← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122096

التنوير شرح الجامع الصغير

الصنعاني

Полный текст (6 289 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

عذاب السعير) هي النار كما في القاموس (١) (ومن دعوة الثبور) التي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] والثبور الهلاك والويل والدعوة بها من صفات سكان النار فالسؤال للإجارة من الدعوة سؤال للإجارة من سبيها وهو حلول النار (ومن فتنة القبور) من عذابها وسؤال الملكين وهذا الدعاء جرى على طريقة تقديم الأهم فالأهم لا على تقديم الواقع. (اللَّهم ما قصر عنه رأيي ولم يبلغه نيتي ولم تبلغه مسألتي من خير وعدته أحداً من خلقك أو خيرٍ أنت معطيه) ابتدأ من غير سؤال (أحدًا من عبادك فإني أرغب إليك فيه وأسألك رحمتك يا رب العالمين) هذا الفصل تعميم للسؤال لكل خير بعد التخصيص لما سلف من تلك الدعوات [١/ ٤١٦] المسئولات (اللَّهم ذا الحبل الشديد) ضبط على ما قوبل على خط المصنف بالحاء المهملة فمثناة تحتية في النهاية (٢): إنه يرويه المحدثون بالباء الموحدة أي مع الحاء المهملة والمراد به القرآن أو الدين أو السبب ووصفه بالشدة لأنها من صفات الحبال والشدة في الدين الثبات فيه والاستقامة قال الجوهري (٣): الصواب الحيل بالياء يريد المثناة التحتية وهو القوة يقال حيل وحول بمعنى (والأمر الرشيد) المرشد لكل أحد إلى جهة الخير (أسألك الأمن يوم الوعيد) يوم القيامة والوعيد يستعمل في الشر والوعد يقال فيهما وإضافته إلى الوعيد لأنه يوم الشدة والمشقة وهو يوم الفزع الأكبر (والجنة يومَ الخلود) من قوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: ٣٤] قال جار الله: أي يوم تقدير الخلود لقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] أي مقدرين الخلود (مع

стр. 1332

المقربين) منه تعالى قرب تشريف لا قرب مكان (الشهود) جمع شاهد وهم الأنبياء قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ...﴾ إلى قوله: ﴿... وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٤ - ٨٩]، (الركع السجود الموفين بالعهود) بما عهد الله به إليهم من الإيمان والطاعات وترك المحرمات (إنك رحيم) صفه مشبهة من الرحمة ويوصف به غيره تعالى بخلاف رحمن فإنه يختص به تعالى (ودود) في النهاية (١) فعول بمعنى مفعول من الود المحبة فالله مودود أي محبوب في قلوب أوليائه أو هو فعول بمعنى فاعل أي أنه يحب عباده الصالحين أي يرضى عنهم. قلت: الأنسب بقرانه برحيم المعنى الأخير (وإنك تفعل ما تريد) ليس لك مكره على أفعالك بل قدرتك عامة واختيارك شامل (اللَّهم اجعلنا) بتوفيقك وتسديدك (هادين) لغيرنا (مهتدين) والاتصاف بكونهم مهتدين مقدم على الاتصاف بكونهم هادين لكنه قدمه في اللفظ إشارة إلى أنه ينبغي الاهتمام بحال الغير وتقديمه على شأن النفس وجرى على الأصل في قوله (غير ضالين) في أنفسنا (ولا مضلين) لغيرنا واجعلنا (سلماً) بكسر المهملة وكسر اللام مسلمين لهم غير محاربين (لأوليائك وعدوًا لأعدائك) واجعلنا (نحب بحبك) بسبب حبنا إياك (من أحبك) فحب من يحب الله من صفات المؤمنين (ونعادي بعداوتك) سبب عداوة الغير إياك (من خالفك) عصاك (اللَّهم هذا الدعاء) الذي أمرت به في قولك ادعوني (وعليك الإجابة) التي وعدت بها في قولك: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] (وهذا الجهد) بضم الجيم الطاقة كما تقدم (وعليك التكلان) بضم المثناة الفوقانية من التوكل وهو إظهار العجز

стр. 1333

والاعتماد على الغير كما في القاموس (١) (اللَّهم اجعل لي نورًا في قلبي) قال المصنف في المرقاة: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ليس المراد هنا حقيقة النور الذي يقهر الأبصار لكنه معبر عن النور بالمعارف وبالظلمات عن الجهل وذلك من مجاز التشبيه لأنّ المعارف والإيمان تبسط النفوس وتذهب عنها الغم ويستبشر بالنجاة من المعاطب تشبيهًا كما يتفق لها ذلك من النور الحقيقي وكذلك تنقص من الجهالات ويستشعر الهلاك تشبيهًا [١/ ٤١٧] كما يتفق لها ذلك في الظلمات فلما تشابها عبر بأحدهما عن الآخر إلا أنه هنا يصح جوابًا على نور القلب وأما سائر ما ذكر في الحديث فليس كذلك لأنّ المعارف مختصة بالقلب إلا أن ما عدى القلب مما ذكر في الحديث تتعلق به التكاليف (ونورًا في قبري) أما نور القبر فيحمل على الحقيقة كما يحمل عليها في قوله (ونورًا من بين يدي ونورًا من خلفي ونورًا عن يميني ونورًا عن شمالي) وأما قوله (ونورًا من فوقي ونورًا من تحتي ونورًا في سمعي ونورًا في بصري ونورًا في شعري ونورًا في بشري ونورًا في دمي ونورًا في عظامي) فالظاهر أنه مجاز يراد به انقياد هذه الأعضاء لما خلقت له من الطاعة كأنها صارت نورًا لا يأتي منه إلا كل خير وتدفع بها كلمة المعاصي والآثام (اللَّهم أعظم لي نورًا) اجعل لي نورًا عظيمًا (واجعل لي نورًا وأعطني نورًا) تعظيم طلب النور بعد تلك التخصيصات وقد سمى الله نفسه نورًا فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وفي أسمائه الحسنى النور وبعد المسألة رجع إلى الثناء فقال (سبحان الذي تعطَّف بالعزِّ) في النهاية (٢): تعطف بالعز أي تردَّى به وهو مجاز في حق الله

стр. 1334

يراد به الاتصاف كان العزّ شَمِله شُمول الرِّداء (وقال به) في النهاية اختصه لنفسه وأحبه، وقدمنا لك أن الإيمان بما ورد من صفاته تعالى بغير تأويل الكيفية هو الأولى (سبحان الذي لبس المجد ويكرم به) سبب كونه اتصف بالمجد (سبحان الذي لا ينبغي) لا يليق ولا يجوز (التسبيح إلا له) فيحرم إطلاق لفظ التسبيح على غيره تعالى (سبحان ذي الفضل والنعم) صاحبها (سبحان ذي المجد والكرم سبحان ذي الجلال والإكرام) أي الذي أكرم عباده بما لا يحصونه من أياديه (ت) وقال حديث غريب (ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة طب والبيهقي في الدعوات عن ابن عباس) وفي إسناده مقال (١). ١٤٧٢ - "اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا تنزع مني صالح ما أعطيتني (البزار) ابن عمر". (اللَّهم لا تكلني إلى نفسي) تسلمني من وكل يكل استسلم إليه كما في القاموس (٢) (طرفة عين) المراد بها ما في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]، قال جار الله: أي تحريك أجفانك إذا نظرت فالمراد مقدار رد الطرف وهو مقدمة النظر كما أن النظر مقدمة الرؤية وهو مقدار من الزمان لا

стр. 1335

يتحرى وهو منصوب على الظرفية الزمانية (ولا تنزع) تأخذ (مني صالح ما أعطيتني) زيادة صالح إشارة إلى أن كل ما أعطاه الله صالحا فلا يتوهم أنه له مفهوما (البزار عن ابن عمر) (١). ١٤٧٣ - "اللَّهم اجعلنى شكورًا واجعلنى صبورًا واجعلني في عيني صغيرًا وفي أعين الناس كلبيرًا (البزار عن بريدة) ". (اللَّهم اجعلني شكورًا) بفتح المعجمة مبالغة شاكر ومثله صبور ولا يقال في شيء من صفاته تعالى صيغة مبالغة فكل عبارة لا تبلغ ما يستحقه الرب من الثناء وإنما يقال ذلك باعتبار ما اتصف بها من العباد وقد وصف الرب نفسه بالشكور فيما حكاه عن أهل الجنة وأقره حيث قال: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] وأخبر أن قليلًا من عباده الشكور ووصف نوحا حيث قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] وصيغة المبالغة تكون تارة باعتبار كثرة المتصف بها وتارة باعتبار كثرة المفعول والأول أكثر. وحقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع وله حقائق كثيرة هذا أحدها وقد بسطنا فيه في كتابنا الصارم الباتر [١/ ٤١٨] (واجعلني صبورًا) لقوة الصبر لم يصف الله به بهذه الصيغة أحدًا بل وصف أيوب بأنه صابرًا ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] ووصف جماعة من الأنبياء بأنهم من الصابرين هذا وحقيقة الصبر خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجوز وهو قوة من قوى النفس به صلاحها وقوام أمرها وله حقائق كثيرة هذا أجمعها وبسطنا الكلام فيه في ذلك الكتاب ويأتي في حرف الصاد شيء من ذلك والمراد اجعلني كثير الصبر على فعل الطاعات وعن ترك السيئات وعلى تجرع

стр. 1336

مصائب الدنيا التي لا بد لكل إنسان منها فإنه لا بد للعبد من الأنواع الثلاثة من الصبر صبر على أداء الأوامر من الطاعات حتى يؤديها كما أمر وصبر عن المناهي من المخالفات حتى لا يقع فيها وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها ويرجع الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث صبر على فعل المأمور وصبر على ترك المحظور وصبر على الأمر المقدور. واعلم أنه ﷺ جمع في هذا الحديث بين الصبر والشكر كما جمع الله بينهما في أربع آيات من كتابه ووجه الجمع بينهما أنهما رضيعا لبان في التكليف ولذلك قال ابن مسعود: الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر، ووجهه أن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية وهي ترجع إلى أمرين فعل وترك فالعمل هو العمل بطاعة الله وهو حقيقة الشكر والترك هو الصبر عن المعصية والدين كله في هذين الأمرين فعل المأمور وترك المحظور فلهذا كان ضيعي لبان، وقد ذكرنا في ذلك الكتاب عشرة وجوه في وجه التصنيف، هذا أحدها، وحققنا هنالك أن الصبر والشكر يدخل كل واحد منهما في حقيقة الآخر ولا يمكن وجود أحدهما إلا بالآخر وقدم ﷺ سؤال الشكر على الصبر لأنّ نعم الله متقدمة على التكاليف فإنها من حين ينفخ في روحه بخلاف طلب الصبر فإنما هو للإعانة على التكاليف فهو متأخر وأما في الآيات الأربع فاطرد تقديم صفة الصبر على الشكر لسر يعرفه من له ذوق من سياق الآيات (واجعلني في عيني صغيرًا) متواضعًا غير متكبر ولا رائيًا لنفسه حقًا على غيره (وفي أعين الناس كبيرًا) مكرمًا عندهم مصون العرض مشكوراً عندهم محبوبًا (البزار عن بريدة) تصغير بردة تقدم مرارًا (١).

стр. 1337

١٤٧٤ - "اللَّهم إنك لست بإله استحدثناه ولا برب ابتدعناه ولا كان لنا قبلك من إله نلجأ إليه ونذرك ولا أعانك على خلقنا أحد فنشركه فيك تباركت وتعاليت" (طب، عن صهيب). (اللَّهم إنك لست بإله استحدثناه) اتخذناه حادثًا كما يتخذ المشركون من دون الله أوثانًا ويخلقون إفكًا، ويحتمل أن السين للطلب أي طلبنا إحداثه لنا من الغير كما كان المشركون يطلبون إحداث الصنم من الصائغ كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨] (ولا برب ابتدعناه) أي اخترعناه من قبل أنفسنا فالأول في طلب الغير أن يحدثه وهذا نفي كونهم أحدثوه اختراعًا منهم (ولا كان قبلك من إله) أي قبل عبادتنا لك وإلا فلا قبلية له تعالى هو الأول قبل كل شيء (نلجأ إليه ونذرك) ونتركك (ولا أعانك على خلقنا أحد فنشركه فيك) نجعله شريكا لك فالأول نفي لإله سواه ورب غيره والثاني نفي للشريك (تباركت) قال جار الله: البركة كثرة الخير وزيادته وفي تبارك الله معنيان تزايد خيره وتكاثر أي تزايد على كل شيء وتعالى في أفعاله وصفاته (وتعاليت) التعالي الارتفاع أي ارتفع شأنه وعظم برهانه وهذا اللفظ يختص بالله تعالى وقوله لست بإله إلى آخره، صورته صورة الخبر وليس بخبر فإنه لا يفيد الحكم ولا لازمه إذ هو خطاب لعالم الغيب والشهادة وإنما هو إقرار واعتراف بأنه تعالى الأول القديم والإله الحق الخالق للخلق المستحق للعبادة لتفرده بالإلهية والربوبية فهو مثل كلمة الشهادة (طب عن صهيب) بالمهملة

стр. 1338

آخره موحدة مصغر (١). ١٤٧٥ - "اللَّهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي لا يخفى عليك شيء من أمري وأنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه أسألك مسألة المسكين وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته وذل لك جسمه ورغم لك أنفه اللَّهم لا تجعلني بدعائك شقيًّا وكن بي رءوفاً رحيمًا يا خير المسئولين ويا خير المعطين، اللَّهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي لا يخفى عليك شيء من أمري وأنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه أسألك مسألة المسكين وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته وذل لك جسمه ورغم لك أنفه اللَّهم لا تجعلني بدعائك شقيًّا وكن بي رءوفاً رحيمًا يا خير المسئولين ويا خير المعطين (طب عن ابن عباس) ". (اللَّهم إنك تسمع كلامي) قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] (وترى مكاني) قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] (وتعلم سري وعلانيتي) قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] فهذه الجملة قرآنية كما أن قوله (لا يخفى عليك شيء من أمري) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]

стр. 1339

(وأنا البائس) الذي اشتدت ضرورته (الفقير) المحتاج إليك في في جميع أحوالي (المستغيث) المستعين المستنصر بك (المستجير) بك من غضبك وعذابك (الوجل) الخائف (المشفق) الحذر (المقر) المعترف (بذنبه) توسل بهذه الصفات الثمان المتقاربة في معانيها تلطفًا وإظهارًا لحاجته ثم عقبها بطلب ما يريده فقال: (أسألك مسألة المسكين) الخاضع الضعيف (وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل) الذي أذلته ذنوبه وخطاياه (وأدعوك دعاء الخائف الضرير) في القاموس (١) أنه الذاهب البصر جمعه أضِرَّاء والمريض المهزول وهي: بهاء وكلما خالطه ضَرٌّ انتهى. والمراد هنا الأخير وهذه الصفات ناظرة إلى تلك الأربع القرائن التي وصف بها نفسه وهي ثمان عدًا وإنما وقع في الترتيب مخالفة كأنه يقول كما كنت بائسا فقيرًا فأسألك مسألة المسكين ولما كنت مذنبًا فأبتهل إليك ابتهال المذنب ولما كنت مستغيثًا مستجيرًا فأسألك سؤال الذليل إلا أنه جمع ما بين القرينتين في قرن ولما كنت وجلًا مشفقًا فأسألك سؤال الخائف (من خضعت لك رقبته) من خضع كمنع تطامن وتواضع أي المسكين الذي خضعت لك رقبته وهذه الأربع صفات ناظرة إلى الأربع الأول فهذا يناسب البائس الفقير (وفاضت لك عبرته) يناسب المستغيث المستجير (وذل لك جسمه) يناسب الوجل المشفق (ورغم لك أنفه) أي ذل والتصق بالرغام التراب وهو يناسب المقر المعترف بذنبه (اللَّهم لا تجعلني بدعائك شقيًا) غير مجاب الدعوة فإن الشقي لا يجاب له دعوة ولذلك قال زكريا: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]، (وكن بي رءوفًا رحيماً) ملتصقاً بي أثار صفة رأفتك ورحمتك (يا خير المسؤولين ويا خير

стр. 1340

المعطين) فهو تعالى خير من يطلب منه وخير من يعطى (طب عن ابن عباس) بإسناد ضعيف كما في المغني (١). ١٤٧٦ - "اللَّهم أصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن اللَّهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها قابلين لها وأتمها علينا (طب ك عن ابن مسعود) " (صح). (اللَّهم أصلح ذات بيننا) تقدم الكلام على هذا التركيب (وألف بين قلوبنا) من الألفة أجمعها واجعلها مؤتلفة متفقة غير متفرقة ولا متباعدة وقد امتن الله تعالى بتأليفه بين قلوب أصحاب رسوله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصرِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣]، الآية فالجملة الأولى دعاء بإصلاح ذات البين إن وقع بين العباد ما لا يكاد يخلو عنه البشر، والثانية: بجمع القلوب وتأليفها (واهدنا سبل السلام) وفي النهاية (٢) هدايته الطريق وإلى الطريق هداية عرفته والسبل جمع سبيل وهي الطريق والسلام في الأصل السلامة فيقال سلم سلامًا وسلامة ومنه قيل للجنة: دار السلام لأنها ذات السلامة من الآفات

стр. 1341

والمعنى عرفنا طريق النجاة والسلامة من شر الدارين أو عرفنا طريق الجنة والأفعال الموصلة إليها كما قال الله تعالى في صفة القرآن: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦] (ونجنا من الظلمات إلى النور) الظلمات: الشرك والمعاصي، والنور: الإيمان والطاعات كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أي من الكفر إلى الإيمان أو نجنا من ظلمات الآخرة إلى النور الذي يعطيه أهل الإيمان المشار إليه [١/ ٤٢٠] بقوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] ونحوها وإطلاق النور على الإيمان والطاعات والظلمة على المعاصي والكفر إطلاق قرآني وحديثي فإما أن يكون من باب الاستعاذة وأن صاحبه يكون في نور من جميع جهاته كما سلف حديث: "اللَّهم اجعل في قلبي نورًا" والكفر يجعل صاحبه في ظلمات في جميع أحواله كما قال تعالى في صفة المنافقين: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] أو باعتبار أن يكون الإيمان نورًا حقيقة في النشأة الآخرى والكفر ظلمات فيها وقد فسره قوله تعالى: ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] بالظلمة وجمع الظلمات وأفرد النور على الأسلوب القرآني فإنه ما ورد فيه هاتان القرينتان إلا بجمع الظلمات وإفراد النور لازم مراد الجنس أو لأنه نوع واحد بخلاف الظلمة كما أفاده جار الله في تفسير سورة الأنعام، (وجنبنا) بعدنا (الفواحش) جمع فاحشة في القاموس (١): الفاحشة الزنا وما اشتد قبحه من الذنوب وكل ما نهى الله عنه وأريد هنا الأخير (ما ظهر منها وما بطن) مراد به ما في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] ما أعلنتم به وما أسررتم وقيل: ما عملتم وما نويتم وقيل: الظاهر الزنا في الحوانيت والباطن الزنا في أكثر أقوال في كتب التفسير.

стр. 1342

(اللَّهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا) هذه الثلاثة هي عمدة الإنسان وهي طرق الإيمان والكفر وهي التي سلب الله الكفار الانتفاع بها وجمع بينهما في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وهي التي امتن الله في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النحل: ٧٨] الآية. وجمع الأسماع في الحديث مع إفراده في الآيات لأنه أريد به المسموع أي بارك لنا فيما نسمعه من العلوم فننتفع به ونتبع أحسنه فليس بمصدر هنا بخلاف الآيات فإنه فيها مصدر كما وجه له إفراده في كتب التفسير والبركة في الإبصار الانتفاع بالمبصرات والاعتبار بها والبركة في القلوب الانتفاع بها في النظر والاعتقادات الحقة، ويحتمل أنه أريد بارك لنا في نفس الحواس بسلامتها من الآفات نحو أحاديث: "متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلها الوارث منا"، ويحتمل أنهما مرادان معًا (وأزواجنا وذرياتنا) وجمع بينهما هنا كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] وذلك لأنه لما كان عمدة الإنسان أهله وذريته فسأل الله أن يبارك فيهما وأن يجعلهما على وفق إرادته والانقياد لأمره والإعانة له في جميع شأنه ولأنه تعالى قد أخبر أن من الأزواج والأولاد عدوًا، وحذر عنهم فسؤال البركة فيما يهم الإنسان (وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم) لفظ قرآني في القاموس (١) تاب عليه وفقه للتوبة أو رجع به من التشديد إلى التخفيف أو رجع عليه تفضله وقبوله، التواب: اسم فاعل مبالغة أي كثير القبول لتوبة عبده يعصيه ثم يتوب عليه ثم يعصيه، ثم يتوب عليه أو بالنظر إلى كثرة التائبين من العباد وتعليل قبوله التوبة بأنه تواب رحيم من باب التوسل إليه بصفات عفوه ورحمته (واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين) هو كالتفسير لشاكرين والثناء هو الشكر (بها) بسببها أوصلة مثنين

стр. 1343

(قابلين لها) متلقين لها بالقبول والرضا والشكر والإحسان إلى العباد (وأتمها علينا) لا تنزعها بسبب تقصيرنا عن شكرها (طب ك عن ابن مسعود) رمز المصنف لصحته (١). [١/ ٤٢١] ١٤٧٧ - "اللَّهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتى وهواني على الناس يا أرحم الراحمين إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري إن لم تكن ساخطًا عليَّ فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات وأشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل عليَّ غضبك أو ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك (طب عن عبد الله بن جعفر) ". (اللَّهم أشكوا إليك) هذا الدعاء قاله ﷺ عند رجوعه من الطائف بعد أن نال من أهله ما نال من أذاهم وتقديم الظرف للحصر أي إليك لا إلى غيرك (ضعف قوتي) عن دفع الأعداء (وقلة حيلتي) احتيالي في هدايتهم (وهواني على الناس) حقارتي عندهم (يا أرحم الراحمين إلى من تكلني) تسلمني (إلى عدو يتجهمني) في القاموس (٢): الجهم الوجه الغليظ المجتمع السمج جهم ككرم جهامة وجهومة وجهمه كمَنعَه وسَمِعَه استقبله بوجه كريه فيجهمه والمعنى إلى عدو يستقبلني بوجه قبيح (أم إلى قريب ملّكته أمري) فلا تصرُّف لي معه، وكأنه أراد بالقريب قريشًا وتمليكهم أمره أنه لم يجعل تعالى له ناصراً عليهم فكان مملكا لهم لا يطيعون له أمراً وأراد بالعدو من عداهم (إن لم تكن ساخطا علي فلا

стр. 1344

أبالي) أي فالعمدة رضاك عني فكل ما أصابني لا أبالي به ولا أكترث به (غير أن عافيتك أوسمع لي) استثناء منقطع أي لا أبالي ما وقع مع رضاك عني لكن عافيتك لي من أذى عبادك أوسع فأسألك إياها (أعوذ بوجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات وأشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة) عوذ إلى الاستعاذة من غضبه تعالى ونزول سخطه والمراد بنور وجهه الأنوار الصادرة عن رضاه، والأولى ما أسلفناه من الإيمان بما ورد من غير تأويل والمستعاذ منه قوله (أن يحل على غضبك) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١] وهو بضم المهملة وكسرها والمكسور في معنى الوجوب من حل الدين يحل إذا وجب أداؤه، والمعنى أن يجب على غضبك (أو ينزل على سخطك) هو قريب من التأكيد والتفسير للأول فإن الحلول والنزول متلاقيان والغضب والسخط كذلك فإنه فسرهما في القاموس (١) بضد الوضا (ولك العتبى حتى ترضى) هي بضم المهملة وسكون المثناة الفوقية فموحدة فألف مقصورة هي الترضي وهو طلب رضا الله أي لك مني أن أرضيك من نفسي حتى ترضى عني (ولا حول ولا قوة إلا بك) هو بعد قوله: "لك العتبى" كالاحتراس عما يوهمه استقلاله بإرضائه من نفسه وعدم احتياجه إلى إعانته تعالى (طب عن عبد الله بن جعفر) (٢). ١٤٧٨ - "اللَّهم واقية كواقية الوليد قال أبو يعلى يعني المولود (ع عن ابن عمر) ".

стр. 1345

(اللَّهم واقية) بالنصب مفعول وهي مصدر وقاه يقيه حفظه عما يحذر (كواقية الوليد) هو الطفل فعيل بمعنى مفعول وقيل: أراد به موسى ﵇ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] أي كما وقيت موسى ﵇ فرعون وهو في حجر فرعون فقني شر قومي وأنا بين أظهرهم أفاده في النهاية (١) (ع عن ابن عمر) سكت عليه المصنف وإسناده مجهول (٢). ١٤٧٩ - "اللَّهم كما حسَّنت خَلْقي فأحسن خلقي (حم عن ابن مسعود) ". (اللَّهم كما حسنت خلقي) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام بأن خلقتني في أحسن تقويم (فحسّن خلقي) بضم المعجمة وسكون اللام وقد يضم هي السجية والطبع والمروءة والدين قاله في القاموس (٣) وتقدم تفسيره مرارًا وهذا توسّل بالإحسان السابق إلى طلب الإحسان اللاحق كما قال زكريا: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] (حم عن ابن مسعود) قال الشارح: بإسناد جيد جدًا (٤). ١٤٨٠ - اللَّهم احفظني بالإِسلام قائمًا واحفظني بالإِسلام قاعدًا واحفظني بالإِسلام راقدًا ولا تشمت بي عدوًا لي اللَّهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك (ك عن ابن مسعود) ". (اللَّهم احفظني بالإِسلام قائماً) أي احفظني بمصاحبة الإِسلام [١/ ٤٢٢] في حال قيامي (واحفظني بالإِسلام قاعدًا) مثله (واحفظني بالإِسلام راقدًا)

стр. 1346

واحفظني عن الأسواء في هذه الأحوال بسبب الإِسلام لك والانقياد (ولا تشمت بي) في القاموس (١) شمت كفرح شماتًا وشماتة فرح ببلية العدو أي لا تفرح (عدوا لي) ببلية أقع فيها (ولا حاسدًا) وهو دعاء بأن يحفظه من أن يحل به بلية (اللَّهم إني أسألك من كل خير خزائنه) مبتدأ (بيدك) خبره (وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك) وقد علم أن خزائن الأمر بيده تعالى فهو عام لخير الدارين (ك عن ابن مسعود) (٢). ١٤٨١ - "اللَّهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار (ك عن ابن مسعود) ". (اللَّهم إني أسألك موجبات رحمتك) أي كلمة لا إله إلا الله وفروعها من الأعمال الصالحة، سميت موجبات لأنه توجب لصاحبها الجنة أي تثبتها له فضلًا من الله ونعمة (وعزائم مغفرتك) جمع عزيمة وقوله ﷺ في حديث الزكاة: عزمة من عزمات ربنا أو واجب من واجباتها، والمراد هنا موجبات المغفرة وهي التوبة والأعمال الصالحة وفي القاموس (٣): عزائم الله فرائضه التي أوجبها ويحتمل أن يكون المراد أسألك الإعانة على الفرائض التي هي سبب مغفرتك (والسلامة من كل إثم) الإثم الذنب (والغنيمة من كل بر) من كل خير، وسماه غنيمة ما تزود به من دار الدنيا لدار الآخرة كالغنيمة التي تؤخذ من غير مال الإنسان وذاك لأنّ دار الدنيا ليست بدار حقيقية ولا مالها مال اتخاذ وبقاء فما أخذ منه فما هو إلا غنيمة (والفوز بالجنة) الفوز هو النجاة والظفر بالخير

стр. 1347

(والنجاة من النار أي) الخلوص منها (ك عن ابن مسعود) (١). ١٤٨٢ - "اللَّهم متعني بسمعي وبصري حتى تجعلهما الوارث مني، وعافني في ديني، وفي جسدي وانصرني على من ظلمني حتى تريني فيه بثأري، اللَّهم إني أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك لا ملجأ منك إلا إليك آمنت برسولك الذي أرسلت وبكتابك الذي أنزلت (ك عن علي) " (صح). (اللَّهم متعني بسمعي وبصري) في القاموس (٢) أمتعه بكذا أبقاه وأنشأه إلى أن ينتهي شبابه كمتّعه انتهى أي متعني ببقائهما صحيحين (حتى تجعلهما الوارث مني) أي كأنهما يرثان كل قوة تضعف مني (وعافني في ديني) بالسلامة عن أسقام الآثام (وعافني في جسدي) من العلل والأسقام (وانصرني على من ظلمني حتى يريني فيه ثأري) إن قلت هلا سأل أن لا يظلمه أحد؟. قلت: جرت حكمة الله يجعل بعض البشر لبعض عدوًا فلم يسأله خلاف ما جرت به حكمته إنما سأله النصر الذي تكفل به لعباده المؤمنين (اللَّهم إن أسلمت نفسي إليك) قدرتها لك مستسلمًا لأمرك (وفوضت أمري إليك) في النهاية (٣): يُقال فوض الأمر إليه تفويضا إذا رده إليه وجعله الحاكم فيه (وألجأت) بالهمز (ظهري إليك) فيها أيضًا لجأت إلى فلان إذا استندت إليه واعتضدت به والظهر خلاف البطن ويزاد في الكلام إشباعًا كما مر في قوله عن ظهر غنى (وخليت) بالخاء المعجمة على ضبط النسخ وفي بعضها بالجيم

стр. 1348

والأول واضح وجهي إليك والثاني يراد به جليته عن إرادة سواك بعبادته (لا ملجأ) بالهمز (منك) لا معقل ولا ملاذ يعصمني منك ويمنعني منك (إلا) ينتهي (إليك) ويرجع وهو نهاية التفويض (آمنت برسولك الذي أرسلت) يحتمل الإضافة العهدية وهي الأصل أي بمحمد وهو يلزم منه الإيمان بكل رسل الله أو الجنس بكل رسول أرسلته ويلزم منه ما لزم في الأول ويجري الاحتمالان في إضافة (وبكتابك الذي أنزلت) وهذه الجملة كالبيان لقوله اللَّهم إني أسلمت نفسي إليك، ولذا فضلت عنها لأنّ في ضمن هذا الإِسلام بالرسول والكتاب إسلام النفس والتفويض الأمر فإن من آمن بالرسول والكتاب كانت هذه صفاته (ك عن علي) رمز المصنف لصحته (١). ١٤٨٣ - "اللَّهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم والقسوة والغفلة والعِيْلَة والذلة والمسكنة وأعوذ بك من الفقر والكفر والفسوق والشقاق والنفاق والسمعة والرياء وأعوذ بك من الصمم والبكم والجنون والجذام والبرص وسيء الأسقام (ك) والبيهقي في الدعاء عن أنس" (صح). (اللَّهم إني أعوذ بك من العجز) في النهاية (٢): هو ترك ما يجب فعله بالتسويف وهو عام في أمور الدنيا والدين (والكسل) في القاموس (٣) وهو التثاقل عن الشيء والفتور فيه والعجز والكسل أخوان لأنّ بهما يفوت على العبد منافعه وفواتها إما من عدم قدرة وهو العجز أو من عدم إرادة وهو الكسل (والجبن والبخل) هما أخوان أيضًا لأنّ بهما يحبس الخير عن العبد والنفع

стр. 1349

لنفسه لبني جنسه؛ لأنه إما أن يكون منع نفعه بيده وهو الجبن أو بماله وهو البخل ولهذا قرن في الأحاديث بين هاتين الصفتين كما قرن بين الأولتين (والهرم) وهو الكبر وهو استعاذة من أن يرد إلى أرذل العمر كما ورد بهذا اللفظ في الأحاديث الأخرى ويأتي قريبًا [١/ ٤٢٣] في حديث ابن مسعود عطفه عليه تفسيرًا له به لأنه يعود في الحال ضعيف البنية، سخيف العقل قليل الفهم كما قال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠] ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] نجعله يتناقص حتى يصير في حالة شبيهة كحالة الصبي (والقسوة) قسوة القلب فقد ذم الله أهلها في الآيات وهي غلظته وصلابته (والغفلة) هي الاسم من غفل عنه يغفل تركه وفسرت بغيبة الشيء المهم عن البال وعدم تذكره والسهو عنه (والعيلة) بالمهملة ومثناة تحتية وهي الفقر من قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] (والذلة) الهوان على الناس ونظرهم إليه بعين الاحتقار (والمسكنة) قلة المال والحال السيئة (وأعوذ بك من الفقر) فقر النفس لا ما هو المتبادر من الحاجة الضرورية (والكفر) قرن بينهما كما ورد أنه: كاد الفقر يكون كفرا (والفسوق) مصدر فسق وهو الخروج عن طاعة الله (والشقاق) بكسر الشين المعجمة وقاف وبعد الألف فقاف وهو الخلاف والعداوة بحيث يصير كل واحد من المشاقين في شقاء (والنفاق) فعل المنافقين وهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر (والسمعة) بضم المهملة وتفتح هو إظهار العمل ليسمع (والرياء) هو كالتفسير للسمعة وكثيرًا ما يقرن بينهما أي ليسمع العمل من غاب عنه ويراه من شاهده ومنه الحديث: "إنما فعله سمعة ورياء" أي ليسمعه الناس ويروه (وأعوذ بك من الصمم) محركه انسداد الأذن وثقل السمع (والبكم) محركة الخرس (والجنون) زوال العقل (والجذام) تقدم فيه الكلام (والبرص) داء معروف (وسيئ الأسقام) عام لما سلف وغيره من

стр. 1350

الأمراض الفاحشة مثل الاستسقاء والمرض الطويل وإنما استعاذ ﷺ من ذلك لأنه يؤدى إلى النفرة وتشويه الخلقة قال الخطابي (١): يشبه أن تكون استعاذته من هذه الأسقام لأنها عاهات تفسد الخلقة وتبقى الشين وبعضها يؤثر في العقل وليست كسائر الأمراض التي لا تجري مجرى العاهات وإنما هي كفارات وليست بعقوبات ولم يقل ﷺ من سائر الأسقام لأنّ بعضها قد يثاب عليه بالصبر وعدم القلق كالصدل والحمى والرمد. انتهى (ك والبيهقي في الدعاء عن أنس) رمز المصنف لصحته وقال الحاكم: صحيح وأقروه (٢). ١٤٨٤ - "اللَّهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ودعاء لا يسمع ونفس لا تشبع ومن الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست البطانة ومن الكسل والبخل والجبن ومن الهرم وأن أرد إلى أرذل العمر ومن فتنة الدجال وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات اللَّهم إني أسألك قلوبًا أواهة مخبتة منيبة في سبيلك، اللَّهم إنا نسألك عزائم مغفرتك ومنجيات أمرك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار (الحاكم عن ابن مسعود) " (صح). (اللَّهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) بالنفي متوجه إلى القيد كما في قوله (وقلب لا يخشع ودعاء لا يسمع ونفس لا تشبع) تقدم الكلام على كل ما ذكر (ومن الجوع) وهو الألم الذي ينال الحيوان من خلو المعدة (فإنه بئس الضجيع) المضاجع سمى به الجوع لأنه ألصق شيء بالإنسان ولأن أثره يتصل

стр. 1351

بالإنسان اتصال الضجيع ويتألم به من قمته إلى قدمه (ومن الخيانة) هو أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح (فإنها بئست البطانة) بكسر الموحدة أي ليس الشيء الذي يبطنه الإنسان أي من أن أخون أو أخان (ومن الكسل والبخل والجبن ومن الهرم وأن أرد إلى أرذل العمر) هو تفسير للهرم (ومن فتنة الدجال) تقدم الكلام فيه (وعذاب القبر) شامل لضمته ولسؤال الملكين (وفتنة المحيا والممات) [١/ ٤٢٤] عام لكل ما سبق (اللَّهم إنا نسألك قلوباً أوَّاهةً) هو المتأوه المتضرع وقيل الكثير البكاء، وقيل الكثير الدعاء (مخبتةً) بالخاء المعجمة فموحدة فمثناة فوقية والمخبت الخاشع المطيع (منيبة) من الإنابة وهي الرجوع إلى الله بالتوبة (في سبيلك) قيد لما سلف أي يكون كل ما ذكر في سبيلك (اللَّهم إنا نسألك عزائم مغفرتك) جمع عزيمة وهي ما يعزم بها تعالى على غفران الذنوب من رحمته أو الطاعات التي تكون سببا للرحمة وللمغفرة (ومنجيات أمرك) ما ينجينا من أمرك (والسلامة من كل إثم) بعصمتك لنا (والغنيمة من كل بر) بتوفيقك (والفوز بالجنة والنجاة من النار) (ك عن ابن مسعود) ورمز المصنف لصحته، وقال الحاكم: صحيح وقال العراقي: ليس كما قال (١). ١٤٨٥ - "اللَّهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني وانقطاع عمري (ك عن عائشة) " (صح). (اللَّهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سنين وانقطاع عمري) لأنه وقت تضعف فيه القوى عن طلب المعاش ووقت يكثر من الطبيعة تقاضيها لما يقويها من الأغذية والأكسية وعطف انقطاع العمر من التفسيري (ك عن عائشة)

стр. 1352

رمز المصنف لصحته (١). ١٤٨٦ - "اللَّهم إني أسألك العفة والعافية في دنياي وديني وأهلي ومالي اللَّهم استر عوراتي وأمن روعتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك أن أغتال من تحتي (البزار عن ابن عباس) ". (اللَّهم إني أسألك العفة) بكسر العين المهملة قال في القاموس (٢): هي الكف عما لا يحل ولا يَجْمُل (والعافية في دنياي) هي السلامة من شرور الدنيا (وديني) السلامة من شرور الدين (وأهلي ومالي) من الخاص بعد العام (اللَّهم استر عوراتي) العورة كلما ما يستحى منه إذا ظهر (وأمن روعتي) تقدم الكلام في هذا كله (واحفظني من بين يدي ومن خلفي) من جهة الأمام والوراء (وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي) من الثلاث الجهات وهي الجهات التي قال: فيها إبليس أنه يأتي بني آدم منها إلا أنه زيد هنا جهة الفوق والتحت كما قال (وأعوذ بك أن أغتال من تحتي) بالغين المعجمة والمثناة الفوقية في النهاية (٣): يقال غاله يغول واغتاله إذا ذهب به وأهلكه انتهى. وأريد هنا الخسف ونحوه وأفرده بالاستعاذة لأنه من عذاب الله الذي يصيب به أعداؤه كما في قارون (فخسفنا به وبداره الأرض) (البزار (٤) عن ابن عباس) سكت عليه المصنف وهو ضعيف لضعف يونس (بن خباب).

стр. 1353

١٤٨٧ - "اللَّهم أسألك إيمانًا يباشر قلبي حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي ورضني من المعيشة بما قسمت لي (البزار عن ابن عمر) ". (اللَّهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي) يخالطه ويتصل ببشرته وباشر المرأة إذا جامعها وصارا في ثوب واحد فباشرت بشرته وبدنه فيوصف الإيمان بصفات الأجسام لكمال المخالطة (حتى أعلم أن لا يصيبني إلا ما كتب لي) فيتم له الرضا بالقضاء كما في حديث: "أسألك الرضا بالقضاء" (١) ولا يتم ذلك إلا لمن كمل إيمانه (وأسألك رضا من المعشية بما قسمت لي) فإن الرضا بذلك يتم به طيب الحياة (البزار عن ابن عمر) سكت عليه المصنف وهو ضعيف لضعف سعيد بن سنان (٢). ١٤٨٨ - "اللَّهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة بالبركة وأنا محمَّد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثلي ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين (ت عن علي) ". (اللَّهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك) تقدم الكلام على الخليل (دعاك لأهل مكة بالبركة) وهو دعاؤه لأهلها بأن يرزقهم من الثمرات الذي حكاه الله وفي ضمنه الدعاء بالبركة لأنه عام الرزق إذ رزق لا بركة فيه لا خير فيه (وأنا محمَّد عبدك ورسولك) قد شاركت إبراهيم في صفة العبودية والرسالة ولم يذكر ﷺ اختصاصه بالحبيب كاختصاص إبراهيم بالخلة تواضعا وإلا فقد تقدم حديث أبي هريرة إن الله اتخذ إبراهيم خليلًا وموسى نجيا واتخذني حبيبًا وقال: وعزتي وجلالي [١/ ٤٢٥] لأوثرن حبيبي على خليلي ونجي وقد ورد في حديث

стр. 1354

آخر أنه ﷺ خليل الله (أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم) فيما يكال بهما من إطلاق المحل على الحال أو في المذكورين حتى تفيض البركة منهما وتتصل بالمكيال وفي القاموس (١) المد هو رطلان أو رطل وثلث أو ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومد يده بهما وبه سمى مدًا وقد جربت ذلك فوجدته صحيحًا وقال الصاع أربعة أمداد كل مد رطل وثلث قال الداودي: في معياره الذي لا يختلف أربع حفنات بكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما (مثلي ما باركت) فيه (لأهل مكة مع البركة بركتين) تضاعف لأهل المدينة مع بركة أهل مكة بركتين فيكون لأهل المدينة مثلى أهل مكة مع بركة أهل مكة الذي سألها إبراهيم فيكون لأهل المدينة ثلاث بركات بركة أهل مكة المشار إليها بقوله مع البركة ومثليها المشار إليه بقوله بركتين فزيادة قوله مع البركة بركتين أفاد أن المطلوب ليس مثلى بركة مكة على الأصل المبارك فيه فقط كما هو المتبادر من قوله مثلي ما باركت بل المطلوب مثليها على المبارك مع بركة مكة فيكون مد أهل مكة بمدين من غيرها ومد المدينة بأربعة (ت عن علي) وأخرجه أحمد ورجاله رجال الصحيح (٢). ١٤٨٩ - "اللَّهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرامًا وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها أن لا يراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف، اللَّهم بارك لنا في مدينتنا اللَّهم بارك لنا في صاعنا اللَّهم بارك لنا في مدنا، اللَّهم اجعل مع البركة بركتين والذي نفسي بيده ما من المدينة شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها (م عن أبي سعيد) " (صح).

стр. 1355

(اللَّهم إن إبراهيم حرم مكة) حرمها الله على لسانه أو فوض ذلك إليه (فجعلها حرمًا وإني حرمت المدينة) على أحد الوجهين ويدل للأول حديث أبي هريرة عند البخاري: "حرم ما بين لابتي المدينة على لساني حرامًا" (١)، (ما بين مازميها) مازم كمدين ومأزم الأرض مضايقها. قال السمهودي في الخلاصة (٢): مأزما المدينة جبلاها كما صوَّبه النووي (٣) وهما عَيْر وثَوْر كما في رواية مسلم: "حرم ما بين عير إلى ثور" (٤) ولأبي داود مثله، وزاد: "لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا يلتقط لقيطها إلا من أشاد بها ولا يصلح للرجال أن يحمل فيها سلاح لقتال ولا يقطع فيها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره" (٥)، وللطبراني برجال ثقات: "وما بين عير وأحد حرام حرمه رسول الله". ولأحمد نحوه (٦)، وللبخاري (٧) عن أبي هريرة: "لو رأيت الظباء بالمدينة ما ذعرتها والأحاديث في ذلك كثيرة، قال السمهودي (٨): وهذا مذهب الأئمة الثلاثة يعني القول بتحريمها وخالف فيه أبو حنيفة وهو مردود عليه بالأحاديث الثابتة (أن لا يراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال) هذا كتحريم القتال في مكة (ولا تخبط منها شجرة إلا لعلف) وقد ثبت أيضًا استثناء ما يساق به الجمل وقد أباح ﷺ سلب من وجد يفعل ذلك في حديث سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله ﷺ

стр. 1356

يقول: "من وجد من يعضد أو يخبط شيئًا من عضاه المدينة بريدًا في بريد فله سلبه"، ولمسلم (١): أن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدًا يخبط شجرة أو يقطع فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فسألوه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ على غلامهم فقال معاذ الله أن أرد شيئًا فضلنيه رسول الله ﷺ [١/ ٤٢٦] وقد زيد في رواية أحمد (٢): "لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا يلتقط لقطتها"، (اللَّهم بارك لنا في مدينتنا اللَّهم بارك لنا في صاعنا اللَّهم بارك لنا في مدنا اللَّهم اجعل مع البركة بركتين) لأنه ليس المراد التثنية بل مطلق الزيادة من باب: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، (والذي نفسي بيده ما من شِعب) بكسر المعجمة في القاموس (٣) أنه الطريق في الجبل مسيل الماء في بطن الأرض أو ما انفرج بين جبلين انتهى. فيحتمل أنه أراد كل هذه المعاني (ولا نقب) بفتح النون وسكون القاف (إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها) هذا الحديث قاله ﷺ في بعض أسفاره يخبر أصحابه بأن الملائكة يحرسون المدينة عن العدو وقد ثبت مثل هذا في حفظها من الدجال (م عن أبي سعيد) (٤). ١٤٩٠ - "اللَّهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم ومن فتنة القبر وعذاب القبر ومن فتنة النار وعذاب النار ومن شر فتنة الغني وأعوذ بك من فتنة الفقر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، اللَّهم اغسل عني خطاياي بالماء والثلج والبرد ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وباعد

стр. 1357

بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب (ق ت ن ٥ عن عائشة) ". (اللَّهم إن أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم) مصدر وُضِع موضع الاسم ويراد به مغرم الذنوب والمعاصي ويقال المغرم كالغرم وهو الدين ويراد به ما استدين فيما يكرهه الله أو فيما يجوز ثم عجز عن أدائه فأما دين احتاج إليه وهو قادر على أدائه فالاستعاذة منه وتقدم غير هذا (ومن فتنة القبر) سؤال الملكين فهو استعاذة عن الجواب بما لا ينجو به (وعذاب القبر) خاص بعد عام إن أريد بالفتنة ما يشمل العذاب وأنه أريد ما فسرناه بها فهو عام بعد خاص أو هما غيران (ومن فتنة النار) هي المعاصي التي تأول بصاحبها إلى النار أو المراد ما يفتق به أهل النار من عذابها فيكون عطف عذاب النار كالتفسير لها (ومن شر فتنة الغني) هي الطغيان الذي أشار إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧]، والتي أشار إليها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] (وأعوذ بك من فتنة الفقر) فقد كاد يكون كفرًا (وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) سمي الدجال بالمسيح لأنّ إحدى عينيه ممسوحة يقال رجل ممسوح العين ومسيح وهو لا يبقى على أحد شقي وجهه عين ولا حاجب إلا استوى وقيل: لأنه يمسح الأرض أي يقطعها قاله في النهاية (١) (اللَّهم اغسل عني خطاياي بالماء والثلج والبرد) خصهما بالذكر تأكيدًا للطهارة ومبالغة فيها، قال بعض المحققين: خصهما لشدة بردهما وهو يضاد ما في المعاصي من النارية والحرارة والضد يدفعه الضد (ونق قلبي من الخطايا) خلصه عنها وفيه أن الخطايا كامنة في القلب يحتاج إلى التنقية ولذا لم يقل واجعله خالصًا عن الخطايا (كما نقيت الثوب الأبيض من

стр. 1358

الدنس) بمهملة مفتوحة وسين مهملة الوسخ يقال تدنس الثوب إذا اتسخ (وباعد بيني وبين خطاياي) بمغفرتك أي باعد بيني وبين جزائها ويحتمل حل بيني وبين مواقعة الذنوب بألطافك حتى لا أقربها (كما باعدت بين المشرق والمغرب) أي لا يبقى لها اتصال بي كما لا يتصل المشرق بالمغرب (ق ت ن ٥ عن عائشة) (١) (صح). ١٤٩١ - "اللَّهم إنى أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم اللَّهم إنى أسألك من الخير ما سألك عبدك ونبيك وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك اللَّهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا (٥ عن عائشة) ". (اللَّهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله) بدل من الخير بعد تأكيده (ما علمت منه وما لم أعلم) تأكيد بعد تأكيد (وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم) هو أجمع حديث في سؤال الخير والاستعاذة من الشر فهو من جوامع الكلم (اللَّهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك) الإضافة للعهد والمراد به محمَّد ﷺ وهذا تخصيص بعد التعميم وكلمة "من" لبيان المسئول وأنه من الخير الذي سأله ﷺ ولو حذفت [١/ ٤٢٧] لأفاد إنه طلب أفضل مما طلبه ﷺ وليس بمراد أو تبعيضية إشارة إلى أنه لا يحسن من العبد أن يسأل مثل ما سأله ﷺ وأنه من الاعتداء المنهي عنه إذا كان الدعاء تعليما للغير كما هو المتبادر من العبارة وأما إذا كان من أدعيته ﷺ لنفسه وأنه

стр. 1359

وضع الظاهر موضع الضمير في عبدك ونبيك وهي لبيان المسئول أي أسألك خير ما سألتك عنه (وأعوذ بك من شر ما عاذ به) الباء في به سببيه أي ما طلب العوذ بك بسبب كراهته وليست صلة للاستعاذة لعدم مناسبته المقام كما لا يخفى (عبدك ونبيك) كذلك في الأمرين (اللَّهم إني أسألك الجنة) وأسألك فعل (ما قرب إليها من قول وعمل) ولم يذكر التروك لأنها داخلة تحت الأعمال وفي عطفه على سؤال الجنة إشارة إلى أنها لا تدخل إلا بعمل كما أن تقديم سؤال الجنة إشارة إلى أنها لا تدخل بمجرد العمل وقدمنا تحقيق ذلك (وأعوذ بك من النار وما قرب منها من قول أو عمل وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا) أي أعده وأراه خيرًا فأرضى به وإلا فإنه معلوم أن كل قضاء قضاه الله فهو خير للعبد وإن كان شرًا في الظاهر، ويشهد له حديث: "عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً" (١) (٥ عن عائشة) ورواه أيضًا عنها أحمد وغيره (٢). ١٤٩٢ - "اللَّهم إني أسألك باسمك الطاهر الطيب المبارك الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به أعطيت وإذا استرحمت به رحمت وإذا استفرجت به فرجت (٥ عن عائشة) ". (اللَّهم إني أسألك) متوسلًا إليك (باسمك الطاهر) من كل دنس (الطيب) لفظه ومعناه (المبارك) الزائد خيره على كل اسم وكل أسمائه تعالى لها الطهارة والطيب والبركة لكن بعضها أكمل في ذلك من بعض إما لكمال معناه أو لسر

стр. 1360

استأثر الله به (الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت) عام في استجلاب المحبوب واستدفاع المكروه (وإذا سئلت به أعطيت) خاص في الأول ويحتمل أنه لهما فدفع المكروه عطية (وإذا استرحمت به رحمت وإذا استفرجت) طلب منك الفرج متوسل به (فرّجت) كربته وهذا توسل إليه باسمه الأعظم لديه ولم يذكر المتوسل إليه والمراد ثم يدعو بما شاء (٥ عن عائشة) وبوب عليه باب اسم الله الأعظم (١). ١٤٩٣ - "اللَّهم من آمن بي وصدقني وشهد أن ما جئت به الحق فأقل ماله وولده وعجل قبضه، اللَّهم ومن لم يؤمن بي ولم يصدقني ولم يعلم أن ما جئت به الحق فأكثر ماله وولده وأطل عمره (٥ عن عمر بن غيلان الثقفي طب عن معاذ) ". (اللَّهم من آمن بي وصدقني) عطف تفسيري فإن الإيمان به تصديقه كما أن قوله (وعلم أنما جئت به هو الحق من عندك) قد شمله ذلك جملة (فأقلل ما لَه وولَده) لما كان كثرة المال والولد مطغاةً ملهاةً سأل الله تعالى أن يقلل مالَ من آمن به وولده لتقل فتنته في الدنيا ويتم توفره على ما فيه صلاح حاله (وحبب إليه لقاءك) فإن من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه (وعجل له القضاء) الموت لأنّ طول الحياة مظنة الفتنة (ومن لم يؤمن بي ولم يصدقني ولم يعلم أنما جئت به الحق من عندك) لتعاميه وإعراضه عما دعاه الله إليه (فأكثر ماله وولده وأطل عمره) اخذله بهذه الأسباب واشغله عما ينفعه في المعاد وقد علل موسى ﵇ ضلال فرعون بكثرة ما أعطاه الله من الزينة والأموال فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨] (٥ عن

стр. 1361

عمر بن غيلان الثقفي طب عن معاذ [١/ ٤٢٨] سكت عليه المصنف وهو ضعيف لضعف عمرو بن واقد إلا أنه يعتضد بوروده من طرق أخر (١). ١٤٩٤ - "اللَّهم من آمن بك وشهد أنى رسولك فحبب إليه لقاءك وسهل عليه قضاءك وأقلل له من الدنيا ومن لم يؤمن بك ولم يشهد أنى رسولك فلا تحبب إليه لقاءك ولا تسهل عليه قضاءك وأكثر له من الدنيا (طب عن فضالة) ". (اللَّهم من آمن بك وشهد أني رسولك) هذا ملزوم للأول إذ من صدق أنه رسوله تعالى فقد آمن بالله ولا عكس (فحبب إليه لقاءك) فإذا أحب لقاء الله تعالى اجتهد في الأعمال الصالحة (وسهّل عليه قضاؤك) وهو الموت المقضى به أو كل قضاء جرى به قضاؤه عليه (وأقلل له من الدنيا) ليزداد بالآخرة شغلًا (ومن لم يؤمن بك ويشهد أني رسولك فلا تحبب إليه لقاءك) خذلانًا له (ولا تسهّل عليه قضاءك) في كل أموره (وكثر له من الدنيا) حتى تشغله بها من كل شيء لتكثر عليه أسباب العقاب ولا يرد عليه أنه دعا لأنس بكثرة المال والولد لاختلاف ذلك باختلاف الأشخاص كما يفيده الحديث القدسي: "إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى" (٢) الحديث (طب عن فضالة) بزنة سحابة (بن عبيد) مصغر عبد ورجاله ثقات (٣). ١٤٩٥ - "اللَّهم إني أسألك الثبات في الأمر وأسألك عزيمة الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك لسانًا صادقًا وقلبًا سليمًا وأعوذ بك من

стр. 1362

شر ما تعلم وأسألك من خير ما تعلم وأستغفرك مما تعلم إنك أنت علام الغيوب (ت ن) عن شداد بن أوس". (اللَّهم إني أسألك الثبات) هو مصدر ثبت على الشيء إذا لازمه ودام عليه (في الأمر) هو ما أمر الله به من فعل واجب أو ترك محرم أي أسألك الملازمة والدوام على فعل ما أمرت به وترك ما نهيت عنه (وأسألك عزيمة الرشد) هي مصدر عزم على الأمر إذا أراد فعله وقطع عليه أو جد في الأمر كما في القاموس (١) والرشد مصدر رشد كنصر وفرح رشدا بضم الراء وسكون الشين ورشدا بفتحها اهتدى أي أسألك إرادة الرشد والجد في فعله فالأول سؤال للدوام على أوامر الله والثاني سؤال على إرادة الهدى والجد في فعله (وأسألك شكر نعمتك) يحتمل أن التاء للوحدة الحقيقية أي شكر نعمة واحدة من نعمك إشارة إلى أن العبد وإن اجتهد في الشكر لم يقم على شكر نعمة واحدة مع سؤاله لمولاه الإعانة ويحتمل أنه للجنس (وحسن عبادتك) أي العبادة المتصفة بالإحسان الذي فسرها حديث: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه"، والمراقبة لله فإن من راقب مولاه أحسن عبادته وإحسان الطاعة أن لا (يشوبها) بشيء من المخالفات لأوامر الله ولا بشيء من الرياء (وأسألك لسانا صادقًا) تقدم (وقلبًا سليماً) من أمراض الشهوات والشبهات (٢). واعلم أن القلوب ثلاثة مريض وميت وحي وهو السليم وقد أشار الله تعالى إلى الثلاثة في آيات من القرآن في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٢، ٥٣] الآية. ثم ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤]

стр. 1363

فجعل القلوب ثلاثة: قلبين مفتونين وقلبًا ناجيًا فالأَولان القلب الذي فيه مرض والقاسي والثالث القلب الناجي المؤمن المخبت إلى ربه وهو المطمئن له الخاضع المستسلم المنقاد (١) وهو القلب السليم وقد اختلف الناس في حقيقته والقول الجامع أنه الذي يسلم من كل شهوة مخالفة لأمر الله ونهيه ومن كل شبهة تخالف خبره وسلم من عبودية ما سواه وسلم من تحكيم غير مولاه ورسوله وسلم [١/ ٤٢٩] من محبة غير الله معه ومن خوفه ورجاءه والتوكل عليه والإنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته في كل حال والتباعد عن سخطه بكل طريق فهذا هو القلب السليم ولما كان القلب ملك الأعضاء والمتصرف فيها وهي جنوده لا تقدم ولا تحجم إلا عن أمره ويستعملها فيما شاء من أوامره فكلها تحتم ملكه وعبوديته وقهره تكسب منه الاستقامة والزيغ فخص الدعاء بسلامته لأنه إذا سلم سلمت جميع الجوارح عن المخالفة وإذا سلمت فكل الناس قد سلموا (وأعوذ بك من شر ما تعلم وأسألك من خير ما تعلم) رد الأمر إليه تعالى في الأمرين تفويضا وإقرارا بالعجز عن معرفة ما ينفعه وما يضره (وأستغفرك مما تعلم) من إتيان ما لا ترضاه (إنك أنت علام الغيوب) هو تعليل للثلاثة أمور (ت ن عن شداد بن أوس) (٢). ١٤٩٦ - "اللَّهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت اللَّهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون (م عن ابن عباس) " (صح). (اللَّهم لك أسلمت) أنقدت بما أمرت به (وبك آمنت) تقديم الطرفين للحصر كما أنه في قوله (وعليك توكلت) كذلك وفي (وإليك أنبت) وتقدم

стр. 1364

تفسير الكل (وبك خاصمت) بسبب الإيمان بك جادلت الكفار والمنافقين أو بقدرتك التي أقدرتني بها (اللَّهم إني أعوذ بعزتك) ألتجأ بصفة العزة التي لك فإن من التجأ إلى ذي العزة نجا (لا إله إلا أنت أن تضلني) وهو المستعاذ منه وجملة التوحيد اعتراضية والضلال ضد الاهتداء استعاذة من أسباب الإضلال من قسوة القلب بالمعاصي فتعسر الطاعة عليه وتسهل عليه المعصية كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] ونحوها وهذا أقرب ما يحمل عليه الإضلال أينما ورد مسندًا إليه تعالى وللمعتزلة فيه وفي نظائره تأويلات وتكلفات وللأشعرية شيء من ذلك تبعًا للمذهب (أنت الحي الذي لا تموت) تمسك بصفة الحياة الدائمة التي لا يشاركه فيها أحد بأن تحيي القلب عن إماتته بالإضلال (والجن والإنس يموتون) خصهما لأنهما أعظم ما يعرفه العباد وإلا فكل حيوان يموت (م عن ابن عباس) وأخرجه غيره (١). ١٤٩٧ - "اللَّهم لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول: اللَّهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك مآبي ولك ربِّ تراثي، اللَّهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر، اللَّهم إني أسألك من خير ما تجيء به الرياح وأعوذ بك من شر ما تجيء به الريح (ت هب) عن علي". (اللَّهم لك الحمد) مختص بك كما نقول نحن معاشر الخلائق أي لك الحمد حمدا يشبه حمد الخلائق أجمعين كما يقتضيه المقام (وخيرًا مما نقول) معاشر العباد وهو حمد الله نفسه المشار إليه بقوله ﷺ : "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (اللَّهم لك صلاتي) أي لأجل امتثال أمرك وطاعتك

стр. 1365

(ونسكي) عبادتي عام بعد خاص وقيل: أراد به ذبحي وقرن بين الصلاة والذبح كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وقيل: صلاتي وحجي (ومحياي ومماتي) أي ما آتيه في مدة حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح أفاده في الكشاف، (وإليك مآبي) مرجعي من باب وإليه المصير وفيه الإقرار بالبعث (ولك رب تراثي) أصله وراث أبدلت الواو تاء مالي الذي أخلفه فإنه لله تعالى وهو الذي يصرف فيه [١/ ٤٣٠] فعينه لمن أراده من الورثة أو المراد: لك تراثي لأنك ترث الأرض ومن عليها من قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] وفي الآية تفسيران أي لا يبقى لأحد عليهما ولا عليهم ملك أو يتوفى الأرض ومن عليها من الإفناء والإهلاك توفي الوارث لإرثه (اللَّهم إني أعوذ بك من عذاب القبر) تقدم الكلام عليه مرارًا (ووسوسة الصدر) ما يلقيه إليه الشيطان من الوساوس الباطلة وإبعاد الفقر والمخافة (وشتات) تفرق (الأمر) أمر نفسه فإنه لا يلتئم له حال فيذهب ساعاته في المحال أو أمر الأمة من اختلافها وتفرقها ومصيرها شيعًا (اللَّهم إني أسألك من خير ما تجيء به الرياح) جمع ريح وتجمع على أرواح لأنّ أصلها الواو وجاء بصيغة الجمع عند سؤال خيرها كما كان يقول في دعائه إذا هاجت الرياح: "اللَّهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا" (١) وذلك لأنّ العرب تقول أنها لا تلقح الأشجار إلا من الرياح المختلفة وجاء بالمفرد في قوله (وأعوذ بك من شر ما تجيء به الريح) لأنها لا تأتي إلا بالعذاب كما قال تعالى: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] التي لا تنتج خيرًا (ت هب عن علي) قال

стр. 1366

الترمذي: هذا حديث غريب وليس إسناده بالقوي (١). ١٤٩٨ - "اللَّهم عافني في جسدي وعافني في بصري واجعله الوارث مني لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين (ت ك) عن عائشة" (صح). (اللَّهم عافني) سلمني من الأسقام (في جسدي) وهو عام للمشاعر فعطف (وعافني في بصري) من الخاص بعد العام (واجعله) أي البصر (الوارث مني) تقدم بيان معناه فخصه دون السمع مع الجمع بينهما في عدة أحاديث إبانة لشرفه على السمع وللناس كلام طويل في بيان أي الحاستين أفضل أي أكثر نفعا (لا إله إلا الله) عاد إلى التوحيد بعد الطلب (الحليم) الذي لا يعاجل من عصاه بالعقوبة (الكريم) في النهاية (٢): الكريم هو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه وهو الكريم المطلق، وهذا الحديث جمع بين الدعاء والتوحيد والتنزيه بقوله (سبحان الله رب العرش العظيم) والثناء بقوله (الحمد لله رب العالمين) وقدم التنزيه على التحميد على قاعدة تقدم التخلية على التحلية وهو توسل إليه بوحدانيته وشريف صفاته إلى إجابة الدعاء على الطريق البرهاني كأنه يقول: إذا كان المتفرد بالوحدانية وصفات الكمال فمنه يرجى نيل كل خير (ت ك عن عائشة) رمز المصنف لصحته، وقال الترمذي: هذا حديث غريب سمعت محمدًا يقول. حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا (٣).

стр. 1367

١٤٩٩ - "اللَّهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا (ت ك عن ابن عمر) " (صح). (اللَّهم اقسم) اجعل (لنا من خشيتك) خوفك وهو مصدر مضاف إلى المفعول أي من خشيتنا إياك أو إلى الفاعل ويراد الخشية التي تجعلها في قلوب أوليائه وإسنادها إلى الله تعالى لأنه يؤيد بها قلوب عباده الصالحين في تجنب معاصيه (ما تحول به بيننا وبين معاصيك) فإن من خاف عذاب مولاه ترك عصيانه أي لا يتصل منا ولا يتصل بها واقسم لنا (من طاعتك ما تبلغنا به جنتك) وفيه أن بلوغ الجنة بالطاعات وقد سلف فيه الكلام واقسم لنا (من اليقين) وهو خلاف الشك والمراد به عزم القلب وعدم تردده في أن كل ما أصابه لم يكن ليخطأه وكل ما أخطأه لم يكن ليصيبه فلا يحزن على فقد فائت ولا يفرح بآت (ما تهون) ما تخفف (علينا مصيبات الدنيا) هو ناظر إلى الأهم فقد اشتمل على سؤال الإعانة على ترك المعاصي والإعانة على فعل الطاعات والإعانة على تحمل المصيبات وهذه الثلاثة لا يخلو عنها المكلف ما دام في دار الدنيا (ومتعنا) انفعنا (بأسماعنا) فنسمع ما ينفع (وأبصارنا) كذلك (وقوتنا) في الأبدان (ما أحييتنا) مدة حياتنا أو متعنا بإبقائها سالمة عن الاعتلال كما سلف [١/ ٤٣١] (واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا) تقدم لفظه ومعناه كما تقدم أيضًا قوله (وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) فإنها هي المصيبة الحقيقية ولذا يقال: إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته فيها فليس بضائري

стр. 1368

(ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا) بأن تجعل همنا سلما لنيلها أو تجعل علمنا كله هو العلم بأحوال الدنيا وبترك العلم بما يجب الله ولرسوله (ولا تسلط علينا من لا يرحمنا. ت ك عن ابن عمر) رمز المصنف لصحته قال ابن عمر ﵁: قل ما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعوا بهؤلاء الدعوات لأصحابه اللَّهم اقسم ... الحديث (١). ١٥٠٠ - "اللَّهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علمًا الحمد لله على كل حال وأعوذ بالله من حال أهل النار (ت ٥ عن أبي هريرة) ". (اللهم انفعني بما علمتني) بالعمل بمقتضاه وقد تضمن طلبه أن يعلمه العلم (وعلمني ما ينفعني) لما كان الدعاء بتعليمه العلم في الأول ضمنًا جاء به صريحًا ثم طلب الزيادة بقوله (وزدني علمًا، أي نافعًا (الحمد لله على كل حال) من السراء والضراء والشدة والرخاء (وأعوذ بالله من حال أهل النار) فإنه أشر الأحوال في الثلاثة الدور والاستعاذة من حالهم تضمن الطلب للتوفيق للأعمال الصالحة وللرحمة (ت ٥ عن أبي هريرة) قال الترمذي: حديث غريب (٢). ١٥٠١ - "اللَّهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع نصيحتك وأحفظ وصيتك (ت - عن أبي هريرة) ". (اللَّهم اجعلني أعظم شكرك) في القاموس (٣) عظمه فخمه وكبره وتقدم

стр. 1369

الكلام في الشكر والمراد من تفخيم الشكر وتكبيره إعظام المشكور وإكباره (وأكثر ذكرك) (وأتبع نصيحتك) قدمنا في النهاية تفسيرها بأنها كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة المخبر للمنصوح له والمعنى نصحه الله وهو مصدر أضيف إلى فاعله أي ما نصحتنا به على لسان رسولك وكتابك وهذبت به عقولنا فقد نصحنا تعالى على لسان الأكوان حيث جعلها دلائل تدل على وحدانيته وكمال صفاته وصفات كماله بل وعلى لسان الأحلام حيث جعل الرؤيا تقدمه بين يدي الخير والشر بل وعلى لسان قلب كل إنسان حيث جعل في القلب خاطرًا واعظًا وزاجرًا كما قلت. وقد ملأ الكون الإله نصائحًا ... وقد عميت أبصارنا والبصائر عسى رحمة من لطفه تكشف العمى ... وتدركنا في يوم تبلى السرائر (وأحفظ وصيتك) في القاموس (١): الوصاة والوصية هو الموصى به أي احفظ ما وصيت به من القرب المقربة إليك كتوصيته تعالى بتقواه في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، وقوله: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وكل ما أمر به ونهى عنه فإنه وصية منه وليس المطلوب حفظ الوصية لفظًا بل مع العمل بها (ت عن أبي هريرة) سكت عليه المصنف وفيه مجهول (٢).

стр. 1370

١٥٠٢ - "اللَّهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمَّد نبي الرحمة يا محمَّد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللَّهم فشفعه في (ت ٥ ك عن عثمان) ". (اللَّهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمَّد) عطف بيان أي أتوسل إليك في طلب الحاجات به وبمقامه عندك وكرامته لديك (١). وقد اختلف في جواز التوسل إليه تعالى بشيء من مخلوقاته فقال أبو محمَّد بن عبد السلام في فتاويه (٢): أنه لا يجوز التوسل إليه بشيء من مخلوقاته لا الأنبياء ولا غيرهم، وتوقف في حق نبينا ﷺ لاعتقاده أنه ورد في ذلك حديث، وإن لم يعرف صحة الحديث وكأنه يريد هذا الحديث وقال [١/ ٤٣٢] أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعوا الله إلا به، قال: وأكره أن يقال أسألك بمعاقد العز من عرشك وأكره أن يقال بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام وعن أبي الحسن قال: أما المسألة بغير الله فمنكرة في قولهم لأنه لاحق لغير الله عليه وإنما الحق لله على خلقه، وأما قوله: بمعقد العز من عرشك فكرهه أبو حنيفة ورخص فيه أبو يوسف قال: وقد روى أن النبي ﷺ دعا بذلك، قال: ولأن معقد العز من العرش إنما يراد به القدرة التي خلق الله بها العرش مع عظمته فكأنه سأله بأوصافه أفاد ذلك ابن القيم في إغاثة اللهفان (٣) (نبي الرحمة) صفة لمحمد ﷺ مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فإنه تعالى رحم به الكفرة بإخراج من آمن منهم من ظلمات الكفر
следующие страницы →