فقالت الإمامية: إن النبي ﷺ نص عليه نصاً جلياً، يعلم كل واحد ممن سمعه قصد النبي ﷺ فيه ضرورة.
ومالت الزيدية الجارودية بأن النص على إمامة علي ﵁ مما يحتاج في معرفة المراد إلى تأمل ونظر ... (١).
وقال الأمير الحسين، صنو الحسن بن بدر الدين في كتابه (شفاء الأوام المميز بين الحلال والحرام) ما لفظه: "الذي نختاره إن النص الوارد في علي ﵁ وقع على وجه يحتاج في معرفة المراد به إلى تأمل، ولا نكفر من دافعه، ولا نفسقه وتخطئة من تقدمه يحتمل أن تكون صغيرة؛ لأن لمن تقدم عليه من المشايخ -يعني أبا بكر وعمر وعثمان- أعمالاً حسنة، وأفعالاً زكية صالحة، وقد قال علي ﵁: لأن أخطئ في العفو أحب إليّ من أن أخطىء في العقوبة، ونقول كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْألونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤١] (٢).
وقال الديلمي في كتاب "عقائد آل محمَّد" ما لفظه: "اعلم أن مذهب سادات الزيدية من العترة الزكية بل مذهب جميع الطهرة من الذرية وأتباعهم وأشياعهم دون من تسمى باسمهم، وليس منهم التوقف في أمر الشيخين لوجوه ذكروها في كتبهم، خصوصاً ما ذكره المؤيد بالله والإمام المنصور بالله، وما ذكره الشيخ أحمد الكنّي، والقاضي جعفر وغيرهم من العلماء ... " ثم قال: "قال: من طعن فيهم ممن سبهم، وتسمى باسم الزيدية فقد أخطأ الخطأ العظيم، وجاوز في أمره الصراط المستقيم، ولعل ذلك منه لما سمع من خرافات الرافضة من الإمامية وغيرهم من الإسماعيلية، ولا يغتر مسلم عاقل بذلك؛ لأنه طعن في أصل
стр. 107
الإِسلام، وتحصل بسببه قدح في سنة الرسول ﷺ ، وإذا انتهى الأمر إلى الحد الذي تذكره الإمامية وغيرهم، وصححنا قولهم لم يبق من أخبار الصحابة ورواياتهم شيء بخروجهم عن الإِسلام، ويلزم إبطال الشريعة بالكلية؛ لأنها مروية عن جميعهم، منقولة من سندهم، وكيف وقد لعن النبي ﷺ من سب أصحابه؟!!
وأما الهادي فإنه جلد من سب أبا بكر وعمر". انتهى ما ذكره (١).
فالخلاف بين الفرقتين كبير لا يمكن إنكاره بعد أن وصل إلى تكفير كل جانب للآخر، فالرافضة روت أخبار كثيرة في كتبهم عن أئمة البيت في تكفير الزيدية حتى قال إمامهم المجلسي: "كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالة على كفر الزيدية وأمثالهم من الفطحية والواقفة" (٢).
هذه خلاصة لمذهب الشيعة في الوصاية لعلي ﵁، والحقيقة أنه لا نص لوصاية علي ﵁ لا خفي ولا جلي وإنما هي أوهام ودعاوي!!
بل جاء عن الحسن بن الحسن بن علي ﵁ إنكاره للنص.
" ... وَسَألَهُ رَجُلٌ: أَلمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كنْتُ مَوْلاهُ فَإِنَّ عَلِيًّا مَوْلَاهُ"، قَالَ: بَلَى، أَمَا وَاللهِ لَوْ يَعْنِي بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الإِمَارَةَ وَالسُّلْطَانَ لأَفْصَحَ لَهُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَنْصَحَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا وَلِيُّ أَمْرِكُمْ، وَالْقَائِمُ لَكُمْ مِنْ بَعْدِي فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، واللهِ مَا كَانَ وَرَاءَ هَذَا شَيْءٌ، وَاللهِ إِنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ اخْتَارَا عَلِيًّا لِهَذَا الأَمْرِ وَالْقِيَامِ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ تَرَكَ عَلِيٌّ مَا اخْتَارَ اللهُ لَهُ وَرَسُولُهُ أَنْ يَقُومَ بِهِ حَتَّى يُعْذَرَ فِيهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ إِنْ كَانَ أَحَدٌ أَعْظَمَ ذَنْبًا وَلَا خَطِيَّةً مِنْ عَلِيٍّ إِذْ تَرَكَ مَا اخْتَارَ اللهُ لَهُ وَرَسُولُهُ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ" (٣).
стр. 108
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: "والواجب علينا الإيمان بأنه -أي عليا- ﵇ وصي رسول الله ﷺ ولا يلزمنا التعرض للتفاصيل الموصى بها، فقد ثبت -أنه أمره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين وعين له علاماتهم وأودعه جملاً من العلوم وأمره بأمور خاصة كما سلف، فجعل الموصى بها فرداً منها ليس من دأب المنصفين".
فالشوكاني رحمه الله تعالى، يثبت أن علياً ﵁ وصي للرسول ﷺ ، ولكنه يرى أن هذه الوصية يجب ألا تخصص في شيء من الأشياء، فهي تشمل كل ما أوصى به ﷺ ، لعلي بن أبي طالب. مع أنه رحمه الله تعالى أورد في رسالته من وصايا الرسول ﷺ ، لعلي بن أبي طالب قوله: "هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا" وأيضاً: "ألا أرضيك يا علي؟ أنت أخي ووزيري تقضي ديني وتنجز موعدي وتبرئ ذمتي" فعلي ﵁ على رأي الإِمام الشوكاني أنه منجز الوعد، وقاضي الدين، ووارثه، ووزيره، وخليفته في الصحابة من بعده ﷺ (١).
٩ - ويوجه إلى الصنعاني الانتقاد:
قوله بعد ذكر اسم علي بن أبي طالب "﵇" قال العليمي: والمتأمل لهذا الأمر يرى أن الصنعاني ﵀ قال: واختلفوا أيضاً في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي، فقيل: يشرع مطلقاً، وقيل: تبعاً ولا يفرد بواحد لكونه صار شعاراً للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ محمَّد الجويني، (الأذكار (ص ١٠٠) وردّ عليه الصنعاني: قلت -أي ابن
стр. 109
الأمير-: هذا التعليل بكونه صار شعاراً لا ينهض على المنع؛ والسلام على الموتى قد شرعه الله على لسان رسول الله ﷺ : "السلام عليكم دار قوم مؤمنين". سبل السلام (٤/ ٢١٥).
قال ابن كثير في "تفسيره" (١١/ ٢٣٨) في مَعرِض حديثه عن الصلاة والسلام على غير الأنبياء: وقد غَلَبَ هذا في عبارةِ كثيرٍ من النُّسَّاخِ للكُتُبِ، أنْ يُفرِدَ عليّ ﵁ بأنْ يقال: "﵇" مِن دون سائرِ الصَّحَابة، أو: "كرَّمَ الله وجهَه"؛ وهذا وإنْ كان معناهُ صَحِيحاً، لكنْ يَنبغي أن يُسَاوَى بَينَ الصَّحَابةِ في ذلك؛ فإنَّ هذا مِنْ بَاب التعظيم والتكريم، فالشَّيخَانُ وأميرُ المؤمنين عثمان، أولى بذلك منه ﵃ أجمعين-. وفي "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/ ١٠٠، ٤٠٢): لا أصلَ لتخصيص ذلك بعليٍّ ﵁ وإنما هُو مِنْ غُلُوِّ المتشيِّعَةِ فيه.
قال العليمي: إن قول الصنعاني "﵇" بعد ذكر علي لا تعني أكثر من معناها الذي تدل عليه اللغة، ولا ينبغي تحميلها أكثر من ذلك؛ لأن الصنعاني وغيره كابن الوزير لم يستعملاها لعلي فقط، بل يطلقانها على غيره والأمر كما قال العليمي لا ينبغي إعطاؤها أكثر من حجمها، والله أعلم (١).
خلاصة القول:
وعلى العموم فإن الصنعاني مع هذه الزلات التي ربما كانت في فترة سابقة من حياته، فإنه يترضى عن جميع الصحابة، ويقدم أبا بكر وعمر ويترضى عنهم، إضافة إلى أنه يرى ترتيب الخلفاء الأربعة فقد قال تحت حديث رقم (٢٨٥٣) وفيه: "ألا أخبركم بأفضل الملائكة ... وأفضل النساء مريم بنت عمران" قال التفتازاني: أفضل الأمة بعد المصطفى ﷺ الخلفاء الأربعة، ورتبهم على ترتيب الخلافة.
стр. 110
بل قال تحت حديث رقم ٥٥٨٠ "علي بن أبي طالب مولى من كنت مولاه" قال: قد سبق أن لفظ "مولى" مشترك بين معان، وأبعد من قال: المراد هنا يتولى من كنت أتولاه، بل ظاهره أن المراد أن ما ثبت لي من الولاية فهو لعلي إلا ما خصه لاختصاص النبوة.
ولا يمكن نسبته إلى الغلو في التشيع ولا إلى انحيازه إلى الاعتزال لهناتٍ قليلة صدرت عنه في مواضع قليلة نادرة، ولعل هذا ما استقر في قلبه قديماً قبل أن يتوسع أفقه وتتسع مداركه؛ لأنه صدر عنه ما يدل على اعتداله وانصافه، كما قال تحت حديث: "المرء مع من أحب": ثم ليعلم أن المراد بالحب المأذون فيه شرعاً، فمن أحب عيسى ﵇ وجعله لله ولداً فما أحبه ولا هو معه، وكذلك من أحب علياً ﵇ حب الغلاة.
وقال أيضاً تحت حديث (رقم: ٥٥٧٩) "علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" قال: إنما قال ذلك تحذيراً مما وقع فيه قوم موسى من الغلو كغلاة الروافض فإنهم زعموا أنه نبي يوحى إليه.
وقال تحت حديث "عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب" قال الصنعاني: والمراد الحب الذي لا إفراط فيه كالغلاة. ولا شك بأن الصنعاني يرى.
والصنعاني معذور في سلوكه لهذا المنهج خاصة لمن نظر وتتبع حالة المجتمع الإِسلامي وما وصل إليه من خرافة وتقليد في زمنه، وبيئته وسيطرة كاملة من الزيدية في بلده فإذا ظهر رجل في وسط هذا المجتمع بهذا الفكر النيّر، وهذه الدعوة التي ترد كل شيء إلى الكتاب والسنة في الأصول والفروع، كان هذا دليلاً على صحة مذهبه ودعوته، وقد يكون ذكر ذلك تورية ليتجنب شر هؤلاء، وكذلك كان تأليفه لهذا الكتاب متقدما في شبابه فقد عاش بعده ٢٧ عامًا فلعله قد تراجع عنها. نسأل الله له العفو والعافية (١).
стр. 111
رابعاً: الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير للسيوطي:
عدد الأحاديث:
نقل الكتاني أن عدد الأحاديث: عشرة آلاف حديث وتسعمائة وأربعة وثلاثون حديثًا، وقال مثله الصنعاني في آخر المجلد الرابع، لكن عند العد والحصر لها -كما جاء في النسخة المطبوعة المرقمة (١٠٠٣١) - هى عشرة آلاف وواحد وثلاثون حديثاً. وبلغ عدد الأحاديث في "التنوير شرح الجامع الصغير" (١٠٠١٣) ويرجع ذلك إلى اختلاف النسخ وسقوط بعض الأحاديث من الشرح كما نبّهت عليها في مكانها.
سبب التسمية:
يرجع سبب التسمية إلى أن السيوطي -حينما ألف كتابه المسمى بجمع الجوامع أو الجامع الكبير- قسمه إلى أحاديث قولية وأحاديث فعلية، ثم انتقى من الأحاديث القولية أحاديث صحيحة مختصرة، وقد زاد عليها بعض الزيادات، وجمع ذلك كله في كتاب سماه "الجامع الصغير من حديث البشير النذير"؛ لأنه مستل من الجامع الكبير. وقد قام السيوطي في الجامع الصغير -أيضاً- بتلخيص قسم الأفعال بطريقة تسمح بسهولة الكشف، فوضع باباً لـ (كان)، وهي شمائله الشريفة ﷺ في حرف الكاف، أورد فيه (٧٢١) حديثاً، وبابًا للمناهي في حرف النون، أورد فيه (٢٢٨) حديثاً، ومجموعهما (٩٤٩) حديثاً.
ترتيب الكتاب:
رتّب السيوطي أحاديثه بحسب حروف المعجم، مراعياً أول الحديث فما بعده تسهيلاً على الطلاب. فقد بدأ بالأحاديث التي أولها همزة، ثم التي أولها باء، ثم التي أولها تاء ... وثاء. وجيم وهكذا، وفي داخل كل حرف من هذه الحروف يمرر الحرف مع حروف المعجم كلها. وقد يخالف الترتيب أحياناً لنكتة، ككون الحديث شاهداً لما قبله أو فيه تتمة له، أو مرتبط المعنى به، أو وقع منه ذلك -على سبيل السهو-
стр. 112
وقدم حديث "إنما الأعمال بالنيات"، وصدر به أول الكتاب، ولم يجعله ضمن الترتيب الذي نهجه تبركاً به وتصحيحاً لنيته، وهذا صنيع أكثر المحدثين، كالإمام البخاري وغيره.
وفي حرف الباء قدّم حديث "بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب" (٤) ولم يراع الترتيب الذي نهجه لشرف الآية وتقديمها على غيرها، ثم راعى الترتيب بعد هذا الحديث.
ومن جهة أخرى، فقد جمع السيوطي -في حرف الألف من الجامع الكبير- فصلاً واسعًا للمحلى ب (ال) من الحروف جميعاً، بينما فرقه في الجامع الصغير، وتبعه المناوي في الجامع الأزهر، وكنوز الحقائق، والنبهاني في الفتح الكبير على الحروف، فمثلاً نجد طرف الحديث البادئ بـ: الصلاة ... في جمع الجوامع في فصل المحلى ب (ال) من حرف الألف، بينما نجده في الجامع الصغير والجامع الأزهر، وكنوز الحقائق في آخر حرف الصاد. وهكذا.
وفي طريقة السيوطي في الجامع الصغير لاحظنا أنه جعل المحلى بال في فصل على حده آخر كل حرف، لكونه أسهل على مطالع الكتاب.
لقد وصفه مؤلفه -في مقدمته- بوصف جامع مستوعب موجز إذ يقول: "هذا كتاب أودعت فيه من الكلم النبوية ألوفًا، ومن الحكم المصطفوية صنوفاً، اقتصرت فيه على الأحاديث الوجيزة، ولخصت فيه من معادن الأثر إبريزه، وبالغت في تحرير التخريج؛ فتركت القشر، وأخذت اللباب، وصنته عما تفرد به وضاع أو كذاب، ففاق بذلك الكتب المؤلفة في هذا النوع كالفائق والشهاب، وحوى من نفائس الصناعة الحديثية ما لم يودع قبله في كتاب، ورتبته على حروف المعجم، مراعياً أول الحديث فما بعده تسهيلاً على الطلاب".
وهو يعتبر من أجمع كتب الحديث مادةً وأغزرها فائدةً، وأقربها تناولًا وترتيبًا.
стр. 113
رموزه (١):
(خ) البخاري، (م) مسلم، (ق) لهما، (د) أبو داود، (ت) الترمذي، (ن) النسائي، (هـ) ابن ماجه، (٤) لهؤلاء الأربعة، (٣) لهم إلا ابن ماجة، (حم) لأحمد في المسند، (عم) لابنه في زوائده، (ك) للحاكم فإن كان في المستدرك أطلق وإلا بينه، (خد) البخاري في الأدب، (تخ) له في التاريخ، (حب) ابن حبان في صحيحه، (طب) للطبراني في الكبير، (طس) له في الأوسط، (طص) له في الصغير، (ص) لسعيد بن منصور في سننه، (لش) لابن أبي شيبة، (عب) لعبد الرزاق في الجامع، (ع) لأبي يعلى في مسنده، (قط) للدارقطني فإن كان في سننه أطلق وإلا بينه، (فر) للديلمي في الفردوس، (حل) لأبي نعيم في الحلية (هب)
стр. 114
للبيهقي في شعب الإيمان، (هق) له في السنن، (عد) لابن عدي في الكامل، (عق) للعقيلي في الضعفاء، (خط) للخطيب، فإن كان في التاريخ أطلق، وإلا بينه، وذكر في آخره أنه فرغ من تأليفه في ١٨ ربيع الأول سنة ٩٠٧ هـ سبع وتسعمائة، وربما أورد فيه الأحاديث الضعيفة والمدخولة، ثم ذيله في مجلد آخر وسماه زيادة الجامع الصغير، رموزه كرموزه وترتيبه كترتيبه، وحجمه كحجمه.
وهو كتاب مطبوعٌ -نُشر لأول مرة في مرسيليا، سنة ١٢٦٨ هـ-، ثم طبع في المطبعة الأميرية بالقاهرة في سنة ١٢٨٦هـ، وبعد ذلك كثرت طبعاته.
وهو كتابٌ جامع، جمع فيه الإِمام السيوطي الأحاديث النبوية القولية، مرتبةً على حروف المعجم، وقد بلغ عدد الأحاديث التي جمعها، عشرة آلافٍ وواحداً وثلاثين حديثاً، ثمَّ أضاف إليها زيادة أخرى من الأحاديث فأتت عليه، بلغ عددها أربعة آلافٍ وأربعمئة وأربعين حديثاً، ورمز السيوطي لكل حديث منها بما يبين درجته، من حيث الصحة أو الضعف.
وللكتاب في البوسنة والهرسك ست نسخ خطية، فيما يلي وصفها:
النسخة الأولى:
وهي نسخة كاملة، تقع في (٢١٥) ورقة، مكتوبة بخط نسخي قديم، ولا يُعرف اسم كاتبها، ولا مكان نسخها، ولا تاريخه على وجه الدقة، غير أنَّها قد تكون ممَّا كتب في زمن المؤلِّف ﵀، حيث جاء في آخرها ما يفيد ذلك، وهو قول الناسخ: " ... هذا آخر كتاب الجامع الصغير من حديث البشير النذير، وهو عشرة آلاف حديث، مرتبةً على حروف المعجم، تأليف سيدنا ومولانا ... أبي الفضل السيوطي الشافعي، فسح الله تعالى في مدته، ونفعنا والمسلمين بعلومه وبركته".
وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو، تحت رقم: (٣٧٧/ ٥٥٧)، وقد نُقلت إليها من مكتبة شهدي أفندي.
стр. 115
النسخة الثانية:
وهي نسخة كاملة، تقع في (٢٣٨) ورقة مكتوبة بخط نسخي، كتبها الناسخ عبد الرازق بن عبَّاس العبادي الشافعي الأزهري، في سنة ٩٦٨ هـ/ ١٥٦١ م.
وعلى هذه النسخة ما يفيد ملكيتها للقاضي معروف بمصر في سنة ٩٦٩ هـ/ ١٥٦٢م، ثمَّ لابنه محمَّد بن معروف، بالقدس الشريف، في سنة ٩٧٢ هـ / ١٥٦٥م.
وهي من أوقاف الحاج محمَّد بيجاكجيتش بن فضل الله، من أهالي سراييفو على مكتب عيني بيك، في سنة ١٢٥٤ هـ / ١٨٣٨م، وتحفظ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسروبيك بسراييفو تحت رقم: (٣٧٧/ ٥٥٨).
النسخة الثالثة:
وهي نسخة كاملة، تقع في (٢٣٨) ورقة، مكتوبة بخط نسخي دقيق، وجميل، كتبها الناسخ محمَّد بن إبراهيم السروري المقدسي الغانمي، في سنة ١١٢٨ هـ /١٧١٦م.
وهي من أوقاف هرموزاده. وتحفظ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسروبيك بسراييفو تحت رقم: (٧٢٣/ ٥٥٩).
النسخة الرابعة:
وهي نسخة كاملة، تقع في (٣٥٨) ورقة، مكتوبة بخط نسخي واضح، كتبها الناسخ علي بن محمَّد المؤذن في سنة ١٠٩٨ هـ/ ١٦٨٧ م.
وعلى هذه النسخة ما يفيد أنها من ممتلكات الشيخ محمَّد الخانجي (خانجيتش) وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو تحت رقم: (١٣٤٠/ ٥٦٠).
стр. 116
النسخة الخامسة:
وهي نسخة كاملة، تقع في (٢٤١) ورقة، مكتوبة بخط نسخي، لا يُعرف اسم ناسخها، ولا تاريخ نسخها. وهي من أوقاف علي غالب باشا، على مكتبته بموستار، في سنة ١٢٥٧ هـ/ ١٨٤١م. وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو، تحت رقم: (٣٨٤٠/ ٥٦١)، وقد نُقلت إليها من مكتبة قركوز.
النسخة السادسة:
وهي نسخة كاملة، تقع في (٤٧٠) ورقة، وهي مكتوبة بخط نسخي، ولا يُعرف اسم كاتبها، ولا مكان نسخها أو تاريخه، وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو تحت رقم: (٣٩٠٢/ ٥٦٢) وقد نُقلت إليها من مكتبة قركوز.
شروح الجامع الصغير:
١ - الكوكب المنير شرح الجامع الصغير (١).
تأليف شمس الدين محمَّد بن عبد الرحمن بن علي العلقمي الكوكبي (ت نحو: ٩٦٣ هـ / ١٥٥٦م) (٢).
стр. 117
وله في البوسنة نسختان اثنتان خطيتان فيما يلي وصفهما:
النسخة الأولى:
وهي ناقصة من بدايتها ومن نهايتها، وينتهي القدر الموجود منها بحديث من كتاب التوبة، وتقع في (٤٤٧) ورقة، مكتوبة في سنة (١٠٠٠ هـ/ ١٥٩٢م)، بخط نسخي، يتخلله بعض التعليق، ولا يُعرف اسم كاتبها، ولا مكان نسخها.
وهي محفوظةٌ حالياً في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو تحت رقم: (١٢٩/ ٥٦٣)، وقد نُقلت إليها من مكتبة هل هي بيك الموستاري.
النسخة الثانية:
وهي ناقصة من بدايتها ومن نهايتها، وأول الموجود من الكتاب هو حديث: "إنَّ الله نظيف يحبُّ النظافة" (٣)، وتقع في (٢٧٧) ورقة، وهي مكتوبة بخط نسخي في سنة (١٠٠٠ هـ/ ١٥٩٢ م)، ولا يعرف اسم ناسخها أو مكان نسخها، وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو، تحت رقم: (٣٣٥٩/ ٥٦٤)، وقد نُقلت إليها من مكتبة قركوز.
٢ - السراج المنير بشرح الجامع الصغير (١).
تأليف علي بن أحمد بن محمَّد بن إبراهيم العزيزي (ت: ١٠٧٠هـ/ ١٦٦٠م) (٢).
стр. 118
وله في البوسنة نسختان خطيتان فيما يلي وصفهما:
النسخة الأولى:
وهي ناقصة من آخرها، ويقع القدر الموجود منها في (١٩٣) ورقة، مكتوبة بخط نسخي، ولا يُعرف اسم كاتبها، ولا مكان نسخها أو تاريخه.
وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو تحت رقم: (١٣٩٩/ ٥٦٨)، وقد نُقلت إليها من مكتبة شهدي أفندي.
النسخة الثانية:
وهي ناقصة من أوَّلها، ويقع القدر الموجود منها في (٢٨٨) ورقة، يبدأ.
بحديث: "إنَّ الودَّ يورث والعداوة تورث"، وينتهي بحديث: "الحمى من كير جهنم، وهي نصيب المؤمن من النار"، وخط هذه النسخة نسخي سيئ، ولا يُعرف اسم كاتبها، ولا مكان نسخها أو تاريخه.
وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو تحت رقم: (٧٨٤/ ٥٦٩).
٣ - شرح الشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمَّد المتبولي الشافعي ، المتوفى في سنة ١٠٠٣هـ وسماه (بالاستدراك النضير على الجامع الصغير) أوله: الحمد لله شارح صدور أهل السنة ... إلخ، ذكر فيه أن ابن العلقمي أطال فيما لا يحتاج إليه، واختصر فيما يحتاج، بل ترك أحاديث، فشرحها مفصلاً، وقدّم مقدمة في أصول الحديث في مجلد.
٤ - شرح الشيخ شمس الدين محمَّد بن زيد الدين المدعو بعبد الرؤوف المناوي الشافعي ، المتوفى في سنة ١٠٣١ هـ إحدى وثلاثين وألف، شرحه أولاً بالقول، كابن العلقمي، فاستحسنه المغاربة، فالتمسوا منه أن يخرجه، فاستأنف العمل، وصنف شرحاً كبيراً مخرجاً في مجلدات وسماه (فيض القدير) أوله:
стр. 119
الحمد لله الذي جعل الإنسان هو الجامع الصغير ... إلخ (١).
قال: "ويليق أن يدعى بالبدر المنير، وذكر أن مراده من القاضي هو البيضاوي، ومن العراقي هو الزين، ومن جدي هو القاضي يحيى المناوي".
ثم اختصره وسماه (التيسير) وأوله: الحمد لله الذي علّمنا من تأويل الحديث .... إلخ. وهناك رسالة ماجستير مقدمة من الطالب عبد الرحمن عمري الصاعدي بعنوان "منهج الحافظ المناوي في كتابه فيض القدير" من جامعة أم القرى بمكة المكرمة بتاريخ ١٩/ ٣/ ٢٠٠٧.
٥ - شرح ملا نور الدين علي القاري نزيل مكة المكرمة (٢)، المتوفى في سنة ١٠١٤ هـ
٦ - شرح للعلامة محمَّد بن إسماعيل الأمير الصنعاني ، المتوفى في سنة ١١٨٢ هـ وسماه "التنوير شرح الجامع الصغير"، في أربع مجلدات مخطوطة، وهو الذي نحن بصدد خدمته.
стр. 120
مختصرات الجامع الصغير:
وإضافةً إلى أصل الكتاب وشروحه يوجد في مكتبات البوسنة ثماني نسخ خطية تحمل العنوان ذاته، وهو: مختصر الجامع الصغير للإمام السيوطي، ولا تحمل أيٌّ منها أسماء المُختَصِرين، وفيما يلي وصفها:
النسخة الأولى:
تقع في (١٣٦) ورقة مكتوبة بخط نستعليق، لا يُعرف اسم كاتبها، ولا مكان النسخ أو تاريخه. وهي من أوقاف أحمد عاصم بن محمَّد متوليتش على مدرسة المغازي خسرو بيك بسراييفو.
وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو، تحت رقم: (٧١٥/ ٢١٨٩).
النسخة الثانية:
تقع في (٥٧) ورقة، وقد كتبها بخط نسخي الناسخ إبراهيم الموستاري، المعروف باسم سباهي.
وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو، ضمن مجموع تحت رقم: (٣٥٩٤، ٨/ ٢١٨٨)، وقد نُقلت إليها من مكتبة قركوز بيك.
النسخة الثالثة:
تقع في (٢٠٤) ورقة، مكتوبة بخط نسخي، ولا يُعرف اسم كاتبها، ولا مكان نسخها أو تاريخه.
وهي محفوظة -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو، تحت رقم: (١٣٤٥/ ٢١٩٠).
النسخة الرابعة:
تقع في (١٩٥) ورقة، مكتوبة بخط نستعليق، ولا يُعرف اسم كاتبها، ولا
стр. 121
مكان نسخها أو تاريخه.
وعليها ما يفيد ملكيتها للحافظ سابت أحمد عبد الصمد، في سنة ١٢٨٢ هـ/ ١٨٦٦ م.
وهي من أوقاف سالم أفندي مفتيتش.
وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو، تحت رقم: (١٣٦٠/ ٢١٩١).
النسخة الخامسة:
تقع في (١٣٤) ورقة، مكتوبة بخط نستعليق، ولا يُعرف اسم كاتبها، ولا مكان نسخها أو تاريخه.
وهي محفوظةٌ - حالياً - في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو، تحت رقم: (١٦٢٦/ ٢١٩١)، وقد نُقلت إليها من مكتبة ألجي إبراهيم باشا (الفيروزيَّة) بترافنيك.
النسخة السادسة:
تقع في (١٩٩) ورقة مكتوبة بخط نسخي غالباً، تعليقي أحياناً، كتبها الناسخ يحيى بن صالح، ولم يُذكر مكان نسخها أو تاريخه.
وعليها ما يفيد ملكيتها لسليمان بن مراد، في سنة ١٢٢٣ هـ/ ١٨٠٨ م.
وهي من أوقاف إبراهيم بييفو، على مكتبة جامع السلطان بسراييفو في سنة ١٢٣٢ هـ/ ١٨٨٧ م.
وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو، تحت رقم: (١٨٨٧/ ٢١٩٤)، وقد نُقلت إليها من مكتبة شهدي أفندي.
النسخة السابعة:
تقع في (١١٨) ورقة مكتوبة بخط تعليقي، يرجع إلى سنة ٩٨٠ هـ/ ١٥٧٢ م، ولا يُعرف اسم كاتبها ولا مكان النسخ.
стр. 122
وقد جاء في آخر المخطوط، بخط الشيخ محمَّد الخانجي ما نصُّه: " ... فُرغ من قراءته وتدريسه لأصحابه فقير رحمة ربه، وأسير وسمة ذنبه، محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن صالح بن محمَّد الخانجي البوسنوي، عفا الله عنه وعن والديه وأجداده، وغفر له ولهم بمنه وكرمه، في أواسط ذي الحجة الشريفة من سنة إحدى وستين وثلاثمئة وألف، في مدينة سراي بوسنة، صانها الله تعالى وجعلها دار أمن وإيمان ومأوى للإسلام وأهله إلى يوم القيامة، إنه وليُّ الإِسلام وأهله. قاله بلسانه وكتبه ببنانه، الفقير إلى الله تعالى محمَّد بن محمَّد الخانجي ... ".
وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو، تحت رقم: (٢٢٧١/ ٢١٩٥)، وقد نُقلت إليها من مكتبة الشيخ محمَّد الخانجي (خانجيتش).
النسخة الثامنة:
تقع في (١٦٤) ورقة مكتوبة بخط تعليقي دقيق، ولا يُعرف اسم كاتبها، ولا مكان نسخها أو تاريخه.
وهي محفوظةٌ حالياً في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك بسراييفو، تحت رقم: (١٩٧٣).
جزء من الكتاب:
كما يوجد جزء مستخرج من كتاب "الجامع الصغير من حديث البشير النذير".
للسيوطي، جمَعَ أحاديث الشمائل من "الجامع الصغير" في تسع وعشرين ورقة (١٠١ - ١٣٠)، مكتوبة بخطِّ نسخيٍّ، كتبها الناسخ علي بن بيري بن يوسف، في سنة ١٠٣٤ هـ/ ١٦٢٥ م، في حصن (بدرنش)، وهي من أوقاف ألجي إبراهيم باشا، محافظ البوسنة في زمنه.
وهي محفوظةٌ -حالياً- في خزانة مخطوطات مكتبة المغازي خسرو بيك
стр. 123
بسراييفو، ضمن مجموعٍ تحت رقم: (٨٨١/ ٦) وقد نُقلت إليها من مكتبة ألجي إبراهيم باشا) الفيروزيَّة (بترافنيك).
* وذكر الإِمام محمَّد بن جعفر الكتاني في الرسالة المستطرفة صـ ١٨٢ أن الجوامع الثلاثة للسيوطي، وهي الصغير، وفيه -على ما قيل- عشرة آلاف حديث وتسعمائة وأربعة وثلاثون حديثاً، في مجلد وسط وذيله المسمى بزيادة الجامع وهو قريب من حجمه، والكبير وهو المسمى بجمع الجوامع، قصد فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها، والمشاهدة تمنع ذلك على أنه توفي قبل إكماله، وهي مرتبة على الحروف، عدا القسم الثاني من الكبير، وهو قسم الأفعال؛ فإنه مرتب على المسانيد، ذاكراً -عقب كل حديث- مَنْ أخرجه من الأئمة، واسم الصحابي الذي خرج عنه، وقد رتب الثلاثة على الأبواب الفقهية الشيخ علاء الدين علي، الشهير بالمتقي حسام الدين عبد الملك بن تاخي خان الهندي، ثم المدني القادري الشاذلي الجشتي المتوفى بمكة في سنة ٩٧٥ هـ.
تساهل السيوطي:
أما بالنسبة لتصحيحات السيوطي ورموزه في الجامع الصغير، فإن من اطلع على النسخ خطية للجامع الصغير، وجد اختلافاً كبيراً بين النسخ الخطية مع بعضها بعضاً، وبين النسخ الخطية والمطبوع، ولو قارنت بين النسخ المحققة والمطبوعة؛ لوجدت اختلافاً أيضاً في رموز التصحيح والتضعيف، مما يدلك على أن هذه الرموز إما أن تكون من غير السيوطي إلا بعضها فمن وضع السيوطي وهذا فيما اتفقت عليه النسخ، أو جزم المناوي في شرحه أنها من رمز السيوطي -أو أن يكون النساخ للجامع الصغير قد تصرفوا في الرموز، فسبق نظرهم إلى حديث، فوضعوا رمزه لحديث آخر و .. و .. الخ.
ثم إن المقصد من الجامع الصغير أن ينفع الخطباء والوعاظ والفقهاء، ومعلوم عند المحدثين أن الاستدلال بالحديث الضعيف -في فضائل الأعمال-
стр. 124
جائز، ووجود بعض الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة جداً لا ينزل من مقام الكتاب ولا صاحبه شيئاً، إذ أنها قليلة مقابل عدد الأحاديث الموجودة في الجامع الصغير ولا تشكل -نسبياً- شيئاً، فقد استدرك ابن الجوزي على مسند الإِمام أحمد ﵀ أحاديث رآها موضوعة، وتتبعه ابن حجر والسيوطي، ولم يضر ذلك المسند شيئاً؛ لأن الأحاديث المستدركة عليه قليلة جداً -والله أعلم-.
قال المناوي في تعقباته على السيوطي في شرحه للجامع الصغير (١/ ٤٠): " ... وقد أكثر المؤلّف في هذا (الجامع الصغير) من الأحاديث الضعيفة".
وقال: "على أنه كان ينبغي له -أي المؤلف- أن يعقب كل حديث بالإشارة بحاله بلفظ صحيح أو حسن أو ضعيف في كل حديث، فلو فعل ذلك؛ كان أنفع وأصنع، ولم يزد الكتاب بها إلا وريقات لا يطول بها".
وأما ما يوجد في بعض النسخ من الرمز إلى الصحيح والحسن والضعيف بصورة رأس صاد وحاء وضاد، فلا ينبغي الوثوق به لغلبة تحريف النسَّاخ على أنه وقع له ذلك في بعض دون بعض -كما رأيته بخطه- فكان المتعين ذكر كتابة صحيح أو حسن أو ضعيف في كل حديث. قال الحافظ العلائي على من ذكر حديثاً اشتمل سنده على من فيه ضعف أن يوضح حاله خروجاً عن عهدته، وبراءة من ضعفه. انتهى.
وقال الغماري في المُغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير عن السيوطي: "ومنها أحاديث لم يَظن هو أنها موضوعة؛ لأنه متساهلٌ في ذلك غاية التساهل، فلا يكاد يحكم على حديثٍ بالوضع إلا إذا دعته الضرورة إلى ذلك وما عدا ذلك فإنه يتساهل في إيراد الحديث الموضوع، بل وفي الاحتجاج به أيضاً".
وقال الألوسي رحمه الله تعالى في كتابه "غاية الأماني" (١/ ٥١) ناقلاً عن الشيخ بدر الدين الحلبي في كتابه "الإرشاد والتعليم":
стр. 125
وفي تنوير الحوالك لجلال الدين السيوطي، الذي رد به على منكري رؤيته ﷺ بعد وفاته في اليقظة طرف من ذلك [أي من القصص التي فيها التقاء بعض الناس بالنبي ﷺ بعد موته]، وكل ما أتى به لا دليل فيه، وأطال الكلام في ذلك ثم قال: وقد ذكر عن السلف والخلف وهلم جرا ممن كانوا رأوه في النوم، فرأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين، فأخبرهم بتفريجها، ونص لهم على الوجوه التي منها فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص، انتهى المراد منه.
وليت شعري لم كان عثمان يطلب شاهديْن من كل مَنْ أتاه بآية يشهدان على أنها من القرآن، وهلا رأى النبي ﷺ يقظة وسأله عن تلك الآية، وهو -وسائر الصحابة- أحق ممن ذكر بهذه الفضيلة.
وقد وقع بينهم من الاختلاف ما لم يره أحد منهم ويدفع إشكاله!
والسيوطي ﵀ كان فيما ألفه من الكتب حاطب ليل، في كل كتاب له مذهب ومشرب، وما أتى به في كتابه هذا لا يعول عليه، كما سيرد عليك مردودا وذكر الشيخ الألباني في كتابه "تمام المنة" ص: ٢٩.
أن السيوطي معروف بتساهله في التصحيح والتضعيف، فالأحاديث التي صححها أو حسنها، وفيها قسم كبير قد ردها عليه الشارح المناوي، وهي تبلغ المئات، إن لم نقل أكثر من ذلك، وكذلك وقع فيه أحاديث كثيرة موضوعة، مع أنه قال في مقدمته: وصنته عما تفرد به وضاع أو كذَّاب، وقد تتبعتها بصورة سريعة، وهي تبلغ الألف -تزيد قليلاً أو تنقص كذلك- وأرجو أن أوفق لإعادة النظر فيها وإجراء قلم التحقيق عليها، وإخراجها للناس. ومن الغريب أن قسماً غير قليل فيها شهد السيوطي نفسه بوضعها في غير هذا الكتاب، فهذا كله يجعل الثقة به ضيقة، نسأل الله العصمة، ثم يسر الله ﵎ فجعلت "الجامع الصغير وزياداته" المسمى بـ "الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير"
стр. 126
قسمين: "صحيح الجامع ... " و"ضعيف الجامع ... " وعدد أحاديث "صحيح الجامع" (٦٤٦٩) حديث والموضوع منها (٩٨٠) حديث على وجه التقريب وهو مطبوع -كالصحيح والحمد لله تعالى-.
وقال أبو الحسنات، محمَّد عبد الحيّ اللكنوي (ت: ١٣٠٤ هـ) (١): "أما السيوطي: فهو الحافظ المطلع الجمّاع المنقطع النظير، وهو أوسع العلماء الأجلّة الذين ذكرتهم، تساهلاً في إيراد الحديث الضعيف، والتالف، والموضوع وشبهه في كتبه ورسائله. وإن كان قد عزم - رحمه الله تعالى- أن يصون كتابه الخيِّر: "الجامع الصغير من حديث البشير النذير" عن الحديث الموضوع حيث قال في فاتحته: " ... وصنته عما تفرد به وضّاع أو كذّاب". فإن هذا العزم لم يتم له الوفاء به، فقد وقع منه في: "الجامع الصغير" نفسه -وفي غيره من كتبه أيضاً- أحاديث كثيرة هي من الحديث الموضوع، كما نبّه عليها شراحه، كالشيخ المناوي في شرحه: "فيض القدير شرح الجامع الصغير".
وأضاف اللكنوي: "والأحاديث الموضوعة التي وقعت للحافظ السيوطي ﵀ في "الجامع الصغير" كثيرة غير قليلة -كما سيأتي بيان عددها- وبعضها قد حكم السيوطي نفسه بوضعه في كتابه: "ذيل اللآلئ". ونبّه اللكنوي إلى عيب قائل في مؤلف: "الجامع الصغير" بقوله (ص ١٢٧): "وأما ما يوجد في بعض النسخ من الرمز إلى "الصحيح"، و"الحسن"، و"الضعيف"، بصورة رأس: (ص)، و (ح)، و (ض): فلا ينبغي الوثوق به، لغلبة تحريف النُّسّاخ! ".
وقد عدّ الغماري عدد الأحاديث الموضوعة المتبادرة الوضع؛ فبلغت عنده ٤٥٦ رواية، بدون تقصٍّ. قال المعلق: "وهي أكثر من ذلك بكثير لمن رام
стр. 127
الاستقصاء بشروط النقد الموضوعي الصارم المتعددة التخصصات، على ما دأبنا على انتهاجه في غير ما مؤلف من مؤلفاتنا في مثل هذه الموضوعات" (١).
لذلك يجب عدم الاعتماد على الرموز التي يوردها السيوطي في كتابه "الجامع الصغير" أو أقواله -عامة- في الموضوع للعوار الذي يعتريها من هذين الجانبين: جانب الحكم على الأخبار، وجانب تصحيفات النساخ وتحريفاتهم. وإيرادنا لها إنما هو استئناس لنحكم عليها -نحن- بما تستحقه فعلاً.
فالسيوطي إذن: له منهج يستقل به مخالف لمنهج الأئمة المتقدمين المعتدلين، فحينما يرى حديثاً فيه ضعف شديد -وهو الذي فيه راوٍ متروك، وما إلى ذلك- يقول: يمكن أن يرتفع ضعفه بتعدد طرقه، وهذا منهج السيوطي وقد صرح به في ألفيته وفي "التدريب".
لهذا تداولته أيدي العلماء والطلاب في كل زمان ومكان، على اختلاف درجاتهم، وتباين مشاربهم، وتباعد اختصاصاتهم، فلا يكاد يستغني عنه المحدّث، فضلا عن الفقيه والخطيب والأديب.
إلا أن المؤلف ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة بل الموضوعة والباطلة، فلذلك كان لا بد لأهل العلم أن يتداركوا إشاعة تلك الأحاديث على الناس، ولهذا كان كتاب "الجامع الصغير" بحاجة إلى العناية ببيان درجات الأحاديث؛ لأن ثقة الجماهير وتداولهم للكتاب جعلهم يعتمدون على رمز السيوطي في آخر الحديث بما يستحقه من صحة أو حسن أو ضعف؛ لأن الرموز المشار إليها لا يجوز الاعتماد عليها؛ لأنها قد طرأ عليها التحريف والتغيير من النساخ أو الطباع، وقد ترك المؤلف كتيراً من الأحاديث بدون رموز (٢).
стр. 128
كتابنا "التنوير شرح الجامع الصغير" للإمام الصنعاني:
إن كتب شروح الأحاديث كثيرة إلا أن غالب مَنْ يتكلم على الأحاديث، إنما يتكلم عليها من حيث إعرابها والمفهوم من ظاهرها، وليس في ذلك كل الفائدة، إنما الشأن في معرفة مقصوده ﷺ وبيان ما تضمنه كلامه من الحكم والأسرار بياناً تعضده أصول الشريعة، هذا ما فعله الصنعاني في شرحه هذا، كما أنه لم يكثر من نقل الأقاويل والاختلافات، إنما بيّن المراد بعبارة وجيزة مختصرة، وفيما يلي بعض محاسنه:
١ - اغترَّ كثير من العلماء برموز السيوطي في الجامع الصغير (ص) للصحيح (ح) للحسن (ض) للضعيف، وهذه الرموز لا يُوثق بها ولا يُعتمد عليها، وذلك للأسباب التالية:
أ- قد طرأ عليها التحريف والتغيير من النساخ.
ب- سقطت بعض رموز أحاديث الكتاب من الناسخ؛ فلم تُذكر -خلافاً- لنسخة المؤلف وبعض أحاديثه إذ وقع الرمز لها مختلفاً عما في الأصل، وذلك لقرب تشابه الحروف.
وسواء كان هذا أو ذاك، فهو مما يضعف الوثوق بهذه الرموز ويوقع المستفيد في اللبس. ولهذا وأمثاله -مما فيه فائدة- جاء الصنعاني ﵀ فخدم الكتاب خدمة مميزة واعتمد على عدة نسخ من الجامع الصغير منها نسخة السيوطي نفسه، فقد صرّح في مواضع كثيرة عن ذلك، إذ قال الصنعاني: "ومن غرائب الشارح أنه شرح على أصل فيه عن "فاطمة" بسقوط لفظ "أبي" فقال: الزهراء، وهو غلط صريح فاعجب".
وقال في موضع آخر: "هب عن أنس": هكذا في نسخ الجامع الصحيحة ... وهو شرح على أصل غير معتمد لذا فإنه ذكر أنه رمز المصنف بكذا وكذا أشياء ما رأيناها.
стр. 129
وقال أيضاً: فالله أعلم، كيف شرح على أُمّ كثيرة الغلط. وقال: وهذا من ضعف أصله الذي شرح عليه.
وقال: "وهو مما نبهناك أنه شرح على أصل غير صحيح ... "، وقال في موضع آخر: "رمز المصنف لضعفه فيما رأيناه مقابلاً على خطه"، وقال الشارح (المناوي): "رمز لصحته؛ لأننا تتبعنا ما ينقله الشارح من ذلك، فوجدناه غير مطابق لما قوبل، فقد رأينا اختلافاً كثيراً في النسخ في ذلك".
فيمكن الاعتماد على الرموز التي أثبتها الصنعاني؛ لأنه اعتمد على نسخة المؤلف، ونسخ أخرى مقابلة على نسخة المؤلف، فهذه ميزة عظيمة لهذا الكتاب.
٢ - يتميز الصنعاني بعقيدة صحيحة صافية، عقيدة أهل السنة والجماعة، وبخاصة في الأسماء والصفات، فلا يُرى التأويل والتفويض وقد رد كثيراً على المؤولين والمفوضين.
٣ - وقد اعتنى الصنعاني -كثيراً- بكشف علل الأحاديث، حيث تكلم على علل الأحاديث كثيراً، ومنها: الاختلاف على الراوي، والاختلاف بين الرواة في الضبط والحفظ، والاختلاف في الرفع والوقف، وغيرها من أنواع العلل.
٤ - حكم الصنعاني -غالباً- على الأحاديث، أو نقل عن المناوي أو عن غيره الأحاديث التي لم يرمز لها السيوطي تصحيحاً أو تحسيناً أو تضعيفاً.
٥ - نقد الصنعاني صاحب الجامع الصغير كثيراً، فالأحاديث التي رمز لها السيوطي بالصحة أو الحسن أو الضعف وهي في نقد الصنعاني معلة أو فيها ضعف، فقد بيّن ذلك، فأجاد وأفاد.
٦ - تكلم على الرواة بذكر ما لهم وما عليهم، وضبط أسماءهم -إن كانت تحتاج إلى ضبط- وذكر مَنْ عدَّلهم أو جرحهم، وكشف حال من احتاج إلى ذلك، ثم بعد ذلك حكم على الحديث بما يليق به.
стр. 130
٧ - اعتنى بشرح الألفاظ الغريبة الواردة في الأحاديث التي تحتاج إلى شرح، وضبطها.
٨ - يذكر -غالباً- الأحكام الفقهية والعقدية المستنبطة من هذا الحديث، ويذكر -أيضًا- فوائد مهمة وتنبيهات جديدة، على التحقيق والتدقيق، وبيان الراجح.
٩ - يبيّن الأوهام التي وقع فيها من سبقه، سواء كانت في الشرح أم الضبط أم الإبدال أم الخطأ في عزو الأحاديث.
١٠ - أطال في شرح بعض الأحاديث وأجاد، وأتى في شرحه بنوادر ودرر.
١١ - هو -فيما- أرى أفضل شرح من الشروح المعروفة للجامع الصغير، من حيث غزارة مادته، وسهولة ترتيبه، واشتماله على أحاديث في كل باب، هذه الميزات كلها قد جعلته كتاباً قيماً يحتاج إليه المتخصص وغيره.
عملي في الكتاب:
الكتاب مخطوط كان حبيس أدراج بعض المكتبات، لم ير النور، فصوّرته ونسخته ثم حققته.
- ضبطت نصَّه.
- وحددت مكان كلِّ حديث -في مصدره- بالدقة والتفصيل.
- وقمت بتوضيح كلِّ غامض.
- وتوثيق كل نقل، وعزو كل قول إلى قائله، فعلت ذلك كله على سبيل التفصيل والتحقيق.
- وعلقت على بعض ما يحتاج إلى تعليق.
- قمت بعزو الأحاديث كلها إلى مظانها من كتب الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد والأجزاء والمشيخات وغيرها، التي يرمز إليها السيوطي ويضيفها الصنعاني، وقمت بذكر رقم الحديث فقط، ورقم الجزء والصفحة -إن لم يوجد له رقم-.
стр. 131
- قمت بعزو النصوص والاقتباسات إلى الكتب التي نقل منها المؤلف، بخاصة عند تصريح المؤلف بالمصدر الذي نقل منه، فإن لم يصرح اجتهدت في معرفة ذلك.
- ترجمت للرواة الواردين في النص -أحياناً- إن كان الواقع يقتضي ذلك، فإن كانوا من رجال الكتب الستة؛ فالاعتماد في ذلك على "تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر -غالباً-، وأضيف إليه "تهذيب الكمال" -أحياناً-، وإن لم يكونوا من رجال الكتب الستة، فإنني أنقل أقوال العلماء فيهم من كتب الجرح والتعديل التي بين يدي.
- قمت بتخريج الأحاديث التي ذكرها الشارح عَرَضاً في أثناء النص. وحكمت عليها، وقد يفوتني تخريج بعضها أو الحكم على بعضها، إما لتكرارها وأكون قد خرّجتها وحكمت عليها في مكان واعتمدت على هذا، أو لسهو أو نسيان، أسأل الله تعالى أن يغفر لي ما قصّرت فيه.
- وقد اعتمدت في الحكم على الأحاديث على كل من خدم الجامع الصغير شرحاً أو حكماً فكل من وجدت عنده فائدة استفدت منها، وقد أسهو ذكر مصدر الحكم. بالنسبة لأحاديث الجامع الصغير، قام الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني ﵀ بتقسيمها إلى صحيح وضعيف، وقد ذكرت حكمه على الأحاديث جميعها معتمداً على الكتابين: صحيح الجامع الصغير وضعيف الجامع الصغير، وأضفت ما في سلسلتيه -إن كان الأمر يحتاج إلى ذلك-. إضافة إلى حكم المناوي في كتابيه: فيض القدير والتيسير شرح الجامع الصغير.
- أضفت ما كان من زيادة ضرورية في النص، مما أراه ساقطاً من الأصل، وجعلته بين معقوفتين.
- قمت بضبط الكلمات التي تحتاج إلى ضبط بالشكل.
- تعقبت المؤلف فيما سها عنه من تأويلات بعض النصوص العقدية التي لا يحسن السكوت عليها، وتعقبته فيما شطح فيه، مبيناً وجه الحق والصواب من أقوال علماء السلف بإيجاز.
стр. 132
والكتاب ديوان عظيم، برز فيه الجهد والجد الذي يتميز به المؤلف ﵀ وظهرت فيه شخصيته من خلال كثرة أحكامه على الأحاديث، أو الرواة أو المسائل الفقهية أو العقدية الكثيرة. واعتنى عناية كبيرة في بيان الفروق بين النسخ من الجامع الصغير وبين شرحي المناوي، وذكر الرموز التي رمز بها السيوطي على الأحاديث لبيان حكم الحديث.
وصف النسخة المعتمدة في التحقيق:
لمَّا كان من المسلّم به اهتمام كل محقق بجمع النسخ الخطية للكتاب المراد تحقيقه؛ للاطلاع عليها، واختيار ما يصلح للاعتماد، ليخرج النص سليماً قويماً؛ فقد سعيت ببذل جهدي للوصول إلى ما يمكن من نسخ هذا الكتاب.
وبعد جولة في فهارس المكتبات، وجدت أن للكتاب المراد تحقيقه نسخةً واحدةً، وهي الوحيدة الكاملة التي جعلتها أصلاً للتحقيق، وهي التي أملاها المؤلف على ابنه، ثم قرئت على المؤلف غير مرة؛ لأنه ورد في مواضع: "بلغ المواجهة الرابعة"، وأضاف بعض التعليقات عند تلك المراجعات -ذكرتُها كلها في الحاشية، وهي محفوظة في مكتبة الأحقاف/ مجموعة الكاف برقم: ١٧ حديث.
وإليك وصف النسخة المعتمدة:
الجزء الأول: نسخة مجدولة نسخت بقلم نسخي مهمل النقط أحيانا، نسخها بعناية المؤلف ابنه في سنة ١١٥٨هـ، والنسخة مقابلة، وكتب المتن بالحمرة، وبها آثار الرطوبة، وعليها تملك/ عمر بن إبراهيم بن مؤسس السندي من عام ١٢٤٩ هـ. عدد أوراقها: ٢٤٦ ورقة، ٣٢ سطراً، ومقاس الصفحة ٢٢ × ٣١ سم، وجاء في صفحة العنوان: هذا السفر العظيم لديّ عارية لسيدي مولاي العلامة الأورع الدرة الثمينة من أبناء البطين/ محمَّد بن إسماعيل الأمير حفظه الله تعالى، بتاريخ شهر ربيع آخر ١١٧٠هـ، وكتبه الفقير إلى الله تعالى / محمَّد بن عز الدين محسن النعمي لطف الله به.
стр. 133
وكذلك على الصفحة الأولى من المجلد الأول: من شعر المولى العلامة محمَّد بن زيد بن المتوكل كان الله له، ثم أجاب عنها المؤلف وكتب بخطه: الجواب لكاتبه محمَّد بن إسماعيل الأمير عفى الله عنهما، وكتب ١٩ بيتاً.
الجزء الثاني: نسخة بخط رقعة مهمل النقط. وفي آخر هذا الجزء تغير خطها إلى تعليق، والنسخة مجدولة ومقابلة، والمتن كتب بالحمرة وبها أثر رطوبة، وليس لهذا الجزء خاتمة كما لغيره من الأجزاء، عدد أوراقها: ٣٤١ ورقة، ٣٢ سطراً، ومقاس الصفحة ٢٢ × ٣١ سم.
الجزء الثالث: نسخة بقلم معتاد مهمل النقط أحياناً، وفرغ من رقم الجزء التالث وكتبها بعناية المؤلف ابنه في سنة ١١٥٧ هـ، والنسخة مقابلة، وفي آخره قراءة: وفرغ من قراءة هذا الربع يوم الربوع ٢٠ ربيع آخر ١٢٩٧ على يد الفقير سالم بن محمَّد بن عبد الرحمن بن شيخ الحبشي لطف به. وعدد أوراقها: ١٩٢ ورقة، ٣٢ سطراً، ومقاس الصفحة ٢٢ × ٣١ سم.
الجزء الرابع: نسخة بقلم نسخي مهمل النقط أحيانا كتبها بعناية المؤلف ابنه في سنة ١١٥٨ هـ، والنسخة مقابلة، وكتب المتن بالحمرة، عدد أوراقها: ٢١٣ ورقة، ٣٢ سطراً، ومقاس الصفحة ٢٢ × ٣١ سم.
وجاء في آخر المجلد الرابع قال مؤلف الأصل الإِمام الحافظ السيوطي ﵀: فرغت منه يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الأول سنة سبع وتسعمائة فجزاه الله خيرًا وأسكنه في غرف الجنات، وعدة ما اشتملت عليه من الأحاديث النبوية: عشرة آلاف حديث وتسعمائة وأربعة وثلاثون حديثاً.
قال في الأم المنقول منها هذا: وفرغت من كتابة هذا الشرح المسمى بالتنوير في وقت الضحى من يوم الاثنين سادس شهر الحجة الحرام المنتظم في شهور سنة أربعة وخمسين ومائة وألف ختمها الله وما بعدها من الأعوام بكل خير وإنعام وسلامة وحسن ختام، وصلى الله على سيد الأنام محمد بن عبد الله وعلى آله الأئمة الأعلام، بمحروس صنعاء حرسها الله.
стр. 134
وكتب الفقير إلى الله سبحانه محمَّد بن إسماعيل بن صلاح الأمير عمر الله قلبه بتقواه وأصلح له أولاه وأخراه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وتم نقل هذا الشرح المبارك ضحوة يوم الأحد (١) تاسع عشر شهر محرم الحرام سنة ثمانية وخمسين ومائة وألف سنة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
بعناية سيدي الوالد العلامة عز الإِسلام والدين محمَّد بن إسماعيل الأمير حفظه الله وبلغه من الدارين ما يهواه وغفر لنا وإياه ما أسلفنا من الذنوب اجترحناه ووالدينا والمسلمين أجمعين بحق سيد المرسلين محمَّد ﷺ (٢) وآله أجمعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبي وكفى ونعم الوكيل.
هذا وأسأل الله -تعالى- بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن ينفعني بعملي هذا حياً وميتاً، وأن ينفع به عباده، إنه سميع مجيب، وصلى الله على خير خلقه محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
محمَّد إسحاق آل إبراهيم
الرياض - حي الريان
المملكة العربية السعودية
стр. 135
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الجامع لصفات المجد والكمال، والواهب لمن يشاء من عباده تهذيب الأخلاق والإكمال، والصَّلاة والسَّلام على من فاض من بحار معارفه الدر المنثور من الأقوال والأفعال، وعلى آله الذين حبهم ذخائر العقبى وهم لقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] سبب الإنزال، وعلى أصحابه الذين هم معالم التنزيل بلا مقال، وبحميد سعيهم ظهر فتح الباري عن قلوب المعاندين الأقفال، وهم المنهاج لسلسة رفع الأحاديث والإرسال. وبعد:
فإنَّ الله سبحانه شرف هذه الملة بحفظ دينها بأئمة الرجال، ولم يزل تعالى يظهر في كل عصر قومًا يطلعون البدور السافرة بعد أن صارت شمس المعارف من قبل في هيئة الهلال فيهتدي بضوئها الساري كل من له من فتح الودود بعض منال، منهم الإِمام الذي جعله الله تعالى تذكرة الحفاظ للنبلاء فرجح بعلومه ميزان الاعتدال، الحافظ الذي كان إيجاده إحياء لعلوم الدين، بعد أن صارت خلاصته من حملة الأطلال من لا يحتاج إلى ما ناله من الإصابة والتقريب والإتقان إلى برهان واستدلال، إذ مصنفاته مصباح الزجاجة للناظرين وقوت المغتذي، ومرقاة الصعود إلى بلوغ الكمال، وهو العلامة فخر الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي لا زال في رضوان ذي الجلال، وألف مؤلفات نفيسة وإن من أنفس ما جمعه "الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير" صلى الله عليه وعلى آله بلا انتهاء ولا زوال. فإنَّه سألني بعض الإخوان من العلماء المزين لعلمه بصالح الأعمال، وقد أخذ عنِّي من الجامع الصَّغير شطرًا صالحًا أن أكتب عليه ما أرجو أن يكون به ميزان الحسنات عند الله راجحًا، فاعتذرت لما أعلمه من نفسي من القصور عن هذا المجال، ثم إنها اتفقت فتراه في الجامع احتيج معها إلى البحث عما لا بد منه في توضيح المقال، وضبط بعض ألفاظه
стр. 136
التي لا يتضح معناها حتى يزال عنها الإشكال.
ولم يكن عند حصول المذاكرة لدينا شيء من شروح هذا الجامع التي حلَّت عن ألفاظه ومعانيه كل عقال، فكتبت من ذلك المطلوب شيئًا لنفسي أرجع إليه في بعض الأحوال، ثم يسر الله الوقوف على شرحه الذي قد بلغ الغاية في بسط الأقوال، فالتقطت من درره ما ضممته إلى ما جمعته من المقال؛ لأنفع به نفسي أولاً ومن شاء الله من الناظرين في هذا الكتاب، راجيًا من الله تعالى جزيل الثواب، طالبًا منه العفو عما ليس بصواب.
ولما كان هذا الجامع الصغير كتابًا ليس له في جمعه نظير مشتملاً من الأحاديث النبوية على الجم الغفير، كان حقيقًا بأن يصرف العالم إليه عنان العناية، فإنه لا يستغنى عنه وإن بلغ الغاية، لتقريبه للبحث عن متون الألفاظ النبوية وتسهيله، كما قاله مؤلفه لطلاب الآثار الرسولية، وقد سميت هذا الشرح بـ "التنوير على الجامع الصغير"، سائلاً من الله تعالى أن ينفع به الناظرين وأن يجعل أجره ذخرةً ليوم الدين.
قال المصنف ﵀: (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد) من الثناء بالجميل على الجميل الاختياري من إنعام كان أو غيره (لله) هو علم للذات الواجب الوجود المستجمع لجميع المحامد (الذي بعث على رأس كل مائة سنة من يُجَدِّدُ لهذه الأمة أمر دينها) البعثة: الإرسال وهي فيمن أرسله من أنبيائه ﵈، وأطلقت على غيرهم كحديث: "إنما بعثتم ميسِّرين، (١) ونحوه،
стр. 137
والمذكور هنا من ذلك، فإن هذا من المصنف اقتباس من حديث: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجَدِّدُ لها أمر دينها"، يأتي وأنه أخرجه الحاكم والبيهقي وأبو داود (١)، قال المصنف في المرقاة (٢): اتفق العلماء على تصحيحه، منهم الحاكم والبيهقي، ونص على صحته من المتأخرين الحافظ أبو الفضل ابن الحجر (٣)، وقد اختلف في معناه على أقوال، وألف فيه المصنف ﵀ مؤلفًا سماه: (التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة) وقد أشار بأن المراد
стр. 138
بالمجدد: العالم المجتهد، وقد صرح به في مؤلفاته وأنه مجدد المائة التاسعة التي كان فيها (١) وقد استوفينا الكلام عليه في (إنّ الله) حيث ذكره المصنف في حرف الهمزة مع النون، كما يأتي إن شاء الله، (وأقام في كل عصر) العصر هنا: الدهر وأراد به مجرد الزمان فإنه لا يخلو عن (من يحوط) بالحاء المهملة أي يحفظ (هذه الملة الدين بتشييد أركانها) التشييد: رفع البناء، وأركان الملة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وفي الكلام استعارة مكنية وتخييلية، (وتأييد) تقوية (سننها) طرقها، (وتبيينها) إيضاحها وإظهارها، ولا يخفى إنما ذكره مما علق الحمد به من أعظم النعم وأجلها، وتعليق الحمد بها هنا من غاية المناسبة لأنه افتتح به التأليف الذي هو من أركان الدين (وأشهد أن لا إله إلا وحده) حال مؤكدة، (لا شريك له)، تأكيد أيضاً لما قبلها، مبالغة في إثبات الوحدانية له تعالى، "شهادة" مصدر نوعي لأنه وصفها بقوله: (يزيح) أي نوعًا من الشهادة له هذه الصفة، وتزيح: بالزاي والحاء المهملة من الإزاحة وهي الإبعاد والإزالة، (ظلام الشكوك) الشك: الريبة والتركيب من باب لجُين الماء أي الشك الذي كالظلام في إيقاع صاحبه في الحيرة وعدم الهداية إلى مراده، وكذلك قوله: (صبح يقينها) أي اليقين الذي هو كالصبح في الإشراق والإنارة، والاهتداء إلى كل مراد، وكان الأحسن أن يقول: نور يقينها، ليتم له لطيفة الطباق بين النور والظلام كما أنه طابق لفظ الشكوك باليقين، (وأشهد أن سيدنا محمدًا) عطف بيان (عبده ورسوله) خبر أن (المبعوث لرفع كلمة الإِسلام) وهي كلمتا الشهادة (ومُشيِّدِها) رفعها على كل كلمة سواها، وهو عطف تفسيري لقوله: رفع كلمة الإِسلام (وخفض كلمة الكفر) المراد بها: كل كلمة تنافي الإيمان والتوحيد، (وتوهينها) تضعيفها (صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ليوث
стр. 139
الغابة) جمع ليث (١) وهو الأسد، والغابة: بالغين المعجمة والباء الموحدة هي الأجمة، والشجر الملتف تألفه الأسود قاله في الضياء (وأسد عرينها) بالعين المهملة والراء بمثناة تحتية فنون: مأوى الأسد وهذه الأربعة الألفاظ مترادفة، ولما كانت شجاعة الآل والأصحاب بها قامت قناة الدين وسيوفهم طحنت هامات المعاندين، ومدحهم الله بذلك في كتابه، خص المصنف ﵀ من صفاتهم الشريفة، هذه الصفات ولمناسبتها ما علق به الحمد من بعثه المجددين والحائيطين.
(هذا كتاب) قد علم أن اسم الإشارة موضوع للإشارة إلى ما هو محسوس، فاستعماله في غيره مجاز، وهذا منه؛ لأنه إشارة إلى ما في الذهن من المعاني المرتبة والألفاظ المتخيلة التي يراد إبرازها في التأليف، سواء ألف الكتاب قبل الخطبة أو بعدها، إن كانت الإشارة إلى المدلولات، وإن كانت إلى الدوال وهي صور الألفاظ ونقوش الكتابة، فإن كانت الإشارة بعد تأليفها فهي إشارة إليها حقيقة، ولفظ الكتاب يطلق على الصور الخطية وإن كان مجازًا.
(أودعت فيه) بالدال والعين المهملات من أودعته مالاً دفعته إليه يكون وديعة عنده، والمراد أنه جعل ما ذكر وديعة في النقوش والأوراق، (من الكلم) بكسر اللام، قال في القاموس (٢): أنه جمع كلمة (النبوية) النسبة إلى النبي (ألوفًا) جمع ألف، وقد حصر بعض من اعتنى بهذا الكتاب الجليل أحاديثه فكانت عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثون حديثًا (٣) (ومن الحكم المصطفوية صنوفًا)
стр. 140
جمع حكمة قال في النهاية (١): الحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ولا شك أن أفضل الأشياء ما جاءت به الرسل، وأفضل العلوم ما دلت عليه شرائعهم، والصنوف: جمع صنف وهو النوع وأراد أنه أتى فيه بأنواع من العلوم من ترغيب وترهيب، ووعد ووعيد وغير ذلك، فلم يكن في نوع واحد (اقتصرت فيه على الأحاديث) جمع حديث, الذي القاموس (٢): جمع حديث على أحاديث شاذ، وفي الكشاف (٣): أنه اسم جمع لا جمع، وتعقب بأنه لم يأت مثله في أوزان أسماء المجموع، (الوجيزة) من أوجز في كلامه، قلله واختصره ولم يطله يعني أنه اختار من الأحاديث في هذا الكتاب ما قل لفظه [ص:٢].
وكأنه أراد الأغلبية، وإلا فإنه أتى فيه بأحاديث مطولة جدًّا كحديث صلاة الحفظ، وحديث إني رأتيت البارحة عجبًا، يأتيان في حرف الهمزه، وغيرهما في غيره (ولخصت فيه من معادن الأثر إبريزه) التلخيص: التضييق، والتشديد في الأمر كما في القاموس (٤)، والمعادن: جمع معدن بزنة مجلس منبت الجواهر من ذهب وغيره، والآثار: جمع الأثر، وهو الحديث أيضًا، وقيل: إنه أعم, لأنه يقال للمرفوع والموقوف، والحديث اللأول فقط، لكنه لا يصح هنا أن يراد به الأعم،
стр. 141
لأنه بصدد وصف الكلم النبوية، والمراد المرفوعة، ويحتمل أن يراد به الأعم، والمعنى: أن معادن الأحاديث تجمع الموقوف والمرفوع، وأنه أخرج إلى هذا الباب المرفوع وترك غيره، ولذا شبهه بالإِبْرِيز وهو خالص الذهب، فقد شبه الآثار بالمعدن ثم صنع فيه ما صنع في لجين الماء، واستعار الإبْريز للأحاديث استعارة مصرحة، واستعمل التلخيص في معنى الاستخراج، والمعنى: واستخرجت من الآثار التي هي كالمعدن للأحاديث التي كالإبريز، والمعدن ترشيح للاستعارة (وبالغت في تحرير التخريج) ناهيت في الاجتهاد في إخراج الأحاديث التي أودعتها فيه من كتب الأئمة (فتركت القشر) بكسر القاف هو غطاء الشيء (وأخذت اللباب) قيل مراده: تجنبت الأحاديث الموضوعة، وأثبت بالصحيح والحسن، ويحتمل أن مراده حذفت الأسانيد وأثبت باللفظ النبوي الذي هو لبابها ويدل له قوله: (وصنته عما تفرد به وضَّاع) أي حفظته عن حديثما تفرد بروايته من عرف بوضع الأحاديث واختلاقها، وقد جعل أئمة الحديث الحديث الموضوع: ما طعن فيه بكذب راويه (١)، فقوله: (أو كذاب) عطف تفسيري بناء على أنه يأتي بأو، كما يأتي بالواو، وهذه الجمل على التفسير الأخير للجملة الأولى وقعت كما لاحتراز عما يوهمه حذفه إسناد الحديث، من أن يقال قد يكون فيمن حذفه من رجال الأحاديث التي تضمنها كتابه كذاب، فدفع ذلك بأنه قد صانه عن من في رجاله وضّاع أو كذّاب، وعلى التفسير الأول تكون الجملة تأكيدًا لما قبلها، والتأسيس خير من التأكيد، (ففاق) هذا الكتاب (بذلك) بجمعه لما ذكر على تلك الصفات (الكتب المؤلفة في هذا النوع) وهو إيراد متون الأحاديث مجردة عن الأسانيد مختصرة الألفاظ جامعة لأصناف
стр. 142
عديدة، سالمة عن أحاديث الوضاعين والكذابين ومن قال: إن المراد هذا مع ترتيبها على الحروف لم يصب؛ لأنه لم يتقدم وصف هذا المؤلف ولا تلك بهذه الصفة (كالفائق) كتاب ألفه العلامة بن غنام، جمع فيه الرقائق: وسماه: (الفائق في اللفظ الرائق) (١) ولا يخفى ما في فاق والفائق من جناس الاستنفاق، (والشهاب) كتاب جمع فيه متونًا من الأحاديث، القاضي أبو عبد الله القضاعي (٢)، فإن هذين الكتابين وإن جمعا من الأحاديث الرائقة المختصرة المفيدة أنواعًا، فإنهما ما خليا عن حديث وضّاع أو كذّاب، واعلم أن المصنف ﵀ قد صرح أن كتابه هذا خلا عن أحاديث من ذكر من أهل الوضع والكذب، وهذه الشريطة ما تم مفاده بها، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، ولأنه قال في خطبة الجامع الكبير (٣): إنما كان من الأحاديث منسوبًا للبيهقي في "الضعفاء" ولابن عدي في الكامل، وللخطيب في تاريخه، ولابن عساكر في تاريخه، وللحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وللحاكم في تاريخه، ولابن الجارود في تاريخه، أو للديلمي في مسند الفردوس، فهو ضعيف وأنه سيغني بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه، هذا معنى كلامه. والضعيف يشمل الموضوع شمول الأعم للأخص.
ثم اعلم أنها توجد رموز على رموز الكتب المخرجة منها الأحاديث: رمز الصحيح والحسن والضعيف وهي من المصنف كما صرح به شارحه ويوجد
стр. 143
في نسخ: الرمز للموضوع بلفظ (ضع)، إلا أنها تتعين أنه ألحقها غير المصنف من الناظرين في كتابه الذين وجدوا الحديث فيه موضوعًا، إذ من البعيد أن يصرح في الخطبة أنه جرَّده عن أحاديث الوضَّاعين ثم يرمز لبعض أحاديثه أنه موضوع.
ثم اعلم أنا وجدنا كثيراً مما يحكم له المصنف برمز الصحة أو الحسن أو الضعف ليس كما قاله وستمر بك كثير من ذلك [ص: ٤] في هذا الشرح إن شاء الله تعالى، (وحوى) بالحاء المهملة جمع (من نفائس الصناعة الحديثية ما لم يودع قبله في كتاب) من ذلك عزو الحديث إلى موضعه من كتب الأئمة، وذكر صحابيه الراوي له، والغنية عن التصريح باسم المخرج للاكتفاء برمزه ويعدد الرمز إذ تعدد المؤلف اسم مفعول مع اتحاد المؤلف اسم فاعل كما في رموز البخاري والطبراني بألطف عبارة وأوضح رمز مع استطراد ذكر الغرابة أو نحوها من الوقف والإرسال والإعضال ونحو ذلك، وكالتصحيح والتحسين والتضعيف. (ورتبته على حروف المعجم) أي جعلت منازل الأحاديث منزلة على منازل حروف المعجم الأول فالأول، وفي القاموس: المعجم كالمُدْخل أي من شأنه أن يُعْجم، يقال: أعجم فلان الكتاب أي نقطه، يريد أن همزته للسلب، وسمّيت جميعها حروف المعجم لأن فيها ما يعجم فالتسمية تغليب، وحروف المعجم قد جمعها العلامة المقري في بيت أراد تقريب البحث للناظرين في القاموس، فقال:
جمعت حروفًا رتب الشيخ سفره ... عليهن في بيت من الشعر محكم
أبت ثجح خد ذرز شمص منط ... ظغ عفق كلم نوهي فاعلم
(مراعيًا) حال من فاعل رتبت مراعيًا في الترتيب (أول الحديث فما بعده) أي ما بعد الأول فإذا كان أوله همزه فألف قدمه، كما في آخر أو همزه فباء موحدة كان بعد الهمزة فالألف، وإذا كان بعدها باء مثناة كانت بعدها، ثم كذلك إلى
стр. 144
آخر الحروف، ولقد قربه بهذا أتم تقريب فجزاه الله خيرًا.
(تسهيلاً على الطلاب) نصب على أنه مفعول له، وهو علة لقوله رتبته، ويحتمل أنه علة لجميع ما سلف من قوله أودعت فيه إلى آخره، إذ الكل تسهيل للآخذين والناظرين فيه، وسميته: (الجامع الصغير من حديث البشير النذير) صفتان لموصوف يُعينه المقام، وهو محمد ﵌، ووجه التسمية بذلك ما عللها به من قوله: (لأنه مقتضب) اسم مفعول من اقتضبته إذا اقتطعته فهو مقتطع (من الكتاب الكبير الذي سميته جمع الجوامع) لأنه جمع كل جامع قبله. (وقصدت فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها) بجميعها، وهذا بحسب ما اطلع عليه المصنف ﵀ لا بحسب ما في نفس الأمر، إلا أنه قد جمع فيه فأوعى، وما فاته إلا ما هو خاف نادر، قال في خطبة (الكبير) (١): هذا كتاب شريف حافل، ولباب منيف رافل بجميع الأحاديث النبوية كافل، قصدت فيه إلى استيعاب الأحاديث النبوية، وأرصدته مفتاحًا لأبواب المسانيد العلية، ثم قسمته إلى قسمين قسم في الأقوال، وقسم في الأفعال، فهذا الكتاب تلخيص للقسم الأول منه، (وهذه رموزه) أي الكتاب، أو الجامع الصغير, وأضافها إليه لنفعها بمعية إلا فإنها رموز لمن جعلت علامة لاسمه من الأئمة، وهي جمع رمزة بسكون الميم، وقد يحرك ويفتح أوله وقد يضم وهي الإشارة أو الإيماء بالشفتين أو العينين أو الحاجبين أو الفم أو اليد أو اللسان، أفاده القاموس (٢)، وقد نقل هنا إلى الإشارة ببعض حروف الكلمة إليها، فيقرأ المملي الاسم المرموز إليه به لا الرمز؛ لأنه غير مراد لنفسه، بل للدلالة والإشارة إلى غيره، مثاله أن ينتهي إلى صورة ق فيقرأ متفق عليه.
стр. 145
واعلم أن المصنف ﵀ نقل في كتابه هذا عن اثنين وعشرين إمامًا، من أئمة السنة النبوية، أعني الذين جعل لهم الرموز، وإلا فقد نقل فيه عن عالم لا يحصون، إلا أن هؤلاء هم العمدة فيه، ولا غنى للناظرين عن معرفتهم بذكر تراجمهم وسطرًا من أحوالهم، فإن معرفة من أخرج هذه الأحاديث ونقلها ثم تبعه المصنف في الأخذ من كتابه مكتفياً فيه بالنسبة إليه مع حذفه لأسانيدها مما يبعث الناظر إلى البحث عن مؤلفها، وقد ذكر ابن الأثير في كتابه (جامع الأصول) (١) تراجم الأئمة الستة الذين جمع كتابه من كتبهم في صدر كتابه، وتبعه على ذلك الحافظ ابن الديبع في كتابه (تيسير الوصول) (٢).
فلنسرد رموزهم أولاً ثم تراجمهم ثانيا، معتمدًا في نقل تراجمهم على (التذكرة) لأبي عبد الله الذهبي، أمَّا الرموز فإنها التى ساقها المصنف:
(خ: للبخاري) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي صاحب كتاب (الصحيح) شيخ الإسلام، وإمام هذا الشأن المقتدى به فيه، في جميع البلدان [ص: ٥].
ولد في شوَّال سنة أربع وتسعين ومائة، وأول سماعه للحديث سنة خمس ومائتين، صنَّف وحدَّث، وما كان في وجهه شعرة، وكان رأسًا في الذكاء، رأسًا في العلم، رأسًا في الورع والتعبد، رحل في طلب الحديث إلى سائر محدثي الأمصار، وقال: كتبت عن أكثر من ألف رجل، قال البخاري: لما بلغت ثماني