← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122096

التنوير شرح الجامع الصغير

الصنعاني

Полный текст (6 289 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

(ح) محمد إسحاق محمد إبراهيم ١٤٣٢ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الصنعاني، محمد إسماعيل التنوير شرح الجامع الصغير/ محمد إسماعيل الصنعاني؛ محمد إسحاق إبراهيم، - الرياض، ١٤٣٢ هـ ١١ مج ردمك: ٨ - ٦٧٠٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٩ - ٦٧٠٣ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٣) ١ - الحديث - جوامع الفنون أ. إبراهيم، محمد إسحاق (محقق) ب- العنوان ... ديوي ٢٣٢٠٦، ٥٨٠/ ١٤٣٢ رقم الإيداع: ٥٨٠/ ١٤٣٢ ردمك: ٨ - ٦٧٠٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٩ - ٦٧٠٣ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٣) حقوق الطبع محفوظة للمحقق الطبعة الأولى: ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م يطلب الكتاب من المحقق على عنوان: المملكة العربية السعودية - الرياض ص. ب: ٦٠٦٩١ - الرمز: ١١٥٥٥ فاكس: ٤٤٥٠٠١٢ - ٠٠٩٦٦١ البريد الإلكتروني: aal_ibrahim@yahoo.com أو مكتبة دارالسلام، الرياض هاتف: ٤٠٣٣٩٦٢ - ٠٠٩٦٦١

стр. 1227

١٣٣٦ - "اقرءوا سورة البقرة في بيوتكم ولا تجعلوها قبورًا (هب عن الصلصال بن الدلهمس) ". (اقرءوا سورة البقرة في بيوتكم) منازلكم (ولا تجعلوها قبورًا) فإن القبور ليس فيها عمل فالبيت الذي لا ذكر فيه كالقبر (ومن قرأ سورة البقرة) في بيته أو غيره (توج بتاج في الجنة) تقدم تفسير التاج وهذا زيادة على ما سلف من الأخبار بأنها تجادل عن صاحبها وتشفع له فإن ذلك قبل الدخول وهذا بعده (هب عن الصلصال) (١) بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة (ابن الدلهمس) بدال مهملة بعدها لام وهاء مفتوحتين وميم ساكنة وسين مهملة قال الذهبي: له حديث غريب المتن والإسناد يشير إلى هذا. ١٣٣٧ - "اقرءوا هود يوم الجمعة (هب عن كعب مرسلاً) ". (اقرءوا سورة هود يوم الجمعة) كما أمر بقراءة الكهف في ذلك اليوم لشيء لا يعلمه إلا الله (هب عن كعب مرسلاً) (٢) قال الحافظ ابن حجر: مرسل صحيح.

стр. 1228

١٣٣٨ - "اقرءوا على موتاكم يس (حم د ٥ حب ك عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) ". (اقرأوا على موتاكم يس) يحتمل أن المراد من حضرته الوفاة لا أن الميت يقرأ عليه وكذلك "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" وإلى هذا الاحتمال ذهب ابن حبان ورده المحب الطبري وغيره في القراءة وسلم له في التلقين، قال الحافظ في التلخيص (١): وفيه منسوبًا إلى مسند الفردوس من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "ما من ميت يموت فتقرأ يس عنده إلا هون الله عليه". قلت: وقوله يموت ظاهر في قراءتها بعد موته فيتم رد المحب على ابن حبان (حم د ٥ حب ك عن معقل بن يسار) (٢) قال النووي (٣): إسناده ضعيف. ١٣٣٩ - "اقرءوا على من لقيتم من أمتي بعدي السلام الأول فالأول إلى يوم القيامة (الشيرازى في الألقاب عن ابن مسعود) " (صح). (اقرءوا على من لقيتم بعدي من أمتي السلام) قال في القاموس (٤): قرأ ﵇ أبلغه فأقرأه ولا يقال: أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبًا فالحديث أمر منه ﷺ بإبلاغ أمته عنه السلام وهو أمر لكل قرن بإبلاغ من لقوه من الأمة (الأول فالأول) منصوبان على الحال والألف واللام فيها زائده كما قاله نجم الأئمة الرضى في حديث: "يذهب الصالحون أسلافًا الأول

стр. 1229

فالأول" (١) أي مترتبًا ويحتمل أن يكون من مفعول أبلغوا الأول أي حال كونكم مترتبين [١/ ٣٨٢] فيبلغ كل متقدم كل متأخر أو من مفعول الثاني أي حال كونهم مترتبين فقدموا كل سابق على من يلحقه من بعده وقولنا أنه أمر لكل قرنٍ بإبلاغ دل له قوله (إلى يوم القيامة) إذ معلوم أن المخاطبين لا يبقون إلى يوم القيامة (الشيرازي في الألقاب عن ابن مسعود) رمز المصنف لصحته (٢). ١٣٤٠ - "أقرأني جبريل القرآن على حرف فَرَاجَعْتُهُ فلم أزل أَسْتَزِيدُهُ فيَزِيدُنِي حتى انتهى إلى سبعة أحرف (حم، ق عن ابن عباس) " (صح). (أقرأني جبريل القرآن على حرف) أي لغة (فراجعتُه فلم أزل أستزيده) أطلبه الزيادة على الحرف والاثنين والثلاثة (فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف) سبع لغات في النهاية (٣) على سبع لغات من لغات العرب إلا أنها مفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوازن وبعضه بلغة اليمن وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه وفيها أقوال هذا أحسنها انتهى. وقد ظن قوم أن المراد بهذه السبعة الأحرف القراءات السبع الموجودة الآن وهو وهم كما قاله أبو شامة قال: ظن قوم أن المراد بهذه الأحرف القراءات السبع الموجودة الآن وهي التي أريدت بالحديث وهو خلاف إجماع أهل العلم

стр. 1230

قاطبة وإنما يظن ذلك بعض الجهال، وقال أبو العباس بن عمار: لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له وأشكل الأمر على العامة في إيهامه كل من يجمل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ويأتي في حرف القاف زيادة على هذا (حم ق عن ابن عباس) (١) (صح). ١٣٤١ - "أقرب العمل إلى الله الجهاد في سبيل الله ولا يقاربه شيء (تخ عن فضالة بن عبيد الأنصاري) ". (أقرب العمل إلى الله الجهاد في سبيل الله) لأنه لدفع مفاسد الكفر والبغي وجلب مصالح التوحيد وترك الفتنة (ولا يقاربه شيء) من أعمال البر وإلا القرينة هنا كناية عن قبوله كما يقال، فلان قريب من الملك برأيه مقبول الكلمة عنده مجاب الشفاعة لديه وإن كان غير قريب المحل منه وهذا على رأي من يرى التأويل ومن يرى الإيمان بما ورد والسكوت عن تأويله لا يحتاج إلى هذا (تخ عن فضالة بن عبيد الأنصاري) (٢). ١٣٤٢ - "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء (م د ن عن أبي هريرة) " (صح). (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) هذا يدلك أنه ليس بقرب مكاني بل قرب رضا ومحبة وذلك لأن هيئة الساجد أكمل هيئة في تواضعه لمولاه (فأكثروا الدعاء) فإنه مع القرب مجاب (م د ن عن أبي هريرة) (٣). ١٣٤٣ - "أَقْرَبُ ما يكون الرَّبُّ من العبد في جَوْف اللَّيْلِ الآخِرِ فإن استطعت

стр. 1231

أن تكون ممن يَذْكُرُ الله في تلك الساعة فكن (ت ن ك عن أبي أمامة عن عَمْرِو بْنِ عَنبَسَةَ) (صح) ". (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل) ثلثه (الآخر) فإنه الوقت الذي ينادي الله فيه عباده بهل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه سؤاله (فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تلك الساعة فكن له ذاكرًا) فهي ساعة قربه وإجابته (ت ن ك عن عمرو بن عنبسه) رمز المصنف لصحته وصححه الترمذي والحاكم (١). ١٣٤٤ - "أَقِرُّوا الطَّيْرَ على مكناتها (د، ك عن أُمِّ كُرْزٍ) ". (أقروا الطير على مكناتها) بضم الكاف وكسرها أي بيضها، قاله القاموس (٢)، وفي النهاية (٣): المكنات في الأصل بيض الضباب واحدها مكنه بكسر الكاف، وقد يفتح يقال: مكنة الضبة وأمكنت، قال أبو عبيد (٤): جائز في الكلام أن يستعار مكن الضباب فتجعل للطير كما قيل: مشافر الحبش وإنما المشافر للإبل وقيل المكنات في الأصل معنى الأمكنة يقال: الناس على مكناتهم وسكناتهم ومعناه: أن الرجل في الجاهلية كان إذا أراد حاجة أتى طيرًا ساقطا أو في وكره فينفّره فإن طار ذات اليمين مضى في حاجته وإن طار ذات الشمال رجع فنهوا عن ذلك أي لا تزجروها وأقروها على مواضعها التي جعل الله لها فإنها لا تضر ولا تنفع، وقيل:

стр. 1232

المكنة التمكن كالطلبه والتبعه من التطلب والتتبع يقال: إن فلانًا له مكنة من السلطان أي ذو تمكن [١/ ٣٨٣] أي أقروها على كل مكنة يرونها عليها ودعوا التطير بها، قال الزمخشري (١): يروى مكناتها جمع مكن ومكن جمع مكان كصعدات في صعد وحُمرات في حُمر انتهى. وعلى التفسير الأول فهو مخصص بالغراب والحدأة وغيرها من الفواسق فلا تقر على بيضها وكذلك على الثالث (د ك عن أم كرز) (٢) بضم الكاف وسكون الراء ثم زاي صحابية (٣) وصححه الحاكم وسكت عليه أبو داود وتعقب بأن فيه سباع بن ثابت قال في الميزان (٤): لا يكاد يعرف. ١٣٤٥ - "أقسم الخوف والرجاء أن لا يجتمعا في أحد من الدنيا فيرح ريح النار ولا يفترقا في أحد في الدنيا فيرح ريح الجنة (هب عق واثلة) ". (أقسم) القسم الحلف ونسبته إلى (الخوف والرجاء) (٥) مجاز وهو خوف العبد من مولاه ورجاؤه لرحمته ورضاه (أن لا يجتمعا في أحد في الدنيا فيريح) تجد (ريح النار) كناية عن عدم قربه منها ودنوه إليها وذلك أن من خاف اجتنب المأثم حذرًا من عقوباتها ومن رجا أتى بالطاعات طمعًا في قبولها والجزاء عليها لا أنه يرجوا الغفران والرحمة مع ارتكاب كل كبيرة والإعراض عن الله فهذه أمنية

стр. 1233

لا رجاء، وما أحسن ما قاله ابن القيم في الجواب الشافي (١) قال: ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئًا استلزم رجاؤه أمورًا: أحدها: حبه ما يرجوه. الثاني: خوفه من فواته. الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني والرجاء شيء آخر فكل راج خايف والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات وهو سبحانه كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال السيئة فعلم أن الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن به العمل قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. وقد روى الترمذي في جامعه (٢) عن عائشة قالت سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ قال: "لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويتصدقون ويخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات" وقد روي من حديث أبي هريرة والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن، ومن تأمل أحوال الصحابة وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط مع الأمن وهذا الصديق يقول: وددت أني شعرة في

стр. 1234

جنب عبد مؤمن، ذكره أحمد (١) عنه، وذكر عنه أنه كان يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد وكان يبكي كثيرًا (٢)، وكان يقول: أبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا (٣)، وقال: وددت والله إني هذه الشجرة تحصد وتؤكل (٤). وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة ثم بلغ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧] فبكى بكاءًا شديدًا واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء. وهذا عثمان بن عفَّان كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبتل لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير (٥). وهذا علي بن أبي طالب وبكاؤه وخوفه وكان شديد الخوف من اثنتين من طول الأمل واتباع الهوى قال: فأما طول الأمل [١/ ٣٨٤] فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق. وهذا أبو الدرداء يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال: يا أبا الدرداء قد علمت فكيف عملت فيما علمت؟ وكان يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما أكلتم طعامًا على شهوة ولا دخلتم بيتًا تستظلون فيه ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم ولوددت أني شجرة تعضد وتؤكل. وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع. وكان أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد ووددت أني لم أخلق. وسرد شيئًا من كلام السلف في ذلك وقد تقدم الكلام في الفرق بين الرجاء والإرجاء وأن الأول محمود والثاني مذموم وكثير من الناس لا يعرف الفرق بينهما (ولا يفترقا في

стр. 1235

أحد في الدنيا فيريح رائحة الجنة) وذلك بأن يكون خائفًا خوف الآيس من رحمة الله وروحه ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] فلا يأتي بطاعة يرجو قبولها أو يكون راجيا رجاء أهل الأماني الفارغة فيرتكب المعاصي واثقًا بغفرانها كما قال خليع الشعراء (١): تَكَثَّر ما استَطَعتَ مِنَ المعَاصِي ... فَإِنَّكَ بَالِغ رَبًّا غَفورا تَعُضُّ نَدامَةً كَفَّيكَ مِمَّا ... تَرَكتَ مخَافَةَ النارِ السُرورا (هب عن واثلة) (٢) وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣) من حديث أنس بلفظ دخل رسول الله ﷺ على شاب وهو في الموت فقال: "كيف تجدك؟ " قال: إني أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال: "لا يجتمعان في هذا الموطن في قلب رجل إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف". ١٣٤٦ - "اقْضُوا الله فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ (خ عن ابن عباس) " (صح). (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) هو بعض من حديث أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إن أختي نذرت أن تحج وأنها ماتت فقال ﷺ : "لو كان عليها دين أكنت قاضيه عنها؟ " قال: نعم، قال: "فاقض الله فهو أحق بالقضاء" وقد رُوي بألفاظ

стр. 1236

هذا أحدها وهو دليل على لحوق الأعمال من الأحياء للأموات وصحة التبرع عنهم في ذلك، وهل هو عام في كل قربة أو خاص بالحج والدَّين؟ للعلماء نزاع في ذلك طويل أجمع أهل السنة والفقهاء على لحوق الصدقة والحج كما اتفقوا على انتفاعهم بدعاء المسلمين واستغفارهم وأجمعوا أيضًا على أن قضاء الدين يسقطه من ذمة الميت إلا أنهم اختلفوا في الواصل في الحج هل الواصل ثواب الحج نفسه أو ثواب الإنفاق فالجمهور على الأول والأقل على الثاني. وأما العبادات البدنية كالصوم عن الميت والصلاة له وقراءة القرآن والذكر فذهب أحمد بن حنبل وجماعة من الحنفية إلى وصول ذلك أيضًا إلى الميت من الحي وعند الشافعي ومالك لا يصل، والدليل على لحوق الصدقة حديث الشيخين (١) عند عائشة أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت ألها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم" وفي معناه حديث سعد بن عبادة في صدقته على أمه، وقوله لرسول الله ﷺ : أينفعها إن تصدقت عنها قال: "نعم" وهو في صحيح البخاري (٢) من حديث ابن عباس وفي معناه حديث مسلم (٣) عن أبي هريرة أن رجلاً قال: "يا رسول الله أبي مات ولم يوص فهل يكفي عنه إن تصدقت عنه؟ قال نعم" وغيرها، ويدل [١/ ٣٨٥] على لحوق الصيام حديث عائشة عند الشيخين أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" وفي الصحيحين (٤) من حديث ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: "نعم فدَين الله أحق أن يقضى".

стр. 1237

وفي الباب أحاديث تدل على ذلك ويدل على لحوق ثواب الحج حديث الكتاب وفي معناه أحاديث، وأما سقوط الدَّين عن ذمة الميت بقضاء الحي عنه فدليله الإجماع ومستنده حديث أبي قتادة حيث ضمن الدينارين عن الميت فلما قضاهما قال له النبي ﷺ : "الآن بردت جلدته" (١) ثم قال ابن القيم (٢): فهذه الأحاديث متضافرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه وهو محض القياس فإن الثواب حق للعامل فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك كما لم يمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه منه له بعد موته وقد نبه ﷺ بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك وفيه يقوم بالقلب لا يطلع عليها إلا الله سبحانه وليس بعمل الجوارح على وصول ثواب القراءة التي هي عمل اللسان تسمعه الآذان وتراه العين بطريق الأولى يوضحه أن الصوم نية محضة وكف النفس عن المفطرات وقد أوصل الله ثوابه إلى الميت فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية بل لا يفتقر إلى النية فوصول ثواب الصوم إلى الميت تنبيه على وصول ثواب سائر الأعمال. والعبادات قسمان: مالية وبدنية نبه الشارع في وصول ثواب الصدقة على وصول سائر العبادات المالية وأخبر بوصول الحج المركب من المالية والبدنية ونبه بوصول الصوم على وصول سائر العبادات البدنية فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار وللمانعين والمفصلين بين ما تدخله النية وما لا تدخله أدلة لا تقوى على معارضة ما سردناه ويأتي في حرف الميم من الشرح إن شاء الله تعالى (خ عن ابنَ عباس) وأخرجه غيره (٣).

стр. 1238

١٣٤٧ - "أقطفُ القومِ دابةً أميرُهم (خط عن معاوية بن قرة مرسلاً) ". (أقطف القوم دابة أميرهم) في النهاية (١): القطاف يقارب الخطو في سرعة من القطف وهو القطع وقد قطف يقطف قطفا وقطافًا أي أنهم يسيرون يسير دابته فيتبعونه كما يتبع الأمير انتهى. وهو إخبار بأنه ينبغي للأمير أن يكون أقطف القوم دابة ليسير الناس بسيره أو أخبار بأن من كان أقطفهم دابة فيسيروا بسيره ويجعلونه كالأمير في السير بمسيره إرشاد إلى حسن المرافقة (خط عن معاوية بن قرة مرسلاً) (٢). ١٣٤٨ - "أقل ما يوجد في أمتي في آخر الزمان درهم حلال وأخ يوثق به (ابن عدي، وابن عساكر عن ابن عمر) ". (أقل ما يوجد في أمتي في آخر الزمان) تكررت الأحاديث في ذكر آخر الزمان وفساده وفساد أحواله وهو أمر نسبي والحقيقي منه من الزمان الفاسد ما يكون بعد وفاة عيسى ﵇ وإرسال الله بريح لطيفة تقبض نفس كل مؤمن والظاهر أن المراد هنا بالآخر غير ذلك بل ما بعد القرن الأول لقوله (درهم حلال) فإنه وقع اختلاط الحرام بالحلال من ذلك الزمان وعز الدرهم الحلال وما من شيء إلا فيه شبهة لاختلاط المكاسب وكثرة المغتصبين للأموال والآخذين لمال نقمة أمراء الجور من المكوس ونحوها ولا يزال كل زمن تحدث فيها أمور من أمراء الجور [١/ ٣٨٦] تحيلاً وتلصصًا لأخذ أموال العباد حتى آل الأمر إلى أن كاد أن يفقد الحلال بالكلية حتى قال بعض السلف: لو وجدت رغيفًا حلالاً لاتخذته مرهما

стр. 1239

أداوي به الأسقام (وأخ يوثق به) تقدم كلام لنا في الأخ وعقد الأخوة وما حق الأخ على الأخ تعرف منه فقدان الأخ الموثوق به وجمع بين فقد الأمرين من قال: وشيئان معدومان في الأرض درهم ... حلال وخل في الحقيقة ناصح وقدمنا كلاماً في ذكر الصديق وما قيل فيه والحديث حث على تحري الحلال وطلبه والاحتراس من الوثوق بالناس (عد وابن عساكر عن ابن عمر) (١). ١٣٤٩ - "أقل أمتي أبناء السبعين (الحكيم عن أبي هريرة) ". (أقل أمتي أبناء السبعين) الابن في الأصل إنما يضاف إلى الوالدين موسى بن عمران، عيسى بن مريم ثم توسع فيه فأضيف إلى كل شيء يكثر ملابسته له كابن السبيل ولا أشد ملابسة للإنسان من زمانه حتى صار حقيقة عرفية قولهم فلان من أبناء الدهر وهو إخبار بأن أقل الأمة من يبلغ السبعين وهو من أصدق الأخبار وفائدة الإخبار به الحث على الاستعداد واتخاذ الزاد والتخلص لمن قاربها أو اتصل بها (الحكيم عن أبي هريرة) (٢) وفيه راوٍ متروك.

стр. 1240

١٣٥٠ - "أقل أمتي الذين يبلغون السبعين (طب عن ابن عمر.) ". (أقل أمتي الذين يبلغون) في أعمارهم (السبعين) سنة وهو كالذي سلف (طب عن ابن عمر) (١) وفيه سعيد السماك ضعيف. ١٣٥١ - "أقل الحيض ثلاث وأكثره عشرة (طب عن أبي أمامة) ". (أقل الحيض ثلاث) فما انقطع دونها فليس بحيض (وأكثره عشرة) فما زاد فاستحاضة وهذا دليل من ذهب إلى ذلك وهم أكثر المال وادعى فيه إجماعهم ومن ذهب إلى غيره فلضعف الحديث عنده (طب عن أبي أمامة) (٢) وفيه أحمد بن بشير الطيالسي لينه أحمد والدارقطني وقال ابن معين: ليس بشيء، ومشَّاه غيره والعلاء بن الحارث قال البخاري: منكر الحديث. ١٣٥٢ - "أَقِلَّ من الذنوب يَهُنْ عليك الموتُ وأَقِلَّ متن الدَّيْنِ تَعِشْ حرًّا (هب عن ابن عمر) ". (أقل من الذنوب يهن عليك الموت) يخف عليك لقاؤه أو يهون عليك سكراته لأنك إذا أقللت من الذنب أسبقت إلى لقاء الله فخف عليك لقاء الحمام أو لأنه تعالى لقلة الذنب يهون عليك سكرات الموت أو يراد الأمران (وأقل من

стр. 1241

الدَّين تعش حرًّا) فإن الدَّين مذلة ويجعل صاحب الحق أميرًا على الغريم كأنه قد خرج عن الحرية وصار رقًا لغريمه ويأتي حديث: "الدين هَمّ بالليل ومذلة بالنهار" (١) وحديث: "الدين شين الدين" (٢) (هب عن ابن عمر) (٣) سكت عليه المصنف وتعقبه مخرجه البيهقي بأن فيه راويًا ضعيفًا ويدله الشارح. ١٣٥٣ - "أَقِلَّ الخروج بعد هَدْأَةِ الرِّجْلِ فإن لله دَوَابَّ يَبُثُّهُنَّ في الأرض في تلك الساعة (حم د ن عن جابر) (صح) ". (أقلوا من الخروج بعد هدأة الرجل) هدأة بالهمز في النهاية (٤): الهدأة والهد والسكون من الحركات أي بعد ما يسكن الناس من المشي والاحتراك (فإن لله تعالى دواب يبثهن في الأرض) كالسباع ونحوها فإن الليل وقت خروجها فيخاف من شرها (في تلك الساعة) (حم د ن عن جابر) (٥) رمز المصنف لصحته.

стр. 1242

١٣٥٤ - "أَقِلُّوا الدخولَ على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله (هب) عن عبد الله بن الشخير" (صح). (أقلوا الدخول على الأغنياء) خطاب للفقراء (فإنه أحرى) أحذر وأخلق وأحق (أن لا تزدروا) بالزاي والدال المهملة فالراء وهو الاستحقار (نعم الله ) التي أنعم بها عليكم فيفيد أنه لا يدخل الفقير على الغني ولا الغني على الأغنياء والغني على مثله لأنه إذا رأى منعمًا عليه مثله استحقر ما هو فيه، وقال: لست مخصوصًا بالإنعام للعلة المذكورة وذلك أن الدخول على الأغنياء يتولد منه استحقار من ليس له ما لهم من النعيم لما هو فيه فيقل شكره ويضيق صدره [١/ ٣٨٧] بتوسع غيره وانتقاص الدنيا عنه وهذا من سد الذرائع ولذا نهى عن مد العين إلى ما متع به أزواج من زهرة الحياة الدنيا وكذا أمر ﷺ بمجالسة الفقراء والمساكين (هب عن عبد الله بن الشخير) (١) رمز المصنف لصحته وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال الشارح: فيه جابر بن يزيد قال أبو زرعة: لا أعرفه. ١٣٥٥ - "أقلى من المعاذير (فر) عن عائشة". (أقلى من المعاذير) وهو ما يتوصل به إلى محو الإساءة فالأمر بالإقلال منها أمر بأن لا يأتي الذنب فلا يعتذر تعبيرًا بالمسبب عن السبب ويحتمل أن يراد الحقيقة وأنه لا يكرر الاعتذار عند الجناية بل يكفي اعتذار واحد كما يقال تكرير

стр. 1243

الاعتذار تذكير بالذنب وهو في الإساءة إلى المخلوقين (فر عن عائشة) (١). ١٣٥٦ - "أقم الصلاة وأد الزكاة وصم رمضان وحج البيت واعتمر وبر والديك وصل رحمك وأقْرِ الضيفَ وأْمُر بالمعروف وانه عن المنكر وزل مع الحق حيث زال (تخ ك) عن ابن عباس) " (صح). (أقم الصلاة) هي إذا أطلقت المفروضة وتقدم الكلام على كل جملة من جمل هذا الحديث (وأد الزكاة) إلى من أمرك الله بأدائها إليه (وصم رمضان) فإنه أحد أركان الإِسلام (وحج البيت واعتمر) فيه دليل على وجوب العمرة وهذه حقوق الله وما يأتي حقوق مشتركة (وبر والديك) في الحياة والممات وبر الحياة معروف وبعد الموت بالدعاء لهما والاستغفار وصلة أهل ودهما (وصل رحمك) تخصيص بعد التعميم وتقدم تحقيق صلة الرحم (وأقر الضيف) أكرمه بالقرى (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) تقدم كل ذلك مفصلًا (وزل) بضم الزاي (مع الحق حيث زال) در معه حيث دار وانتقل معه حيث ينتقل وهي من جوامع الكلم عامة لكل حق (تخ ك عن ابن عباس) (٢) رمز المصنف لصحته تبعًا للحاكم قد رد الذهبي تصحيح الحاكم وقال: فيه محمَّد بن سليمان ضعيف.

стр. 1244

١٣٥٧ - "أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثراتِهِمْ إلا الْحُدُودَ (حم خد د عن عائشة) " (صح). (أقيلوا) من إقالة البيع فسخه وأعاد المبيع إلى مالكه (ذوي الهيئات) في النهاية (١) إنهم الذين لا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة، والهيئة: صورة الشيء وشكله وحالته ويريد ذوي الهيئات الحسنة الذين يلتزمون هيئة حسنة وسمتا ولا تختلف هيئتهم بالتنقل من هيئة إلى هيئة (عثراتهم) جمع عثرة وهي المرة من العثار من عثر إذا كبا والمعنى: اتركوا عقوبة من لم يعرف بغشيان الشر كما يترك المقيل بيع من أقاله وذلك صيانة لهم وأناة لعلهم يراجعون ما عرفوا به من عدم إتيان الشر وفي التعبير بالعثرات إشارة إلى أن الذي صدر عنهم إنما هو على طريق الكبوة والعثرة لا على جهة الولوع بالشر وقوله (إلا الحدود) استثناء متصل وتقدم تفسيرها أنهما محارم الله وعقوباته التي قرنها بالذنوب فإنها لا تقال لأحد بحال ولذا قال ﷺ : "لو سرقت فاطمة ابنت محمَّد لقطعتها" (٢) وقريب منه في النهج: أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلا ويده بيد الله يرفعه قال شارحه: رويت هذه الكلمة مرفوعة ذكره ابن قتيبة في عيون الأخبار (٣) (حم خد د عن عائشة) (٤) رمز المصنف لصحته وفي الشرح: إنه من هذه الطريق

стр. 1245

ضعيف لكن له طرق مجموعها يرتقي إلى الحسن. ١٣٥٨ - "أَقِيلُوا السخي زلته فإنَّ الله آخذ بيده كلما عثر (الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس) ". (أقيلوا السخي) بالسين المهملة والخاء المعجمة فعيل من السخاء صفة مشبهة قال بعض الحكماء (١): السخاء هيئة للإنسان داعية إلى بذل المقتنيات حصل معه البذل أو لم يحصل وذلك خلق ويقابله الشح وأما الجود فهو بذل المقتنيات ويقابله البخل وهذا هو الأصل وإن كان كل واحد منهما قد يستعمل مكان الآخر والذي يدل على صحة هذه [١/ ٣٨٨] القيود والفرق أنهم جعلوا اسم الفاعل من السخاء والشح على بناء الأفعال الغريزية فقال: سخي وشحيح، كما قالوا: كريم وعفيف وحليم، وقالوا: حامد وباخل فيتوهما على فاعل كضارب وقاتل، وأما قولهم: بخيل فمصروف عن لفظ فاعل للمبالغة كقولهم في راحم: رحيم (زلته فإن الله آخذ بيده كل ما عثر) فيتجاوز عنه إن جنى فإن الله سييسره لليسرى (٢). قيل لبعض الحكماء: أي أفعال العباد شبيه بفعل الله؟ قال: الجود وقال الأوائل: الجود على أقسام منها الجود الأعظم وهو: الجود الإلهي وهو الفيض المطلق وإنما يختلف لاختلاف المواد واستعدادها وإلا فالفيض في نفسه عام غير خاص وبعده جود الملوك: وهو الجود بجزء من المال على من تدعوهم الدواعي والأعراض على الجود عليه وبعده جود السوقة وهو بذل المال للعفاة والندامى المعاشرين والإحسان إلى الأقارب قالوا: واسم الجود مجاز إلا على الجود الإلهي العام فإنه عار عن الأعراض والدواعي أي دواعي

стр. 1246

حاجة المعطى إلى المعطى والله هو الغني عن كل أحد (الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس) (١) فيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه ورواه الطبراني وأبو نعيم من حديث ابن مسعود بنحوه بسند ضعيف، وقال الدارقطني: لا يصح في هذا شيء. ١٣٥٩ - "أقيموا حدود الله تعالى في البعيد والقريب ولا تأخذكم في الله لَوْمَةُ لَائِمٍ (هـ عن عبادة بن الصامت) ". (أقيموا حدود الله) خطاب للأئمة (في البعيد والقريب) لا يترك القريب محاباة ولا البعيد تقية (ولا تأخذكم في الله لومة لائم) بأن تتركوا الحق مخافة من ملامة من هو حكم على إقامته فالله أحق أن يخشى (٥ عن عبادة بن الصامت) (٢) سكت عليه المصنف، وقال الذهبي: واهٍ. ١٣٦٠ - "أقيموا الصفوف وحاذوا المناكب وأنصتوا فإن أجر المنصت الذي لا يسمع كأجر المنصت الذي يسمع (عب عن زيد بن أسلم مرسلًا وعن عثمان بن عفان موقوفًا) ". (أقيموا الصفوف) في الصلاة بتسويتها وإكمالها الأول فالأول (وحاذوا المناكب) بالحاء المهملة والذال من المحاذاة المساواة ساووا مناكب بعضكم ببعض لتكونوا في سمت واحد (وأنصتوا) للإمام إذا قرأ (فإن أجر المنصت

стр. 1247

الذي لا يسمع) وهذا العموم مخصوص بأحاديث إيجاب قراءة فاتحة الكتاب (كأجر المنصت الذي يسمع) وفيه دليل لمن قال: قراءة الإِمام قراءة للمأموم وإن لم يسمع (عب عن زيد بن أسلم مرسلًا وعن عثمان بن عفان موقوفًا) (١) وله حكم الرفع إذ لا مسرح فيه للاجتهاد. ١٣٦١ - "أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فإنما يصفون بصفوف الملائكة وَحَاذُوا بين الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بأيدي إخوانكم ولا تَذَرُوا فُرُجَاتِ الشيطان ومن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله (حم د طب عن ابن عمر) " (صح). (أقيموا الصفوف فإنما تصفون بصفوف الملائكة) وجاء في حديث قالوا: وكيف تصف الملائكة؟ قال: "يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون" (وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل) بفتح الخاء المعجمة والسلام وهو الفرجات (ولينوا) بكسر اللام فسكون (بأيدي إخوانكم) لا تعصوهم عن الانقياد إلى التسوية (ولا تذروا) تدعوا (فرجات للشيطان) جمع فرجه في النهاية (٢): هي الخلل التي تكون بين المصلين في الصفوف أضافها إلى الشيطان تفظيعًا لشأنها وحملا على الاحتراز فيها وقد ورد أنها تخلل الشيطان الصفوف إذا كان فيها فرج (ومن وصل صفاً) أي من انضم إلى صف ليصله (وصله الله) برحمته وغفرانه (ومن قطع صفًا) بأن يخرج منه أو بأن يراه محتاجًا إلى الوصل فلم يصله (قطعه الله ) من رحمته وهذا دليل على وجوب كل ما ذكر وقد أعرض عنه الناس بالكلية (حم د طب عن

стр. 1248

ابن عمر) رمز المصنف لصحته وصححه الحاكم وابن خزيمة (١). ١٣٦٢ - "أَقِيمُوا الصف في الصلاة فإن إقامة الصف من حُسن الصلاة (م عن أبي هريرة) " (صح). (أقيموا الصف) بتسويته وعدم اعوجاجه (في الصلاة) الجماعة والمراد كل صف من صفوفها (فإن إقامة الصف من حسن الصلاة) فيه مأخذ لعدم وجوب إقامته وإنها لا تبطل الصلاة بتركه وإنما يفوت حسنها ولكن قوله في الحديث الآخر أو ليخالفن الله [١/ ٣٨٩] بين قلوبكم فيه من الوعيد ما يدل لوجوبه فإنه لا وعيد على ترك مندوب (م عن أبي هريرة) وأخرجه غيره عنه (٢). ١٣٦٣ - "أقيموا صفوفكم فوالله لَتُقِيمُنَّ صفوفكم أو لَيُخَالِفَنَّ الله بين قلوبكم (د عن النعمان بن بشير) (صح) ". (أقيموا صفوفكم فوالله) تأكيد للإخبار (لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) للفرقة فلا تجتمع على خير وينشأ بينها العداوة والبغضاء وهو دليل الإيجاب (د عن النعمان بن بشير) رمز المصنف لصحته وسكت عليه أبو داود فهو صالحِ (٣). ١٣٦٤ - "أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَترَاصُّوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ من وراء ظهري (خ ن عن أنس) " (صح).

стр. 1249

(أقيموا صفوفكم وتراصوا) الإقامة التسوية والتراص التزاق بعضهم إلى بعض (فإني لأراكم من وراء ظهري) تقدم الكلام عليه في أتموا (خ ن عن أنس) (١). ١٣٦٥ - "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَترَاصُّوا فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين بين صفوفكم كأنها غنم عفر (الطيالسي عن أنس) ". (أقيموا صفوفكم وتراصوا فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين بين صفوفكم) تخللها وتلح بين فرجها (كأنها غنم عفر) بالعين المهملة مضمومة والفاء بزنة حمر جمع أعفر من العفرة وهو بياض ليس بالناصح ولكن كون عفر وجه الأرض وهو وجهها قاله في النهاية (٢): وهو نظير قوله في الحديث الآخر كأنها الحذف وهو دليل على تجسم الشياطين وتشكلهم في أشكال الحيوانات وأنهم يحضرون مواقف الطاعات لإفسادها (الطيالسي عن أنس) (٣). ١٣٦٦ - "أَقِيمُوا الركوع والسجود فَوَاللهِ إني لأرَاكمْ من بعد ظهري إذا ركعتم وإذا سجدتم (ق عن أنس) " (صح). (أقيموا الركوع والسجود) إقامتها إتمامها بالاطمئنان في الانحناء وفي القيام منه وفي الجماعة ذلك مع عدم التقدم على الإِمام (فوالله إني لا أراكم متن بعد ظهري إذا ركعتم وإذا سجدتم) فأعلم المسيء من غيره فأشهد بذلك (ق عن أنس) (٤). ١٣٦٧ - "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم

стр. 1250

بكم (طب عن سمرة) (صح) ". (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا واعتمروا) إذا استطعتم السبيل (واستقيموا) في كل شيء أمرتم به تقدم تفسير استقامة العباد (يستقم بكم) تعاونوا على الاستقامة وغيرها ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] (طب عن سمرة) (١) رمز المصنف لصحته.

стр. 1251

الهمزة مع الكاف ١٣٦٨ - " أكبر الكبائر الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وشَهَادَةُ الزُّورِ وقَوْلُ الزُّورِ (خ عن أنس) " (صح). (أكبر الكبائر) تقدم تفسيرها كما تقدم تفسير (الإشراك بالله وقتل النفس) بغير حق (وعقوق الوالدين) عصيانهما وهو من عق والده إذا آذاه أو عصاه وخرج عليه وهو ضد البر وأصله من العق والقطع كما في النهاية (١) وذكرهما باعتبار الأغلب وإلا فعقوق أحدهما من الكبائر ويحتمل أن الجمع بين عقوقهما من أكبر الكبائر بخلاف أحدهما فمن الكبائر (وشهادة الزور) الشهادة بالكذب. والحديث ذكر (٢) فيه أربع من الكبائر ولا دليل فيه على أكبرية أحدها على الأخرى بل فيه إنها مشتركة في الأكبرية وإن كان التقديم له حكم في ذلك وفيه دليل على أن الكبائر أكثر من الأربع المذكورة لأنّ هذه الأربع مفضلة ولا بد من مفضل عليه غير هذه الأربع، وقد ذهب ابن مسعود إلى أنها أربع فلا بد من تأويل اسم التفضيل، وقد اختلف الناس هل للكبائر عدد يحصرها على قولين: ثم الذين قالوا بحصرها اختلفوا في عددها، فقال ابن مسعود: أربع، وقال ابن عمر: سبع، وقال ابن عمرو: تسع، وقال غيرهم: أحد عشرة، وقال آخرون: سبعون. وقال أبو طالب المكي: جمعتها من أقوال الصحابة فوجدتها أربعة في القلب: وهي الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وأربعة في اللسان وهي: شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر، وثلاث في البطن وهي: شرب الخمر، وأكل مال

стр. 1252

اليتيم، وأكل الربا، واثنتان في الفرج: الزنا، واللواط، واثنتان: في اليد، وهما القتل والسرقة وواحدة في الرجلين وهو الفرار من الزحف وواحدة تعلق بجميع البدن وهي عقوق الوالدين. والذين لم يحصروها بعدد [١/ ٣٩٠] منهم من قال: ما نهى الله عنه في القرآن فهو كبيرة وما نهى عنه الرسول ﷺ فهو صغيرة. ومنهم من قال: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة. وقيل. كل ما رتب الله عليه حدًا في الدنيا أو وعيدًا في الآخرة فهو كبيرة وما لم يترتب عليه هذا ولا هذا فهو صغيرة. وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة. وقيل: كل ما لعن الله ورسوله ﷺ فاعله فهو كبيرة. وقيل: ما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، الآية. وهذا كله بناء على انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر وقد ذهب قوم إلى أن المعاصي كلها بالنسبة إلى الجرأة على الله ومخالفته كبائر ويأتي إن شاء الله تعالى في حرف الكاف زيادة تحقيق (خ عن أنس) وأخرجه غيره (١). ١٣٦٩ - "أكبر الكبائر حب الدنيا (فر عن ابن مسعود) ". (أكبر الكبائر حب الدنيا) هذا تفصيل حقيقي وما عداه إضافي فإن حب الدنيا أكبر الكبائر بالنسبة إلى كل ذنبا كبير فإن الإشراك الذي هو أعظم الذنوب أعظم الحوامل عليه حب الدنيا فإن المستكبرين من الكفرة. اتقوا عن الإيمان محبة لرياستهم قال فرعون: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، وقالوا في نوح: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، واتخذوا الأصنام للتواد والتحاب بينهم، كما قال الخليل مخاطبًا للكفار: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ

стр. 1253

اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وهذا أعظم الحوامل على الشرك ولذا يقول الله في جهنم: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢]، في غير آية وأما الضعفاء فالحامل لهم على الشرك أيضًا محبة الدنيا لأنهم أطاعوا الكبراء لينالوا معهم الجاه والمال لذلك قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وقال أهل النار منهم: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]، فهذا الشرك أبو كل معصية ورأسها يتفرع عن حب الدنيا وكل ذنب فما سببه إلا حبها ولذا جاء: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" (١) وليس المراد من الدنيا المال بل كل ما هو من حظوظ الدنيا وليس من حظوظ الآخرة فإنه من الدنيا (فر عن ابن مسعود) (٢). ١٣٧٠ - "أكبر الكبائر سوء الظن بالله (فر) عن ابن عمر (ض) ". (أكبر الكبائر سوء الظن بالله) هو من صفات المنافقين والمشركين: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢]، وكما قال: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦]، وقال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وظن السوء بالله هو أن يظن به غير ما يليق بجنابه العلي وبأسمائه الحسنى وبصفاته العلى وبذاته المبرأة عن الأسوأ وأن يظن به خلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية وخلاف ما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن

стр. 1254

السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله لغيرهم ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسمائه وصفاته وعرف موجب حمده وحكمته فمن قنط من رحمة الله وأيس من روحه فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه لا يجمع عبيده بعد موتهم للإثابة والعقاب في دار يجزى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله فقد ظن به ظن السوء وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله [١/ ٣٩١] فقد ظن به السوء كمن ظن أن لا ينصره المحقين ولا يديل على الظالمين وأنه لم يقسم بين العباد معاشهم وحظوظهم في الحياة على وفق حكمته فقد ظن به ظن السوء وغالب بني آدم إلا من عصمه الله يعتقد أنه مبخوس الحق ناقص الحظ وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله ولسان حاله يقول: ظلمني ومنعني ما أستحقه ونفسه تشهد عليه بذلك وهو ينكره بلسانه ولا يتجاسر على التصريح به ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك كامنًا فيها كمون النار في الزناد فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده ولو فتشت من فتشته لرأيت عنده تعتبًا على القدر وملامة واقتراحًا عليه خلاف ما جرى به وأنه كان ينبغي أن يكون كذا، وكذا ولو كان كذا وكذا. فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أخالك ناجيا هذه فطرة من نفس قد أطاله ابن القيم في "زاد المعاد" (١) ولعله يكرر ذلك ونزيد منه في مواضع (فر عن ابن عمر) (٢) قال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف. ١٣٧١ - "أكبر أمتي الذين لم يعطوا فيبطروا ولم يقتر عليهم فيسألوا (تخ والبغوي وابن شاهين عن الجذع) ".

стр. 1255

(أكبر أمتي) أعظم قدرًا عند الله (الذين لم يعطوا فيبطروا) البطر، الطغيان عند النعمة وطول الغنى كذا في النهاية (١)، والنفي هنا موجه إلى القيد أي الذين أعطوا فلم يبطروا وجعل النفي موجهًا إلى القيد والمقيد غير مراد أي لم يعطوا ولم يبطروا ضرورة أنه إنما ساق ﷺ الكلام للثناء عليهم بأنهم لم يطغوا عند إنعام الله عليهم لا أنه لا نعمة ولا طغيان وبدليل المقابلة له بقوله (ولم يقتر عليهم) والتقتير التضييق من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] (فيسألوا) والنفي في هذه الجملة موجه للعبد أيضًا كالأول وهذا الحديث للثناء على الغني الشاكر لأنه لا يتم نفي البطر عنه إلا إذا شكر نعمة الله لا لو لم يشكرها فإن عدم الشكر بطر للنعمة وطغيان وعلى الفقير الصابر لأنه إذا قتر عليه رزقه ولم يسأل فقد صبر على فقره والجمع بينهما في الأكبرية عنده تعالى دليل التسوية بينهما في الفضل. وقيل: المراد بهم أهل الكفاف ليسوا بأغنياء ولا فقراء إلى الغاية. وللناس في مسألة التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر نزاع طويل وخوض كبير واحتجاج من الطرفين وقد بسطناه في كتابنا: "الصارم الباتر في عين الصابر والشاكر" (تخ والبغوي وابن شاهين عن الجذع) (٢) بفتح الجيم والذال المعجمة فعين مهملة (الأنصاري). ١٣٧٢ - "اكتحلوا بالإثمد المروح فإنه يجلو البصر وينبت الشعر (حم عن النعمان الأنصاري) ". (اكتحلوا بالإثمد) بفتح الهمزة هو حجر الكحل الأسود يؤتى به من

стр. 1256

أصبهان وهو أفضله وأجوده سريع التفتت الذي لفتاته بصيص وداخله أملس وليس فيه شيء من الأوساخ ومزاجه بارد يابس ينفع العين ويقويها ويشد أعضائها ويحفظ صحتها (المروَّح) بضم الميم وتشديد الواو بعد الراء ثم حاء مهملة في النهاية (١) أنه المطيب بالمسك كأنه جعل له رائحة تفوح بعد أن لم يكن له رائحة انتهى. والمسك يجلو بياض العين ويمسك رطوبتها وينشف الرياح فيها فلذا أرشد إليه ﷺ وذكر فائدته بقوله (فإنه يجلو البصر) عن الأقذاء وما يتعلق بها (وينبت الشعر) شعر الأهداب الذي جعله الله وقايةً للعين وسورًا على أجفانها ويأتي حديث عائشة أنه كان ﷺ يكتحل كل ليلة ومثله حديث ابن عباس وفيه وزعم أنه ﷺ كان له مكحله يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه (٢) وثلاثة في هذه ذكره المنذري في الترغيب (حم عن النعمان الأنصاري) (٣).

стр. 1257

الكاف مع المثلثة ١٣٧٣ - " أكثر أهل الجنة البله (البزار عن أنس) ". (أكثر أهل الجنة البله) [١/ ٣٩٢] بضم الموحدة جمع أبله في النهاية (١) أنه الغافل عن الشر المطبوع على الخير، وقيل: هم الذين غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس لأنهم أغفلوا أمر دنياهم فجهلوا حذق التصرف فيها وأقبلوا على أخراهم فشغلوا أنفسهم بها فاستحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنة فأما الأبله وهو الذي لا عقل له فغير مراد بالحديث انتهى. قلت: ولا يعارضه حديث أنس: "المؤمن كيّس فَطِن" (٢) حذر بأنه قد فسر ﷺ الكيس بما في حديث شداد الآتي: "بأنه من دان نفسه وعمل لما بعد الموت"، وكذلك الحذر الفطن المراد بما في أمور آخرته (البزار عن أنس) وضعفه مخرجه البزار (٣). ١٣٧٤ - "أكثر خرز أهل الجنة العقيق (حل) عن عائشة (ض) ".

стр. 1258

(أكثر خرز) بالخاء المعجمة المفتوحة فالراء المفتوحة فزاي جمع خرزة في القاموس (١) الخرزة محركة الجوهر وكل ما يُنْظَم (أهل الجنة العقيق) وهو نوع معروف ذكر أهل علم الأحجار أنه إنما انعقد ليكون ياقوتًا لكنه بعده عن ذلك وقعد به ما فاته من بعض خصائصه التي جعلها الله تعالى سببًا ليكون الجوهر وقالوا في العقيق من الخواص ثلاث: الأول: أن من تقلد بالأحمر الشديد الحمرة سكنت عنه روعة الخصام. والثانية: أنه ينقطع عمن يختم به الدم وهذا خاص بنوع من العقيق وهو الذي لونه لون ماء اللحم إذا ألقى فيه الملح. والثالثة: أن الاستياك بأي نوع منه يذهب عن الأسنان شطأها ويبيضها ويذهب الجفر ويمنع عن الأسنان خروج الدم من أصولها (حل عن عائشة) (٢) سكت عليه المصنف وحكم ابن الجوزي بوضعه وقال السخاوي: أحاديث العقيق كلها ضعيفة. ١٣٧٥ - "أكثر خطايا ابن آدم في لسانه (طب هب) عن ابن مسعود" (٣). (أكثر خطايا ابن آدم في لسانه) (٤) تقدم ذلك وقد عدّ الغزالي في الإحياء للسان عشرين آفة (٥):

стр. 1259

الأولى: الكلام فيما لا يعني قال ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (١)، وفي حديث أنس: أن امرأة من الأنصار قالت وقد قُتل ولدها معه ﷺ في بعض غزواته هنيئًا له الجنة: فقال ﷺ : "وما يدريك يا أم كعب لعل كعبًا قال فيما لا يعنيه أو منع مالًا يغنيه (٢) ويأتي" حديث أبي هريرة قريبًا: "أكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة أكثرهم كلامًا فيما لا يعنيه". الثانية: فضول الكلام وهو مذموم وهذا شامل لما لا يعني والزيادة فيما يعني على قدر الحاجة فإن عبر عن حاجته بكلمتين وكان يعني واحدة كان آتيًا بفضول الكلام واعلم أن فضول الكلام لا ينحصر بل المتضرر محصور في كتاب الله ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وقال ﷺ : "طوبى لمن أمسك الفضل من كلامه وأنفق الفضل عن ماله" (٣). الثالثة: الخوض في الباطل وهو الكلام في المعاصي كحكاية مخالطة النساء ومجالس الخمر ومقامات الفساق وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك وأمورهم المكروهة فإن كل ذلك مما لا يحل الخوض فيه وهو حرام، وأما الكلام فيما لا يعني أو أكثر مما يعني فهو ترك للأولى وليس بحرام قال ﷺ : "إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلسائه يهوي بها في النار أبعد من الثريا" (٤). الرابعة (٥): المراء والمجادلة وذلك منهي عنه قال ﷺ : "لا تمار أخاك" (١)

стр. 1260

الحديث. وقال ﷺ : "من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة ومن ترك المراء وهو مبطل بُني له بيت في ربض الجنة" (٢) وحقيقية المراء كل اعتراض في كلام الغير لإظهار خلل فيه إما في اللفظ [١/ ٣٩٣] وأما في المعنى، وأما في قصد المتكلم وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض فكل كلام سمعته إن كان حقًا تصدق به وإن كان باطلًا ولم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه فإن كان في مسألة دينية فالواجب السؤال في معرض الاستفادة لا على صفة العناد والمكابرة والتلطف في التعريف لا في معرض الطعن فإذا كان مبتدعًا تلطف في نصحه لا بطريق المجادلة لأنّ المجادلة تخيل إليه أنه يلتبس وأن ذلك صفة يجلبه بها. الخامسة (٣): الخصومة وهي مذمومة وهي وراء المراء والجدال فإن المراء طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سواء تحقير الغير وإظهار كياسته والخصومة لجاج في الكلام ليستوفي به حقًا أو مالًا وقد قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "إن أبغض الخلق إلى الله الألد الخصم" (٤) واعلم أن الخصومة المذمومة الخصومة بغير حق أو بحق لكنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر الزيادة في الخصومة أو يمزج بطلب حقه كلمات مؤذية أو يجادل بغير علم كالذي يخاصم بغير علم وقد قال ﷺ : "من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله" (٥). السادسة: التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والتصنع فيه وقد قال

стр. 1261

- ﷺ : "إن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسًا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون" (١) وقال ﷺ : "هلك المتنطعون" ثلاث مرات (٢)، والتنطع هو التعمق والاستقصاء، وقال عمر: "شقاشق الكلام شقائق الشيطان" (٣) ولا باعث على ذلك إلا الرياء وإظهار الفصاحة والتميز بالبراعة". (مطلب حقيقة الفحش في الكلام) السابعة (٤): الفحش من السب وبذاءة اللسان وهو منهي عنه مذموم ومصدره الخبث واللؤم وقد قال ﷺ : "إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش" (٥) وقال ﷺ : "ليس المؤمن بالطعَّان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء" (٦) وقال الأحنف بن قيس: ألا أخبركم بأدوأ الداء هو اللسان البذيء والخلق الدنيء، وحقيقة الفحش: هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة الصحيحة وتحري أكثر ذلك في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به ولأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها وأهل الصلاح يتحاشون عنها بل يكنون عنها إذا ألجأتهم الحاجة إلى التكلم بها والباعث على الفحش إما قصد الإيذاء أو الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق وأهل الفساد. الثامنة: اللعن إما للحيوان أو جماد أو إنسان وذلك مذموم قال ﷺ : "المؤمن ليس باللعان" (٧)، وقال: "لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بجهنم" (٨) وقال

стр. 1262

حذيفة: "ما تلاعن قوم قط إلا حق عليهم القول" (١) وقال عمران بن حصين: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره إذا امرأة من الأنصار على ناقة لها فضجرت منها فلعنتها فقال ﷺ : "خذوا ما عليها وأعروها فإنها ملعونة" (٢) قال: فكأني أنظر إلى تلك الناقة تمشي في الناس لا يتعرض لها أحد، وقال أبو الدرداء: ما لعن أحد الأرض إلا قالت: لعن الله أعصانا لله، واللعن: عبارة عن الإبعاد والطرد من الله وذلك غير جائز إلا على من يتصف بصفة تبعده عن الله وهو الكفر والظلم. التاسعة: الغناء والشعر فالغناء قد عرفت من الأحاديث الدالة على أنه مذموم والشعر يذم منه إن كان فيه فحش أو ذم لمن لا يستحق أو نحوه وليس نظم الشعر [١/ ٣٩٤] وإنشاده حرام إذ قد أمر رسول الله ﷺ حسان بهجو الكفار ومدحه كعب وسمع نشيده وكانوا ينشدون عنده فيقرهم وقد كان يستنشد أحيانًا كاستنشاده شعر أمية بن أبي الصلت. العاشر: المزاح والمجون إلا اليسير منه، فقد قال ﷺ : "لا تمار أخاك ولا تمازحه" (٣) والمنهي عنه الإكثار منه وقد كان ﷺ يمزح نادرًا، ولا يقول إلا حقًا. الحادية عشرة: السخرية والاستهزاء وهو محرم قال تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ ...﴾ [الحجرات:١١] الآية. ومعنى السخرية الاستحقار والإهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه وقد يكون ذلك بالمحاكاة في القول والفعل وقد يكون بالإشارة والإيماء وإذا كان بحضرة المستهزأ به لم يكن غيبة وفيه معنى الغيبة.

стр. 1263

الثانية عشر: إفشاء السر وهو منهي عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء وقد قال ﷺ : "إذا حدث الرجل بحديث فهو أمانة" (١) وقال الحسن: إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك وهو حرام إذا كان فيه إضرارًا ولؤم إذا لم يكن فيه إضرار. الثالثة عشر: الوعد الكاذب فإن اللسان سباقة إلى الوعد وربما لا تساعد النفس على الوفاء فيكون الوعد خلفا وذلك من علامات النفاق وقد قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وقال ﷺ : "الوعد عطية فعلى الواعد أن يفي" (٢) إلا أن يتعذر الوفاء فإذا وعد ونيته الإخلاف فهذا هو النفاق. الرابعة عشر: الكذب في القول واليمين وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب وحرمة الكذب معلومة لا تحتاج إلى سرد الدليل والتفصيل فيه معروف والمستثنى منه المجوز ثلاثة مواضع. الخامسة عشر (٣): الغيبة وحرمتها معلومة وحقيقة الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرت نقصًا في بدنه أو في نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في دينه أو دنياه حتى في ثوبه وداره ودابته وليست خاصه باللسان وإنما هي الأصل في التعيين وإلا فالفعل كالقول والإشارة والإيماء والرمزه والكنية والحركة وكل ما يفهم المقصود به وكذا الغيبة في الكتاب فإن القلم أحد اللسانين والغيبة إنما تكون لشخص معين إما حي أو ميت إلا إذا قال بعض القوم أو قال قوم أو فعل قوم فإنه جائز كان ﷺ إذا كره أمرًا قال: "ما بال أقوام يفعلون كذا أو يقولون كذا" (٤) وللغيبة أسباب وحوامل يأتي ذكرها في حرف العين إن شاء الله

стр. 1264

تعالى ويأتي أيضًا أنه رخص فيها في ستة أحوال. السادسة عشر (١): النميمة قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، والأحاديث الدالة على تحريمها واسعة جدًّا وحقيقة النميمة نقل قول الغير إلى المقول فيه هذا غالب ما يطلق عليه وليست خاصة بالقول بل حدها كشف ما يكره كشفه سواء كره المنقول عنه أو المنقول إليه أو كره ثالث وسواء أكان الكشف بالقول أو الفعل أو الكتابة أو الرمز أو الإيماء وسواء كان المنقول من الأقوال أو الأفعال وسواء كان ذلك عيبًا أو نقصانا عن المنقول عنه أو لم يكن بل حقيقة النمامة إفشاء الستر وهتك الستر عما يكره كشفه بل كل ما رآه الإنسان من أقوال الناس فينبغي أن يسكت عنه إلا فيما في حكايته فائدة [١/ ٣٩٥] لمسلم أو دفع لمعصية. والباعث على النميمة إما إرادة السوء بالمحكي أو إظهار الحب للمحكي له أو التفرح بالحديث والخوض في فضول الكلام. السابعة عشر: كلام ذي اللسانين الذي يتردد بين المتعادين ويكلم كل واحد بكلام يوافقه وقيل ما يخلو عنه من يساعد متعاديين وذلك من النفاق قال ﷺ : "من شر عباد الله يوم القيامة ذو الوجهين الذي يأت هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" (٢). الثامنة عشر: المدح فإنه مذموم في بعض المواضع وقد مر الكلام فيه ويأتي فيه زيادة إن شاء الله تعالى. التاسعة عشر: إطلاق اللسان إما في العلم أو غيره مما يجوز مع الغفلة عما في فحوى الكلام من الخطأ لا سيما فيما يتعلق بصفات الله وأمور الدين وقد نبه

стр. 1265

- ﷺ على الدقيق منه فقال: "لا يقول أحدكم ما شاء الله وشئت ولكن ليقل: ما شاء الله تعالى ثم شئت" (١)، وذلك لأنّ في العطف بالواو تسوية الشركاء. فكيف من يقول: أنا على الله وعليك، وأنا بالله وبك، ونحو ذلك من كلام تقشعر منه الجلود ويحكم عليه بالتحريم. العشرون: سؤال القوم عن صفات الله والخوض منهم في ذلك لإلقاء الدقائق والأشياء الغامضة فهذه جملة لطيفة من آفات اللسان وهي أضعاف ما ذكرنا وفيما ذكرناه معرفة أن أكثر خطايا بني آدم في اللسان (طب هب عن ابن مسعود) (٢) سكت عليه المصنف فيما رأيناه قوبل على خطه، وقال المنذري: رواه الطبراني برجال الصحيح، وقال العراقي: إسناده حسن. ١٣٧٦ - "أكثر عذاب القبر من البول (حم ٥ ك عن أبي هريرة) " (صح). (أكثر عذاب القبر من البول) أي بسببه ولأجله فكلمة: "من" تعليلية والمراد من التلوث به وعدم الاستنزاه منه وإنما قال: "أكثر" لأنّ بعض عذاب القبر من غير البول وقد ثبت حديث: اللذين يعذبان في القبر أحدهما بالبول والآخر بالنميمة، قال بعض أئمة الحديث في حديث التعذيب بالبول. تنبيه: إن من ترك الصلاة إلى الاستنزاه من البول بعض واجباتها وشروطها فهو أشد عذابًا، وفي التعذيب بالنميمة تنبيه أيضًا على أن الموقع بين الناس العداوة والبغضاء بالكذب والزور والبهتان أعظم عذابًا من الذي أوقع بينهم
следующие страницы →