← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122096

التنوير شرح الجامع الصغير

الصنعاني

Полный текст (6 289 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الجنة" (١) وهي ما لم يخالطها شيء من الإثم (يفضل سائر الأعمال) السائر الباقي لا يعني الجميع كما توهم جماعات أفاده القاموس (٢) (كما بين مطلع الشمس إلى مغربها) أي بين الأعمال وبين الحجة البرة هذا القدر في التفاوت ولم يذكر الصلاة وبر الوالدين مع أنهما مقدمان في حديث ابن مسعود وغيره كما سلف قريبًا لأنه ﷺ في كل مقام يتكلم بما يناسب المخاطبين ويكتفي ببعض الأحاديث عن بعض أو الأعمال مخصصة في هذا الحديث بحديث ابن مسعود في الصلاة وبر الوالدين أو أنه في حق من لم يكن له والدان في الحياة ويراد بالإيمان ما يشمل الصلاة ولا يصح أن يجعل ضمير تفضل للحجة فقط لأنه ينافي الترتيب في الحديث (طب عن ماعز) (٣) قال الشارح: ماعز في الصحابة (٤) متعدد فينبغي تمييزه. قلت: لا حاجة إليه بعد القول بأن الصحابة كلهم عدول قال وقد أخرجه أحمد قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح. ١٢٣٥ - "أفضل الأعمال العلم بالله، إن العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره الحكيم عن أنس". (أفضل الأعمال العلم بالله) أي بوحدانيته وألوهيته وإثبات صفات كماله ونفي صفات النقص عنه وأريد بالأعمال [١/ ٣٦٠] العلمية فكأنه قيل أفضل العلم العلم بالله ولذا قابله بالجهل وعلله بقوله (إن العلم) بالله (ينفعك معه قليل العمل وكثيره) ولذا كان نوم العالم خير من عبادة الجاهل (وأن الجهل) غايته (لا

стр. 1157

ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره) ومن هنا فضل العلم سائر الأعمال وزاحم العلماء الملائكة في الذكر بالشهادة لله بالوحدانية والقيام بالقسط فليبذل العبد ساعاته في طلب ذلك (الحكيم عن أنس) (١) سكت عليه المصنف وإسناده ضعيف كما قاله الشارح. ١٢٣٦ - "أفضل الأعمال الحب في الله، والبغض في الله (د) عن أبي ذر". (أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله تعالى) أي الحب لأجله والبغض لأجله فكلمة في تعليلية كما سلف وتقدم الكلام فيه مستوفي والمراد بالأعمال الحب والبغض كأنه قيل أفضل الحب وأفضل البغض (د عن أبي ذر) (٢) سكت عليه المصنف وقال الشارح: فيه مجهول. ١٢٣٧ - "أفضل الأيام عند الله يوم الجمعة (هب) عن أبي هريرة". (أفضل الأيام عند الله) أكثر الأعمال فيها أجرًا (يوم الجمعة) المراد أيام الأسبوع لما مر أن أعظم الأيام يوم النحر ثم يوم القر والأصح أن يوم الجمعة أفضل الأيام على الإطلاق لحديث أبي لبابة عند أحمد وابن ماجه (٣) أن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم

стр. 1158

الفطر (هب عن أبي هريرة) (١) سكت عليه المصنف وقال الشارح: إسناده حسن. ١٢٣٨ - "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت (طب حل) عن عبادة بن الصامت". (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت) (٢) في أي مكان كنت فأنت عالم أن ربك مطلع عليك لا يخفى عليه شعرة من شعرات حركاتك وسكونك ونومك ويقظتك وهذا العلم يستلزم المراقبة لمولاك في كل حال فإن من علم أن مالك ناصيته معه في كل حال راقبه في أقواله والأفعال (طب حل (٣) عن عبادة بن الصامت) قال أبو نعيم: إنه غريب. ١٢٣٩ - "أفضل الإيمان: الصبر، والسماحة (فر) عن معقل بن يسار (تخ) عن عمير الليثي". (أفضل الإيمان الصبر) على فعل المأمور وترك المحظور وما ورد من المقدور (والسماحة) الجود وسخاء النفس (فر عن معقل بن يسار) (٤) ضعفه اليمان (تخ

стр. 1159

عن عمير) بالتصغير لعمر (الليثي) بمثناة تحتية فمثلثة ورواه البيهقي في الزهد بإسناد صحيح. ١٢٤٠ - "أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله، وتعمل لسانك في ذكر الله وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، وأن تقول خيرا أو تصمت (طب) عن معاذ بن أنس". (أفضل الأيمان أن تحب في الله) لأجله (وتبغض لله) كذلك وهو الدليل على أن كلمة في في الأول تعليلية (وتعمل) بالضم لحرف المضارعة من اعمل (لسانك في ذكر الله ) تشغلها به عن غيره (وأن تحب للناس) المؤمنين أو مطلقًا وسلف البحث فيه (ما تحب لنفسك) من أمور الخير (وتكره لهم) من الشر (ما تكره لنفسك وأن تقول خيرًا) من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو إصلاح بين الناس أو نحو ذلك (أو تصمت) بضم الميم (طب عن معاذ (١) بن أنس) سكت عليه المصنف وفيه ابن لهيعة. ١٢٤١ - "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ (٥ عن أبي سعيد الخدري حم ٥ طب هب عن أبي أمامة حم ت هب عن طارق بن شهاب) ". (أفضل الجهاد كلمة حق) تقال (عند سلطان جائر) تقدم في أحب الجهاد وقدمنا الكلام فيه بما لا مزيد عليه (٥ عن أبي سعيد الخدري حم ٥ طب هب عن أبي أمامة) سكت عليه المصنف وقال في الدرر: إسناده لين (حم ت هب عن طارق بن شهاب) البجلي الأحمسي قال المنذري: بعد عزوه للنسائي وإسناده صحيح (٢).

стр. 1160

١٢٤٢ - "أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه (ابن النجار عن أبي ذر). (أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه) اعلم أنهم ذكروا للجهاد أربع مراتب جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد الكفار وجهاد المنافقين وجهاد النفس أربع مراتب أيضًا. أحدها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه وإلا فمجرد العلم من دون عمل يضرها أي [١/ ٣٦١] لم ينفعها. الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لم يعلم وإلا كان من ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذية الخلق، ويحتمل ذلك كله منه فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيًّا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه، فمن علم وعمل وعلم بذلك يدعى عظيما في ملكوت

стр. 1161

السماء أفاده ابن القيم ﵀ (١). والرسول ﷺ قد أخبر هنا أن أفضل الجهاد على الإطلاق جهاد النفس والمراد جهادها على هذه الأربع المراتب فهذا أعلى مراتب الجهاد لأنه أصل المراتب كلها فإنه لا يحصل له واحدة من تلك الرتب إلا بجهاده لنفسه على تحصيلها فالتفصيل مطلق حقيقي قال الغزالي (٢): والمراد بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة فلابد من مجاهدة النفس وكسرها وإليه الإشارة بقوله ﷺ : "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك" (٣) ويأتي إن شاء الله تقسيم النفس إلى ثلاثة: أمارة ومطمئنة ولوامة (وهواه) هو كل ما تهواه النفس وتميل إليه من مشتهياتها فيجاهدها بمخالفة ما تدعوه إليه فإنها لا تدعوه إلا إلى ما لا ينفعه عند مولاه قال يحيى بن معاذ الرازي: جاهد نفسك بأسباب الرياضة على أربعة أوجه: القليل من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وتحمل الأذى من جميع الأنام فيتولد من قل الطعام موت الشهوات ومن قل المنام صفو المرادات ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات (ابن النجار عن أبي ذر) وأخرجه أبو نعيم والديلمي أيضًا من حديثه (٤). ١٢٤٣ - "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ (ت عن ابن عمر ٥ ك هق عن أبي بكر ع عن ابن مسعود) " (صح). (أفضل الحج العج) بالمهملة والجيم رفع الصوت بالتلبية (والثج) بالمثلثة

стр. 1162

والجيم إراقة دماء الهدي والأضاحي وتقدم الحديث في أحب (ت عن ابن عمر ٥ ك هق عن أبي بكر) رمز المصنف لصحته على رمز الحاكم (ع عن ابن مسعود) (١). ١٢٤٤ - "أفضل الحسنات تكرمة الجلساء (القضاعي عن ابن مسعود) ". (أفضل الحسنات تكرمة الجلساء القضاعي عن ابن مسعود) مثل أن يبسط له رداءه فقد كان ﷺ يبسط رداءه وكان لا يتميز على جلسائه وكان كل أحد يظن أنه أحب الخلق إليه وإلقاء الوسادة فقد ألقى عبد الله بن عمرو لرسول الله ﷺ الوسادة (٢). ١٢٤٥ - "أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دعاء المرء لنفسه (ك عن عائشة) " (صح). (أفضل الدعاء دعاء المرء لنفسه) لما كان الدعاء أشرف من المال وقد ثبت في المال ابدأ بنفسك فبالأولى الدعاء وذلك لأن الإنسان مأمور بحفظ نفسه من شرور الدارين ولا يستجلب لها شيئًا من الأشياء بأفضل من الدعاء ولذا قدم الله في تعليم عباده الدعاء، الدعاء لأنفسهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ [الحشر: ١٠] فالدعاء للنفس أفضل من الدعاء للغير وأما

стр. 1163

حديث: "إن الرجل إذا دعا لأخيه بظهر الغيب قال له الملك ولك بمثل ذلك" (١) فهذه فضيلة لدعاء الرجل للغائب ولا يرتقي إلى فضيلة دعائه لنفسه، هذا على أن يراد أن دعاؤه لنفسه أفضل من دعائه لغيره ويحتمل أن يراد دعاء العبد لنفسه لا دعاء غيره له وذلك لأنه بدعائه لنفسه يحصل التضرع والتذلل وتظهر حاجته وفقره ويعبّر عن نفسه، ويحتمل أن اللام تعليلية لا صلة للدعاء، وأن المراد دعاؤه لإنقاذ نفسه ونجاتها من العذاب أفضل من دعائه لها بغير ذلك من خير الدنيا وهذه الأفضلية بالنسبة إلى المدعو له، والحديث الثاني بالنسبة إلى المدعو به (ك عن عائشة) رمز المصنف لصحته لأنه صححه الحاكم وتعقبه الشارح بأن فيه راويًا واهيًا ولكن رواه الطبراني بإسنادين أحدهما جيد (٢). ١٢٤٦ - "أَفْضَلُ الدُّعَاءِ أن تسأل ربك الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فإنك إذا أعطيتهما في الدنيا ثم أعطيتهما في الآخرة فقد أفلحت (حم وهناد ت ٥ عن أنس) " (صح). (أفضل الدعاء) المدعو به (أن تسأل ربك العفو [١/ ٣٦٢] وهو محو الذنب (والعافية) وهي السلامة من الأسقام والبلايا وهي الصحة وضدها المرض كما في النهاية (٣) وقوله (في الدنيا والآخرة) متعلق بهما فعافية الآخرة السلامة من العذاب ومن الفزع ومن أهوال يوم القيامة، وسؤال العافية إلى الآخرة مع العفو من التأكيد وملائمة اللاحق السابق وإلا فالعفو إذا حصل فيها فقد حصلت

стр. 1164

العافية وقدم العفو لأن طلبه أهم وأقدم من العافية ولا يقال يعلق في الدنيا بالعافية وفي الآخرة بالعفو لأنا نقول العفو مطلوب في الدارين جميعًا ولأن قوله (فإنك إذا أعطيتها في الدنيا ثم أعطيتها في الآخرة فقد أفلحت) صرت مفلحًا معدودًا في زمرة المفلحين لا يناسب ذلك (حم وهناد (ت ٥ عن أنس) رمز المصنف لصحته على رمز أحمد وقال الترمذي: إنما نعرفه من حديث سلمة بن داود انتهى. قال الشارح: وسلمة هذا ضعفه أحمد (١). ١٢٤٧ - "أفضل الدنانير دينار يُنْفِقُهُ الرجل على عِيَالِهِ ودينار يُنْفِقُهُ الرجل على دَابَتَّهِ في سبيل الله ودينار يُنْفِقُهُ الرجل على أصحابه في سبيل الله (حم م ت ن ٥ عن ثوبان) " (صح). (أفضل الدنانير) مثلا الذي ينفقها العبد في وجوه الخير (دينار ينفقه الرجل) أو المرأة (على عياله) وكأن المراد بعد إنفاقه على نفسه وإلا فيقدم أنه يبدأ بنفسه أو إيثاره على نفسه (ودينار ينفقه الرجل على دايته) أي دابة كانت (في سبيل الله) في مرضاته وإن لم يكن للجهاد كإنفاقه على دابة يتكسب بها على نفسه فإنه في سبيل الله أو بقرة يعود نفعها عليه فهو كذلك (ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله) في الجهاد أو في وجه مرضاته فهذه الثلاثة أفضل ما ينفقه الرجل وأما هي في نفسها فالسياق يدل أن الأول أفضلها كما أسلفناه (حم م ت ن ٥ عن ثوبان) (٢). ١٢٤٨ - "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ (ت ن ٥ حب ك عن جابر) " (صح).

стр. 1165

(بحث في كلمة التوحيد) (أفضل الذكر لا إله إلا الله) كأن المراد بعد القرآن وإلا فإنه أفضل الذكر على الإطلاق ويوافقه حديث: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله" (١) وهذه الكلمة الشريفة هي التي أباح الله الأرواح والأنفس والأموال وصانها بها وبعث رسله أولهم وآخرهم بدعاء الخلق إليها كل رسول يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] وهي أعلى شعب الإيمان وهي باب الإِسلام فإنها نفت كل إله وأثبتت إلهيته تعالى والقصر إفرادي لأن المخاطبين كانوا يعتقدون الشريك معه في الإلهية ولذا يقول لهم تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] ويحتمل القلب لمن يعتقد أن الإله سواه تعالى لكن قال البعض: ليس في فرق المشركين من ينفي الرب تعالى. واعلم أنه قد اشتهر السؤال عن الإشكال المشهور للرازي في أن القاعدة أنه إذا لم يقم دليل على تقدير الخاص قدر العام وهنا لا دليل فالتقدير لا إله موجود إلا الله ولا يتم التوحيد إلا بإحالة إله سواه تعالى لا ينفي وجوده وقد اضطرب الناس في حله، وألفت فيه رسائل قال بعض المحققين وعندي أن الإيراد ليس بالقوي لأنا لا نريد إلا (ما الجائنا ضرورة أنها الحاديات) إلى وجوب وجوده فإن قلنا: يتنافى واجبين فقد تضمن وجوده إحالة الثاني ثم إن دليل العقل والشرع دلا على تنافي واجبين فهما دليل على تقدير الخاص أعني الإمكان الذي يستلزم من فرض وجود الثاني محالاً هذا خلاصة كلامه، فأفاد أن لك أن تقدر العام ولا يلزم الإشكال لأن الدليل على تنافي واجبين أو تقدير الخاص لقيام الدليل على تقديره وأحسن منه ما قاله عصام الدين في حواشي الجامي نقلاً عن رسالة لجار الله الزمخشري: أن أصل التركيب الله اللام قدم وأخر وأدخل عليه أداة القصر

стр. 1166

ردًّا على المشركين [١/ ٣٦٣] وأنه لا حاجة إلى التقدير أصلاً وتقدم تفسير الذكر (وأفضل الدعاء الحمد لله) فيه سؤالان: أحدهما: أن الدعاء السؤال والطلب وهذه جملة إخبارية بأن كل حمد لله. وجوابه: أن هذه الجملة لما كانت رأس الشكر ولأنها لا تقال إلا عقيب الإنعام في الأغلب كعقيب الأكل والشرب واللبس ونحو ذلك وقد قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] تضمنت طلب الزيادة فسميت دعاء لذلك وهي أيضًا ذكر فإن الذكر دعاء وزيادة ولذا قيل: إذا أثنى عليك العبد يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء وقد أجاب ابن عيينة عن سؤاله عن حديث سماه رسول الله ﷺ دعاء مع أنه بينا بهذا البيت وأما الثاني فكيف التوفيق بينه وبين ما مر آنفًا: "أفضل الدعاء سؤال العفو والعافية" فالمراد هنا كأفضل الدعاء التعريضي الصمتي وهنالك صريح السؤال والطلب (ت ن ٥ حب ك عن جابر) رمز المصنف لصحته وصححه الحاكم وأقره الذهبي (١). ١٢٤٩ - "أفضل الرباط الصلاة ولزوم مجالس الذكر وما من عبد يصلى ثم يقعد في مصلاه إلا لم تزل الملائكة تصلي عليه حتى يحدث أو يقوم (الطيالسي عن أبي هريرة) ". (أفضل الرباط) تقدم أنه ملازمة الثغر لجهاد العدو (الصلاة) شبه المحافظ على الصلاة بملازمة العدو لما كانت جهادا للنفس أو الشيطان وجعله أفضل الرباط لأنه فيها جهاد النفس والشيطان وهما أشد نكاية للإنسان من عدوه

стр. 1167

الظاهر ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]، وأما جهاد النفس فقد سماه رسول الله ﷺ الجهاد الأكبر (ولزوم مجالس الذكر) عام لتلاوة القرآن وغيره من أنواع الذكر وهو في التلاوة أظهر لحديث: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتدارسون بينهم كتاب الله" (١). الحديث، فهي مجالس الذكر المعهودة بالترغيب فيها ويحتمل أن المراد به كل طاعة يجلس لأجلها (وما من عبد يصلي) أي صلاة من الفرائض (ثم يعقد في مصلاه) ظاهر في محل صلاته نفسه وقد قيل بأنه إذا انتقل إلى ناحية أخرى كان له ما ذكر من قوله (إلا لم تزل الملائكة تصلي عليه) يحتمل أنهم حفظته أو الذين يشهدون الصلاة أو أعم من ذلك وصلاة الملائكة هي الدعاء والاستغفار للعبد وقد وردت أحاديث متكاثرة في الحث على القعود إلى طلوع الشمس بعد صلاة الفجر وإلى غروبها بعد صلاة العصر (حتى يحدث) فيخرج عن وضوءه (أو يقوم، الطيالسي عن أبي هريرة) سكت عليه المصنف وفيه راو ضعيف (٢). ١٢٥٠ - "أَفْضَلُ الرِّقَابِ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأنفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا (حم ق ن هـ عن أبي ذر، حم، طب عن أبي أمامة) " (صح). (أفضل الرقاب) التي تعتق في سبيل الله في النهاية (٣): الرقبة في الأصل العنق فجعلت كناية عن جميع ذات الإنسان تسمية للشيء ببعضه فإذا قال اعتق رقبة فكأنه قال أعتق عبدًا انتهي.

стр. 1168

قلت: وقد صار حقيقة عرفية إذا اقترن بلفظ اعتق ونحوه (أغلاها) بالمهملة والمعجمة (ثمنًا) في القاموس (١): الثمن محركة ما يستحق به الشيء، فمن كان يريد الشراء بألف لرقاب كبيرة فوجد واحدة نفيسة بألف فهي أولى إفادة الحديث، وقال الشارح بخلافه (وأنفسها عند أهلها) أعجبها إليهم وأحبها لأن موقع ما يعطيه العبد لله باعتبار موقعه في قلبه كما قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقد ذم الله تعالى من يعطي ما لا يحبه ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] والظاهر أن غير الرقبة مثلها (حم ق ن ٥ عن أبي ذر حم طب عن أبي أمامة) (٢). (أفضل الساعات) أكثرها أجرًا لمن يأتي الطاعات فيها (جوف الليل الآخر) في النهاية (٣) أنه ثلثه الآخر وهو الجزء الخامس من أسداس الليل (طب عن عمرو بن عنبسة) بالمهملتين مفتوحتين بينهما موحدة (٤). ١٢٥١ - "أفضل الشهداء من سفك دمه وعقر جواده (طب عن أبي أمامة) ". (أفضل الشهداء) [١/ ٣٦٤] أكثرهم أجرًا (من سفك دمه) مغير صيغه وكذلك (وعقر جواده) تقدم الكلام عليه في أشرف الجهاد والجواد الفرس

стр. 1169

السابق الجيد قاله في النهاية (١) (طب عن أبي أسامة) سكت عليه المصنف وقال الشارح: رمز لحسنه (٢). ١٢٥٢ - "أفضل الصدقة أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح شَحِيح تَأْمُلُ الْغِنَى وتَخْشَى الْفَقْرَ وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلفُلَانٍ كَذَا ألا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ كَذَا (حم ق د ن عن أبي هريرة) " (صح). (أفضل الصدقة) بالنظر إلى حال المتصدق وصفة ذاته (أن تصدق وأنت) جملة حالية من فاعل تصدق (صحيح) وما يليه إخبار من مخبر عنه واحد وكان يجوز عطف بعضها على بعض كما جاز عدمه (شحيح) على ما يخرجه يجاهد نفسه على ذلك والشح بخل مع حرص فهو أبلغ منه (تأمل العيش) الحياة (وتخشى الفقر) والحاجة إلى ما تخرجه قيده بذلك لأن آمل العيش من غير خشية الفقر ليس مظنة لمنع الصدقة التي سيق الكلام لبيان أفضلية إخراجها مع وجود مظنة خلافه (ولا تمهل) يجوز جزمه نهيًا ورفعه نفيًا والإمهال التؤدة والتباطؤ (حتى إذا بلغت) أي النفس وإن لم يتقدم لها ذكر فقد تقدم ما يرشد إليها (الحلقوم) الحلق بلوغها إياه هو حال السياق والمراد هنا مبادئه بدليل مقابلته بصحيح (قلت لفلان) في القاموس (٣) فلان وفلانة مضمومتين كناية عن أسمائها (كذا ولفلان كذا) هو كناية عن العدد (ألا) حرف تنبيه (وقد كان لفلان) ضمير كان للمال المدلول عليه السياق والكناية وفلان يحتمل أن الآخر هو الأول إذا كانت الوصية للوارث ويحتمل أن يراد به غيره كما هو الأصل في إعادة النكرة فعلى

стр. 1170

الأول أنه جعل لفلان وقد جعله الله له بغير جعله وعلى الثاني أنه أوصى به لغير الوارث وقد جعله الله للوارث فكأنه تصرف في حق غيره وهذا الأخير أقرب لأنه بالزجر المراد أنسب وفي الحديث حث على الصدقة حال الصحة وجزر عنها حال المرض وفيه دليل على صحة التوصية للوارث على أحد الاحتمالين (حم ق د ن عن أبي هريرة) (١). ١٢٥٣ - "أفضل الصدقة جهد المقل وابدأ بمن تعول (د ك) عن أبي هريرة" (صح). (أفضل الصدقة جهد) بضم الجيم وسكون الهاء الوسع والطاقة وبفتحها المشقة وقيل: المبالغة والغاية قاله في النهاية (٢) (المقل) قليل ذات اليد (وابدأ) في إعطاء الصدقة (بمن تعول) تمونه وتقوم بكفايته شرعًا في النهاية (٣) من تمونه وتلزمك نفقته من عيالك، يقال: عال الرجل عياله إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وغيرهما انتهى. وهذه الأفضلية باعتبار ذات اليد والمراد من بدايته بمن تعول بعد كفايته نفسه كما أفاده حديث جابر: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها" (٤) وحديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي (٥) قال أمر رسول الله ﷺ بالصدقة فقال رجل يا رسول الله عندي دينار قال: "تصدق به على نفسك" الحديث (د ك عن أبي هريرة) رمز المصنف لصحته (٦).

стр. 1171

١٢٥٤ - "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تَعُولُ (حم م ن عن حكيم بن حزام) " (صح). (أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غني) في النهاية (١): أي ما كان عفوا قد فضل عن غنى وقيل: أراد ما فضل عن العيال والظهر قد يراد في مثل هذا اتساعًا في الكلام وتمكينًا كان صدقته مستندة إلى ظهرٍ قوي من المال وإنما كانت الصدقة عن ظهر الغنى أفضل لأنها لا تتبعها نفس المتصدق ولا يتطرق إليها المن في الغالب وهذا يعارض الذي قبله والجمع بينهما أن جهد المقل أفضل إذا كانت نفسه سمحة طيبة بالبذل فصدقته أفضل من صدقة الغني بالنسبة إلى صدقة غيره ممن لا ينطلق نفسه كلية الانطلاق بما أعطت وصدقة الفقير بتلك الصفة أي منطلق النفس بها طيبتها أفضل مطلقا أو يراد بتفضيل الصدقة عن ظهر غنى على صدقة من يخرج جميع ماله ثم يتكفف الناس بعد ذلك كما يفيده حديث جابر [١/ ٣٦٥] في صاحب بيعته الذهب لأنه أتى إلى رسول الله ﷺ متصدقًا بها فلم يقبلها ثم حذفه بها وقال: "يأتي أحدكم بجميع ما يملك ثم يقول هذا صدقة ثم يقعد يتكلف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". إن قلت: فهذا يدل على أنه لا يتصدق الإنسان بكل ما عنده ولا يكون محبوبا عنده لأنه منهي عن ذلك وفي قوله تعالى: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ على الوجه الراجح في أن الضمير للطعام وفي قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ وقوله: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] ما يدل على خلافه. قلت: قد أرشد الحديث إلى وجه الجمع بقوله ثم يقعد يتكلف الناس فالنهي

стр. 1172

موجه إلى من لا ضير له أو لا سعي له في جلب الرزق إلا بالسؤال والثناء على الإيثار متوجه إلى من هو بخلاف تلك الصفة (واليد العليا) في النهاية (١): العليا المعطية وقيل المنفقة (خير) عند الله وأحب إليه (من اليد السفلي) في النهاية (٢) إنها السائلة وقيل. المانعة وهو حث على الإنفاق وعلى العفة (وابدأ بمن تعول) كما سلف مرارًا (حم م ن عن حكيم بن حزام) بالحاء المهملة والزاي (٣). ١٢٥٥ - "أفضل الصدقة سقي الماء (حم د ن ٥ حب ك عن سعد بن عبادة ع عن ابن عباس) " (صح). (أفضل الصدقة سقي الماء) مثله حديث ابن المسيب عند أبي داود أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله أيما الصدقة أعجب إليك؟ قال: "الماء" (٤) وقد تقدم في ذلك حديث وتقدم فيه الكلام وهو الأفضلية بالنظر إلى المتصدق به (حم د ن ٥ حب ك عن سعد بن عبادة) رمز المصنف لصحته (ع عن ابن عباس) (٥). ١٢٥٦ - "أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علمًا ثم يُعَلِّمَهُ أخاه المسلم (هـ عن أبي هريرة) ". (أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علمًا) من نافع العلم (ثم يعلمه أخاه) في الدين وإنما كان أفضلها لأنه يدوم نفعه وينتفع من علمه ومن علم من علمه

стр. 1173

ولأن فيه الحياة الأبدية وصدقة المال للحياة الدنيوية ويدخل في التعليم التأليف ونحوه وهذا باعتبار ما فيه الفائدة من الأقوال بعد استفادتها فلا ينافي ما سلف من صدقة الأموال (٥ عن أبي هريرة) سكت عليه المصنف وقال الهيثمي: إسناده حسن (١). ١٢٥٧ - "أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح (حم طب عن أبي أيوب وعن حكيم بن حزام خد د ت عن أبي سعيد، طب ك عن أم كلثوم بنت عقبة) ". (أفضل الصدقة على ذي الرحم) تقدم الكلام فيه (الكاشح) في النهاية (٢): هو العدو الذي يضمر عداوته ويطوي عليها كشحه: أي باطنه والكَشْح: الخصر أو الذي يطوي عنك كَشْحَه ولا يأتيك انتهى. وهذا باعتبار المتصدق عليه من القرابات وإنما كانت أفضل لأن مكاشحتة وعداوته تقتضي المنع فبإكراه النفس على إعطائه تعظم فضل الصدقة بخلاف الموادِد المواصل فالحامل على إعطائه حاصل والنفس بإنالتِه راغبة (حم طب عن أبي أيوب وعن حكيم بن حزام) وإسناده ضعيف لضعف حجاج بن أرطأه وذكر ابن شاهين وابن مندة وغيرهم أنه عن أيوب بن بشير الأنصاري عن حكيم بن حزام خلاف ما قاله المصنف (خد د ت عن أبي سعيد، طب ك عن أم كلثوم بنت عقبة) وصححه الحاكم (٣).

стр. 1174

١٢٥٨ - "أفضل الصدقة ما تصدق به على مملوك عند مالك سوء (طس عن أبى هريرة) ". (أفضل الصدقة ما تصدق به على مملوك) من آدمي أو بهيمة أو نحوها هو كل كبد حرًّا (عند مالك سوء) في القاموس (١) رجل سَوء ورجل السوء بالفتح والإضافة انتهى. وهو سيئ الملكة في معاملة من تحت يده وهذا تفضيل للصدقة على العامة ممن عدا القرابة. (طس عن أبي هريرة) فيه بشير بن ميمون ضعيف (٢). ١٢٥٩ - "أفضل الصدقة في رمضان (سليم الرازى في جزئه عن أنس) ". (أفضل الصدقة في رمضان) لأنه شهر الطاعات وقد كان ﷺ أجود ما يكون في رمضان وهو تفضيل للصدقة باعتبار الوقت (سليم الرازي في جزئه عن أنس) سكت عليه المصنف وفيه صدقة ابن موسى قال ابن معين: ليس بشيء وأخرجه عن أنس أيضًا البيهقي والخطيب وأخرجه الترمذي بلفظ: "أفضل الصدقة [١/ ٣٦٦] صدقة في رمضان" (٣).

стр. 1175

١٢٦٠ - "أفضل الصدقة اللسان الشفاعة تفك بها الأسير وتَحْقِن بها الدم وتجر بها المعروف والإحسان إلى أخيك وتدفع عنه الكريهة (طب هب عن سمرة) ". (أفضل الصدقة اللسان الشفاعة) أي صدقة اللسان (أو جعلت اللسان نفسها) صدقة لكثرة إفاضة الخير عنها قال الشارح: الموجود في شعب الإيمان للبيهقي: "أفضل الصدقة صدقة اللسان" قالوا: وما صدقة اللسان؟ قال: "الشفاعة" (يفك بها الأسير ويحقن بها الدم ويجري بها المعروف) كلها صفات كاشفة اللسان على أن اللام للعهد الذهني وهو في حكم النكرة من باب: ولقد أمر على اللئيم يَسُبُّني ويحتمل أنها أحوال متداخلة ومترادفة وهذه فضيلة باعتبار الإنالة من الغير بواسطة الشافع ولا يعارض أفضل الصدقة أن يتعلم إلى آخره لأن ذلك فيما يستفيده من المعارف يفيده وهذا فيما يفيده من العوارف (والإحسان إلى أخيك) خاص على عام لأنه من المعروف (ويدفع عنه الكراهة) ما يكره وقوعه فيه (طب هب عن سمرة) سكت عليه المصنف قال الهيثمي: فيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف (١). ١٢٦١ - "أفضل الصدقة أن تشبع كبِدًا جائعًا (هب عن أنس) ". (أفضل الصدقة أن تشبع كبدًا جائعًا) كبد كل شيء وسطه قاله في النهاية (٢)، وهذه الأفضلية بالنظر إلى نوع من المتصدق به وهو الإشباع (هب عن أنس) سكت عليه المصنف وقال الشارح: رمز لحسنه وكأنه لاعتضاده وإلا ففيه

стр. 1176

هشام بن حسان ضعيف (١). ١٢٦٢ - "أفضل الصدقة إصلاح ذات البين (طب هب عن أنس بن عمرو) ". (أفضل الصدقة إصلاح ذات البين) تقدَّم تفسير هذا التركيب والإصلاح حث عليه الكتاب والسنة بما هو معروف وسماه صدقة لأنه إيصال نفع إلى الغير (طب هب عن أنس بن عمرو) سكت عليه المصنف وقال الشارح: إسناده ضعيف لضعف ابن أنعم (٢). ١٢٦٣ - "أفضل الصدقة حفظ اللسان (فر عن معاذ) ". (أفضل الصدقة حفظ اللسان) الصدقة إنما تطلق على الأعيان في الأصل ثم أطلقها الشارع على المعاني والأعراض مثل كل تسمية ومنه ما مر في هذه الأحاديث وهو مجاز كأنه شبه المعنى المنتفع به بالصدقة في النفع ثم أطلق اسمها عليه استعارة مصرحة ثم استعمل في الترك كهذا الحديث وهو ترك الكلام الذي لا خير فيه (فر عن معاذ بن جبل) قال الشارح: فيه راو كذاب (٣).

стр. 1177

١٢٦٤ - "أفضل الصدقة سر إلى فقير وجهد من مقل (طب عن أبي أمامة) ". (أفضل الصدقة سر) صدقة سر يدفعها (إلى فقير) فإنها أسلم عن الرياء ونحوه (وجهد من مقل) كما سلف والأفضلية بالنظر إلى صفة الإخفاء (طب عن أبي إمامة) سكت عليه المصنف وهو ضعيف لضعف رواية بن زيد (١). ١٢٦٥ - "أفضل الصدقة أن تمنح الدرهم أو ظهر الدابة (طب عن ابن مسعود) ". (أفضل الصدقة المنيح) بكسر النون فمثناة تحتية فحاء مهملة بزنة مليح قال في القاموس (٢): المنيح أحد سهام المَيْسِر الثلاثة التي لا غنم لها ولا غرم عليها والمنيحة والمنحة العطية والهبة فالمنيح هنا مرخم المنحة وكأنه قيل منيحة ماذا؟ (قال أن تمنح الدرهم) يقرضه (أو ظهر الدابة) بأن تعيرها من ينتفع بها وهذه أفضلية لهذا النوع من القرضه والعارية (طب عن ابن مسعود) وأخرجه أحمد ورجاله رجال الصحيح (٣).

стр. 1178

١٢٦٦ - "أفضل الصدقات ظِلُّ فُسْطَاطٍ في سبيل الله أو منحة خادم في سبيل الله أو طَرُوقَةُ فَحْلٍ في سبيل الله (حم ت عن أبي أمامة. ت عن عدى بن حاتم) ". (أفضل الصدقات ظل فسطاط) بضم الفاء قال الزمخشري: هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق قاله في النهاية (١): والمراد هنا مطلق ماله ظل من الأبنية (في سبيل الله) تقدم أنه الجهاد، وقد يطلق على طرق الخير مطلقًا (أو منحة خادم في سبيل الله) عاريته أو هبته (أو طروقة فحل) تفتح الطاء وهي فعوله بمعنى مفعوله أي التي يطرقها الفحل من ناقة أو فرس أي تأهلت لأن يطرقها فيعطيها (في سبيل الله حم ت عن أبي أمامة) صححه الترمذي وتعقبه عبد الحق بأن فيه القاسم بن عبد الرحمن مختلف فيه (ت عن عدي بن حاتم) (٢). ١٢٦٧ - "أفضل الصلوات عند الله تعالى صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة، (حل هب) عن ابن عمر". (أفضل الصلوات عند الله) أكثرها أجرًا لديه (صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة) لأنها أفضل الخمس واليوم أفضل الأيام والجماعة أفضل الصلوات وهذه أفضلية مطلقة فتفيد أنهما أفضل من كل فريضة إذ هو أخص من حديث أفضل الصلاة الصلاة لأول وقتها فإذا كانت في أول الوقت اجتمعت لها فضيلة

стр. 1179

الوقت والصفة واليوم (حل هب عن ابن عمر) سكت عليه المصنف وقال الشارح: رمز لضعفه (١). ١٢٦٨ - "أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم (م ٤) عن أبي هريرة، الروياني في مسنده (طب) عن جندب" (صح). (أفضل الصلاة بعد المكتوبة) التي كتب الله على العباد إيجابها (الصلاة في جوف الليل) في وسطه وتقدم بيانه عن النهاية (وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله) نسب إليه تعظيمًا لشأنه (المحرم) بدل منه لأنه مفتتح السنة وقد كان ﷺ يكثر صومه ليفتتح عامه بفعل الخير، وفيه دليل على أنه أفضل الصوم بعد رمضان وأنه أفضل على كل ما ورد، فيه الحث على الصوم كالست بعد رمضان ويوم عرفة وعاشوراء إلا أن الأظهر أن المراد تفضيل الشهر كله على شهر كامل لا على الأيام المعينة فيحتمل أنها بخصوصها أفضل وأما الحديث الآتي قريبا أفضل الصوم بعد رمضان شعبان فقد عارض بظاهره هذا والتوفيق ما مر في نظائره أن التفضيل بكل واحد على ما عدا الآخر وأن المعنى شعبان أفضل الأشهر ما عدا المحرم والمحرم أفضلها ما عدا شعبان فهما فيما بينهما لا دليل في هذا يقضي لأحدهما بأنه أفضل من الآخر (م ٤ عن أبي هريرة الروياني) تقدم ضبطه وترجمته واسمه محمد بن هارون (في مسنده) الذي قال فيه الحافظ ابن حجر: ليس دون السنن في الرتبة (طب عن جندب) (٢).

стр. 1180

١٢٦٩ - "أفضل الصلاة طول القنوت (حم م ت ٥ عن جابر طب عن أبي موسى، وعن عمرو بن عنبسة وعن عمير بن قتادة الليثي) " (صح). (أفضل الصلاة طول القنوت) هو لفظ له معان كثيرة في النهاية (١)، قد تكرر لفظ القنوت في الحديث ويرد لمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت فيصرف كل واحد من هذه المعاني إلى ما يتحمله لفظ الحديث انتهى. قلت: والمراد هنا القيام منها ولهذا ذهبت طائفة إلى أفضلية القيام واستدلت على أنه أفضل من السجود بهذا الحديث وغيره وقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ولأن ذكره أفضل الذكر وهو القرآن فالتفضيل عندهم هنا حقيقي والصلاة هنا أعم من الفرض والنفل المطول فيها القيام على الفرض يفضل الفرض من حيثية طول القيام ولا ينافيه كون تلك أفضل منها من جهات عديدة غير هذا وذهبت طائفة إلى أن السجود أفضل مستدلين بقوله ﷺ : "أقرب ما يكون العبد أقرب من ربه وهو ساجد" (٢)، وبحديث: "ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة" (٣)، وبأن أول سورة نزلت ختمها الله بالسجود، وبأن الساجد أذل ما يكون لربه وأخضع، وهذا هو سر العبودية هي الذل والخضوع وعلى كلامهم فالتفضيل إضافي ولما رأت طائفة تعارض الأدلة مالت إلى التفصيل وقالت: القيام بالليل أفضل وكثرة الركوع والسجود بالنهار أفضل، واحتجت على هذا التفصيل بأن صلاة الليل قد خصت بالقيام

стр. 1181

كما قال تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] ولذا يقال: قيام الليل ولا يقال: قيام النهار وبقوله ﷺ : "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا" (١)، وهكذا كان فعله ﷺ فإنه كان لا يزيد في الليل على ثلاث [١/ ٣٦٨] عشرة ركعة وكان يصلي الركعة في بعض الليالي بالبقرة وآل عمران والنساء وأما بالنهار فلم يحفظ عنه شيء من ذلك قال ابن تيمية: الصواب أنهما سواء والقيام أفضل بذكره وهو القراءة والسجود أفضل من هيئة القيام وذكر القيام أفضل من ذكر السجود فعلى هذا يكون قوله ﷺ : "أفضل الصلاة طول القنوت" أي من حيث الذكر (حم م ت ٥ عن جابر طب عن أبي موسى وعن عمرو بن عنبسة وعن عمير) بالتصغير (بن قتادة الليثي) بمثناة فمثلثة نسبة إلى بني ليث (٢). ١٢٧٠ - "أَفْضَلَ الصَّلاةِ صَلاةُ الْمَرْءِ في بَيْتِهِ إلا الْمَكْتُوبَةَ (ن طب عن زيد بن ثابت) ". (أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) فإنها في المسجد أفضل لأن الجماعة شرع فيها فهي محلها أفضل ومثل الفروض (الفرض) كل نفل شرع جماعة (ن طب (٣) عن زيد بن ثابت) ورواه أيضًا الشيخان (٤).

стр. 1182

١٢٧١ - "أفضل الصوم بعد رمضان شعبان لتعظيم رمضان وأفضل الصدقة صدقة في رمضان (هب عن أنس) ". (أفضل الصوم بعد) صوم (رمضان) صوم (شعبان لتعظيم رمضان) وذلك لأنه لما كان شعبان مقدمه بين يدي رمضان كان صومه فيه تعظيمًا له لأنه يفد رمضان وقد آنست النفس بالعبادة وألفتها ولأنه كالحريم فيحترم لاحترامه وقد ثبت أنه ﷺ كان يكثر الصوم فيه (وأفضل الصدقة صدقة في رمضان) كما سلف (ت هب عن أنس) سكت عليه المصنف وقال الشارح: ضعيف لضعف صدقة ابن موسى (١). ١٢٧٢ - "أفضل الصوم صوم أخي داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يَفِرُّ إذا لَاقَى (ت ن عن ابن عمر) ". (أفضل الصوم صوم أخي داود) كأنه قيل وكيف كان صومه فقال (كان يصوم يوما ويفطر يومًا) فهو صوم نصف الدهر وقوله (ولا يفر) عن العدو (إذا لاقى) استطراد كالاحتراس عما يوهمه كثرة الصوم من أنه يضعف البدن عن الجهاد (ت ن عن ابن عمر) قال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ (٢). ١٢٧٣ - "أفضل العباد درجة عند الله يوم القيامة الذاكرون الله كثيرًا (حم ت عن أبي سعيد) " (صح). (أفضل العلماء (٣)) خص العلماء لأن ذكرهم هو الذي يعتد به إذا صدر عن قلب ولسان (درجة عند الله الذاكرون الله كثيرًا) قد اختلف ماذا أكثر الذكر

стр. 1183

وذكرت فيه أقوال والأقرب أن المراد أن يكون غالب حال الشخص الذكر (حم ت عن أبي سعيد) (١) رمز المصنف لصحته. ١٢٧٤ - "أفضل العبادة الفقه وأفضل الدين الورع (طب عن ابن عمر) ". (أفضل العبادة الفقه) في النهاية (٢): فقِه الرجل بالكسر يفقه فقهًا إذا فهم وفقُه بالضم تفقه إذا صار فقيها عالمًا فقد جعله العرف خاصًا بعلم الشريعة وتخصيصًا بالعلم بالفروع انتهى. ففي الكلام مضاف محذوف أي تعلم الفقه والمراد به علم الشريعة بجميع أنواعه وسماه عبادة لما فيه من التذلل لطلب العلم والتواضع لحملته (وأفضل الدين الورع) تقدم بيانه وفسروه بالخروج عن كل شبهة ومحاسبة النفس عند كل خطره (طب عن ابن عمر) (٣). ١٢٧٥ - "أفضل العبادة الدعاء (ك ابن عباس. عد عن أبي هريرة. ابن سعد عن النعمان بن بشير) " (صح). (أفضل العبادة الدعاء) تقدم فيه الكلام مرارًا ويأتي وفيه الكلام مرارًا ويأتي وفيه كمال التذلل والتضرع وإظهار الحاجة (ك عن ابن عباس) رمز المصنف لصحته (عد عن أبي هريرة ابن سعد عن النعمان بن بشير) (٤). ١٢٧٦ - "أفضل العبادة قراءة القرآن (ابن قانع عن أسير. فر عن جابر السجزي في الإبانة عن أنس) ".

стр. 1184

(أفضل العبادة قراءة القرآن) تقدم أنه أصل العلوم والمعارف وقد سلف فيه الكلام مستوفى ولا ينافيه ما سلف من قوله ذكرُ الله لأن القراءة ذكرا لله بل هو رأسه فهو تخصيص له بعد ذلك التعميم (ابن قانع عن أسير) مصغر أسير بالسين المهملة فمثناة تحتية (فر ابن جابر، السجزي في الإبانة عن أنس) (١). ١٢٧٧ - "أفضل العبادة انتظار الفرج (القضاعي عن أنس) ". (أفضل العبادة انتظار الفرج) هو من فرج الله الغم يفرجه كشفه قاله القاموس (٢) ويأتي حديث انتظار الفرج بالصبر عبادة وحديث انتظار الفرج لله عبادة والمعنى: انتظار المغموم تفريج الله عنه بالصبر أفضل عبادته وذلك لدلالته على حسن ظنه بالله وعدم يأسه من روحه فهو في كل آناته وساعاته مرتقب تفريج كربته وزوال غمته وما أجدر المغموم بارتقاب تفريج الله عنه فإنه المفرج [١/ ٣٦٩] لكل كربة بعد اليأس والمفعل لكل خير بعد الإبلاس فهو الذي صير النار على الخليل بردًا وسلامًا وهو الذي فرج عن يونس فأخرجه من بطن الحوت إذ ناداه في الظلمات وهو الذي أخرج الكليم من اليم وفلق له ولقومه البحر وأنجاهم من الكرب العظيم وهو الذي أخرج يوسف من الجب وأخرجه من السجن وهو الذي رفع عيسى ونجاه من القتل وهو نجا رسوله من قومه إذ يمكرون به ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه وكم وكم وبالجملة ما من بشر تحت أديم السماء إلا وقد وقع في كربة وكشفها الله تعالى وما من أحد إلا وقد جرب هذا في نفسه.

стр. 1185

وكم ليلة بت في كربة ... يكاد الرضيع لها أن يشيب فما أصبح الصبح حتى أتى ... من الله فتح ونصر قريب اللهم إنا منتظرون تفريجك عن الدين فقد هضمته أيدي المعتدين وعن ضعفاء المسلمين فقد افترسهم سباع الناعين وسائلون لك أن تفرج كربتنا وترحم غربتنا في الدين (القضاعي عن أنس) قال ابن الجوزي: هو حديث لا يثبت وعزاه المصنف في الدرر إلى البزار والبيهقي وضعفه (١). ١٢٧٨ - "أفضل العمل النية الصادقة (الحكيم عن ابن عباس) ". (أفضل العمل النية الصادقة) هي الإرادة والقصد إلى الأعمال الصالحة ابتغاء رحمة الله ومطابقة أمره فهذا صدقها وسميت صادقة لأنها بذلك تطابق الواقع والمراد بالعمل عمل القلب ما عدا الإيمان فإنه من أعمال القلب وهو أفضل منها ويحتمل أن المراد أنها أفضل الأعمال كلها البدنية والقلبية لأنها رأس الأعمال وأصلها ومبدأ كل فضل فهي أفضل من كل عمل لأنها أصل له ولأنه

стр. 1186

يثاب العبد بسببها على العمل الصالح وإن لم يعمله كما يدل حديث: "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر حسنات" (١) (الحكيم عن ابن عباس) قال الشارح: بإسناد ضعيف (٢). ١٢٧٩ - "أفضل العيادة أجرًا سرعة القيام من عند المريض (فر عن جابر) ". (أفضل العيادة) بمثناه تحتية من عاد يعود (أجرًا) والتصريح هنا بالأجر دليل أن المراد من أفضل الأعمال كثرة أجرها وحسن موقعها هل هذا هو المراد من فضل الأشخاص؟ الظاهر هو ذلك، فإذا ورد عن الشارع إن فلانًا أفضل من فلان فالمراد أنه أكثر ثوابًا عند الله، هذا ولبعض المحققين تردد في ذلك فقال: إن أريد تفضيل زيد مثلاً على عمرو أنه أكثر ثوابًا عند الله فهو مجهول لنا وإن أريد أفعال الخير الصادرة عنه والجارية على يديه أكثر من الجارية على يد عمرو فهذا أيضًا لنا مجهول لأن مقادير الأعمال عند الله تعالى فرب قليل تراه هو كثير عند الله ورب كثير هو قليل لما يدخل في الأعمال من أنواع الإخلال فالبحث عن التفضيل فضول انتهى. قلت: لقائل أن يقول: المراد الأول وكثرة أفعال الخير دليل أن من صدرت عنه أكثر أجرًا من غيره، وقوله: إن مقادير الأعمال مجهولة لنا إلى آخره كلام صحيح لكنه لا يرد على معتقد الأفضلية لأن اعتقاده ناشئ عن قرائن صحيحة فإن صحب في نفس الأمر عنده تعالى فذاك وإلا فما هو مخاطب إلا بعلمه من صور الأعمال وقد أشار إلى هذا حديث: "لم أؤمر أن أفتش عن قلوب الناس" (٣) لما قيل له كم من فضل بلسانه غير فضل بقلبه وأما قوله: إن التفضل من

стр. 1187

الفضول ففيه أيضًا تأمل لأن مرادنا من التفضيل اعتقاد أن ذا المزايا أرفع مقامًا وأولى بالإجلال والإكرام والله تعالى قد بين الفاضل من المفضول فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي [١/ ٣٧٠] مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] ولم يخبرنا بهذا إلا لنعرف الفاضل من المفضول فيزيد في تعظيمه وعلو منزلته (سرعة القيام من عند المريض) لأنه ربما كان طول المقام لديه زيادة في مرضه (فر عن جابر) (١). ١٢٨٠ - "أفضل الغزاة في سبيل الله خادمهم ثم الذي يأتى بالأخبار وأخصهم منزلة عند الله الصائم ومن استقى لأصحابه قربة في سبيل الله سبقهم إلى الجنة بسبعين درجة أو سبعين عاما (طس عن أبي هريرة) ". (أفضل الغزاة) جمع غاز وهو المجاهد مطلقًا ولو في وطنه (في سبيل الله خادمهم) لأنه يقوم بكفايتهم وتموينهم ويحتمل أن يراد به سيد القوم لحديث: "سيد القوم خادمهم" (٢) إن صح (ثم الذي يأتيهم بالأخبار) عن أعدائهم وما يتخوفونه منهم فيحترزون عن ذلك فهو في الحقيقة يصونهم عن كيد العدو فيسكن من روعهم ويبصرّهم عورات عدوهم ويعرفهم مداخل السوء عليه وينفي ما يولده المرجفون فإنها جرت عادة العباد أنها لا بد لكل عدو من صديق ولكل محب من بغيض سيما في الفرق المتحاربة فيولد كل أحد ما ينقدح في صدره فيشيعه ويذيعه وللأراجيف في القلوب موقع ولذلك مقت الله إذاعة

стр. 1188

الأمن والخوف ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] وفي وعيد المرجفين مع ضمه لهم إلى المنافقين والذين في قلوبهم مرض (وأخصهم عند الله منزلة) أعظمهم لديه أجرًا (الصائم) لأنه مجاهد لنفسه كاسرٌ لشهواتها مجاهدٌ لعدوه فقد جمع بين الجهادين (طس عن أبي هريرة) وللحديث بقية عند مخرجه وهي: "ومن استقاء لأصحابه قربة في سبيل الله سبقهم إلى الجنة سبعين درجة" (١). ١٢٨١ - "أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتصفح عمن شتمك (حم طب عن معاذ بن أنس) " (ح). (أفضل الفضائل) هو صريح إنما ذكر أفضل من كل فضيلة والمراد بالفضائل الفضائل بالنظر إلى معاملة العباد فلا يكون أفضل من الصلاة لوقتها (أن تصل من قطعك) مقابلة للإساءة بالإحسان (وتعطي من حرمك) تخصيص بعد التعميم إشارة إلى عزة المال عن النفس وشحها به وهو يلاقي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ولشدة مشقة هذه الفضيلة على الأنفس عقبها بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] لا يلقى هذه الفضيلة الكاملة والخلة الشريفة إلا ذلك وذلك لأن أصل النفوس شرية مجبولة على الشر إلا القليل فإذا انضاف إلى شرها الكامن من قطع غيره عنه إحسانه انضاف الشر إلى الشر وعرضة للنفس صفة تقتضي مقابلة القاطع بكل إنسان فإذا غلب نفسه وعامله بضدها كان آتيًا بأفضل الأعمال كما قال ﷺ (وتصفح عمن ظلمك) فلا تكافئه إن قدرت عليه ولا تشكوه ولا تحرم منه وإن كان جائزًا لك فتؤثر ذلك على ما أبيح لك وهل

стр. 1189

المراد العفو عنه حتى عن المطالبة في الآخرة؟ ظاهر الحديث العموم كما هو ظاهر الآيات الدالة على ذلك مثل ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (١) ونقل عن الشافعي أن مذهبه ترك التحلل عن الظلامات والتبعات أولى لأن صاحبها يستوفيها يوم القيامة من حساب من هي عنده أو توضح سيئاته على من هي عنده كما يشهد له الحديث الوارد في القصاص يوم القيامة وهو لا يدري هل يكون أجره على التحليل موازنًا لماله من الحسنات في الظلامات أو يزيد أو ينقص وهل يحتاج زيادات حسناته ونقصان سيئاته. ومذهب غير الشافعي أن التحليل أفضل مطلقا وأدلة هذا الأخير أوضح وقال المحقق المقبلي: أما التعليل لقول الشافعي فغير صحيح لأن جزاء الكريم على العفو [١/ ٣٧١] أكثر من الأصل لأنه يجزي بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة واختار لنفسه غير القولين وهو التفويض إليه تعالى زاعمًا أن أدلة التفويض شاملة لذلك ولم يناف أدلة العفو إذ من فوض إلى الكريم الجواد العفو الحليم فقد قام بحق العفو وحق التفويض والأدب مع سيده الحليم انتهى. وأقول: هذا الحديث صريح في أفضلية العفو والتفويض ليس بعفو ضرورة أنه لم يسقط حقه ولما ذكر الله الفريقين المنتصر والعافي نوه بذكر العافي وعظم أجره ولم يصف المنتصر إلا بأنه ليس عليه سبيل فقال: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ثم قال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فهذا الفرقان بين الشخصين دال على أرجحية العفو أتم دلالة فإن الانتصار شامل لطلب الظلامة في الدارين وحديث المتصدق بعرضه وما ورد فيه من أدلة ذلك وهو أبو ضمضم كما أخرجه أبو داود والضياء وصحَّحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم كان إذا خرج من

стр. 1190

منزله قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك" (١) وأدلته كثيرة جدًا، وأما التفويض فما ذكر له دليلاً وأما الأدب مع الرب فبقبول ما أرشد إليه من العفو ودعا إليه وحث عليه ثم الحديث ظاهر أن مجموع هذه الثلاث هو أفضل الفضائل لا الواحدة منها (حم طب عن معاذ بن أنس) رمز المصنف لصحته (٢). ١٢٨٢ - "أفضل القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (ك هب) عن أنس" (صح). (أفضل القرآن الحمد لله رب العالمين) يحتمل أن المراد فاتحة الكتاب وأنه اقتصر على أولها لدلالته على بقيتها ويحتمل أنه اسم لها وأنها مسماة بهذه الجملة إلا أنه لم يعده المصنف من أسمائها مع عده لها خمسة وعشرين اسمًا ويحتمل أن هذا اللفظ وهو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أفضل القرآن وإن كان خلاف الظاهر والمتبادر فإنه فهم الناس أن المراد بها السورة وعدوا هذا من فضائلها منهم المصنف في الإتقان (٣) (ك هب عن أنس) (٤) رمز المصنف لصحته. ١٢٨٣ - "أفضل القرآن سورة البقرة وأعظم آية فيه آية الكرسي وإن الشيطان ليخرج من البيت أن يسمع أن يقرأ فيه سورة البقرة (الحارث بن أبي أسامة، ومحمد بن نصر، وابن الضريس عن الحسن مرسلاً) ".

стр. 1191

(أفضل القرآن) هذا والذي قبله يدل على أن في القرآن فاضلاً ومفضولاً باعتبارات، وقد اختلف الناس في ذلك وأبانه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (سورة البقرة) باعتبار ما اشتملت عليه من الأحكام والعلوم فهي أفضل القرآن في ذلك فلا ينافي السابق فإن الفاتحة أفضل القرآن في أجر تلاوتها كما ورد أنها تعدل بثلثي القرآن ولم يرد ذلك في البقرة (وأعظم آية فيه آية الكرسي) أي في القرآن جميعًا وقد سماها رسول الله ﷺ سيدة آي القرآن وورد فيها أنها ربع القرآن وتقدم الكلام في ذلك والأعظمية هي الأفضلية (وأن الشيطان يخرج من البيت إن يسمع) أي ليلاً يسمع (تقرأ فيه سورة البقرة) كأنه لأجل آية الكرسي لما ورد من أنه لا يدخل الشيطان بيتا قرأت فيه (الحارث بن أبي أسامة وابن الضريس) بالتصغير (ومحمد بن نصر المروزي عن الحسن البصري مرسلاً) (١). ١٢٨٤ - "أفضل الكسب بيع مبرور وعمل الرجل بيده (حم طب عن أبي بردة بن نيار) ". (أفضل الكسب بيع مبرور) هو ما ليس فيه شيء مما نهى عنه (وعمل الرجل بيده) إلا الحجامة فإنها مستثناة وإن كان من أعمال اليد فإن الشارع نص على أنها أخبث الكسب وتقدم فيه في طيب الكسب (حم طب عن أبي بردة [١/ ٣٧٢] بن نيار) بكسر النون فمثناة تحتية خفيفة آخره راء (٢). ١٢٨٥ - "أفضل الكلام سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (حم عن بعض الصحابة) "

стр. 1192

(أفضل الكلام) كأن المراد ما عدا القرآن (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) تقدم الكلام عليها مرارًا (حم عن رجل) (١). ١٢٨٦ - "أفضل المسلمين إسلامًا من سلم المسلمون من لسانه ويده وأفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وأفضل المهاجرين من هجر ما نهى الله عنه وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله (طب عن ابن عمرو) ". (أفضل المسلمين إسلامًا) أكملهم فيه (من سلم المسلمون) خرج على الغالب وإلا فأهل الذمة كذلك يجب كف اليد عنهم واللسان وجمع السلامة المذكر للتغليب وإلا فالمسلمات كذلك (من لسانه) خصها بالذكر لأنها المعبر عما في النفس ولم يقل من كلامه ليدخل الإشارة بها استهزاء (ويده) فإن أكثر أفعال العبد بها وتدخل فيه اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير ويستثنى من ذلك ما لم يكن بإذن الشرع كالضرب في الحدود ونحوها وتدخل الكتابة باليد لما يحرم (وأفضل المؤمنين إيمانًا) أكملهم فيه (أحسنهم خلقًا) كما سلف مرارًا (وأفضل المهاجرين من هجر ما نهى الله عنه) فالمهاجرة في الأصل فراق دار الكفر إلى دار الإيمان فأفضلها هجر العبد ما نهي عنه فإنها ما شرعت الهجرة من دار الكفر إلا ليهجر ما نهى الله عنه، وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله تقدم جهاد النفس قريبًا وأنه أصل كل طاعة (طب عن ابن عمرو) سكت عليه المصنف وقال الهيثمي: إسناده حسن (٢).

стр. 1193

١٢٨٧ - "أفضل المؤمنين أحسنهم خُلقا (هـ ك عن ابن عمر) " (صح). (أفضل المؤمنين أحسنهم خلقًا) وهو سيد الأولين والآخرين من أثنى الله على خلقه بأنه على خلق عظيم ولكل ذي خلق حسن حصة من الأفضلية (٥ ك عن ابن عمر) رمز المصنف لصحته (١). ١٢٨٨ - "أفضل المؤمنين إيمانًا الذى إذا سئل أعطي وإذا لم يعط استغنى (خط عن ابن عمرو) ". (أفضل المؤمنين إيمانًا الذي إذا سئل) غير الصيغة ليشمل كل سؤال (أعطى) ولم ينهر سائله بل يعطي ما لديه ولو كلمة طيبة (وإذا لم يعط) ما هو له من حق (استغنى) عف عن الطلب ولم يتذلل لينال ما في يد غيره (خط عن ابن عمرو) ورواه ابن ماجه بنحوه (٢). ١٢٩٨ - "أفضل المؤمنين رجل سمح البيع سمح الشراء سمح القضاء سمح الاقتضاء (طس عن أبي سعيد) ". (أفضل المؤمنين) في معاملة العباد (رجل سمح البيع) السماحة الجود والكرم على ما في القاموس أو هو من قولهم عود سمح أي لا عقدة كما فيه أيضًا والمراد هنا عدم المعاسرة (سمح الشراء سمح القضاء) لغرمائه غير مشاحح

стр. 1194

لهم فيه (سمح الاقتضاء) من غرمائه ويأتي أنه تعالى يحب من كان بهذه الصفات (طس عن أبي سعيد) ورجاله ثقات كما قال الهيثمي (١). ١٢٩٠ - "أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله ثم مؤمن في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِى الله ويدع الناس من شره (حم ق ت ن ٥ عن أبي سعيد) " (صح). (أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه) بذلالها (وماله) كذلك (ثم) بعده في الفضل (رجل في شعب من الشعاب) في طائفة من الأرض (يتقي الله ويدع) يترك (الناس من شره) إشارة إلى أنه يكون مقصده من العزلة ترك الناس من شره لا كف شرهم عنه لأن ذلك المقصد أعم لأن فيه هضمًا للنفس ولأنه لو صبر على شرهم كان مثوبًا بخلاف ما لو لم يدعهم من شر نفسه فإنه يكون آثما فليقصد الأعلى والأكمل وفيه أنه لا يخلو بشر عن شر (حم ق ت ن ٥ عن أبي سعيد) (٢). ١٢٩١ - "أفضل الناس مؤمن مُزهد (فر عن أبي هريرة) ". (أفضل الناس مؤمن مزهد) بضم فسكون وتشديد الهاء قليل المال والمراد من زهده الله في الدنيا فكان بما عند الله أوثق مما عند نفسه كما يأتي تفسير الزهد بذلك (فر عن أبي هريرة) بإسناد ضعيف (٣).

стр. 1195

١٢٩٢ - "أفضل الناس رجل يعطى جهده (الطيالسي عن ابن عمر) " (أفضل الناس رجل يعطي جهده) قدر ما يحتمله حاله إذا كان قليل المال هو نظير أفضل الصدقة جهد المقل تقدم (الطيالسي عن ابن عمر) (١). ١٢٩٣ - "أفضل الناس مؤمن بين كريمين (طب عن كعب بن مالك) ". (أفضل الناس مؤمن بين كريمين) في النهاية (٢) بين أبوين مؤمنين وقيل: بين أب مؤمن هو أصله وابن مؤمن هو فرعه فهو بين مؤمنين هما طرفاه وهو مؤمن كريم والكريم الذي كرم نفسه عن التدنيس بشيء من مخالفة ربه انتهى. زاد في (الغريبين) قال بعضهم: هما الحج والجهاد وقيل: بين فرسين يغزو عليهما ومثلهما في القاموس (٣) [١/ ٣٧٣] وزاد وبعيرين يستقى عليهما، ورواية النهاية: كريمين بالتذكير وفي القاموس بالتأنيث وأقرب المعاني الأول والمعنى: أكرم الناس حالاً من كرم طرفان وكان كريمًا في نفسه ويدل لذلك أن لفظ الحديث عند العسكري في الأمثال من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن يكون أسعد الناس الدنيا في لكع بن لكع وأفضل الناس مؤمن بين كريمين" (طب عن كعب بن مالك) (٤). ١٢٩٤ - "أفضل أمتي الذين يعملون بالرخص (ابن لال عن عمر) ". (أفضل أمتي الذين يعملون بالرخص) جمع رخصة بضم الراء وبضمتين
следующие страницы →