِن دينهم.
ولقد وقَعَ في كلام بعضِ الأئمَّة تكفيرُ بعض أعيان الجَهمية، فكفَّر جماعةٌ من السَّلَف الجعْدَ بن دِرْهَم -أصلَ هذه الفتنة- وآخرونَ جَهْمَ بن صَفوان -رأسَها- وآخرون بِشرًا المِرِّيسيَّ -المُنافِحَ عنها- وكفّر الشَّافعيّ ﵀ حَفْصًا الفَرْدَ -أحَدَ دُعاتهم- وهَمّ بقَتْلهِ.
ولقد رأيتُ أقْواماً من أهل البِدَع، وربَّما اغترَّ بهم بعضُ أهل السُّنَّة،
стр. 311
يهوّنونَ من شأن الجَهمية، وربَّما استنكرَ بعضهُم على الأئمة الذين كفَّروهم، معَ أنه لم يَرِد عن عامَّةِ أئمَّةِ السَّلف إلاَّ تكفيرُهم -كما نقلَه عنهم ابنُ الطبري وغيره- وهؤلاء فيما أرى أحدُ رجُلَين:
إمَّا مبتدعٌ، مُحْتَرِقٌ في التَّجهّم والاعتزالِ، يُصِرُّ على أمْرٍ عَظيم يَهاب الحقَّ وسطوةَ أهلهِ، فلا يُصرِّحُ، وإنَّما يُشير ويُلمِّح.
وإمَّا جاهِلٌ، لم يَفْهَم اعتقادَ السَّلَفِ في كلام الله تعالى، وخافَ النَّظَرَ في ذلك -وَرَعاً- يَحْسَبُ أنَّه خَوْضٌ في الكلامِ الْمَذموم، فليسَ له إمامٌ يَقْتَدي به إلاَّ الواقفة الذين أنكَرَ الأئمَّةُ مذهبَهم.
أمَّا الأول فلا سلَّمة الله ولا عافاهُ، وكشفَ سترَهُ، وأظهرَ سوأتَهُ.
وأما الأخَر فليتَّقِ الله وليتعلَّم، وليدعْ ما حَسِبَه وَرَعاً، فوالله ما هو بالوَرَع المَشروع، فإنَّ الباطلَ موجودٌ وله دعاةٌ، وبدْعَة الجَهمية لَمْ تنفكَّ عن الناس، وليكْفِهِ الاقتداءُ بأعلام الأمَّةِ، ورُؤوسَ الأئمَّة، من بعد عصْرِ الصَّحابة وكبارِ التابعين، الذين عافاهم الله من هذا البَلاء، مثل: الثوريّ، ومالكٍ، والشَّافعي، وأحمد، وابن مَعين، والبُخاري.
ومِمَّن سبَقت الإِشارةُ إليهم صِنْفٌ حَمَلوا التكفيرَ في النُّصوص السَّالفةِ عن الأئمَّةِ ما يُشْبِهُها على الكُفْرِ الأصْغَر الذي لا يُفارَق به الدِّينُ، وهذا أيضًا من تَهوينهم لهذه القضية، وتَمْويههم على الناس، وإلَّا فإنَّ الكثيرَ من النُّصوص المذكورة وغيرِها صَريحةٌ في إخراجِهم من الإِسلام، ويجبُ أن يُحْمَلَ ما أطْلِقَ من ألفاظِ تكفيرهم على هذا المعنى الصَّريح، وأنا على يَقين أنَّ مَن فَهِمَ الاعتقادَ السَّليم الذي شرحناه في الباب الأول،
стр. 312
وفَهِمَ ما شَبَّهَ به المعتزلةُ الجَهمية على الناس، فإنَّه لا يَرتابُ في كُفْرِهم الأكبرِ المُخْرِج من الإِسلام.
فإنْ قيلَ: ألَيْسوا يشهدونَ أن لا إله إلاَّ الله؟
قُلنا: بلى، ولكنَّهم نقَضوها بقولِهم: مخلوقةٌ، ونَقَضوها بتكذيبِ القرآنِ، وبنَفي صفاتِ ربِّ العالَمين، ووصْفهِ بالعَجْز والنقصِ، بل وصْفِهِ بالعَدَم، فأيّ توحيدٍ بعد هذا؟
فإن قيلَ: هذا الِإمام أحمد ﵀ وهو من أشدِّ النَّاس في هذه المسألةِ، ولَقِيَ بسَبَبها ما لَقِيَ، لم يكفّر المأمونَ، ولا المعتصمَ، ولا الواثقَ، بل ربَّما دعا لبَعضِهم، وأقرَّ بإمْرَةِ المُؤمنين، وكانوا حملةَ رايةِ الفتنةِ بخلْق القرآن، فلو كانَ كُفْرًا مُخْرجاً من الإِسلام لما دَعا، أو عَفَا، أو أقرَّ بإمرةِ المؤمنينَ.
قُلْنا: هذا جَهْلٌ من المعترض بحقيقةِ الأمر، فإنَّ إطلاقَ التكفير ليس كتَعيينهِ، إذ الحكْمُ به على المعيّن قد يتخلَّفُ لمعنى، كتأويلٍ، أو جَهْلٍ، أو إكراهٍ، فإنَّه يقال: من قالَ كذا كفَر، ومَن اعتقدَ كذا فهو خارجٌ من الإِسلام، وليسَ معناه أنَّا إذا وجَدْنا مُسلمًا وقعَ في ذلك استحقَّ وصفَ الكُفْر به، حتى نعلمَ يقيناً أنْ قد بلَغتْهُ الْحُجَّةُ الشَّرعيةُ التامَّةُ الواضِحةُ، فانتفى جهلُه بذلك، ولم يبقَ في نفسهِ نوعُ تأويلٍ، وهذا أمرٌ يَعْسُرُ في الغالبِ، ولذا لم يكن من هَدْي السَّلَف تكفيرُ المُعيَّن حتى يوجَد مُقتضى التكفير، وتنتفي موانِعُه، ألستَ ترى تكفيرهم للجَعْدِ وَجَهْمٍ والمِرِّيسيّ؟ كفّروهم بأعيانهم لانتفاءِ الجَهْل والتأويل، لِما تضمَّنَتْ أقوالُهمِ من صَرَاحَة الكُفْر، وألسْتَ ترى تكفيرَ الشافعيّ ﵀ حَفصاً الفَرْد؟ كان بعدَ مناظرةٍ
стр. 313
وبَيان، فقامَتْ عليه الحُجَّة، وانتفى أن يكون له حُجَّةٌ، فلم يقع الشافعي في حَرَج من تكفيرهِ بعينه.
ولمَّا لم يَفْهَم بعضُ الناس هذه القضيةَ والفصْلَ فيها، تحيَّروا في تفسير ألفاظ الأئمَّةِ المُطلقة في ذلك، فحمَلها أقوامٌ على الكُفْر الأصغَر، وعابَ بعضُهم بعضَ الأئمَّةِ في تلك الإِطلاقاتِ، كما رأيتُ ذلك لبعضِهم (٧٤).
هذا مَعَ أنَّه قد ثبتَ عن الإِمام أحمد أنَّه قال: "علماءُ المعتزلةِ زنادقةٌ" (٧٥).
стр. 314
وهذا متضمِّنٌ أنَّ حالَ العارفِ العالِم منهم غيرُ حالِ مَن يَتّبِعهم على جَهْلٍ، كالخُلفاء -الذين لا يفقهون إلَّا حِفْظَ المَناصب- وسائر العامَّة، الذين تلتبسُ عليهم الحقائقُ بما تُثيره المبتدعةُ من الشُّبَه.
والله المستعان، ولا حولَ ولا قوة إلاَّ بالله.
стр. 315
الفصل الثالث
كشف تلبيس الأشعرية
في إثبات صفة الكلام لله تعالى
وفيه ستة مباحث
= المبحث الأول: تعريف الكلام عند الأشعرية.
= المبحث الثاني: إبطال كون كلام الله تعالى معنى مجردًا.
= المبحث الثالث: القرآن العربي عند الأشعرية.
= المبحث الرابع: أسماء الله تعالى عند الأشعرية.
= المبحث الخامس: وجه التوافق بين قولي المعتزلة والأشعرية في القرآن.
= المبحث السادس: الأشعرية وأهل السنة في مسألة القرآن.
стр. 316
المبحث الأول: تعريف الكلام عند الأشعرية
الأشعَريةُ -ومَن وافقهم كالماتُريدية- حين رَأوْا ما وَقَعَ من المعتزلة الجَهمية مع أهل السُّنَّة من الفتنةِ، في الصِّفات عامَّةً، وفي كلام الله تعالى خاصَّةً، رَأوْا سلوكَ طريقةٍ وسَط -في زَعْمِهم- بين معقولِ المعتزلةِ ومَنقول أهْل السُّنَّة، فأرادوا التوفيقَ بين المَذْهَبَيْن، لا على سبيلِ موافقةِ كلّ من الطائفتين: المعتزلةِ، وأهل السُّنَّة، وإنَّما على سبيل التوفيقِ بين صَريح المعقول، وصَحيح المنقول -كذا زعموا-.
ولكنَّ القومَ كانوا أعلمَ بالكلام والجَدَل المَوروث عن الجَهمية وغيرهم، أكثر من علْمِهم بالمنقول عن الله والرَّسول ﷺ ، وأكثر من علْمِهم بطريقةِ السَّلَف، فمالُوا إلى ما غَلَبَ عليهم من معقول الجَهْمية أكثرَ من مَيْلِهم إلى طريقةِ السَّلَف، معَ أنَّهم ردّوا على الجَهمية، ونقَضوا عليهم كثيراً من أصولِهم.
قال شيخ الإِسلام رحمه الله تعالى: "لكنَّ الأصلَ العقليَّ الذي بني عليه ابنُ كُلَّاب (١) قولَه في كلامِ اللهِ وصفاتِه هو أصْلُ الجَهميةِ والمعتزلةِ
стр. 317
بعينه" (٢).
وقال الحافظ أبو نَصْر السِّجْزيُّ فيهم: "وحاوَلوا الردَّ على المعتزلة من طريق مُجرَّد العَقْل، وهم لا يَخْبُرونَ أصولَ السُّنة، ولا ما كان السَّلَف عليه، ولا يحتجُّون بالأخبار الواردةِ في ذلك زَعْماً منهم أنَّها أخبارُ آحادٍ لا تُوجبُ عِلْماً" (٣).
وكانَ من أعْظَم ما مالوا فيه إلى طريقة الجَهْمية اعتقادُهم في كلام الله تعالى، فإنَّهم أنكروا عليهم قولَهم: (القرآن مخلوق) أشدّ الِإنكار، وصنَّفوا في ذلك المصنفاتِ الكثيرة، ووقعت بينهم في ذلك مناظرات، وحَسِبوا أنَّهم انتصروا عليهم، معَ أنَّهم وافَقوهم في أصْلِ مذهَبهم، وفي كثير من أصولهم، وإنْ رفَضوا التسليمَ لأكثرِ ذلك.
فلمَّا رَأوْا ما ألْزَمَت به الجَهميةُ المعتزلةَ من معقولِهم، التزموهُ، ولم يردّوه باعتقاد السَّلَف النَّقي، وإنَّما لجؤوا إلى ابتداع أصولٍ فاسدةٍ لم يقُلْ بها السَّلفُ، ولا المعتزلةُ، ولا أحدٌ من الأمَّةِ، بل ولا الأمَمُ قبلَهم.
• الكلام عن الأشعرية:
فأصْلُ تلكَ الأصول أنَّهم عرَّفوا الكلامَ بتعريفٍ لا يُعرَفُ في اللُّغَةِ ولا في الشَّرْعِ ولا في المَعقول، فقَالوا:
الكَلامُ: هو المعنى القائمُ بالنَّفْسِ -ويُعَبِّرونَ عنه بـ (الكلام
النفسي) - وهو الكلام الحقيقيُّ، والألفاظُ مَوضعةٌ للدَّلالة عليه.
стр. 318
وعليه قالوا: الكلامُ ليسَ بحُروفٍ ولا أصْواتٍ، والمتكلِّمُ: مَن قامَ به الكلامُ، لا من أوجَدَ الكلام.
وهذا عندَهم عامٌّ في كلّ كلامٍ.
وقد نَصَروهُ ببعض الشُّبَه حَسِبوها أدلَّةً، فقالوا: دلَّ على صِحَّةِ ما قُلْنا اللُّغَةُ والشَّرْعُ.
أمَّا اللُّغَة، فإنَّ العربي يقولُ. (كان في نفسِي كلامٌ) و (كانَ في نفسِي قولٌ) و (كان في نفسِي حديثٌ).
وقالَ عُمَرُ ﵁: "زوّرتُ في نفسِي كلاماً فأتى أبو بكر فزادَ عليه" (٤).
فسمَّى عُمَرُ ما في نفسِهِ كلاماً.
وقال الأخطل:
لا تعجبنَّكَ مِنْ أثيرٍ خُطْبَةٌ ... حتى يكونَ مع الكَلام أصِيلا
إنَّ الكَلامَ لَفِي الفؤادِ وإنَّما ... جُعِلَ اللِّسانُ على الفُؤادِ دليلًا
стр. 319
وأمَّا الشَّرْعُ، فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
فالله تعالى لَمْ يُكَذِّب المنافقينَ في ألفاظهم، وإنَّما كَذَّبَهم فيما تُكِنُّهُ ضَمائِرُهم وسَرَائِرُهم، فدلَّ على أنَّه حقيقةُ الكَلام والقَوْل.
ومثلُهُ قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨].
فالقَوْلُ بالنَّفْس قائِمٌ وإنْ لم ينْطِقْ به اللسانُ، والقولُ هو الكلامُ.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
فأسقط حكمَ الكُفْر عن المُكْرَه على كلمةِ الكُفْر، وجعَلَ الحكمَ لصِدْقِ الكلامِ القائمِ بالقَلْبِ.
فهذه الآيات وما في مَعناها دالَّةٌ على أنَّ حقيقةَ الكلام هو المعنى القائمُ بالنَّفْس، لا الحُروفُ والأصْواتُ التي هي أماراتٌ ودَلالاتٌ على الكلام الحَقيقي (٥).
ومِن السُّنَّة:
قولُه ﷺ : "يا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بلسانهِ، ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه" (٦).