لأنه بصدد وصف الكلم النبوية، والمراد المرفوعة، ويحتمل أن يراد به الأعم، والمعنى: أن معادن الأحاديث تجمع الموقوف والمرفوع، وأنه أخرج إلى هذا الباب المرفوع وترك غيره، ولذا شبهه بالإِبْرِيز وهو خالص الذهب، فقد شبه الآثار بالمعدن ثم صنع فيه ما صنع في لجين الماء، واستعار الإبْريز للأحاديث استعارة مصرحة، واستعمل التلخيص في معنى الاستخراج، والمعنى: واستخرجت من الآثار التي هي كالمعدن للأحاديث التي كالإبريز، والمعدن ترشيح للاستعارة (وبالغت في تحرير التخريج) ناهيت في الاجتهاد في إخراج الأحاديث التي أودعتها فيه من كتب الأئمة (فتركت القشر) بكسر القاف هو غطاء الشيء (وأخذت اللباب) قيل مراده: تجنبت الأحاديث الموضوعة، وأثبت بالصحيح والحسن، ويحتمل أن مراده حذفت الأسانيد وأثبت باللفظ النبوي الذي هو لبابها ويدل له قوله: (وصنته عما تفرد به وضَّاع) أي حفظته عن حديثما تفرد بروايته من عرف بوضع الأحاديث واختلاقها، وقد جعل أئمة الحديث الحديث الموضوع: ما طعن فيه بكذب راويه (١)، فقوله: (أو كذاب) عطف تفسيري بناء على أنه يأتي بأو، كما يأتي بالواو، وهذه الجمل على التفسير الأخير للجملة الأولى وقعت كما لاحتراز عما يوهمه حذفه إسناد الحديث، من أن يقال قد يكون فيمن حذفه من رجال الأحاديث التي تضمنها كتابه كذاب، فدفع ذلك بأنه قد صانه عن من في رجاله وضّاع أو كذّاب، وعلى التفسير الأول تكون الجملة تأكيدًا لما قبلها، والتأسيس خير من التأكيد، (ففاق) هذا الكتاب (بذلك) بجمعه لما ذكر على تلك الصفات (الكتب المؤلفة في هذا النوع) وهو إيراد متون الأحاديث مجردة عن الأسانيد مختصرة الألفاظ جامعة لأصناف
стр. 142
عديدة، سالمة عن أحاديث الوضاعين والكذابين ومن قال: إن المراد هذا مع ترتيبها على الحروف لم يصب؛ لأنه لم يتقدم وصف هذا المؤلف ولا تلك بهذه الصفة (كالفائق) كتاب ألفه العلامة بن غنام، جمع فيه الرقائق: وسماه: (الفائق في اللفظ الرائق) (١) ولا يخفى ما في فاق والفائق من جناس الاستنفاق، (والشهاب) كتاب جمع فيه متونًا من الأحاديث، القاضي أبو عبد الله القضاعي (٢)، فإن هذين الكتابين وإن جمعا من الأحاديث الرائقة المختصرة المفيدة أنواعًا، فإنهما ما خليا عن حديث وضّاع أو كذّاب، واعلم أن المصنف ﵀ قد صرح أن كتابه هذا خلا عن أحاديث من ذكر من أهل الوضع والكذب، وهذه الشريطة ما تم مفاده بها، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، ولأنه قال في خطبة الجامع الكبير (٣): إنما كان من الأحاديث منسوبًا للبيهقي في "الضعفاء" ولابن عدي في الكامل، وللخطيب في تاريخه، ولابن عساكر في تاريخه، وللحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وللحاكم في تاريخه، ولابن الجارود في تاريخه، أو للديلمي في مسند الفردوس، فهو ضعيف وأنه سيغني بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه، هذا معنى كلامه. والضعيف يشمل الموضوع شمول الأعم للأخص.
ثم اعلم أنها توجد رموز على رموز الكتب المخرجة منها الأحاديث: رمز الصحيح والحسن والضعيف وهي من المصنف كما صرح به شارحه ويوجد
стр. 143
في نسخ: الرمز للموضوع بلفظ (ضع)، إلا أنها تتعين أنه ألحقها غير المصنف من الناظرين في كتابه الذين وجدوا الحديث فيه موضوعًا، إذ من البعيد أن يصرح في الخطبة أنه جرَّده عن أحاديث الوضَّاعين ثم يرمز لبعض أحاديثه أنه موضوع.
ثم اعلم أنا وجدنا كثيراً مما يحكم له المصنف برمز الصحة أو الحسن أو الضعف ليس كما قاله وستمر بك كثير من ذلك [ص: ٤] في هذا الشرح إن شاء الله تعالى، (وحوى) بالحاء المهملة جمع (من نفائس الصناعة الحديثية ما لم يودع قبله في كتاب) من ذلك عزو الحديث إلى موضعه من كتب الأئمة، وذكر صحابيه الراوي له، والغنية عن التصريح باسم المخرج للاكتفاء برمزه ويعدد الرمز إذ تعدد المؤلف اسم مفعول مع اتحاد المؤلف اسم فاعل كما في رموز البخاري والطبراني بألطف عبارة وأوضح رمز مع استطراد ذكر الغرابة أو نحوها من الوقف والإرسال والإعضال ونحو ذلك، وكالتصحيح والتحسين والتضعيف. (ورتبته على حروف المعجم) أي جعلت منازل الأحاديث منزلة على منازل حروف المعجم الأول فالأول، وفي القاموس: المعجم كالمُدْخل أي من شأنه أن يُعْجم، يقال: أعجم فلان الكتاب أي نقطه، يريد أن همزته للسلب، وسمّيت جميعها حروف المعجم لأن فيها ما يعجم فالتسمية تغليب، وحروف المعجم قد جمعها العلامة المقري في بيت أراد تقريب البحث للناظرين في القاموس، فقال:
جمعت حروفًا رتب الشيخ سفره ... عليهن في بيت من الشعر محكم
أبت ثجح خد ذرز شمص منط ... ظغ عفق كلم نوهي فاعلم
(مراعيًا) حال من فاعل رتبت مراعيًا في الترتيب (أول الحديث فما بعده) أي ما بعد الأول فإذا كان أوله همزه فألف قدمه، كما في آخر أو همزه فباء موحدة كان بعد الهمزة فالألف، وإذا كان بعدها باء مثناة كانت بعدها، ثم كذلك إلى
стр. 144
آخر الحروف، ولقد قربه بهذا أتم تقريب فجزاه الله خيرًا.
(تسهيلاً على الطلاب) نصب على أنه مفعول له، وهو علة لقوله رتبته، ويحتمل أنه علة لجميع ما سلف من قوله أودعت فيه إلى آخره، إذ الكل تسهيل للآخذين والناظرين فيه، وسميته: (الجامع الصغير من حديث البشير النذير) صفتان لموصوف يُعينه المقام، وهو محمد ﵌، ووجه التسمية بذلك ما عللها به من قوله: (لأنه مقتضب) اسم مفعول من اقتضبته إذا اقتطعته فهو مقتطع (من الكتاب الكبير الذي سميته جمع الجوامع) لأنه جمع كل جامع قبله. (وقصدت فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها) بجميعها، وهذا بحسب ما اطلع عليه المصنف ﵀ لا بحسب ما في نفس الأمر، إلا أنه قد جمع فيه فأوعى، وما فاته إلا ما هو خاف نادر، قال في خطبة (الكبير) (١): هذا كتاب شريف حافل، ولباب منيف رافل بجميع الأحاديث النبوية كافل، قصدت فيه إلى استيعاب الأحاديث النبوية، وأرصدته مفتاحًا لأبواب المسانيد العلية، ثم قسمته إلى قسمين قسم في الأقوال، وقسم في الأفعال، فهذا الكتاب تلخيص للقسم الأول منه، (وهذه رموزه) أي الكتاب، أو الجامع الصغير, وأضافها إليه لنفعها بمعية إلا فإنها رموز لمن جعلت علامة لاسمه من الأئمة، وهي جمع رمزة بسكون الميم، وقد يحرك ويفتح أوله وقد يضم وهي الإشارة أو الإيماء بالشفتين أو العينين أو الحاجبين أو الفم أو اليد أو اللسان، أفاده القاموس (٢)، وقد نقل هنا إلى الإشارة ببعض حروف الكلمة إليها، فيقرأ المملي الاسم المرموز إليه به لا الرمز؛ لأنه غير مراد لنفسه، بل للدلالة والإشارة إلى غيره، مثاله أن ينتهي إلى صورة ق فيقرأ متفق عليه.
стр. 145
واعلم أن المصنف ﵀ نقل في كتابه هذا عن اثنين وعشرين إمامًا، من أئمة السنة النبوية، أعني الذين جعل لهم الرموز، وإلا فقد نقل فيه عن عالم لا يحصون، إلا أن هؤلاء هم العمدة فيه، ولا غنى للناظرين عن معرفتهم بذكر تراجمهم وسطرًا من أحوالهم، فإن معرفة من أخرج هذه الأحاديث ونقلها ثم تبعه المصنف في الأخذ من كتابه مكتفياً فيه بالنسبة إليه مع حذفه لأسانيدها مما يبعث الناظر إلى البحث عن مؤلفها، وقد ذكر ابن الأثير في كتابه (جامع الأصول) (١) تراجم الأئمة الستة الذين جمع كتابه من كتبهم في صدر كتابه، وتبعه على ذلك الحافظ ابن الديبع في كتابه (تيسير الوصول) (٢).
فلنسرد رموزهم أولاً ثم تراجمهم ثانيا، معتمدًا في نقل تراجمهم على (التذكرة) لأبي عبد الله الذهبي، أمَّا الرموز فإنها التى ساقها المصنف:
(خ: للبخاري) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي صاحب كتاب (الصحيح) شيخ الإسلام، وإمام هذا الشأن المقتدى به فيه، في جميع البلدان [ص: ٥].
ولد في شوَّال سنة أربع وتسعين ومائة، وأول سماعه للحديث سنة خمس ومائتين، صنَّف وحدَّث، وما كان في وجهه شعرة، وكان رأسًا في الذكاء، رأسًا في العلم، رأسًا في الورع والتعبد، رحل في طلب الحديث إلى سائر محدثي الأمصار، وقال: كتبت عن أكثر من ألف رجل، قال البخاري: لما بلغت ثماني
стр. 146
عشرة سنة جعلت أصنِّف وصايا الصَّحابة وأقاويلهم، وحينئذ صنف التاريخ عند قبر النبي ﷺ في الليالي المقمرة، وروي عنه أنه قال: أخرجتُ هذا الكتاب -أعني الصحيح- من زهاء ست مائة ألف حديث، وقال الفربري: قال لي البخاري: ما وضعت في الكتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين (١). مات ﵀ ليلة الفطر ودفن من الغد بعد صلاة الظهر يوم السبت غرة شوال سنة ست وخمسين ومائتين.
(م: لمسلم) هو الإمام الحافظ الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ولد سنة أربع ومائتين، وأوَّل سماعه سنة سبع عشرة ومائتين، سمع عن خلق لا يحصون، رُوي عنه أنه قال: صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، قال أحمد بن سلمة: كنت مع مسلم في تأليف "صحيحه" خمس عشرة سنة، وهو اثنا عشر ألف حديث مسموعة, قال ابن الشرقي: سمعت مسلمًا يقول: ما وضعت شيئًا في كتابي هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئًا إلا بحجة. مات مسلم في رجب سنة إحدى وستين ومائتين (٢).
(ق: لهما) أي إذ اتفقا على إخراج الحديث.
(د: لأبي داود) هو الإمام المثبت سيد الحفاظ سليمان بن الأشعث أحد من رحل وطوّف وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين، والخراسانيين والشاميين والمصريين والحجازيين وغيرهم، ولد سنة اثنين ومائتين وسمع عن خلائق،
стр. 147
وعنه خلائق، قال أبو بكر بن داسه: سمعتُ أبا داود يقول: كتبتُ عن رسول الله ﷺ خمس مائة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني كتاب السنن, جمعتُ فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرتُ الصحيح ومقاربه، قال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا، مات في شوال سنة خمس وسبعين ومائتين (١).
(ت: للترمذي) هو: الإمام الحافظ أبو عيسي محمد بن عيسى الحافظ الضرير، مصنف الجامع وكتاب العلل، قال ابن حبان في كتاب "الثقات" (٢): كان أبو عيسي ممن جمع وصنف، وضبط فأكثر، قال أبو عيسي: صنفتُ هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب يعني الجامع فكأنما في بيته نبي يتكلم، قال الحاكم: سمعت عمر بن عدي يقول: مات البخاري ولم يخلف بخراسان مثل أبي عيسي في الحفظ والعلم والورع والتزهد، بكى حتى بقي ضريرًا، مات في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، ولم يذكر الذهبي مولده، وقال الذهبي: قال شيخنا ابن دقيق العيد: ترمذ بالكسر مستفيض على الألسنة كالمتواتر وقيل هو بضم التاء (٣).
(ن: النسائي) هو: الإمام الحافظ شيخ الإِسلام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني صاحب السنن, ولد سنة إحدى وخمسين ومائتين، سمع من خلائق، وبرع في هذا الشأن، وتفرد بالمعرفة والإتقان وعلو الإسناد، قال محمد بن المظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي
стр. 148
بالعبادة في الليل والنهار، وأنه خرج إلى الفدى مع أمير مصر، فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثوره في فداء المسلمين، واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه، وعدم الانبساط في المأكل، وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج، قال أبو عبد الله بن منده عن حمزة العَقبي المصري وغيره: أن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق فسئل بها عن معاوية وما جاء في فضائله؟ فقال: ألا يرضى رأسًا برأس حتى تُفضَّل؟ فما زالوا يَدْفَعُون في حِضْنَيْهِ حتى أخرج من المسجد، وحمل إلى مكة وتوفي بها، وقيل بالرملة، وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث وثلائمائة (١). [ص: ٦].
قلت: ونسبته إلى نسا بفتح النون وفتح السين المهملة وبعدها همزة وهي مدينة بخراسان خرج منها جماعة من الأعيان قاله ابن خلكان (٢).
(هـ: لابن ماجه) هو: الحافظ الكبير المفسر أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجة، صاحب السنن والتفسير والتاريخ، ومحدث تلك الديار، ولد سنة سبع ومائتين، وسمع من عالم، وعنه خلائق، قال ابن ماجة: عرضت هذه السنن على أبي زرعة فنظر فيه وقال: أظن أنه إن وقع في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال: لعل لا تكون تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف، قال أبو يعلى الخليلي: ابن ماجة ثقة كبير، متفق على ثقته، يحتج به، له معرفة وحفظ، ارتحل إلى العراق ومكة والشام ومصر، قال أبو الحسن القطان: في السنن ألف وخمسمائة باب، وجملة ما فيه: أربعة آلاف حديث، قال الحافظ الذهبي قلت (٣): سنن أبي عبد الله كتاب حسن، لولا ما
стр. 149
كدّره بأحاديث واهيه ليست بالكثيرة، وفاته لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين، والقزويني: بفتح القاف وسكون الزاي وكسر الواو وسكون الياء المثناه من تحت، وبعدها نون، نسبةْ إلى قزوين وهو أشهر المدن بعراق العجم، خرج منها جماعة من العلماء (١).
واعلم أن من أئمة الحديث من جعل سادس الأمهات (الموطأ) لمالك كما فعل ذلك ابن الأثير في (جامع الأصول) ومعه من أخذ من كتابه، ومنهم من جعل السادس سنن ابن ماجة كالمجد ابن تيمية في المنتقى، وصنيع المصنف هذا أشعر بذلك فإنه لم يضم الموطأ مع الخمسة، وضم سنن ابن ماجه، وسينقل عن الموطأ كما ينقل عن غيره من كتب الحديث مما لم يجعل له رمزًا (٢) (٤: لهؤلاء الأربعة) إذا اجتمعوا على إخراج حديث، وهم أهل السنن من عدى الشيخين (٣: لهم إلا ابن ماجة) إذا انفردوا بإخراج الحديث، ولم يخرجه ابن ماجه.
(حم: لأحمد في مسنده) هو: الإمام الحجة، شيخ الحفَّاظ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني، ولد سنة أربع وستين ومائة، أخذ عن عوالم، وعنه خلائق، منهم الأئمة: البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة وعبد الله ابنه، وخلائق لا يحصون، قال عبد الله ابنه: سمعتُ أبا زرعة يقول: كان أبوك يحفظ
стр. 150
ألف ألف حديث ذاكر به الأبواب، وقال إبراهيم الحربي: رأيتُ أحمد كان أمة قد جمع له علم الأولين والآخرين، وقد أفردت سيرته في مؤلفات أفردها البيهقي وابن الجوزي (١)، مات يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة، ﵀ (٢).
قلتُ: قال المصنف في خطبة (الجامع الكبير): أن كل ما كان من مسند أحمد فهو مقبول فإن الضعيف منه يقرب من الحسن.
(عم: لابنه في زوائده) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الإمام الحافظ الحجة أبو عبد الرحمن، محدث العراق، ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين، وسمع من أبيه فأكثر، ومن عوالم، قال الخطيب: كان ثقة تقيًّا فهمًا، قال إسماعيل بن محمد بن حاجب: سمعتُ صهيب بن سليم يقول: سألتُ عبد الله بن أحمد، قلت: كم سمعت من أبيك؟ قال: مائة ألف وبضع عشرة ألفاً، مات عبد الله في شهر جمادى الآخر سنة تسعين ومائتين (٣).
(ك: للحاكم) هو: الحافظ الكبير، إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه النيسابوري، المعروف بابن البيّع، صاحب التصانيف، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، في ربيع الأول، طلب الحديث من الصغر فسمع سنة ثلاثين، ورحل إلى العراق ابن عشرين، ثم جال في خراسان وما وراء
стр. 151
النهر وسمع بالبلاد من ألفي شيخ أو نحو ذلك، قال الخليل بن عبد الله الحافظ: هو ثقة، واسع العلم، بلغت تصانيفه قريبًا من خمسمائة جزء، وقال غيره: اتفق له من التصانيف في العلم يبلغ ألف جزء، وألَّف (تاريخ نيسابور) الذي لم يسبقه إليه أحدٌ، وقد أطنب الأئمة في حقه ما لا يجمعه المقام، تُوفي الحاكم سنة خمس وأربعمائة، دخل الحمام واغتسل وخرج، وقال: آوه وقبض روحه، وهو يلبس قميصه، وحمدويه: بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وضم الدال المهملة وسكون الواو وفتح الياء المثناة من تحت بعدها هاء [ص: ٧].
والبيّع: بفتح الباء الموحدة وبكسر الياء المثناة من تحتها وتشديدها وبعدها عين مهملة وإنما عرف بالحاكم لتقلّده القضاء، قاله ابن خلكان (١).
(فإن كان في مستدركه) الذي ألفه يستدرك على الصحيحين ما فاتهما مما هو على شرطهما، أو شرط أحدهما، قال المصنف في خطبة (الكبير): إن ما كان في المستدرك فإنه صحيح (٢)، والعزو إليه معلم بالصحة إلا فيما انتقد عليه.
قلت: وسنقف كثيراً على ما انتقد عليه في هذا الشرح إن شاء الله (أطلقت وإلا بينته) بالتصريح باسم الكتاب الذي نقل الحديث منه.
(خد: للبخاري في الأدب) أي هو رمز ما ينقل من كتابه الذي سماه (الأدب المفرد)، (تخ: له في التاريخ) أي هذا رمز ما ننقله عنه من تاريخه الكبير المشهور، وله ثلاثة تاريخ إلا أنه إذا أطلق كما هاهنا فالمراد الكبير.
(حب: لابن حبان) هو: الحافظ العلامة أبو حاتم محمد بن حبان بن معاذ
стр. 152
التميمي البستي صاحب التصانيف، سمع على عدة من الحفاظ، وعنه عدة، وحدث عنه الحاكم وغيره، قال أبو سعيد الإدريسي: كان على قضاء سمرقند زمانًا، وكان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار، عالمًا بالطب والنجوم وفنون العلم، صنف المسند والصحيح والتاريخ وكتاب الضعفاء وفقَّه الناس بسمرقند، وقال الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال، وقال الخطيب: كان ثقة نبيلاً فهمًا، قال ابن حبان في كتابه (الأنواع): لعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ، مات أبو حاتم ابن حبان في شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ﵀ (١)، (في صحيحه) هو المسمى بالتقاسيم والأنواع، قال المصنف في خطبة (الجامع): ما كان في صحيح ابن حبان فإنه صحيح، والعزو إليه معلم بالصحة.
(طب: للطبراني) هو: الإمام العلامة الحجة بقية الحفاظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مُطَيْر الشامي الطبراني، مسند الدنيا, ولد سنة ستين ومائتين، سمع بمدائن الشام والحرمين ومصر وبغداد والكوفة والبصرة وأصبهان والجزيرة وغير ذلك، حدَّث عن ألف شيخ أو يزيدون، وصنَّف (المعجم الكبير)، وهو المسند، قال الحافظ ابن منده: هو مائتي جزء، والمعجم الأوسط، في ست مجلدات كبار في معجم شيوخه، يأتي عن كل شيخ ماله من العجائب والغرائب، بيَّن فيه فضيلته وسَعة روايتهِ، وكان يقول: هذا الكتاب رُوحي، فإنه تعب فيه، وصنَّف (المعجم الصغير) وهو عن كل شيخ له حديث، وصنف أشياء كثيرة، وهو من فرسان هذا الشأن مع الصدق والأمانة، وقد عدَّ الحافظ ابن منده تآليفه قريبة من ستين تأليفاً، قال الأستاذ ابن العميد:
стр. 153
ما كنت أظن أن في الدنيا كحلاوة الوزارة والرئاسة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلبه بكثرة حفظه، وكان أبو بكر يغلبه بفطنته، حتى ارتفعت أصواتهما إلى أن قال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هات! فقال: ثنا أبو خليفة ثنا سليمان بن أيوب وحدث الحديث، فقال الطبراني: أنا سليمان بن أيوب ومني سمعه أبو خليفة فأسمعه مني عاليًا فخجل الجعابي، فوددت أن الوزارة لم تكن، وكنت أنا الطبراني وفرحت كفرحه.
توفي الطبراني ليلة الإثنين من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، قال الذهبي: قلت: استكمل الطبراني مائة عام وعشرة أشهر، وحديثه قد ملأ الدنيا، والطبراني: بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة والراء وبعد الألف نون نسبة إلى طبرية، والطبري نسبة إلى طبرستان (١)، وعرفت المراد من قول المصنف في (الكبير).
و (طس) له في الأوسط، وطص له في الصغير.
(ص: لسعيد بن منصور) هو العالم الحجة الإِمام أبو عثمان المروزي ويقال الطالقاني، صاحب السنن، سمع مالكًا وطبقته وعنه الأثرم، ومسلم وأبو داود وخلق، قال سلمة بن شبيب: ذكرت سعيد بن منصور لأحمد بن حنبل فأحسن الثناء عليه، وفخم أمره، وقال أبو حاتم: ثقة من المتقنين الأثبات، ممن جمع وصنف، وقال حرب الكرماني. أملى علينا نحواً من عشرة آلاف حديث من حفظه، مات سعيد بمكة في رمضان سنة سبع وعشرين ومائة (٢).
(ش: لابن أبي شيبة) هو أبو بكر بن أبي شيبة الحافظ العديم النظير، الثبت
стр. 154
النحرير عبد الله بن محمد بن أبي شيبة صاحب المسند والمصنف، وغير ذلك، سمع من شريك القاضي وطبقته وعنه البخاري ومسلم [ص ٨] وأبو داود وابن ماجة وخلائق، قال العجلي: ثقة حافظ، وقال الفلاس: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، قال الخطيب: كان أبو بكر متقنًا حافظًا صنف المسند والأحكام، قال البخاري: مات في المحرم سنة خمس وثلاثين ومائتين (١).
(عب: لعبد الرزاق في الجامع) هو بن همام بن نافع الحافظ الكبير أبو بكر الصنعاني صاحب التصانيف، أخذ عن أمم، وعنه عالم، منهم: أحمد وإسحاق وابن معين، وكان عبد الرزاق يحفظ حديث معمر، قال الذهبي: قلت: وثقه غير واحد، وحديثه مخرج في الصحيح، مات سنة إحدى عشرة ومائتين في نصف شوَّال، ﵀ (٢).
(ع: لأبي يعلي في مسنده) هو أبو يعلى الموصلي الحافظ الثقة محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى صاحب المسند الكبير سمع من يحيى بن معين وعلي بن الجعد وعوالم، وحدث عنه: ابن حبان وخلق، قال الأزدي: كان أبو يعلى من أهل الأمانة والصدق والدين والحلم، وثقه ابن حبان ووصفه بالدين والإتقان. قال الحاكم: ثقة مأمون، مولده في شوال سنة عشر ومائتين، ومات سنة سبع وثلاثمائة (٣).
(قط: للدارقطني) هو الإمام شيخ الإسلام حافظ الزمان أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الحافظ الشهير، صاحب السنن, مولده سنة ست
стр. 155
وثلاثمائة، سمع عن خلائق، وعنه خلائق، منهم: الحاكم وغيره من الأئمة، وصنف التصانيف الفائقة، قال الحاكم: صار الدارقطني أوحد أهل عصره في اللهم والحفظ والورع، وإمامًا في النحويين والقراء، قال الخطيب: كان فريد عصره وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر، والمعرفة بالعلل، وأسماء الرجال مع الصدق والثقة، وصحة الاعتقاد، والأخذ من العلوم.
قال الخطيب: وحدثني الأزهري قال: بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار وقعد ينسخ والصفار يملي، فقال رجل: لا يصح سماعك، وأنت تنسخ، فقال الدارقطني: فهمي الإملاء خلاف فهمك، أتحفظ كم أملى الشيخ؟ قال: لا، قال: أملى ثمانية عشر حديثًا، الحديث الأول: عن فلان عن فلان، ومتنه كذا وكذا، والحديث الثاني: عن فلان عن فلان، ومتنه كذا وكذا، ومر على ذلك حتى أتى على الأحاديث، فتعجب الناس منه، قال أبو ذر الحافظ: قلت للحاكم: هل رأيت مثل الدارقطني؟ قال: هو لم ير مثل نفسه فكيف أنا! قال الحافظ الذهبي: وإذا شئت أن تعرف براعة هذا الإمام الفرد، فطالع العلل له فإنك تندهش ويطول تعجبك.
مات الدارقطني ثاني ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ﵀ ودفن ببغداد، وصلى عليه أبو حامد الإسفراييني العلامة المعروف، والدارقطني: بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مفتوحة ثم قاف مضمومة وبعدها طاء مهملة هذه نسبة إلى دار القطن وكانت محلة ببغداد.
(فإن كان) الحديث المنسوب إليه (في السنن أطلقت وإلا) يكن الحديث فيها بل في غيرها من مؤلفاته كالإفراد والعلل (بينته).
(فر: للديلمي) هو الحافظ مفيد همدان، شيرويه بن شهردار بن شيرويه مصنف (مسند الفردوس) و (تاريخ همدان)، سمع عن جماعه ببغداد وقزوين
стр. 156
وأماكن، قال ابن منده: هو شاب كيّس، حسن الخلق، ذكي القلب، صلب في السنة، قليل الكلام، أخذ عنه جماعة: ابنه شهردار ومحمد بن الفضل الإسفرايني، ومن مشايخه: ابن منده، وطبقته بأصفهان وأبو منصور عبد الباقي بن محمد العطار وغيرهم، وممن أخذ عنه أيضًا: أبو موسى المديني الحافظ، توفي الديلمي تاسع عشر شهر رجب سنة تسع وخمسمائة ﵀ (١).
(حل: لأبي نعيم في الحلية) أي كتاب "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء"، وأبو نعيم هو: الحافظ الكبير محدث العصر أحمد بن عبد الله الأصفهاني ولد سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وأجاز له مشايخ الدنيا وهو وابن ست سنين، أخذ عن خلائق، وارتحل الحفاظ إليه بعلمه وحفظه، قال الخطيب: لم أر أحدًا يطلق عليه اسم الحافظ غير أبي نعيم، وأبي حازم العبدُوي (٢)، قال السلفي: لم يصنف مثل كتابه حلية الأولياء وكانوا يقولون لما صنف كتابه الحلية حمل الكتاب في حياته إلى نيسابور فاشتروه بأربعمائة دينار، وقال ابن مَرْدَويه: كان أبو نعيم مرحولاً إليه، اجتمع حفاظ الدنيا [ص:٩] عنده في كل يوم لكل منهم نوبة يقرأ ما يريده إلى قريب الظهر، فإذا قام إلى داره، ربما كان يقرأ عليه في الطريق جزءٌ، وكان لا يَضْجَر، لم يكن له غداء سوى التسميع والتصنيف، مات أبو نعيم في العشرين من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة ﵀ (٣).
стр. 157
(هب: للبيهقي) وهو: الإمام الحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي صاحب التصانيف، ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة في شعبان، سمع على عوالم، منهم: الحاكم، وبورك في علمه بحسن قصده وقوة فهمه وحفظه، وعمل كتبًا لم يسبق إلى تحريرها، منها: الأسماء والصفات مجلدان، ومنها: السنن الكبرى عشر مجلدات، وشعب الإيمان مجلدان، ودلائل النبوة ثلاث مجلدات، وكتب عديدة، قال أبو الحسين عبد الغفار في ذيل تاريخ نيسابور: أبو بكر البيهقي الفقيه الحافظ الأصولي الديّن الورع، واحد أهل زمانه في الحفظ، وأفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم، ويزيد عليه بأنواع من العلوم، كتب الحديث وحفظه من صباه وتفقه وبرع وأخذ في الأصول، وارتحل إلى العراق والحجاز، ثم صنَّف، وتآليفه يقارب ألف جزء، مما لم يسبق إليه أحد، وكان على سيرة العلماء، قانعًا باليسير توفي ﵀ في جماد سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ودفن ببيهق من أعمال نيسابور على مرحلتين منها (١).
(هق: له في السنن الكبرى) قال السبكي: لم يؤلف أحد مثله.
(عد: لابن عدي) هو الإمام الحافظ الكبير أبو أحمد عبد الله بن عدي بن محمد الجرجاني ويعرف أيضًا بابن القصار، صاحب كتاب (الكامل في الجرح والتعديل)، كان أحد الأعلام، ولد سنة سبع وسبعين ومائتين، سمع على خلائق، وعنه خلائق، منهم: الحافظ الكبير ابن عقدة، قال الحافظ ابن عساكر: كان ثقة على لحن فيه، قال الخليلي: كان عديم النظير حفظًا وجلالة، سألت عبد الله بن محمد الحافظ؟ قال: زر قميص ابن عدي أحفظ من عبد الباقي بن قانع،
стр. 158
قال السهمي: سألت الدارقطني أن يصنف في الضعفاء؟ قال: أليس عندك كتاب ابن عدي؟ قلت: بلى، قال: فيه كفاية لا يزاد عليه، توفي ابن عدي في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثلاثمائة (١).
(عق: للعقيلي في الضعفاء) في كتابه الذي ألفه فيهم، والعقيلي هو: الحافظ الإمام أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي صاحب كتاب (الضعفاء الكبير) سمع من كثيرين، وعنه كثيرون، قال مسلمة بن القاسم: كان العقيلي جليل القدر، عظيم الخطر، ما رأيت مثله، وكان كثير التصانيف، وكان من جاءه من المحدثين، قال: اقرأ من كتابك، ولا يخرج أصله، فتكلمنا في ذلك، وقلنا: إما أن يكون من أحفظ الناس، وإما أن يكون من أكذب الناس، فاجتمعنا واتفقنا على أن نكتب له أحاديث من روايته، ونزيد فيها وننقص، فأتيناه لنمتحنه، فقال لي: اقرأ، فقرأتها عليه، فلما أتيت بالزيادة والنقص، فطِن لذلك، فأخذ مني الكتاب، فأخذ القلم فأصلحها من حفظه، فانصرفنا من عنده، وقد طابت أنفسنا، وعلمنا أنه من أحفظ الناس، قال أبو الحسن القطان: أبو جعفر ثقة، جليل القدر، عالم في الحديث، مقدم في الحفظ، توفي سنة اثنين وعشرين ومائتين ﵀ (٢).
(خط: للخطيب فإن كان في التاريخ أطلقت وإلا بينته) هو: الحافظ الكبير الإمام محدث الشام والعراق، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، صاحب التآليف، ولد سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، طلب هذا الشأن، ورحل إلى
стр. 159
الأقاليم، وبرع وصنف، بلغت مصنفاته ستة وخمسين مصنفاً، قال ابن ماكولا: كان الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظًا وإتقانًا وضبطًا للحديث وتفننًا في علله وأسانيده، ومعرفة صحيحه وغريبه، وفرده ومنكره، ومطروحه، قال: ولم يكن للبغداديين -بعد الدارقطني- مثله، قال أبو سعيد (١) السمعاني: كان الخطيب مهيبًا وقورًا ثبتًا ثقة متحريًّا، حجة، حسن الحفظ، كثيرَ الضبط، فصيحًا، خُتِمَ به الحفاظ، قال ابن عمرو النَّسوي: كنت بجامع صور عند الخطيب، فدخل عليه علوي وفي كُمه دنانير، فقال: هذا الذهب تصرفه في مُهمَّاتك فغضب، وقال: لا حاجة لي فيه، فقال [ص:١٠]: كأنك تَسْتَقِلُّه، ونفض كمه على سجادة الخطيب، وقال: هي ثلاثمائة دينار، فخجل الخطيب، وقام وأخذ سجادته وراح، فما أنسى عز خروج الخطيب، وذل العلوي وهو يجمع الدنانير، ومن شعر الخطيب ﵀:
إِنْ كُنْتَ تَبْغِي الرَّشَادَ مَحْضًا ... لأَمرِ دُنْيَاكَ وَالْمَعَادِ
فَخَالِفِ النَّفْسَ فِي هَوَاهَا ... إِنَّ الْهَوَى دَاعِي الْفَسَادِ (٢)
فهذه نبذ من أحوال هؤلاء الأئمة تبصّر الناظر بأحوالهم، ويقر خاطره بحسن صفاتهم، وحفظهم، وتقواهم، وورعهم، وإعانتهم في الدين، وحفظهم لأحاديث سيد المرسلين ﷺ ، (والله) منصوب على المفعولية، قدم ليقدر الاختصاص أي الله
стр. 160
أسأل لا غيره. (أسأل أن يمنَّ بقبوله وأن يجعلنا) كأنه أتي بالنون إرادة لكل الأئمة المذكورين وأن الدعاء عام (عنده من حزبه) بكسر الحاء المهملة جنده، وخاصته (المفلحين) الفائزين بكل خير (وحزب رسوله) من أتباعه وأنصار دينه (آمين) يمد ويقصر أي استجيب.
стр. 161
باب: حرف الألف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (ق٤) عن عمر بن الخطاب، (حل قط) في غرائب مالك عن أبي سعيد، بن عساكر في أماليه عن أنس، الرشيد العطار في جزء من تخريجه عن أبي هريرة".
(إنما الأعمال بالنيات) قدَّمه المصنف وإن لم يكن محله، بالنظر إلى ترتيبه، فإن محله الهمزة مع النون، تبركًا به، واقتداءً بإمام المحدثين أبي عبد الله البخاري ﵀ على رواية الإسماعيلي، فإنَّه رواه قبل الترجمة، قال ابن منده: إنما أورده البخاري للتبرك، وكذا نقول: ها هنا أورده المصنف ﵀ تبركًا بذلك، وبيانًا لحسن مقصده، وقد قدَّمه على حرف الهمزة، واكتفى بإيراده هنا عن إعادته في محلِّه، فلا غنى عن التكلم هنا على معناه: فإنه حديث شريف مفيد حتى قال أبو عبد الله (١): ليس في أخبار النبي ﷺ شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث، واتفق ابن مهدي والشافعي وابن المديني وأحمد وأبو داود والدارقطني على أنه: ثلث الإسلام، ومن الناس من قال: ربعه، ووجه القول الأول: أن كسب العبد يكون بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد الثلاثة، وأرجحها، وقال أحمد بن حنبل: بل لأنَّه ثلث القواعد الثلاث التي ترد إليها الأحكام، والثلثان الآخران حديث: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ"،
стр. 162
وحديث:"الحلال بيّن والحرام بين" (١)، وأما من قال: أنه ربعه، فقد ضبطه مع الثلاثة الأرباع، من قاله عمدة الخير عندنا كلمات: أربع قالهنَّ خير البرية: "اتقوا الشبهات وازهد، ودع ما ليس يعنيك، واعملن بنية".
وقد أفرد الكلام على هذا الحديث جماعة من الأئمة بالتأليف، منهم: شيخ شيخنا الشيخ إبراهيم الكردي الكوراني (٢) أفرده بتأليف سماه: (إعمال الفكر والروايات في حديث إنما الأعمال بالنيات) سمعناه على شيخنا عبد الرحمن بن أبي الغيث، خطيب المدينة في المدينة المنورة.
وكلمة (إنما) تفيد الحصر أي إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما سواه و (الأعمال) تتناول أفعال الجوارح ومنها اللسان فتدخل الأقوال، قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة (٣): وأخرج بعضهم الأقوال وهو بعيد، يريد أنه قال بعض العلماء أن الأقوال خارجة من الحديث، وهو قول بعيد، بل الأقرب دخولها فيه، فإنَّها من الأعمال، قال الحافظ ابن حجر (٤): التحقيق أن القول لا يدخل في العمل حقيقة ويدخل فيها مجازًا، وأما التروك فلا يتناولها العمل، وأما عمل القلب كالنية فلا يشملها العمل لئلا يلزم التسلسل وقد أطال الشيخ إبراهيم القول في التروك وأراد إدخالها، وقد نقلنا كلامه وتعقبناه في (حواشي شرح العمدة) (٥) (والباء) في قوله (بالنيات) للمصاحبة أي الأعمال معتبرة بمصاحبة النيات، فيؤخذ منه اشتراط أن لا يخلف النية عن أوله، وهي جمع نية وجمعها
стр. 163
لمراوحة الأعمال، وقد رويت مفردة نظرًا إلى الجنس، والنية: هي القصد إلى الفعل والعزم عليه، ومحلها القلب، ولا تعلق لها باللسان أصلاً، ولذلك لم ينقل عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، تلفظ بها في حال من الأحوال، قال الشيخ أبو محمد المقدسي: وهذه العبارات التي عند افتتاح الطهارة والصلاة قد جعلها الشيطان معتركًا لأهل الوسواس يحبسهم عندها، ويعذبهم بها ويوفقهم في طلب تصحيحها فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ بها، وليست من الصَّلاة في شيء، هذا والظرف [ص: ١١] متعلق بمقدر، واختلف في تعيينه، فقيل: يقدر تعتبر، وقيل: يكمل، وقيل: يصح، وقيل: يحسن، وقيل: يستقر، قال الطيبي: كلام الشارع محمول على بيان الشرع, لأن المخاطبين هم أهل اللسان، فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم، إلا من قبل الشارع، فيتعين الحمل على ما يفيد الحكم الشرعي، قال ابن دقيق العيد: تقدير صحة الأعمال أرجح؛ لأنَّ الصحة أكثر لزومًا للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى انتهى، وقد أطلنا البحث في حواشي شرح العمدة في الأرجح من الأقوال.
(وإنما لكل امرئ ما نوى) جملة تفيد أن كل عامل لا يحصل له إلا ما نواه، والأولى أفادت أن العمل تبع للنية وهما غيران، وقال ابن عبد السَّلام: والجملة الأولى: لبيان ما يعتبر من الأعمال، والثانية: لبيان ما يترتب عليها من الثواب (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) الفاء فصيحة أي إذا عرف أنَّ الأعمال تعتبر بالنيات، والهجرة الترك، وإلى الشيء الانتقال إليه عن غيره، وفي الشرع: عبارة عن ترك ما نهى الله عنه، ووقعت في الإسلام على وجهين: الأولى: الهجرة من دار الخوف إلى دار الأمن. كهجرة الحبشة، وكذا الهجرة من مكة إلى المدينة، والثانية: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد استقرار رسول الله ﷺ بالمدينة، (فهجرته إلى الله ورسوله) هو من باب أنت أنت أي الصديق الخالص أو أنه أقام السبب مقام المسبب والمراد بالثاني فقد استحق
стр. 164
الثواب العظيم، وعلى التقديرين فلا يرد أن الشرط والجزاء قد اتحدا، فإن قيل: كان مقتضى الظاهر فهجرته إليهما، إذ وضع الظاهر موضع المضمر خلاف الأصل، وأجيب: أنه وضع كذلك لوجهين: الاستلذاذ بإعادة ذكر الله ورسوله ﷺ ، ولذا لم يعد ذكر الدنيا، والمرأة في الجملة الآتية، عبر عنهما بغيرهما، إذ لا التذاذ بذكرهما، والثاني: لئلا يجمع بين ضمير الرب ورسوله، وقد قال ﷺ لمن جمع بين الضميرين:"بئس خطيب القوم أنت" (١)، وفي هذا الأخير نص لأنه قد ثبت أنه ﷺ قد جمع بينهما في كلامه، وأجيب: بأن ذلك جائز له دون غيره، وأنه هنا لو جمع بينهما لكان جائزًا، فالوجه هو الأولى (ومن كانت هجرته إلى دنيا) مقصور غير منون، وروي تنوينها، وهي من الدنو، وهو القرب سميت بذلك لقربها من الآخرة أو لقربها من الزوال، واختلف في حقيقتها فقيل: هي ما على الأرض من الثرى والجو، وقيل: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، ويطلق على كل جزء منها مجازًا، (يصيبها) يحصلها (أو امرأة ينكحها) من عطف الأخص على الأعم، إذ هي من الدنيا ولفظ دنيا وإن كان نكره فإنه في سياق الشرط وهو يعم، وإنما خص المرأة لأنها سبب الحديث، قال ابن دقيق العيد (٢): نقلوا أن رجلاً هاجر من مكة ليتزوج امرأة بالمدينة، لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج، والمرأة تسمى: أم قيس، فلذا خص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به، ولأنه زيادة في التحذير من فتنة النساء؛ لأن الفتنة بهن من أشد فتن الدنيا, ولذا قدمهن الله في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ...﴾ الآية. [آل عمران: ١٤] , وقول ابن مالك بأن عطف
стр. 165
الخاص على العام يختص بالواو غير مسلّم، وقد نازع فيه جماعة، وعلى تسليمه فأو للتقسيم، والنكتة جارية هنا، فإن جعل المرأة قسمًا للدنيا تعظيمًا لشأن فتنتها (فهجرته إلى ما هاجر إليه) ليس له إلا ما نواه، ولم يقل إليهما؛ لأنَّه أريد إفادة ... من المرأة وغيرها فأتي بلفظ الموصول العام لكل فرد يراد به، قال الحافظ ابن حجر (١): استدل بالحديث على أنه لا يجوز الإقدام على العمل قبل معرفة الحكم؛ لأن فيه أن العمل يكون منتفياً إذا خلا عن النية، ولا يصح فعل الشيء إلا بعد معرفة حكمه، وعلى أن الغافل لا تكليف عليه لأن القصد يستلزم [ص: ١٢] العلم المقصود.
وعلى أن من صام تطوعاً بنيته قبل الزوال لا يحصل له الأجر إلا من وقت النية، وهو مقتضى الحديث، إلا أنه تمسك من قال بالانعطاف بدليل آخر، ونظيره حديث: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها) (٢)، أي فضيلة الجماعة والوقت، وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه وصل الله (حم ق٤) قدمنا أنه يقرأ الاسم الذي هذه الحروف رمز إليه، ويقرأ مرفوعًا؛ لأنه فاعل فعل محذوف تقديره: أخرجه أحمد والشيخان (٣) وأصحاب السنن عن عمر بن الخطاب أحد العشرة، من السابقين إلى الإسلام، أسلم سنة ست من النبوة، وقيل: خمس، وشهد المشاهد كلها، وهو أول خليفة دعي بأمير المؤمنين، طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن غرة المحرم سنة أربع وعشرين، كانت خلافته بين عشر سنين ونصف،
стр. 166
وأحواله معروفة، وآثاره في الإِسلام موصوفة (١) (حل (٢) قط في غرائب مالك) في غرائب مالك يتعلق بالعامل في الدارقطني لأنه الذي له غرائب مالك، وكأنه يريد بها خارج الموطأ أي ما روي عنه ولم يكن في الموطأة؛ لذا يقول تارة خارج الموطأ.
ومالك هو: الإمام الشهير أحد أئمة الإسلام وعلمائهم أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني الفقيه إمام دار الهجرة، حدث عن جماعة، وعنه خلائق لا يحصون، قال ابن مهدي: لا يقدّم على مالك أحد، وقال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وهو من أثبت الناس في الزهري، قال الذهبي (٣): قد كنت أفردت ترجمة مالك في جزء وطولتها في تاريخي الكبير (٤)، واجتمعت لمالك مناقب ما علمتها لغيره، أحدها: طول العمر وعلو الرواية، وثانيها: الذهن الثاقب وسعة العلم، ثالثها: اتفاق الأئمَّة على أنه حجة، صحيح الرواية، رابعها: إجماعهم على دينه وورعه واتباعه السنن، خامسها: تقدمه في الفقه والفتوي وصحة قواعده، عاش ستًّا وثمانين سنة، أصح الأقوال أنه مات سنة مائة وسبعة وتسعين (*) ﵀.
(عن أبي سعيد) هو: سعيد بن مالك بن سنان الأنصاري الخدري نسبة إلى
стр. 167
بني خُدره بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة حي من الأنصار، وتوفي سنة أربع وسبعين ودفن بالبقيع (١)، (ابن عساكر) أي أخرجه ابن عساكر وهذه الرموز مفيدة مجملاً أثبتنا فيه، هكذا جرت قاعدة المصنف ﵀ بسرد المخرجين من غير حرف عطف، وربما أتى به نادرًا في غير أهل الرموز، وأما ميم فلم يأت به أصلاً، هذا وابن عساكر بالعين والسين مهملتين هو الحافظ محدث الشام أبو القاسم علي بن الحسين صاحب التصانيف والتاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدًا، عدد شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ، ونيف وثمانون امرأة، عدَّ له الذهبي زيادة على أربعين مؤلفًا، وفاته في رجب سنة خمس وتسعين وخمسمائة (٢) في (أماليه عن أنس) هو: ابن مالك أبو حمزة النجَّاري الخزرجي خادم النبي ﷺ ، قدم المدينة وهو ابن عشر سنين، وقيل: ابن تسع، وقيل: ابن ثمان، وخدم النبي ﷺ عشرًا، ثم انتقل إلى البصرة في خلافة عمر ليفقه الناس بها، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة سنة إحدى وتسعين، وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث، وله من العمر مائة وثلاث سنين، وقيل: غير ذلك (٣) (الرشيد العطار في جزء من تخريجه) وضعفوا إسناده، والرشيد هو: الإمام الحافظ المحمود الثقة، رشيد الدين أبو الحسن يحيى بن علي العطار، مولده سنة أربع وثمانين وخمسمائة، كان ثقة مأمونًا متقنًا حافظًا حسن التخريج، مات بمصر سنة اثنتين وستين وستمائة ﵀ (٤). (عن أبي هريرة) هو أبو هريرة اليماني
стр. 168
الحافظ الفقيه الصحابي الشهير، اسمه عبد الرحمن بن صخر على أشهر الأقوال، قال: كنَّاني أبي بأبي هريرة، فإني كنت أرعى غنمًا فوجدت أولاد هرة وحشيه، فلما أبصرهن وسمع أصواتهن أخبرته، قال: أنت أبو هريرة، مات بالمدينة سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وخمسين من الهجرة، وكان إسلامه عام خيبر، ولازم النبي ﷺ كان من أوعية العلم لخصائص اختص بها في ذلك (١)، وهذا الحديث حديث: (إنما الأعمال) قال الحافظ ابن حجر (٢): أنه متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطأ، وقال النووي وغيره: هو من أفراد الصحيح لم يصح [ص:١٣] عن النبي ﷺ إلا من حديث عمر ولا عن عمر إلا من رواية علقمة ولا عن علقمة إلا من رواية التيمي ولا عن التيمي إلا من رواية يحيي بن سعيد، ومداره عليه، وأما من رواية يحيى فقد رواه عنه أكثر من مائتي إنسان كلهم أئمة.
стр. 169
حرف الهمزة
٢ - " آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. (حم م) عن أنس (صح) ".
أي هذا حرف الهمزة أو حرف الهمزة هذا أو أنه على سبيل التعداد، ولم يقصد به التركيب، فلا إعراب له، (آتي) بالمد على أنها همزة فألف؛ لأنه مضارع، أتي مقصورًا بمعنى جاء (باب الجنة) أجيء إليه من الموقف بعد فصل القضاء (فأستفتح) أطلب فتحه، فالسين للطلب، وذلك بقرع الباب، كما أفاده حديث: "أنا أوَّل من يدق باب الجنة فلم تسمع الأذان أحسن من طنين تلك الحِلَق على تلك المصاريع" سيأتي وفيه: أنه ﷺ يأتي والباب مغلق، ويأتي بحث في ذلك في هذا الحرف، ووجه الجمع بينه وبين آية الزمر الدالة على أن أبواب الجنة مفتحة قبل مجيء أهلها إليها، (فيقول الخازن: من أنت؟) لم يقتصر على من؛ لأنه يريد تعيين الذي قرع ليفتح له، أو يرده، ولو اقتصر عليها لقيل: افتح، فيقال: ومن أتيت، فأتى الخازن بعبارة تفيد المراد من أول الأمر، ومن قال أتى بالاستفهام وأكده بالخطاب تلذذًا بمناجاته فليس بسديد؛ لأنه لو أراد ذلك لأتي بمن أولاً ليجاب ثم ومن أنت فيجاب متلذذاً بالمناجاة مرتين. ولأن التلذذ يتوقف على علم الخازن بأن الذي استفتح هو محمد ﷺ والدليل عليه. (فأقول: محمد) أي أنا محمد، حذف لقرينة السؤال، وأتى باسمه العلم ولم يقل: رسول الله، وأنه يفيد النص عليه بخلاف ما لو جاء بلفظ الرسول لاحتيج إلى طلب تعيينه، ولا يقال: اسمه العلم مشترك، فلا يعرف أي المحمدين؛ لأننا نقول: قد عرف في الملأ الأعلى به، كما أفاده سياق حديث الإسراء، وأنه يقول أهل كل سماء لجبريل، ومن معك؟ فيقول: محمد، فقد كان معلومًا عندهم، أنه قد أرسله الله إلى العباد؛ لأنه لم يُسر به إلا بعد مدة من البعثة، ومعلوم أنه لا يخفى ذلك على الملائكة،
стр. 170
فقولهم في حديث الإسراء: قد بعث الله، أي للإسراء، فلا يقال ما قد كانوا عرفوا أنه رسول الله، حتى يقول لهم جبريل ذلك جوابًا عن سؤالهم (فيقول: بك) يتعلق بقوله (أمرت)، قدّم عليه إفادة للحصر، والباء سببية وكأنها صلة للفعل (أن لا أفتح لأحد قبلك) على الأول هو مفعول الأمر الثاني، نزع عنه الخافض أي بأن لا أفتح، وهو يحذف قياساً مع أن، وعلى الثاني بدل من الكاف أي أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك.
والحديث فيه فضيلة واضحة له ﷺ لما فيه من تعظيمه، وأنه تعالى قد قدم الأمر إلى الخازن قبل مجيء محمد ﵌ أن يفتحَ له، ولا يفتح لأحد قبله، وأنه أول من يفتح له، كما أنه أول من تنشق عنه الأرض، كما أنه أول شافع ومشفّع، وجزم الشارح أن الخازن رضوان، فيحتمل أنه لحديث ورد بذلك، ويحتمل: أنه لما كان أعظم الخزنة ومقدمهم لا ينبغي أن يتلقى أعظم الرسل ومقدمهم إلا أعظم الخزنة، وقد ورد في لفظ ولا أقوم لأحد بعدك، ومعلوم أن غيره من الخزنة يقومون يتلقون المؤمنين، ثم لا يخفى لطف افتتاح المصنف بهذا الحديث لهذا الحرف لما فيه من الاستفتاح والفتح (حم م عن أنس) (١) واعلم أن المصنف إذا نسب الحديث للشيخين أو لأحدهما، اكتفى عن الرمز بالتصحيح بالنسبة إلى الصحيح وقد أسلفنا كلامه في ذلك، وإن عزاه إلى غيرهم فالأغلب أنه يرمز للحديث بأحد صفاته وسننبه على ذلك.
٣ - "آخر من يدخل الجنة رجل يقال له "جهينة" فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين (خط) في رواة مالك عن ابن عمر".
(آخر) بفتح الهمزة وكسر الخاء ضد الأول، وبفتحها بمعنى المغاير، والمراد هنا الأوَّل (من يدخل الجنة) من أهل التوحيد (رجل يقال له جُهينة) أي
стр. 171
يدعى ويسمى، وهو بضم الجيم وهاء مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة بعدها نون (فيقول أهل الجنة) السابقون بالنزول فيها (عند جهينة الخبر اليقين) يحتمل أن المراد عنه أهل النار، ويدل له رواية الخطيب: آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة الخبر اليقين سلوه هل بقي أحد من الخلائق يعذب؟ فيقول: لا، ومثله للدارقطني وهكذا أورده عنه المصنف في الكبير (١) [ص:١٣]. ثم قال: قال الدارقطني: باطل، وأقره عليه، ويحتمل أن المراد عنه أهل المحشر وأنه يقول له ذلك من تقدم دخوله الجنة.
واعلم أن هذا اللفظ من الأمثال تضرب فيمن يترقب عنه خبر مستغرب وسببه أنه خرج رجلان من العرب أحدهما من جهينة يقال له الأخنس، والآخر من كلاب يقال له حصين فنزلا منزلاً، فقتل الجهيني خبيره، وأخذ ماله، وكانت أخته تبكيه في المواسم، فقال الأخنس: تسأل عن حصين كل حي وعند جهينة الخبر اليقين، فصار مثلاً قال المعري (٢):
طلبت يقينًا يا جهينة عنهُم ... ولن تخبريني يا جُهين سوَى ظني
ومن الغرائب اتفاقه لمن يقال له في الآخرة ذلك، وفيه: أن أهل الجنة يسألون عن أهل النار كما أنهم ينادونهم ويتحاورون، وقد ذكر الله ذلك في القرآن كثيراً (خط في رواة مالك) أي في كتاب أسماء من روى عن مالك (عن ابن عمر) (٣) أخرجه من وجهين وسكت عليه المصنف وهو ضعيف، ورواه
стр. 172
الدارقطني في غرائب مالك من الوجهين، ثم قال: هذا حديثٌ باطلٌ، فيه جامع بن سوادة وكذا عبد الملك بن الحكم انتهى. ورواه العقيلي عن أنس من طريق ضعيف (١). وابن عمر حيث أطلق فهو: الصحابي الجليل عبد الله ابن عمر بن الخطاب، كان من أعيان الصحابة وأحرصهم على الاقتداء برسول الله ﵌، مات بمكة سنة ثلاث وسبعين ﵀ (٢).
٤ - " آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة (ت) عن أبي هريرة".
(آخر قرية) بفتح القاف وتكسر المصر الجامع إخبار أن الله قد كتب على دار الدنيا الخراب فأخرها (خراب المدينة) وهي من مدن، إذا أقام وهي الحصين مبني أصطمة، وغلبت عند الإطلاق على مدينته ﵌، ودار هجرته، والنسبة إليها مدني وإلى غيرها من المدن مديني، قال النووي (٣): يكون خرابها عند قيام الساعة، وأخرج أحمد بإسناد حسن: "ليسيرن الراكب في جنب وادي المدينة فيقول: لقد كان في هذه مره حاضرة من المؤمنين" (٤) وأخرج ابن أبي شبة (٥) بسند صحيح: (والله لتذرنها مذللة للعوافي) أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع، وبذلك (٦) الإسناد: "لا تقوم الساعة حتى يجيء الثعلب فيربض على
стр. 173
قبر النبي ﷺ لا ينهنهه أحد"، وقد تكلم السمهودي (في خلاصة (١) الوفا) في الفصل التاسع من الباب الأول، بما يفيد من يريد الاستيفاء، والأحاديث تفيد أن ذلك قبل قيام الساعة لا عنده كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ...﴾ الآية. [الإسراء: ٥٨]، وعلى هذا فالمدينة آخر القرى الإسلامية خرابًا، ويبقى بعدها من البادية محلات كما يدل له قول الراكب: (ت عن أبي هريرة) (٢) سكت عليه المصنف، وقال: مخرجه الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث جنادة بن مسلم، وقال في العلل (٣): أنه سأل البخاري عنه فلم يعرفه، وجعل يتعجب منه، وقال: كنت أرى أن جنادة هذا مقارب الحديث. انتهى.
٥ - " آخر من يحشر راعيان من مزينة، يريدان المدينة, ينعقان بغنمهما فيجدانها وحوشا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما (ك) عن أبي هريرة (صح) ".
(آخر من يحشر) أي من يساق إلى المدينة للموت لا أنهما آخر من يساق إلى أرض الحشر بعد البعث (راعيان من مزينة) بالزاي مثناة تحتية بزنة جهينة قبيلة معروفة (يريدان المدينة) يقصدان دخولها (ينعقان بغنمهما) بالعين المهملة مكسورة والقاف من نعق كمنع وضرب صاح بغنمه وزجرها (فيجدانها) أي الغنم أو المدينة (وحوشًا) جمع، بزنة فلوس أي تنقلب ذات الغنم وتوحش من
стр. 174
صوتهما على الأول، وعلى الثاني يجدان المدينة قد سكنتها الوحوش لخلوها عن أهلها، قال النووي: وهو الصحيح، وتعقبه الحافظ ابن حجر (١) أن قوله: (حتى إذا بلغا ثنية الوداع) يريد الأول؛ لأن ذلك قبل دخولهما المدينة, وثنية الوداع: بفتح الثاء، جبل شامي المدينة قرب سلع، قال في القاموس (٢): سميت بذلك؛ لأنَّ من سافر إلى مكة كان يودع ثم ويشيع إليها (خَرَّا على وجوههما) سقطا ميّتين قيل بالصعقة الأولى، ويحتمل أنه بغيرها، وجمع الوجه مع أنهما اثنان لما تقرر في العربية من كراهتهم جمع تثنيتين في كلمة واحدة ولذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ بعد قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤] [ص:١٥].
(ك عن أبي هريرة) (٣) رمز له المصنف بالصحة، وقال الحاكم: على شرطهما، وأقره الذهبي، وهو قطعة من حديث رواه الشيخان ولفظ البخاري: "يتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي، وآخر من يحشر ... " (٤) إلى آخره ما هنا بنصه، وبه يعرف أن استدراك الحاكم له غير صحيح.
٦ - " آخر ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ابن عساكر في تاريخه عن أبي مسعود البدري".
(آخر ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى) يحتمل أنها أريد بها المتقدمة مطلقًا قريبة أو بعيدة، ويحتمل أنه أريد بها الأولى حقيقة، وهي نبوة آدم ﵇: (إذا لم تستح) هو خبر قوله: آخر ما أدرك الناس، يقال: استحي استحياء،
стр. 175
يستحي واستحياء، يستحي والأول أعلى وأكثر، وهو من الحياء بالمد، وفسروه بأنه. تغير وانكسار يلحق بالمرء من خوف ما يعاب به، أو يذم، وله تفاسير أخرى (فاصنع ما شئت) فيه معنيان مشهوران: أي إذا لم تستح من العيب ولم تخش العار مما تفعله فافعل ما تحدثك به نفسك من إعراضها حسنًا كان أو قبيحًا، فلفظه: أمر ومعناه تهديد وتوبيخ، وفي معناه قيل: إذا لم تصن عرضاً ولم تخش خالقًا وتستحي مخلوقًا فما شئت فاصنع، وهذا الأول، والثاني أن معناه: إذا لم يكن فيما تأتيه عيب ولا نكارة تستحي من إتيانه فاصنعه، فجعل الحياء معيارًا وميزانًا لما يباح للإنسان فعله، وقيل: معناه الإخبار أن من لم يستح فهو يصنع ما يشاء، وفيه: أن الكلام متوارث من النبوة الأولى، يتواصي به الأمم، وينقله الأبناء عن الآباء لعظم مقدار صفة الحياء عند العقلاء، ويحتمل: أنه من كلام الله الذي أوحاه في أهل عصر تلك النبوة، وفيه: تعظيم لقدر صفة الحياء، وأنه الذي يردع من ارتكاب القبيح، وذلك معلوم عند العقلاء، ولذلك قيل:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
(ابن عساكر في تاريخه عن أبي مسعود البدري (١)) اسمه: عقبة بن عامر الأنصاري ونسب إلى بدر لأنه نزل بها لا أنه شهد وقعة بدر مع النبي ﷺ ، وهو أنصاري خزرجي صحابي جليل توفي بالكوفة سنة إحدى أو اثنتين وأربعين (٢)، وسكت المصنف عليه، وإسناده ضعيف لضعف فتح المصري أحد رواته (٣)،
стр. 176
إلا أنه شهد له ما رواه البيهقي في (الشعب) (١) عن أبي مسعود المذكور ولفظه: (أن آخر ما بقي من النبوة الأولى) إلى آخر ما هنا، بل رواه البخاري (٢) عن أبي مسعود أيضًا بلفظ إن آخر ما أدرك الناس. آخره.
٧ - " آخر ما تكلم به إبراهيم حين ألقي في النار "حسبي الله ونعم الوكيل" (خط) عن أبي هريرة، وقال: غريب. والمحفوظ عن ابن عباس موقوفاً".
(آخر ما تكلَّم به إبراهيم) خليل الله (حين ألقي في النار) التي أعدها له نمرود وقومه؛ ليحرقوه ورموه في المنجنيق (حسبي الله) كافيني عن ناركم وغيرها (ونعم الوكيل) الموكول إليه، والحسب الكافي، والوكيل الكفيل، بأرزاق العباد، وحقيقته أنه المستقل بأمور الموكول إليه، قاله في (النهاية) (٣)، وحذف مخصوص نعم، وهو يحذف كثيراً، وما قيل أنه من عطف الإنشاء على الأخبار، ففيه أجوبة كثيرة، أقربها: أن التقدير وهو نعم الوكيل على أنها جملة اسمية خبرية، حذف صدرها، فهو من عطف الأخبار على الأخبار، وهاتان الكلمتان هما كلمتا التفويض إلى من بيده كل خير، وهما اللتان قالهما المؤمنون حين قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ثم أخبر الله تعالى أنهم انقلبوا بنعمة من الله وفضل، كما انقلب الخليل بنعمة من الله وفضل سالمًا من نار عدوه، فهو إرشاد منه ﷺ إلى أنه بقولهما من وقع في مهم من الأمور كما قالها الخليل: (خط (٤) عن أبي هريرة، وقال الخطيب: غريب) الغريب في عرف المحدثين: ما تفرد به من يجمع حديثه لعدالته وضبطه كحديث الزهري إذا انفرد، وقسموه إلى صحيح وغير صحيح (والمحفوظ عن ابن عباس) هو حيث
стр. 177
أطلق بحر الأمة وترجمان القرآن، وهو: أبو العباس عبد الله بن عباس بن عم المصطفى ﷺ ، توفي ﷺ وله ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشر، كان خير هذه الأمة وعالمها، ودعا له النبي ﷺ بالحكمة والفقه والتأويل، [ص: ١٦] كف بصره آخر عمره، ومات بالطائف سنة ثمان وستين وهو ابن سبعين سنة، وصلَّى عليه محمد بن الحنفية (١) (موقوف) الموقوف في عرفهم أيضًا، ما روي عن الصحابي من قول أو فعل متصلاً كان أو منقطعًا, وليس بحجة إن كان للاجتهاد، فيه مسرح وإلا فهو حجة على الأصح، وهو هنا كذلك، إذ لا يقال مثله بالرأي، وهذا الموقوف صحيح فقد أخرجه البخاري في صحيحه عنه بلفظ: (كان آخر قول إبراهيم (٢) ...).
٨ - " آخر أربعاء في الشهر يومُ نَحْسٍ مستمر (وكيع في الغرر، وابن مردويه في التفسير، (خط) عن ابن عباس".
(آخر أربعاء) تثليث الموحدة وبالمد (في الشهر يوم نحس) بالإضافة وعدمها أي شؤم وبلاء (مستمر) يحتمل أنه آخر كل شهر، والمراد أنه تعالى قدر شؤمه بما ينزل فيه من العقوبة على العصاة والعتاة، وأنه المراد بشؤمه كما أنه تعالى قدر نزول البركات في ليلة القدر، وليلة النصف من شعبان، وقدر قيام الساعة أي: القيامة في يوم الجمعة ونحو ذلك، فهو يوم نحس على العصاة تحل بهم العقوبة فيه، أو تحل قريبًا من دارهم، لا أنه يوم يتشاءم به، ويتطير به، ويترك فيه الأعمال كما يصنعه كثير من أهل مكة وجدة، في آخر أربعاء من شهر صفر يتعطلون فيه عن الأعمال، ويبقون كالمحابيس، ولا ندري ما مستندهم وما وجه تخصيص هذا الأربعاء عن نظائره، ويحتمل أنه ورد في قوم عاد، والأخبار أنهما أرسلت عليهم الريح العقيم في يوم الأربعاء في آخر الشهر كما في كتب
стр. 178
التفسير، وأنه عليهم يوم نحس مستمر هلكوا فيه، وشمل صغيرهم وكبيرهم بالعقوبة والنحس، ويكون الحديث واردًا بيانًا لكلامه، وتفسيرًا لها؛ كأنه قال ﷺ يوم النحس الذي حكاه الله هو آخر أربعاء في الشهر، والأول أقرب (وكيع) بفتح الواو وآخره مهملة, ابن الجراح هو الإمام المثبت محدث العراق، قال الذهبي: وثقوه، إلا أنه كان يشرب النبيذ وأطال الثناء عليه، مات سنة سبع وتسعين ومائة (١) (وابنَ مرْدُويه) بفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة، هو الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى صاحب التاريخ والتفسير وغير ذلك، كان عالمًا بهذا الشأن، بصيراً بالرجال، طويل الباع مليح التصانيف، ولد سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ومات سنة عشر وأربعمائة ﵀ (٢)، (في التفسير خط عن ابن عباس) سكت عنه المصنف، وفيه مسلمة بن الصلت، قال أبو حاتم: متروكٌ، وجزم ابن الجوزي بوضعه، وقال ابن رجب: حديث لا يصح، ورواه الطبراني من طريق آخر عن ابن عباس موقوفاً، قال السخاوي: طرقه كلها واهية (٣).
стр. 179
٩ - " آدم في السماء الدنيا تعرض عليه أعمال ذريته، ويوسف في السماء الثانية، وابنا الخالة يحيى وعيسى في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة (ابن مردويه عن أبي سعيد".
(آدم في السماء الدنيا) إخبار عن محل آدم وغيره من الأنبياء ﵈ في السماوات والدنيا القربى من الأرض (تعرض عليه أعمال ذريته) حسنها وقبيحها كما يقتضيه اللفظ العام، وكأنه يعرض عليه كتاب الأعمال، فلا حاجة إلى القول بأنها تشكّل بأشكال يخصها، وإلا فهي أعراض، ولعل الحكمة في عرضها عليه سروره برؤية حسنها، وسؤاله لمن أتي بالقبيح منه الهداية والتوفيق، وهل ذلك كل يوم أو نحوه، لا دليل على تعيين شيء من ذلك (ويوسف في السماء الثانية) في رواية الشيخين بحديث الإسراء (١) أنَّ يوسف في الثالثة، وفي الثانية يحيى وعيسى ﵈، والظاهر أن هذا الإخبار عن رؤيته ﷺ إياهم ليلة الإسراء، فإن هؤلاء الثمانية من الرسل ﵈ هم المذكورون هنالك كما هنا، والترتيب الترتيب إلا في هذا وجميع روايات الإسراء مخالفة؛ فلينظر في ذلك، (وابنا الخالة يحيى وعيسى) كل واحد منهما ابن خالة الآخر، وذلك لأن أم يحيى إيشاع بنت عمران أخت مريم، (في السماء
стр. 180
الثالثة) قيل: والحكمة في أنهما أسكنا في سماء واحدة بخلاف سائر السماوات فما فيهما إلا نبي واحد، أنه لابدَّ من نزول عيسى إلى الدنيا آخر الزمان فيبقي يحيى لئلا تخلو سماء من نبي (وإدريس في السماء الرابعة) وبه فسر تعالى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] وتلاها ﷺ بعد هذا في بعض روايات الإسراء عند أحمد ومسلم كالمفسر للآية (١) [ص:١٧].
وهذا يعارض ما رواه ابن مردويه والطبراني من رواية ابن عباس أنه في السماء السادسة إلا أنَّ هذا أرجح لموافقتها رواية الإسراء: "وهارون في السماء الخامسة, وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة" في هذا دليل على تفضيل الله لرسله بعضهم على بعض وأن خليله إبراهيم أرفع الأنبياء مقامًا، وزاد في حديث الإسراء مسندًا ظهره إلى البيت المعمور وأنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه.
إن قلت: هل هذا إخبار عن مستقر أرواح الرسل ﵈، أو عن أبدانهم معها؟
الأول: لا يناسبه ما في الروايات من أنه رأى يوسف قد أعطي شطر الحسن، ومن أنه بكى موسى حين رآه، ومن إسناد الخليل ظهره, ومن خطابهم له ﷺ وترحيبهم، فإن هذه هيئات الأجساد، التي فيها الأرواح.
والثاني: يأباه ما ثبت من أنهم في قبورهم أحياء يصلون، ولذلك شرعت لهم الزيارة، ورد السلام والذي في القبور الأبدان بلا كلام، وأيضًا فقد ثبت أنه لا