← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122096

التنوير شرح الجامع الصغير

الصنعاني

Полный текст (6 289 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

التلاوة والشكر فقد علمًا من غيره ويحتمل أن يراد بها الصلاة كما قد عبر بها عنها في غيره من إطلاق الجزء على الكل (إلا رفع الله لك بها درجة) من درجات الجنة (أو حط عنك بها خطيئة) فهو حث على الإكثار من هذه العبادة (حم ع حب طب عن أبي أمامة) (١) رمز المصنف لصحته. ١١٨٩ - "اعلم يا أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام (م) عن أبي مسعود (صح) ". (اعلم يا أبا مسعود) هو البدري قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط فسمعت صوتًا من خلفي يقول: "اعلم أبا مسعود" فلم أفهم الصوت من الغضب فلما دنا مني إذ هو رسول الله ﷺ يقول: "اعلم يا أبا مسعود اعلم أبا مسعود"، فألقيت السوط من يدي فقال: "اعلم أبا مسعود ... " الحديث، ثم قال أبو مسعود: لا أضرب مملوكا بعده أبدًا والحديث حث على العفو وإلا فضرب المملوك جائز كما تقدم ولذا لم ينهه ﷺ بل وعظه فقال (إن الله أقدر عليك منك) مشير إلى أنه كما أنك تحب عفو الله عنك فاعف عنه لأنك إذا علمت أن الله تعالى أقدر عليك مع أنك عنه لا تخلوا عن ذنب قدرت على خادمك وهو ذو ذنب فاعف عنه يعف عنك وإخباره ﷺ بأن الله أقدر عليه منه ليس لإفادة الحكم ولا لازمه بل لتنزيله منزلة من لا يعلم ذلك لجريه على خلاف موجب العلم إذ موجبه العفو وإقالة العثرة والاحتمال (على هذا الغلام م (٢) عن أبي مسعود البدري) (٣) نسبه إلى بدر وليس من أهل وقعة بدر إنما نزل بها فنسب إليها.

стр. 1122

١١٩٠ - "اعلم يا بلال أنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئًا (ت) عن عمرو بن عوف". (اعلم يا بلال) هو ابن رباح مولى أبي بكر (أنه من أحيا سنة) أشادها وعمل بها [١/ ٣٤٧] (من سنتي قد أميتت من بعدي) هجرت هجر الأموات (كان له من الأجر مئل من عمل بها) أي مثل أجر العاملين بها (من غير أن ينقص) ذلك الأجر الذي لمن أحياها (من أجورهم) العاملين شيئًا وهو كحديث: "من سن سنة حسنة" (ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله) وصف كاشف (كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك أوزار الناس) العاملين بها (شيئًا) وفيه الترغيب في إحياء السنن والترهيب من ابتداع البدع (ت عن عمرو بن عوف) (١) سكت عليه المصنف وقال الشارح: إنه حسّنه الترمذي. ١١٩١ - "اعلموا أنه ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت (ن) عن ابن مسعود". (اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله) وبين هذا الإخبار بقوله (مالك ما قدمت) لأنه مالك (ومال وارثك ما أخرت) هو حث على الإنفاق في وجوه الخير وترغيب فيه وتصوير لحال من يمسك المال ومن ينفقه بأن الممسك أمسك مال غيره وهو وارثه ولو قدمه كان مال نفسه فإن المال يراد للانتفاع به فما قدمه العبد فنفعه له وما آخره فنفعه لوارثه فهو مال وارثه فالممسك قد أحب مال غيره أشد من حبه مال نفسه بتوفيره له وحفظه

стр. 1123

عن الإنفاق وهذا الكلام النبوي في غاية الموعظة وألم به من قال: جمعت مالاً فقل هل جمعت له ... يا جامع المال أيامًا تفرقه المال عندك متروك لوارثه ... ما المال مالك إلا حين تنفقه (١) وجملة مالك إلى آخره استئنافية كأنه قيل لما أتي بالجملة الأولى وفيه غرابة من حيث أنه أخبر بمحبة الإنسان لمال غيره أكثر من حبه مال نفسه وكيف ذاك فقال مالك إلى آخره (ن عن ابن مسعود (٢)) وقريب منه في الصحيحين. ١١٩٢ - "أعلنوا النكاح (حم حب طب حل ك) عن ابن الزبير (صح) ". (أعلنوا) أظهروا (النكاح) ولا تكتموه ويأتي كيفية ذلك في الثاني (حم حب طب حل ك عن ابن الزبير) (٣) رمز المصنف لصحته. ١١٩٣ - "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف (ت) عن عائشة". (أعلنوا هذا النكاح) إشارة إلى تعظيمه (واجعلوه) أي عقده (في المسجد) لتشهد عليه طائفة من المسلمين (واضربوا عليه بالدفوف) أي على النكاح والمراد مقدماته من الزفاف ونحوه كما يفيد حديث عائشة عند البخاري (٤) قالت: زففنا امرأة من الأنصار فقال النبي ﷺ : "يا عائشة أما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو" فقد أريد بالظاهر العقد وبأحد ضميريه وبالضمير الآخر

стр. 1124

مقدماته استخدامًا وهو من الاستخدام باللفظ الحقيقي ومعناه المجازي إذ إطلاق النكاح على مقدماته مجاز من إطلاق السبب على المسبب (ت عن عائشة) (١) قال الترمذي: فيه عيسى بن ميمون ضعيف جدًا وجزم البيهقي بصحته وقال ابن الجوزي: ضعيف جدًا قال الحافظ ابن حجر: سنده ضعيف لكن توبع عند ابن ماجه. ١١٩٤ - "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك (ت) عن أبي هريرة (ع) عن أنس". (أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين) ينتهي في هذه العشر التي سمتها العرب وفاقة الرقاب كما قيل: وإن امرأ قد صار ستين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب ولذا ورد أنه قد أعذر الله من بلغ هذه السن، وروي أنها المراد من قوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّر﴾ [فاطر: ٣٧] وفائدة الإخبار بهذا حث من بلغ إليها أن يتزود للمعاد ويقطع عن الدنيا علائق كل مراد، وفيه رد لمن يدعي إثبات العمر الطبيعي الذي لا دليل عليه (وأقلهم من يجوز) تجاوز (ذلك). (ت عن أبي هريرة ع عن أنس) (٢) [١/ ٣٤٨] قال مخرجه الترمذي: حسن غريب لا

стр. 1125

يعرف إلا من هذا الوجه انتهى. وتعجب منه الحافظ ابن حجر وقال: إنه نفسه قد رواه من طريق أخرى عن أبي هريرة، وقال الهيثمي: فيه عند ابن عدي عبد الأعلى شيخ هشام وبقية رجاله رجال الصحيح. ١١٩٥ - "اعمل لوجه واحد يكفيك الوجوه كلها (عد فر) عن أنس". (اعمل لوجه واحد) أراد بالوجه الذات أي لذات الله وأراد به إخلاص العمل أي لا لغرض غيره يكفيك الوجوه كلها لم يجزمه في جواب الأمر لأنه لم يقصد السببية لأنه تعالى كافيه عمل أو لم يعمل ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] إن قيل: إذا لم يقصد السببية فأي فائدة في جعله جوابا وترتيبه على الطلب ذكرا وأي مرابطة بينهما؟ قيل هو مفيد لعليته للطلب لأنه استئناف كأنه قيل: لم أعمل لوجه واحد قال لأنه يكفيك أو يكون صفة لوجه والوجهان مذكوران في قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] في جواب ﴿هَبْ لِي﴾ وأحسن من قال: خل الوساوس والهموم بمعزل ... وكل الأمور إلى الكريم المفضل ودع الهموم يعودهما واحدًا ... هم اللقاء له لكي ما تبتلي (عد فر عن أنس) (١) سكت عليه المصنف وقال الشارح: كان ينبغي له حذفه لأنه في غاية الضعف. ١١٩٦ - "اعمل عمل امرئ يظن أن لن يموت أبدًا، واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غدًا (هق) عن ابن عمرو (ض) ".

стр. 1126

(اعمل عمل امرئ يظن أن لا يموت أبدًا) هذا في الأعمال الصالحة العام نفعها من نشر العلم بالتأليف وطلبه والحرص عليه وعمارة المساجد وإجراء الأنهار وغرس الأشجار وارتباط الخيل وإعدادها للجهاد وتوطين النفس على الأعمال الخيرية من الحج والجهاد ونحوه والأمر بإتقان العمل والقرينة على أن ذلك المراد ما علم من آداب الشارع وديدنه وهو أمر الأمر بالأعمال الصالحة والحث عليها والنهي عن الأمل والعمل للدنيا وللبقاء فيها فإنه من لاحظ أنه ميت غدًا لم يتقن من هذه الأعمال شيئًا ولا قام بشيء من أمور المسلمين وهو خلاف مراد الله ورسوله (واحذر حذر امرئ يخشى أنه يموت غدًا) هو كالاحتراس عما تفيده الجملة الأولى من إطلاق عنان الأمل المحذر عنه في عدة من الأخبار فكأنه في قوة: كن بين الرَّجاء والخوف أرجو الحياة وأحذر الممات فاعمل للرجاء عمله وللموت عمله (هب عن ابن عمرو) (١) رمز المصنف لضعفه لأن في روايته مجهولا وضعيفًا. ١١٩٧ - "اعملوا فكل ميسر لما خلق له (طب) عن ابن عباس وعن عمران بن حصين (ض) ". (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) هو قطعة من حديث أخرجه الخمسة (٢) إلا النسائي من حديث علي ﵁ وفيه قال يعني رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة" فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا فقال: "اعملوا فكل ميسر لما خُلق له أما من كان من أهل السعادة فيصير إلى عمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاء فيصير إلى عمل أهل الشقاء" ثم

стр. 1127

قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل: ٥] الآية. وأخرجه مسلم (١) من حديث جابر وفيه: "اعملوا فكل ميسر لما خُلق له" والعجب من اقتصار المصنف على نسبته إلى الطبراني ثم تضعيفه وكأنه أراد هذه الرواية الواردة بهذا اللفظ فقط كما يرشد إخراجها عن عمران بن حصين والأمر بالعمل مع الإخبار أنه تعالى قد سبق منه كتابة كل من أهل النار وأهل الجنة دليل على أن سبق علمه تعالى لا ينافي الاختبار والطلب من العبد وإن سبق العلم لا أثر له في وقوع المعلوم على طِبْقه ووقفه ما خلق له والمراد له العبادة لأنه تعالى صرح أنها الحكمة في خلقه للعباد في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ [١/ ٣٤٩] إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقراءته ﷺ تفسير للمراد لأنها وردت في تقسيم قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] فلا متمسك لمن زعم بأن الحديث قال أنه اختبار للعبد، وقد وفينا البحث حقه في غير هذا الموضع. (طب عن ابن عباس (٢) وعن عمران بن حصين) رمز المصنف لضعفه فيما رأيناه مقابلاً على خطة وقال الشارح: لصحته لأنا تتبعنا ما ينقله الشارح من ذلك فوجدناه غير مطابق لما قوبل على خط المصنف وكأنه اتكل على نسخة فيها رموز الصحة ونحوها لم يقابل فقد رأينا اختلافًا كثيرًا في النسخ في ذلك. ١١٩٨ - "اعملوا فكل ميسر لما يهدى له من القول (طب) عن عمران بن حصين (ض) ". (اعملوا فكل ميسر لما يهدى له) هو كالأول وكأن المراد من قوله (من القول) أي القول الذي حق عليه وسبقت به كلمة ربه تعالى (طب عن عمران بن حصين)

стр. 1128

رمز المصنف لضعفه (١). ١١٩٩ - "اعملي ولا تتكلي، فإن شفاعتي للهالكين من أمتي (عد) عن أم سلمة (ض) ". (اعملي) الصالحات (ولا تتكلي) لا تعتمدي في النجاة على العمل بل على رحمة الله وهو نظير قوله ﷺ : "لا يدخل الجنة أحد بعمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" (٢) والأمر بالعمل مع النهي عن الاتكال دليل لما قاله المحققون من أنه لا ينجو أحد إلا برحمته تعالى وما أحسن ما قاله ابن القيم (٣) في حادي الأرواح: ومما يجب التنبيه عليه هو أن الجنة إنما تدخل برحمة الله ليس عمل العبد مستقلاً بدخولها وإن كان سببًا وقد أثبت تعالى دخولها بالأعمال في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] ونفى رسول الله ﷺ دخولها بالأعمال في قوله: "لن يدخل أحد منكم بعمله الجنة" ولا تنافي بين الأمرين لوجهين: أحدهما: ما قاله سفيان وغيره كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة برحمته وانقسام المنازل والدرجات بالأعمال وقد دل على هذا حديث أبي هريرة: "إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا منها بفضل أعمالهم" رواه الترمذي والنسائي (٤) أن الباء التي نفت الدخول هي باء المعاوضة التي

стр. 1129

يكون منه أحد العوضين مقابلاً للآخر والباء التي أثبتت الدخول هي باء المسببية التي تقضي بسببيته ما دخلت عليه لغيره وإن لم يكن مستقلاً انتهى. قلت: فهذا فصل النزاع في المسألة، وللناس فيها نزاع طويل (فإن شفاعتي للهالكين من أمتي) يحتمل أنه تعليل لما ذكره على معنى: فإن رحمته للهالكين إلا أنه عبر عنها بالشفاعة إقامة للمسبب مقام السبب فإن الشفاعة مسببة عن رحمة الله إذ لولا رحمته ما قبل شفاعة شافع، ويحتمل أنه تعليل للمحذوف تقديره ولا تأسي لأنه نهي عن الاتكال على العمل لنشأ عنه اليأس عن النجاة فنهى عنه وعلله أن شفاعته للهالكين من الأمة أي الذين لم تنفعهم الأعمال (عد عن أم سلمة) رمز المصنف لضعفه (١). ١٢٠٠ - "أعينوا أولادكم على البر، من شاء استخرج العقوق من ولده (طس) عن أبي هريرة (ض) ". (أعينوا أولادكم على البر) أي بحسن الخلق ولين الخطاب واغتفار ما لا يخلو عنه الولد من الأمور التي تأباها النفس من الأب فهو إرشاد للآباء على تحصيل البر من الأبناء ويأتي حديث: "رحم الله من أعان ولده على بره" (من شاء استخرج العقوق من ولده) بأن يسيء إلى ولده فإن الطبع البشري يقتضي مقابلة الإساءة بالإساءة فالاستخراج للعقوق يكون بالإساءة إلى الولد وحينئذ يكون الوالد آثمًا بالإساءة إلى ولده لأنه حمله على المعصية (طس (٢) عن أبي

стр. 1130

هريرة) رمز المصنف لضعفه قال الهيثمي: فيه من لا أعرفهم [١/ ٣٥٠]. ١٢٠١ - "أغبط الناس عندي مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، وكان رزقه كفافا فصبر عليه حتى يلقى الله، وأحسن عبادة ربه، وكان غامضًا في الناس؛ عجلت منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه (حم ت ك هب) عن أبي أمامة (صح) ". (أغبط الناس عندي) الغبطة حسد خاص يُقال: غبطت الرجل أغبطه غبطًا إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ما له مع دوام ما هو فيه عليه إذ مع إرادة زواله عنه يكون حسدًا وهو محرم والأول جائز (مؤمن خفيف الحاذ) بالحاء المهملة والذال المعجمة قال في النهاية (١) الحال والحاذ واحد وأصل الحاذ طريقة المتن وهو ما تقع عليه اللبد من ظهر الفرس أي خفيف الظهر من العيال (ذو حظ من صلاة) أي يصيب منها (وكان رزقه كفافًا) وهو بزنة سحاب وهو من الرزق ما كف الإنسان وأغنى (فصبر عليه) لم يطلب الزيادة (حتى لقي الله) بالموت (وأحسن عبادة ربه) فما فوت حظه منها وعطفه على الصلوات من عطف العام على الخاص عناية بشأن الخاص (وكان غامضا في الناس) خاملاً لا ذكر له فيهم (عجلت منيته) أي لم يطل عمره فإنه مظنة عدم الصبر على الأقدار، والمنية: الموت، ويحتمل أنه يراد سهل عليه الموت (وقل تراثة) هو ما يخلفه الرجل من ضياع وأثاث والمعنى أنه أكثر الناس مغبوطية وأحقهم بها وهو من غبط المجهول هو من لا مال له ولا ولد فيشغله عن الله فإنه تعالى يقول: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] وكان ذا نصيب من

стр. 1131

الصلاة وأعطي من العيش ما يكفيه عن الناس فلم يشغل بطلب الكفاية ولا بزيادة فضول الرزق وأعطي الصبر على ذلك وأحسن عبادة ربه ولم يخلف مالًا ولا ولدًا (وقلّت بواكيه) (حم ت ك هب عن أبي أمامة) (١) رمز المصنف لصحته. ١٢٠٢ - "أغبوا في العيادة، وأربعوا (ع) عن جابر". (اغبوا) بالموحدة من الغب بكسر المعجمة وهو في أوراد الإبل أن يرد يوما ويدعه يومًا ثم نقله إلى العيادة للمريض والزيارة ومنه "زر غبًا تزدد حبًا" (في العيادة) بكسر المهملة ومثناة تحتية مصدر عاد المريض (واربعوا) وهو بالموحدة من رابع والحديث أمر بالعيادة للمرضى وأن يكونَ يومًا فيومًا لأنها لو كررت كل يوم كان تثقيلاً ولو عاد مرة واحدة كان إيحاشًا وهذا الأغلب وتختلف الأحوال والأعراف (ع عن جابر) (٢) سكت عليه المصنف وحكى الشارح أن العراقي ضعفه. ١٢٠٣ - "اغتسلوا يوم الجمعة، ولو كأسا بدينار (عد) عن أنس (ش) عن أبي هريرة موقوفًا".

стр. 1132

(اغتسلوا يوم الجمعة) لحضور صلاتها وظاهر الأمر الوجوب وهو من أدلة من ذهب إليه ويأتي التصريح بالوجوب إلا أنه صرفه من لم يقل بوجوبه بحديث سمرة عند أحمد (١): "وغيره من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" ولا شك أنه من آكد السنن وزاده تأكيدًا قوله (ولو كأسًا بدينار) فإن الأمر بشراء مائه ولو بهذا الثمن من الأدلة على تأكيد سنيته وأنه لا يسقط بخروج الماء عن ثمنه المعتاد (عد) عن أنس (ش) عن أبي هريرة موقوفًا) (٢) سكت عليه المصنف وهو ضعيف بل حكم ابن الجوزي بوضعه حكاه عنه الشارح. ١٢٠٤ - "اغتسلوا يوم الجمعة، فإن من اغتسل يوم الجمعة فله كفارة ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام (طب) عن أبي أمامة". (اغتسلوا يوم الجمعة فإنه من اغتسل يوم الجمعة) ظاهره وإن لم يحضر الصلاة ولا أرادها إلا أنه قيده غيره (فله) بمجرد غسله (كفارة) في النهاية (٣): قد تكرر ذكر الكفارة اسمًا وفعلاً مفردًا وجمعًا وهي عبارة عن الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي يسترها وتمحوها وهي فعَّالة للمبالغة كقتاله وصوابه وهي من الصفات الغالبة في باب الاسمية انتهى (ما بين الجمعة) من الخطايا إلى (الجمعة) الأخرى (وزيادة ثلاثة أيام) من التي بعدها هكذا جاء

стр. 1133

مصرحًا به في رواية وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها وهنا بحث وهو أن هذا التكفير والتغطية ص ٣٥١ في هذا الحديث وأمثاله هل للكبائر أو للصغائر أو لهما لا يصح أن يجعل للصغائر لأنه تعالى قد جعلها مكفرة باجتناب الكبائر في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] الآية. فيتعين أن المراد الكبائر إلا أنه يشكل عليه حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (١): "الجمعة إلى الجمعة كفارة ما بينهما ما لم تغش الكبائر" فأفاد أن المكفر الصغائر مشروطًا تكفيرها بعدم غشيان الكبائر فإن حمل المطلق وهو حديث الغسل على المقيد وهو حديث الجمعة أي صلاتها واستدللنا لذلك بأنه إذا قيد المتوسل إليه وهو الصلاة فتقييد الوسيلة وهو الغسل أولى وصار المعنى: "من اغتسل يوم الجمعة فله كفارة ما اجتنبت الكبائر"، والمكفَّر الصغائر فيبقى مشكلاً لما سلف من قضاء الآية لتكفيرها بنفس الاجتناب وإذا كان كذلك لم تكن هذه الطاعات مكفرة شيئًا ولعله يقال إن الحكم على هذه الطاعات بأنها مكفرة مع التكفير بغيرها وهو الاجتناب إخبار من الشارع بأنه لو لم تكفر الصغائر بالاجتناب لكانت هذه الطاعات مكفرة لها لكنها مكفرة بالاجتناب فيبقى ثواب هذه الطاعات موفرا لفاعلها وذلك كما عبر عن الغسل بأنه مكفر وعن الصلاة بأنها مكفرة مع أنه إذا وقع التكفير بأحدهما بقي الآخر غير مكفر لشيء بل أجره باق لفاعله. والنكتة في التعبير عن أجر هذه الطاعات بالتكفير ترغيب النفوس إلى فعلها لأن النفس إلى دفع ضرر المعصية أرغب فيها إلى تحصيل المنفعة فإن دفع المفاسد عند العقل أهم من جلب المصالح فأبرز الشارع الخطاب في قالب فيه مزيد ترغيب النفوس إلى فعلها ثم رأيت بعد هذا في "الجواب الشافي" كلامًا

стр. 1134

لابن القيم الجوزية (١) قال فيه: إن الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات: أحدها: أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها والقيام بحقوقها بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة العلة كيفية وكمية. الثانية: أن تقاوم الصغائر ولا يرتقي إلى تكفير شيء من الكبائر. الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقى فيه قوة تكفر بها بعض الكبائر فتأمل هذا فإنه ينفي عنك إشكالات كثيرة انتهى. فعلى كلامه كل حديث يبقى على ما أطلق عليه من غير تقييد إلا أنه يبقى أنه لا دليل على هذا التفصيل من الأحاديث وأنه لا يبقي للتقييد بقوله ما اجتنبت الكبائر فائدة، وكلامه قاض بأن بعض الكبائر تكفر من دون توبة وقد ادعى الإجماع أنها لا تكفر إلا بالتوبة ولنا في ذلك رسالة مستقلة (طب عن أبي أمامة) (٢) سكت عليه المصنف وقال الهيثمي: فيه سويد بن عبد العزيز ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. ١٢٠٥ - "اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك (ك هب) عن ابن عباس (حم) في الزهد (حل هب) عن عمرو بن ميمون مرسلاً (صح) ". (اغتنم) من غنم وغنمانا غنيمة وهو الفوز بالشيء بلا مشقة كما في القاموس (٣) (خمسًا قبل خمس) أجملها أولاً ثم فسرها ثانيًا ليكون أوقع في القلب

стр. 1135

(حياتك) هو وما بعده، نصب على الإبدال ورفع على الابتداء (قبل موتك) فأيام الحياة غنيمة فالحياة ثوب مستعار (وصحتك قبل سقمك) فإن كل معافى صائر إلى السقم كما قيل: لعمر الفتي إن السلامة سلم ... إلى الحين والمغتر بالعيش آمله فيسلب أثواب الحياة معيرها ... ويقضي غريم الدين من هو ماطله [١/ ٣٥٢] (وفراغك قبل شغلك) فإن كل فراغ يعقبه الإشغال والفراغ والعافية نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس كما ثبت بذلك الحديث، فقد أشار إلى النعمتين التي غبن فيهما الكثير من الناس (وشبابك قبل هرمك) فإن الشباب رمز النشاط وقوة الأعضاء على العبادة فليذكر سرعة زوالها وإنها نومة لا يندم إلا بعد يقظته منها. كنت في نومه الشباب فما ... استيقظت إلا ولمتي شمطاء ويذكر أنه يتعقبها ضعف القوي وتخاذل الأعضاء وأنه تعالى سيجعل من بعد قوة ضعفا وشيبة (وغناك قبل فقرك) فإن الأموال طيور طيارة معرضة للحوادث فرب غنى عاد فقرًا كما قيل: رب غن قد عاد فقرًا وكم عافية قد أصبحت عافية وإنما سمى ﷺ الأعمال في هذه الخمس غنيمة لأنها تسير فيها الأعمال الصالحة بلا مشقة ومن كملت له هذه الخمس جميعًا فقد تيسرت له الطاعات وتوفرت الدواعي، وإن حصل البعض فكذلك. وأما الحياة والصحة فهما شرط لا تتم الطاعات إلا بهما وهذا الحديث إشارة إلى الموانع المختصة بالفاعل وفي معناه حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره وفيه زيادة خصلتين ويأتي في حرف الباء الموحدة، وفي الموانع التي لا تختص بالإنسان حديث عابس الغفاري "بادروا بالأعمال ستًا إمارة السفهاء وكثرة الشرط ومنع الحكم واستخفافًا بالدم وقطيعة الرحم ونشوًا يتخذون

стр. 1136

القرآن مزامير" (١) الحديث يأتي في حرف الباء أيضًا فالأحاديث قد اشتملت على التوصية بالمبادرة بالأعمال واغتنامها قبل عروض الموانع عنها أما من قبل ذات الإنسان وما يطرأ له ويعتريه أو من قبل ما يطرأ عليه من الأحوال العامة المذهلة عن الطاعات والشاغلة عن اكتساب الحسنات. (ك هب عن ابن عباس) (٢) رمز المصنف لصحته وصححه الحاكم وأقره الذهبي في التلخيص قال الشارح: إنه اغتر به المصنف فرمز لصحته وهو عجيب ففيه جعفر بن برقان أورده الذهبي في الضعفاء والمتروكين وقال أحمد: يخطئ في حديثه وقال ابن خزيمة: لا يحتج به (حم في الزهد (٣) حل هب عن عمرو بن ميمون مرسلاً) قال العراقي: إسناده حسن. ١٢٠٦ - "اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة (فر) عن أبي". (اغتنموا الدعاء عند الرقة) بالكسر الرحمة كما في القاموس (٤) والمراد رقة قلب الداعي فإنها (رحمة) لا يقال العلة والمعلول شيء واحد لأنا نقول رقة القلوب علامة رحمة الله للعباد وإجابته للدعاء (فر عن أبي) (٥) هو ابن كعب تقدم

стр. 1137

سكت عليه المصنف وفيه عمرو بن أحمد بن شاهين يخطئ وهو ثقة وشبابة بن سوار مرجئ وهو صدوق قال أبو حاتم لا يحتج به. ١٢٠٧ - "اغتنموا دعوة المؤمن المبتلى، أبو الشيخ ابن حبان عن أبي الدرداء". (اغتنموا دعوة المؤمن) يدعو لكم (المبتلى) بأي بلاءً فهو منكسر القلب ببلائه والله عند المنكسرة قلوبهم وقد تقدم الحديث في إذا (أبو الشيخ عن أبي الدرداء) (١) سكت عليه المصنف وهو ضعيف. ١٢٠٨ - "اغد عالمًا، أو متعلمًا، أو مستمعا، أو محبا، ولا تكن الخامسة فتهلك البزار (طس) عن أبي بكرة". (اغد) من الغدو بالضم البكرة وهي ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس (عالما) نصب على الحال وكذا ما بعده أي أدخل في هذا الوقت على هذه الأحوال أو هو خبر لأغد يعني صِر (أو متعلمًا) والمراد فيهما لعلمي السنة والكتاب وما يتعلق بهما كما أنه المراد في (أو مستمعًا) وهو من ليس بصدد [١/ ٣٥٣] الطلب كالبابي بل يحضر ليسمع الخبر فالمتعلم من يتأهل لتحصيل العلم وكتبه وحفظه والمستمع من ليس كذلك لكنه يحضر حلقاته ويجتني بعض ثمراته (أو محبًا، ولا تكن الخامس فتهلك) هو المبغض للعلم أو المعرض عنه الذي لا يرفع إليه رأسًا ولا يراه أهلاً لأنه يحب أو يبغض وعبر عنه بقوله الخامس ولم يقل لا تكن معرضا أو مبغضا إبعادًا له عن الذكر وصونًا للسانه الشريفة عن التلوث به (البزار طس عن أبي بكرة) سكت عليه المصنف

стр. 1138

وصححه البيهقي وضعفه الحافظ أبو زرعة العراقي بسليم بن عطاء الخفاف (١). ١٢٠٩ - "اغدوا في طلب العلم فإني سألت ربي أن يبارك لأمتي في بكورها، ويجعل ذلك يوم الخميس (طس) عن عائشة". (اغدوا في طلب العلم) وعلله بقوله (فإني سألت ربي أن يبارك لأمتي في بكورها) وذلك بما أخرجه أحمد والأربعة (٢): "اللهم بارك لأمتي في بكورها" وكأنه في كل عمل من الأعمال وإنما خص طلب العلم لأنه أشرفها (ويجعل ذلك) المطلوب من البركة في (يوم الخميس) كأن هذا خاص بطلب العلم وأنه ينبغي طلبه في ذلك اليوم لا في سائر الحوائج لحديث: "باكروا في طلب الرزق والحوائج" سيأتي (٣)، فأطلقه ويحتمل أنه مقيد بما هنا وأن لطلب الحوائج في يوم الخميس زيادة خصوصية في إنجاحها وأن لطلب العلم فيه زيادة خصوصية وقد اعتاد الناس ترك طلب العلم في يوم الخميس في هذه الأعصار في اليمن

стр. 1139

(طس عن عائشة) (١) والحديث سكت عليه المصنف وقد أعل بأن فيه أيوب بن سويد وهو يسرق الحديث. ١٢١٠ - "اغدوا في طلب العلم، فإن الغدو بركة ونجاح (خط) عن عائشة". (اغدوا في طلب العلم) في أي يوم كان (فإن الغدو بركة ونجاح) للحوائج وهو مقيد بالأول ويحتمل الإطلاق (خط عن عائشة) (٢) سكت عليه المصنف فيما قوبل على خطه وقال الشارح: إنه رمز لضعفه. ١٢١١ - "اغزوا قزوين، فإنه من أعلى أبواب الجنة، ابن أبي حاتم والخليلي معا في فضائل قزوين عن بشر بن سلمان الكوفي عن رجل مرسلاً، (خط) في فضائل قزوين عن بشر بن سلمان عن أبي السري عن رجل نسي أبو السري اسمه، وأسند عن أبي زرعة قال: ليس في قزوين حديث أصح من هذا". (اغزوا قزوين) بفتح القاف وسكون الزاي وكسر الواو من بلاد الجيل ثغر الديلم كما في القاموس (فإنه من أعلى أبواب الجنة) يحتمل أنه بعينه يجعله الله من أعلى أبوابها ويحتمل أن المراد أن أجر غزوه سبب للدخول من أعلى أبواب الجنة (ابن أبي حاتم والخليلي) بالخاء المعجمة (معًا في فضائل قزوين عن بشر (٣) بن سليمان الكوفي عن أبي السري) بالمهملتين (عن رجل مرسلاً) والرجل

стр. 1140

مجهول وليس بصحابي (خط في فضائل قزوين عن بشر بن سليمان عن أبي السري عن رجل نسي أبو السري اسمه) فهو مجهول اسما وصفة (وأسند) كأنه يريد الخطيب (عن أبي زرعة قال ليس في قزوين حديث أصح من هذا). ١٢١٢ - "اغسلوا أيديكم ثم اشربوا فيها، فليس من إناء أطيب من اليد (هب) عن ابن عمر (ح) ". (اغسلوا أيديكم) تنظيفًا لها عن الدرن (ثم اشربوا فيها) إن أردتم ذلك (فليس من إناء أطيب) للشرب (من اليد) فيه أن الشرب باليد سنة (هب عن ابن عمر) (١) رمز الصنف لحسنه. ١٢١٣ - "اغسلوا ثيابكم وخذوا من شعوركم واستاكوا، وتزينوا، وتنظفوا فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم، ابن عساكر عن علي". (اغسلوا ثيابكم) تنظيفًا لها عن الأوساخ (وخذوا من شعوركم) مما أذن لكم بالأخذ منها كالأخذ من الشارب (واستاكوا) عند التلاوة والصلاة وغيرها من أسبابه (وتزينوا) خذوا زينتكم المندوب إليها (وتنظفوا) عام بعد خاص (فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك) كأن المراد كله أو الأكثر منه (فزنت نساؤهم) فعلن فاحشة الزنا وكأنه والله أعلم لما تشوهت هيئاتهم بعدم النظافة والأخذ من الشعر والاستياك كرهتهم نسائهم فرغبن في غيرهم وفيه الحث على التجمل في الذات والصفات وأنه لا يناقي حديث: "البذاذة من الإيمان" إذ المراد به عدم

стр. 1141

المبالغة في [١/ ٣٥٤] التنعم في الترفه وضابطه أن خيار الأمور أوسطها (ابن عساكر (١) عن علي) سكت عليه المصنف وحكى الشارح أن في سنده من هو ذاهب الحديث قال: وللأمر بالتنظيف شواهد، والمنكر هنا فإن بني إسرائيل .. إلى آخره. ١٢١٤ - "اغفر، فإن عاقبت فعاقب بقدر الذنب، واتق الوجه (طب) وأبو نعيم في المعرفة عن جزء". (اغفر) لمن أساء إليك إن كان من حقوقك لا إن كان من حق الله (فإن عاقبت) من أساء إليك بقول أو فعل فإنه جائز ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى] الآية. (فعاقب بقدر الذنب) و"إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به (واتق) إن كان قصاصًا في ضرب أو نحوه (الوجه) فإنه ينهى عن ضربه كما يأتي (طب وأبو لأبي نعيم في المعرفة) (٢) قيد نعيم (عن جزء) بالجيم مفتوحة والزاي الساكنة وهمزة وهو ابن قيس أخو عيينة بن حصن. ١٢١٥ - "أغنى الناس حملة القرآن ابن عساكر عن أنس". (أغنى الناس حملة القرآن) هو من الغنى ضد الفقر ومنه حديث: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (٣) أي من لم يستغن به عن غيره على أحد التأويلات وأصرح منه حديث أبي هريرة عثد الطبراني وأبي يعلى: "القرآن غناء (٤) لا فقر بعده ولا غناء

стр. 1142

دونه" والمراد بالغنى هنا غنى النفس لا الغنى بكثرة العوض لما يأتي حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما: "ليس الغنى (١) عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" والمراد بحامل القرآن العامل به المتدبر لمعانيه القائم به لحديث أنس عند النسائي وابن ماجه والحاكم أهل القرآن هم أهل الله (٢) فأتى بصيغة الحصر في ذلك ومعلوم أنه لا يكون أهل الله وخاصته إلا العاملين بأوامره المعرضين عما زهد فيه كتابه من الدنيا وزهرتها المقبلين على ما يرغب إليه من الآخرة ولذتها فهؤلاء هم الذين صاروا بكتاب الله أغنى البرية (ابن عساكر عن أنس) (٣) سكت عليه المصنف وقال الشارح: سنده ضعيف. ١٢١٦ - "أغنى الناس حملة القرآن، من جعله الله تعالى في جوفه ابن عساكر عن أبي ذر". (أغنى الناس حملة القرآن) وبينه بالإبدال منه (من جعله الله في جوفه) يحتمل الحافظ له عن ظهر قلب لأنه في جوفه أو من يقرأه ولو في المصحف وفيه أن الحفظ في الجوف والمراد تجاويف الذات فيشتمل خزائن الدماغ ويحتمل أن يراد بالقرآن كله أو بعضه أو معظمه (ابن عساكر عن أبي ذر) سكت عليه المصنف وقال الشارح: بإسناد ضعيف (٤).

стр. 1143

١٢١٧ - "افتتحت القرى بالسيف، وافتتحت المدينة بالقرآن (هب) عن عائشة". (افتتحت القرى) التي كان أهله على الكفر (بالسيف) وكأن المراد غالبها وإلا فمنها ما أسلم أهله طوعا كاليمن ويمكن أن هذا قاله ﷺ قبل فتح اليمين (وافتتحت المدينة) هي حيث أطلقت طيبة المنورة (بالقرآن) وذلك أن أول من نزل بالمدينة ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير أرسلهما ﷺ إليها يعلمان الناس ويدعوانهم إلى الله فأسلم على أيديهما بشر كثير منهم أسيد بن حضير وسعد بن معاذ وأسلم بإسلامهما خلق كثير وفشا الإسلام بالمدينة وظهر ولم يزل أهلها يزدادون خيرًا حتى وافاهم رسول الله ﷺ ويسند فتحها إلى القرآن لأنهم لما سمعوه آمنوا (هب عن عائشة) سكت عليه المصنف، وقال الشارح: ورمز لحسنه ثم تعقبه (١). ١٢١٨ - "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة (٤) عن أبي هريرة (صح) ". (افترقت اليهود) في دينها وعقائدها (على إحدى وسبعين فرقة) ولم يأت بيان

стр. 1144

ماذا ذهبت إليه كل فرقة في شيء من الأحاديث، كما لم يأت ذلك في فرق النصارى الذين أخبر عنهم بقوله (وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة) زادت فرقة على من قبلها كما زادت الأمة على هذه بفرقة كما قال (وتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة [١/ ٣٥٥] وفي رواية ابن ماجه (١) بعد ذكر فرق اليهود واحدة في الجنة وسبعون في النار وبعد فرق النصارى واحدة وسبعون في النار وواحدة في الجنة وبعد ذكر افتراق الأمة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة ذكره المصنف في الذيل وزاد في الكبير نسبه إلى الطبراني (٢): "قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الجماعة". واعلم أن هذه الزيادة قد استشكلت وذلك لمنافاتها أحاديث تواترت معنى أن هذه الأمة أمة مرحومة وأنها خير الأمم فذهب البعض إلى أن المراد بالأمة أمة الدعوة لا أمة الإجابة وأن الناجية هي أمة الإجابة وهم من تبعه ﷺ . وتعقب بأنه خلاف إطلاق ﷺ لأمته فإنه متى استعمل لم يأت إلا في أمة الإجابة، مثل: "أمتي أمة مرحومة، أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة" (٣)، "أمتي أمة مباركة لا يدري أولها خير أم آخرها" (٤). وبأنه لا يناسب قرانه عن أمتي اليهود والنصارى فإن المراد بهما أمة الإجابة لموسى وعيسى ﵉ ولأنه خلاف ما فهمه الناس فإن كل طائفة من طوائف الإِسلام اشتغلت بتعداد الفرق الإِسلامية وبأنه ﷺ عبر بسين الاستقبال وفي رواية:

стр. 1145

"وستفترق" فهي دالة على أنه افتراق مستقبل ولا يريد إلا فرق أهل الإِسلام إذا افترق أمة الكفر ليس في الإخبار عنها فائدة، وقال ابن حزم: أن هذه الزيادة أعني قوله كلها هالكة زيادة باطلة موضوعة وإنما المعروف في الحديث: أنها تفترق إلى نيف وسبعين فرقة لا زيادة على هذا في نقل الميقات ذكره عنه السيد الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير ﵀ وكنا سئلناه قديمًا عن هذا الإشكال وكتبنا رسالة في ذلك وبينا زوال الإشكال بوجوه أحدها: أنه لا يرد الإشكال إلا إذا كانت القضية دائمة ولا دليل على ذلك بل هي حينية بمعنى أن ثبوت الافتراق للأمة وهلاك من يهلك منها ثابت في حين من الأحيان وزمن من الأزمان كما يرشد إلى ذلك وجوه: أحدها: قوله: "وستفترق" في رواية الدال على استقبال ذلك. الثاني: قوله في حديث ابن عمرو عند الترمذي (١): "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل" الحديث. وقد ذكر افتراقها وهو إخبار عن مستقبل. الثالث: قوله في بعض رواياته: "ما أنا عليه وأصحابي" فإن أصحابه من مسمى أمته بلا خلاف وقد حكم عليهم بأنهم أمة واحدة وأنهم الناجون، وأن من كان على ما هم عليه فهو الناجي، فلو جعلنا القضية دائمة من زمن التكلم بها للزم أن تكون تلك الفرق في الصحابة وهلم جرا، والحديث نفسه صريح في خلاف ذلك فظهر أن الافتراق كائن في زمن من الأزمنة وحين من الأحيان ولا يبعد أنه في آخر الزمان الذي وردت الأحاديث بالإخبار عن فساده وفشو الباطل وجفاء الحق وأن القابض على دينه كالقابض على الجمر وأنه يصبح فيه الرجل

стр. 1146

مؤمنا ويمسى كافرًا وهو زمان غربة الدين وإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون الهالكون أكثر من الناجين (٤ عن أبي هريرة) (١) رمز المصنف لصحته. ١٢١٩ - "افرشوا لي قطيفتي في لحدي، فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء ابن سعد عن الحسن مرسلاً". (افرشوا لي قطيفتي) هي كساء له خمل (في لحدي) اللحد: الشقال في يعمل في جانب القبر لوضع الميت قاله في النهاية (٢) (فإن الأرض لم تسلط على أكل أجساد الأنبياء) لم يؤذن لها في أكل أبدانهم كما تأكل غيرهم فهو مخصص لحديث: "أن الأرض أو القبر تقول يا بني آدم [١/ ٣٥٦] كلوا ما شئتم فوالله لآكلن لحومكم وجلودكم" سيأتي وحديث لا يبقى إلا عَجْب الذنب وإخباره ﷺ بأنه يلحد له من أعلام نبوته لما أخرجه الموطأ عن عروة قال: كان في المدينة رجلان أحدهما يلحد والآخر يشق فقالوا: يعني الصحابة بعد وفاته ﷺ أيهما جاء عمل عمله فجاء الذي يلحد فعمل (٣) عمله. وجاء شقران مولاه ﷺ ووضع القطيفة في اللحد (٤). وقوله على أجساد الأنبياء لا دلالة فيه على أنهم أحياء ولا على خلافه بل ربما يقال أنه يدل على خلافه لأنه ذكر الفرق بين أجساد الرسل وأجساد غيرهم بعد الموت وقد ثبت أنهم أحياء في قبورهم من أدلة أخرى وللمصنف ﵀ تأليف في ذلك سماه إنباه الأذكياء بحياة الأنبياء، لم نقف عليه فينقل منه، وحينئذ فيكون المراد لم يسلط على أجساد

стр. 1147

الأنبياء لأنهم أحياء وقال الشيخ تقي الدين السبكي: حياة الأنبياء في قبورهم والشهداء كحياتهم في دار الدنيا ويشهد له صلاة موسى في قبره فإن الصلاة تستدعي جسدًا حيًّا ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب. قلت: قد قدمنا أول الشرح كلامًا حسنًا عن ابن القيم إلا أنه قد أشكل على حياتهم في القبور حديث أبي هريرة عند أبي داود بلفظ: "ما من أحد يسلم علي إلا ردَّ الله روحي فأرد ﵇" وأجاب المصنف بخمسة عشر وجهًا يقال أقواها: أن قوله: "إلا رد الله" جملة حالية مقدرة بقد: إلا وقد رد الله علي روحي قبل ذلك، وحتى ليست للتعليل بل مجرد حرف عطف بمعنى الواو وإنما جاء الإشكال ممن ظن أن جملة: "رد الله علي روحي" بمعنى الحال أو الاستقبال وظن أن حتى للتعليل وليس كذلك، ثم قال: وبعد أن صدرت هذا الجواب استنباطًا وقررته رأيت هذا الحديث مخرجًا في كتاب حياة الأنبياء للبيهقي بلفظ إلا وقد رد الله علي روحي مصرحًا بلفظ: وقد، فحمدت الله كثيرًا وقوي أن روايه أسقطها محمولة على إضمارها وأن حذفها من تصرف الرواة انتهى. ويأتي زيادة على هذا عند التكلم على الحديث في حرف الميم (ابن سعد (١) عن الحسن مرسلاً) قال الشارح: إنه حديث حسن وله شواهد. ١٢٢٠ - "أفرض أمتي زيد بن ثابت (ك) عن أنس (صح) ". (أفرض أمتي) أعرفها بعلم المواريث (زيد بن ثابت) تقدَّم الكلام على

стр. 1148

الحديث (ك عن أنس) رمز المصنف لصحته (١). ١٢٢١ - "أفش السلام، وابذل الطعام، واستحي من الله تعالى كما تستحيي من رجل من رهطك ذا هيئة، وليحسن خلقك، وإذا أسأت فأحسن، فإن الحسنات يذهبن السيئات (طب) عن أبي أمامة". (أفش السلام) هو من فشا خبره إذ انتشر أريد هنا نشر السلام على كل أحد كما في حديث ابن عمر عند البخاري (٢): سألت رسول الله ﷺ أي الإسلام أفضل؟ قال: "تطعم الطعام وتقرئ السلام على من عرفت وعلى من لا تعرف" وبذل السلام يتضمن التواضع وأنه لا يتكبر على أحد بل بقوله لكل كبير وصغير وشريف ووضيع من يعرف ومن لا يعرف والمتكبر بضد هذا فإنه لا يرد السلام على من سلم عليه تكبرًا فكيف يبذله وقد ثبت من أخلاقه ﷺ بذل السلام لكل أحد وأنه مر بصبيان فسلم عليهم ذكره مسلم (٣) وذكر الترمذي أنه مر بجماعة يمشون فأومأ بيده بالتسليم فقال ابن القيم (٤): الصواب في مسألة السلام على النساء أنه يسلم على العجائز وذوات المحارم دون غيرهن انتهى. ومن فوائد إفشاء السلام [١/ ٣٥٧] ما أفادته هذه الأحاديث السبعة المسرودة من أن فيه السلامة وقد أطلقت هنا فيحمل على العموم أو يخص بالسلامة من شر المسلم عليهم بما في حديث أنس: "إذا مررتم بأهل الشِّرة فسلموا عليهم يطفئ عنكم شرهم ونارهم" (٥) تقدم أنه هو سبب للتحاب وهو مطلوب لله من عباده

стр. 1149

لحديث (١): "لا تؤمنوا حتى تحابوا" وحديث الأمر بالتحاب يأتي: "أن أفضل الأعمال بعد الإيمان التودد إلى الناس" والسلام من جوانب المحبة وأسبابها وهذا مثل حديث: "تهادوا تحابوا" (٢) يأتي وسبب لرضا الله وأي خير أعظم من رضائه فإنه كل المطلوب وغايته المراد والمحبوب، وأنه سبب للعلو وذلك أن في إفشاء السلام الاتصاف بمكارم الأخلاق ورضا الله ومحبة الناس له وأي علو أشرف من حيازة هذه الأمور (وابذل الطعام) تقدمت ثلاثة أحاديث في حرف الطاء في إطعام الطعام وفيه عدة من الترغيب وقد جمع فيه بعض العلماء المحدثين أربعين حديثا في شأن فضله، وفيه مع الأجر شرف الذكر في الدنيا ومحبة العباد له فإن القلوب جبلت على من أحسن إليها وعلى الثناء عليه ولذلك صار ذكر حاتم في كل مكان وضربت بجوده الأمثال كل لسان، فمطعم الطعام فائز بالأجر في الدنيا والآخرة مع إعاضة له فيما ينفقه ومغفرة الله له كما في حديث أنس الذي تقدم: "إذا دخل الضيف على القوم دخل برزقه وخرج بمغفرة ذنوبهم" (واستحي من الله كما تستحي رجلاً من رهطك ذي هيئة) تقدم شرحه (ولتحسن خلقك) تكلف تحسينها إن لم يكن كذلك في أصل الخلقة وتقدم الكلام عليه (وإذا أسأت) أتيت سيئة (فأحسن فإن الحسنات يذهبن السيئات) كما قال تعالى وهو عام في الإساءه إلى الخالق أو إلى العباد كما يقال: إن العداوة تستحيل مودة ... بتدارك الهفوات بالحسنات (طب عن أبي أمامة) (٣).

стр. 1150

١٢٢٢ - "أفشوا السلام تسلموا (خد ع حب هب) عن البراء (صح) ". (أفشوا السلام تسلموا) تقدم الكلام عليه قريبا (خد ع حب هب عن البراء) (١) رمز المصنف لصحته. ١٢٢٣ - "أفشوا السلام بينكم تحابوا (ك) عن أبي موسى (صح) ". (أفشوا السلام بينكم تحابوا) يحب بعضكم بعضا وسلف أنه مراد لله تعالى (ك عن أبي موسى) (٢) رمز المصنف لصحته. ١٢٢٤ - "أفشوا السلام فإنه لله تعالى رضا (طس عد) عن ابن عمر (ح) ". (أفشوا السلام فإنه) أي الإفشاء (لله تعالى رضًا) يرضاه لكم ويرضى به عنكم ورضاؤه غاية المطلوب وكل الأمر المحبوب (طس عد عن ابن عمر) (٣) قال الشارح: إنه رمز المصنف لحسنه وهو ضعيف والذي رأيناه فيما قوبل على خطه أنه لا رمز عليه. ١٢٢٥ - "أفشوا السلام كي تعلوا (طب) عن أبي الدرداء". (أفشوا السلام كي تعلوا) فإنكم إذا أفشيتموه تحاببتم فاجتمعت كلمتكم فقهرتم عدوكم (طب عن أبي الدرداء) سكت عليه المصنف وقال شارحه أنه

стр. 1151

رمز عليه بالضعف وليس كذلك بل هو حسن جيد (١). ١٢٢٦ - "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وكونوا إخوانًا كما أمركم الله (هـ) عن ابن عمر" (صح). (أفشوا السلام وأطعموا الطعام وكونوا إخوانًا كما أمركم الله) حيث أخبركم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فإنه يتضمن الأمر بأن يكونوا إخوانا وفي عطفه على ما ذكر إشعار بأن ذلك سبب للأخوة في الله تعالى (ت عن ابن عمر (٢)) رمز المصنف لصحته. ١٢٢٧ - "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، واضربوا الهام، تورثوا الجنان (ت) عن أبي هريرة (ح) ". (أفشوا السلام وأطعموا الطعام واضربوا الهام) جمع هامة وهي الرأس وأريد بها هنا الجهاد في سبيل الله (ترثوا الجنان) في تسميته ميراثًا حديث مرفوعًا ذكره المصنف في الدر المنثور وهو: "أن يرث أهل الجنة مساكن أهل النار [/ ٣٥٨] التي كانت أعدت لهم لو آمنوا. واعلم أنه قد ورد بما ذكر في هذه الأحاديث تفسير نبوي من حديث ابن عباس بزيادة ولفظه: "إن في الجنة لغرفًا. إذا كان ساكنها فيها لم يخف عليه ما خارجها وإذا خرج لم يخف عليه ما فيها" قيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام وصلى بالليل والناس

стр. 1152

نيام" قيل: وما طيب الكلام يا رسول الله؟ قال: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد إنها تأتي يوم القيامة ولها مقدمات ومعقبات ومجنبات" قيل: يا رسول الله فما إدامة الصيام؟ قال: "من أدرك رمضان فصامه ثم أدركه فصامه" قيل: فما إطعام الطعام؟ قال: "من قات عياله فأطعمهم" قيل: فما إفشاء السلام؟ قال: "مصافحة أخيك إذا لقيته ومحبته" قيل: فما الصلاة والناس نيام؟ قال: "صلاة العشاء الآخرة واليهود والنصاري نيام" أخرجه الخطيب (١). قال بعض المحققين: هذا التفسير ليس بغريب لأن المعاني داخلة في أحاديث الباب المطلقة دخولاً أوليًا لصدق اللفظ عليها مع ظهور تقدمها في الفضل وليس المراد الحصر عليها وإنما السؤال المطلق قد يجاب بالفرد الكامل من المسئول عنه للتمثيل به مع زيادة عناية انتهى وهو كلام حسن نافع في مواضع (هـ عن ابن عمر) (٢) رمز المصنف لحسنه وقد قال الترمذي: حسن غريب. ١٢٢٨ - "أفضل الأعمال الصلاة لوقتها وبر الوالدين (م) عن ابن مسعود (صح) ". (أفضل الأعمال الصلاة لوقتها) ويأتي حديث في أول وقتها فيقيد هذا الإطلاق وقد تقدم الكلام عليه باستيفاء في: "أحب العمل إلى الله .. " كما تقدم الكلام على قوله (وبر الوالدين) (٣) (م عن ابن مسعود) وتقدم بزيادة ثم الجهاد وعطف البر بثم هنالك ونسبه إلى أحمد والشيخين وغيرهم.

стр. 1153

١٢٢٩ - "أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها (د ت ك) عن أم فروة (صح) ". (أفضل الأعمال) أكثرها أجرًا وأحبها إلى الله (الصلاة في أول وقتها) هذا المقيد لما أطلق من ذلك ولكنه قد نوزع في صحته إلا أنه يعضده محافظته ﷺ طول عمره على الإتيان بالصلاة في أول أوقاتها إلا العشاء فقد ورد التصريح بأن تأخيرها أفضل (د ت ك عن أم فروة) (١) أخت أبي بكر الصديق رمز المصنف لصحته. ١٢٣٠ - "أفضل الأعمال الصلاة لوقتها، وبو الوالدين، والجهاد في سبيل الله (خط) عن أنس". (أفضل الأعمال الصلاة لوقتها وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله) هذه العبارة بالنظر إلى العاطف لا يستفاد منها أي الثلاثة أفضل بل دلت اشتراكها في الأفضلية على غيرها من الأعمال إلا أنه تقرر عندهم أنهم يقدمون ما هم به أغنى وشأنه أهم وتقدم حديث ابن مسعود في الثلاثة مرتبا بالعطف بثم والأحبية والأفضلية معنى واحد وحينئذ فيقيد هذا المطلق بذلك المقيد ويقيد أن الصلاة لوقتها أو لأوله أفضل الأعمال على الإطلاق (خط عن أنس) (٢). ١٢٣١ - "أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورًا، أو تقضي عنه دينا، أو تطعمه خبزًا ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (هب) عن أبي هريرة (عد) عن ابن عمر". (أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورًا) إن قلت قد حكم آنفًا أن أفضل الأعمال الصلاة .. الخ وهنا أنه إدخال السرور، ويأتي في هذه الصيغة أحاديث تقضي بأفضلية ما يذكر معها بأنه الأفضل فكيف التوفيق؟

стр. 1154

قلت: وجهه أن الأعمال في كل حديث مقيدة بقيد السياق ففي مثل أفضل الأعمال الصلاة إفراد الأعمال البدنية كالعبادات ومثل هذا الحديث [١/ ٣٥٩] ويراد الأعمال العائدة إلى صلة الإخوان ومعاشرة أهل الإيمان ولاحظ هذا في كل الأحاديث كما سننبه عليه وتقدم حديث: "أحب الأعمال إلى الله بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم" فقيده بما ترى وفي شرح البخاري للحافظ ابن حجر أجوبة كثيرة في كتاب الإيمان (١) وكذلك لابن دقيق العيد في شرح العمدة وقدمنا شيئًا من ذلك وأنه يختلف باختلاف الأشخاص (أو يقضي عنه دينًا) هو من عطف الخاص على العام وقد كان السلف يبالغون في هذه الفضائل ويسارعون إليها قال الغزالي رحمه الله تعالى (٢): روي أن مسروقًا أدان دينًا ثقيلاً وكان على أخيه خيثمة دين قال: فذهب مسروق يقضي دين خيثمة وهو لا يعلم وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم (أو يطعمه خبزًا) ضبط بالخاء المعجمة وسكون الموحدة آخره زاي والمراد مثلا وهو من الخاص بعد العام أيضًا (ابن أبي الدنيا (٣) في قضاء الحوائج هب عن أبي هريرة) وضعفه المنذري لكن له شواهد (عد عن ابن عمر) وضعفه مخرجه ابن عدي. ١٢٣٢ - "أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس (طب) في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة". (أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله) هذا القيد لا بد منه في جميع ما ذكر تفضيله فإن

стр. 1155

الإيمان أفضل الأعمال مطلقًا وكل عمل فرع من فروعه وهو يسمى عملاً قلبيًا (التودد إلى الناس) التحبب إليهم وتفعل هنا للاتخاذ أي من اتخاذ الفاعل أصل الفعل والمراد اتخاذ المحبة عند الناس باكتساب أسبابها من ملاقاتهم بالبشر والطلاقة وبذل السلام وإطابة الكلام وغير ذلك من أسباب التحبب لأنه مراد الله من عباده وتكررت فيه الأحاديث (طب في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة) (١) سكت عليه المصنف وقال الشارح: إسناده حسن. ١٢٣٣ - "أفضل الأعمال الكسب من الحلال ابن لال عن أبي سعيد". (أفضل الأعمال الكسب من الحلال) تقدم الكلام على ذلك في أطيب وقد ورد أن الكسب من الحلال فريضة بعد الفريضة (ابن لال عن أبي سعيد) قال الشارح: إسناده ضعيف (٢). ١٢٣٤ - "أفضل الأعمال الإيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال، كما بين مطلع الشمس إلى مغربها (طب) عن ماعز". (أفضل الأعمال الإيمان بالله وحده) هذا هو أفضلها على الإطلاق فإنه لا يخرج من النار قدر مثقال ذرة أو أدنى منه سواه من الأعمال (ثم الجهاد) أي في سبيل الله (ثم حجة برة) مبرورة كما في حديث: "الحج المبرور ليس له ثواب إلا

стр. 1156

الجنة" (١) وهي ما لم يخالطها شيء من الإثم (يفضل سائر الأعمال) السائر الباقي لا يعني الجميع كما توهم جماعات أفاده القاموس (٢) (كما بين مطلع الشمس إلى مغربها) أي بين الأعمال وبين الحجة البرة هذا القدر في التفاوت ولم يذكر الصلاة وبر الوالدين مع أنهما مقدمان في حديث ابن مسعود وغيره كما سلف قريبًا لأنه ﷺ في كل مقام يتكلم بما يناسب المخاطبين ويكتفي ببعض الأحاديث عن بعض أو الأعمال مخصصة في هذا الحديث بحديث ابن مسعود في الصلاة وبر الوالدين أو أنه في حق من لم يكن له والدان في الحياة ويراد بالإيمان ما يشمل الصلاة ولا يصح أن يجعل ضمير تفضل للحجة فقط لأنه ينافي الترتيب في الحديث (طب عن ماعز) (٣) قال الشارح: ماعز في الصحابة (٤) متعدد فينبغي تمييزه. قلت: لا حاجة إليه بعد القول بأن الصحابة كلهم عدول قال وقد أخرجه أحمد قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح. ١٢٣٥ - "أفضل الأعمال العلم بالله، إن العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره الحكيم عن أنس". (أفضل الأعمال العلم بالله) أي بوحدانيته وألوهيته وإثبات صفات كماله ونفي صفات النقص عنه وأريد بالأعمال [١/ ٣٦٠] العلمية فكأنه قيل أفضل العلم العلم بالله ولذا قابله بالجهل وعلله بقوله (إن العلم) بالله (ينفعك معه قليل العمل وكثيره) ولذا كان نوم العالم خير من عبادة الجاهل (وأن الجهل) غايته (لا

стр. 1157

ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره) ومن هنا فضل العلم سائر الأعمال وزاحم العلماء الملائكة في الذكر بالشهادة لله بالوحدانية والقيام بالقسط فليبذل العبد ساعاته في طلب ذلك (الحكيم عن أنس) (١) سكت عليه المصنف وإسناده ضعيف كما قاله الشارح. ١٢٣٦ - "أفضل الأعمال الحب في الله، والبغض في الله (د) عن أبي ذر". (أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله تعالى) أي الحب لأجله والبغض لأجله فكلمة في تعليلية كما سلف وتقدم الكلام فيه مستوفي والمراد بالأعمال الحب والبغض كأنه قيل أفضل الحب وأفضل البغض (د عن أبي ذر) (٢) سكت عليه المصنف وقال الشارح: فيه مجهول. ١٢٣٧ - "أفضل الأيام عند الله يوم الجمعة (هب) عن أبي هريرة". (أفضل الأيام عند الله) أكثر الأعمال فيها أجرًا (يوم الجمعة) المراد أيام الأسبوع لما مر أن أعظم الأيام يوم النحر ثم يوم القر والأصح أن يوم الجمعة أفضل الأيام على الإطلاق لحديث أبي لبابة عند أحمد وابن ماجه (٣) أن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم

стр. 1158

الفطر (هب عن أبي هريرة) (١) سكت عليه المصنف وقال الشارح: إسناده حسن. ١٢٣٨ - "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت (طب حل) عن عبادة بن الصامت". (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت) (٢) في أي مكان كنت فأنت عالم أن ربك مطلع عليك لا يخفى عليه شعرة من شعرات حركاتك وسكونك ونومك ويقظتك وهذا العلم يستلزم المراقبة لمولاك في كل حال فإن من علم أن مالك ناصيته معه في كل حال راقبه في أقواله والأفعال (طب حل (٣) عن عبادة بن الصامت) قال أبو نعيم: إنه غريب. ١٢٣٩ - "أفضل الإيمان: الصبر، والسماحة (فر) عن معقل بن يسار (تخ) عن عمير الليثي". (أفضل الإيمان الصبر) على فعل المأمور وترك المحظور وما ورد من المقدور (والسماحة) الجود وسخاء النفس (فر عن معقل بن يسار) (٤) ضعفه اليمان (تخ

стр. 1159

عن عمير) بالتصغير لعمر (الليثي) بمثناة تحتية فمثلثة ورواه البيهقي في الزهد بإسناد صحيح. ١٢٤٠ - "أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله، وتعمل لسانك في ذكر الله وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، وأن تقول خيرا أو تصمت (طب) عن معاذ بن أنس". (أفضل الأيمان أن تحب في الله) لأجله (وتبغض لله) كذلك وهو الدليل على أن كلمة في في الأول تعليلية (وتعمل) بالضم لحرف المضارعة من اعمل (لسانك في ذكر الله ) تشغلها به عن غيره (وأن تحب للناس) المؤمنين أو مطلقًا وسلف البحث فيه (ما تحب لنفسك) من أمور الخير (وتكره لهم) من الشر (ما تكره لنفسك وأن تقول خيرًا) من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو إصلاح بين الناس أو نحو ذلك (أو تصمت) بضم الميم (طب عن معاذ (١) بن أنس) سكت عليه المصنف وفيه ابن لهيعة. ١٢٤١ - "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ (٥ عن أبي سعيد الخدري حم ٥ طب هب عن أبي أمامة حم ت هب عن طارق بن شهاب) ". (أفضل الجهاد كلمة حق) تقال (عند سلطان جائر) تقدم في أحب الجهاد وقدمنا الكلام فيه بما لا مزيد عليه (٥ عن أبي سعيد الخدري حم ٥ طب هب عن أبي أمامة) سكت عليه المصنف وقال في الدرر: إسناده لين (حم ت هب عن طارق بن شهاب) البجلي الأحمسي قال المنذري: بعد عزوه للنسائي وإسناده صحيح (٢).

стр. 1160

١٢٤٢ - "أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه (ابن النجار عن أبي ذر). (أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه) اعلم أنهم ذكروا للجهاد أربع مراتب جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد الكفار وجهاد المنافقين وجهاد النفس أربع مراتب أيضًا. أحدها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه وإلا فمجرد العلم من دون عمل يضرها أي [١/ ٣٦١] لم ينفعها. الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لم يعلم وإلا كان من ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذية الخلق، ويحتمل ذلك كله منه فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيًّا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه، فمن علم وعمل وعلم بذلك يدعى عظيما في ملكوت
следующие страницы →