← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122096

التنوير شرح الجامع الصغير

الصنعاني

Полный текст (6 289 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

رمز المصنف لضعفه. ١١٥٢ - "اعزل الأذى عن طريق المسلمين (م ٥) عن أبي برزة (صح) ". (اعزل) من العزل التنحية (الأذى) في النهاية (١): هو ما يؤذي كالشوك والحجر والنجاسة. قلت: وهو أدنى شعب الإيمان كما في حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره (عن طريق المسلمين) خرج على الغالب وإلا فهو يعم غيرهم والأمر هنا للندب (م هـ عن أبي برزة (٢) (٣)) بالموحدة المفتوحة فراء ساكنة فزاي مفتوحة فهاء صحابي جليل. ١١٥٣ - "اعزل عنها إن شئت؛ فإنه سيأتيها ما قدر لها (م) عن جابر (صح) ". (اعزل عنها) أي اعزل ماءك عن رحم منكوحتك (إن شئت) فإنه لا يمنع ما قدرة الله (فإنه سيأتيها ما قدر لها) من الولادة إن أراد الله (م عن جابر) (٤). ١١٥٤ - "اعزلوا أو لا تعزلوا، ما كتب الله تعالى من نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة (طب) عن صرمة العدوي (ح) ". (اعزلوا) بفتح الهمزة (أو لا تعزلوا) أي الماء عن الرحم وتقدم (ما كتب الله من نسمة) يخلقها (هي كائنة) في علمه تعالى (إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة) بإيجاده تعالى لها فلا ينفع العزل، ولا يدفع ما قد كتبه الله وقد أسلفنا الكلام

стр. 1087

عليه (طب (١) عن صرمة) (٢) بكسر الصاد المهملة وسكون الراء وفتح الميم العدوي بمهملتين نسبة إلى قبيلة عدي رمز المصنف لحسنه. ١١٥٥ - "أعطوا كل سورة حظها من الركوع والسجود (ش) عن بعض الصحابة (ض) ". (أعط كل سورة حظها من الركوع والسجود) هذا فيمن يصلي بالسور وهو إرشاد له أنه لا يتابع بينها في ركعة وكأنه خاص بمن يعتريه ملل وسآمة من سرد السور في ركعة وإلا فإنه قد ثبت أنه ﷺ كان يقوم الليل يتلو سورًا في ركعة واحدة وثبت أنه قيل له إن رجلا كان يؤم أصحابه ويقرأ بهم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بعد قراءة سورة وأنه أقره ﷺ على ذلك، ويحتمل أنه خاص بالفريضة لأنه لم يرو عنه ﷺ أنه قرأ في فريضة سورتين غير الفاتحة في ركعة ويكون تقريره للقارئ الصمد مع سورة بما ذكره من محبته لها (ش عن بعض الصحابة) (٣) رمز المصنف لضعفه وقال الشارح: إسناده صحيح وصححه عبد الحق وزعم ضعفه وهم كما قاله ابن القطان. ١١٥٦ - "أعطوا أعينكم حظها من العبادة: النظر في المصحف، والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه الحكيم (هب) عن أبي سعيد". (أعطوا أعينكم حظها من العبادة النظر) هو يأتي مفعولي اعطوا (في المصحف)

стр. 1088

فيما رقم فيه من ألفاظ القرآن (والتفكر فيه) أي في معاني ما كتب فيه (والاعتبار عند عجائبه) عدهما من عبادة العين وإن كانا من أعمال القلب لأنها السبب فيهما، وفي الحديث استخدام فإن النظر للنقوش والتفكر في المعاني وجعل الاعتبار مظروفا للعجائب والتفكر تجميعه لأن الفكر لاستخراج الأحكام والمعاني وكل ألفاظه يشمل ذلك ما عدا متشابهه بخلاف الاعتبار فهو عند بعضه وهو قصصه وأمثاله. فائدة: ذكر المصنف في الإتقان (١) أنه لما جمع أبو بكر القرآن اختلف بأي اسم يسمى وأنه قال ابن مسعود رأيت في الحبشة كتابا يسمونه مصحفًا فسموه به، فكلامه هنا يدل على أنه ليس باسم عربي فإن ثبت هذا الحديث دل على أنه اسم عربي سماه به الرسول ﷺ (الحكيم هب عن أبي سعيد) (٢) سكت عليه المصنف وقال الشارح: عقّبه مخرجه البيهقي بقوله: وسنده ضعيف. ١١٥٧ - "أعطوا السائل وإن جاء على فرس (عد) (*) عن أبي هريرة". (أعطوا السائل وإن جاء على فرس) فإنه قد ثبت له حق سؤاله وهو خطاب للأمراء ويحتمل أنه لكل مسئول (عق عن أبي هريرة) (٣) سكت عليه المصنف

стр. 1089

وتعقبه مخرجه بأنه منكر وقال البخاري: سنده ضعيف [١/ ٣٣٤] وهو في الموطأ مرسل عن زيد بن أرقم قال ابن عبد البر: لا أعلم في إرساله خلافًا. ١١٥٨ - "أعطوا المساجد حقها: ركعتان قبل أن تجلس (ش) عن أبي قتادة (ح) ". (أعطوا المساجد حظها) أي عند الدخول إليها وكأنه قيل وما حظها قال: (ركعتان قبل أن تجلس) أيها الداخل الدال عليه السياق والأمر ظاهر في وجوب التحية للمسجد وأداء حقه كما بيناه في حواشي ضوء النهار (ش عن (١) أبي قتادة) رمز المصنف لحسنه. ١١٥٩ - "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه (هـ) عن ابن عمر (ع) عن أبي هريرة (طس) عن جابر: الحكيم عن أنس (ح) ". (أعطوا) أيها المتأجرون (الأجير) لأي عمل (أجره) أجر عمله (قبل أن يجف عرقه) من مزاولة العمل فيه المسارعة إلى إعطاء الأجير الأجرة وهو ظاهر في الإيجاب (٥ عن ابن عمر) (٢) رمز المصنف لحسنه (ع عن أبي هريرة طس

стр. 1090

عن جابر الحكيم) الترمذي (عن أنس). ١١٦٠ - "أعطي، ولا توكي فيوكى عليك (د) عن أسماء بنت أبي بكر (صح) ". (أعطي) أمر بالإنفاق في وجوه الخير (ولا توكي) بضم المثناة الفوقية في النهاية (١): أي لا تدخري وتمنعي ما في يدك (فيوكى عليك) في النهاية (٢): تنقطع مادة الرزق عنك وتقدم الحديث وهو إعلام بأن الإنفاق سبب للإخلاف والإمساك سبب للمنع وهو في الثاني صريح (د عن أسماء بنت أبي بكر) (٣) رمز المصنف لصحته. ١١٦١ - "أعطيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا (ع) عن عمر (ض) ". (أعطيت جوامع الكلم) أي أعطاني الله الكلم القليلة لفظًا الكثيرة معنى في النهاية (٤): يعني القرآن جمع الله بلطفه في الألفاظ اليسيرة فيه معاني كثيرة واحدها جامعة أي كلمة جامعة (واختصر لي الكلام اختصارًا) وجاء في صفته ﷺ أنه كان يتكلم بجوامع الكلم والجملة الأولى إخبار بإعطائه القرآن والثانية إخبار بما أعطيه ﷺ في عبارة نفسه من اختصاره الكلام مع وفائه بمعاني للمطول من العبارات، هذا وقد علم من القواعد اللغوية أن المعرفة إذا كررت وهي الأولى وجاء خلاف ذلك نادرًا ومنه هذا الحديث فإنه أريد بالكلام الأول القرآن

стр. 1091

وبالكلم في الثاني السنة وقد يقال: قد تغايرا هنا لفظا فليسا مما يدخل تحت تلك القاعدة، والكلام ما كان مكتفيا بنفسه والكلم جمع الكلمة كما في القاموس (١) فهما متصادقان على شيء واحد (ع عن ابن عمر) (٢) رمز المصنف لضعفه وقد رواه البيهقي والدارقطني عن ابن عباس. ١١٦٢ - "أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، والمفصل نافلة (ك هب) عن معقل بن يسار (صح) ". (أعطيت) غير الفعل للعلم بفاعله (سورة البقرة) هو دليل على جواز إطلاق هذا اللفظ عليهما، وأما حديث أنس (٣) عند الطبراني والبيهقي مرفوعًا بلفظ: "لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء، كذلك القرآن كله ولكن قولوا السورة التي تذكر فيها البقرة" فإسناده ضعيف، بل قال ابن الجوزي وغيره: إنه موضوع قال المصنف: وقد صح إطلاق سورة البقرة وغيرها عنه ﷺ (من الذكر الأول) يحتمل أن يراد من أول ذكر نزل على آدم فمن بعده من الرسل ويحتمل أن يراد ذكرا معينًا فهو لمطلق المتقدم، ويحتمل أن يراد من أول كلامه وأنه تعالى لم يعطه أحدًا قبله.

стр. 1092

إن قيل: قد أمره تعالى. أن يقول: "هذا ذكر من معي وذكر من قبلي" فوصف القرآن كله بأنه ذكر من قبله فكيف خص البقرة بذلك؟ قيل: المراد هنا ذكر خاص هو توحيده تعالى وتنزيهه عن الأنداد لأنها في سياق ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤] الآية. (وأعطيت طه والطواسين) جمع لي طس على اللغة القليلة وفيه تغليب لأنه يريد طس وطسم إذا المراد كل السور الثلاث وكذا قوله (والحواميم) قال في القاموس (١): آل حاميم ذوات حاميم ولا يقال حواميم [١/ ٣٣٥] وقد جاء في الشعر وقال: طس لا تجمع إلا على ذات طس ولا يقال طواسين انتهي كلامه. قلت: وقال الجوهري: وأما قول العامة: الحواميم ليس من كلام العرب منقوص يثنون بهذا الوارد عن أفصح الخلق (من ألواح موسى) يعني معانيها لا ألفاظها فتلك بلسان غير عربي إلا أنه قال المصنف في الإتقان (٢): ما أنزل كتاب من كتب الله إلا باللسان العربي ثم يلقنه الرسول بلسانه على لغة قومه فإن صح هذا لم يبعد أن يراد ألفاظها ومعانيها من ألواح موسى، ويحتمل أن كلمة من بدلية في هذا والذي قبله وأن المراد أعطيت البقرة بدلاً من الذكر الأول وبدلاً من ألواح موسى نظير ما يأتي من قوله ﷺ : "أعطيت مكان التوراة السبع الطوال" (٣) والأول أنسب بالقرينة التالية فإن من فيها لا يصح أن تكون بدلية (وأعطيت فاتحة الكتاب) هي سورة الحمد لله رب العالمين، سميت بفاتحة الكتاب لأنه افتتح بها في المصحف وفي التعليم وفي التلاوة وفي الصلاة، وقيل:

стр. 1093

لأنها أول سورة نزلت، وقيل: لأنها أول سورة كتبت في اللوح المحفوظ، وقيل: لأن الحمد فاتحة كل كلام قاله المصنف في الإتقان (١) قال: وقد وقفت لها على نيف وعشرين اسمًا ثم سردها هنالك (وخواتيم) جمع خاتم يقال خواتم وشبع فيقال خواتيم (سورة البقرة) وهي من قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] إلى آخر السورة كما أخرجه أبو عبيد "في فضائله" (٢) عن أبي بن كعب وسرده المصنف في الإتقان وقد كثرت الأحاديث في فضلها والإخبار أنه ﷺ (أعطيها من تحت العرش) أي من ذلك المكان الرفيع والجناب المنيع تنويها بشأنها وإعلاما بأنها ما أنزلت على بشر قبله وكأن ذلك لما فيها من الفضيلة العامة للأمة من حظر الأمر عنها وتلقيها بالدعوات التي في آخرها ويأتي حديث حذيفة: "أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطها نبي قبلي" (٣) (وأعطيت المفصل) في القاموس (٤) المفصل كمعظَّم من الحجرات إلى آخره على الأصح، أو من الجاثية أو القتال أو ق عن النووي أو الصافات أو الصف وتبارك عن ابن أبي الصيف أو إنا فتحنا لك عن الدزماري أو سبح اسم ربك الأعلى عن الفِرْكاح أو الضحى عن الخطابي وسمي بذلك لكثرة الفصول بين سوره أو لقلة المنسوخ فيها انتهى. وفي الإتقان (٥) آخر سورة سورة الناس بلا خلاف واختلف في أوله على اثني عشر قولاً غير هذه العشرة التي عدَّها القاموس، وزاد الحادي عشر الرحمن، حكاه ابن سعد في أماليه عن الموطأ، الثاني عشر الإنسان (نافلة) زيادة على ما في

стр. 1094

كتب الأولين ويأتي قوله وفصلت بالمفصل. فائدة: قسم المصنف في الإتقان القرآن على قسمين: قسم أنزل على بعض الأنبياء وقسم لم ينزل على أحد قبله ﷺ وعقد فيه نوعا هو النوع الخامس عشر من الإتقان (١) وذكر الفاتحة وخواتيم البقرة وآية الكرسي من القسم الآخر وهذه الأحاديث قبله وبعده تحديث بنعمة ربه الذي أمره أن يحدث بها (ك هب عن معقل بن يسار) (٢) رمز المصنف لصحته والحديث صححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن فيه عبيد الله بن أبي حميد تركوا حديثه [١/ ٣٣٦]. ١١٦٣ - "أعطيت آية الكرسي من تحت العرش (تخ) وابن الضريس عن الحسن مرسلاً". (أعطيت آية الكرسي) سميت به لذكره فيها (من تحت العرش) تفاصيل كيفية الإعطاء من ذلك المكان غيب يجب الإيمان به وهو تنويه لفضيلة هذه الآية (تخ وابن الضريس عن الحسن مرسلاً) (٣). ١١٦٤ - "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت

стр. 1095

أمتي خير الأمم (حم) عن علي (صح) ". (أعطيت مما لم يعط الأنبياء قبلي) من الأمور العظيمة التي بها تم شرف نبوته وبين ذلك بالاستئناف بقوله (نصرت بالرعب) في النهاية (١) الرعب الخوف والفزع كأن أعداؤه قد أوقع الله في قلوبهم الخوف منه ﷺ وبينهم وبينه مسيرة شهر فإذا كان كذلك فزعوا منه ورهبوه. قلت: ويدل له قول أبي سفيان قبل إسلامه في قصته مع هرقل أنه ليخافه ملوك بني الأصفر وقد قيد إطلاق هذا الحديث بقوله مسيرة شهر وكان غيره وإن خافه عدوه لا يبلغ هذه المسافة (وأعطيت مفاتيح الأرض) في النهاية (٢): أراد ما يسهله الله له ولأمته من افتتاح البلدان المتعذِّرات واستخراج الكنوز والأموال المخفيات (وسميت أحمد) أي سماني الله على لسان روحه وكلمته عيسي كما قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] ولما كان هذا الاسم الشريف شريفًا في معناه وسماه به رب العزة يَمدح ﷺ بالتسمية به وذلك لأنه دال على أنه أكثر الناس حامدية لربه اشتق من حمد المعلوم كما هو الأكثر في اسم التفضيل أخذه من المبني للفاعل أو أكثرهم محمودية أي يحمد الخلق حمدًا كثيرًا إن أخذ من حمد المجهول، ورجح ابن القيم (٣) هذا الأخير فيكون معناه: كمحمد إلا أن الفرق بينهما أن محمدًا هو كثير الخصال التي يحمد عليها وأحمد هو الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره فمحمد في الكثرة والكمية وأحمد في الصفة والكيفية فيستحق من الحمد أكثر مما يستحق غيره وأفضل مما يستحق غيره فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر فالاسمان

стр. 1096

واقعان على المفعول وهذا أبلغ في مدحه وأكمل ولو أريد معنى الفاعل يسمى الحماد الكبير الحمد فإنه ﷺ أكثر الخلق حمدًا لربه (وجعل لي التراب طهورًا) يأتي تحقيقه في الخمس التي اختص بها وأراد به التيمم فإنه لم يكن لنبي قبله طهورا وهذه منة عظيمة لأنها تسهيل لأمور العبادة له ولأمته (وجعلت أمتي) أمة إجابته (خير الأمم) وهو لفظ مشتق سبق من قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وهم الشهداء على الأمم يوم القيامة ويزكيهم نبيهم ﷺ (حم عن علي) (١) رمز المصنف لصحته وتعقبه الشارح بأنه حسن لا صحيح. ١١٦٥ - "أعطيت فواتح الكلام، وجوامعه، وخواتمه (ش ع طب) عن أبي موسى (ح) ". (أعطيت فواتح الكلام) لفظه في النهاية (٢): مفاتح الكلم قال: وهو ما يسره الله له من البلاغة والفصاحة والوصول إلى غوامض المعاني وبدائع الحكم ومحاسن العبارات والألفاظ التي أغلقت على غيره وتعذرت عليه ومن كان في يده مفاتيح شيء مخزون سهل عليه الوصول إليه انتهى. ويحتمل أن يراد ما يفتتح به الكلام من حمد الله والثناء عليه ونحوه (وجوامعه) تقدم تفسيره قريبًا (وخواتمه) ما يختم به الكلام ويحسن به قطعه عنده بعد وفائه بالمراد ويحتمل أن يراد بفواتح الكلام ما افتتح الله به للوحي من سمائه إلى أرضه وهو أول وحي أنزله كما يرشد إليه ما سلف من قوله أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول ويراد بخواتيم ما ختم الله به وحيه إلى

стр. 1097

عباده من إنزاله كتابه الكريم وختم ديوان الرسالة والإنزال به (ش ع طب عن أبي موسى) (١) رمز المصنف لحسنه. ١١٦٦ - "أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل (طب هب) عن واثلة (ح) ". (أعطيت مكان التوراة السبع الطوال) في القاموس: طُوَل (٢) كَصُرَد: [١/ ٣٣٧] وهي من البقرة إلى الأعراف والسابعة سورة يونس والأنفال وبراءة لأنهما جميعًا سورة واحدة انتهى. قلت: وفي الإتقان (٣) عن ابن عباس ﵁ أن السابعة الكهف (وأعطيت مكان الزبور المئين) جمع مائة وهي كل سورة تزيد على مائة آية أو تقاربها وهي ما يلي الطوال (أعطيت مكان الإنجيل المثاني) في القاموس (٤): المثاني من القرآن ما ثُنِّي منه مائة مرة بعد أخرى أو الحمد لله أو البقرة إلى براءة أو كل سورة دون الطوال ودون المائتين وفوق المفصل أو سورة الحج أو القصص والنمل والعنكبوت والنور والأنفال ومريم والروم ويس والفرقان والحجر والرعد وسبأ والملائكة وإبراهيم وص ومحمد ولقمان والغرف والزخرف والمؤمن والسجدة والأحقاف والجاثية والدخان والأحزاب انتهى. وفي الإتقان (٥) أن المثاني ما ولي المئين لأنها تتبعها أي كانت بعدها فهي لها

стр. 1098

ثوان وهي لها أوائل، وقال الفراء: هي السور التي آيها أقل من مائة لأنها تثني أكثر مما تثني الطُوَل والمئون وقيل لتثنية الأمثال فيها للعبر والخبر حكاه النكزاوي وقال في جمال القراء (١): السور التي ثنيت فيها القصص وقد يطلق على القرآن كله وعلى الفاتحة كما تقدم انتهى كلامه، فقوله: مكان كذا أي عوضًا عنها وبدلاً (وفضلت بالمفصل) أي أعطيته فضيلة وزيادة على ما أعطي الأنبياء من قبلي فأفاد أنه أعطي من الوحي مثل ما أعطي كل من الأنبياء الذين ذكرت كتبهم وفضل زيادة على ما أعطوا كما سلف قريبًا قوله: نافلة وكأن المراد أنها مكانها في الإفادة وغيرها (طب هب عن واثلة) (٢) رمز المصنف لحسنه. ١١٦٧ - "أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطها نبي قبلي (حم طب هب) عن حذيفة (حم) عن أبي ذر (صح) ". (أعطيت هذه الآيات) إشارة إلى المعاني الحاضرة في الذهن (من أواخر سورة البقرة) تقدم بيان ابتدائهن وانتهائهن (من كنز تحت العرش لم يعطها نبي قبلي) فهو نافلة كالمفصل (حم طب هب عن حذيفة) رمز المصنف لصحته (حم عن أبي ذر) (٣). ١١٦٨ - "أعطيت ثلاث خصال: أعطيت صلاة في الصفوف؛ وأعطيت

стр. 1099

السلام، وهو تحية أهل الجنة؛ وأعطيت "آمين" ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلا أن يكون الله أعطاها هارون، فإن موسى كان يدعو ويؤمن هارون، الحرث وابن مردويه عن أنس" (ض). (أعطيت ثلاث خصال) بينها بالإبدال منها (أعطيت صلاة في الصفوف) هو بدل بعض بإعادة العامل أي صلاة الجماعة والظاهر أنه قد أعطيها قبله غيره من الأنبياء وإنما لعله أعطي هيئة الصفوف وتراصها وإتمامها الأول فالأول وليس في هذا اللفظ إفادة اختصاصه بذلك (أعطيت السلام) وهي تحية أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] وليس في هذا دلالة على الاختصاص به، كيف وقد حكاه الله عن إبراهيم وضيفه بل ورد أن الله تعالى بعث إلى آدم الملائكة فسلموا عليه وقالوا: هذه تحيتك وتحية أولادك فلعله أراد ﷺ أنه أعطي ذلك بعد استبدال الناس بغيرها عنها كقولهم: "أنعم صباحًا" ونحوه أو أنه أعطي حصر تحية أهل الإِسلام بهذه دون غيرها بخلاف من كان قبله فقد كان لهم تحيات منها السلام (وأعطيت آمين) بالقصر والمد بمعنى استجيب وتقدم أنها طابع رب العالمين على لسان عباده المؤمنين والمراد أعطى قوله عقب قراءة الفاتحة أو مطلقًا (ولم يعطها أحد قبلي) وهو دليل للثاني (ممن كان قبلكم) وفيه دليل أن الخصال الأول لم يرد ﷺ أنه اختص بها دون غيره (إلا أن يكون الله تعالى أعطاها هارون) ليس فيه جزم أنه تعالى أعطاها هارون فإن قوله (إن موسى كان يدعو ويؤمّن هارون) وإن أفاد أن هارون كان يؤمّن لكنه يحتمل [١/ ٣٣٨] أنه بهذا اللفظ وهو آمين أو بلفظ آخر في معناه فأخبر ﷺ مترددًا هل أعطيه هارون أولاً (الحارث، وابن مرديه عن أنس) رمز المصنف لضعفه (١).

стр. 1100

١١٦٩ - "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (ق ت) عن جابر (صح) ". (أعطيت خمسًا) ويأتي حديث أبي هريرة: "فضلت على الأنبياء بست .. " وحديث أبي أمامة: "فضلت بأربع ... " فإما أن يقال مفهوم العدد غير مراد، أو يقال أنه اطلع أولاً على بعض ما فضل به ثم اطلع آخرًا على الآخر أفاده ابن حجر (١) (لم يعطهن أحد من الأنبياء) وبالأولى غير الأنبياء (قبلي) ولا مفهوم له فإنه لا نبي بعده وظاهر الحديث أنه اختص بكل واحدة من الخمس المذكورة وأنها لم تكن واحدة منها لأحد من الأنبياء قبله وأورد على ذلك أن نوحًا ﵇ كان مبعوثًا إلى أهل الأرض كافة بدليل أنه دعا على أهل الأرض جميعًا فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة ولو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وأجيب: بأنه يجوز أن يكون غيره بعث في عصره في أثناء مدته فلم يؤمنوا به أيضًا، فدعا على كل من لم يؤمن من قومه وغيرهم فاستجاب الله له، ودفع بأنه لم ينقل أنه بعث في زمن نوح غيره، وأجيب أيضًا: بأن معنى الخصوصية لنبينا ﷺ في بقاء شريعته إلى يوم القيامة ونوح ﵇ كان بصدد أن يبعث نبي في زمنه أو بعده ينسخ شريعته. قلت: ولا يخفى أنه لا يطابق قوله ﷺ بعثت إلى الناس عامة فلو أراد ما قاله المجيب هذا المقال بعثت بشريعة لم تنسخ، وأجيب أيضًا باحتمال أن دعاءه إلى

стр. 1101

التوحيد بلغ بقية الناس فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب، اختاره ابن عطية، وقال: غير ممكن أن دعوته لم تبلغ البعيد والقريب لطول مدته، وأجاب ابن دقيق العيد أن الدعاء إلى توحيد الله يحتمل أن يكون عامًا في بعض حق الأنبياء وأن التزام فروع شريعته غير عام، وأجيب أيضًا باحتمال أنه لم يكن في الأرض غير قوم نوح عند دعوته فبعثته خاصة بكونها إلى قومه فقط وهي عامة في الصورة. قلت: ويناسبه قوله وكان النبي يبعث في قومه خاصة وقال الداودي: لم يعطهن أحد يعني لم يجمع لأحد قبله وأن نوحا بعث إلى كافة الناس، وأما الأربع فلم يعط أحد واحدة منهن، قيل: وهذه غفلة منه عن قوله: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، فإنه صريح في خصوصيته ﷺ بهذه الخلة ثم أخذ بعد الإجمال في التفصيل فقال (نصرت بالرعب مسيرة شهر) مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب، هذه المسافة ولا في أكثر منها لا دونها، وهذه الخاصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر وهل هي حاصلة لأمته قال الحافظ ابن حجر: فيه احتمال (١) (وجعلت لي الأرض مسجدًا) موضع سجود (وطهورًا) قيل: أن المراد مجموع جعلها مسجدًا وطهورًا هو الخاصة، وجعلت لغيره مسجدًا ولم يجعل طهورًا لأن عيسى ﵇ كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة، وقيل: بل الخصوصية في كل واحد؛ لأنه كان من قبله لا يباح لديهم الصلاة إلا في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع كما في حديث عمرو بن شعيب (٢): "وكان من قبلي إنما يصلون [١/ ٣٣٩] في كنائسهم"، وفي حديث ابن عباس عند البزار (٣): "لم يكن أحد من

стр. 1102

الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه". قال الحافظ ابن حجر (١): استدل بقوله "طهورًا" على أن الطهور هو المطهر لغيره لأنه لو كان المراد به الطاهر لم يكن فيه خصوصية والحديث مسوق لإثباتها (فأيما رجل) هو مبتدأ فيه معنى الشرط، وكلمة ما زائدة وهذه صيغة عموم (من أمتي أدركته الصلاة) أي وقتها (فليصل) أستدل به على أن من لم يجد ماء ولا ترابًا ووجد شيئًا من أجزاء الأرض فإنه يتيمم به ولا يقال هذا خاص بالصلاة لأنه قد ورد في حديث أبي أمامة: "وأيما رجل من أمتي أتي الصلاة فلم يجد ماء، وجد الأرض طهورًا أو مسجدًا" (٢). وعند أحمد: "فعنده طهوره ومسجده" (٣) ورد هذا الاستدلال بأن عند مسلم (٤) من حديث حذيفة بلفظ: "وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم يجد الماء"، وهذا خاص فيحمل العام عليه فتختص الطهورية بالتراب. وأما من رد هذا الرد قائلاً تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره، فقد أجيب عنه بأنه لو سلم، فإنه قد ورد الحديث بلفظ: "التراب" كما أخرجه ابن خزيمة وغيره: "وجعل التراب لي طهورًا" أخرجه أحمد والبيهقي (٥) بإسناد حسن من حديث علي: (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي) قال الخطابي (٦): كان من تقدم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من

стр. 1103

أذن له فيه لكن إذا غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوا وجاءت ريح فأحرقته (وأعطيت الشفاعة) قال ابن دقيق العيد (١): الأقرب أن اللام للعهد والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها وقيل: الشفاعة التي اختص بها أنه لا يرد فيما سأل، وقيل الشفاعة بخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان لأن شفاعة غيره لمن في قلبه أكثر من ذلك، وقيل: أن هذه مرادة مع الأولى وأن الاختصاص بهما (وكان النبي والرسول أيضا يبعث إلى قومه خاصة) تقدم الكلام فيه وذكر الفاضل المقبلي في الإتحاف حاشية الإتحاف: في سورة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ كلامًا على الاختصاص بهذه الخلة تلاقي كلام الداوردي الذي أسلفناه وعدوه منه غفلة وقد نقلنا كلام الإتحاف في حواشي شرح عمدة الأحكام وبينا ما فيه (٢) (وبعثت إلى الناس عامة) كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وفي الحديث كما أسلفنا مشروعية التحدث بنعم الله وبإلقاء العلم قبل سؤاله (ق ت عن جابر) (٣). ١١٧٠ - "أعطيت سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا (حم) عن أبي بكر". (أعطيت سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب) يحتمل أن هؤلاء هم الذين في حديث أنس عند البزار (٤) بلفظ: "سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير

стр. 1104

حساب هم الذين لا يكتوون ولا يكوون وعلى ربهم يتوكلون "، وأخرجه مسلم (١) من حديث عمران بن حسين وقيل: من هم يا رسول الله! قال: "الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون"، فقال عكاشة: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنت منهم" فقام رجل فقال: يا نبي الله أدع الله أن يجعلني منهم فقال: "سبقك بها عكاشة". إلا أن ظاهر حديث عمران أنهم سبعون ألفًا لا غير، ومنهم عكاشة وهذا الحديث يقتضي أنهم خلائق، فيحتمل أن منعه للسائل لسر عرفه ﷺ ويحتمل أن منعه لئلا يزيد على العدة التي أخبره الله تعالى بها إلا أن آخر الحديث [١/ ٣٤٠] يبعد هذا الاحتمال كما سنعرفه (وجوههم) في الإنارة والحسن (كالقمر ليلة البدر) وهي أكمل ليالي نوره وحسنه، وهذه هي الوجوه التي عليها نضرة النعيم (قلوبهم على قلب رجل واحد) أي قلوب متفقة على الخير مغسولة عن كل عيب كل إنسان يجد في قلبه لغيره ما يجد في قلبه لنفسه، وكان هذه صفتهم قبل دخول الجنة فإن أهل الجنة قد نزع ما في صدورهم من غل وصارت قلوبا تقية نقية (فاستزدت) فطلبت ربي الزيادة على هذه العدة التي أعطانيها تفضلاً (فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا) كانت الإجابة أوسع من ابتداء الإنعام وهذا دليل أنهم غير السبعين ألفًا المذكورين في حديثي أنس وعمران بن حصين فإن ظاهر ذلك أنه لا زيادة على أولئك السبعين، وهذا زيد فيه مع كل واحد ما سمعت (حم عن أبي بكر) (٢) قال الهيثمي: فيه المسعودي وقد اختلط وبقية رجاله رجال الصحيح. ١١٧١ - "أعطيت أمتي شيئًا لم يعطه أحد من الأمم، أن يقولوا عند المصيبة: "إنا لله وإنا إليه راجعون" (طب) وابن مردويه عن ابن عباس (ض) ".

стр. 1105

(أعطيت أمتي) هذه خاصة للأمة من بين الأمم وهو ﷺ داخل في ذلك (شيئًا) من الفضائل (لم يعطه أحد من الأمم) قبلها تشريفًا لها وبينه بعد إجماله بقوله (أن يقولوا عند المصيبة) عام لكل ما يصاب به العبد من حقير الأمور وجليلها وقد فسرها حديث أبي إدريس الخولاني عند ابن السني: "كل شيء يسئ المؤمن فهو مصيبة" (١) (إنا لله وإنا إليه راجعون) فإنه تعالى علمهم قول ذلك، في نهج البلاغة: أن أمير المؤمنين عليًا ﵇ سمع قائلاً يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال: قولنا إنا لله إقرار على أنفسنا بالملك أراد أن اللام للملك وأن الرجوع إقرار بالبعث والنشور وعبر عنه بالملك لأنه وسيلته التي تنتهي منتهاه إليه ولما كان قائل هذا عند حلول المصيبة فازعًا إلى الله تعالى مقرًا بأنه المالك له وأن معاده إليه كان فيه غاية المناسبة عند إصابة المصيبة أنثى الله عليهم بقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] الآية. هذا الثناء الذي هو غاية المدح لهم (طب وابن مردويه (٢) عن ابن عباس) رمز الصنف لضعفه قال الشارح: له عاضد. ١١٧٢ - "أعطيت قريش ما لم يعط الناس: أعطوا ما أمطرت السماء، وما جرت به الأنهار، وما سالت به السيول الحسن بن سفيان وأبو نعيم في المعرفة عن حلبس". (أعطيت قريش) خاصة لبعض الأمة (ما لم يعط الناس) كأنه قيل: ماذا قال

стр. 1106

(اعطوا ما أمطرت السماء) فيه احتمالان: الأول أنه أريد ما جلبه الناس إلى بلده الأمين لأنهم سكانها وقد جُبِيَت إليها ثمرات كل شيء مما ينبته قطر السماء كأرض الحجاز (وما جرت به الأنهار) كأرض مصر والطائف وغيرها (وما سالت به السيول) أي ثمرات الأرض التي تغل على ما يجري إليها من السيول، أرض يقع عليها المطر كأرض التهايم وهذا إخبار بمنة الله عليهم لأنهم سكان أرض غير ذات زرع وأنه تعالى ساق إليهم من كل الثمرات ويراد بقريش أهل الحرم لأنهم أعيان قريش والثاني: أن المراد أن الله تعالى جعل إليهم الملك وولاية ما افترضه تعالى على العباد من واجبات الأراضي التي تغل هذه المياه (الحسن بن سفيان وأبو نعيم (١) في المعرفة عن حليس) بضم الحاء المهملة آخره مهملة يريد التصغير لحلس وقيل: بالحاء المهملة واللام وباء موحدة وسين مهملة بزنة جعفر. ١١٧٣ - "أعطي يوسف شطر الحسن (ش حم ع ك) عن أنس (صح) ". (أعطي يوسف) هو ابن يعقوب وهذه خاصة لبعض أفراد العباد (شطر الحسن) في النهاية [١/ ٣٤١] أن الشطر النصف. إن قلت: حديث أنس عند الحاكم (٢): "أعطي يوسف وأمه شطر الحسن" وفي حديث الحسن: "أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الدنيا وأعطي الناس ثلثين" (٣) عند ابن جرير فكيف التوفيق؟

стр. 1107

قلت: في القاموس (١) أن الشطر نصف الشيء أو جزؤه ومنه حديث الإسراء وضع عني شطرها أي جزئها فيتعين في حديث الكتاب أن المراد بالشطر الجزء ويحمل على الثلث كما بينه حديث الحسن، وأما ذكر الأم في الآخرين دون حديث الكتاب فإما أن يكون اقتصارًا من الراوي على بعض ما سمعه وهو جائز فيقيد بالحديث الآخر وإما أن يكون ﷺ أخبر أن يوسف أعطي شطر الحسن باعتبار أنه جار حسن أمه إلى حسنه وقد عرفت أنه أريد بالشطر الثلث في هذا الحديث وقيل: إنه لم يعط أحد من الحسن أكثر مما أعطي يوسف لأنه في مقام إفضاله تعالى على يوسف فالقائل أن نبينا ﷺ أعطي أكثر مما أعطي يوسف من الحسن يحتاج إلى دليل (ش حم ع ك عن أنس) (٢) رمز المصنف لصحته. ١١٧٤ - "أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر (حم د ك) عن عبد الله بن قرط (صح) ". (أعظم الأيام عند الله يوم النحر) في القاموس (٣) أنه عاشر ذي الحجة (ثم يوم القر) بفتح القاف وتشديد الراء لأنهم يقرون فيه بمنى وهو ثاني يوم النحر ولفظ النهاية (٤): أفضل الأيام عند الله فالأعظم هو الأفضل والفضل هو الزيادة وتفضيل الزمان باعتبار ما يقع فيه من أعمال البر وأن أجرها فيه أكثر من أجرها في غيره وإفضاله تعالى على عباده بالمغفرة فيه أكثر من إفضاله في غيره كما تكررت به الأحاديث.

стр. 1108

وأما حديث أبي هريرة: "أفضل الأيام عند الله يوم الجمعة" (١) فالمراد أيام الأسبوع وهذان اليومان أعظم أيام السنة. والحق أن يوم الجمعة أفضل الأيام على الإطلاق كما يفيده حديث أبي لبابة الآتي في الكلام على قوله ﷺ أفضل الأيام هذا، ويوم النحر هو يوم الحج الأكبر كما يفيده حديث علي ﵇ عند الترمذي (٢): "يوم النحر هو يوم الحج الأكبر" وأما هل ليلتا هذين اليومين داخلتان في التفضيل فيكونان أفضل من كل ليالي السنة فلا دليل على ذلك من هذا الحديث (حم د ك عن عبد الله بن قرط) (٣) بضم القاف وسكون الراء (٤) رمز المصنف لصحته وصححه الحاكم وأقره الذهبي. ١١٧٥ - "أعظم الخطايا اللسان الكذوب ابن لال عن ابن مسعود (عد) عن ابن عباس (ض) ". (أعظم الخطايا اللسان الكذوب) أي خطيئتها أو جعلها خطيئة مبالغة أو إطلاق المسبب على السبب وهو الكثير الكذب كما دلت له صيغة المبالغة وعظم خطيئتها بكثرة كذبها فإنه أقبح الذنوب وعنه تتولد القبائح (ابن لال عن ابن مسعود) (٥) فيه الحسن بن عمارة متروك (عد عن ابن عباس) رمز المصنف

стр. 1109

لضعفه لأنه قال مخرجه: لا أعلم يرويه عن الثوري غير أيوب بن سويد. ١١٧٦ - "أعظم العيادة أجرا أخفها البزار عن علي (ض) ". (أعظم العيادة) بالعين المهملة والتحتية المثناة ثم دال مهملة من عاد المريض زاره (أجرًا) ثوابًا (أخفهما) قعودًا عند المريض وقد ضبط بالباء الموحدة عوضًا عن المثناة التحتية وكأن المراد أخفهما في تمام ولأن الأخف تتم المداومة عليه وإدامة العبادة أحب إلى الله تعالى إلا أنه قال الشارح: إنه غلط وتصحيف لأن تمام الحديث عند مخرجيه: البزار والبيهقي [١/ ٣٤٢] والتعزية مرة انتهى. يريد أن التعزية تناسب العيادة لا العبادة (البزار عن علي) (١) رمز المصنف لضعفه لأنه منقطع. ١١٧٧ - "أعظم الغُلول عند الله يوم القيامة ذراع من الأرض: تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار فيقتطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعا، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة (حم طب) عن ابن مالك الأشجعي (ح) ".

стр. 1110

(أعظم الغلول) بالضم للمعجمة في النهاية (١): هو الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة وكل من خان في شيء خفية فقد غل (عند الله يوم القيامة) فإنه يوم ظهور الجزاء (ذراع من الأرض) أي غلول قدره والأكثر أعظم (تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار) أو غيرهما (فيقتطع أحدهما من حظ صاحبه) حقه (ذراعًا) يدخله في ملكه (فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة) في النهاية (٢) طوقه الله سبع أرضين هو أن يخسف به الأرض فتصير البقعة المغصوبة منها كالطوق في عنقه وقيل: هو أن يطوق حملها يوم القيامة أي يكلف فيكون من التكليف لا من طوق التقليد انتهى وفيه من التشديد ما تراه ولعله تخصيص من تبديل الأرض غير الأرض هذه البقعة المغصوبة وأنها لا تبدَّل إن كان التبديل لذاتها لا لصفتها كما هو أحد الوجهين في الآية، وقد كثر التشديد في ذلك وناهيك بما روي: أن الله تعالى عاقب نبيه داود ﵇ لما هم بإدخال بيت لبعض بني إسرائيل في بيت المقدس كما حكاه ابن سعد في الطبقات (٣) قال ما حاصله: إن المسلمين لما كثروا قال عمر بن الخطاب للعباس ﵁: إن المسجد قد ضاق وقد ابتعت ما حوله من المنازل ولا أجد ما أوسع به إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين، فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها وأما دارك فإما أن تبيعني بما شئت من بيت المال وإما أن أخطك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك وإما أن تتصدق بها على المسلمين، قال: ولا واحدة منها هي قطيعة محمد ﷺ جعلها لي وبناها معي فاختلفا فجعلا بينهما أبي بن كعب فانطلقا إليه فقصا عليه القصة فحدثهما أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى أوحى إلى داود: ابن لي بيتًا أذكر فيه فخط له خط بيت المقدس فإذا تربيعها يزاوله بيت

стр. 1111

لبعض بني إسرائيل فسأله أن يبيعه فأبى فزاده فأضعف له الثمن فحدث داود نفسه أن يأخذه منه فأوحى الله إليه أمرتك أن تبني لي بيتًا فأردت أن تدخل فيه الغصب وليس من شأني الغصب وأن عقوبتك أن لا تبنيه قال: يا ربِّ فمن ولدي قال فمن ولدك" فأعطاه سليمان ﵇ فلما قضى أبي بينهما أتى العباس فقال لعمر قد تصدقت بها على المسلمين فأما وأنت تخاصمني فلا وهذه هي الدار التي اتفقت فيها قصة الميزاب بين عمر والعباس كما قدمنا في الإنصاف من النفس والحديث، فيه دليل أن الأرضين سبع كالسماوات (حم طب عن أبي مالك الأشجعي) (١) رمز المصنف لحسنه. ١١٧٨ - "أعظم الظلم ذراع من الأرض ينتقصه المرء من حق أخيه. ليست حصاة أخذها إلا طوقها يوم القيامة (طب) عن ابن مسعود (ح) ". (أعظم الظلم ذراع) وكذا ما دونه كالشبر والأصبع إلا أنه ذكره لأنه فما فوقه غالب ما يؤخذ (من الأرض) كأنه أعظم لتهاون العباد به (ينتقصه المرء من حق أخيه) من ملكه (ليست حصاة) من حصاة الذراع [١/ ٣٤٣] أخذها (إلا طوقها يوم القيامة) كما سلف (طب عن ابن مسعود) (٢) رمز المصنف لحسنه.

стр. 1112

١١٧٩ - "أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإِمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام (ق) عن أبي موسى (هـ) عن أبي هريرة (صح) ". (أعظم الناس أجرًا في الصلاة) الفريضة (أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم) فأنه كلما بعد ممشاه كثرت خطاه وحطت خطاياه ورفعت درجاته كما سلف غير مرة وهذا الأجر بالنظر إلى المشي فلا ينافيه أعظمية أجرها بالنظر إلى غيره إن قيل: حديث "لا صلاة لجار المسجد إلا فيه" (١) يعارض هذا أجيب بأن هذه فضيلة أخرى خص بها جار المسجد وثبت فضيلة صلاته في غيره فيكون هذا خاصًا في غير جار المسجد على أنه قد ضعف حديث "لا صلاة لجار المسجد" (والذي ينتظر الصلاة) يرتقب إتيانه بها في جماعة (حتى يصليها مع الإِمام الأعظم) وهو راتب المسجد لا الخليفة (أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام) وكأنه أريد بها العشاء لأنها الصلاة التي ينام بعدها وفيه أن بعد المكان تزيد به فضيلة الصلاة كما أن مشقة الانتظار تزيد به أجرها (ق عن أبي موسى ٥ عن أبي هريرة) (٢) وأخرجه غيرهم. ١١٨٠ - "أعظم الناس هما المؤمن، يهتم بأمر دنياه وبأمر آخرته (هـ) عن أنس (ض) ". (أعظم الناس همًا) في القاموس (٣): الهم: الحزن انتهى. ولا يتم ترادفهما لحديث: "أعوذ بك من الهم والحزن .. " (٤) والعطف قاضي بتغايرهما فالهم هو اشتغال القلب بالآتي والحزن هو جزعه على الماضي

стр. 1113

(المؤمن) كأنه قيل: لماذا كان كذلك قال: (يهتم بأمر دنياه) بكسب الحلال فيها والإنفاق على العيال وإصلاح حال المسلمين وإرشادهم ويكفي شرهم وعزل شره (وأمر آخرته) من تذكر حال الموت وما بعده. والحاصل: أن من عظمت همته في الدين زاد همه والغافل عن ذلك بارد القلب همته شهوته لا غيرها، ولذا قيل: يخلو من الهم أخلاهم من الفطن والحديث تأسية للمؤمن وإعلام له أن زيادة همه لزيادة إيمانه (٥ عن أنس) (١) رمز المصنف لضعفه لأن فيه يزيد الرقاشي متروك. ١١٨١ - "أعظم الناس حقا على المرأة زوجها، وأعظم الناس حقا على الرجل أمه (ك) عن عائشة (صح) ". (أعظم الناس حقًا على المرأة زوجها) لما أوجبه الله عليها له من الحقوق وقد سرد الغزالي في الإحياء ذلك وأطال فيه وأطاب، (وأعظم الناس حقًا على الرجل أمه) يحتمل أن مفهوم لقبه مراد أي على الرجل لا المرأة فالأعظم حقًا عليها الزوج والمراد: ذات الزوج ويحتمل أنه غير مراد فيكون بالناس في صدر الحديث مراد بهم الرجال خاصة أي أعظم الرجال على المرأة حقا زوجها ويكون المراد بالناس في عجز الحديث ما يعم الرجل والمرأة فيفيد أن الأم أعظم حقًّا على الرجال والنساء والمراد: من الحق وجوب طاعة الزوج ووجوب طاعة الأم في غير معصية في الأمرين (ك عن عائشة) رمز المصنف لصحته وأقره الذهبي ورواه عنه أيضًا البزار وغيره (٢).

стр. 1114

١١٨٢ - "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة (حم ك هب) عن عائشة (صح) ". (أعظم النساء بركة) نموًا وزيادة في كل خير (أيسرهن مؤنة) من منّ مانه، مانه إذا كفاه كالمعونة من عانه، والمراد: أيسرهن مؤنة في الزواج كما يرشد إليه حديث عقبة عند أبي داود (١): "خير النكاح أيسره"، وحديث: "خير الصداق أيسره"، ويحتمل أيسرهن مؤنة في داوم الصحبة بقناعتها فلا تكلف زوجها ما لا يحتمله حاله كما أرشد إليه حديث أخوف ما أخاف عليكم فتنة الشر من قبل النساء، وفيه لتتعبن الغني وكلفن الفقير. تقدم، يحتمل الأمرين (حم ك هب عن عائشة) (٢) رمز المصنف لصحته وصححه الحاكم على شرط مسلم [١/ ٣٤٤] وأقره الذهبي.

стр. 1115

١١٨٣ - "أعظم آية في القرآن آية الكرسي، وأعدل آية في القرآن "إن الله يأمر بالعدل والإحسان -إلى آخرها" وأخوف آية في القرآن "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" وأرجى آية في القرآن "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله" الشيرازي في الألقاب، وابن مردويه، والهروي في فضائله عن ابن مسعود (ض) ". (أعظم آية في القرآن) أكثرها أجرًا عند التلاوة أو احتمالاً للمعاني أو دلالة على الوحدانية (آية الكرسي) قال ابن العربي: إنها صارت آية الكرسي أعظم الآيات لعظم مقتضاها فإن الشيء إنما يعظم لعظم ذاته ومقتضاه ومتعلقاته وهي في آيات القرآن كسورة الإخلاص في السور، وقال ابن المنير: اشتملت آية الكرسي على ما لم تشتمل عليه آية من آيات كتاب الله وذلك أنها اشتملت على سبعة عشر موضعًا فيها اسم الله تعالى ظاهرًا في بعضها ومستكنًا في بعض وسردها، وقال الغزالي: إنما كانت سيدة آيات الله لاشتمالها على ذات الله وصفاته وأفعاله فقط ليس فيها غير ذلك ومعرفة ذلك هو القصد الأقصى في العلوم وما عداه تبعًا له وبين ذلك بما قدمناه (وأعدل آية في القرآن) العدل هو التوسط في الأمور بين الإفراط والتفريط والمراد بأعدل الآيات: ما ليس فيه تشديد الوعيد ولا رجاء الوعد ولا الإهمال عن الأوامر ولا التغليظ فيها بل أمر فيها بالعدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] إلى آخرها والعدل هو عام في كل شيء من أمور الدنيا والدين كما يرشد إليه حديث: "خيار الأمور أوساطها" (١) كما أن قرينة الإحسان تدخل في كل شيء حتى في إزهاق الروح كما قال ﷺ : "إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" (٢)

стр. 1116

ونهى فيها عن الفحشاء وهو ما عظم من الفواحش وعن المنكر وهو ما تنكره العقول والشرائع وعن البغي وهو طلب التطاول بالظلم فالآية قد دخل فيها كل حسن يجب الأمر به وكل قبيح يجب النهي فقد جاءت بأحسن الأمور أمرًا ونهيًا (وأخوف آية في القرآن) أزيدها مخوفية فهو من المبني للمفعول ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] الذرة النملة الصغيرة، وقيل: الذرة ما يرى في شعاع الشمس من الهنا، والمثقال: مقدار من الوزن أي شيء كان من قليل أو كثير فمعنى مثقال ذرة وزن ذرة. فإن قلت: لم كانت أخوف آية وقد تساوي بين الخير والشر فيها فليس فيها تغليب جانب الشر حتى تتولد فيه الأخوفية، وهل هي إلا مثل قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]؟ قلت: لما كان ما يفعله البشر من الشر أضعاف ما يفعله من الخير دلت الآية على المناقشة في الحساب رؤية كل ما قدمه من خير وشر والاستقصاء في التفتيش لا جرم كانت أخوف آية. إن قلت: إن أريد المؤمن فسيئاته الصغائر مكفرة باجتنابه الكبائر ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فلا يدخل تحت الوعيد وإن أريد الكافر فأعماله الخيرية باطلة بسبب كفرياته ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. قلت: قيل: أريد بمن يعمل خيرًا المؤمن وبمن يعمل شرًا الكافر بدليل السياق في قوله أشتاتًا وقيل: بل الرؤية تكون بالعرض فيعفي عن سيئات المؤمن وتجعل حسنات الكافر هباءًا منثورًا، وقيل: يجوز أن تكون الرؤية في دار الدنيا فالمؤمن تصيبه المصيبة بذنوبه [١/ ٣٤٥] حتى الشوكة يشاكها فما تبرح به المصائب حتى لا يبقي عليه ذنب والكافر بإنعام الدنيا من العافية وسعة

стр. 1117

الرزق حتى يجازي بحسناته قاله في الإتحاف لطلبة الكشاف. قلت: ولا يخفى أنه يبعده كون السياق في أحوال الآخرة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] الآية (وأرجى آية في القرآن) هو أيضًا مثل أخوف مأخوذ من المبني للمفعول وهو من الرجاء، في النهاية (١): أنه التوقع والأمل أنتهي والمعني أزيد آية يتوقع فيها العباد عفو الله وغفرانه هذه الآية وذلك لما فيها من خطاب العصاة المسرفين بقوله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] فخاطبهم بعبادي مضيفًا لهم إلى نفسه وبأنهم عباده وبأن ضرهم وإسرافهم ما كان إلا على أنفسهم وما أساءوا إلا إليها فتقوى قلوبهم غاية القوة لرجاء رحمته ثم نهاهم عن القنوط من رحمته وعلل ذلك بأنه يغفر الذنوب جميعًا فعرفها باللام المفيدة للاستغراق بقرينة المقام ثم زاده تأكيدًا بالتأكيد بجميعًا ثم ختم الآية الشريفة بصفتيه الكريمتين الغفور الرحيم وأتى بهما على صيغتي المبالغة وجمع بينهما ولم يكتف بأحدهما عن الأخرى فأي بشارة يطمع العبد في الغفران أعظم من هذه البشارة؟ واعلم: أن الشرك خارج من هذا العموم بالنص ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وبالإجماع، وتكلف جار الله ﵀ (٢) فقال: التقييد بالتوبة مراد والتقدير: إن الله يغفر الذنوب جميعًا بالتوبة، ولم يرتضيه المحققون من الوعيد به الذي على رأيه قال الفاضل العلوي في الكلام عليه: والحق أن غفران الذنوب جميعًا هو الأول بكرم الله وعفوه. فائدة: قال المصنف في الإتقان (٣): اختلف في أرجى آية في القرآن على بضعة

стр. 1118

عشر قولا وعد هذه الآية أول الأقوال وسرد باقيها فيه فليطالعه من أحب (الشيرازي في الألقاب) رمز المصنف لضعفه (وابن مردويه والهروي في فضائله عن ابن مسعود) (١). ١١٨٤ - "أعظم الناس فرية اثنان: شاعر يهجو القبيلة بأسرها، ورجل انتفى من أبيه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب (هـ) عن عائشة (ض) ". (أعظم الناس فرية) بكسر الفاء وسكون الراء ثم مثناة تحتية هي الكذبة (اثنان شاعر يهجو القبيلة) الهجو الشتم بالشعر وإنما كان شاتم القبيلة (بأسرها) أعظم فرية لأنه شتم من لا ذنب له، وسب من لا يعرفه وهتك كم من عرض مصون ولأن الشتم بالشعر يستحليه اللسان ويرويه كل إنسان ويبقي على مر الأزمان (ورجل انتفى من أبيه) نفى أبوة أبيه سواء انتسب إلى غيره أم لا، وذلك لأنه كذب أولاً ثم ترتب عليه قبائح عديدة لا تنحصر من خلط النسب وعقوق الأب وقطيعة الرحم (ابن أبي الدنيا في ذم الغضب ٥ عن عائشة) (٢) رمز المصنف لضعفه لأن فيه عمرو بن مرة ثقة يرى الإرجاء ورواه عنه الديلمي والبيهقي وابن ماجه وسنده حسن. ١١٨٥ - "أعف الناس قتلة: أهل الإيمان (د هـ) عن ابن مسعود (ح) ".

стр. 1119

(أعف الناس) هو من العفة وهو ترك الحرام قال في القاموس (١): عف عما وعفافًا وعفة بالفتح وعفة بالكسر كف عما لا يحل ولا يحمل فالمراد: أكثر الناس تركًا للقتله المؤمنون وذلك لأن معهم من الإيمان ما يزجرهم عن القتل كما أفاده حديث أبي هريرة: الإيمان قيد (٢) الفتك لا يفتك مؤمن. (قتله أهل الإيمان) يحتمل أنه بفتح القاف للمرة أي هم اعف الناس عن الواحدة من القتل كيف ما هو أكثر ويحتمل أنه بكسرها للنوع والمراد أنهم أعف الناس [١/ ٣٤٦] عن نوع من القتل وهو القتل بغير حق أو قتل بالفتك كما أفاد حديث أبي هريرة: لا يفتك مؤمن؛ لأنه نوع من القتل في النهاية (٣) الفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل فيشد عليه فيقتله أو القتل بالمثلة لنهي الله عنه. (د هـ عن ابن مسعود) (٤) رمز المصنف لحسنه ورجاله ثقات كما قاله الشارح. ١١٨٦ - "اعقلها وتوكّل (ت) عن أنس (صح) ". (اعقلها وتوكل) الضمير عائد إلى الناقة في كلام السائل وهو أنه سأل النبي ﷺ هل يعقل ناقته أو يتوكل فقال: "اعقلها وتوكل" فهذه الكلمة الشريفة مرشدة إلى أن التوكل لا يتم إلا باتخاذ الأسباب التي جعلها الله وصلة إلى مسبباتها لأن ترك السبب ليس من شأن المتوكلين بل المتوكل من اتخذ السبب ثم توكل في حصول المسبب كتوكل الزراع في سقي الأرض وإلقاء البذور وأما تارك السبب

стр. 1120

فلا يسمى متوكلاً بل متكلا عاجزًا مفرطًا (ت عن أنس) (١) رمز المصنف لصحته وقال الترمذي: حديثٌ غريب وحكي عن الفلاس أنه منكر وكذلك أنكره ابن القطان قال الشارح: لكن أخرجه ابن حبان من حديث عمرو بن أمية الضمري وإسناده صحيح. ١١٨٧ - "أعلم الناس من يجمع علم الناس إلى علمه، وكل صاحب علم غرثان (ع) عن جابر". (أعلم الناس) أكثرهم علمًا (من يجمع علم الناس إلى علمه) يطلب ما عند غيره ليضمه إلى ما عنده فلا يزال طالبًا للعلم أبدًا فقد جعل الله فوق كل ذي علم عليم (وكل صاحب علم غرثان) بالمعجمة فراء فمثلثة بزنة جوعان ومعناه (٢) وتقدم أنه لا يشبع عالم من علم (ع عن جابر) (٣) سكت عليه المصنف وقال الهيثمي: فيه مسعدة بن اليسع ضعيف. ١١٨٨ - "اعلم أنك لا تسجد لله سجدة إلا رفع الله لك بها درجة، وحط عنك بها خطيئة (حم ع حب طب) عن أبي أمامة (صح) ". (اعلم) خطاب لراويه (أنك لا تسجد لله) مخلصًا بها له (سجدة) يحتمل واحدة من السجدات فتؤخذ منه مشروعية السجدة مفردة عن الصلاة لغير

стр. 1121

التلاوة والشكر فقد علمًا من غيره ويحتمل أن يراد بها الصلاة كما قد عبر بها عنها في غيره من إطلاق الجزء على الكل (إلا رفع الله لك بها درجة) من درجات الجنة (أو حط عنك بها خطيئة) فهو حث على الإكثار من هذه العبادة (حم ع حب طب عن أبي أمامة) (١) رمز المصنف لصحته. ١١٨٩ - "اعلم يا أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام (م) عن أبي مسعود (صح) ". (اعلم يا أبا مسعود) هو البدري قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط فسمعت صوتًا من خلفي يقول: "اعلم أبا مسعود" فلم أفهم الصوت من الغضب فلما دنا مني إذ هو رسول الله ﷺ يقول: "اعلم يا أبا مسعود اعلم أبا مسعود"، فألقيت السوط من يدي فقال: "اعلم أبا مسعود ... " الحديث، ثم قال أبو مسعود: لا أضرب مملوكا بعده أبدًا والحديث حث على العفو وإلا فضرب المملوك جائز كما تقدم ولذا لم ينهه ﷺ بل وعظه فقال (إن الله أقدر عليك منك) مشير إلى أنه كما أنك تحب عفو الله عنك فاعف عنه لأنك إذا علمت أن الله تعالى أقدر عليك مع أنك عنه لا تخلوا عن ذنب قدرت على خادمك وهو ذو ذنب فاعف عنه يعف عنك وإخباره ﷺ بأن الله أقدر عليه منه ليس لإفادة الحكم ولا لازمه بل لتنزيله منزلة من لا يعلم ذلك لجريه على خلاف موجب العلم إذ موجبه العفو وإقالة العثرة والاحتمال (على هذا الغلام م (٢) عن أبي مسعود البدري) (٣) نسبه إلى بدر وليس من أهل وقعة بدر إنما نزل بها فنسب إليها.

стр. 1122

١١٩٠ - "اعلم يا بلال أنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئًا (ت) عن عمرو بن عوف". (اعلم يا بلال) هو ابن رباح مولى أبي بكر (أنه من أحيا سنة) أشادها وعمل بها [١/ ٣٤٧] (من سنتي قد أميتت من بعدي) هجرت هجر الأموات (كان له من الأجر مئل من عمل بها) أي مثل أجر العاملين بها (من غير أن ينقص) ذلك الأجر الذي لمن أحياها (من أجورهم) العاملين شيئًا وهو كحديث: "من سن سنة حسنة" (ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله) وصف كاشف (كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك أوزار الناس) العاملين بها (شيئًا) وفيه الترغيب في إحياء السنن والترهيب من ابتداع البدع (ت عن عمرو بن عوف) (١) سكت عليه المصنف وقال الشارح: إنه حسّنه الترمذي. ١١٩١ - "اعلموا أنه ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت (ن) عن ابن مسعود". (اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله) وبين هذا الإخبار بقوله (مالك ما قدمت) لأنه مالك (ومال وارثك ما أخرت) هو حث على الإنفاق في وجوه الخير وترغيب فيه وتصوير لحال من يمسك المال ومن ينفقه بأن الممسك أمسك مال غيره وهو وارثه ولو قدمه كان مال نفسه فإن المال يراد للانتفاع به فما قدمه العبد فنفعه له وما آخره فنفعه لوارثه فهو مال وارثه فالممسك قد أحب مال غيره أشد من حبه مال نفسه بتوفيره له وحفظه

стр. 1123

عن الإنفاق وهذا الكلام النبوي في غاية الموعظة وألم به من قال: جمعت مالاً فقل هل جمعت له ... يا جامع المال أيامًا تفرقه المال عندك متروك لوارثه ... ما المال مالك إلا حين تنفقه (١) وجملة مالك إلى آخره استئنافية كأنه قيل لما أتي بالجملة الأولى وفيه غرابة من حيث أنه أخبر بمحبة الإنسان لمال غيره أكثر من حبه مال نفسه وكيف ذاك فقال مالك إلى آخره (ن عن ابن مسعود (٢)) وقريب منه في الصحيحين. ١١٩٢ - "أعلنوا النكاح (حم حب طب حل ك) عن ابن الزبير (صح) ". (أعلنوا) أظهروا (النكاح) ولا تكتموه ويأتي كيفية ذلك في الثاني (حم حب طب حل ك عن ابن الزبير) (٣) رمز المصنف لصحته. ١١٩٣ - "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف (ت) عن عائشة". (أعلنوا هذا النكاح) إشارة إلى تعظيمه (واجعلوه) أي عقده (في المسجد) لتشهد عليه طائفة من المسلمين (واضربوا عليه بالدفوف) أي على النكاح والمراد مقدماته من الزفاف ونحوه كما يفيد حديث عائشة عند البخاري (٤) قالت: زففنا امرأة من الأنصار فقال النبي ﷺ : "يا عائشة أما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو" فقد أريد بالظاهر العقد وبأحد ضميريه وبالضمير الآخر

стр. 1124

مقدماته استخدامًا وهو من الاستخدام باللفظ الحقيقي ومعناه المجازي إذ إطلاق النكاح على مقدماته مجاز من إطلاق السبب على المسبب (ت عن عائشة) (١) قال الترمذي: فيه عيسى بن ميمون ضعيف جدًا وجزم البيهقي بصحته وقال ابن الجوزي: ضعيف جدًا قال الحافظ ابن حجر: سنده ضعيف لكن توبع عند ابن ماجه. ١١٩٤ - "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك (ت) عن أبي هريرة (ع) عن أنس". (أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين) ينتهي في هذه العشر التي سمتها العرب وفاقة الرقاب كما قيل: وإن امرأ قد صار ستين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب ولذا ورد أنه قد أعذر الله من بلغ هذه السن، وروي أنها المراد من قوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّر﴾ [فاطر: ٣٧] وفائدة الإخبار بهذا حث من بلغ إليها أن يتزود للمعاد ويقطع عن الدنيا علائق كل مراد، وفيه رد لمن يدعي إثبات العمر الطبيعي الذي لا دليل عليه (وأقلهم من يجوز) تجاوز (ذلك). (ت عن أبي هريرة ع عن أنس) (٢) [١/ ٣٤٨] قال مخرجه الترمذي: حسن غريب لا

стр. 1125

يعرف إلا من هذا الوجه انتهى. وتعجب منه الحافظ ابن حجر وقال: إنه نفسه قد رواه من طريق أخرى عن أبي هريرة، وقال الهيثمي: فيه عند ابن عدي عبد الأعلى شيخ هشام وبقية رجاله رجال الصحيح. ١١٩٥ - "اعمل لوجه واحد يكفيك الوجوه كلها (عد فر) عن أنس". (اعمل لوجه واحد) أراد بالوجه الذات أي لذات الله وأراد به إخلاص العمل أي لا لغرض غيره يكفيك الوجوه كلها لم يجزمه في جواب الأمر لأنه لم يقصد السببية لأنه تعالى كافيه عمل أو لم يعمل ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] إن قيل: إذا لم يقصد السببية فأي فائدة في جعله جوابا وترتيبه على الطلب ذكرا وأي مرابطة بينهما؟ قيل هو مفيد لعليته للطلب لأنه استئناف كأنه قيل: لم أعمل لوجه واحد قال لأنه يكفيك أو يكون صفة لوجه والوجهان مذكوران في قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] في جواب ﴿هَبْ لِي﴾ وأحسن من قال: خل الوساوس والهموم بمعزل ... وكل الأمور إلى الكريم المفضل ودع الهموم يعودهما واحدًا ... هم اللقاء له لكي ما تبتلي (عد فر عن أنس) (١) سكت عليه المصنف وقال الشارح: كان ينبغي له حذفه لأنه في غاية الضعف. ١١٩٦ - "اعمل عمل امرئ يظن أن لن يموت أبدًا، واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غدًا (هق) عن ابن عمرو (ض) ".
следующие страницы →