- حديث رقم (٨٠): قال الصنعاني: "كتب عليه المصنف ضعيف".
كما أشار الصنعاني إلى أن السيوطي قد رمز على بعض مخرجي الحديث ويعني بهذا أن الحديث الذي أخرجه المرموز عليه صحيح أو حسن أو ضعيف حسب الرمز. وإليك بعض الأمثلة للأحاديث التي أخرجها أكثر من واحد وكان رمز الحكم على أحد هؤلاء:
- حديث رقم (٢٨٦٧) "ألا أعلمك كلمات من يرد الله به خيراً يعلمهن إياه، ثم لا ينسيه أبداً؟ قل: اللهم إني ضعيف فقوني رضاك ضعفي ... ".
قال الصنعاني: رمز المصنف لصحته على الحاكم". قلت: مع أن عليه رموزاً أخرى: (طب ع ك).
- حديث (٢٨٦٨) "ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع من علمته؟ صلِّ ليلة الجمعة أربع ركعات". رمز المصنف على الطبراني بالصحة عن ابن عباس. قلت: مع أن عليه رموزاً (ت طب ك) ".
- حديث (٢٨٧١) "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب، والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ذكر الله".
قال الصنعاني: رمز المصنف على ابن ماجه بالصحة. قلت: مع أن عليه رموزاً (هـ ك) عن أبي الدرداء. (ت هـ ك) عن أبي الدرداء.
- حديث رقم (٢٨٩٤) "إياكم والغلو في الدين ... " قال الصنعاني: رمز المصنف على النسائي بالصحة عن ابن عباس مع أن عليه رموزاً هي (حم ن هـ ك).
- حديث رقم (٢٩١٣) "إياكم والكبر، فإن الكبر يكون في الرجل".
قال الهيثمي: رجاله ثقات، وقال الصنعاني: فالعجب من المصنف حيث أفرده عن الرمز بالحسن والصحة.
стр. 72
- حديث (٢٩٢٩) "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق -من غير ما بأس- فحرام عليها رائحة الجنة".
قال الصنعاني: رمز المصنف بالصحة على ابن حبان، وقال الترمذي حسن غريب وقال الحاكم: على شرطهما وأقره الذهبي وابن حجر وصححه ابن خزيمة وابن حبان. ورموزه (حم د هـ ت حب ك) عن ثوبان.
- حديث رقم (٢٩٣٢) "أيما إهاب دبغ فقد طهر".
قال الصنعاني: رمز المصنف على الترمذي بالصحة وهذا الحديث في مسلم وهو مما انفرد به عن صاحبه.، ورموزه (حم ت ن هـ) عن ابن عباس.
- حديث رقم (٢٩٥٥) "أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها، خرق الله عنها ستره".
قال الصنعاني: رمز المصنف لصحته على الطبراني ورموزه (حم طب ك هب) عن أم سلمة.
- حديث رقم (٢٩٥٦) "أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها؛ فهي زانية، وكل عين زانية" (حم ن ك) عن أبي موسى. رمز المصنف لصحته على النسائي. وقال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي.
- حديث رقم (٣٠٥٨) "الأكل في السوق دناءة". (طب) عن أبي أمامة (خط) عن أبي هريرة".
قال الصنعاني: مما أغفله المصنف عن الرمز. مع أن عليه ض.
- حديث رقم (٢٨١٥) "أول من أشفع له يوم القيامة من أمتي أهل بيتي، ثم الأقرب فالأقرب من قريش، ثم الأنصار -ثم من آمن بي واتبعني من اليمن، ثم من سائر العرب ثم الأعاجم، ومن أشفع له أولاً أفضل". (طب) عن ابن عمر".
قال الصنعاني: رمز المصنف لصحته، وقال الهيثمي: "فيه مَنْ لم أعرفهم".
стр. 73
ثم قال الصنعاني: "فالعجب تصحيح المصنف له، وله نحو هذا كثير. مع أن في المطبوع ض".
- حديث رقم (٢٨٢٩) "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أتمها؛ كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته؟ ثم الزكاة -كذلك- ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك". (حم د هـ ك) عن تميم الداري".
قال الصنعاني: رمز المصنف على ابن ماجه بالصحة مع أن في المطبوع صح.
- حديث رقم (٢٨٤٢) "ألا أخبركم بخيركم من شرُّكم؟ خيرُكم من يرجى خيرُه ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره" (حم ت حب) عن أبي هريرة".
قال الصنعاني رمز المصنف بالصحة على أحمد، قال الذهبي في المهذب: سنده جيد.
- حديث رقم (٢٨٤٦) "ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من أمر الدنيا دعا به ففرّج عنه؟ دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين". (ابن أبي الدنيا في الفرج ك) عن سعد".
قال الصنعاني: رمز المصنف لصحته على الحاكم. مع أن في آخره صح.
- حديث رقم (٢٨٥١) "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة". (حم د ت) عن أبي الدرداء.
قال الصنعاني: رمز المصنف بالصحة على أبي داود، وصححه الترمذي.
- حديث رقم (٢٨٥٦) "ألا أدلك على غراس هو خير من هذا؟ تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر؛ يغرس لك بكل كلمة منها شجرة في الجنة".
стр. 74
قال الصنعاني: رمز المصنف لصحته على الحاكم، وقال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي. مع أن عليه رمز (هـ ك) عن أبي هريرة.
- حديث رقم (٢٨٦١) "ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل؟ تقول: بسم الله أرقيك، والله يشفيك من كل داء يأتيك ﴿مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ترقي بها ثلاث مرات". (هـ ك) عن أبي هريرة".
قال الصنعاني: رمز المصنف على الحاكم بالصحة. مع أن في المطبوع صح.
- حديث رقم (٢٨٦٣) "ألا أعلمِّك كلمات لو كان عليك مثل جبل صَبير دَيناً أدّاه الله عنك؟ قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك". (حم ت ك) عن علي.
رمز المصنف لصحته على الحاكم مع أن في المطبوع ح.
- حديث رقم (٢٨١٤) "أول ما يهراق من دم الشهيد، يغفر له ذنبه كله إلا الدين". (طب ك) عن سهل بن حنيف".
رمز عليه المصنف بالصحة على الحاكم.
- قال في حديث رقم (٣١٢٤) "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم ... ".
قال الصنعاني: قال ابن الجوزي: موضوع علي بن قتيبة يروي عن الثقات الأباطيل انتهى. وقال: "وفي نسخة مقابلة على خط المصنف رمز الصحيح على رمز الطبراني؛ مع أنه في المطبوع ليس عليه أي رمز".
- قال في حديث رقم (٣١٢٥) "بركة الطعام الوضوء قبله ... ".
قال الصنعاني: قال الترمذي: "لا نعرفه إلا من حديث قيس بن الربيع وهو مضعف، والعجب أنه رمز بعلامة الصحيح على رمز الترمذي في نسخة قوبلت على خط المصنف وهذه الرموز لا يوثق بها، ففيها خلاف وأوهام. (عليه رمز "ح" في المطبوع (حم د ت ك).
стр. 75
وضع رمز الحكم على رمز الكتاب:
فلقد وضع رمز الحكم على رمز الكتاب في مواضع متعددة منها ما يلي:
- في حديث رقم (٢٤٩١): "إن ناركم هذه جزء من سبعين" (حم ك) ووضع (صح) على (حم).
قال الصنعاني: قال الحاكم: صحيح، وعليه رمز المصنف بالصحة.
- في حديث رقم (٢٤٩٩): "إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بحقه" (حم ق ت ن) ووضع (صح) على (ق).
- في حديث رقم (٢٥٠٨): "إنا لا نقبل شيئاً من المشركين" (حم ك) ووضع (صح) على (حم).
- في حديث رقم (٢٥١٤): "إنا -آل محمَّد- لا تحل لنا الصدقة" (حم حب) ووضع رمز (صح) على (حب).
- في حديث رقم (٢٥١٥): "إنا نهينا أن تُرى عوراتنا" رمز (ك) ووضع عليه (صح).
- في حديث رقم (٢٥١٩): "إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها" رمز (حم ت هـ ك) ووضع (صح) على (ك).
قال الصنعاني: رمز المصنف على أحمد بالصحة.
- في حديث رقم (٢٥٣٠): "إنكم لا تسعون الناس بأموالكم".
قال الصنعاني: وقد رواه أبو يعلى، والمصنف صحح على رمز الحاكم، وقال العلائي: وهو حسن.
- في حديث رقم (٢٧٤٢): "انهشوا اللحم ... ".
قال الصنعاني: وجزم الحافظ العراقي بضعف سنده والمصنف رمز على الحاكم بالصحة.
стр. 76
- في حديث رقم (٢٧٤٧): "أهل الجنة عشرون ومائة صف .. " (حم ت هـ حب ك).
قال الصنعاني: رمز المصنف بالصحة على رمز ابن حبان.
- في حديث رقم (٢٧٥١): "أهل الشام سوط الله في الأرض".
قال الصنعاني: ورمز المصنف بالصحة على أحمد.
نقده للمناوي ولنسخته التي اعتمد عليها من الجامع الصغير:
ألف المناوي ﵀ "فيض القدير" شرح فيه الجامع الصغير للسيوطي وأطال النفس في ذلك، ثم ألّف كتاباً مختصراً في شرحه للجامع الصغير سماه: "التيسير" وهو مختصر مفيد يتميز بالحكم الصريح على الحديث، وهما مطبوعان.
وله في كلا الكتابين أوهام وتساهل يدركه من عانى القراءة فيهما والاستفادة منهما (١).
ولكن مؤلفنا الصنعاني كان منصفاً في تعقباته وتنبيهاته مع كثرتهما وإليك نماذج من ذلك:
١ - قوله تحت حديث رقم (٤٢٨٥) "الدين يسر ولن يغالب الدين أحد إلا غلبه".
قال الصنعاني: (أحدٌ إلا غلبه) أحد فاعل يغالب، ونقل الشارح عن ابن حجر: إنه أضمر الفاعل للعلم به وكأنها رواية سقط فيها لفظ أحد والذي شرح
стр. 77
عليه الشارح ورأيناه في ما قوبل على خط المصنف بإثبات أحد والشارح حاطب ليل يجمع الكلام ولا يفصل ما في المقام.
٢ - قوله عند حديث رقم (٦٢٨٣) "كل خلق الله تعالى حسن": فسّره الشارح: أي أخلاقه المخزونة عنده التي هي مائة وسبعة عشر كلها حسن.
قلت: (الصنعاني): ولا أعلم ما أراد بهذه العدة إذ المعروف أن لله تسعة وتسعين اسما كما سلف وتقدم الكلام عليها، فلا أدري ما أراد بالمائة وسبعة عشر؟ ويحتمل أنه غلط من الناسخ، فإن هذا الشرح أعني شرح المناوي الكبير لا يكاد يسلم من الغلط.
٣ - قوله عند حديث رقم (٨٣٨١): "من استجد قميصاً فلبسه فقال حين بلغ عورته: الحمد لله الذي كساني ... ".
قال الصنعاني: رمز المصنف لضعفه فيما رأيناه في النسخة المقابلة على خطه، وقال الشارح: إنه رمز لحسنه، ويؤيد الأول ما قاله ابن الجوزي: حديث لا يصح، قال: فهذا يؤيد رمز المصنف لضعفه، ولا نر ذلك الرمز فيما قوبل على خطه.
والشارح كثيراً ما يذكر رموزاً مخالفة لذلك، ويحتمل أنه غلط في نسخة الشارح والذي رأينا منها كثيرة الغلط.
٤ - قوله عند حديث: رقم (٢٢٦٣) "إن خيار عباد الله الموفون المطيبون".
قال الصنعاني: (المطيبون) بفتح المثناة التحتية وكسرها، أي: الذين طيب الله أوصافهم، أو الذين طيبوا أنفسهم، وأبعد الشارح ففسره: بالذين تحالفوا في الجاهلية بالحلف المسمى حلف المطيبين، وقال: لعلهم أسلموا، وهو بعيد جدًا.
٥ - عند قوله ﷺ برقم (٢٣٣٢): "إن قبر إسماعيل في الحجر".
قال الصنعاني: "قال الشارح: إن قبور الأنبياء لا يُكره الصلاة عندها ولم يذكر
стр. 78
عليه دليلاً، والأدلة قاضية للعموم".
٦ - عند قوله ﷺ برقم (١٦٣٨): "امسحوا على الخفين".
قال الصنعاني: في النهاية: أراد به العمامة لأن الرجل يغطي بها رأسه .. قال: "وهو تأويل قاد إليه المذهب؛ وإلا فظاهره المسح على العمامة مطلقاً، وعليه حديث المغيرة وغيره من الأحاديث الصحيحة".
٧ - قال في الحديث رقم (١٣٨٥): "أكثر من السجود فإنه ليس من مسلم يسجد لله تعالى سجدة إلا ... (ابن سعد حم عن أبي فاطمة) (٢) هو صحابي ليثي قال المصنف في الكبير الليثي قال الصنعاني: ومن غرائب الشارح أنه شرح على أصل فيه عن فاطمة بسقوط لفظ "أبي" فقال الشارح: الزهراء، وهو غلط صريح فاعجب؟؟.
٨ - قال في الحديث رقم (١٣٨٧): "أكثر الصلاة في بيتك يكثر خير بيتك ... " هب عن أنس. هكذا في نسخ الجامع "الصحيحة" وشرح الشارح (المناوي) على نسخة فيها "هب عن ابن عباس"، فقال: "والذي وقفت عليه في الشعب عن أنس. وفيه ما يرشدك إلى ما قد أشرنا إليه من أنه شرح على أصل غير معتمد؛ لذا فإنه ذكر أنه رمز المصنف بكذا وكذا أشياء ما رأيناها".
عقيدة الصنعاني:
من أراد معرفة عقيدة الصنعاني فلينظر في كتابه: "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد"، حيث قرر فيه عقيدة السلف
فقد قال ﵀ في مقدمته: "هذا تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، وجب علي تأليفه، وتعين عليّ ترصيفه، لما رأيته وعلمته، من اتخاذ العبادِ الأندادَ، وهو الاعتقاد في القبور، وفي الأحياء ممن يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات وهو من أهل الفجور".
وكذلك يراجع ما كُتِبَ عنه في هذا الباب، مثل: "الصنعاني وكتابه توضيح
стр. 79
الأفكار" للعليمي، وكتاب: "مسائل الاعتقاد عند الأمير الصنعاني" لعبد الله المطيري، رسالة مقدمة في جامعة القاهرة بمصر لنيل درجة الماجستير في قسم الفلسفة الإِسلامية عام ٢٠٠١ م وغيرها من الكتب المؤلفة حول هذا الموضوع.
اتبع الصنعاني في مسائل العقيدة منهج أهل السنة والجماعة. وفيما يلي بعض مواقفه من مسائل العقيدة من خلال كتابه "التنوير":
١ - موقفه من أن الإيمان قول وعمل:
الإيمان حقيقته عند أهل السنة والجماعة هو: "اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح" وهو في هذا موافق لمنهج أهل السنة والجماعة.
وقال تحت حديث رقم (٩٩٦٢): "لا يقبل إيمان بلا عمل ... " فالإيمان اعتقاد وقول وعمل لا يقبل أحدهما بدون الآخر.
٢ - مخالفته للمعتزلة والأشاعرة والروافض ورميهم بالابتداع:
أعلن الصنعاني مخالفته للمعتزلة والأشاعرة، وإن تأثر بالمعتزلة في خلق أفعال العباد إلا أنه انتقد المعتزلة كثيراً، وكذلك الأشاعرة ووصفهم بالابتداع، ومن أقواله في ذلك: "إنما قدمت هذا لئلا يظن الناظر أني أذهب إلى قول فريق من الفريقين المعتزلة والأشاعرة، فإن الكل قد ابتدعوا في هذا الفن الذي خاضوا فيه" (١).
فقال الصنعاني: تحت حديث رقم (٥٦٥٠): "العبد مع من أحب ... ": .. المراد المحبة الشرعية فلا تدخل محبة عيسى من النصارى ولا محبة علي من الروافض ولا غيرهم.
وقال تحت حديث رقم (١٤٩٦) "اللهم لك أسلمت ... ": وللمعتزلة فيه وفي نظايره تأويلات وتكلّفات وللأشعرية شيء من ذلك تبعاً للمذهب.
стр. 80
٣ - موقفه من الأسماء والصفات:
مذهب السلف رحمة الله عليهم الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تفويض ومن غير زيادة عليها ولا نقص منها .. : و"قد عُلِمَ من الدين ضرورة أن لله أوصافًا كلها كمال، قال ﷻ : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فالإيمان بها واجب على جميع العباد، والنكير متعين على من جحدها، أو ادعى أن فيها اسم ذم لله تعالى، ومنها ما ثبت في الأحاديث، فمن عرف صحة الحديث المفيد لذلك وجب عليه الإيمان به" (١).
وقال الصنعاني تحت حديث رقم (٧١٧٤): "لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم .. ": وقد سلف لنا ما هو الأولى في مثل ذلك غير مرة نعني سلوك طريقة السلف، وهو الإيمان بما ورد في مثل ذلك كتابا وسنة من غير تأويل ولا تشبيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقال تحت حديث رقم (١٤٧١): "اللهم إني أسألك رحمة من عندك ... " (حديث طويل).
بعد أن ذكر كلام العز بن عبد السلام وغيره وفيه تأويل قال الصنعاني: وقد قدمنا لك أن الإيمان بما ورد من صفاته تعالى بغير تأويل الكيفية هو الأولى.
وقال تحت حديث رقم (٢٠٨٠): "إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله": إن أحاديث الصفات يجب الإيمان بها، والأولى السكوت عن تأويلها ونكل
стр. 81
علمها إليه.
وقال تحت حديث رقم (١٨٥٤): "إن الله تعالى يتجلى لأهل الجنة": اعلم أن هذا التجلي وذكر الكرسي والقعود عليه مما ثبت، يجب الإيمان به ولا نكيف بل ننزه الرب عن مشابهة المخلوقات، ونؤمن بما جاء عنه وعن رسوله، ونوكل بيان معناه إليه تعالى كما في الآيات المتشابهة، وقد قدمنا أن هذا أحد الوجوه، وهو أسلمها، وفي الناس من يتأول ذلك.
وكثيراً ما ينقل كلام بعض العلماء المؤوِّلين ثم يعقب عليه كقوله تحت حديث رقم (١٩٣٥): "إن الله تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الآخر ... " نقل كلام ابن الأثير وفيه تأويل فعلق عليه بقوله: وهذا على رأي، وأما غيرهم فيقولون نؤمن به ولا نكيفه ولا نؤوّله، وهو أولى.
وقال تحت حديث رقم (١٧٤٥): "إن الله تعالى غيور يحب الغيور ... ": والسكوت عن التأويل في إطلاقه (غيور) عليه تعالى أسلم من الخوض في تأويله.
وقال تحت حديث رقم (١٧٤٦): "من عادى لي ولياً ... " بعد أن نقل كلام أحد العلماء في التأويل تعقبه بقوله: وطريقة عدم التأويل أسلم.
٤ - ثناؤه على أئمة أهل السنة والجماعة:
من المعلوم أن من أمارة أهل البدع الوقيعة في أهل السنة وتنقيصهم ورميهم بما ليس فيهم حقدًا وبغضًا، وهذا شأن المبتدعة في كل زمان ومكان. وأهل الحق والهدى يعرفون لسلف هذه الأمة والسائرين على منهج الرسول ﷺ فضلهم ومكانتهم، ومن هنا نجد الصنعاني يثني كثيراً على ابن تيمية وابن القيم، كما يدافع عنهما كثيراً.
فقد قال تحت حديث رقم (٣٠٢٣): "الأبدال من الموالي": قال الشارح: وإنما خالف المصنف عادته باستبعاد هذه الطرق إشارة إلى بطلان زعم ابن
стр. 82
تيمية أنه لم يرد لفظ الأبدال في خبر صحيح ولا ضعيف ولا في خبر منقطع وقد أبانت هذه الدعوى تهوره ومجازفته ولأنه نفى الرواية بل نفى الوجود وكذّب من ادعى الورود انتهى.
قلت (الصنعاني): لعله ما نفاه إلا بالنظر إلى ما اطلع عليه وأنه يريد ما ورد فيما أعلمه وقد صرح الحافظ ابن حجر: بأن قول الحافظ: هذا الخبر صحيح أو باطل صار بذا، لا بالنسبة إلى ما عرفه هذا معنى كلامه فكذلك مثل هذا، والتأويل خير من التجهيل، وقد رماه الشارح بعد هذا بالعنت والعناد ولا غرو فابن تيمية ينكر على ابن عربي ومن حذا حذوه كالشارح ويحكم عليهم بالتضليل فكأنه أراد الشارح مكافأته، وربك يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
وكان يثني على السلف ويذم ويحذر من أهل البدع والضلال:
فقال تحت حديث رقم (٥٦٤٠): "العالم سلطان الله في الأرض، فمن وقع فيه فقد هلك": فمن وقع فيه بذم وإهانة وأذية، فقد هلك لأن الله ناصره وخاذل من عاداه وذمه، كما قيل: لحوم أهل العلم مسمومة، ومن يعاديهم سريع الهلاك، وقال: وفيه الأمر بطاعة العلماء والتحذير من الوقيعة فيهم.
وبعد: فها هي نماذج من الأصول والقواعد وغيرها التي التزمها الصنعاني ودعا إليها وسار عليها من خلال ما سطره في أكثر كتبه، فأين نضع الرجل بعد ذلك؟ لا يمكن أن يكون إلا من أهل السنة والجماعة الذين كانوا على عقيدة السلف وساروا عليها، وجاهدوا فيها، وحوربوا من أجل التمسك بها في عصر لا يعرف إلا الجهل والخرافة.
وقد يقول قائل: للصنعاني بعض المخالفات للسلف كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الصفات وكمسألة خلق أفعال العباد.
أقول: الصنعاني حاول جاهدًا تحرير هذه المسألة، ولكنه لم يتمكن وهو
стр. 83
وسط هذا الجو الخانق من معرفة الحق فيها، ومع هذا فهو رجح ما ترجح عنده دون متابعة لفرقة معينة أو مذهب معين، وقد سبق بيان عدم متابعته للمعتزلة والأشاعرة، وأحيانًا تقوم بالعالم شبهات لا يتمكن من التخلص منها، لعدم الموجه الصادق أثناء الطلب، ولعدم توفر كتب السلف والعاملين بها كما في بيئة الصنعاني.
وانطلق الصنعاني ﵀ في علومه ومؤلفاته يأخذ ما يؤيده الدليل ويترك ما سواه، ويناقش ويرجح ويجمع ما أمكن بين الأدلة كعالم مجتهد له مكانته ومنزلته، وإن كتابه "سبل السلام" وكتابنا هذا "التنوير" لخير شاهد على ما قلناه.
٥ - موقفه من المبتدعة واعتماده المذهب الصحيح في الرد عليهم:
قال تحت حديث رقم (٩٧٨٣): "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... ":
وقد خالف الناس هذا النهي فما يزالون في شدٍّ للرحال إلى القبور والمشاهد، واجتماعٍ لذلك على المحرمات لا تحل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقال تحت حديث رقم (٩٩٨٠): "يجزئ من الوضوء رطلان من ماء": أي يكفي هذا القدر لمن أراد الوضوء الشرعي وهذه التحديدات الشريفة كما علمه ﷺ بيّن أنه يأتي أقوام يعتدون في الطهارات كزماننا هذا صار هَمُّ الفقيه كثرةَ الماء وانتقاءه ودلك أعضائه حتى يخرج وقت صلاته ويترك الجماعة ونحوها فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقال تحت حديث رقم (٧٧١٠): "ليلة أسري بي ... ": هي ليلة غير معينة لم يرد بتعيينها سنة صحيحة وفيها ثلاثة أقوال: ... وقد شاع في الناس أنها ليلة سابع وعشرين من رجب، ويخصونها بأنواع من القرب وهي من البدع التي شاعت كغيرها.
وقال كذلك تحت حديث رقم (٣٩٠٥): "خفف على داود القرآن فكان يأمر
стр. 84
بدوابه فتسرج فيقرأ القرآن من قبل أن تسرج دوابه".
قال الشارح: فقد دل الحديث على أنه سبحانه يطوي الزمان لمن يشاء من عباده كما يطوي لهم المكان. قلت: ما هنا طي زمان بل توسعة فيه عليه فقط ولا دلالة في الحديث على أنه يسر عليه جريانَ الحروف على فمه والكيفية مجهولة لنا ولهذا كان هذا الفعل من معجزاته ثم نقل عن ابن أبي شريف أن أبا طاهر المقدسي كان يقرأ في اليوم والليلة خمس عشرة ختمة انتهى.
قلت (الصنعاني): هذا أمر لا يذعِنُ به العقل، ولا ورد به عن المعصوم ﷺ النقل، فهذا النقل مبني على تهوكات صوفية وأمور ذوقية لا نؤمن بها ولا نقبل إلا ما جاء عن المصطفى ﷺ من الأخبار في الخوارق ولو كان هذا صحيحا لكان أحق الناس به الصحابة ليتسع حفظ كتاب الله تعالى وينتشر على كل لسان، وما ورد إلا أنه كان يأخذ الواحد فيهم الآيات الثلاث ويحزبون القرآن أحزاباً وكان المصطفى ﷺ يعارضه جبريل ﵇ كل رمضان مرة، وفي عام قَبَضَهُ عارضه مرتين لكن الشارح يصدق عن المتصوفة كل خارقة ويصغي سمعه لهم إلى كل ناعقة.
٦ - موقفه من الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان:
لا شك أن الاعتقاد بعدالة كافة الصحابة هو قول كافة علماء أهل السنة والجماعة وعليه سلف الأمة وجماهير الخلف من أمثال الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل وكافة المحدثين كالبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وابن معين وابن المديني وأبي زرعة وأبي حاتم وابن حبان وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من السلف والخلف.
وخالف الأمة الإِسلامية طوائف من المعتزلة والخوارج وأهل الرفض.
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال الرسول ﷺ : "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق
стр. 85
مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه".
فالصحابة جميعاً عدول بتعديل الله ورسوله لهم. وقد حاول المؤلف في شرحه هذا للجامع أن يحكم على بعض الصحابة بأحكام خالفت منهج السلف الصالح فزعم أن معاوية بن أبي سفيان في النار.
ولا يسلم له ذلك؛ لأن أهل السنة والجماعة لا يشهدون لأحد بجنة ولا بنار إلا بنص قطعي من الكتاب والسنة.
يقول القاضى أبو بكر بن العربي، مبيناً ما اجتمع في معاوية من خصال الخير إجمالاً قال: "معاوية اجتمعت فيه خصال: وهي أن عمر جمع له الشامات (١) كلها وأفرده بها، لما رأى من حسن سيرته، وقيامه بحماية البيضة وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو، وسياسة الخَلْق. وقد جاءت نصوص صحيحة صريحة تطلق عليه وصف الصحبة وتصفه بالفقه والفهم، فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن أبي مليكه قال: "أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دعه؛ فإنه صحب رسول الله ﷺ . وفي رواية أخرى قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؛ فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه (٢).
... يقول ابن العربي: "وشهد بخلافته في حديث أم حرام ﵂ فيما رواه أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ نام عند أم حرام القيلولة ثم استيقظ وهو يضحك؛ فقد رأى في منامه ناساً من أمته غزاة في سبيل الله يركبون ثبج
стр. 86
البحر -أي وسطه ومعظمه- ملوكاً على الأسرة. ثم وضع رأسه فنام واستيقظ وقد رأى مثل الرؤيا الأولى فقالت له أم حرام: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال، أنت من الأولين"، فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية فصرعت عن في دابتها حين خرجت من البحر. فهلكت (١).
قال الحافظ ابن كثير: يعني بالأول جيش معاوية حين غزا قبرص ففتحها سنة ٢٧ أيام عثمان ابن عفان، بقيادة معاوية، عقب إنشائه الأسطول الإِسلامي الأول في التاريخ، وكانت معهم أم حرام في صحبة زوجها عبادة بن الصامت. ومعهم من الصحابة أبو الدرداء وأبو ذر وغيرهما. واستشهدت أم حرام موقوصة وقبرها بقبرص إلى اليوم.
قال ابن كثير: ثم كان أمير الجيش الثاني يزيد بن معاوية في غزوة القسطنطينية. قال: وهذا من أعظم دلائل النبوة (٢) في الشهادة لسيدنا معاوية، وابنه يزيد بالفضل، والمغفرة والجنة كما جاء في حديث أم حرام مرفوعاً: "أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا (٣). وأول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم". فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: "لا" (٤).
стр. 87
يقول الإِمام ابن تيمية: "لم يكن من ملوك المسلمين ملك خيراً من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده، وإذا نسبت إلى أيام أبى بكر وعمر ظهر التفاضل.
... وقد روى أبو بكر بن الأثرم - ورواه ابن بطة من طريقه عن قتادة قال: "لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي". وروى ابن بطة بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي ومن فضله (١).
وروى الأثرم عن أبي هريرة المكتب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش، فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله (٢). وعن أبي إسحاق السبيعي أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم: كان المهدي (٣).
... وهذه الشهادة من هؤلاء الأئمة الأعلام لأمير المؤمنين معاوية تحقق مدى استجابة الله دعاء نبيه ﷺ لهذا الخليفة الصالح يوم قال ﷺ : "اللهم اجعله هادياً، مهدياً، واهد به" (٤).
... وقبل أن ننهى الكلام على شهادات الصحابة، والتابعين، وآراء العلماء، في معاوية، ننقل رأياً طريفاً للمؤرخ العلامة ابن خلدون في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين قال: "إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغى أن تلحق بدول
стр. 88
الخلفاء الراشدين وأخيارهم فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة" (١).
وبالنسبة لموقف الصنعاني من معاوية بن أبي سفيان ﵁ وولده يزيد، فقد ورد عنه في أكثر من موضع بأن معاوية بن أبي سفيان من الظلمة البغاة (٢)، وقد ورد عنه في بضع مواضع من التنوير لعن معاوية ويزيد ابنه (غفر الله له). فقال تحت حديث رقم (٢٢٩١): "إن عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى في بني إسرائيل".
قال الصنعاني: وهم اثنا عشر نقيبًا كما حكاه الله في القرآن، والمراد من الخلفاء الذين هذا عددهم هم أئمة الهدى والحق والعدل، والتنصيص على أعيانهم، لا مجال للعقل فيه إلا أن يأتي فيه توقيف عنه ﷺ وقد تخيلت الإمامية التنصيص على جماعة من أعيان آل محمَّد ﷺ بلا هدى ولا كتاب منير ثم بنوا على ذلك عصمتهم وأنهم حجة الله على عباده وبَنَوا على هذا من الخيالات ما يصدق عليه قول من قال:
وللخيالات أحكام مسلطة ... على العقول التي ضلت عن الفكر
نعم ربما يدعي أن منهم الخلفاء الأربعة، وأما حديث: "الخلافة ثلاثون ثم تكون ملكًا عضوضًا" (٣) ونحوه بألفاظ عدة فالمراد: الخلافة التي تكون عقب النبوة بلا فصل، وإلا فقد تأتي خلافة حق تكون بعد الملك العضوض كما وقع لخلافة عمر بن عبد العزيز بعد الملوك الجورة الخونة.
ونقل كلام بعض العلماء في جواز لعن يزيد بن معاوية على رضاه بقتل الحسين وإهانته أهل بيته، وذلك تحت حديث رقم (٢٧٩٦): "أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا الجنة".
стр. 89
وقال كذلك تحت حديث رقم (٩٦٢٠): "ويح الفراخ فراخ آل محمَّد من خليفة مستخلف مترف" قال الصنعاني: قيل: أريد به يزيد بن معاوية. ثم قال: بل يتعين أنه هو فإنه صادق عليه ما ذكروا أنه الذي قتل الحسين وقال ذريته أسارى وفعل الأفاعيل التي تقشعر منها الجلود، فيوجب له النار ذات الخلود والغضب من الرب المعبود.
وأما كون معاوية من البغاة فاستند الصنعاني فيه إلى حديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لعمار ﵁: "تقتلك الفئة الباغية" (١) وهو حديث ثابت، رواه مسلم، وقد أشار ابن الأمير نفسه إلى جملة طرقه في "توضيح الأفكار" (٢)، وشرحه في كتابه "سبل السلام" (٣)، وتكلم عن مسألة قتال البغاة وأنه إجماع لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي﴾. وإذا كان كلامه ﵀ من باب الكلام في قتال البغاة، كما قال تحت حديث رقم (٤٦٥٤): "ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ... " قال: قال القسطلاني: المراد الاختلاف الواقع بين أهل الإِسلام بسبب اجترائهم على الإِمام ولا يكون الحق فيها معلوما بخلاف زمان علي ﵇ ومعاوية، انتهى. قال الصنعاني: يريد فإن الحق فيها معلوم للإجماع من الطوائف كلها أن معاوية باغي لحديث عمار وغيره.
فهذا قد يقال فيه: إنه من باب الاجتهاد، ومن باب وقوع الاختلاف في المسألة، أما تعيينه بأن رأس البغاة ورأس النواصب معاوية ومعه ابنه يزيد، فهذا مما كان ينبغي له عدم الخوض فيه، وكان الأولى به (غفر الله له) القول بقول الله
стр. 90
تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وقد قيل:
وأوِّل التشاجر الذي ورد ... إن خصت فيه واجتنب داء الحسد
والعمل بما قرره هو نفسه في مواضع من تحريم سب الأموات أو لعنهم أو النيل منهم حيث قال في الحديث رقم (٩٧٦٣) الذي روته عائشة ﵂: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" (١). قال: ظاهره العموم للمسلم والكافر.
٧ - موقفه من يزيد بن معاوية:
نقل الصنعاني (٢) عن العلماء لعن يزيد أكثر من مرة.
فقد سئل حجة الإِسلام أبو حامد الغزالي عمن يصرح بلعن يزيد بن معاوية، هل يحكم بفسقه أم لا؟ وهل كان راضيا بقتل الحسين بن علي أم لا؟ وهل يسوغ الترحم عليه أم لا؟ فلينعم بالجواب مثابًا.
فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلاً، ومن لعن مسلما فهو الملعون، وقد قال رسول الله ﷺ : "المسلم ليس بلعان" (٣).
فإذا كان لعن البهائم منهياً عنه فهل يجوز لعن المسلم؟ فقد جاء عنه ﷺ فيما رواه عمران بن حصين قال: بَيْنَمَا رَسُولُ الله ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَامْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإنَّهَا مَلْعُونَةٌ". قَالَ عِمْرَانُ فَكَأَنِّي أَرَاهَا الآنَ تَمْشِي في النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ (٤).
стр. 91
وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بالنص فقد ورد أن عبد الله بن عمر ﵄ نظر يومًا إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك (١). وهو حديث حسن (٢).
وقد صح إسلام يزيد بن معاوية وما صح قتله الحسين ولا أمر به ولا رضيه ولا كان حاضرا حين قُتِل، ولا يصح ذلك منه ولا يجوز أن يظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام وقد قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات/ ١٢].
ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به، فينبغي أن يعلم أن به غاية الحمق، فإن من كان من الأكابر والوزراء، والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله ومن الذي رضي به ومن الذي كرهه لم يقدر على ذلك، وإن كان الذي قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو كان في بلد بعيد، وزمن قديم قد انقضى، فكيف نعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد، وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب فهذا الأمر لا تعلم حقيقته أصلاً، وإذا لم يعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به.
ومع هذا فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلما فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر، بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة والكافر لو تاب من كفره لم تجز لعنته فكيف بمؤمن تاب عن قتل .. ولم يعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ
стр. 92
عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥].
فإذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين بعينه لم يرد به النص، ومن لعنه كان فاسقًا عاصيًا لله تعالى. ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصيًا بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره مع جواز اللعن عليه لا يقال له يوم القيامة: لم لم تلعن إبليس؟ ويقال للاعن: لم لعنت ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون، والملعون هو المبعد من الله تعالى وذلك من علوم الغيب، وأما الترحم عليه فجائز، بل مستحب، بل هو داخل في قولنا: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنه كان مؤمنا والله أعلم بالصواب أ. هـ (١).
وقد سئل ابن الصلاح عن يزيد فقال: لم يصح عندنا أنه أمر بقتل الحسين ﵁ والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله إنما هو عبيد الله بن زياد والي العراق إذ ذاك، وأما سب يزيد ولعنه فليس ذلك من شأن المؤمنين، وإن صح أنه قتله أو أمر بقتله، وقد ورد في الحديث المحفوظ: "إن لعن المؤمن كقتاله" (٢)، وقاتل الحسين لا يكفر بذلك، وإنما ارتكب إثما، وإنما يكفر بالقتل قاتل نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والناس في يزيد على ثلاث فرق، فرقة تحبه وتتولاه، وفرقة تسبه وتلعنه وفرقة متوسطة في ذلك، لا تتولاه ولا تلعنه وتسلك به سبيل سائر ملوك الإِسلام وخلفائهم غير الراشدين في ذلك وشبهه، وهذه هي التي أصابت الحق مذهبها هو اللائق لمن يعرف سِيَرَ الماضين ويعلم قواعد الشريعة الظاهرة (٣).
وسئل شيخ الإِسلام عن يزيد أيضاً فقال: افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق طرفان ووسط، فأحد الطرفين قالوا: إنه كان كافرا منافقا،
стр. 93
وإنه سعى في قتل سبط رسول الله تشفيا من رسول الله ﷺ وانتقاما منه وأخذا بثأر جده عتبة وأخي جده شيبة وخاله الوليد بن عتبة وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي ﷺ بيد علي بن أبي طالب وغيره يوم بدر وغيرها، وقالوا تلك أحقاد بدرية وآثار جاهلية. وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان، فتكفير يزيد أسهل بكثير.
والطرف الثاني يظنون أنه كان رجلاً صالحًا صالحاً وإمامَ عَدْلٍ وأنه كان من الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي ﷺ وحمله بيده وبرك عليه وربما فضله بعضهم على أبي بكر وعمر، وربما جعله بعضهم نبيًّا .. وهذا قول غالية العدوية والأكراد ونحوهم من الضلال.
والقول الثالث: أنه كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يولد إلا في خلافة عثمان ولم يكن كافرا ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صحابيا ولا من أولياء الله الصالحين وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة. ثم افترقوا ثلاث فرق، فرقة لعنته وفرقة أحبته وفرقة لا تسبه ولا تحبه وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين (١).
وفاة يزيد بن معاوية:
في أثناء حصار مكة جاءت الأخبار بوفاة يزيد بن معاوية ﵀ والبيعة لابنه معاوية.
وكان ذلك لعشر خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين، وكانت وفاته بحوران وقيل حوارين من أرض الشام، قال عبد الرحمن بن أبي مذعور: حدثني
стр. 94
بعض أهل العلم قال: آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية: اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه ولم أرده (١).
يزيد ﵀ قد شوهت سيرته كما قلت تشويهًا عجيبًا، فنسبوا إليه شرب الخمر والفجور وترك الصلاة وتحميله أخطاء غيره دونما دليل، فيطعنون فيه وفي دينه، فقط لأجل أن يشوهوا ويثبتوا أنه لا يستحق الخلافة ولا شك أنه مفضول وأن الحسين وغيره من الصحابة كانوا أفضل منه بدرجات ولهم صحبة وسابقية في الإِسلام، لكن الطعن في دينه أمر غير ثابت، بدلالة ما رواه البلاذري أن محمَّد بن علي بن أبي طالب -المعروف بابن الحنفية- دخل يوماً على يزيد بن معاوية بدمشق ليودعه بعد أن قضى عنده فترة من الوقت، فقال له يزيد، وكان له مكرماً: يا أبا القاسم، إن كنت رأيت مني خُلُقاً تنكره نَزَعت عنه، وأتيت الذي تُشير به علي؟ فقال: والله لو رأيت منكراً ما وسعني إلاّ أن أنهاك عنه، وأخبرك بالحق لله فيه، لما أخذ الله على أهل العلم عن أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وما رأيت منك إلاّ خيراً (٢).
وهناك قول مشابه لابن عباس يثبت فيه أن يزيد براء من هذه الأقوال التي يقولونها فيه، وهو أنه لما قدم ابن عباس وافدا على معاوية ﵁، أمر معاويةُ ابنه يزيد أن يأتيه -أي أن يأتي ابن عباس-، فأتاه في منزله، فرحب به ابن عباس وحدثه، فلما خرج، قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس (٣).
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] فأبو مخنف هذا وأمثاله من الرواة الكذابين الغالين ممن ينطبق عليهم لفظ الفاسق، فلا يقبل لهم قول خاصة
стр. 95
إذا كان فيه طعن في أحد من المسلمين، فما بالك إذا كان هذا المطعون فيه وفي دينه خليفة المسلمين وإمامهم؟! فهذا من باب أولى أن يرد ويرفض.
أما ما لفقوه وألصقوه بيزيد من أن له يدا في قتل الحسين، وأنهم فسروا كلامه لعبيد الله بن زياد بأن يمنع الحسين من دخول الكوفة وأن يأتيه به، يعني اقتله وائتني برأسه، فهذا لم يقل به أحد وإنما هو من تلبيس الشيطان على الناس وإتباعهم للهوى والتصديق بكل ما يرويه الرافضة من روايات باطلة تقدح في يزيد ومعاوية، وأن أهل العراق والأعراب هم الذين خذلوا الحسين وقتلوه ﵁ كما قال بذلك العلماء.
ويشهد لذلك ما رواه البخاري عن شعبة عن محمَّد بن أبي يعقوب سمعت عبد الرحمن بن أبي نعيم: أن رجلاً من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب؟ فقال ابن عمر: انظر إلى هذا يسأل عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ ، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا" (١).
أما قول الإِمام الذهبي في سِيَرِه عن يزيد بأنه ممن لا نسبه ولا نحبه وأنه كان ناصبيا فظا غليظا جلفا متناول المسكر ويفعل المنكر (٢).
هذا الإنصاف الذي يتمتع به الذهبي ﵀ جعله لا يكتفي بسرد تاريخ المترجم له دون التعليق -غالبا- على ما يراه ضروريا لإنصافه؛ وذلك نحو الحكم على حكايته ألصقت به وهي غاضة من شأنه، أو ذكر مبرر لعمل ظنه الناس شيئًا وهو يحتمل أوجها أخرى، أو نقد لتصرفاته نقدا شرعيا، ثم يحاول أن يخرج بحكم عام على المترجم له مقرونا بالإنصاف.
стр. 96
وهذا العمل -أي الإنصاف في الحكم على الأشخاص- يعطي ضوءا كاشفا تستطيع أن تستفيد منه الصحوة المباركة، فهي صحوة توشك أن تعطي ثمارها لولا ما يكدرها من تصرفات بعض ذوي النظرات القاتمة الذين يرمون العلماء والدعاة بالفسق والابتداع والميل عن مذهب السلف لأي زلة، لا يعذرون أحدًا، ولا يتقون الله في ظن مرجوح.
وهناك بعض آخر لا يستطيع العيش إلا بالطعن على المخالف، ونسيان محاسنه وكتمانها، فهؤلاء وأمثالهم تكفل الإِمام الذهبي بالرد عليهم في سِفْرِهِ العظيم سير أعلام النبلاء.
وقلت أيضاً: هذا قول وكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا رسول الله ﷺ .
وأما عن تناوله المسكر وغيرها من الأمور، هذه الأوصاف لا تمثل الواقع الحقيقي لما كانت عليه حياة يزيد بن معاوية، فقد بذل معاوية الجهود في تنشئته وتأديبه، إضافة إلى ذلك نجد رواية في مصادرنا التاريخية تساعدنا في دحض مثل تلك الآراء. كما أسلفت رأي ابن الحنفية.
كما أنه شهد له بحسن السيرة والسلوك حينما أراده بعض أهل المدينة على خلعه والخروج معهم ضده، فيروي ابن كثير أن عبد الله بن مطيع -كان داعية لابن الزبير- مشى من المدينة هو وأصحابه إلى محمَّد ابن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب، فقال محمَّد ما رأيت منه ما تذكرون، قد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظباً على الصلاة متحرياً للخير يسأل عن الفقه ملازماً للسنة، قالوا: ذلك كان منه تصنعاً لك، قال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع؛ ثم أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر، فلئن كان أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا، قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه، فقال لهم: أبى الله
стр. 97
ذلك على أهل الشهادة، ولست من أمركم في شيء ... الخ (١).
وهذه شهادة ممن قاتل معاوية مع أبيه، فأحرى به أن يكون عدوا له كارها لملكه وولده-.
وهذا لا يحل إلا بشاهدين، فمن شهد بذلك؟ وقد شهد العدل بعدالته، روى يحيى بن بكير عن الليث بن سعد (ت ١٤٧ هـ) قال الليث: توفي أمير المؤمنين يزيد في تاريخ كذا، فسماه الليث أمير المؤمنين بعد ذهاب ملكهم وانقراض دولتهم، ولولا كونه عنده كذلك ما قال: إلا توفي يزيد (٢).
وهذا الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ على تقشفه وعظم منزلته في الدين وورعه قد روى عن يزيد بن معاوية في كتابه "الزهد" أنه كان يقول في خطبته: إذا مرض أحدكم مرضا فأشفى ثم تماثل، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمْه ولينظر إلى أسوأ عمل عنده فليدعه (٣).
وهذا لا يتعارض مع ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية نقلا عن الإِمام أحمد عندما سئل أتكتب الحديث عن يزيد، قال: لا، ولا كرامة، أو ليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل (٤).
ورفض الإِمام أحمد رواية حديث رسول الله ﷺ عنه ليس دليلاً على فسقه، وليس كل مجروح في رواية الحديث لا تقبل أقواله، فهناك عشرات من القضاة والفقهاء ردت أحاديثهم وهم حجة في باب الفقه (٥).
стр. 98
وهذا يدل على عظم منزلته -أي يزيد بن معاوية- عنده حتى يدخله في جملة الزهاد من الصحابة والتابعين الذين يقتدى بقولهم ويستفاد من وعظهم، وما أدخله إلا في جملة الصحابة قبل أن يخرج إلى ذكر التابعين، فأين هذا من ذكر المؤرخين له في شربه الخمر وارتكابه أنواع الفجور، ألا يستحيون؟! وإذا سلبهم الله المروءة والحياء، ألا ترعوون أنتم وتزدجرون وتقتدون بفضلاء الأمة، وترفضون الملحدة والمجان من المنتمين إلى الملة (١).
وقد اتفق أهل العلم والعقل والسنة والجماعة على أن يزيد كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وله سيئات ولم يكن صحابيا ولم يكن كافرًا.
والمؤمن الحق يعرف جيدا أن الله تعالى غير سائله عما حصل بين علي ومعاوية أو بين يزيد والحسين أو الذين جاءوا من بعدهم إنما العبد يسئل عما قدم لنفسه.
وأخيرًا فالعبد المتقي الخفي لا ينشغل بذنوب العباد وينسى نفسه كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ الْقَذَاةَ في عَيْنِ أَخِيهِ، وَيَنْسَى الْجِذْلَ، أَوِ الْجِذْعَ في عَيْنِهِ" (٢). قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْجِذْلُ: الْخَشَبَةُ الْعَالِيَةُ الْكَبِيرَةُ (٣).
وأما الذين سوغوا محبته أو أحبوه، كالغزالي، والدستي فلهم مأخذان:
أحدهما: أنه مسلم ولي أمر الأمة على عهد الصحابة وتابعه بقاياهم، وكانت فيه خصال محمودة وكان متأولا فيما ينكر عليه من أمر الحرة وغيره، فيقولون: هو مجتهد مخطئ، ويقولون: إن أهل الحرة هم نقضوا بيعته أولا وأنكر ذلك عليهم ابن عمر وغيره، وأما قتل الحسين فلم يأمر به ولم يرض به، بل ظهر منه
стр. 99
التألم لقتله، وذم من قتله ولم يحمل الرأس إليه، وإنما حمل إلى ابن زياد.
والمأخذ الثاني: أنه قد ثبت في صحيح البخاري (برقم (٢٩٢٤) عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا ... مغفور له". وأول جيش غزى القسطنطينية كان أميره يزيد.
والتحقيق أن هذين القولين يسوغ فيهما الاجتهاد، وكذلك محبة من يعمل حسنات وسيئات، بل لا يتنافى عندنا -أي عند شيخ الإِسلام- أن يجتمع في الرجل الحمد والذم، والثواب والعقاب، كذلك لا يتنافى أن يصلى عليه ويدعى له وأن يلعن ويشتم أيضاً باعتبار وجهين.
فإن أهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة وإن دخلوا النار، أو استحقوا دخولها فإنهم لا بد أن يدخلوا الجنة، فيجتمع فيهم الثواب والعقاب، ولكن الخوارج والمعتزلة تنكر ذلك، وترى أن من استحق الثواب لا يستحق العقاب ومن استحق العقاب لا يستحق الثواب (١).
وأما جواز الدعاء للرجل وعليه ... فإن موتى المسلمين يصلى عليهم، برهم وفاجرهم، وإن لعن الفاجر مع ذلك بعينه أو بنوعه، لكن الحال الأول أوسط وأعدل، وبذلك أجاب ابن تيمية ﵀ مقدم المغول بولاي، لما قدموا دمشق في الفتنة الكبيرة وجرت بينهما وبين غيره مخاطبات، فسأل ابن تيمية: ما تقولون في يزيد؟ فقلت: لا نسبه ولا نحبه، فإنه لم يكن رجلاً صالحا فنحبه ونحن لا نسب أحدا من المسلمين بعينه فقال أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالمًا؟ أما قتل الحسين؟ فقلت له: نحن إذا ذكر الظالمون -كالحجاج بن يوسف وأمثاله- نقول كما قال الله في القرآن: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨]، ولا نحب أن نلعن أحداً بعينه، وقد لعنه قوم من العلماء، وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد،
стр. 100
لكن هذا القول أحب إلينا وأحسن وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله، أو رضي بذلك، فعليه لعنة الله والملائكة والناس، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. قال: أفما تحبون أهل البيت؟ قلت محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه، فإنه قد ثبت عندنا في صحيح مسلم برقم (٦٣٧٨) عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله ﷺ بغدير يدعى خما، بين مكة والمدينة فقال: "أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله". فذكر كتاب الله وحض عليه، ثم قال: "وعترتي أهل بيتي" (١).
قال ابن تيمية لمقدم المغول: ونحن نقول في صلاتنا كل يوم: اللهم صلّ على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد. قال مقدم المغول: فمن يبغض أهل البيت؟ قال: من أبغضهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً.
ثم قال ابن تيمية للوزير المغولي: لأي شيء قال عن يزيد وهذا تتري؟ قال: قد قالوا له: إن أهل دمشق نواصب، قال ابن تيمية بصوت عال: يكذب الذي قال هذا، ومن قال هذا، فعليه لعنة الله، والله ما في أهل دمشق نواصب، وما علمت فيهم ناصبيا ولو تنقص أحد عليا بدمشق لقام المسلمون عليه (٢).
وعلينا أن نعرف أن لعن يزيد لم ينتشر إلا بعد أن قامت الدولة العباسية وأفسحت المجال للنيل من بني أمية (٣).
خلاصة القول:
يزيد لم يأمر بقتل الحسين، ولا حُمِلَ رأسه إليه ليوضع بين يديه، ولا نكت بالقضيب ثناياه بل الذي جرى منه ذلك هو عبيد الله بن زياد كما ثبت في صحيح
стр. 101
البخاري، ولا طيف برأسه في الدنيا، ولا سُبي أحدٌ من أهل الحسين؛ بل الشيعة كتبوا إليه وغرّوه، فأشار عليه أهل العلم والنُّصح بأن لا يقبل منهم، فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل، فرجع أكثرهم عن كتبهم، حتى قُتل ابن عمه، ثم خرج منهم عسكرٌ مع عمر بن سعد حتى قتلوا الحسين مظلومًا شهيدًا أكرمه الله بالشهادة كما أكرم بها أباه وغيره من سلفه سادات المسلمين.
ونحن لا نقول في يزيد إلا كما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية: كان ملكاً من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يولد إلا في خلافة عثمان ولم يكن كافراً ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صحابياً ولا من أولياء الله الصالحين وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة.
٨ - ومما يؤخذ على الصنعاني إطلاقه على علي بن أبي طالب ﵁ لفظ (الوصي):
وهذا ثابت عن الصنعاني في مواضع من كتابه هذا، فقد قاله في شرح حديث برقم (١٦٨٧): "إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي".
وقالها تحت حديث برقم (٥٦٤٧) "العباس وصيي": كأنه أمر خاص وإلا فقد ثبت أن علياً كرم الله وجهه وصيه كما حققناه في الروضة الندية. (مع أن الحديث المذكور موضوع).
وتحت حديث رقم (٩٣٦٦) "نهى عن المراثي": والمراد به النهي عن النياحة وأما المراثي في العرف وهي التحزن على الميت بالأشعار فهذا قد فعله حسَّانُ والبتولُ ﵄ وغيرهما من السلف في زمانه ﷺ وما زال الناس عليه وفعله الوصي.
وكذلك تحت حديث رقم (٨٩٤٧) "من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله" قال الصنعاني: كما هو رأي الوصي.
وقال تحت حديث رقم (٨٩٨١) "من كنت مولاه فعلي مولاه": وما فيه من
стр. 102
شرف الوصي وفضله ...
وقال تحت حديث رقم (٤١٣٢) "الخوارج كلاب النار": سئل الوصي كرم الله وجهه عنهم هل هم كفار؟. وغيرها من مواضع.
وفي مواضع من مؤلفاته الأخرى.
وهذا اللفظ من إطلاقات الرافضة، حيث يزعمون أن النبي ﷺ وصَّى بالخلافة لعلي بن أبي طالب ﵁، يُفهم من هذه الإطلاقات أنه يذهب مذهب الشيعة الإمامية والزيدية في إثبات وصية النبي ﷺ (بالخلافة) لعلي ﵁ وقد وضع الشيعة أحاديث في هذا الأمر، وقد أشار الشوكاني أن أحاديث وصايا علي بن أبي طالب كلها موضوعة. وهذا الغلو في علي بن أبي طالب ﵁ يعد مصداقاً لما جاء في كتاب السنة لابن أبي عاصم حيث أخرج من طريق علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "ليحبني قوم حتى يدخلوا النار فيّ، وليبغضني قوم حتى يدخلوا النار في بغضي". قال الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني ﵀: وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
إن إطلاق لقب (وصي) على من يخلف رسول الله ﵌ في تصريف شؤون المسلمين لم يعرف عند المسلمين، فمن المعلوم أن أبا بكر الصديق ﵁ هو الذي تولى أمور المسلمين بعد رسول الله ﵌، ولم ينقل عن أحد منهم أنه أطلق عليه لقب (وصي رسول الله) حتى من الذين قالوا بالنص على خلافته، ثم أتى بعده عمر بن الخطاب ﵁، وقد كان أوصى إليه أبو بكر بالخلافة قبل وفاته، ومع هذا لم يطلق عليه لقب (وصي) بل كان يطلق عليه (خليفة خليفة رسول الله) ثم أطلق عليه فيما بعد لقب (أمير المؤمنين) وذلك للاختصار، ثم أطلق هذا اللقب على عثمان ﵁ ولم يوجد أحد من المسلمين أطلق لقب (وصي) على أحد من الخلفاء الثلاثة، إلا ما كان من ابن سبأ وممن غرر بهم من عوام الناس، عندما أحدث القول بالوصية، وزعم أن عليا وصي رسول الله ﵌. وكان ذلك في زمن عثمان بن
стр. 103
عفان ﵁ فبهذا يتضح أن أصل لقب (وصي) يهودي صرف، انتقل إلى الشيعة عن طريق ابن سبأ.
فالشيعة أحدثوا "عقيدة الوصي" وحشدوا لها عشرات الأدلة التي لا تنص عليها مباشرة ولا يُفهم منها ما يريدون إلا بتكلف وهم قد قرروا أنَّ الإمامة ثبتت بالنص فلمَّا لم يجدوا نصًّا صريحًا اتهموا سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه لأنَّه لم يحقق مطلبهم وليس مطلب الله.
فقد تأثرت الشيعة بدعوة عبد الله بن سبأ اليهودي وأصبح عندهم من أصول دينهم إثبات الإمامة والوصية والولاية لعلي بن أبي طالب بعد النبي ﵌ والتبرءُ من أصحاب النبي ﵌ وتكفيرهم والحكم بضلالهم لما فعلوه في علي بن أبي طالب وأخذهم الخلافة منه كما يزعمون.
ومن بعض الأحاديث التي يستدل بها الرافضة على الوصي من كتب أهل السنة منها:
حديث بريدة بن الحُصَيب الأسلمي (١).
عن محمَّد بن حميد، نا: علي بن مجاهد، نا: محمَّد بن إسحاق، عن شريك بن عبد الله، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل نبيٍ وصيٌّ، وإنّ علياً وصيي ووارثي".
قلت: هذا إسنادٌ ضعيفٌ جداً فيه:
١ - علي بن مجاهد الرازي، قال الحافظ ابن حجر: (متروك وليس في شيوخ أحمد أضعف منه).
стр. 104
٢ - محمَّد بن حميد الرازي، واهي الحديث وقد تُكُلّم فيه بشدة، وكذَّبه بعضهم، وأمَّا ما جاء من ثناء الإِمام أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبي زرعة، وغيرهم عليه، فذاك قبل أن ينكشف أمره، ويتبين حاله.
قال الحافظ الذهبي في أحاديث مختارة ص: ٦٥ علي بن مجاهد كذاب كذبه جماعة وابن حميد قال خ: فيه نظر.
وقال في تلخيص كتاب الموضوعات ص ١٢٥: ويروى من وجه آخر عن سلمة الأبرش، عن محمَّد بن إسحاق مثله، وهو منكر من القول).
وقد توبع علي بن مجاهد.
قلت: أخرجه ابن عدي (٤/ ١٤)، وابن المغازلي في: (مناقب علي)، عن محمَّد بن حميد، ثنا: سلمة، حدثني: محمَّد بن إسحاق، عن شريك بن عبد الله، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه، إنَّ رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي وصي، ووارث، وإنَّ علياً وصيي ووارثي".
قلت: ضعيف جداً وفي إسناده آفات:
١ - محمَّد بن حميد الرازي، متروك ويتلقن.
٢ - وسلمة بن الفضل، ضعيف الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: (صدوق كثير الخطأ).
قال الحافظ ابن حجر في: فتح الباري (٨/ ١٥٠).
ومن طريق أبي ربيعة الإيادي عن ابن بريدة عن أبيه رفعه لكل نبي وصي وإن عليا وصيي وولي ومن طريق عبد الله بن السائب عن أبي ذر رفعه أنا خاتم النبيين وعلي خاتم الأوصياء وهذه الأحاديث أوردها وغيرها ابن الجوزي في الموضوعات. وتوبع ابن حُمَيد عليه إلا أنها متابعة كالعدم.
فروى ابن الجوزي في: (الموضوعات)، قال: أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أبو بكر البيهقي، قال: أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، قال: أنبأنا
стр. 105
محمود بن محمَّد أبو محمَّد المطوّعي، قال: حدثنا أبو جعفر محمَّد بن أحمد بن راذبه، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن عبد الله الفِرْيانَانِي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمَّد بن إسحاق، عن شريك بن عبد الله، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ لكل نبيٍّ وصياً، ووارثاً، فإنَّ وصيي ووارثي علي بن أبي طالب".
قلت: أحمد بن عبد الله بن حكيم أبو عبد الرحمن الفِرْيانَانِي، كان متروك الحديث، ليس بثقة، وقال أبو نعيم: (كان وضاعاً، مشهوراً بالوضع) فهذه متابعة لا تثبت.
دعوى النص على إمامة علي ﵁ وأنه الوصي بعهد من رسول الله ﷺ دعوى تزعمهم جميع الشيعة الإمامية بما في ذلك المذهب الزيدي، وإن كان الإِمام زيد على خلاف ذلك، كما يفيد قوله الذي جاء في مجموع الإِمام زيد بن علي عن أبي خالد الواسطي، ما لفظه: "قال سألت زيد بن علي ﵇ عن الإمامة؟ فقال: هي من جميع قريش، ولا تنعقد الإمامة إلا ببيعة المسلمين، فإذا بايع المسلمون، وكان الإِمام براً تقياً عالماً بالحلال والحرام فقد وجبت طاعته على المسلمين (١).
الخلاف بين الزيدية والاثنى عشرية إنما هو في وضوح النص وخفائه، فالزيدية قالت: بأن النص خفي، والرافضة قالت: بأن النص جلي، وأن الصحابة قد تواطؤ على كتمانه وإنكاره.
قال الحسن بن بدر الدين أحد أئمة الزيدية (ت: ٦٧٠ هـ): "اختلف الناس في الإِمام بعد رسول الله ﷺ فذهب الزيدية الجارودية والإمامية إلى أن الإِمام بعده بلا فصل هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وأن طريق إمامته النص، ثم اختلف هؤلاء:
стр. 106
فقالت الإمامية: إن النبي ﷺ نص عليه نصاً جلياً، يعلم كل واحد ممن سمعه قصد النبي ﷺ فيه ضرورة.
ومالت الزيدية الجارودية بأن النص على إمامة علي ﵁ مما يحتاج في معرفة المراد إلى تأمل ونظر ... (١).
وقال الأمير الحسين، صنو الحسن بن بدر الدين في كتابه (شفاء الأوام المميز بين الحلال والحرام) ما لفظه: "الذي نختاره إن النص الوارد في علي ﵁ وقع على وجه يحتاج في معرفة المراد به إلى تأمل، ولا نكفر من دافعه، ولا نفسقه وتخطئة من تقدمه يحتمل أن تكون صغيرة؛ لأن لمن تقدم عليه من المشايخ -يعني أبا بكر وعمر وعثمان- أعمالاً حسنة، وأفعالاً زكية صالحة، وقد قال علي ﵁: لأن أخطئ في العفو أحب إليّ من أن أخطىء في العقوبة، ونقول كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْألونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤١] (٢).
وقال الديلمي في كتاب "عقائد آل محمَّد" ما لفظه: "اعلم أن مذهب سادات الزيدية من العترة الزكية بل مذهب جميع الطهرة من الذرية وأتباعهم وأشياعهم دون من تسمى باسمهم، وليس منهم التوقف في أمر الشيخين لوجوه ذكروها في كتبهم، خصوصاً ما ذكره المؤيد بالله والإمام المنصور بالله، وما ذكره الشيخ أحمد الكنّي، والقاضي جعفر وغيرهم من العلماء ... " ثم قال: "قال: من طعن فيهم ممن سبهم، وتسمى باسم الزيدية فقد أخطأ الخطأ العظيم، وجاوز في أمره الصراط المستقيم، ولعل ذلك منه لما سمع من خرافات الرافضة من الإمامية وغيرهم من الإسماعيلية، ولا يغتر مسلم عاقل بذلك؛ لأنه طعن في أصل
стр. 107
الإِسلام، وتحصل بسببه قدح في سنة الرسول ﷺ ، وإذا انتهى الأمر إلى الحد الذي تذكره الإمامية وغيرهم، وصححنا قولهم لم يبق من أخبار الصحابة ورواياتهم شيء بخروجهم عن الإِسلام، ويلزم إبطال الشريعة بالكلية؛ لأنها مروية عن جميعهم، منقولة من سندهم، وكيف وقد لعن النبي ﷺ من سب أصحابه؟!!
وأما الهادي فإنه جلد من سب أبا بكر وعمر". انتهى ما ذكره (١).
فالخلاف بين الفرقتين كبير لا يمكن إنكاره بعد أن وصل إلى تكفير كل جانب للآخر، فالرافضة روت أخبار كثيرة في كتبهم عن أئمة البيت في تكفير الزيدية حتى قال إمامهم المجلسي: "كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالة على كفر الزيدية وأمثالهم من الفطحية والواقفة" (٢).
هذه خلاصة لمذهب الشيعة في الوصاية لعلي ﵁، والحقيقة أنه لا نص لوصاية علي ﵁ لا خفي ولا جلي وإنما هي أوهام ودعاوي!!
بل جاء عن الحسن بن الحسن بن علي ﵁ إنكاره للنص.
" ... وَسَألَهُ رَجُلٌ: أَلمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كنْتُ مَوْلاهُ فَإِنَّ عَلِيًّا مَوْلَاهُ"، قَالَ: بَلَى، أَمَا وَاللهِ لَوْ يَعْنِي بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الإِمَارَةَ وَالسُّلْطَانَ لأَفْصَحَ لَهُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَنْصَحَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا وَلِيُّ أَمْرِكُمْ، وَالْقَائِمُ لَكُمْ مِنْ بَعْدِي فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، واللهِ مَا كَانَ وَرَاءَ هَذَا شَيْءٌ، وَاللهِ إِنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ اخْتَارَا عَلِيًّا لِهَذَا الأَمْرِ وَالْقِيَامِ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ تَرَكَ عَلِيٌّ مَا اخْتَارَ اللهُ لَهُ وَرَسُولُهُ أَنْ يَقُومَ بِهِ حَتَّى يُعْذَرَ فِيهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ إِنْ كَانَ أَحَدٌ أَعْظَمَ ذَنْبًا وَلَا خَطِيَّةً مِنْ عَلِيٍّ إِذْ تَرَكَ مَا اخْتَارَ اللهُ لَهُ وَرَسُولُهُ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ" (٣).
стр. 108
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: "والواجب علينا الإيمان بأنه -أي عليا- ﵇ وصي رسول الله ﷺ ولا يلزمنا التعرض للتفاصيل الموصى بها، فقد ثبت -أنه أمره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين وعين له علاماتهم وأودعه جملاً من العلوم وأمره بأمور خاصة كما سلف، فجعل الموصى بها فرداً منها ليس من دأب المنصفين".
فالشوكاني رحمه الله تعالى، يثبت أن علياً ﵁ وصي للرسول ﷺ ، ولكنه يرى أن هذه الوصية يجب ألا تخصص في شيء من الأشياء، فهي تشمل كل ما أوصى به ﷺ ، لعلي بن أبي طالب. مع أنه رحمه الله تعالى أورد في رسالته من وصايا الرسول ﷺ ، لعلي بن أبي طالب قوله: "هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا" وأيضاً: "ألا أرضيك يا علي؟ أنت أخي ووزيري تقضي ديني وتنجز موعدي وتبرئ ذمتي" فعلي ﵁ على رأي الإِمام الشوكاني أنه منجز الوعد، وقاضي الدين، ووارثه، ووزيره، وخليفته في الصحابة من بعده ﷺ (١).
٩ - ويوجه إلى الصنعاني الانتقاد:
قوله بعد ذكر اسم علي بن أبي طالب "﵇" قال العليمي: والمتأمل لهذا الأمر يرى أن الصنعاني ﵀ قال: واختلفوا أيضاً في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي، فقيل: يشرع مطلقاً، وقيل: تبعاً ولا يفرد بواحد لكونه صار شعاراً للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ محمَّد الجويني، (الأذكار (ص ١٠٠) وردّ عليه الصنعاني: قلت -أي ابن
стр. 109
الأمير-: هذا التعليل بكونه صار شعاراً لا ينهض على المنع؛ والسلام على الموتى قد شرعه الله على لسان رسول الله ﷺ : "السلام عليكم دار قوم مؤمنين". سبل السلام (٤/ ٢١٥).
قال ابن كثير في "تفسيره" (١١/ ٢٣٨) في مَعرِض حديثه عن الصلاة والسلام على غير الأنبياء: وقد غَلَبَ هذا في عبارةِ كثيرٍ من النُّسَّاخِ للكُتُبِ، أنْ يُفرِدَ عليّ ﵁ بأنْ يقال: "﵇" مِن دون سائرِ الصَّحَابة، أو: "كرَّمَ الله وجهَه"؛ وهذا وإنْ كان معناهُ صَحِيحاً، لكنْ يَنبغي أن يُسَاوَى بَينَ الصَّحَابةِ في ذلك؛ فإنَّ هذا مِنْ بَاب التعظيم والتكريم، فالشَّيخَانُ وأميرُ المؤمنين عثمان، أولى بذلك منه ﵃ أجمعين-. وفي "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/ ١٠٠، ٤٠٢): لا أصلَ لتخصيص ذلك بعليٍّ ﵁ وإنما هُو مِنْ غُلُوِّ المتشيِّعَةِ فيه.
قال العليمي: إن قول الصنعاني "﵇" بعد ذكر علي لا تعني أكثر من معناها الذي تدل عليه اللغة، ولا ينبغي تحميلها أكثر من ذلك؛ لأن الصنعاني وغيره كابن الوزير لم يستعملاها لعلي فقط، بل يطلقانها على غيره والأمر كما قال العليمي لا ينبغي إعطاؤها أكثر من حجمها، والله أعلم (١).
خلاصة القول:
وعلى العموم فإن الصنعاني مع هذه الزلات التي ربما كانت في فترة سابقة من حياته، فإنه يترضى عن جميع الصحابة، ويقدم أبا بكر وعمر ويترضى عنهم، إضافة إلى أنه يرى ترتيب الخلفاء الأربعة فقد قال تحت حديث رقم (٢٨٥٣) وفيه: "ألا أخبركم بأفضل الملائكة ... وأفضل النساء مريم بنت عمران" قال التفتازاني: أفضل الأمة بعد المصطفى ﷺ الخلفاء الأربعة، ورتبهم على ترتيب الخلافة.
стр. 110
بل قال تحت حديث رقم ٥٥٨٠ "علي بن أبي طالب مولى من كنت مولاه" قال: قد سبق أن لفظ "مولى" مشترك بين معان، وأبعد من قال: المراد هنا يتولى من كنت أتولاه، بل ظاهره أن المراد أن ما ثبت لي من الولاية فهو لعلي إلا ما خصه لاختصاص النبوة.
ولا يمكن نسبته إلى الغلو في التشيع ولا إلى انحيازه إلى الاعتزال لهناتٍ قليلة صدرت عنه في مواضع قليلة نادرة، ولعل هذا ما استقر في قلبه قديماً قبل أن يتوسع أفقه وتتسع مداركه؛ لأنه صدر عنه ما يدل على اعتداله وانصافه، كما قال تحت حديث: "المرء مع من أحب": ثم ليعلم أن المراد بالحب المأذون فيه شرعاً، فمن أحب عيسى ﵇ وجعله لله ولداً فما أحبه ولا هو معه، وكذلك من أحب علياً ﵇ حب الغلاة.
وقال أيضاً تحت حديث (رقم: ٥٥٧٩) "علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" قال: إنما قال ذلك تحذيراً مما وقع فيه قوم موسى من الغلو كغلاة الروافض فإنهم زعموا أنه نبي يوحى إليه.
وقال تحت حديث "عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب" قال الصنعاني: والمراد الحب الذي لا إفراط فيه كالغلاة. ولا شك بأن الصنعاني يرى.
والصنعاني معذور في سلوكه لهذا المنهج خاصة لمن نظر وتتبع حالة المجتمع الإِسلامي وما وصل إليه من خرافة وتقليد في زمنه، وبيئته وسيطرة كاملة من الزيدية في بلده فإذا ظهر رجل في وسط هذا المجتمع بهذا الفكر النيّر، وهذه الدعوة التي ترد كل شيء إلى الكتاب والسنة في الأصول والفروع، كان هذا دليلاً على صحة مذهبه ودعوته، وقد يكون ذكر ذلك تورية ليتجنب شر هؤلاء، وكذلك كان تأليفه لهذا الكتاب متقدما في شبابه فقد عاش بعده ٢٧ عامًا فلعله قد تراجع عنها. نسأل الله له العفو والعافية (١).