← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122096

التنوير شرح الجامع الصغير

الصنعاني

Полный текст (6 289 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

لهم وإلا فإنه معصوم عن الذنوب جميعها قبل النبوة وبعدها (وإسرافي في أمري) الإسراف مجاوزة الحد بالإفراط أو أن السؤال طلب لإدامة ما تفضل الله به على العباد من العفو عن الخطأ (وما أنت أعلم به مني) عام لما سلف وغيره (اللهم اغفر لي خطاياي) الخطأ معفو عنه فالمراد: العفو عما تسبب إليه الخطأ مما تعمده من أسبابه (وعمدي وهزلي) إن تعدى إلى ما لا يحسن (وجدّي وكل ذلك عندي) أي أنا متصف بهذه الأشياء فاغفرها وهذا اعتراف جملي بعد الاعتراف التفصيلي (أنت المقدم) تقدم من تشاء برحمتك فتوفقه لطاعتك (وأنت المؤخر) تؤخر من تشاء عن ذلك بخذلانك (وأنت على كل شيء قدير) عام بعد خاص (ق عن أبي موسى) (١). ١٥٥٤ - "اللهم خلقت نفسي وأنت توفاها لك مماتها ومحياها إن أحييتها فاحفظها وإن أمتها فاغفر لها اللهم أسألك العافية (م عن ابن عمر) (صح). (اللهم أنت خلقت نفسي [١/ ٤٤٣] وأنت تتوفاها) أي الإيجاد من الإعدام إليك لا يقدر عليه غيرك (لك مماتها ومحياها) هو مثل (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ) [الأنعام ١٦٢] أي أنت المالك للأمرين فيها (إن أحييتها فاحفظها) عن شرور الحياة شرور الأديان والأبدان (وإن أمتها فاغفر لها) فهي بعد الموت أحوج إلى المغفرة (اللهم إني أسألك العافية) من شرور الدنيا والآخرة (م عن ابن عمر) (٢).

стр. 1402

الهمزة مع اللام واللام مع الموحدة على مقتضى ترتيب الحروف وكان حق هذا تقديمه على الهمزة مع اللام وأن يكون عقب الهمزة مع الكاف وقد جرى في الجامع الكبير على هذا وهنا خالفه وكأنه قدم ذلك تبركا وإن فات مراعاة الترتيب لأنه بلفظ الجلالة ولفظ اللهم. ١٥٥٥ - "ألبان البقر شفاء وسمنها دواء ولحومها داء (طب عن ملكية بن عمرو) ". (ألبان البقر شفاء) هو جمع لبن واللبن مركب من مائيه وحليبه ودسومه ولبن البقر أكثر الألبان دسومة وأكثر غذاء من سائر الألبان، قال ابن القيم (١): هو يغذو البدن ويحصبه ويطلق البطن باعتدال وهو من أعدل الألبان وأفضلها من لبن الضأن ولبن المعز في الرقة والغلظ والدسومة وفي حديث السنن عن ابن مسعود مرفوعاً عليكم بلبن البقر فإنها تقم من كل شجرة (٢) (وسمنها دواء) في كتاب السنن عن علي ﵁ أنه قال: لم يستشف الناس بشيء من السمن والسمن حار رطب في الأولى وفيه جلاء ولطافة ينفع في الأبدان الناعمة ويفتح البثور والأورام التي وراء الآذان وما بين الصدر وذكر جالينوس أنه أبرأ به الأورام الحادثة وفي الأرنبة وإذا دلك به موضع الأسنان أثبت سريعاً (ولحمها

стр. 1403

داء) قال ابن القيم (١): لحمها بارد يابس عسير الانهضام بطيء الانحدار يولد دماً سوداوياً لا يصلح لأهل التعب الشديد والكد ويورث إدمانه الأمراض السوداوية كالبهق والجرب والقوباء والجذام وداء الفيل والسرطان والوسواس وحمى الربع وكثير من الأورام وهذا لمن يتعوده ويدفع ضره بالثوم والفلفل والدارصيني والزنجبيل ونحوه وذكره أقل برودة ويبساً، ولحم العجل ولا سيما السمين من أعدل الأغذية وأطيبها وألذها وأحمدها وهو حار رطب (طب عن ملكية بن عمرو) ورد في الكبير الجعفية (٢). ١٥٥٦ - "البس الخشن الضيق حتى لا تجد العز والفخر فيك مساغاً (ابن مندة عن أنيس بن الضحاك) ". (البس الخشن) غير الناعم (الضيق) غير الواسع أي من الثياب (حتى لا تجد العز) الترفع (والفخر) إدعاء العظم (فيك مساغاً) مدخلًا وهو نهى عن الذرائع (ابن منده عن أنيس) مصغر (بن الضحاك) ثم قال غريب فيه إرسال (٣). ١٥٥٧ - "البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم (حم ت ن ٥ ك عن سمرة) " (صح). (البسوا الثياب البيض) أمر ندب (فإنها أطهر) لأنه يطهر ما تعلق بها من النجاسة (وأطيب) قيل لدلالتها على التواضع وعدم الكبر (وكفنوا فيها موتاكم)

стр. 1404

تفاؤلاً بأن العبد يقدم على ربه وقد نقى بدنه من الأدناس وصار أبيض وأنه من الذين تبيض وجوههم ومن الذين يسعى نورهم بين أيديهم (حم ت ن ٥ ك عن سمرة) رمز المصنف لصحته، وقال الترمذي: حسن صحيح وصححه الحاكم وأقروه (١). ١٥٥٨ - "التمس ولو خاتماً من حديد (حم ق د عن سهل بن سعد" " (صح). (التمس ولو خاتماً حديداً) الحديث عن سهل أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعّد النظرة وصوبه وطأطأ رأسه فلمَّا رأت أنَّه لم يقضِ فيها شيئًا جلستْ، فقام رجل فقال: يا رسولَ الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها فقال: "هل عندك من شيء" [١/ ٤٤٤] فقال: لا والله يا رسول الله فقال: "اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً" فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئاً فقال: "انظر ولو خاتماً من حديد" فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد ولكن هذا إزاري، قال سهل: وما له رداء غيره فلها نصفه فقال رسول الله ﷺ : "ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته هي لم يكن عليك منه شيء" فجلس الرجل حتى طال مجلسه فرآه رسول الله ﷺ مولياً فأمر به فدعي فقال: "ماذا معك من القرآن" فقال: معي سورة كذا وسورة كذا أعددها فقال: "تقرأهنَّ عن ظهر قلبك" قال: نعم، قال: "اذهب فقد ملكتكها" انتهى. وفيه دليل على جواز أخذ الأجرة تعليم القرآن وعلى جواز كون الصداق

стр. 1405

منفعة لا مالًا وإليه ذهب الشافعي فقال: يجوز أن يجعل تعليم القرآن للمرأة مهراً عملاً بظاهر الحديث، وقال أحمد بن حنبل: أكرهه، وقال مالك والحنفية: لا يجوز، وقال مكحول: إنه لا يجوز لأحد بعده ﷺ (حم ق د عن سهل بن سعد" (١). ١٥٥٩ - "التمسوا الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق (طب عن رافع بن خديج). (التمسوا الجار قبل الدار) ابحثوا على حسن سيرته وجواره قبل سكونكم الدار فإنه عمدة تطيب الدار بطيبه وتخبث بخبثه كما يقال: بجيرانها تغلوا الديار وترخص. (والتمسوا الرفيق) الذي يرافقكم في السفر (قبل الطريق) قبل سلوكها ولذا نهى عن سفر الإنسان وحده ويقال: ما أضيق الطريق على من ليس له رفيق (طب عن رافع بن خديج) سكت عليه المصنف وهو ضعيف لضعف عثمان الطرائفي (٢). ١٥٦٠ - "التسموا الخير عند حسان الوجوه (طب عن أبي خصيفة) ". (التمسوا الخير عند حسان الوجوه) تقدم (طب عن أبي خصيفة) بفتح الخاء المعجمة فصاد مهملة فمثناة من تحت ففاء، قال الشارح: إسناده ضعيف والمصنف سكت عليه (٣).

стр. 1406

١٥٦١ - "التمسوا الرزق في النكاح (فر عن ابن عباس) ". (التمسوا الرزق بالنكاح) بالتزوج فإنه جالب للبركة، إن قيل: هو حث على أن يتزوج الفقير ليرزق والله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٣٣] قيل: ذلك من لا يجد ما ينكح به وهذا فيمن يجد ذلك لكنه لا يجد نفقة (فر عن ابن عباس) إلا أنه بإسناد ضعيف لكن له شواهد (١). ١٥٦٢ - "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس (ت عن أنس) ". (التمسوا الساعة التي ترجى يوم الجمعة) هي إشارة إلى الساعة (٢) التي في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري (٣) وغيره أنه ﷺ قال: "في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خيراً إلا أعطاه" وقد اختلف العلماء هي باقية أو قد رفعت على قولين، حكاهما ابن عبد البر، والذين قالوا: هي باقية اختلفوا في تعيينها على قولين، هل هي في وقت معلوم من اليوم معين أو غير معين؟ والذين قالوا بعدم تعيينها اختلفوا هل هي تنقل في ساعات اليوم أم لا؟ على قولين، والذين قالوا بتعيينها اختلفوا على أحد عشر قولاً سردها ابن القيم في الهدي (٤) وقال: أرجح الأقوال أنها بعد العصر، وقال: إنه قول أكثر السلف وعليه أكثر الأحاديث.

стр. 1407

قلت: منها حديث الكتاب فإنه قال (بعد العصر إلى غيبوبة الشمس) ثم قال [١/ ٤٤٥] ابن القيم: ويليه في الأرجحية أنها القول بأنها ساعة الصلاة، قال: وبقية الأقوال لا دليل عليها. قلت: إلا أنه قد يقال: أن في حديث أبي هريرة: "لا يوافقها عبد وهو قائم يصلي"، وقد نهى عن الصلاة بعد العصر. وجوابه أنه قد سُئل عنه سيد الرسل ﷺ وأجاب بما يشفي ففي سنن ابن ماجة (١) عن عبد الله بن سلام قال: قلت ورسول الله ﷺ جالس: إنا لنجد في كتاب الله يعني التوراة في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها شيئاً إلا قضى الله حاجته، قال: عبد الله فأشار إلى رسول الله ﷺ : "أو بعض ساعة" قلت: صدقت يا رسول الله أو بعض ساعة. قلت: أي ساعة هي قال: "آخر ساعة من ساعات النهار" قلت: إنها ليست ساعة صلاة قال: "بلى إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو في صلاة" انتهى. فيكون قوله: "وهو قائم يصلي" أي كالقائم في أجره والحكم له بأنه في صلاة (ت عن أنس) سكت عليه المصنف، وقال في الكبير عن الترمذي: غريب ضعيف (٢). ١٥٦٣ - "التمسوا ليلة القدر في أربع وعشرين (محمَّد بن نصر في الصلاة عن ابن عباس) ".

стр. 1408

(التمسوا ليلة القدر) في النهاية (١) هي الليلة التي تقدر فيها الأرزاق وتقضى والحث على التماسها لما فيها من الفضل الذي نوه الله به في قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] وسبب منته تعالى بها على الأمة ما في سبب نزولها كما في كتب التفسير أن رسول الله ﷺ ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر فتعجب المؤمنون من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم فأعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك المغازي، وقيل غير ذلك، ولما أعطوها أنسي رسول الله ﷺ زمانها المعين كما أخرج ابن أبي شيبة (٢) من حديث أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ : "إني أريت ليلة القدر فأنسيتها -أو نسيتها- فالتمسوها في العشر الأواخر الوتر" الحديث ولهذا قال (في أربع وعشرين) وقد تعددت الأحاديث في زمن تعيينها فروي في سبع وعشرين في العشر الأواخر في الخامسة أو الثالثة في سابعة وتاسعة أخر ليلة في وتر في أحد وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين كل هذه روايات في الجامع هذا وفي الكبير. قال بعض العلماء: الظاهر أنهما تنتقل في العشر الأواخر قال: فإننا قد رأينا علاماتها اختلفت تجدها سنة في هذه وسنة في تلك قال: والذي أظنه أنه لما أراد الله تعالى لهم الخير بعموم اهتمامهم بها في تطلبها ليكثروا من الخير وأخفاها, لذلك جاءت أحاديث الحث عليها والحوم حولها موافقة لذلك ولذا يراها أو غالبها إنما يقول رسول الله ﷺ : "التمسوها في كذا وتحروها" وذكر الوتر تارة باعتبار ما مضى وأخرى باعتبار ما بقي وصار الصحابة يخبر كل منهم باعتبار ما فهم، ولجزم قوم وتردد آخرون (محمد بن

стр. 1409

نصر في الصلاة عن ابن عباس) (١). ١٥٦٤ - "التمسوا ليلة القدر في ليلة سبع وعشرين (طب عن معاوية) ". (التمسوا ليلة القدر) كأنه قيل: متى نلتمسها؟ قال [١/ ٤٤٦] (ليلة سبع وعشرين) وإليه ذهب قوم (طب عن معاوية) قال الشاوح: إسناده صحيح (٢). ١٥٦٥ - "التمسوا ليلة القدرآخر ليلة من رمضان (محمد بن نصر عن معاوية) ". (التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان) المراد ليلة تسع وعشرين لا ليلة الثلاثين كما فسرته أحاديث أخرى ولعله يقال بل يحمل الآخرية على حقيقتها بلا تأويل (ابن نصر) أي محمد (عن معاوية) (٣). ١٥٦٦ - "ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا (حم عن جابر) ". (ألحدوا) اللحد شق القبر وهو معروف وأصل الأمر الإيجاب وزاده تأكيداً النهي بقوله (ولا تشقوا فإن اللحد لنا) أيها الأمة (والشق) وهو شق وسط القبر وإلقاء الميت فيه (لغيرنا حم عن جابر) سكت عليه المصنف وفيه عثمان بن عمير ضعفوه (٤). ١٥٦٧ - "ألحد لآدم وغسل وتراً فقالت الملائكة هذه سنة ولد آدم من بعده

стр. 1410

(ابن عساكر عن أبي) ". (ألحد) مغير صيغة (لآدم) الحد له أبناؤه (وغسل) بعد موته (بالماء) وتراً ثلاثاً كما دلت عليه أحاديث أخر أو خمساً كما في حديث أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن" الحديث. فيحتمل أن الأصل الاقتصار على الثلاث فإن اقتضى الحال الزيادة زيد عليها (وقالت الملائكة هذه سنة ولد آدم من بعده) يحتمل أنها قالته لأولاد آدم على جهة التبليغ عن الله أو قالته فيما بينها لأنه تعالى أعلمها بذلك وأنه سنة لهم على لسان نبيه وفيه دليل أن هذا أول عمل اتفق لميت وقد كان هابيل قتل في حياة آدم وكأنه تولى دفنه قابيل حين رأى الغراب يبحث في الأرض فدفنه من دون لحد ولا غسل (ابن عساكر عن أبي) (١). ١٥٦٨ - "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فهو لأولى رجل (حم ق ت عن ابن عباس) " (صح). (الحقوا الفرائض بأهلها) تقدم تفسير الفرائض عن النهاية بأنه الأنصبة المقدرة المذكورة في الكتاب والسنة، والمراد بالإلحاق اتباعها لمن جعلها الله لهم (فما بقي فهو لأولى رجل ذكر) بعد إعطاء من له سهم ونصيب نصيبه فهو أي ما بقي لأول رجل قال في التناقيح شرح المصابيح للعلامة السلمي: المراد بأولى رجل: أقرب رجل ليس المراد بأولى أحق ووصف الرجل بأنه ذكر تنبيهًا على سبب استحقاقه وهي المذكورة التي هي سبب العصوبة وسبب الترجيح في الإرث ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين (٢) (حم ق ت عن ابن عباس) زاد في

стр. 1411

الكبير: ط ص رمز الموطأ ومصنف ابن أبي شيبة (١). ١٥٦٩ - "الزم بيتك طب عن ابن عمر". (الزم بيتك) هو أمر بلزوم العزلة والخلوة عند هيجان الفتن واضطرابها وذكر في سببه أنه ﷺ قاله لرجل استعمله على عمل فقال: خِرْ لي فذكره فالمراد التنزه عن نحو الإمارة وإشارة إلى العزلة قالوا: ينبغي للمعتزل أن ينوي بعزلته كف شره عن الناس أولاً ثم طلب السلامة من شر الأشرار ثانياً، ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين ثالثاً، ثم التجرد لجمع الهمة بعبادة الله رابعاً، ثم ليكن مع خلوته مواظباً على العلم والعمل والذكر والفكر ليجتني ثمرة العزلة، وقد ألَّف السيد الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير ﵀ كتاباً في العزلة لطيفًا وفوائدها كثيرة وقد ذكرها الإِمام الغزالي وجرد لها كتاباً في الإحياء (٢) في ربع المنجيات (طب عن ابن عمر) سكت عليه المصنف، وهو ضعيف لضعف الفرات (٣). ١٥٧٠ - "الزم نعليك قدميك فإن خلعتهما فاخلعهما بين رجليك ولا تجعلها عن يمينك ولا يمين صاحبك، ولا وراءك فتؤذي بها من خلفك. (٥ عن أبي هريرة) ". (الزم) بكسر الزاي (نعليك قدميك) هذا حكم النع الذي المسجد [١/ ٤٤٧]

стр. 1412

إذا السنة الصلاة فيهما كما يأتي في حرف الصاد إلا لشيء يوجب خلعهما (فإن خلعتهما فاخلعهما بين رجليك ولا تجعلهما) بعد الخلع (عن يمينك)؛ لأن اليمين جهة شريفة تصان عن ذلك (ولا عن يمين صاحبك) من يمينك (ولا وراءك فتؤذي من خلفك) (٥ عن أبي هريرة) (١). ١٥٧١ - "الزموا هذا الدعاء اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم ورضوانك الأكبر فإنه اسم من أسماء الله (البغوي وابن قانع طب عن حمزة بن عبد المطلب) ". (ألزموا هذا الدعاء) الدعاء به كأنه قيل: ما هو؟ قال (اللهم إني أسألك) متوسلاً (باسمك الأعظم ورضوانك الأكبر فإنه) أي ما ذكر (اسم من أسماء الله تعالى) فتوسل به إليه وأفرد الضمير لما أولناه ولفظ الاسم الأعظم ليس من أسمائه تعالى المعدودة التي يخبر عنه بها، إلا أنه لما كان صفة لاسمه الأعظم نفسه جعل كأنه صفة له والرضوان أيضًا ليس من أسمائه، إنما هو من أسماء أفعاله وهو رضاه عن عباده (البغوي وابن قانع طب عن حمزة بن عبد المطلب) سيد الشهداء وعم المصطفى ﷺ وفي الكبير للمصنف عن أبي مرثد بن كنانة عن حمزة بن عبد المطلب انتهى (٢). ١٥٧٢ - "الزموا الجهاد تصحوا وتستغنوا (عد عن أبي هريرة) ". (الزموا الجهاد تصحوا) من الأسقام أو تصح قلوبكم من الشبهات والشهوات ويصح إيمانها (وتستغنوا) تصيروا أغنياء بما تغنمون من أموال

стр. 1413

الكفار وقد صار السلف أغنياء بغنائمهم وما زال قتال الكفار غنى للمسلمين في كل عصر وحين وفيه جواز أن تصحب نية الأعمال الدينية مقاصد دنيوية (عد عن أبي هريرة) بإسناد ضعيف (١). ١٥٧٣ - "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام (ت عن أنس) (حم ن ك عن ربيعة بن عامر) ". (ألِظّوا بيا ذا الجلال والإكرام) في النهاية (٢) في الظاء المعجمة ألظوا أي ألزموا واثبتوا عليه وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم يقال: لظ بالشيء إلظاظاً إذا لازمه وثابر عليه، وفيه أن الجلال العظمة وفي الكشاف في قوله ذو الجلال والإكرام الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم أو الذي يقال له: ما أجلك وأكرمك أو من عنده الجلال والإكرام المخلصين من عباده وهذه الصفة من أعظم صفات الله (ت عن أنس) وقال: هذا حديث غريب وقد روى هذا الحديث عن أنس من غير هذا الوجه (حم ن ك عن ربيعة بن عامر) بن بجاد الأزدي وقاله غيره (٣). ١٥٧٤ - " ألق عنك شعر الكفر ثم اختتن حم د عن أبي كليب عن أبيه عن جده". (ألق عنك شعر الكفر واختتن) قاله ﷺ لجد عثيم بالمهملة والمثلثة فمثناة تحتية بن كليب ولفظه عن عثيم عن أبيه عن جده أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال له،

стр. 1414

وفي تيسير الأصول ما لفظه عن عثيم بن كثير بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: قد أسلمت فقال له: "احلق واختتن" وفيه دليل لمن أوجب الختان وهو الشافعي ومن معه، وقد عورض بأحاديث أخرى، وهذا الحديث فيه كلام يتعلق بجهالة الراوي، قال ابن المنذر: ليس في الختان حديث يرجع إليه ولا سنة تتبع وقد بسطنا أدلة الفرق في ذلك في حواشينا على شرح العمدة بما ليس عليه زيادة (١) وأشرنا إليه في حواشي ضوء النهار (حم د عن أبي كليب عن أبيه عن جده) فالصحابي كليب وفيه انقطاع وضعف (٢). ١٥٧٥ - "ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاما (ك هب) جابر". (ألهم) مغير صيغة أي الهم الله (إسماعيل) بن إبراهيم (هذا اللسان العريي) في القاموس (٣): ألهمه الله خيرًا ألقنه إياه, واللسان لغة العرب سمي لساناً تسمية نالته محله أو أنه مشترك بين الجارحة واللغة (إلهاماً) [١/ ٤٤٨] تأكيدا لدفع توهم المجاز وفيه رد على من قال: إن إسماعيل تعلمه من جرهم (ك هب عن جابر) قال الحاكم: على شرط مسلم واعترض، وكأنه لذلك ترك المصنف الرمز بالصحة عليه (٤). ١٥٧٦ - "الهوا والعبوا فإني أكره أن أرى في دينكم غلظة (هب عن المطلب بن عبد الله". (الهوا) تقدم الكلام على اللهو في أحب (والعبوا) والمراد هنا ما أباحه الشرع

стр. 1415

من ملاعبة الزوجة وتأديب الفرس والرمي وقوله: والعبوا هو كالعطف التفسيري (فإني أكره أن يرى في دينكم غلظة) فإنه تعالى قد بعثه بالحنيفية السهلة السمحة ووضع عن أمته الآصار والأغلال (هب عن المطلب بن عبد الله) المخزومي وفيه انقطاع وضعف (١). ١٥٧٧ - "إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية (طس هب عن أبي هريرة) ". (إليك انتهت الأماني) جمع أمنية من يمناه أراده أي انتهت المرادات والطلبات إليك (يا صاحب العافية) يا من هي في يده يرسلها على من يشاء من عباده ولا يملكها غيره ولا تنال إلا منه فهي أجل مطلوبات الدنيا والدين (طس هب عن أبي هريرة) سكت عليه المصنف وإسناد الطبراني حسن (٢). ١٥٧٨ - "أما إن ربك يحب المدح وفي لفظ الحمد (حم خد ن ك عن الأسود بن سريع) " (صح). (أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف تثنية قال نجم الأئمة: وفائدته المعنوية تأكيد مضمون الجملة قال: وكأنه مركب من همزة الإنكار وحرف النفي والإنكار نفي ونفي النفي إثبات ركب الحرفان لإفادة الإثبات والتحقيق وأن لا تكون بعده إلا مكسورة الهمزة لما عرفت من أنها لا تدخل إلا على جملة (إن ربك يحب المدح) لفظه في الكبير للمصنف عن الأسود بن سريع أتيت

стр. 1416

رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إني قد حمدت ربي بمحامد ومدح وإياك فقال: "إما إن ربك يحب المدح هات ما مدحت به ربك وما مدحتني فدعه" فجعل ينشده .. الحديث وفيه قصة (حم خد ن ك عن الأسود بن سريع) رمز المصنف لصحته (١). ١٥٧٩ - "أما إن كل بناء فهو وبال على صاحبه إلا ما لا إلا ما لا (د عن أنس) ". (أما إن كل بناء وبال) سوء عقاب وطول عذاب (على صاحبه) بانيه (إلا مالا إلا مالا) قال المصنف في المرقاة قال الحافظ أبو الفضل العراقي في تخريج الإحياء، والحافظ ابن حجر في فتح الباري: إلا ما لا بد منه. انتهى. قلت: وهذا من نوع البديع سمي بالاكتفاء ولا يقال إن فيه تعمية؛ لأنه قد علم المخاطب ما أراده ﷺ وفيه جزر شديد عن بناء ما لا حاجة إليه وتكررت به الأحاديث (د عن أنس) ورجاله موثقون (٢). ١٥٨٠ - "أما إن كل بناء فهو وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما كان في مسجد أو أو أو (حم ٥ عن أنس) ". (أما إن كل بناء فهو وبال) في النهاية (٣) الوبال في الأصل الثقل والمكروه

стр. 1417

ويريد به في الحديث العذاب في الآخرة (على صاحبه يوم القيامة إلا ما كان في مسجدٍ أو أو أو) مكرر ثلاثاً حذفت المعطوفات مع الإتيان بالعاطف للقرينة الداله عليه وقد قدر هنا بأن المراد رباط أو مسكن أو بيت للأضياف وكأنه دل على خصوص هذا المقدر السياق وهذا أعني حذف المعطوف مع بقاء عاطفة من غريب العربية لم يذكره الرضي ولا ابن هشام في المغني وفي الاكتفاء في الأول والحذف في هذا دلالة على كراهة البناء وأنه ﷺ طوى تفاصيل ما يباح منه إبعاداً عن الإشكال به (حم ٥ عن أنس) زاد في الكبير طس (١). ١٥٨١ - "أما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك (م، د عن أبي هريرة) " (صح). (أما إنك) أيهما الرجل الذي لدغته العقرب (لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامة) تقدم تفسيرها [١/ ٤٤٩] (من شر ما خلق) عام لكل ذي شر (لم يضرك) العقرب فهذه عوذة لدفع شر كل ذي شر (م د عن أبي هريرة) (٢). ١٥٨٢ - "أما إنه لو قال حين أمسى أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ما ضره لدغ عقرب حتى يصبح (٥ عن أبي هريرة) ". (أما إنه لو قال) المصاب بلدغ العقرب (حين أمسى) دخل في المساء (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ما ضره لدغ) هو بالدال بعدها معجمة (عقرب حتى يصبح) تستمر حماية الله له عنها إلى الصباح والعموم في الاستعاذة قاض بالعموم في دفع كل شر لذي شر وإنما ذكرت العقرب لأنه السبب في

стр. 1418

الحديث (٥ عن أبي هريرة) (١). ١٥٨٣ - "أما إن التعريف يدفع في النار دفعًا (طب عن يزيد بن سيف) ". (أما إن التعريف) في القاموس (٢): التعريف كأمير من يعرف أصحابه جمعه عرفاء والعريف رئيس القوم سمى به لأنه عرف بذلك أو النقيب وهو دون الرئيس وتقدم تفسيره عن النهاية (٣) (يدفع في النار دفعاً) يلقى فيها ويطرح طرحاً وذلك لما في رياسته من الخطر ويأتي: العرافة حق والعرفاء في النار (طب عن يزيد بن سيف) اليربوعي وفيه مجهول (٤). ١٥٨٤ - "أما بَلَغَكُمْ أنى لعنت من وَسَمَ البهيمة في وجهها أو ضربها في وجهها (د عن جابر) ". (أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة في وجهها) هو من الوسم العلامة وهو في البهائم بالكي والبهيمة كل ذات أربع ولو في الماء أو كل حي لا يميز وهذا إخبار منه ﷺ أنه قد سبق منه اللعن عن وسم البهيمة (أو ضربها في وجهها) وكان ﷺ يسم البهائم في جواعرها واللعن المشار إليه هو ما في خبر أبي هريرة (٥): "لعن الله من يسم البهيمة في الوجه". وفي حديث ابن عمر (٦): "لعن الله من مثّل بالحيوان".

стр. 1419

وأخرج عبد الرزاق (١) عن جابر قال: مرَّ النبي ﷺ بحمار قد وسم في وجهه يدخن منخراه فقال ﷺ : "لعن الله من فعل هذا لا يسمن أحد الوجه ولا يضربن الوجه" هذا وأما الوسم لعله في الوجه فالظاهر الجواز لدليله الخاص (د عن جابر) (٢). ١٥٨٥ - "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة (ق ٥ عن عمر) " (صح) (أما ترضى) يا عمر إذ الخطاب له (أن تكون لهم) ملوك الدنيا الذين ذكرهم عمر (الدنيا) يتوسعون فيها (ولنا الآخرة) وسببه أنه دخل عمر عليه ﷺ في إيلائه من نسائه في الحديث الطويل وفيه: أنه دخل عمر عليه ﷺ وهو في مشربة فيها حصير وأهب معلقة وقد أفضى بجنبيه إلى الحصير وأثر الحصير في جنبه وتحت رأسه وسادة من أدم محشوة ليفاً، قال عمر: فلما رأيته بكيت قال: ما يبكيك قلت: يا رسول الله فارس والروم أحدهم يضطجع في الديباج والحرير فقال: "إنها عجلت لهم طيباتهم" هذا أحد ألفاظه (ق ٥ عن عمر) (٣). ١٥٨٦ - "أما ترضى إحداكن أنها إذا كانت حاملاً من زوجها وهو عنها راضٍ أن لها مثل أجر الصائم القائم في سبيل الله وإذا أصابها الطلق لم يعلم أهل السماء والأرض ما أخفي لها من قرة أعين فإذا وضعت لم يخرج من لبنها جرعة ولم يمص من ثديها مصة إلا كان لها بكل جرعة وبكل مصة حسنة فإن أسهرها ليلة كان لها مثل أجر سبعين رقبة تعتقهم في سبيل الله سلامة! تدرين من أعني بهذا؟ الممتنعات الصالحات المطيعات لأزواجهن اللواتي لا يكفرن العشير".

стр. 1420

(الحسن بن سفيان طس ابن عساكر) عن سلامة حاضنة السيد إبراهيم". (أما ترضى إحداكن أنها إذا كانت حاملاً من زوجها وهو عنها راض) بطاعتها له (أن لها مثل أجر الصائم) نهاره (القائم) ليله (في سبيل الله) الجامع بين جهاد النفس وحبسها عن مشتهياتها من الطعام والشراب وجهاد أعداء الله وتقدم أنه أفضل المجاهدين وهذا الأجر لها حال حملها (فإذا أصابها الطلق) بالطاء المهملة وسكون اللام وجع الولادة (فلا يعلم أهل السماء) ملائكتها وسكانها (والأرض) مثله (ما أخفي لها من قرة أعين) من أجر الطلق الذي أعد الله لها (فإذا وضعت لم يخرج من لبنها جرعة) مثلثة حسوة منه أو بالضم والفتح الاسم (ولم يمص من ثديها مصة [١/ ٤٥٠] المصة المرة من مص الماء شربه شرباً رقيقاً (إلا كان لها بكل جرعة وبكل مصة حسنة) فلها بالمصة أجران من حيث أنها حسوة تخرج من ثديها أجر ومن حيث أنه يمصها الصبي أجر فالتقدير بكل جرعة حسنة وبكل مصة حسنة حذف الأول لدلالة الثاني عليه ويحتمل أن الحسنة لهما جميعاً (فإن أسهرها) المولود الدال عليه السياق (ليلة كان لها مثل أجر سبعين رقبة تعتقهم في سبيل الله) يحتمل أن يراد به القدر المعين بين العدد ويحتمل أن يراد التكثير من غير تعيين (سلامة) هو منادى حذف حرف ندائه أي يا سلامة وهو خطاب لسلامة حاضنة إبراهيم ابنه ﷺ ناداها إيقاظا لها ليصغى سمعها إلى ما يرد عليها من قوله (تدرين من أعني بهذا) أي من يثبت له هذا الأجر كأنها قالت من تريد قال (الممتنعات) جمع ممتنعة اسم فاعل من الامتناع أي عما حرم الله عليهن (الصالحات) القائمات بطاعة الله وطاعة أزواجهن (المطيعات) لله (ولأزواجهن اللواتي لا يكفرن العشير) في

стр. 1421

النهاية (١): أي يجحدن إحسان أزواجهن، والعشير الزوج المعاشر كالمصادق في الصديق لأنها معاشرة (الحسن بن سفيان طب وابن عساكر عن سلامة حاضنة السيد إبراهيم) بن محمد ﷺ بإسناد ضعيف بل قيل بوضعه (٢). ١٥٨٧ - "أما كان يجد هذا ما يُسَكِّنُ به رأسه أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه (حم د حب عن جابر) " (صح). (أما كان يجد هذا) الشعث الذي أتاه ﷺ وهو كذلك (ما يسكن به رأسه) أي من الدهن والترجيل فإنه سنة ويكون غباً (أما يجد هذا ما يغسل به ثيابه) فإنه رآه متسخ الثوب وفيه أن غسل الثوب سنة والله يحب النظافة (حم د حب عن جابر) رمز المصنف لصحته (٣). ١٥٨٨ - "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإِمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار (ق ٤ عن أبي هريرة) " (صح). (أما يخشى أحدكم) أيها المصلون في جماعة (إذا رفع رأسه) من ركوع أو سجود (قبل) رفع (الإِمام أن يجعل الله رأسَه رأسَ حِمار) وقوله: (أو يجعل الله صورته صورة حمار) شك من الراوي أي اللفظين قاله ﷺ ، وذلك أنه قد عرفهم ﷺ أنه إنما جعل الإِمام ليؤتم به وأنه إذا ركع ركعوا وإذا سجد سجدوا، فهذا الوعيد بعد علمهم بوجوب المتابعة قال المصنف في (التوشيح) وفي رواية لمسلم وجه حمار وهي من تصرف الرواة والصورة بمعنى الوجه وخص الوجه والصورة والرأس بذلك؛ لأنها وقعت الجناية بها وهل المراد بهذا المجاز وهو

стр. 1422

المسخ المعنوي بالبلادة والجهل أو الحقيقة وهو المسخ الحقيقي قولان قال: والراجح الثاني وإن لم يقع؛ لأنه لا يلزم من الوعيد الوقوع. قلت: قد حكا ابن حجر الهيتمي في فهرسته أنه وقع حقيقة لبعض شيوخه ولابن حبان: "أن يحول الله رأسه رأس كلب" (١)، وليس للاستعجال سبب غير طلب الاستعجال ودواء هذا الداء أن يعلم أنه لا يسلم قبل الإِمام فلا فائدة في الاستعجال في هذه الأفعال (ق ٤ عن أبي هريرة) (٢). ١٥٨٩ - "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه في الصلاة أن لا يرجع إليه بصره (حم م ٥ عن جابر بن سمرة) " (صح). (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه في الصلاة) إلى السماء (أن لا يرجع إليه بصره) عقوبة له على عدم خشوعه ووقاره اللذين أمر بهما في الصلاة ويأتي حديث: لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة أو لنخطفن أبصارهم" وهذا [١/ ٤٥١] الوعيد في هذا والذي قبله دليل تحريم ما قرن به وأن فاعلها آثم (حم م ٥ عن جابر بن سمرة) (٣). ١٥٩٠ - "أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه (طب عن أبي رافع) ". (أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض) أصله عند الطبراني وابن أبي شيبة وغيرهما عن أبي رافع قال: نزل برسول الله ﷺ ضيف فبعثني إلى يهودي قال: قل له إن رسول الله يقول بعني أو أسلفني إلى رجب. فأتيته فقلت له ذلك

стр. 1423

فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: "والله لو باعني أو أسلفني لقضيته إني لأمين في السماء أمين في الأرض اذهب بدرعي الحديد إليه" فنزلت هذه الآية تعزية له ﷺ : ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا﴾ الآية هذا أحد ألفاظه وفيه جواز تزكية النفس لغرض ديني (طب عن أبي رافع) (١). ١٥٩١ - "أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله (م عن عمرو بن العاصي) ". (أما علمت) يا عمرو بن العاص إذ الخطاب له (أن الإِسلام يهدم ما كان قبله) من الذنوب لأن عُمْرًا لما جاء ليسلم قال: إني أشترط أن يغفر لي فقال له ﷺ وزاده: (وإن الهجرة) من دار الكفر (تهدم ما كان قبلها) من الذنوب في دار الكفر ومن عدم الهجرة مع وجوبها (وأن الحج يهدم ما كان قبله) وهو ظاهر في هدم جميع ما ذكر حتى من حقوق العباد (م عن عمرو بن العاصي) ويقال العاص بدون ياء (٢). ١٥٩٢ - "أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى الموت فأكثروا ذكر هاذم اللذات الموت فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة وأنا بيت الوحدة وأنا بيت التراب وأنا بيت الدود فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلا أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري إلى فإذ وليتك اليوم وصرت إلى فسترى صنيعي بك فيتسع له مد بصره ويفتح

стр. 1424

له باب إلى الجنة وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا مرحباً ولا أهلاً أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلى فإذ وليتك اليوم فسترى صنيعي بك فيلتئم عليه حتى يلتقي عليه وتختلف أضلاعه ويقيض له سبعون تنيناً لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا فينهشنه ويخدشنه حتى يفضي به إلى الحساب إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار (ت) عن أبي سعيد". (أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات) تقدم ضبطه بالمهملة والمعجمة (لشغلكم عما أرى) من الاشتغال بما لا يعود نفعه (الموت) بدل من هاذم اللذات فصل بينه وبين ما أبدل منه وهو جائز، فأكثروا ذكر هازم اللذات الموت ذكر استعداد له (فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه) أي قبر كل إنسان على انفراده وظاهره أنه كلام حقيقي ولا مانع منه، وقد حمله المتكلمون على المجاز. قالوا: لأنه لو كان حقيقة يلزم منه تجويز ما المعلوم خلافه كتجويز يا هذه الصخرة خطيبًا بلغيًا وعالمًا عاملاً وهذا الإنكار منهم لا وجه له وقد أخبر الصادق عن هذه الأشياء بما (يسند إلى العقلاء) فيجب تصديقه وإبقاؤها على ظاهرها والتجويز لا يدفع ذلك وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا إيقاظ الفكرة. (أنا بيت الغربة وأنا بيت الوحدة) الذي يكون ساكني عن تنافيه وحيدًا لا أهل له ولا مال ولا صاحب ولا صديق (أنا بيت التراب) لا يكون فراش من يدخلني فجميع ما يحف به إلا التراب (وأنا بيت الدود) الذي يصير ساكني فيه دوداً. فإن قلت: هذا الذي يقوله القبر من الكلام أي فائدة فيه ونحن لا نسمعه حتى يكون فائدته الاعتبار والإيقاظ؟.

стр. 1425

قلت: فائدته أن الصادق أخبرنا به لنؤمن به ونخبر به فننزجر ونتعظ ولأنه قد يكون هذا الكلام تسبيحًا للقبر فإنه تعالى يقول: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وليس المراد التنزيه فقط بل الأعم من ذلك فهو إخبار لنا بأن هذا تسبيح القبر. (فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر مرحباً) أي أتيت محلاً رحيباً من الأرض [١/ ٤٥٢] لا ضيق فيه (وأهلاً) أتيت أهلاً لا أجانب فالرحابة في المكان لما يأتي من أنه يتسع له مد بصره والأهل ما يصحبه من عمله الصالح (أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري إليَّ) فإن الله جعل للمؤمن وداد محبة حتى عند الجمادات حقيقة كما أسلفنا في حديث حب جبل أحد له ﷺ (فإذ وليتك) هو من ولي الشيء صارت له ولاية عليه وسلطان أي إذا صرت متصرفاً فيك يجعل الله ذلك إلى (اليوم وصرت إلى) نزلت بي وصرت وطنك (فسترى صنيعي بك) وذلك أنه تعالى يأمر بحسن الصنيع وهو فعل المعروف (فيتسع له مَدَّ بصره) هو تفصيل لمجمل ما قبله (ويفتح لي باب إلى الجنة) يشاهدها من قبره وقد زاد في رواية البراء أخرجها ابن أبي شيبة في حديث طويل: "فيأتيه من طيبها وروحها ويأتيه رجل حسن الوجه والثياب طيب الريح، فيقول له: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول ومن أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: ربِّ أقم الساعة أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي". (وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر) لعله شك من الراوي وفي رواية ابن أبي شيبة: الكافر بغير شك (قال له القبر لا مرحباً ولا أهلاً أما إنك كنت لأبغض من يمشي على ظهري) فيه أن كل قبر قد تعين لمن هو له وقد عرف القبر ذلك (فإذا أوليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك) عبر بالصنيع مشاكلة وإلا فإنه لا

стр. 1426

يكون إلا في فعل المعروف (فيلتئم عليه حتى تلتقي عليه ويختلف) يتنازعان في قوله (أضلاعه) فهي الملتقية والمختلفة تلتقي الأضلاع التي في الجانب الأيمن بالأضلاع التي في الجانب الأيسر ثم تختلف فتصير كل واحدة مكان الآخر أو تلتقي ثم تختلف بأن تعود كل واحدة من الجهتين مكانها وهذه هي ضغطة القبر (١) وقد سكت عنها في حق المؤمن، وذكرت في حق الفاجر ولكن دلت الأحاديث الآخر أنه لا ينجو منها المؤمن كما أفاده حديث المسند (٢) عن حذيفة قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة فلما انتهينا إلى القبر قعد على ساقيه فجعل يردد بصره فيه ثم قال: يضغط المؤمن فيه ضغطة تزول منها حمائله ويملأ على الكافر ناراً فالحمائل عروق الأنثيين وفي المسند (٣) أيضًا من حديث جابر قال: خرجنا مع رسول ﷺ إلى سعد بن معاذ حين توفي فلما صلى رسول الله ﷺ ووضع في قبره وسوي عليه التراب سبح رسول الله ﷺ وسبحنا طويلاً ثم كبر فكبرنا فقيل: يا رسول الله لم سبحت ثم كبرت فقال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه، فهذه دالة على ثبوتها في حق المؤمن والسكوت هنا في حديث الكتاب لا يقاوم ما ذكر، فيحتمل أن هذه التي للفاجر أشد من التي تكون في حق المؤمن فذكرت هذه وتركت تلك لأنها لا تستحق الذكر بالنظر إلى هذه فلذا أهملت ويحتمل أنه ﷺ قد سأل الله تعالى أن يخفف عن المؤمن تلك الضغطة التي اتفقت لسعد واستجيب له وأن هذا الحديث [١/ ٤٥٣] متأخر من تلك الروايتين وهذا بعيد. وأخرج الطبراني (٤) عن أنس قال: توفيت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه- وسلم فخرجنا

стр. 1427

معه فرأينا رسول الله ﷺ مهتماً شديد الحزن، وجعلنا لا نكلمه حتى انتهينا إلى المقبرة فإذا هو لم يفرغ من لحده فقعد رسول الله ﷺ وقعدنا حوله، فحدث نفسه هنيهة وجعل ينظر إلى السماء ثم فرغ من القبر فنزل فيه فرأيته يزداد حزناً ثم إنه فرغ فخرج فرأيته يسري عنه وتبسم فقلنا: يا رسول الله ﷺ رأيناك مهتمًا حزينًا لم نستطع أن نكلمك ثم رأيناك سري عنك فلم ذلك؟ قال: كنت أذكر ضيق القبر وغمه وضعف زينب فكان ذلك يشق علي فدعوت الله أن يخفف عنها ففعل ولقد ضغطتها ضغطة سمعها ما بين الخافقين إلا الجن والإنس؛ فهذا يخبرك أنه ما سلم منها ابنة سيد الرسل ﷺ بعد سؤاله التخفيف (ويقيض) يثبتّ ويقدر (له سبعون تنينًا) بزنة سكين حية عظيمة (لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئًا) لما في حرارة نفسه من الشدة التي تحرق الدنيا وتمنعها من الإنبات (ما بقيت الدنيا فينهشه) بالمعجمة لسعه وعضه وأخذه بأضراسه وبالمهملة أخذه بأطراف الأسنان (ويخدشه) بالمعجميتين بزنة من خدش الجلد إذا مزقه ويستمر على ذلك (حتى يفضي به إلى الحساب) إلى يوم الحساب وهو يوم القيامة (إنما القبر روضة من رياض الجنة) لأهل الإيمان (أو حفرة من حفر النار) لأهل الكفر والفجور (١). واعلم: أنه قد شكك بعض الملاحدة ممن لا حظ له في الإيمان في عذاب القبر ووافقهم إخوانهم من أهل الابتداع وقالوا: كل حديث يخالف مقتضى العقل والحس يقطع بتخطئة ناقليه قالوا: ونحن نرى من يصلب على خشبة مدة طويلة لا يسأل ولا يجيب ولا يتحرك ولا يتوقد جسمه ناراً، قالوا: وقد نكشف القبر فلا نجد فيه ملائكة يضربون الميت بمطارق الحديد ولا نجد هناك حيات

стр. 1428

ولا ثعابين ولا نيراناً تأجج. قالوا: ومن افترسته السباع ونهشته الطيور وتفرقت أجزاؤه في أجواف السباع وحواصل الطيور وبطون الحيتان ومذارح الرياح كيف يسأل أجزاؤه مع تفرقها؟ وكيف يتصور مسألة الملكين لمن هذه صفته؟ وكيف يصير القبر عليه روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار ونحو هذا من أدلتهم الباطلة. فنقول: اعلم أن الرسل ﵈ لا يخبرون بما تحيله العقول وتقطع باستحالته بل خبرهم قسمان: أحدهما: ما تشهد به العقول. والثاني: ما لا تدركه بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها من تفاصيل البرزخ، وتفاصيل الثواب والعقاب. والواجب الإيمان بما جاء به الرسول من غير غلو فيه ولا تقصير. وثانيًا: أنه تعالى جعل الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكامًا تختص بها، فأحكام دار الدنيا جعلها [١/ ٤٥٤] على الأبدان والأرواح تبع لها وقد جعل أحكامه الشريفة مترتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافها وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها فالأرواح في دار البرزخ التي هي تباشر العذاب والنعيم والأبدان متابعة لها تألم بألمها وتنعم بنعيمها والأرواح خفية والأبدان كالقبور لها فتجري أحاكم البرزخ على الأرواح وتسري إلى الأبدان كما في دار الدنيا تجري على الأبدان وتسري إلى أرواحها. وقد أرانا الله في الدنيا نوعاً من ذلك في النائم فإن الأمر الذي يتنعم به أو يتألم به في المنام يجري على روحه أصلاً والبدن تبع له في ذلك فقد يقوى ما ينال الروح من ذلك فتظهر على البدن ظهورًا بيناً من التألم أو المتنعم فقد يرى أنه

стр. 1429

يضرب ويصبح وأثر الضرب في جسمه وقد يرى أنه يأكل وأثر الطعام في فمه ويذهب عنه الجوع والظمأ وقد ينام بين المستيقظين ويرى عجائب يخبر بها ولا يدرك من يشاهده من المستيقظين حوله شيئاً وذلك لأن هذا حكم يجري لروحه وهو منقطع عن بدنه انقطاعًا ما فإذا تجرد الروح عن البدن في البرزخ وانقطع عنه انقطاعًا أكمل من ذلك الانقطاع جرت عليه أحكامه من عذابه ونعيمه وسعة قبره عليه وضيقه أتم من حال النائم ولا يشاهده الأحياء فإذا حشرت الأجساد وكانت أحكام دار القرار على الروح والجسد جميعًا. وثالثًا: أن الله تعالى جعل أمر الآخرة وما يتصل بها غيبًا محجوبًا عن إدراك المكلفين في هذه الدار وذلك لحكمة جليلة يتميز من يؤمن بالغيب من غيره، فأول ذلك أنها تنزل الملائكة على المحتضر وتجلس قريبًا منه ويشاهدهم عيانًا ويتحدثون عنده وقد يسلمون عليه ويرد عليهم تارة بإشارته وتارة بلفظه وقد يخاطبهم ويرحب بهم، وقد روي من هذا أنواعًا يخرج عن الحصر وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥] أي أقرب إليه بملائكتنا ورسلنا ولكنكم لا ترونهم وقال: ﴿لَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ في غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الأنعام: ١٩٣] فهذا أول الأمر وهو في دار الدنيا غير مشاهد لنا ثم يخرجون روحه ولها نور كشعاع الشمس ورائحة أطيب من رائحة المسك وذلك لا يشاهده الحاضرون. ورابعًا: أن نار البرزخ من نار الآخرة ونار الآخرة ليست مثل نار الدنيا حتى يشاهدها من يشاهد نار الدنيا فهي أشد من نار الدنيا ولا ينظرها أهل الدنيا ولا يدركونها وقد يطلع الله بعض عباده عليها وثبت في الأحاديث أنه يدركها النائم وذكر ابن أبي الدنيا عن الشعبي أن رجلاً قال للنبي ﷺ : مررت ببدر فرأيت رجلاً يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة حتى يغيب في الأرض ثم يخرج

стр. 1430

[١/ ٤٥٥] فيفعل به مثل ذلك فقال النبي ﷺ : "ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة" (١). وذكر من حديث سالم بن عبد الله عن أبيه قال: بينا أنا أسير بين مكة والمدينة على راحلة إذ مررت بمقبرة فإذا رجل خارج من قبره يلتهب ناراً وفي عنقه سلسلة يجرها فقال: يا عبد الله انضح، يا عبد الله انضح فوالله ما أدري أعرفني باسمي أم كما تدعو الناس قال: فخرج آخر فقال: يا عبد الله لا تنضح يا عبد الله لا تنضح ثم اجتذب السلسلة فأعاده إلى قبره (٢). وقد سرد ابن أبي الدنيا في كتاب القبور من الروايات في هذا المعنى شيئًا واسعًا ونقل منه ابن القيم (٣) في كتاب الروح شطرًا صالحًا وذكر مما روى له من شاهد ذلك روايات جمة ثم قال: وهذه الأخبار وأضعافها وأضعاف أضعافها مما لا يتسع له الكتاب مما أراه الله بعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عيانًا، قال: وأما رؤية المنام لو ذكرنا لجاءت عشرة أسفار ومن أراد الوقوف عليها فعليه بكتاب المنامات لابن أبي الدنيا وكتاب التبيان للقيرواني وكيف ينكر هذا من يؤمن بأن جبريل ﵇ ينزل على النبي ﷺ ويسد الأفق ولا يراه أحد غيره، وقد يتمثل له رجلاً يكلمه ولا يسمعه ولا يراه من إلى جنبه ﷺ ؟ وكيف ينكر هذا من

стр. 1431

يؤمن بأن الملائكة تقطع ما بين السماء والأرض من المسافة في لحظة؟ وكيف ينكر هذا من يقر أن جبريل ﵇ كان يقرئ النبي ﷺ ويدارسه القرآن والحاضرون لا يرونه؟ وكيف ينكر هذا من يؤمن بأن الملائكة نزلت تجاهد الكفار على الخيل وتضرب منهم فوق الأعناق ولا يشاهدونها؟ وكيف ينكر هذا من يؤمن بأن لديه كاتبين للحسنات والسيئات لا يفارقانه ولا يراهما؟ وكيف ينكر هذا من يؤمن بما جاءت به الرسل من الأخبار الغائبة عنا خبر من هو يشاهدها؟ وبالجملة فإن الله تعالى قد حجب عن بني آدم أشياء كثيرة لا يدركونها في دار الدنيا والله بحكمته ولطفه حجب عن العباد عذاب القبر لأنها لا تحتمله عقولهم ولا تحتمله قلوبهم وقد ظهر ذلك فيمن أطلعه الله على ذلك، فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: بينما راكب يسير بين مكة والمدينة إذ مر بمقبرة فإذا رجل قد خرج من قبره يلتهب نارًا مصفدًا في الحديد فقال يا عبد الله انصح، يا عبد الله انصح، قال: وخرج آخر يتلوه فقال: يا عبد الله لا تنصح، يا عبد الله لا تنصح، قال: وغشي على الراكب وعدلت به راحلته إلى العرج وأصبح وقد ابيض شعره فلما كانت قلوب بني آدم لا تحتمل ذلك طواه الله عنهم، وقد يراه بعض عباده. إذا عرفت هذا عرفت أن هذه التوسعة والإضاءة والخضرة والنار ليست من جنس ما نشاهده في الدنيا وإنما هي من أمر الآخرة الذي قد أسبل الله عليه الغطاء عن العيون [١/ ٤٥٦] ليكون الإقرار به والإيمان سببًا لسعادتهم فإذا انكشف عنهم الغطاء صار عيانًا مشاهدًا وأنه لو كان الميت موضوعًا بين الناس لم يمتنع أن يأتيه الملكان فيسألانه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك، ويضربانه ونحو ذلك ويجيبهما فإنه لا يمتنع أن يرد الله إلى المصلوب روحه وإلى الغريق روحه ويسأل ويجيب وهو كذلك وقد أخبرنا الله أنه ما من شيء إلا يسبح

стр. 1432

بحمده وأزال عنا ما قصر إدراكه عن عقولنا بقوله: ﴿وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] فبهذا زال ما توهمه من جعله مجازاً عن دلالتها على صانعها فإن الدلالة مفقوهة وعرفت أنه ليس مع المنكر لعذاب القبر والمشكك فيه إلا مجرد الإباء والرد لما ثبت عن الله وعن رسوله ﷺ (ت عن أبي سعيد) (١) وحسنه. ١٥٩٣ - "أما أنا فلا آكل متكئاً (ت) عن أبي جحيفة (صح) ". (أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف شرط بمعنى إن حذف شرطها لكثرة استعمالها وعوض منه حرفها مما في خبرها يفصل بينها وبين فإنها وهي موضوعة لتفصيل مجمل نحو: أما زيد ففاضل، وأما عمرو فعالم، وقد تستعمل بمجرد الشرطية فلا تفصيل كما اختاره نجم الأئمة الرضي، وهذا الحديث يحتمل أنه من الأول والتقدير أما (أنا فلا آكل متكئًا) وأما غيري فيأكل متكئًا وهو ظاهر فيه ويحتمل أن المراد غير ذلك لأنه من الثاني أي: أما أنا فسنتي وطريقتي ذلك (٢). فلا تقدير والاتكاء كما قال القاضي عياض: هو التمكن للأكل والتقعد والجلوس له كالتربع وشبهه من الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته قال: والجالس على هيئته يستدعي أكل ويستكثر منه، والنبي ﷺ إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيًا قال: وليس معنى الحديث الاتكاء على شق عند المحققين وإنما حكى تفسيره بذلك صاحب الإكمال فخالف في هذا

стр. 1433

أكثر الناس وعبارة ابن الأثير (١) المتكئ في العربية كل من استوى قاعدًا على وطاء متمكنًا والعامة لا تعرف المتكئ إلا من مال في قعوده معتمداً على أحد شقيه. ومن فسر الاتكاء في الحديث بهذا قال: لأن الأكل كذلك مضر بالأكل فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئاته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة فلا تستحكم فيها الغذاء أو من فسره بالقعود على الأوطية والفرش قال: لأنه من جلوس الجبابرة ولأنه يستدعي كثرة الأكل ويناسب هذا الأخير ما أخرجه مسلم (٢) وأبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن بُسر قال: أهديت إلى رسول الله ﷺ شاة فقعد على ركبتيه فأكل فقال أعرابي: ما هذه الجلسة قال: إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا واختلف في كراهة الأكل للمتكئ قال الحافظ ابن حجر (٣): إذا ثبت كونه مكروهًا أو خلاف الأولى فالمستحب للآكل أن يكون جاثيًا على ركبتيه وظهور قدميه أو يجلس وينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى، قال ابن القيم (٤) في الهدي: [١/ ٤٥٧] ويذكر عنه ﷺ أنه كان يجلس متوركًا على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر اليمنى تواضعًا لله تعالى وأدبًا بين يديه قال: وهذه الهيئة أنفع صفات الأكل وأفضلها لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقه الله عليها (ت (٥) عن أبي جحيفة) وفي الكبير: حسن صحيح وأخرجه ابن النجار عن جابر. ١٥٩٤ - "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون؛ ولكن

стр. 1434

ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل (حم م هـ) عن أبي سعيد (صح) ". (أما أهل النار الذين هم أهلها) وهم الكفار لأنهم الذين يستحقون الإضافة إليها لخلودهم فيها (فإنهم لا يموتون فيها) فيستريحون من عذابها (ولا يحيون) حياة يحبونها ويتلذذون بها كما قال تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣] (ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم) هم الموحدون الذين تقدم فيهم حديث أبي هريرة بلفظ: "إذا أدخل الله الموحدين النار أماتهم فيها فإذا أراد أن يخرجهم منها أمسهم ألم العذاب تلك الساعة" فهذا الحديث كالشرح لذلك والبيان (أماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحمًا) بالفاء والحاء المهملة في القاموس (١): الفحم محركة وبالفتح وكأمير الجمر الطافئ والفحمة واحدته (أذن بالشفاعة) فيهم للرسل وغيرهم على ما فصلناه في حواشي شرح العمدة (فجئ بهم ضبائر) بالضاد المعجمة والموحدة قال في النهاية (٢): هم الجماعات في تفرقة واحدتها ضبارة مثل عمائر وعمارة وكل مجتمع ضبارة (ضبائر فبثوا) فرقوا (على أنهار الجنة ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا) من الإفاضة الصب (عليهم) أي من الماء الذي في أنهار الجنة (فينبتون نبات الحبة) بالحاء المهملة مكسورة في النهاية (٣) بالكسر بذور البقول وحب الرياحين وقيل هي نبت صغير ينبت في الحشيش والحبة بالفتح الحنطة ونحوها (تكون في حميل السيل) بالحاء المهملة المفتوحة

стр. 1435

والتحتانية المثناة في النهاية (١): هو ما يجيء به السيل من طين أو غثاء أو غيره فعيل بمعنى مفعول وإذا أينعت فيه حبَّة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة (حم م ٥ عن أبي سعيد) (٢). ١٥٩٥ - "أما أول أشراط الساعة فنار تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى المغرب، وأما أول ما يأكل أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما شبه الولد أباه وأمه فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها (حم خ ن) عن أنس (صح) ". (أما أول أشراط الساعة) جمع شرط بالفتح للواو وهو العلامة أي أول علامات قيام الساعة وهي القيامة أو الوقت الذي تقوم فيه القيامة وللساعة أشراط كثيرة والحديث لبيان أولها وأنه (فنار تخرج من المشرق) هي النار التي في حديث الترمذي (٣) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " تخرج نار من حضرموت أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس أيامًا أيامًا". وأخرج (٤) البخاري ومسلم وأبي داود عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى فأيهما كانت فالأخرى على أثرها فإنه لا ينافي هذه الأولية لأن تلك أولية ظهور الآيات وهذه أولية الحشر ولذا قال: (فتحشر الناس إلى المغرب) يجمعهم إلى جهته (وأما أول ما يأكل أهل الجنة) هذا الحديث خرج على ترتيب أسئلة اليهود الذين سألوه [١/ ٤٥٨] ﷺ عن هذه الأمور (فزيادة كبد الحوت)

стр. 1436

قد بينه حديث آخر وأوضحه (وأما شبه الولد أباه وأمه) فإنهم سألوه عن ذلك (فإذا سبق ماء الرجل) أي إلى مستقره في الرحم (ماء المرأة نزع إليه الولد) بالنون فزاي فعين مهملة في النهاية (١) نزع إليه من الشبه إذا أشبهه (وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع) الولد بالشبه (إليها) ولما أجابهم بهذا صدقوه ﷺ فهو من أعلام النبوة (حم خ ن عن أنس) (٢). ١٥٩٦ - "أما صلاة الرجل في بيته فنور، فنوروا بها بيوتكم (حم هـ) عن عمر (ح) ". (أما صلاة الرجل في بيته فنور) له ولمنزله (فنوروا بيوتكم) بالصلاة فيها لنوافلكم وتقدم الأمر بالصلاة في البيوت وأن لا تجعلوها قبورًا (حم (٣) ٥ عن عمر) وسكت عليه وقال شارحه: إنه حسن. ١٥٩٧ - "أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الكتاب حين يقال: ﴿هاؤم اقرأوا كتابيه﴾ حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم، حافتاه كلاليب كثيرة، وحسك كثير، يحبس الله بها من يشاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا (د ك) عن عائشة (صح) ". (أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً) هو جواب سؤال عائشة له ﷺ ، قالت: ذكرت النار فبكيت فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ قالت: ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فذكره (عند الميزان حتى يعلم أيخف

стр. 1437

ميزانه) أي كفة حسناته وتثقل كفة سيئاته (أم يثقل) كفة الحسنات (وعند الكتاب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ﴾) أي يقول: ذلك من أعطي كتابه بيمينه ابتهاجًا وسرورًا أي خذوا أيها الحاضرون كتابي فاقرأوه تسروا بما فيه من نجاتي والهاء من كاتبه هاء السكت (حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه) فيكون من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين (أم في شماله) فيكون من أصحاب المشأمة (أو من وراء ظهره) وهذه الثلاث الجهات التي قد ثبتت في القرآن أنها جهات إعطاء الكتاب إلا أن ظاهر كلام أئمة التفسير أن الإعطاء من وراء الظهر ومن جهة الشمال واحدة، قال المحقق أبو السعود في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠] أي يؤتى بشماله من وراء ظهره قيل: تغل يمينه إلى عنقه وتجعل شماله وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله وقيل: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره ومثله في الكشاف، وظاهر حديث الكتاب أنها ثلاث جهات ولا مانع أن يكون منهم من يعطاه بشماله من تلقاء وجهه ومنهم من يعطاه بها من وراء ظهره (وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم) على ظهرها ويكون كالجسر عليها (حافتاه) جهة يمينه ويساره (كلاليب) جمع كلوب مثل سنور وسنانير وهي حديدة معوجة الرأس (وحسك كثيرة) بالمهملتين مفتوحتان جمع حسكة وهي شوكة صلبة معروفة (يحبس الله بها) بالمذكورة (من يشاء من خلقه) عن النفوذ على الصراط ويلقى في جهنم أو يبقى محبوسًا حتى يشفع فيه أو يتفضل الله عليه (حتى يعلم) الواقف عند الصراط (أينجو عن الكلاليب) والحسك (أم لا) من هذه الثلاثة المواطن لا يذكر أحد أحد ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] (د ك عن عائشة) (١).

стр. 1438

١٥٩٨ - "أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أتتكم الساعة بغتة، بعثت أنا والساعة هكذا، صبحتكم الساعة ومستكم. أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي، وأنا ولي المؤمنين (حم م ن هـ) عن جابر (صح) ". (أما بعد) هو بضم الدال المهملة ظرف مبني على الضم عند قطعه عن الإضافة إن نوى المضاف إليه وإلا أعرب (فإن أصدق الحديث كتاب الله) تقدم فيه الكلام (وإن أفضل الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال المهملة السيرة والهيئة [١/ ٤٥٩] والطريقة (هدي محمد) فإنه المنعوت بخير طريقة وسيرة وهيئة (وشر الأمور محدثاتها) في النهاية (١): هي ما لم يكن معروفًا في كتاب ولا سنة ولا إجماع وتقدم تفسير البدعة (وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وقد قسَّم ابن الأثير (٢) البدعة إلى بدعة هدى وبدعة ضلال وتقدم، فبدعة الضلال هي ما كان على خلاف ما أمر الله به ورسوله والضلالة واحدة الضلال وهو خلاف الحق: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَاّ الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] (وكل ضلالة في النار) أي صاحبها أو هي وهو بأن تجعل جسمًا في الآخرة وتلقى هي وهو في النار (أتتكم الساعة بغتة) في النهاية (٣): البغتة الفجأة والتعبير بالماضي من باب ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ [ق: ٢٠] (بعثت أنا والساعة) عطف على ضمير بعثت المتصل وكذا أكده بالمنفصل أي وبعثت الساعة (هكذا) الهاء للتنبيه والكاف للتشبيه وذا اسم

стр. 1439

الإشارة أي تماثل وتشابه اجتماعنا أنا والساعة في البعثة وشأنها والمشار إليه هو ما فسر به الأحاديث الأُخَر من إشارته ﷺ بالسبابة والوسطى (صبحتكم الساعة ومستكم) في أحد الوقتين وهو من البيان لقربها ودنوها (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه) هو من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] والإطلاق ظاهر في أنه أولى بهم في أمور الدنيا والآخرة فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وحكمه أنفذ عليهم من حكمها وحقه أكثر لديهم من حقوقها وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم على أنفسهم ثم أبان ﷺ أنه مع هذه الأولوية والأحقية منزه نفسه عن أموالهم فقال (من ترك مالاً فلأهله) وهذا إفضال منه ﷺ على الورثة وإلا فظاهر الأولوية أنه أحق بها وزاد ﷺ في الإفضال والتكرم يحمل الدين عنهم كما قال (ومن ترك دينًا عليه أو ضياعًا) بفتح الضاد المعجمة عيالاً يعولهم بالنفقة (فإلي ضياعهم) أقوم بكفايتهم (وعليَّ دينهم) أقضيه، فهو لف ونشر مشوش ويحتمل أنه مرتب من ترك دينًا فإلي قضاؤه أو ضياعًا فعلي كفايتهم ويحتمل أنهما متنازعان فيهما (وأنا أولى بالمؤمنين) تأكيد لما سلف وهذا الذي له وعليه لازم للخلفاء بعده (حم م ن ٥ عن جابر) (١). ١٥٩٩ - "أما بعد، فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكن أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وآكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب (خ) عن عمرو بن تغلب (صح) ". (أما بعد فوالله) تأكيد للخبر (إني لأعطي الرجل وأدع الرجل) العطية (والذي أدع) أترك إعطاؤه (أحب إلي من الذي أعطي) فليس إعطاؤه دائرًا على

стр. 1440

مقدار الأحبية وكأنه قيل: لماذا؟ قال: (ولكني أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع) هو أشد الجزع والضجر وهؤلاء هم المؤلفة قلوبهم (وآكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنا والخير) فلا جزع فيها ولا هلع (منهم عمرو بن تغلب) بالمثناة مفتوحة والغين المعجمة آخره موحده أي من الذين أكلهم إلى ما جعل الله في قلوبهم وفيه فضيلة لهذا الصحابي بأنه تعالى جعله من ذي القلوب الغنية المملوءة خيراً (خ عن عمرو بن تغلب) وفيه قصة (١). ١٦٠٠ - "أما بعد، فما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط. قضاء الله حق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق (ق ٤) عن عائشة (صح) ". (أما بعد فما بال أقوام) [١/ ٤٦٠] ما شأنهم (يشترطون شروطًا) في البيوع ونحوها (ليست في كتاب الله) في النهاية (٢) أنها ليست على حكمه ولا على موجب قضاء كتابه ومن قضاء كتابه إتباع رسوله وقد حكم بأن الولاء لمن أعتق، وسببه أن بريرة جاءت إلى عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من مكاتبها شيئاً فقالت عائشة: ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابك ويكون ولاءك لي فعلت، فذكرت ذلك لأهلها فأبوا وقالوا: إن شاءت ابتياعك فعلت ويكون ولائك لنا فذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ابتاعي واعتقي فإنما الولاء لمن أعتق ثم قام خاطبًا فقال: "ما بال أقوام ... " الحديث. (ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) فإنه لا حكم لما خالف أمر الله كثر أو قل (قضاء الله أحق وشرط الله أوثق) في النهاية (٣): يريد
следующие страницы →