المبحث الأول: تعريف الكلام عند الأشعرية
الأشعَريةُ -ومَن وافقهم كالماتُريدية- حين رَأوْا ما وَقَعَ من المعتزلة الجَهمية مع أهل السُّنَّة من الفتنةِ، في الصِّفات عامَّةً، وفي كلام الله تعالى خاصَّةً، رَأوْا سلوكَ طريقةٍ وسَط -في زَعْمِهم- بين معقولِ المعتزلةِ ومَنقول أهْل السُّنَّة، فأرادوا التوفيقَ بين المَذْهَبَيْن، لا على سبيلِ موافقةِ كلّ من الطائفتين: المعتزلةِ، وأهل السُّنَّة، وإنَّما على سبيل التوفيقِ بين صَريح المعقول، وصَحيح المنقول -كذا زعموا-.
ولكنَّ القومَ كانوا أعلمَ بالكلام والجَدَل المَوروث عن الجَهمية وغيرهم، أكثر من علْمِهم بالمنقول عن الله والرَّسول ﷺ ، وأكثر من علْمِهم بطريقةِ السَّلَف، فمالُوا إلى ما غَلَبَ عليهم من معقول الجَهْمية أكثرَ من مَيْلِهم إلى طريقةِ السَّلَف، معَ أنَّهم ردّوا على الجَهمية، ونقَضوا عليهم كثيراً من أصولِهم.
قال شيخ الإِسلام رحمه الله تعالى: "لكنَّ الأصلَ العقليَّ الذي بني عليه ابنُ كُلَّاب (١) قولَه في كلامِ اللهِ وصفاتِه هو أصْلُ الجَهميةِ والمعتزلةِ
стр. 317
بعينه" (٢).
وقال الحافظ أبو نَصْر السِّجْزيُّ فيهم: "وحاوَلوا الردَّ على المعتزلة من طريق مُجرَّد العَقْل، وهم لا يَخْبُرونَ أصولَ السُّنة، ولا ما كان السَّلَف عليه، ولا يحتجُّون بالأخبار الواردةِ في ذلك زَعْماً منهم أنَّها أخبارُ آحادٍ لا تُوجبُ عِلْماً" (٣).
وكانَ من أعْظَم ما مالوا فيه إلى طريقة الجَهْمية اعتقادُهم في كلام الله تعالى، فإنَّهم أنكروا عليهم قولَهم: (القرآن مخلوق) أشدّ الِإنكار، وصنَّفوا في ذلك المصنفاتِ الكثيرة، ووقعت بينهم في ذلك مناظرات، وحَسِبوا أنَّهم انتصروا عليهم، معَ أنَّهم وافَقوهم في أصْلِ مذهَبهم، وفي كثير من أصولهم، وإنْ رفَضوا التسليمَ لأكثرِ ذلك.
فلمَّا رَأوْا ما ألْزَمَت به الجَهميةُ المعتزلةَ من معقولِهم، التزموهُ، ولم يردّوه باعتقاد السَّلَف النَّقي، وإنَّما لجؤوا إلى ابتداع أصولٍ فاسدةٍ لم يقُلْ بها السَّلفُ، ولا المعتزلةُ، ولا أحدٌ من الأمَّةِ، بل ولا الأمَمُ قبلَهم.
• الكلام عن الأشعرية:
فأصْلُ تلكَ الأصول أنَّهم عرَّفوا الكلامَ بتعريفٍ لا يُعرَفُ في اللُّغَةِ ولا في الشَّرْعِ ولا في المَعقول، فقَالوا:
الكَلامُ: هو المعنى القائمُ بالنَّفْسِ -ويُعَبِّرونَ عنه بـ (الكلام
النفسي) - وهو الكلام الحقيقيُّ، والألفاظُ مَوضعةٌ للدَّلالة عليه.
стр. 318
وعليه قالوا: الكلامُ ليسَ بحُروفٍ ولا أصْواتٍ، والمتكلِّمُ: مَن قامَ به الكلامُ، لا من أوجَدَ الكلام.
وهذا عندَهم عامٌّ في كلّ كلامٍ.
وقد نَصَروهُ ببعض الشُّبَه حَسِبوها أدلَّةً، فقالوا: دلَّ على صِحَّةِ ما قُلْنا اللُّغَةُ والشَّرْعُ.
أمَّا اللُّغَة، فإنَّ العربي يقولُ. (كان في نفسِي كلامٌ) و (كانَ في نفسِي قولٌ) و (كان في نفسِي حديثٌ).
وقالَ عُمَرُ ﵁: "زوّرتُ في نفسِي كلاماً فأتى أبو بكر فزادَ عليه" (٤).
فسمَّى عُمَرُ ما في نفسِهِ كلاماً.
وقال الأخطل:
لا تعجبنَّكَ مِنْ أثيرٍ خُطْبَةٌ ... حتى يكونَ مع الكَلام أصِيلا
إنَّ الكَلامَ لَفِي الفؤادِ وإنَّما ... جُعِلَ اللِّسانُ على الفُؤادِ دليلًا
стр. 319
وأمَّا الشَّرْعُ، فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
فالله تعالى لَمْ يُكَذِّب المنافقينَ في ألفاظهم، وإنَّما كَذَّبَهم فيما تُكِنُّهُ ضَمائِرُهم وسَرَائِرُهم، فدلَّ على أنَّه حقيقةُ الكَلام والقَوْل.
ومثلُهُ قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨].
فالقَوْلُ بالنَّفْس قائِمٌ وإنْ لم ينْطِقْ به اللسانُ، والقولُ هو الكلامُ.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
فأسقط حكمَ الكُفْر عن المُكْرَه على كلمةِ الكُفْر، وجعَلَ الحكمَ لصِدْقِ الكلامِ القائمِ بالقَلْبِ.
فهذه الآيات وما في مَعناها دالَّةٌ على أنَّ حقيقةَ الكلام هو المعنى القائمُ بالنَّفْس، لا الحُروفُ والأصْواتُ التي هي أماراتٌ ودَلالاتٌ على الكلام الحَقيقي (٥).
ومِن السُّنَّة:
قولُه ﷺ : "يا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بلسانهِ، ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه" (٦).
فأخبَرَ أنَّ الكلامَ الحقيقيَّ هو الذي في القلْب دونَ نُطْقِ اللسانِ، وأنَّ الحُكْمَ للكلام الذي في القَلْب على الحقيقةِ، وأنَّ قَوْلَ اللسان مَجازٌ قد يُوافقُ القلبَ وقد يُخالِفُه.
وقوله ﷺ : "النَّدَمُ تَوْبَةٌ" (٧).
والنَّدَمُ معنى في القَلْبِ.
وقولُه ﷺ : "يقولُ الله : أنا عنْدَ ظَنّ عبدي بي، وأنا معه حينَ يذكُرُني، إنْ ذَكَرَني في نفسهِ ذكرتُهُ في نَفْسِي" (٨).
فأثبتَ الذِّكْرَ للنَّفْس.
стр. 322
فالذِّكرُ والقوْلُ والكلامُ واحدٌ.
فَعُلِمَ أنَّ حقيقةَ الكلام: المعنى القائم في النَّفس (٩).
وكذا احتجُّوا بقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].
فأطلقَ اسْمَ الكلام على غيرِ الألْفاظِ.
قلتُ: فهذه جملةُ ما احتجُّوا به لنُصْرَةِ بِدْعَتهم، وأنا ذاكِرٌ بتوفيق الله تعالى نقضَه عليهم.
• النقض على الأشعرية:
قبلَ الشُّروع في ذلك أذكِّرُكَ بما ذكرناه في الباب الأول من كون أهل السُّنَّة والجَماعة يُقرّون بأنَّ حَديثَ النَّفْس قد يُسَمَّى كلامًا وقَوْلاً، ولكن بقرينةٍ تبيّن ذلك، وأمَّا مُطْلَقُ الكلام والقَوْل فإنَّهُ يَعُمُّ الألفاظَ والمعانيَ مجتمعةً، فالكلامُ -مَثلًا- عندَ النَّحْويينَ مُخْتَصٌّ بالألفاظِ دونَ المعاني، بقرينةِ مَباحث هذا العلْمِ، فإنَّه إنَّما يَبْحَثُ في الألفاظِ لا في المَعاني، كذلك قد يُرادُ بهِ المعنى مجرّدًا بالقَرائنِ، كما سَتراه في الأجوبةِ الآتيةِ.
أولاً: ذكر الجواب عما استدلّوا به من اللغة:
أمَّا قولُ العربيّ: (كانَ في نفسِي كلامٌ) ونحو ذلك، فإنَّنا لا نُخالِفُ في صحَّتهِ، لكن ليسَ على مرادِكم -معشرَ الأشعرية- وإنَّما على مُرادِنا من كَوْن لفظ (الكلام) إذا جاء مقيّداً، كانَ التقييدُ قرينةً دالّةً على إخراجهِ من
стр. 323
إطلاقِه، ونحن نقرّ أنَّه قد تُراد به المَعاني أو الألفاظُ بالقرائن، فلمَّا قيَّدَه العربيّ ههنا بالنَّفْس أخرجَه من مُطْلَق الكلام، فكيفَ يصِحُّ لكم -معشرَ الأشعرية- أن تحتجُّوا بما هو مَجاز على قواعِدكم لتقرير ما هو الحَقيقة؟
وذلك أنكم تقولونَ: ما تَصْرِفُه القرائنُ عن حَقيقته إنما هو المَجاز.
وأمَّا قَوْلُ عُمَر يوم السَّقيفة، فجوابنا عنه من وجْهين:
الأوَّل: أنَّ (التَّزوير) كما يقولُ الأصمعي: "إصلاحُ الكلام وتَهْيئتُهُ" (١٠) فمعناه إذاً: أنَّه قَدَّرَ في نفسهِ كلامًا وهيّأه لم يتكلَّم به بَعْدُ، فليس كلاماً حتى يتكلَّمَ به.
ومثالهُ: مَن يُقَدِّرُ في نفسهِ أن يعمَل عمَلًا كانْ يُصلِّي مثلاً، ثمَّ لا يفعل، فهل يقال: إنَّه صلَّى في نفسهِ؟ معَ أنَّ القَلْبَ له عمَل، كما أنَّ للجَوارح عملاً.
والثاني: لو صَحَّ ما قالوه لكان موافقاً لمَذْهَبنا لا لِمَذْهَبِهم، فإنَّهم يَعدّونَ مطلقَ الكلام كلامَ النَّفْس، أمَّا نحنُ فعندنا مطلقُ الكلام اللفظُ والمَعنى جميعاً، وقد يُرادُ أحدُهما بقرينةٍ، وهي موجودةٌ في قول عُمَر المذكور، ألا وهي التقييدُ بالنَّفْس، فكيفَ صَحّحْتم تعريفَ الكلام المُطْلَقِ بالكلام المقيَّدِ؟
وأمَّا شِعْرُ الأخْطَلِ، فالجَواب عنه من وجوهٍ:
الأوَّل: أنكرَ بعضُ العلماء كونَه من شعرهِ، وذلك أنَّهم فتّشوا دواوينَه فلم يَجِدوه فيه.
стр. 324
قال أبو محمَّد الخشّابُ نَحْويُّ العراقِ: "فتشتُ شِعْرُ الأخطلِ المدوّن كثيراً فما وجَدْتُ هذا البيتَ" (١١).
والثاني: أنَّه لم يَثْبُت نقلُه عن قائلهِ بإسنادٍ، لا صَحيحٍ ولا ضعيفٍ.
والثالث: لم يتلقَّه أهلُ العَربية بالقَبول.
والرابع: أورَدَه بعضُهم بلفظ:
إنَّ البَيانَ لَفي الفُؤادِ ... ... ... ... ... .....
وهذا يُفْسِدُ المَعْنى الذي أرادوا -كما لا يَخْفى-.
والخامس: الأخطلُ شاعرٌ مولَّدٌ، لا يُحْتَجُّ بشعرهِ في اللُّغة، وهذا معلومٌ عندَ أهل التَّحقيق.
والسادس: أنَّه نَصْرانيُّ مُثَلِّثٌ كافِرٌ، وقد ضَلَّت النَّصارى في معنى كلام الله تعالى ومُسَمَّاه، فجعَلوا المسيحَ نَفْسَ كلمة الله.
والسابع: أكثرُ من يحتَجُّ من أهل البِدَع بهذا الشِّعْر يُخْفي البيت الأوَّل, لأنه عندَ التَّحقيق حُجَّةٌ عليهم، وذلكَ أنَّ الشاعرَ حين ذكرَ الكلامَ في البيت الأوَّل ذكَره مطلقاً، ليشمَلَ اللفظَ والمَعنى، إذ الذي يُسمَعُ من الخَطيب ألفاظهُ، فأبانَ الشاعِرُ عن حقيقةِ الكلام المؤثّر الذي يقَعُ من النُّفوس مَوْقعاً بأنَّه ما اشْتَمَلَ على المَعاني التي مَوْضِعُها القَلْبُ، لا مُجَرَّدُ الألفاظ التي تُسْمَعُ من المتكلِّم، ولم يُرِدْ تعريفَ الكلام وَوَضْعَ حدٍّ له بكونه المَعاني المجرَّدة.
стр. 325
والثامن: مُسمَّى (الكلام) و (القول) ونحوهِما ليسَ ممَّا يُحتاج في تفسيره إلى قولِ شاعر، بل ولا ألْفِ شاعر، فإنَّه ممَّا قد عُلِمَ ضرورةً، إذ هو ممَّا تكلَّمَ به الأوّلونَ والآخرونَ من أهْل اللّسانِ، وعَرَفوا معناه في لُغَتهم.
واللُّغة إنَّما تُسْتفَاد من استعمالِ أهلِها لها في كلَامهم، لا تُسْتَفاد مِمَّا يُذْكَر من الحُدودِ والتَّعريفات، بأن يقال: (الرأس كذا ... الكلام كذا ...) (١٢).
فالحاصِلُ: أنّ الاحتجاجَ بهذا الشِّعْر ظاهرُ الفَسادِ، وفَسادُهُ أبْيَنُ وأظهرُ من تكلّفِ التفصيل له، والقومُ استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خَيْرٌ، فترَكوا نصوصَ الوَحْي الصَّريحةَ لقَوْلِ نَصْرانيٍّ كافرٍ، لم يُحَقِّقوه صِحَّةً، لا رِوايةً ولا دِرايةً.
قال الِإمام أبو المَعالي أسْعَدُ بن المُنَجّا شيخُ الحَنابلة:
كنتُ يوماً عندَ الشَّيخ أبي البَيان (نَبأ بن محمَّد بن مَحفوظ القُرَشي الشّافعي) رحمه الله تعالى، فجاءَه ابن تَميم الذي يُدعى الشيخ الأمين، فقالَ له الشيخ بعدَ كلام جَرى بينهما: "ويحَكَ، الحنابلة إذا قيل لهم: ما الدَّليلُ على أنَّ القرآنَ بحَرْفٍ وصَوْتٍ؟ قالوا: قال الله كذا، وقال رسولُهُ كذا -وسرد الشيخُ الآياتِ والأخبارَ- وأنتم إذا قيل لكم: ما الدَّليلُ على أنَّ القرآنَ معنى قائم في النَّفس؟ قلتُم: قالَ الأخطل:
إنَّ الكلامَ لَفِي الفؤادِ ...
أيش هذا الأخطل؟ نَصْرانيٌّ خَبيثٌ، بَنَيْتُم مذهَبَكم على بيتِ شعرٍ
стр. 326
من قولِهِ، وتركْتُم الكتابَ والسُّنَّة؟! " (١٣).
وقال شيخُ الإِسلام: "كانَ مِمَّا يُشَنَّعُ به على هؤلاء أنَّهم احتجّوا في أصْلِ دينهم ومعرفةِ حقيقةِ الكلام -كلام الله، وكلام جميعِ الخَلْق- بقول شاعر نَصْرانيّ يُقال له: الأخطل:
إنَّ الكلامَ لَفِي الفؤادِ وإنَّما ... جُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلا
وقد قالَ طائفةٌ: إنَّ هذا ليسَ من شِعْرهِ، وبتقدير أن يكونَ من شعرهِ فالحَقائقُ العقليةُ، أومسمَّى لفظ (الكلام) الذي يتكلَّم به جميعُ بني آدم، لا يُرْجَعُ فيه إلى قولِ ألفِ شاعرٍ فاضِل، دَعْ أنْ يكونَ شاعراً نَصْرانيّاً اسمُه: الأخْطَل، والنَّصارى قد عُرِفَ أنّهم يتكلَّمونَ في كلمةِ الله بما هو باطلٌ، والخَطَل في اللُّغة: هو الخَطَأ في الكَلام.
وقد أنشَدَ فيهم المُنْشِد:
قُبْحاً لِمَنْ نَبَذَ القرانَ وَراءَه ... فإذا استدلَّ يقولُ: قال الأخطلُ (١٤)
وقال شيخ الإِسلام أيضاً: "ولو احتجَّ مُحْتجٌّ في مسألةٍ بحديثٍ أخرَجاه في الصَّحيحين عن النَّبِيّ ﷺ لَقالوا: هذا خبرُ واحدٍ، ويكون مِمَّا اتّفقَ العلماءُ على تصديقهِ وتلقّيهِ بالقَبول، وهذا البيتُ لم يَثْبُت نقلُهُ عن قائلهِ بإسنادٍ صَحيح لا واحدٍ ولا أكثرَ من واحدٍ، ولا تلقَّاةُ أهلُ العربيَّة بالقَبول، فكيفَ يثْبُتُ به أدنى شَيْءٍ من اللغة فَضْلًا عن مسمَّى
стр. 327
الكلام" (١٥).
ثانياً: ذكر الجواب عما استدلوا به من الكتاب والسنة:
إنَّ ما احتجُّوا به من ذلك قَدْ حُرِموا التَّوفيق في فَهْمِهِ، فقالوا على الله غيرَ الحقّ.
فقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ...﴾ الآية.
نقولُ للأشعرية: أقرَرْتُمْ بأنَّه تعالى لم يُكَذِّب المنافقينَ في ألفاظِهم، وقد سَمَّاه تعالى قولاً، فقال: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ﴾.
ولمَّا كانت الألفاظُ المجرَّدةُ غيرَ كافيةٍ لإِثباتِ إيمانِهم وصِدْقِهم فيه، وإنَّما يَجِبُ أنْ يقارِنَها إيمانُ القَلْب، واستقرارُ معنى ما قالوه فيه، لأجلِ ذلك كَذَّبَهم في دَعْواهم، فالذي كذَّبَهم الله تعالى فيه إنَّما هو الدَّعوى المجرَّدةُ، وعَدَمُ صحَّةِ ذلك منهم، ولم يُكَذِّبْهم في صِحَّةِ كونِ ما نَطَقوا به قولاً وكلاماً، بلْ أقرَّ ذلك وثبَّتَه، وليس الخِلافُ بيننا في صِدْق القول أو كذبهِ، وإنَّما في ماهيَّتهِ وحَقيقتهِ.
ونظيرُ هذه الآية قولُ النَّبيّ ﷺ : "يا معشرَ مَن آمنَ بلسانِهِ ... " الحديث.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ...﴾ الآية.
فهو كسابقهِ في فَساد الاحتجاج به، وذلك من وَجْهَيْن:
الأوَّل: يُحْتَمَلُ أنَّهم قالوهُ بألسنتِهم سِرّاً، يُحَدِّثُ بعضُهم بعضاً
стр. 328
بذلك، وهو قولُ بعضِ أهل التَّفسير.
والثاني: أن لفظَ (القَوْل) وَرَدَ في الآية مرَّتَيْن، مَرَّةً مقيّداً بالنفسِ، والثانية مطلقاً، ولا ريْبَ أنَّ المُطْلَقَ هو تَناجيهم بالإِثمِ والعُدوانِ، ومعْصيةِ الرَّسول ﷺ ، وتحيَّتُهم له بغَيْر ما حَيَّاه به الله، وكلّ ذلك أقوالٌ، هي ألفاظٌ ومَعاني، فأطلقَه للعلْم به، وقيَّدَ القوْلَ الأوَّلَ بالنَّفْس ليكونَ خاصّاً بالمعنى دونَ اللفظِ، هذا على تَسْليم كونهِ حديثَ نفْس.
فلو كانَ مطلقُ القولِ إنَّما يُرادُ به حديثَ النَّفس لم تكُن هناك حاجَةٌ إلى تقييدِه بها، ولَكانَ التناجي والتَّحيَّةُ مَعانيَ مجرَّدةً، تُحَدِّث القلوبُ بعضُها بعضاً بها من غير نُطْقٍ ولا لَفْظٍ، وهذا لا يتصوَّرُه عاقلٌ.
ومثْلُ هذه الآية احتجاجُهم بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف:٢٠٥] فهذا هو الذِّكْرُ باللسان سِرّاً، فلَم يَخْرُجْ عن كونهِ أَلفاظاً أومعانيَ مجتمعةً، ألا ترى قولَه: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾؟ والذي يَلي مرتبةَ الجَهر الذي هو الذّكرُ برفْع الصَّوْت، مرتبةُ الإِسْرار التي هي الذِّكْرُ بخَفْضِ الصَّوْت، وكلُّ ذلك قائمٌ باللسانِ والقَلْب.
وأقولُ للأشعرية: بماذا تُفسِّرونَ إذاً قولَ أبي هُرَيْرَة لمنْ سألَهُ عن قراءَةِ أمّ الكتاب وراءَ الإِمامَ: "اقْرَأ بها في نَفْسِكَ" (١٦)؟ هل هو عندَكم المعنى القائمُ في القَلْب أيضاً؟
стр. 329
إن قلتُم: نعَمْ، أبطَلْتُم مذاهبَكم، فإنَّكُم تُسلّمونَ أنّ الخلافَ في هذه المسألة إنَّما هو في نُطْق اللّسانِ، لا في استحْضار المَقروء في القلْبِ.
وإن قُلْتُم: لا، أفسَدْتُم أصلَكم أنَّ الكلامَ الحقيقيِّ ما قامَ في النَّفْس من المَعاني.
ونَظير الآية المذكورةِ احتجاجهُم بحديثِ: "يقولُ الله : أنا عندَ ظَنِّ عَبْدي بي، وأنا معه حين يذكُرني ... " الحديث.
فإنَّ الذّكْرَ في النَّفْس هنا هو ذكرُ اللسان سِرّاً، ألا تَراه قال في تتمة الحديث: "وإنْ ذكَرَني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منهم"؟ فهما منزلتان.
ونظيرهُ أيضاً احتجاجُهم بقَوْله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣].
بل إنَّ احتجاجَهم بهذه الآية أظْهَرُ في الحُجَّة عليهم، وذلك أنَّه تعالى أثبتَ لهم قَوْلاً يُسَرُّ به، وقَوْلاً يُجْهَرُ به، والمَجْهورُ إنَّما يكون برفْع الصَّوت، وضدُّه الذي يُسَرّ به، ويجمَعُهما نُطْقُ اللسان، يوضِّحُه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، فهذه ثلاثُ مَراتب: الأولى: الجَهْر، والثانية: السِّرّ، والثالثة: ما هو أخفى من السِّرّ، وليسَ هو إلَّا حديثَ النَّفْس، ولذلكَ قال في الآية: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تَنْبيهاً لهم على أنَّه إذا كانَ يعلَمُ ما في الصُّدور، وهو المُعبّرُ عنه في الآية الأخرى بـ ﴿وَأَخْفَى﴾ فعِلْمُهُ بالجَهْرِ بالقولِ والسِّرّ به أولى، ذكر نحوَ هذا شيخُ الإِسلام.
وأمَّا احتجاجهُم بقولِهِ ﷺ : "النَّدَمُ توبَةٌ" وما في مَعناه، ونحوه
стр. 330
احتجاجهُم بقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وما في معناه، فليسَ وارداً في مَحَلّ النِّزاع، لأنَّ الخلافَ بينَنا وبين الأشعرية إنَّما هو في مسمَّى القولِ والكلامِ، لا بقيامِ المَعاني في القلب.
وأمَّا احتجاجهُم بآية الإِكراهِ فشبيهٌ بهذا، فإنَّه لم يُسَمِّ ما في القَلْب كلاماً، وإنَّما قال: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ لأنَّه موضعُهُ ومَحَلُّه في الأصْلِ.
وتَسْميةُ ما في القَلْب من الإِيمان كَلاماً راجعٌ إلى أصْلِهم في الإِيمان بأنَّه التَّصديقُ القَلْبي، إذ هم فيه مُرْجئةٌ جَهميةٌ، وهو عندَ أهل السُّنَّة من السَّلَف والأئمَّةِ: تصديقُ القَلْب، وقولُ اللِّسان، وعمَلُ الجَوارح، حقيقةً في هذا جميعاً، فرفع الله الحرَجَ عن المُكْرَه رفعاً مؤقَّتاً للضَّرورة، تيسيراً عليه وتَخفيفاً، لا على أنَّ الإِيمانَ على الحقيقة هو تصديقُ القَلْب فقَط، فإنَّه لو كان كذلكَ لَمَا كان فَرْقٌ بين حال الإِكراه وعَدَمهِ، ففيم الرُّخْصَةُ إذاً؟
وعلى تسليم كَوْن إيمانِ المُكْرَه كلاماً فإنَّه مقيَّد بذكْر القَلْب. وأمَّا احتجاجُهُم بقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ فَلنا عنه جَوابان:
الأوَّل: أنَّه تعالى قالَ في سورة مريم [١٠]: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ والقصَّةُ واحدةٌ، فاستثنى في الموضِع الأول ولم يَسْتَثْنِ في الثاني، فدلَّ على أنَّه استثناءٌ منقطعٌ لا مُتَّصل، فيكونُ المعنى: آيتك ألاَّ تكلِّمَ النَّاسَ، لكن تَرْمِزُ لهم رَمْزاً، وهو قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١١] هو الإِيحاءُ بالرَّمْز.
стр. 331
والثاني: إنْ لم يصحّ كونُه استثناءً منقطعاً، كان كلاماً مقيّداً بالرَّمْز، فلا إشكالَ.
ذكرَ نحوَ لهذا شيخُ الإِسلام.
فهذا جملةُ ما موَّهَت به الأشعريةُ والماتُريديةُ على الأمَّة ليَلْبِسوا عليها دينَها، ولا يَخفاك ما يتَّسِمُ به من التَّناقُض والاضطرابِ.
يا هؤلاءِ نحنُ لا نختلفُ معكم في كَلامٍ مقيَّدٍ، فإنَّ القرائنَ تُخْرِجُ اللَّفظَ عن معناه إلى وجوهٍ من المَعاني، وإنَّما نَخْتَلفُ معكم في مطلق (الكلام) و (القول) وها أنتم قد عجَزْتُم عن الإِتيان ولو بحُجَّةٍ واحدةٍ تُثْبتونَ بها صحَّةَ قَوْلِكم، وتعلّقْتُم بما هو أوْهى من بيتِ العنكبوتِ، لتَنْصروا ما حَسِبْتُم كونَه حقّاً، ولَيْتَكُم تصوَّرْتُم قولَكُم وأمكَنكم صياغَتَه بتعريفٍ لتفهموه أنتم قبلَ أن تُفْهِموه خصومَكُم.
أيّ ضلالٍ هذا الذي أدخَلَه ابنُ كُلاّب وأتباعُهُ على الأمَّةِ ليُفْسِدوا به الضَّروراتِ؟ فلقد كان الناسُ في سَلامة من ذلك، ومعَ ذلك فقد قابَلوا باطلَ الجَهمية حين ظهَرَ بأحسَنِ الردّ وأبْيَنِهِ، ولم يَحتاجوا إلى هذه الضَّلالات الكُلّابية والأشعرية.
قال شيخُ الإِسلام: "ولَمْ يكن في مسمَّى الكلام نزاعٌ بين الصَّحابة والتابعينَ لهم بإحسانٍ، وتابعيهم، لا من أهل السُّنَّة، ولا مِن أهل البدعةِ، بل أوَّل من عُرِفَ في الإِسلام أنَّه جعلَ مسمَّى الكلام المعنى فقط هو عبد الله بن سعيد بن كُلّاب، وهو متأخِّرُ في زمَن محنةِ أحمد بن حنبل، وقد أنكر ذلكَ عليه علماءُ السُّنَّةِ وعلماءُ البدعةِ، فيمتنعُ أن يكونَ الكلام الذي
стр. 332
هو أظهرُ صفاتِ بني آدم، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] ولفظُه لا تُحْصى وجوهُه كثرةً، لَمْ يعرفْهُ أحدٌ من الصحابةِ والتابعين وتابعِيهم، حتى جاءَ مَن قالَ فيه قولاً لم يَسْبِقْهُ إليه أحدٌ من المسلمينَ ولا غيرِهم" (١٧).
وقال الحافظ أبو نَصْر السِّجْزيُّ: "رَكِبوا مُكابَرَةَ العِيانِ، وخَرَقوا الإِجماعَ المُنْعَقِدَ بين الكافَّة: المُسْلم والكافِر" (١٨) بلْ "ألجَأهم الضِّيقُ مِمَّا دخَلَ عليهم في مقالَتهم إلى أنْ قالوا: الأخرَسُ متكَلِّمٌ، وكذلك السَّاكتُ والنائمُ، ولهم في حال الخَرَس والسُّكوت والنَّوم كلامٌ هم متكلِّمونَ به، ثمَّ أفصَحوا بأنَّ الخرَسَ والسُّكوتَ والآفات المانعة من النّطق لَيْسَتْ بأضْداد الكلام" (١٩).
قال: "وهذه مقالةٌ تُبَيِّنُ فضيحةَ قائلها في ظاهِرها من غير رَدٍّ عليه، ومَن عُلِمَ منه خَرْقُ إجماع الكافّة، ومخالفَةُ كلّ عَقْليّ وسَمْعيّ قبلَه لم يُناظَرْ، بل يُجانَبُ وَيُقْمَعُ" (٢٠).
قلتُ: ولقد كانت هذه البدعةُ جَديرةً بالإِعراض عنها لولا ما عمَّ بها من فَساد الاعتقاد، ولَبْسِ الحَقّ بالباطل، فلا حولَ ولا قوة إلاَّ بالله.
стр. 333
• كلام الله تعالى عند الأشعرية:
على الأصْل الذي ذكرناهُ عنهم في تعريف الكلام بَنوا اعتقادَهم في كلام الله تعالى.
فقالوا: كلامُ الله القديمُ هو الكَلام النَّفسيُّ، وهو معنى واحدٌ، قائمٌ بذاتهِ، غيرُ مخلوق، صفةٌ من صفاتهِ، غيرُ بائنٍ عنه، لم يزَلْ موصوفاً به، ليسَ بحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وليسَ هو بلُغَةٍ، ولا يتجَزَّأ، ولا ينقسِمُ، ولا يتفاضَل، ولا يتعدَّدُ، ولا يَدْخلُه النَّسْخُ، ولا يتعلَّق بمشيئةِ الله واختيارهِ، وهو الأمرُ والنَّهيُ والخبرُ، يُفْهِمُه الله مَن شاءَ من عبادهِ بعباراتٍ مخلوقةٍ تدلُّ عليه، فعبارةُ القرآن بالعَربيةِ، والتَّوراة بالعِبْرية، والإِنجيلِ بالسّريانيةِ، وهي عباراتٌ عن الكلام النفسيّ الحَقيقي ودلالاتٌ عليه، وهي جميعاً معنى واحدٌ، فمعنى القرآن هو معنى التوراة والِإنجيل وغير ذلك من كلام الله، وتكليمُ الله لِمَنْ كلَّمَه من عباده إنَّما هو خَلْق إدراكِ ذلك المعنى لهم.
فالقرآنُ، والتَّوراةُ، والِإنجيلُ، بألفاظِها وحُروفها مخلوقةٌ، وهي دَلالاتٌ على الكلام النَّفسيّ، خلَقَها الله في شَيْءٍ.
قالوا في القرآن العربيّ: خلَقَه الله في اللَّوْح المَحفوظ -وهذا أشهَرُ عند متأخِّريهم، وهو الذي يقولُه صاحب "تحفة المريد" وغيره-.
ومنهم مَن قال: خلَقَهُ في الهَواء، فأخَذَهُ جبريلُ ﵇.
ومنهم مَن قال: بلْ إنَّ الله أفْهَمَ جبريلَ المعنى، فعبَّرَ عنه جبريلُ بقولِهِ، فالقرآن قولُ جبريلَ ﵇ -وهذا صرَّحَ به أكبرُ مُحقِّقيهم على الإِطلاق بعدَ الأشعري: أبو بكر الباقلّاني-.
стр. 334
ومنهم مَن قال: بل هو عبارةُ محمَّد ﷺ وهو قولٌ مرجوحٌ عند متأخِّريهم، لكنه مذكورٌ مشهورٌ عندهم-.
فهذا جملةُ اعتقادِهم في كلام الله تعالى، وأنا ذاكرٌ تفصيلَه عنهم ونقضَه عليهم في المباحث الآتية بتوفيق الله وتيسيره.
стр. 335
المبحث الثاني: إبطال كون كلام الله تعالى معنى مجرداً
اتَّفَقوا على كَوْن الكَلام الثابتِ صفةً لله تعالى هو الكلامَ النَّفسيَّ، وهو معنًى واحدٌ، وبعضُهم قال: هو عدَّةُ مَعانٍ، وهو الأمرُ، وهو النَّهي، وهو الخبرُ، إنْ عُبِّرَ عنه بالعَربية كانَ قرآناً، أو بالعِبْرانية كان توراةً، أو بالسِّريانية كان إنجيلًا.
قال أبوبكر الباقلاني: "الكلامُ القَديمُ القائمُ بالنَّفْس شَيْءٌ واحدٌ لا يَخْتَلفُ ولا يتغيَّرُ" (٢١).
وقال الباجوريّ:"وكلامه تعالى صفةٌ واحدةٌ لا تَعَدُّدَ فيها، لكن لها أقسامٌ اعتباريةٌ" ثمًّ ذكَرَ أنها الأمرُ والنهيُ والخبرُ والوعدُ والوعيدُ (٢٢).
وهذه عندَهم أقسامٌ للكلام بالنَّظر إلى ما يُعبِّر عن الكلام، أمَّا في الحقيقة فإنَّهم يعدّونها صفاتٍ للكلام، لا أنواعًا وأقساماً، لأنه واحدٌ لا يتجزّأ ولا ينقسم.
стр. 336
وقال البيهقيُّ -وهو منهم-:"وكلام الله تعالى واحدٌ، لا يختلِفُ باختلافِ العِبارات، فبأيّ لسان قُرِىءَ كان قد قرىء كلام الله تعالى، إلاَّ أنَّه إنَّما يُسمَّى توراةً إذا قُرِىءَ بالعِبْرانية، وإنَّما يسمَّى إنجيلاً إذا قُرىءَ بالسّريانية، وإنَّما يسمَّى قرآناً إذا قرىءَ بالعَربية، على اللُّغات السَّبع التي أذِنَ صاحبُ الشَّرْع في قراءتهِ عليهنَّ، لنزوله على لسانِ جبريل ﵊ على تلك اللُّغاتِ دون غيرِهن، ولما في نظمهِ من الإِعجاز" (٢٣).
وممَّا يؤكِّدُ أنَّ عينَ التوراةِ والإِنجيل -عندهم- هما عَيْنُ القرآن لو كانا بالعَربية، قوله:"وإنَّما يجوزُ في هذه الشَّريعةِ قراءةُ ما سُمِّيَ قرآناً دون ما سُمِّيَ توراةً وإنجيلاً، لأنَّ الله تعالى كذَّبَ أهلَ التوراةِ والإِنجيل الذين كانوا على عَهْدِ نبيّنا ﷺ ، وأخبرَ عن خِيانَتهم وتحريفِهم الكلامَ عن مواضعهِ، ووضْعِهم الكتابَ، ثمَّ يقولونَ: هذا مِنْ عند الله، وما هُوَ من عِنْدِ الله، ويقولونَ على الله الكَذِبَ وهم يعلَمونَ، فلا يأمَنُ المسلمُ إذا قَرأ شيئاً من كتُبهم أنْ يكونَ ذلك مِنْ وضْعِ اليَهود والنَّصارى" (٢٤).
تأمَّل كيفَ جعلَ التَّوراةَ والإِنجيلَ قبلَ التَّحريف عينَ القُرآنِ، وأنَّ الجميعَ كلامٌ واحدٌ، واللّغاتِ إنَّما هي عبارةً عن هذا الواحدِ.
وهذه بدعةٌ شَنيعةٌ، وضَلالة فَظيعةٌ، أدخلَها ابنُ كُلاّب على الناس بعدَ أن كانوا عنها في غَفْلَة.
стр. 337
وجمهورُ العُقلاء من أهل السُّنَّة وأهل البِدْعة، اتَّفقوا على فَسادِ هذا القولِ، وأنَّ فسادَهُ معلومٌ بالضَّرورةِ، وذلك من وجوه متعدّدةٍ:
الأوَّل: أنَّ نفسَ قائليهِ لم يتصوَّروا ماهيَّتَه، وعجَزوا عن بيانهِ بتعريفٍ مُنْضَبطٍ.
قال شيخُ الإِسلام:"الكلامُ القَديمُ النَّفْسانيُّ الذي أثبتُّموه لم تُثْبِتوا ما هو؟ بل ولا تصوَّرْتُموهُ، وإثباتُ الشَّيْءِ فَرْعُ تصوّرِهِ، فمَن لم يتصوَّرْ ما يُثْبتُهُ كيفَ يجوزُ أنْ يثبتَه؟ ولهذا كانَ أبو سعيد بن كُلاّب -رأسُ هذه الطائفة وإمامُها في هذه المسألة- لا يذكُرُ في بيانِها شيئاً يُعْقَل، بل يقولُ: هو معنى يُناقِضُ السُّكوتَ والخَرَسَ، والسُّكوتُ والخرَسُ إنَّما يُتَصَوَّران إذا تُصُوِّرَ الكلامُ، فالسَّاكتُ هو السَّاكتُ عن الكلام، الأخرسُ هو العاجزُ عنه، أو الذي حصَلَتْ له آفةٌ في مَحَلِّ النُّطْقِ تَمْنَعُه عن الكلام، وحينئذ فلا يُعرَفُ السَّاكتُ والأخرَسُ حتى يُعرَفَ الكلامُ، ولا يُعرَفُ الكلامُ حتى يُعرَفَ السَّاكتُ والأخرَسُ، فتبيَّنَ أنَّهم لم يتصوَّروا ما قالوهُ، ولم يُثْبِتوهُ" (٢٥).
قلتُ: وقَدْ أفْحَشَ القومُ فذَكَروا فيما يَسْتحيلُ في حقّهِ تعالى الخَرَسُ والبَكَمُ، وقالوا: هو ضدُّ الكلام، لكنَّ قولَهم بالنَّفْسيّ ألْجَأهم إلى القَوْلِ بأنَّ المُستحيلَ في حَقِّه تعالى هو الخَرس النفسيّ (٢٦)،وهذا معناهُ أنَّ الأَخرَسَ الذي قامَت في نفسهِ المَعاني وعَجَزَ عن التَّعْبير عَنْها بلسانِهِ يصِحُّ وصفُهُ بالمتكلِّمِ، كما حَكاهُ الحافظُ أبو نَصْرٍ السِّجْزيُّ ﵀ فيما ذكرناهُ عنه آنفاً.
стр. 338
ويْلَكُم! أوَ يُصَدِّقُ هذا صِبيانُ الكَتاتيب؟!
والثاني: نعلَمُ جميعاً أنَّ الأخرسَ -الذي هو متكلَّمٌ في نظرِكم معشرَ الأشعرية- إنَّما مَنَعَتْهُ آفةٌ في لسانهِ عن التعبير عَمَّا في نفسهِ، فعجزَ عن البيان، فهو يُفْهِم ما قامَ في نفسهِ من المَعاني لغيره، فيعبّرُ عنها ذلك الغيرُ، وأنتم قلْتُم في ربْكُم ذلكَ: إنَّه يُفْهِمُ المعنى القائمَ بنفسهِ مَن شاءَ من عبادهِ، كما أفهَمه لجبريل ﵇، فعبَّر جبريلُ عمَّا في نفسِهِ تعالى.
أيُّ إفْكٍ هذا الذي جئتم به أيَّها المُعَطِّلَة، وأيّ نَقْصٍ جوَّزتُموه على ربكم؟ شبَّهْتُموهُ بالأخْرَس، فأيّ فرْقٍ بينه وبين الآلهةِ التي لا تُرْجِعُ إلى عابديها قولاً؟
سبحانَكَ هذا بهتانٌ عَظيمٌ.
والمتكلِّمُ بالألفاظ والمَعاني أكْمَلُ مِمَّن يقومُ المعنى في نفسهِ وهو لا يَقدِرُ على التَّعبير عنه -وهذا إنْ وُجدَ في المخلوق الضَّعيف كانَ نَقْصاً بيّناً- فجبريلُ إذاً يكونُ أكمَلَ من ربْكم, لأنه فَهِمَ المعنى وأمكَنَه التعبيرُ عنه.
تعالى الله عن قوِلكم علوّاً كبيراً.
والثالث: كَوْن الأمْر هو النَّهيَ، والنَّهي هو الخبَرَ، مِمَّا لا يعقلُهُ عاقلٌ، وهي على قولكم: معنى واحد، ولا يعقلُ عاقلٌ أنَّ القرآن العربيَّ
لو تُرْجِمَ إلى العِبْرانية كان هو التَّوْراة، والتَّوراة لو عُرِّبَت كانت هي القرآن، وهي على قوِلكُم معنى واحد.
وعلى هذا الْتَزَمْتُم أنْ تكونَ آيةُ الدَّيْن هي آية الكُرْسّي، و ﴿تَبَّتْ يَدَا
стр. 339
أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ هي ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ والعلُم هو القدرة، وسائر الصفات كذلك، بلْ ربَّما جرَّكُم ذلك إلى ما هو أشدّ من ذلك وأدْهى.
قالَ لهم جُمهورُ العُقَلاء: إذا جَوّزْتُم أنْ تكونَ حقيقةُ الخَبَر هي حقيقةَ الأمر، وحقيقةُ النَّهي عن كلّ مَنْهيّ عنه، والأمْرِ بكلّ مأمورٍ به، هو حقيقةَ الخَبَر عن كلّ مُخْبَرٍ عنه، فجَوِّزوا أن تكونَ حقيقةُ العِلْم هي حقيقةَ القُدْرة، وحقيقةُ القدرةِ هي حقيقةَ الإِرادة (٢٧).
قال شيخُ الإِسلام:"فاعْتَرَف حذّاقُهم بأَنَّ هذا لازِمٌ لهم لا مَحيدَ لهم عنه" (٢٨).
وقال في موضعٍ آخر:"فاعترف أئمَّةُ هذا القَوْل بأنَّ هذا الإِلزام ليس لهم عنه جَوابٌ عقليٌّ" (٢٩).
قال:"وَلَزِمَهم إمكانُ أن تكونَ حقيقةُ الذَّات هي حقيقةَ الصِّفات، وحقيقةُ الوُجود الواجبِ هي حقيقة الوُجود المُمْكِن، والتزمَ ذلك طائفةٌ منهم، فقالوا: الوجودُ واحدٌ، وعَيْنُ الوُجودِ الواجب القَديم الخالِق هو عَيْنُ الوُجود المُمْكِن المَخلوق المُحْدَث، وهذا أصلُ القائلين بوَحْدَة الوُجود، كابن عَربيّ الطائيّ، وابن سَبْعين، وأتباعهما" (٣٠)
قلتُ: وممَّا يُفْسِدُ عليهم بِدْعَتهم في اعتقادِهم أنَّ كلامَ الله معنى
стр. 340
واحدٌ، حديثُ ابن عباس ﵄ قال: قالت قريشٌ لليهودِ: أعْطونا شيئاً نسألٌ عنه هذا الرَّجلَ؟ فقالوا: سَلوهُ عَن الرُّوح، فسألوه؟ فنزلَتْ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإِسراء: ٨٥]، قالوا: أوتينا عِلْماً كثيراً، أوتينا التوراةَ، ومَن أوتي التَّوراةَ فقد أوتيَ خَيْراً كثيراً، قال: فأنزلَ الله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ إلى آخر الآية، [الِإسراء: ١٠٩] (٣١).
فدلَّ الحديثُ على كَوْنِ التَّوراة بعض كلام الله لا كلَّ كلامهِ، وبعضَ عِلْم الله لا كلَّ عِلْمِهِ، وأوتي نبينُّا ﷺ من العِلْم ما ليسَ في التوراةِ، ذلك لأنَّ كلماتِهِ تعالى لا تَتَناهى.
وهذا لا يَجْري على قواعدِ الأشعرية وأصولِهم، لأنَّ معنى التوراة والقرآن معنى واحدٌ، والاختلافَ إنَّما هو في اللّغة.
والرابع: تُقرّونَ -معشرَ الأشعرية- بأنَّ موسى سَمِعَ كلامَ الله، وإنْ كنتم تختلفون في معنى السَّماع، فهل سَمِعَ موسى جميعَ المعنى أم بعضَه؟
стр. 341
إنْ قُلْتُم: سَمِعَ جميعَ المعنى فقد قُلْتُم الكُفْرَ، إذ ادّعيتُم إحاطَة موسى بعلْمِ الله وكلامِهِ الذي لا نِهاية له، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وإنْ قُلْتُم: سَمعَ بعضَه، فقَدْ نقَضْتُم أصلَكُم، لأنَّ الكَلامَ عندَكم لا يتبعّض.
وهذا ممَّا ألزَمهم به جمهورُ العُقلاء (٣٢).
وقد رأيتُ في هذا الإِلزام مناظرةٌ لطيفةً جَرَت بين الحافظ الإِمامِ أبي نَصْرٍ السَّجْزي وبعضِ الأشعرية، يحسُنُ سياقُها لِما تضمَّنَت من الفائدة.
قال فيها الحافظ أبو نَصْرٍ:" ... فقلتُ لمُخاطبي الأشعريّ، قد عَلِمْنا جميعاً أنَّ حقيقةَ السَّماع لكلام الله مِنه على أصْلِكُم مُحالٌ، وليس ههنا مَن تتَّقيه وتَخشى تَشنيعَه، وإنَّما مذهَبُكَ أنَّ الله يُفْهِمُ مَنْ شاءَ كلامَه بلَطيفةٍ منه، حتى يَصيرَ عالماً مُتيقِّناً بأنَّ الذي فَهِمَه كلامُ الله، والذي أريدُ أنْ ألْزِمَكَ واردٌ على الفَهْم ورودَه على السَّماع، فدَعِ التَّمْويهَ، ودَعِ المُصانَعَة، ما تقولُ في موسى ﵇ حيثُ كلَّمه الله؟ أفَهِمَ كلامَ الله مُطْلقاً أم مقيَّداً؟
فتَلَكأ قليلاً، ثمَّ قال: ما تُريد بهذا؟
فقلتُ: دَعْ إرادَتي، وأجِبْ بِما عندك.
فأبى، وقال: ما تُريد بهذا؟
فقلتُ: أريدُ أنَّكَ إنْ قلت: إنَّه ﵇ فَهِمَ كلامَ الله مُطلقاً،
стр. 342
اقتضى أن لا يكونَ لله كلامٌ من الأزَل إلى الأبَد، إلاَّ وقد فَهِمَه موسى، وهذا يَؤول إلى الكُفْر، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ولو جازَ ذلك لصارَ مَن فَهِمَ كلامَ الله عالِماً باَلغَيْبِ وبِما في نَفْسِ الله تعالى، وقدْ نفى الله تعالى ذلك بما أخبرَ به عن عيسى ﵇ أنَّه يقولُ: ﴿تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب﴾ [المائدة: ١١٦].
وإذا لَمْ يَجُزْ إطلاقُهُ، وألْجِئْتَ إلى أنْ تقولَ: أفهَمَهُ الله ما شاءَ مِن كلامهِ، دخَلْتَ في التَّبعيض الذي هَرَبْتَ منه، وكفَّرْتَ من قالَ به، ويكونُ مخالفُكَ أسعدَ منك, لأنَّه قالَ بما اقتضاهُ النَّصُّ الواردُ مِنْ قِبَلِ الله ، ومِنْ قِبَلِ رسولِ الله ﷺ ، وأنتَ أبَيْتَ أن تَقْبَلَ ذلك، وادَّعَيْتَ أنَّ الواجبَ المَصيرُ إلى حُكْم العَقْل في هذا الباب، وقد ردَّك العقلُ إلى مُوافَقة النَّصِّ خاسِئاً.
فقال: هذا يَحْتاجُ إلى تأمُّلٍ، وقطَعَ الكلامَ" (٣٣).
والخامس: المعنى المجرّد لا يُسْمع باتّفاق العُقلاء.
قال شيخُ الإِسلام: "والمَعنى المجرّد لا يُسْمَع, ومَن قال: إنَّه يُسْمَع، فهو مُكابِر" (٣٤).
وموسى ﵇ سَمعَ كلامَ الله، وكذلكَ سَمِعَ نداءَه، والنداءُ
стр. 343
لا يكونُ إلاَّ صَوْتاً مسموعاً، قالَ شيخُ الإِسلام: "ولا يُعْقَلُ في لغة العرَبِ لفظُ النِّداء بغير صَوْتٍ مَسْموع، لا حَقيقةً ولا مَجازاً" (٣٥) وهذا قرّرناه في الباب الأوَّل.
ولكنَّ جُمهورَ الأشعرية أبَوُا التسليمَ لكونِ موسى سَمِعَ كلامَ الله على الحقيقةِ، فقالوا: إنْما سَمِعَ العبارةَ عن كلام الله.
قال أبو بكر بن فَوْرَك -أحَدٌ رؤوسهم-: "وَمعنى تكليم الله خلقَه: إفهامُه إيَّاهم كلامَه على ما يُريد، إمَّا بإسماع عبارةٍ تدلُّ على مرادِه، أو بابتداء فَهْمٍ يخلُقُه في قلبهِ يفهَمُ به ما يُريد أنْ يفهَمه به، وكلُّ ذلك سائغٌ جائزٌ، وهو معنى ما يُكلِّمُ الله تعالى به العبدَ عند المحاسَبةِ" (٣٦).
وربَّما أطلقَ بعضُهم أنَّ موسى ﵇ سَمِعَ كلامَ الله، وسكتَ، وهذا يُصِرُّ على أمْرٍ عَظيم، ليُمَوِّهَ ويُلَبِّسَ على الناسِ الجاهلين بمَذْهَبِهم.
وربَّما صرَّحَ بعضُهم بأنه لا يُسْمَع بحالٍ، إنَّما يُسْمَع المَعنى، كما يقولُه الباقلاّني (٣٧)،وهذا مُكابَرةٌ ظاهرةٌ، وعَجَباً لمَن يدّعي الغوصَ في المعقولِ والتَّبحُّرَ فيه وهو يأتي بمثلِ هذه الجَهْليَّات!
والسادس: لقد فرَّقَ الله تعالى بين مَراتب التكليم لرُسُله، فقال:
стр. 344
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١].
فإذا كانَ معنًى واحداً فلا فَرْقَ إذاً بينَ تكليم الله لموسى وإيحائهِ لغَيْرهِ، ولا بَيْنَ التكليم من وَراء حِجابٍ والتكليم إيحاءً، لأنَّ إفهامَ المعنى المجرّد يَشتركُ فيه جميعُ الأنبياءِ ﵈، ففي عدّ ذلك جميعاً معنًى واحداً رَدٌّ للقرآن (٣٨).
والسابع: في قولهم: إنَّه معنى، إبطالُ دين المُسلمينَ في أنَّ هذا القرآن العربيّ بألفاظهِ ومَعانيهِ كلامُ الله تعالى على الحَقيقة، وهم يُصَرِّحونَ بهذا فيقولون: القرآن العربيُّ عِبارَة عن كَلام الله ودالٌّ عليه، وليسَ هو كلام الله على الحقيقة، لأنَّ كلامه تعالى غيرُ بائن منه، وهذا القرآن بائنٌ منه، كذا قالوا، وسيأتي بيان ذلك.
فهذه الجُمْلَة من وُجوه النَّقْض كافية لِلّبيب لِإبطال هذا المُعْتَقد الفاسِدِ المُناقض للمَعقول والمَنقول، وإجماع العُقَلاء قَبْل ابن كُلاّب.
قالَ شيخ الإِسلام: "والفُضَلاء من أصحاب الأشْعَري يَعترفونَ بضَعْفِ لَوازم هذا القول مع نَصْرِهم لكَثير مِنْ أقوالهِ الضَّعيفة" (٣٩).
وقد نَشَأ عن هذا الأصْلِ الفاسدِ بدعَتان شَنيعتان:
• البدعه الأولى: كلام الله ليس بحرف ولا صوت:
حين ذهبَ الأشعريةُ إلى كَوْنِ الكَلام معنًى مجرّداً، إنَّما فَرّوا مِن
стр. 345
وصْفِهِ بالحَرْفِ والصَّوْتِ, لأنَّ الحروفَ والأصوات لا تكونُ إلاَّ مخلوقةً عندهم، فنزّهوا كلامَ الله تعالى أنْ يكونَ بحَرْفٍ أو صَوْتٍ -بزَعْمهم- فقالوا: هو الكلام النَّفسي، والحُروف إنَّما خُلِقَت للدَّلالة عليه، والصَّوْتُ خُلِقَ للإِعلام والإِفْهام.
قال مُحقّقُهم الباقلاّني: "ويَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الله تعالى لا يَتَّصفُ كلامُه القديمُ بالحُروف والأصْواتِ، ولا شَيْءٍ من صفاتِ الخَلْق" (٤٠).
وقال ابن فَوْرَك: "وكلامُ الباري ليسَ بحُروفٍ، وإنَّما هو معنى موجودٌ قائمُ بذاتهِ، يُسمَعُ وتُفْهَمُ مَعانيه به، والحُروف تكونُ أدلَّةً عليه، كما تكونُ الكتابةُ أماراتِ الكَلام ودَلالاتٍ عليه، وكما نَعْقِلُ مُتكلِّماً لا مخارجَ له ولا أدوَات، كذلك نَعقِلُ له كلاماً ليسَ بحُروفٍ ولا أصْواتٍ" (٤١).
وقال الغَزَّالىُّ -ولا يَخْفى قَدْرُهُ فيهم- في شَرْح صفَةِ الكَلام: "وأنَّه متكلَّمٌ، آمِرٌ، ناهٍ، واعدٌ، متوعِّدٌ، بكلامٍ أزليّ قَديم، قائمٍ بذاتهِ، لا يشبَه كلامَ الخَلْق، فليسَ بصَوْتٍ يحدُثُ من انسلالِ هَواء، واصْطِكاك أجْرام، ولا بِحَرْفٍ يَنْقَطِعُ بِإطباقِ شَفَةٍ، أو تَحْرِيكِ لسانٍ" (٤٢).
وقال صاحبُ"كفاية العَوامّ": "الكلامُ: وهي صِفَةُ قَديمةُ، قائمةُ بذاتهِ تعالى، ليسَتْ بحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، منزَّهةٌ عن التقدُّمِ والتأخّرِ
стр. 346
والإِعرابِ والبناءِ، بخِلاف كلامِ الحَوادث" (٤٣).
ونحو هذا قول صاحب "شرح الجوهرة" (٤٤).
وهم يُرجِعونَ القولَ بتنزيهِ كَوْنِ كَلام الله حَرْفاً وصَوْتاً إلى وجوهٍ حَسِبوها من المَعقول، مبنيَّةٍ على أصُول الجَهْميَّة، هي عندَهم عَلَاماتُ الحَدَثِ والخَلْق للحَرْف والصَّوْت، فأرادوا تنزيهَ الرَّبّ تعالى عن مُشابَهةِ صفةِ الخَلْق، فألْجَاهم ذلكَ إلى مُوافَقَةِ الجَهْميَّة في حقيقةِ مقالَتِهم.
وأهمُّ تلك الوُجوه:
الأوَّل: أنَّ الحروفَ متعاقبةٌ مُتَواليةٌ، يَسبِقُ بعضُها بَعْضاً، ويَلي بعضُها بَعْضاً (٤٥).
والثاني: أنَّها لا تكونُ إلاَّ بمَخارجَ من لسانٍ وشَفَتَيْنِ وحَلْقٍ وجَوْفٍ (٤٦).
قال البَيْهقيُّ -وهو مَعَهم على جَلالته في الفِقْهِ والحَديث-: "إنْ كانَ المتكلّمُ ذا مخارج سُمِعَ كلامُه ذا حُروفٍ وأصْواتٍ، وإنْ كانَ المتكلّمُ غيرَ ذي مَخارج سُمِعَ كلامُه غَيْرَ ذي حُروفٍ وأصْواتٍ، والباري جلَّ ثناؤُه ليسَ بذي مَخارج، وكلامُهُ ليسَ بحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، فإذا فَهِمْناه ثمَّ تَلَوْناهُ، تَلَوْناهُ
стр. 347
بحُروفٍ وأصْواتٍ" (٤٧).
والثالث: أنَّ الحُروفَ والأصْواتَ من صفةِ قِراءَة القارىء، لا مِن صفةِ كلامِ الباري.
والدَّليلُ عليه حديثُ أمّ سلمة في صفةِ قراءَةِ النَّبيّ ﷺ : ... يقطع قراءَته آيةً آيةً، ولو شاءَ العادُّ أنْ يَعُدَّها أحْصاها (٤٨).
فالعَدُّ والحَصْرُ إنَّما يقَعُ لِما هو مخلوقٌ، لا لِصِفَة الخالقِ.
والرابع: أنَّها متناهيةً مَحْدودةٌ، لها بدايَةٌ ونهايَةٌ، وأوَّلٌ وآخرٌ، وكلام الله القَديم ليسَ كذلك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] وجمْعُ الكلمات هُنا ليسَ للتعدُّدِ والتَّكثير وإنَّما هو للتَّعظيم.
والخامس: أنَّ هذه الحروفَ واحدةٌ بالوَضْعِ، فالألِفُ هو الألفُ، والسَّينُ هو السّينُ، فالحُروف التي يُعبَّر بها عن كلام الله هي نفسُ الحُروفِ التي يتكلَّم بها الخَلْقُ، فإن قُلْنا: إنَّها غيرُ مخلوقة، قلْنا بقِدَمِ جَميع كلام الخَلْق.
والسادس: أنَّ الصَّوْتَ يستحيلُ بقاؤُهُ كما يستحيلُ بَقاءُ الحَرَكَة، وما امتنَعَ بقاؤُه امتنع قِدَمُ عينهِ.
هذه الوجوه أهمُّ ما تعلَّقت به الكُلاّبيةُ والأشعريَّةُ والماتُريديةُ لإِبطالِ
стр. 348
كَوْنِ كلام الله بحَرْفٍ وصَوْتٍ، فردّوا بذلك الكتابَ والسُّنَّةَ واعتقادَ السَّلَفِ والأئمَّةِ، وخَرَقوا إجماعَ العُقَلاءِ من أهْل السُّنَّة وغيرِهم، فحينَ ألْزَمَتْهُم المعتزلةُ بأنَّ الاتّفاقَ حاصِلٌ على أنَّ الكلامَ حرفٌ وصوتٌ، ويدخلُهُ التَّعاقبُ والتأليفُ, وذلك لا يوجَد في الشاهدِ إلاَّ بحركةٍ وسُكونٍ، ولا بدَّ أنْ يكون ذا أبعاضٍ وأجزاءٍ، وقالوا: هذه الصفةُ لا يَجوز أن تكونَ صفةً لذات الله تعالى، فضاقَ السَّبيلُ بالأشعريَّة عند هذا الإِلزام، فالتزموهُ، للجَهْل بالسُّنَن، والتسليم لمجرَّدِ العَقْل، الذي لو فُرِّغَ من الأهواءِ والظُّنون، وحَكَمَهُ الإِخلاصُ والتثبُّتُ والاتّباعُ، لَوَقَفَ بهم على ساحِل النَّجاةِ، ولكنَّهم جَعلوهُ الحكم على ما جاء به الرَّسولُ ﷺ ، فأرْداهم وأبْعَدَهم.
وجميعُ ما مَوّهوا به اعتراضٌ على الحَقّ المُتَواتر بالظُّنونِ العَقْليةِ التي مَبْناها على القياسِ على المَخلوق، فإنَّ القَوْمَ يُكْثِرونَ من عَيْبِ المعتزلةِ بهذه البدعةِ، التي هي تشبيهٌ في الأصْل أفضى إلى التَّعْطيلِ، وهي قياسُ الغائبِ على الشاهدِ، ويُشنّعونَ عليهم بذلكَ، معَ أنَّهم سلّموا لهم هنا ظنونَهم وأهواءَهم التي حَسِبوها عَقْلياتٍ، وهي في الحقيقة جَهْليات، لِما تضمَّنت من الشَّناعةِ والقَوْل على الله بغير علمٍ، وقياسِ الخالق على المَخلوق، فأبْطَلوا حقيقة كَوْنِ الكلامِ بحروفٍ وأصواتٍ، وآلَ بهم الحالُ إلى إنكار أن تكونَ هذه صفةَ كلام الله تعالى، وخالَفوا بهذا اعتقاد السَّلَفِ، وخَرَجوا عن منْهَج أهْلِ السُّنَّة.
وهذه أجْوبةٌ موجَزَةٌ عن هذه الشُّبُهاتِ، تُبِينُ عن جَهْلِ القَوْم بحقائق التَّوحيد:
стр. 349
أما الأول:
فكون التَّعاقب والتَّوالي في كلام الله دليلاً على الحدَثِ إيرادٌ عقليٌّ فاسدٌ، تَبِعوا فيه المعتزلةَ الجَهمية، وأولئك لم يُثْبِتوهُ عن أصلٍ معصوم، وإنَّما هوَ الرْأيُ الفاسِدُ، وقد بَيَّنْتُ بطلانَه في مَعْرِض الرَّدِّ على شبُهاتِ المعتزلة.
وأما الثاني:
فكونُ الحُروفِ والأصواتِ لا تكونُ إلا بمَخارجَ فمن أفْسَدِ اعتراضاتِهم، وذلك من وجوه:
الأوَّل: أنَّه قياسٌ للربّ تعالى على المَخلوق، فإنَّهم تصوَّروا كلامَ المخلوق بأنَّه لا يكونُ إلاَّ بمَخارج، فقالوا مثلَه في ربِّهم، وهذا نَقْصٌ لقاعدةِ أهل السُّنَّة في التَّنزيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
والثاني: يلزَمُهم قَوْلُ المعتزلة في سائر الصِّفات، فإنَّهم يُثْبتون العِلْمَ والسَّمْعَ والبصر ونحوَ ذلك من الصِّفات لله تعالى، والمخلوق يتَّصِفُ بها أيضاً، وهي لا تكونُ منه إلاَّ بآلةٍ، فالعلمُ لا يحصَلُ إلاَّ بقَلْبٍ، والبَصَر لا يكونُ إلاَّ بحَدَقَةٍ، والسَّمْعُ لا يقَع إلاَّ من انْخِراقٍ، وقَدْ ألزَمَتْهم المعتزلةُ بهذا، فأجابوا: بأنَّ هذا مِنْ قياس الغائب على الشَّاهدِ، وهو باطلٌ، والله تعالى ليسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ، فهَلاَّ قالوا مثلَ هذا في صفةِ الكلام، وأنَّها بحَرْفٍ وصَوْتٍ، لا يشبهُ كلامُهُ كلامَ خَلْقِهِ، ولا صَوْتُهُ أصْواتِهم؟
والثالث: أنَّ الله تعالى أنْطَقَ بعضَ مخلوقاتِهِ بغير مَخارج، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ
стр. 350
شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]، وسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ تسبيحَ الحَصى، ممَّا هو معروفٌ مَشهورٌ، فبطل ما قعّدوه من كَوْنِ الكلام بحَرْفٍ وصَوْتٍ لا يكونُ إلاَّ بمَخارجَ، وثَبَثَ أنَّه معقولٌ.
وأما الثالث:
فكونُ الحروفِ صفةَ قِراءَة القارىءِ مكابَرَةٌ للحسِّ والعَقْلِ، فإنَّ القراءة تُطْلَقُ في الغالبِ على المَصْدَر، وقَدْ يُرادُ بها المَفعولُ -كما فصّلتُه في الباب الثاني- والأشعرية يُفَرِّقونَ بين القراءَةِ والمَقروءِ مطلقاً، فالقراءةُ فِعْلُ القارىءِ، والمَقروءُ المفعولُ، وهذا يوافِقُهم في إطلاقه بعضُ أهْل السُّنَّة كالبُخاريِّ رحمةُ اللهُ، ولكنَّ مرادَهُم غيرُ مُرادِهِ، وتفسيرَهُم غيرُ تفسيرِهِ، فإنَّه ﵀ كانَ لقَوْلِه قُوَّةٌ مِن جهةِ اللغةِ، وعلماءُ السُّنَّةِ كالإِمامِ أحمدَ وغيرِه أنكَروا الإِطلاقَ لِدَفْعِ الإِيهامِ والإِشكالِ الذي تُمَوِّهُ به الجَهميةُ، والبُخاريُّ فَصَلَ بين القراءَةِ والمقرَوءِ، فخصَّ القراءةَ بفِعْل القارىءِ وهو حركَةُ شَفَتَيْهِ وصوتُهُ بالقرآنِ، والمَقروءَ: الذي تتحرّكُ به الشَّفَتانِ، وتَنْطِقُ به الألسنةُ، وتُصَوِّتُ به الحَناجرُ، الذي هو القرآنُ العربيُّ المؤلّفُ من الحروفِ والمعاني، والذي هو كلامُ الله على الحقيقةِ، وما أرادَه البخاريُّ من المعنى حقٌّ وصَوابٌ، وقد ذكرتُهُ عنه في الباب الثاني، وبَّينْتُ غلَطَ اللفظيَّةِ الأشعريَّةِ عليه فيهِ.
والأشعرية عندَهم القِراءةُ والتّلاوةُ هي فِعْلُ القارىءِ والتّالي، ويقولون: الحروفُ داخلةٌ في تلاوة التّالي وقراءةِ القارىءِ، وهي غيرُ المتلوِّ المَقروءِ (٤٩).
стр. 351
فجَعلوا الحُروفَ من صفةِ القراءة لا من صفةِ المَقروء, لأنَّ المقروءَ عندَهم قائمٌ بذاتِ الله، وهو الكلامُ النفسيُّ، والقراءةُ عبارةٌ عنه، وهي هذه الحُروفُ العربيَّةُ التي تَنْطِقُ بها الألسنةُ، وتحفَظُها القلوبُ، وتخطّها الأيدي في المَصاحف.
وهذا من أبعَد شيءٍ عن الحسّ السَّليم، فإنَّ العربَ وكلَّ أحدٍ لا يعرفُ الحروفَ إلاَّ من صفةِ الكلام، لا من صفَةِ المتكلِّم، وفِعْلُ المُتكلِّم إنَّما هو النُّطْقُ بها ورَفْعُ صوتهِ أو خفْضُه، وكتابَتُها، وحفظُها، ونحو ذلك مِمَّا هو فِعْلُ نفسهِ، وهذهِ المَعاني هي التي توصَف بالحُسْنِ والقُبْح، ويترتَّبُ عليها الثَّوابُ أو العقابُ.
أمَّا الحُروفُ التي قرأ بها النَّبيُّ ﷺ وبلَّغَها أمَّتَه فهي وحيُ الله وتنزيلُهُ وكلامُهُ الذي نزَلَ به جبريلُ من عندِه تعالى، ولقد نَزَلَ بها جبريلُ من عندِ الله تعالى على سَبْعَةِ أحْرُف تَخفيفاً على الأمة وتيسيراً، وكلّ ذلك كلامُهُ على الحقيقةِ.
ولقد حاول بعضُ مَن يوصَفُ بالتَّحقيق من رؤوس الأشعريَّة الإِكثارَ من الاستدلالِ من الكتاب والسُّنَّة على الفَرْق بين التَّلاوةِ والمَتْلوّ، ولكنَّها جَميعاً على مذهَبِ البُخاري ﵀ الذي ذكَرْناه عنه، أمَّا على تفسير الأشعريةِ أنْفُسِهم في عَدِّ الحُروفِ العربيَّةِ من صفةِ القراءة لا من صفةِ المَقروء، فلَم يَقْدروا على الإِتيانِ بحُجَّةٍ واحدةٍ عليه يُعَوَّلُ عليها، سوى أصلِهم الفاسدِ الذي أبْطَلْناه فيما سمَّوْهُ بـ (الكلام النفسيّ).
وحديثُ أمّ سلمَةَ الذي ذكَروهُ حجْةٌ عليهم، فإنَّ النُّطْقَ بالحروفِ هنا غيرُ الحُروفِ، فقِراءةُ النَّبيِّ ﷺ التي تَحْكِيها أمُّ سلَمة هنا هي نطقُهُ
стр. 352
بالحُروف وأداؤُه لَها، وهو فِعْلُهُ ﵇، وهو مخلوقٌ، أمَّا الحروفُ التي نَطَقَ بها وأدّاها، والتي لو شاءَ العَادُّ أن يَعُدَّها أحصاها, لوُضوح أدائهِ لها وبَيانهِ، فهي حُروفُ كلام الله العربيّ المُنْزَلِ من عندهِ، وهي غيرُ مخلوقةٍ، وهذا الفَصْلُ بين الحُروفِ والنُّطقِ بها بيّنٌ لا يَخفى.
ولكنَّ القومَ ضاقوا ذَرْعاً بقَوْلِ أمِّ سَلَمَة: "ولَو شاءَ العادُّ أنْ يَعُدَّها أحصاها" فصاروا بين أمْرَين:
إمَّا أنْ يُثْبِتوا أنَّ الذي تَلاهُ النَّبيُّ ﷺ مِن كلام الله الذي هو صفتُهُ، فيُبْطلوا أصلَهم, لأنَّ كلامَ الله عندَهم لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ وليس هو آياتٍ وسوراً.
وإمَّا أنْ يقولوا: الحروفُ صفةُ قراءةِ القارىءِ، ورَأوْا هذه أوفقَ لمذهبِهم، فكابَروا وقالوا: هي صفةٌ لقراءةِ القارىءِ، لا صِفَةٌ لكلام البارىء.
وأمَّا وَصْفُ كلام الله بالصَّوْتِ، فلقد عَمُوا عن فِقْههِ، وضلَّوا عن معرفتهِ، فحَسِبوا أنَّ قولَ أهل السُّنَّة بإثباتِ كلام الله تعالى بصَوْتٍ إثباتُ أنَّ أصواتَ التالينَ هي صفةُ كلام الله -كما طَعَنوا فيه على أهْلِ السُّنَّة، ونبزوهم بالألقاب لأجلِهِ- وحاوَلوا لأجْلِ هذا الفَهْم السَّقيم أنْ يستدلّوا بأدلَّةِ إضافةِ الصَّوْتِ إلى القارىءِ، وجَعْلِهِ مِن فِعْلِهِ، وأهلُ السُّنَّةِ والأثمَّةُ لا يُخالفونَ في هذا المعنى، فإنَّ أصواتَ القرّاءِ بالقرآنِ مِنْ أفعالِهم، وهي مضافةٌ إليهم، وأفعالُهم مخلوقةٌ وقدْ شَرَحْتُ اعتقادَ أهل السُّنًّة في ذلك في أواخر الباب الثاني بما هذا حاصلُه.
стр. 353
والسَّلَفُ والأئمَّةُ لا يقولونَ: إنَّ أصواتَ القرَّاءِ صفةٌ لكلامِ الله، ومَن قالَ ذلك ونقلَهُ عنهم فقد أبطَلَ في المَقال.
ولكنَّ الصَّوْتَ الذي هو صفةٌ لكَلام الله تعالى هو الذي سَمِعَه موسى حين ناداه ربُّه وكلَّمَه، وسَمِعَهُ جبريلُ ﵇ حينَ يُوحى إليه بالوَحْي، ويَسْمَعُه العبادُ يومَ القيامةِ، وهو الذي أثْبَتْناهُ في اعتقادِ السَّلَفِ في الباب الأوَّل من هذا الكتاب.
وقَدْ فَهِمَ بعضُ الأشعرية هذا المعنى الأخيرَ -الذي هو اعتقادُ السَّلف والأئمَّةِ- فرَأوْا أنَّه ليسَ على أصْلِهم في كَوْن كلام الله معنًى مُجَرداً، فنفَوْهُ، وقالوا: كلام الله لا يكون بصَوْتٍ، وأبْطَلوا بذلكَ دلائلَ الكتابِ والسُّنَّةِ والمَعقول الصَّريح على صِحَّةِ هذا المعنى، على ما ذَكَرْناه آنفاً في تفسيرهم لسَماع موسى ﵇ كلامَ الله.
ولا داعيَ هنا لسَرْدِ دلائل الكتاب والسُّنَّة والعَقْل الصَّريح على إثباتِ كَوْن كلام الله تعالى حُروفاً، وأنَّه يتكلَّمُ بصَوْتٍ، اكتفاءً بما سقناه لذلك في الباب الأوَّل.
وأما الرابع:
فكَوْنُ الحُروف متناهيةٌ محدودةٌ لها بدايةٌ ونِهايةٌ وأوَّلٌ وآخِرٌ يُوردونَه على مَعْنَيين:
الأوَّل: على عَدَد الحُروفِ العربية التي هي حروف المُعْجَم.
والثاني: على الكَلام العربيّ الذي بين دَفَّتَي المُصْحَف المبدوءِ بالفاتِحةِ والمَخْتومِ بالناس.
стр. 354
قالوا: وجميعُ هذا مَحْصورٌ مَحدودٌ، وهذه علامَةُ الحَدَث.
قُلْنا: كَلاَّ، بَلْ كِلاَ الإِيرادَيْن باطلان.
أمَّا الأوَّل فإنَّه لم يقُلْ أحد: إنَّ كلامَ الله تعالى حُروفٌ مُجَرَّدةٌ: أ، بَ، تَ ... وإنَّما هو كلامٌ مؤلَّفٌ منها، وهو أكثر من أن يُحْصَرَ أو يُحَدّ، كما لا يَخفى.
فإنِ اعترضَ معترضٌ بالحُروف التي في أوائل بعض السُّوَر، مثل ﴿الم﴾ فجَوابه: أنَّ هذه لا تُنْطَقُ حروفاً، وإنَّما تُنْطقُ أسَماءً، فتقول: (ألف، لام، ميم) وهذا كلامٌ مُؤلَّفٌ، وقد نَبَّهْتُ على هذا في الباب الأوَّل، وأزلْتُ عنه اللَّبْسَ بفضْلِ الله.
وأمَّا الثاني فهو مبنيٌّ على بدعَةِ الأشعريةِ الثانية الناتجةِ عن أصلِهم الفاسدِ في الكَلام، وهي عَدَمُ تعلّق كلامهِ تعالى بمَشيئتهِ واختيارهِ, لأنَّه عندَهم لا يَنْقَسِمُ ولا يَتَجَزَّأ ولا يتبعَّضُ، وهو خِلافُ اعتقادِ أهْل السُّنَّة من السَّلَف والأئمَّةِ، فإنَّه عندَهم متعلِّقٌ بمشيئتهِ واختيارهِ، يتكلَّمُ إذا شاءَ بما شاءَ، والقرآنُ -مَثلًا- المُفْتَتَحُ بالفاتحةِ والمختَتَمُ بالناس بعضُ كلامهِ الذي لا يتَناهى، لا كُلُّ كلامهِ.
وسيأتي قريباً ذكرُ بدعتهم هذه ونقْضُها.
وأما الخامس:
فمِثْلُ ما سَبَقَ في الفَساد والبُطلان أو أشدّ، وذلكَ أنَّ القومَ يُطلقونَ القولَ بخَلْق حُروف المُعْجَم، فلمَّا رأوْا كلامَ الله العربيَّ مؤلَّفاً منها قالوا: لا يكونُ إلاَّ مخلوقاً, لأنَّ الحُروفَ مخلوقةٌ.
стр. 355
وهذا الإِطلاقُ ليسَ لدَيْهم عليه حُجَّةٌ، ومثلُهُ يَحْتاج إلى توقيفٍ، والدَّعْوى المجرَّدةٌ لا يُعَوَّلُ عليها في مَواطِن النّزاع، فكيفَ يقومُ على أساسِها الاعتقاد؟
والفَيْصَلُ في هذه القضيةِ هوَ: أنَّ الكلامَ إنَّما يُضافُ لمَنْ قالَهُ مُنْشِئاً مُبْتَدِئاً، فكلامُ الله تعالى مُضافٌ إليه، وهو صِفَتُهُ، فهو غيرُ مخلوقٍ, لأنَّ صفاتهِ تعالى غيرُ مخلوقةٍ، وكلامُ المخلوق الذي يُنْشئُه من نفسهِ ويبتَديهِ مُضاف إليه، وهو مَخلوقٌ, لأنَّ الصفةَ تابعةٌ للمَوصوفِ، فحينَ كانت للخالق كانَتْ غيرَ مخلوقةٍ، وحين كانَت للمخلوق كانَتْ مخلوقةً، فإذا قالَ قائل: (محمَّدٌ رسولُ الله) فهذا كلامٌ، تكلَّمَ به الله تعالى، ويتكلَّمُ به المخلوق من نفسهِ لا يُريدُ به القرآنَ، ففي الحالة الأولي غيرُ مخلوق, لأنَّه أرادَ به كلامَ الله، وفي الحالة الثانية مخلوقٌ, لأنَّه أرادَ كلامَ نفسهِ.
يوضِّحُه صفةُ العِلْم، فعِلْم المخلوق الذي يكتسبُهُ -سِوى وَحْي الله وتَنزيلهِ- مخلوقٌ، وهو معلومٌ لله تعالى، حَواهُ علمُ الله تعالى وأحاطَ به، فباعتبارِ إضافتهِ للمخلوق فهو مخلوقٌ، وباعتبار إضافتهِ للخالق فغيرُ مخلوق، والله تعالى ليسَ كمثلهِ شئٌ في ذاتهِ، وصفاتهِ، وأسمائِهِ، فليس ككلامِهِ كلامٌ، ولا كصَوتهِ صوتٌ، ولا كفِعْلِهِ فعْلٌ.
قال شيخ الإِسلام: "وأصلُ هذا أنَّ ما يوصَفُ الله به ويوصَفُ به العبادُ, يوصَفُ الله به على ما يليقُ به، ويوصَفُ به العبادُ بما يَليقُ بهم من ذلك، مثلُ الحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرةِ والسَّمعِ والبَصرِ والكلامِ، فإنَّ الله له حَياةٌ وعلمٌ وقدرةٌ وسَمْعٌ وبصَرٌ وكلامٌ، فكلامُهُ يشتَملُ على حروفٍ، وهو يتكلَّمُ بصَوْتِ نفسهِ، والعَبْدَ لَهُ حياةٌ وعلمٌ وقدرةٌ وسمعٌ وبصرٌ وكلامٌ، وكلامُ