← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122096

التنوير شرح الجامع الصغير

الصنعاني

Полный текст (6 289 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إلا أنه شهد له ما رواه البيهقي في (الشعب) (١) عن أبي مسعود المذكور ولفظه: (أن آخر ما بقي من النبوة الأولى) إلى آخر ما هنا، بل رواه البخاري (٢) عن أبي مسعود أيضًا بلفظ إن آخر ما أدرك الناس. آخره. ٧ - " آخر ما تكلم به إبراهيم حين ألقي في النار "حسبي الله ونعم الوكيل" (خط) عن أبي هريرة، وقال: غريب. والمحفوظ عن ابن عباس موقوفاً". (آخر ما تكلَّم به إبراهيم) خليل الله (حين ألقي في النار) التي أعدها له نمرود وقومه؛ ليحرقوه ورموه في المنجنيق (حسبي الله) كافيني عن ناركم وغيرها (ونعم الوكيل) الموكول إليه، والحسب الكافي، والوكيل الكفيل، بأرزاق العباد، وحقيقته أنه المستقل بأمور الموكول إليه، قاله في (النهاية) (٣)، وحذف مخصوص نعم، وهو يحذف كثيراً، وما قيل أنه من عطف الإنشاء على الأخبار، ففيه أجوبة كثيرة، أقربها: أن التقدير وهو نعم الوكيل على أنها جملة اسمية خبرية، حذف صدرها، فهو من عطف الأخبار على الأخبار، وهاتان الكلمتان هما كلمتا التفويض إلى من بيده كل خير، وهما اللتان قالهما المؤمنون حين قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ثم أخبر الله تعالى أنهم انقلبوا بنعمة من الله وفضل، كما انقلب الخليل بنعمة من الله وفضل سالمًا من نار عدوه، فهو إرشاد منه ﷺ إلى أنه بقولهما من وقع في مهم من الأمور كما قالها الخليل: (خط (٤) عن أبي هريرة، وقال الخطيب: غريب) الغريب في عرف المحدثين: ما تفرد به من يجمع حديثه لعدالته وضبطه كحديث الزهري إذا انفرد، وقسموه إلى صحيح وغير صحيح (والمحفوظ عن ابن عباس) هو حيث

стр. 177

أطلق بحر الأمة وترجمان القرآن، وهو: أبو العباس عبد الله بن عباس بن عم المصطفى ﷺ ، توفي ﷺ وله ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشر، كان خير هذه الأمة وعالمها، ودعا له النبي ﷺ بالحكمة والفقه والتأويل، [ص: ١٦] كف بصره آخر عمره، ومات بالطائف سنة ثمان وستين وهو ابن سبعين سنة، وصلَّى عليه محمد بن الحنفية (١) (موقوف) الموقوف في عرفهم أيضًا، ما روي عن الصحابي من قول أو فعل متصلاً كان أو منقطعًا, وليس بحجة إن كان للاجتهاد، فيه مسرح وإلا فهو حجة على الأصح، وهو هنا كذلك، إذ لا يقال مثله بالرأي، وهذا الموقوف صحيح فقد أخرجه البخاري في صحيحه عنه بلفظ: (كان آخر قول إبراهيم (٢) ...). ٨ - " آخر أربعاء في الشهر يومُ نَحْسٍ مستمر (وكيع في الغرر، وابن مردويه في التفسير، (خط) عن ابن عباس". (آخر أربعاء) تثليث الموحدة وبالمد (في الشهر يوم نحس) بالإضافة وعدمها أي شؤم وبلاء (مستمر) يحتمل أنه آخر كل شهر، والمراد أنه تعالى قدر شؤمه بما ينزل فيه من العقوبة على العصاة والعتاة، وأنه المراد بشؤمه كما أنه تعالى قدر نزول البركات في ليلة القدر، وليلة النصف من شعبان، وقدر قيام الساعة أي: القيامة في يوم الجمعة ونحو ذلك، فهو يوم نحس على العصاة تحل بهم العقوبة فيه، أو تحل قريبًا من دارهم، لا أنه يوم يتشاءم به، ويتطير به، ويترك فيه الأعمال كما يصنعه كثير من أهل مكة وجدة، في آخر أربعاء من شهر صفر يتعطلون فيه عن الأعمال، ويبقون كالمحابيس، ولا ندري ما مستندهم وما وجه تخصيص هذا الأربعاء عن نظائره، ويحتمل أنه ورد في قوم عاد، والأخبار أنهما أرسلت عليهم الريح العقيم في يوم الأربعاء في آخر الشهر كما في كتب

стр. 178

التفسير، وأنه عليهم يوم نحس مستمر هلكوا فيه، وشمل صغيرهم وكبيرهم بالعقوبة والنحس، ويكون الحديث واردًا بيانًا لكلامه، وتفسيرًا لها؛ كأنه قال ﷺ يوم النحس الذي حكاه الله هو آخر أربعاء في الشهر، والأول أقرب (وكيع) بفتح الواو وآخره مهملة, ابن الجراح هو الإمام المثبت محدث العراق، قال الذهبي: وثقوه، إلا أنه كان يشرب النبيذ وأطال الثناء عليه، مات سنة سبع وتسعين ومائة (١) (وابنَ مرْدُويه) بفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة، هو الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى صاحب التاريخ والتفسير وغير ذلك، كان عالمًا بهذا الشأن، بصيراً بالرجال، طويل الباع مليح التصانيف، ولد سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ومات سنة عشر وأربعمائة ﵀ (٢)، (في التفسير خط عن ابن عباس) سكت عنه المصنف، وفيه مسلمة بن الصلت، قال أبو حاتم: متروكٌ، وجزم ابن الجوزي بوضعه، وقال ابن رجب: حديث لا يصح، ورواه الطبراني من طريق آخر عن ابن عباس موقوفاً، قال السخاوي: طرقه كلها واهية (٣).

стр. 179

٩ - " آدم في السماء الدنيا تعرض عليه أعمال ذريته، ويوسف في السماء الثانية، وابنا الخالة يحيى وعيسى في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة (ابن مردويه عن أبي سعيد". (آدم في السماء الدنيا) إخبار عن محل آدم وغيره من الأنبياء ﵈ في السماوات والدنيا القربى من الأرض (تعرض عليه أعمال ذريته) حسنها وقبيحها كما يقتضيه اللفظ العام، وكأنه يعرض عليه كتاب الأعمال، فلا حاجة إلى القول بأنها تشكّل بأشكال يخصها، وإلا فهي أعراض، ولعل الحكمة في عرضها عليه سروره برؤية حسنها، وسؤاله لمن أتي بالقبيح منه الهداية والتوفيق، وهل ذلك كل يوم أو نحوه، لا دليل على تعيين شيء من ذلك (ويوسف في السماء الثانية) في رواية الشيخين بحديث الإسراء (١) أنَّ يوسف في الثالثة، وفي الثانية يحيى وعيسى ﵈، والظاهر أن هذا الإخبار عن رؤيته ﷺ إياهم ليلة الإسراء، فإن هؤلاء الثمانية من الرسل ﵈ هم المذكورون هنالك كما هنا، والترتيب الترتيب إلا في هذا وجميع روايات الإسراء مخالفة؛ فلينظر في ذلك، (وابنا الخالة يحيى وعيسى) كل واحد منهما ابن خالة الآخر، وذلك لأن أم يحيى إيشاع بنت عمران أخت مريم، (في السماء

стр. 180

الثالثة) قيل: والحكمة في أنهما أسكنا في سماء واحدة بخلاف سائر السماوات فما فيهما إلا نبي واحد، أنه لابدَّ من نزول عيسى إلى الدنيا آخر الزمان فيبقي يحيى لئلا تخلو سماء من نبي (وإدريس في السماء الرابعة) وبه فسر تعالى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] وتلاها ﷺ بعد هذا في بعض روايات الإسراء عند أحمد ومسلم كالمفسر للآية (١) [ص:١٧]. وهذا يعارض ما رواه ابن مردويه والطبراني من رواية ابن عباس أنه في السماء السادسة إلا أنَّ هذا أرجح لموافقتها رواية الإسراء: "وهارون في السماء الخامسة, وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة" في هذا دليل على تفضيل الله لرسله بعضهم على بعض وأن خليله إبراهيم أرفع الأنبياء مقامًا، وزاد في حديث الإسراء مسندًا ظهره إلى البيت المعمور وأنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه. إن قلت: هل هذا إخبار عن مستقر أرواح الرسل ﵈، أو عن أبدانهم معها؟ الأول: لا يناسبه ما في الروايات من أنه رأى يوسف قد أعطي شطر الحسن، ومن أنه بكى موسى حين رآه، ومن إسناد الخليل ظهره, ومن خطابهم له ﷺ وترحيبهم، فإن هذه هيئات الأجساد، التي فيها الأرواح. والثاني: يأباه ما ثبت من أنهم في قبورهم أحياء يصلون، ولذلك شرعت لهم الزيارة، ورد السلام والذي في القبور الأبدان بلا كلام، وأيضًا فقد ثبت أنه لا

стр. 181

موت إلا الموتة الأولى إلا من استثناه ربه فيلزم لهم موتة أخرى، وهذا السؤال ليس بخاص بهذا، بل يرد في نظائر، مثل كون الخليل ﵇ يكفل أطفال المسلمين، وأنَّهم أحياء وأشباه ذلك. قلت: الجواب عن هذا: ما أفاده ابن القيم (١) في كتاب (الروح) ما حاصله: أن للأرواح شأنًا آخر تكون في الرفيق الأعلى في أعلى عليين، ولها اتصال بالبدن بحيث إذا سلم المسلم على الميت رد الله عليه روحه فيرد ﵇، وهي في الملأ الأعلى، وإنما يغلط أكثر الناس في هذا الموضع، حيث يعتقد أن الروح من جنس ما يعهد في الأجسام الذي إذا أشغلت مكانًا لم يكن أن تكون في غيره، فالروح في السموات وترد إلى القبر وتتصل به وتعرف الزائر، وترد ﵇ وهي في أعلى عليين، نحو روح رسول الله ﷺ في الرفيق الأعلى، وإنما يردها الله سبحانه إلى القبر فيرد السلام على من سلم عليه، وقد رأى النبي ﷺ موسى ﵇ قائمًا يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة أو السابعة، فإما أن تكون سريعة الانتقال والحركة كلمح البصر، وإما أن يكون المتصل منها بالقبر وفنائه بمنزلة شعاع الشمس وجرمها في السماء، وبهذا ندفع ما توهمه السائل من التعارض بين كونهم في القبر وفي السماوات، ويظهر أن الرؤية ليلة الإسراء والإخبار بأنَّ هؤلاء الرسل في السماء إنما هو للأرواح دون الأبدان، وأن الأرواح تكيف بكيفية يُدركها الرائي عليها، كالحسن ليوسف، والاستناد لإبراهيم، ويتضح هذا بما ذكره ابن القيم (٢) أيضًا من أن الأرواح حيّة لا تذوق الموت، وأن موت الأرواح هو خروجها من الأبدان، وأن كل روح متميزة عن الأخرى تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها، وأنَّ الحق أن الأرواح أجسام نورانية، فهذه

стр. 182

ثلاثة أطراف قد عقد في كتاب الروح بكل طرف منها مسألة واستدل له بما لا مدفع له، وحينئذ فعرفت أن رؤيته ﷺ كانت لهذه الأرواح متميزةً بما أخذت كل روح من صفات أجسامها ما به تعرف، وأنها هي التي رحبت به وخاطبته، وأن إسناد الظهر ونحوه هو لتلك الأجسام النورانية، وإنها لا تموت الأرواح إلا بخروجها من الأبدان، وليس إلا مرة واحدة, وإذا عرفت هذا التحقيق، عرفت اجتماع تشمل الأحاديث وأنها تصدق بعضها بعضًا، ولله الحمد، وإذا قدرت مقدار هذا البحث نفعك في كثير مما يأتي وقد استوفيناه هنا ولعلنا لا نعيده (١). واعلم أن رؤيته ﷺ لهؤلاء الأنبياء ﵈ وإخباره عنهم بخصوصهم، ولم يذكر إسماعيل ولا داود ولا غيرهم من سائر رسل الله [ص:١٨]، مع أن مستقرهم الجميع السماوات العُلا، إما إنهم الذي واقف من ورائهم في مسراه، أو خصوصية جعلها الله لهم بلقائه صلوات الله عليهم أجمعين، (ابن مردويه عن أبي سعيد) سكت عليه المصنف، وإسناده (٢) ضعيف، لكن المتن صحيح، فإنه قطعة من حديث الإسراء المتفق عليه من حديث أنس كما سبقت الإشارة إليه، إنما بينه وبين هذا اختلاف في الترتيب وبعض الألفاظ (٣). ١٠ - "آفة الظرف الصلف، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة العبادة الفترة وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة الحسب الفخر، وآفة الجود السرف (هب) وضعفه عن علي".

стр. 183

(آفة) الآفة العاهة أو عرض مفسد لما أصابه (الظرف) بفتح الظاء وسكون الراء هو الكياسة، (الصلف) بفتح المهملة والسلام: التكلم بما يكرهه صاحبك، والتمدح بما ليس عندك، أو مجاوزة حد الظرف والإدعاء فوق ذلك تكثرًا، وهو تحذير من إفساد ما أوتيه الظرف بهذه الآفة (وآفة الشجاعة) وهي: قوة القلب، وثباته البغي أي العاهة التي تفسد الشجاعة (البغي) وهو: تجاوز الحد والتعدي والظلم (وآفة السماحة) الجود والكرم (المن) تعديد النعم على المنعم عليه فانفسد به صفة الجود (وآفة الجمال) الحسن في الخَلق والخُلق (الخيلاء) بضم الخاء المعجمة والمد العجب والكبر والتيه (وآفة العبادة الفترة) بكسر الفاء مصدر فتر فتورًا، سكن بعد حدة، ولان بعد شدة، وهذه الآفة لا تلحق الملائكة لقوله تعالى: ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، (وآفة الحديث) ما يتحدث به وينقل (الكذب) الإعلام بالشيء على خلاف ما هو عليه، فإنه يفسد الحديث لأنه لا يوثق به (وآفة العلم) وهو حصول صورة الشيء عند العقل (النسيان) هو زوال صورة الشيء عن الحافظة فإنه يفسد العلم (وآفة الحلم) وهو الوقار أي: عدم العجلة والإثارة من غير إفراط ولا تفريط (السفه) الخفة والطيش (وآفة الحسب) بفتح المهملتين هو ما يعده الإنسان من المآثر، وقيل: إنه الشرف في الآباء وما يعده الإنسان من مفاخرهم (الفخر) إدعاء العظم والتمدح (وآفة الجود السرف) التبذير والإنفاق في غير طاعة وتجاوز المقاصد الشرعية، ولا يخفى أن الجود والسماحة أخوان، وإن اختلفا باعتبار ما فذكرهما لأن مفسدة المن عائده على العطية بعد إطلاق اليد بها، وإخراجها، ومفسدة السرف عائدة إلى المال المنفق منه. واعلم أنه ﷺ عدَّ هذه العشر الآفات لهذه العشر الشريفة من الصفات، وليس المراد مجرد الإخبار بأن هذه تفسد هذه فقط، بل المقصود الحث على تجنب المفسدات المذكورة والتخلق بهذه الصفات المحمودة، وتكميل ما وهبه الله

стр. 184

منها لعبده، كالجمال يصونه عمَّا يفسده من الخيلاء ونحوه من الخصال المذكورة يكمل بالتنزه عن أضدادها، (هب وضعفه) (١) قال السخاوي (٢): وفيه مع ضعفه انقطاع (عن علي) (٣) هو أبو الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، وأمه فاطمة بنت أسد، أسلمت وهاجرت، وهو أوَّل من أسلم من المذكور في أكثر الأقوال، وصفاته الشريفة وخلاله المنيفة شهيرة معروفة، ومن أراد استيفاء أحواله فقد أودعنا من ذلك الكثير الطيب في (الروضة الندية شرح التحفة العَلَوية) (٤) استشهد صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربعين من الهجرة، وسِنُّه ثلاث وستون سنة، وقيل: أكثر، وخلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأيامًا, وليس في الصحابة من سمي عليًّا إلا أربعة ليس منهم علي بن أبي طالب سواه، وإذا أطلق في الكتب الحديثية فهو المراد كما أطلق هنا، وهذا الحديث قد أخرجه الطبراني بتقديم وتأخير من حديث علي أيضًا، قال الهيثمي: فيه أبو رجاء كذَّابٌ. ١١ - " آفة الدين ثلاثة: فقيه فاجر، وإمام جائر، ومجتهد جاهل (فر) عن ابن عباس". (آفة الدين) أي العاهة التي توهن أمر الدين وتضعفه ثلاثة، أجمل أولاً ثم فصل ثانيا إعلامًا بعظمة ما يلقيه إلى السامع (فقيه فاجر) الفجور الانبعاث في المعاصي، وذلك لأنه يقتدي بفجوره العامي وغيره، فيسرى فساده في العامة

стр. 185

والخاصة بل غالب فساد أبناء الملوك من فقهاء الفجور ولذا قدم على قوله (وإمام جائر) مائل عن نهج الاستقامة، وذلك أن الإمام [ص: ١٩] إذا حاد أفسد أمر الدين، وغيَّر شرائع سيد المرسلين وتابعه على جوره في الرعايا أعوانه، فاتسع خرق الفساد ومجتهد في العبادة والطاعة جاهل بل يجتهد في طاعته خبطًا وجزافًا، وإفساد للدين لأنه يراه من يعتز به فيقتدي به، ويمل ميلته فيكون من الذين ضلوا وأضلوا، وملئوا الدنيا بما يبتدعونه، وهل أفسد دين الإِسلام إلا جهلة الصوفية وأئمة الفجور وفقهاء السوء، وأشار إلى ذلك من قال، وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها، وقد أفاد ﷺ إلى أن العلم والرئاسة والعبادة قد تكون مفاسد للدين إذا صحبها الجور والفجور والجهل، فهؤلاء الثلاثة بإفسادهم الأديان يحملون أوزارهم وأوزارًا مع أوزارهم (فر عن عبد الله بن عباس) (١) سكت عليه المصنف، وهو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية نهشل بن سعيد عن الضحاك، ونهشل قال الذهبي في الضعفاء: قال ابن راهويه: كان كذَّابًا، والضحَّاك لم يلق ابن عباس. ١٢ - " آفة العلم النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير أهله (ش) عن الأعمش مرفوعاً معضلا وأخرج صدره فقط عن ابن مسعود موقوفًا". (آفة العلم النسيان) تقدم، وهل يرادفه السهو؟ قيل: هما مثلان، وقيل: بينهما تغاير (وإضاعته أن تحدث به غير أهله) هم الذين لا يلقون له سمعًا ولا يرفعون له رأسًا ولا يعملون به إن عرفوه، فإن أهل العلم هم العاملون به، الحراص على سماعه، وكتبه والدعاء إليه، وإذا عرفت أن هذه إضاعته وهو أنفس من المال

стр. 186

وإضاعة المال منهي عنها كما يأتي فالنهي عن إضاعة العلم أولى وآكد، فحقيق على من علمه أن لا يضيعه ويحرم عليه إضاعته، وأما حديث: "يبلغ الشاهد الغائب"، وحديث: "من كتم علمًا" فالمراد بهما عن أهله وإلى أهله، أو المراد مما يجب إبلاغه لإقامة الحجة على سامعه، فقد كانت الرسل تحدث من لا يقبله ولا يعد من أهله؛ لإقامة الحجة عليهم (ش عن الأعمش) (١) بالعين المهملة والسين المعجمة، هو: الحافظ الثقة شيخ الإسلام أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش، الإمام المشهور، كان ثقة عالمًا فاضلاً، أدرك من الصحابة أنس بن مالك ولم يأخذ عنه شيئًا, ولد سنة ستين من الهجرة، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة (مرفوعًا) (٢) هو في الاصطلاح: ما رُفع إلى النبي ﷺ من الأحاديث صحيحًا كان أو غير صحيح، ويقابله الموقوف، ونُصِب على أنه حال من ضمير المفعول الذي حذف مع عامله، إذ الأصل أخرجه مرفوعًا، وكذلك نُصِب على الحالية (معضلاً) وهو بضم الميم وفتح الصاد المعجمة وهو في الاصطلاح: ما سقط من إسناده اثنان على التوالي (وأخرج ابن أبي شيبة صدره) إلى قوله: "آفة العلم النسيان" (عن ابن مسعود) هو حيث أطلق عبد الله بن مسعود العالم الرباني الصحابي المعروف، أحد العبادلة، كنيته أبو عبد الرحمن، كان سادس من أسلم، كان من خواص رسول الله ﷺ ، وكان صاحب سره وسواكه ونعله وطهوره في

стр. 187

السفر، هاجر إلى الحبشة، وشهد بدرًا وما بعدها، وكان يشبه بالنبي ﷺ في هديه ودله، مات بالمدينة، ودُفن بالبقيع، وله بضع وستون سنة (١) (موقوفًا) تقدم بيانه وللحديث طرق يتقوى بتعددها. ١٣ - " آكل الربا، وموكله, وكاتبه، وشاهداه، إذا لمسوا ذلك، والواشمة، والموشومة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد يوم القيامة (ن) عن ابن مسعود (صح) ". (آكل الربا) هو اسم فاعل من أكل، والربا: في الأصل الزيادة، ربا الماء يربوا إذ ازداد وارتفع، والاسم الربا مقصور، وهو في الشرع الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع، أفاده ابن الأثير (٢). والمراد بالأكل مطلق الانتفاع، وإنما عبر به لأنه أكثر ما يستنفع به في الاستهلاكات، والتعبير بذلك في القرآن كثيراً ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] , ونحوه (وموكله) اسم فاعل أيضًا من المزيد مثل مخرج من أخرج من أكله الشيء أطعمه إياه، والمراد الممكن منه غيره، وفيه دليل على: ما حرم أخذه حرم إعطاؤه، وقد عدها الفقهاء من القواعد وفرعوا عليها كثيراً من الأحكام، ولكنهم استثنوا منها مسائل، مثل الرشوة للحاكم ليصل إلى حقه، وفك الأسير، وإعطاء الشيء لمن يخاف هجوه، وكاتبه: كاتب الربابين المرابين (إذا علموا ذلك) قيد للثلاثة؛ لأنه لا إثم مع الجهل، ويأتي زيادة الشاهد (١). والواشمة اسم الفاعل من وشم بالمعجمة، يقال: وشم يشم إذا غرز الإبرة في البدن، وذر الكحل عليه ليبقى أثره، والموشومة المفعول بها ذلك الوشم للحسن قيد واقع، إذ لا يكون الوشم إلا لذلك، وما في حديث ابن مسعود في

стр. 188

ذلك زيادة المغيرات خلق الله، وقد استشكل هذا الشيخ عز الدين بن عبد السلام بالحناء، وقال: إنه صبغ للبدن كصبغ الوشم وتغيير لخلق الله أيضًا, ولم يجب عنه, قلت: ولك أن تجيب عنه بالتفرفة بأن الحناء والاختضاب به ما هو إلا كلبس ثياب الزينة يعلو وثم يزول، فلا تغيير فيه لخلق الله بخلاف الوشم، فإنه لا يزول من البدن أبدًا, ولأنه لا يحصل إلا بالإسلام الشديد، وإن كان الحديث لم يتعرض للتعليل به فمعلوم أنه منهي عنه إلا لحاجة إصلاح البدن بإزالة ما يؤذيه بقاؤه كالحجامة (ولاوي الصدقة) اسم فاعل من لوي يلوي إذا منع أي مانع صدقة الفرض؛ لأنها المراد عند الإطلاق (والمرتد أعرابيًّا بعد الهجرة) بالعين المهملة والراء نسبة إلى الأعراب، وهم سكان البادية، وفي النهاية (١): أن التعريب بعد الهجرة هو أن يعود إلى البادية، ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرًا، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد (ملعونون على لسان محمد يوم القيامة) هو خبر أكل الربا وما عطف عليه، أي مبعدون عن رحمة الله في يوم القيامة، وهو وعيد شديد، فإنَّ يوم القيامة يرجى فيه الرحمة، ويكون لله تعالى فيه تسعة وتسعون رحمة، فإذا لعنوا في ذلك اليوم فهو أشد الوعيد، وهو يحتمل أنه أريد بلعنه هو ﷺ لهم، أو بأنه يخبر أن الله تعالى لعنهم، ويأتي الاحتمالان في قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ ...﴾ الآية. [المائدة: ٧٨]. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: يحتمل هذا وأمثاله مثل قوله: "لعن الله السارق" (٢)،"لعن الله من غيَّر منار الأرض" (٣)، على أن ذلك ليس دعاء منه ﷺ بالإبعاد، بل إخبار بأنَّ الله تعالى لعن هؤلاء؛ لأنه ﷺ لم يبعث لعَّانًا، وقد قال ﷺ :

стр. 189

"المؤمن لا يكون لعانًا" (١). قلت: ولأنه ﷺ قد سأل الله أن من دعا عليه أن يجعل دعاءه عليه رحمةً له، فيلزم لو كان هذا إنشاء منه ﷺ أن يكون دعاء للمذكورين بالرحمة ومعلوم أنه غير مراد (ن عن ابن مسعود (٢)) رمز لصحته، وقد رواه عبد الله بن أحمد والبيهقي وأبو يعلى والطبراني وابن حبان وابن خزيمة كلهم من حديث الحارث الأعور عن ابن مسعود، والحارث ضعيفٌ وقد وثق. قلت: قد بينا كلامهم في الحارث المذكور وما عليه من رسالتنا (ثمرات النظر في علم الأثر) (٣) بما يقتضي توثيقه، وقد رواه ابن خزيمة عن مسروق عن ابن مسعود فإسناده صحيح. ١٤ - " آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد ابن سعد عن عائشة" ح. (آكل) مضارع أكل كما يأكل العبد أي (كما يأكل العبد) الذي ليس له صفة إلا العبودية، فلا آكل أكل المترفين، وملوك الدنيا, ولا أقعد قِعْدتهم وقت الأكل، وقد بينها بقوله فيما يأتي: (أما أنا فلا آكل متكئًا)، ويحتمل أن المراد بأكل العبد المأكول نفسه أي يأكل ما وجد ولا يتطلب ما يعدوه وكانت هذه صفته ﷺ في الأمرين: الهيئة والمأكول، (وأجلس كما يجلس العبد) متواضعًا متخشعًا، وصدر الحديث أنه قال ﷺ لعائشة: "يا عائشةُ لو شئت لسارت معي جبال

стр. 190

الذهب، أتاني ملك وإن حجرته تساوي الكعبة فقال: إن ربَّك يقرئك السلام، ويقول لك: إن شئت نبيًّا ملكًا" [ص: ٢١]، وإن شئتَ نبينًا عبدًا، فأشار إليَّ جبريل، ضع نفسك، فقلتُ: نبيًّا عبدًا)، قالت: فكان بعد ذلك لا يأكل متكئًا، ويقول: (آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) (ابن سعد) (١) هو الحافظ العلامة عبد الله بن سعد البصري مولى بني هاشم، مؤلف الطبقات الكبرى والصغير, ومصنف التاريخ، ويعرف بكاتب الواقدي، وكان كثير العلم، كتب الكثير: كتب الفقه والحديث والغريب، توفي في جمادى سنة ثلاثين ومائة ﵀ (٢)، (عن عائشة) هي بالهمز، وقراءتها بالمثناة التحتية لحن، وهي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق كانت فقيهةً عالمةً فاضلةً، يرجع إليها الصحابة، وهي كثيرة الحديث عن رسول الله ﷺ ، عارفة بأيام العرب وأشعارها، خطبها النبي ﷺ وتزوجها بمكة في شوال سنة عشر من النبوة، ولها ست سنين وأعرس بها في المدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة، ولها تسع سنين، وروى عنها عددٌ كثيرٌ من الصحابة وغيرهم، ماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، وكان خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية (٣). والحديث رمز المصنف لحسنه، ورواه البيهقي عن يحيى بن أبي كثير

стр. 191

مرسلاً، ورواه هناد عن عمرو بن مرة, وزاد: "فوالذي نفسي بيده لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء". ١٥ - " آل محمد كل تقي (طس) عن أنس (ض) ". (آل محمد كل تقي) أصله أهل قلبت الهاء همزة على قول، وآل الرجل: أهله وأولياؤه، وأتباعه، كما في القاموس (١): فيحتمل أنه يريد بهم هنا أتباعه، وأن أتباعه حقيقة هم الأتقياء، ويحتمل أن يراد بهم أهله، وأن المراد أن آله هم الأتقياء، فإنهم المستحقون لهذه الإضافة، وهذا الشرف فإنه من لم يكن منهم تقيًّا ليس جديرًا بأن يعد من آله، ويضاف إلى كماله، وإن كان من آله لغة، ويرشد إلى هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] على أحد الوجهين (طس) (٢) وكذا في الصغير (عن أنس) رمز المصنف لضعفه، ورواه ابن لال، وتمام، والعقيلي، والبيهقي، والحاكم في (تاريخه) قال الهيثمي: وفيه نوح بن أبي مريم ضعيف جدًّا، وقال البيهقي: لا يحل الاحتجاج به، وقال ابن حجر: سنده واه جدًّا، وقال السخاوي: أسانيده كلها ضعيفة. ١٦ - " آل القرآن آل الله (خط) في رواة مالك عن أنس" (ض). (آل القرآن) أهله، وهم حفظته العاملون به، المتقيدون لأوامره ونواهيه الناظرين في حقائقه ومعانيه (آل الله) أي أولياؤه أضيفوا إلى القرآن تشريفًا لهم،

стр. 192

وأضيفوا إلى الله تعظيمًا لهم وتكريمًا، (خط في رواة مالك عن أنس (١)) رمز المصنف لضعفه، وذلك لأنه من رواية أحمد بن بزيغ عن مالك عن الزهري عن أنس وابن بزيغ مجهولٌ. ١٧ - " آمروا النساء في بناتهن (د هق) عن ابن عمر (ح) ". (آمروا) بالمد وميم مخففة مكسورة (النساء في بناتهن) قال في النهاية (٢): شاورُهن في تزويجهن؛ لأن في ذلك استطابة أنفسهن، وهو أدعى إلى الألفة بين الزوجين، ودفعًا لما يترقب من الوحشة بينهما إذا لم يكن الزواج عن رضا الأم، إذ البنات إلى الأمهات أميل، ولأن الأم ربما علمت من حال ابنتها أمرًا لا يصلح معه النكاح يجهله الأب، والأمر للإرشاد والندب كما في النهاية, ويحتمل: الوجوب وهو الأصل (د هق عن ابن عمر (٣)) رمز المصنف لحسنه. ١٨ - " آمروا النساء في أنفسهن، فإن الثيب تعرب عن نفسها. وإذن البكر صمتها (طب هق) عن العرس بن عميرة" (ح). (أمروا) هو بزنة الأول، والخطاب للأولياء (النساء) أي المكلفات (في

стр. 193

أنفسهن) أي شاوروهن في تزويجهن (فإن الثيب) من ثاب إذا رجع لرجوعها عن الزوج الأول، أو لأنها ترجع إلى الزواج مرة أخرى (تعرب) بالعين المهملة مخففة من الإعراب، الإبانة أي تبين وتوضح، قال في النهاية (١): قال أبو عبيد: الصواب تعرّب بالتشديد عربت عن القوم إذا تكلمت عنهم، قال ابن قتيبة: الصواب بالتخفيف وكلا القولين لغتان مستويتان (عن نفسها) لعدم غلبة الحياء عليها لما سبق لها من مخالطة الرجال (وإذن البكر) هي التي لم يوطأ في قُبلها (صمتها) شبه بالإذن، ثم جعل إذنًا شرعًا وأفاد أن الولي لا يزوج المرأة إلا بإذنها، الثيب بنطقها، والبكر بصمتها، فإن نطقت بالإذن كان أبلغ، قال أبو محمد بن حزم (٢): لا يصح أن تزوج إلا بالصمات، قال ابن القيم (٣): وهذا هو اللائق بظاهريته، (٤) (طب (٥) هق عن العرس) بفتح العين المهملة وسكون الراء (٦) آخره سين مهملة، وفي جامع الأصول (٧): أنه بضم العين (ابن عميرة) (٨) بفتح المهملة وسكون الراء، وتاء تأنيث، وهو صحابي لم يذكر

стр. 194

ابن الأثير (١) من أحواله شيئًا، والمصنف رمز بحسن الحديث، وقال الهيثمي: بعد عزوه للطبراني رجاله ثقات. ١٩ - " آمن شعر أمية بن أبي الصلت وكفر قلبه أبو بكر بن الأنباري في المصاحف، (خط) وابن عساكر عن ابن عباس (ض) ". (آمن شعر أمية بن أبي الصلت) الإيمان: التصديق وهو من أفعال القلب، فإسناده إلى القول مجاز، والمعنى أنه أتى في شعره بما هو إيمان، أي بقول من آمن، وقلبه غير مصدق، وفيه دلالة على أنه لا يعتد بالألفاظ إذا لم تصدر عن الاعتقاد، وأمية تصغير أمة، واسمه: عبد الله بن أبي الصلت بالصاد المهملة، ثقفي جاهلي كان شاعرًا، كان قد تنبأ أوَّل زمانه، وكان أول دهره على الإيمان, ثم زاغ عنه، وهو الذي استنشد النبي ﷺ شعره من الشريد بن سويد كما في صحيح مسلم من حديث الشريد قال: ردفت رسول الله ﷺ : "هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ "فأنشدته بيتًا، قال: "هيه"، ثم أنشدته بيتًا، قال: "هيه" حتى أنشدته مائة بيت، فقال: "إن كاد ليسلم"وفي لفظ: "فلقد كاد ليسلم في شعره" (٢) و (كفر قلبه) لاعتقاده ما ينافي الإيمان من إنكار البعث، وغيره قال في الأغاني: إنه لما أنشد ﷺ قول أمية: الحَمْدُ لله مُمسَانَا ومُصْبَحَنا ... بِالخَيْرِ صَبَّحْنَا ربِّي ومَسَّانَا أَلا نبيّ لنَا مِنَّا فيخبّرنَا ... مَا بَعدَ غَايَتِنَا مِن بعد مَجْرَانَا بينا يربّينَا آبَاؤُنَا هَلَكُوا ... وَبَيْنمَا نَقْتَنِي الأوْلاد أَفْنَانَا وَقَدْ عَلِمْنَا لَوْ أنَّ العِلْمَ يَنْفَعُنَا ... أَنَّ سَوْفَ يَلْحَقُ أُخْرَانَا بِأُوْلَانَا

стр. 195

يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي كَافِرًا أبدًا ... وَاجْعَلْ سَرِيرَةَ قَلْبِي الدَّهْر إِيْمَانَا (١) (*) فقال ﷺ : (آمن شعره, وكفر قلبه) وأدرك النبي ﷺ ولم يؤمن به، ومات كافرًا، وكان من أهل العيافة وزجر الطير، صاح غراب، وهو عند ندمةٍ، له من الطائف فتطير به، فقيل له ما قال؟ قال: إنه قال: إني أشرب كأسًا فأموت، ثم صاح أخرى فقال: إنه يقول: أنه تقع على هذه الحربه فينشر عظمًا فيصعق فيموت، فكان كما قال، ومات كافرًا (أبو بكر ابن الأنباري) بفتح الهمزة نسبة إلى الأنبار محل معروف، هو العلامة الحافظ شيخ الأدب أبو بكر محمَّد بن القاسم، سمع من القاضي إسماعيل وتغلب وغيرهما، وصنف تصانيف كثيرة، كان من أفراد دهره في سعة الحفظ مع الصدق واليقين، قال الخطيب: كان صدوقًا دينًا من أهل السنة، قال أبو علي القالي: كان شيخنا أبو بكر يحفظ كما قيل ثلاثمائة بيت شاهدًا في القرآن، روي عنه أنه قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقًا، مات ليلة النحر ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، في المصاحف كتاب له (٢) (خط وابن عساكر عن ابن عباس) (٣) رمز المصنف لضعفه، وإسناده ضعيف، وسبب الحديث أن الفارعة بنت أبي الصلت أخت أمية أتت النبي ﷺ فأنشدته من شعر أمية فذكره. ٢٠ - " آمين خاتم رب العالمين على لسان عباده المؤمنين (عد طب) في الدعاء عن أبي هريرة (ض) ". (آمين) فيها لغتان المد والقصر من الأول، قوله: ويرحم الله عبدًا قال آمينا،

стр. 196

ومن الثاني قوله: أمين فزاد الله ما بيننا بعدًا، وهي اسم فعل بمعنى استجيب، وروى الثعلبي من حديث ابن عباس: سألت رسول الله ﷺ عن معنى آمين؟ فقال: (اجعل)، قال الحافظ ابن حجر: إسناده واهٍ (١)، (خاتم) بفتح المثناة الفوقية وكسرها، وفي رب تسع لغات (رب العالمين) في نِهاية (٢) ابن الأثير: (قوله: خاتم رب العالمين، أي: خاتم دعاء رب العالمين، بمعنى أنه يمنع الدعاء من فساد الحسبة والرد كان أن الطابع على الكتاب يمنع فساد ظهور ما فيه على العير قيل: معناه طابعه وعلامته التي يدفع بها عنهم الآفات والأمراض، لأن خاتم الكتاب يصونه، ويمنع الناظر عما في باطنه. قلت: ويحتمل أن المراد خاتمه الذي يقضي به حوائجهم، ويستجيب دعواتهم المختومة به؛ لأنه كان لا يمضي الكتاب ويقبل إلا إذا كان عليه خاتم، ولذا اتخذ رسول الله ﷺ الخاتم لما قيل له أنهم لا يقرؤن كتابًا ليس عليه خاتم (على لسان عباده المؤمنين، عد: طب في الدعاء) (٣) قيد للطبراني، لعله يريد في كتاب الدعاء من المعجم الكبير، فإن طب رمز المعجم الكبير ولكنها قاعدة لم يلتزمها فإنه لا يذكر الكتب والأبواب التي في معاجم الطبراني، وإن أريد أنه في كتاب ألفه في الدعاء غير المعاجم فلا يحسن أن يرمز له بطب (عن أبي هريرة) رمز المصنف لضعفه، وقال المصنف في حاشيته على البيضاوي: إنه ضعيف لضعف مؤمل الثقفي.

стр. 197

٢١ - " آية الكرسي ربع القرآن أبو الشيخ في الثواب عن أنس (ح) ". (آية الكرسي) الآية، في كتاب الله جماعة حروف وكلمات من قولهم خرج القوم بآيتهم، أي بجماعتهم، لم يَدَعوا ورآهم شيئًا، والآية في غير هذا العلامة، وفي الكشاف: الآية هي الطائفة الموسومة منه بفاصله فترة قصراً التي أقلها ستة أحرف نحو الرحمن، وأضيفت إلى الكرسي لذكره فيها (ربع القرآن) قيل: المراد بمثل هذا أنها ربعه في الثواب، وأنها تعدل ربعه، وضعّف هذا القول ابن عقيل، وقال: إنه لا يجوز القول بذلك؛ لقوله ﷺ : "من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات" وقال ابن عبد البر (١): إن السكوت في مثل هذه المسألة أفضل وأسلم، وأسند عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن مثل ذلك، فقيل له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن؟ ما وجهه؟ فلم يجب، وأسند عن ابن إسحاق أن معناه: أن الله لما فضل كلامه على سائر الكلام جعل لبعضه أيضًا فضلاً في الثَّواب لمن قرأه تحريضًا على تعليمه، لا أنّ من ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرَّات كان كمن قرأ القرآن جميعه، هذا لا يستقيم ولو قرأها مائة مرَّة. قلت: أما دليل بن عقيل فلا يدفع القول بأن ثوابها يعدل ثلث القرآن؛ لأن ذلك حكم عام للقرآن كله، وهذا حكم خاص لهذه السورة وأمثالها، مما ورد فيه نحو هذا، والخاص مقدَّم على العام فلا مانع من تفضيل الله تعالى لبعض كلامه على بعض، قال المصنف: العدل في الثواب هو ظاهر الأحاديث، ونعم ما قال، وقيل: أنها تعدل ربع القرآن فيما اشتمل عليه من المقاصد، قال الغزالي (٢): إن القصد من القرآن كله تقرير أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدر لله سبحانه، وقال: إنَّ آية الكرسي اشتملت على ذات الله

стр. 198

سبحانه وصفاته وأفعاله فقط، ليس فيها غير ذلك، ومعرفة ذلك هو المقصد الأقصى في العلوم، وما عداه تابع له، ولذا سميت آية الكرسي سيدة الآيات؛ لأن السيد اسم للمتبوع المقدم، قال: فقوله: ﴿اللَّهُ﴾ إشارة إلى الذات، وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إشارة إلى توحيد الذات، وقوله: ﴿الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ إشارة إلى صفة الذات، وجلاله، فإن معنى ﴿الْقَيُّومُ﴾ هو الذي يقوم بنفسه، ولا يقوم به غيره، وذلك غاية الجلال والعظمة، وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ تنزيه وتقديس له تعالى عما يستحيل عليه من أوصاف الحوادث، والتقديس عما يستحيل أحد أقسام المعرفة، وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة إلى الأفعال كلها، وأنها منه تعالى وإليه، وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ إشارة إلى انفراده بالملك والحكم والأمر، وإنما يملك الشفاعة من يملكها لتشريفه إياه، والإذن، فيها وهذا نفي الشركة عنه في الأمر والملك، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ إشارة إلى صفة العلم وتفضيل بعض المعلومات على بعض، والانفراد بالعلم حتى لا علم لغيره إلا ما أعطاه على قدر مشيئته، وإرادته، قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إشارة إلى عظمة ملكه وكمال قدرته، وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ إشارة إلى صفة القدرة وتنزيهها عن الضعف والنقصان [ص: ٢٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ إشارة إلى أصلين عظيمين في الصفات, فإذا تأملت هذه المعاني ثم تلوت جميع آي القرآن لم تجد جملتها مجموعة في آية واحدة انتهى كلامه. قلت: ولعظمة هذه الآية وما اشتملت عليه قال ﷺ لأبي بن كعب، وقد قال له: "أي آية أعظم عندك في كتاب الله؟ " قال: آية الكرسي، "ليهنك العلم أبا المنذر" (١).

стр. 199

وسيأتي أحاديث في هذه الآية في هذا الكتاب (جمعه أبو الشيخ) (١) هو حافظ أصبهان ومسند زمانه محمد بن عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان الأصبهاني، صاحب التصانيف السائرة, يعرف بأبي الشيخ، ولد سنة أربع وتسعين ومائتين، كتب العالي والسافل، ولقي الكبار، كان مع سعة علمه وغزارة حفظه خيرًا صالحًا قانتًا لله، صدوقًا، حدث عنه أبو نعيم وابن مردويه وغيرهما، قال أبو نعيم: كان أحد الأعلام صنَّف التفسير والأحكام، توفي في المحرم سنه تسع وستين وثلاثمائة ﵀. (في الثواب عن أنس) (٢) رمز المصنف لحسنه، وكأنه لاعتضاده بشواهد، وإلا ففيه ابن أبي فديك عن سلمة بن وردان، وسلمة ضعيفٌ. ٢٢ - " آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم (تخ هـ ك) عن ابن عباس (صح) ". (آية ما بيننا وبين المنافقين) علامة الفرق بين أهل الإيمان, وأهل النفاق، ويأتي تفسير المنافق أنهم أي المنافقين (لا يتضلعون) بالضاد المعجمة وتشديد اللام، في القاموس (٣): تضلع امتلأ شبعًا، وريًّا؛ حتى بلغ الماء أضلاعه، وذلك لأنه لا يمتلئ ويستكثر من زمزم إلا المؤمن؛ لأنه يرغب فيما يحبه الله ورسوله، والمنافق على الضد من ذلك، وذلك لأن ماء زمزم فيه شيء من الملوحة، فلا يحمل على التضلع منه إلا الإيمان, ولما كانت هذه العلامة من الأمور المحسوسة، المشاهدة، نص عليها ﷺ ويأتي للمنافق علامات أُخر (تخ ٥ ك

стр. 200

عن ابن عباس (١)) ورمز المصنف لصحته وهو من رواية عثمان بن الأسود قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: من أين جئت؟ فقال: من مكة، قال: شربت من زمزم؟ قال: شربت إلى أن قال: فذكره، قال الحاكم: إن كان عثمان سمع من ابن عباس فالحديث على شرطهما، وتعقَّبه الذهبي: بأنَّه لم يُدرك ابن عباس، وقال ابن حجر: حديث حسن. ٢٣ - " آية العز "الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً" الآية (حم طب) عن معاذ بن أنس (ح) ". (آية العز) العز في الأصل القوة والغلبة والشدَّة، قاله في النهاية (٢): الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا كما زعمته اليهود والنصارى، والقائلون الملائكة بنات الله، الآية منصوب بفعل محذوف أي اقرأ الآية، وإنما يجد قوته اختصارا ومثله البيت والحديث، والآية هي قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢] كما زعمه من اتخذ مع الله إلهًا آخر، ولم يكن له ولي من الذل، أي لم يوالي أحداً يمتنع به من المذلة، وكبره تكبيرًا، عظمه ومجَّده تعظيمًا كثيراً، وإن كنت لا تبلغ ثناء عليه فهذه الآية الكريمة أثبتت الحمد لله، ودلت على اختصاصه به، ونفت عنه الولد والشريك في الملك، والولي من الذل، وأمرت بتكبيره وتعظيمه، وكذلك أفادت أن من تفرد بهذه الصفات فهو القوي الذي لا يغالب، والعزيز

стр. 201

الغالب، والمعنى أن علامة العز تفرده تعالى بالملك والحمد والكبرياء مع عدم اتخاذه الولد، ونفي الشريك عنه، والولي، والمراد: الآية الدالة على عزة الله من القرآن هذه الآية، ومن قال أن المراد الملازم على تلاوتها يصير قويًّا شديدًا، فمعلوم أنه غير المراد، وأن المقصود بيان ما دلت عليه لا بيان ما يحصل لتاليها، ثم ملازمة التلاوة شيء لم تدل عليه عبارة الحديث؛ ولأن هذا المعنى مما لا تساق له الأحاديث في الآيات، (حم طب عن معاذ بن أنس (١)) رمز المصنف لحسنه، وقال الزين العراقي: سنده ضعيف، وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني من طريقين في أحدهما: رشدين بن سعد وهو ضعيف، وفي الأخرى ابن لهيعة وهو أصلح منه. ٢٤ - " آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار (حم ق ن) عن أنس (صح) ". (آية الإيمان) أي علامته الواضحة [ص:٢٥]، حب الأنصار من إضافة المصدر إلى المفعول، أي حب المؤمن الأنصار: جمع ناصر من نصره أعانه، غلب على الأوس والخزرج الذين نصروا رسول الله ﷺ وآووه وقد سماهم الله تعالى بهذا الاسم في كتابه الكريم في عدة آيات، وقال حسان: سماهم الله أنصارًا لنصرهم دين الإله ونار الحرب تستعر. وقيل: الإضافة في حب الأنصار إلى الفاعل، وأن من أحبه الأنصار فهو علامة

стр. 202

إيمانه، إذ لا يحبون إلا المؤمنين، والأول أقرب لما يأتي من التوصية بالأنصار، وتحري الوجهان في قوله: (وآية النفاق بغض الأنصار) ووجه الجميع أنه لا يحصل حب الأنصار إلا لمن أحب الله ورسوله ﷺ ؛ لأنهم الذين أحبوا الدين وبذلوا النفوس والأموال في نصرة الرسول الأمين، وهذا مثل ما ورد في أمير المؤمنين كرَّم الله وجهه: "أنه لا يحبه إلا مؤمنٌ ولا يبغضه إلا منافقٌ" (١). (حم ق ن عن أنس (٢)) كلما أخرجه الشيخان أو أحدهما فإنه يرمز له المصنف بالصحة، وقد اكتفينا لهذا هنا ولم نذكر بعد ذلك في رمزهما أنه رمز لصحته المصنف. ٢٥ - " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان (ق ت ن) عن أبي هريرة (صح) ". (آية المنافق) في النهاية (٣): قد تكرر ذكر النفاق اسما وفعلاً، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفاً، يقال: نافق ينافق منافقة، وهو مأخوذ من النافقا، أحد بأبي جحر اليربوع، إذا طلب من واحد هرب إلى الآخر، وخرج منه، وقيل: من النفق وهو السرب الذي يستتر فيه لستره كفره انتهى. (ثلاث) مفهومه غير مراد لما يأتي من حديث ابن عمر: "وأربع من كن فيه كان منافقًا" عد هذه الثلاث، وزاد: "وإذا خاصم فجر"، فالأربع علامة أن من اجتمعن فيه خالص النفاق، ومن كانت فيه واحدة منهن كان فيه شعبة من

стр. 203

النفاق، كما سيصرح به في الحديث الآتي، أن من كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) أمانته، وأصله، أأتمن بهمزة مكسورة بعدها ساكنة، قلبت الساكنة ياء؛ لما علم في التصريف، وقد استشكل هذا الحديث على تقدير كون اللام جنسية لا عهدية، وهو أن هذه الخصال قد توجد في المسلم ولا يحكم بكفره بالإجماع، وقد أجيب عنه بأجوبة خمسة ستأتي في شرح حديث: "أربع من كن فيه"، وأحسنها جواب الكرماني أن المراد: وإذا حدَّث في كل أحاديثه كما يدل لإرادة العموم حذف المفعول، وكذا إذا وعد وإذا ائتمن معناه: إذا حدث كل حديث، كذب أو يكون الفعل ينزله منزلة اللازم، أي إذا وجد ماهية التحديث كذب، وارتضاه الحافظ ابن حجر (١) وحسنه، فليس في المسلمين من يتصف بهذا. قلت: ولابد من تقييد هذا العموم، بأن يراد إذا حدث عن صحة إيمانه وحبه لله ولرسوله، إذ من المعلوم أنه لا بد وأن يجري الصدق على لسانه في شيء من أخبار دنياه، وتضم الثلاث: من قال: آية من نافق فيما روى الحفاظ عن أصدق من ينطق، إذا وعد أخلف، أو ائتمن خان، وإن حدث لا يصدق، (ق ت ن (٢) عن أبي هريرة) وفي الباب أبي بكر وغيره. ٢٦ - " آية بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح، لا يستطيعونهما (ص) عن سعيد بن المسيب مرسلاً". (آية) بتنوين آية، (بيننا وبين المنافقين) علامة فارقة (شهود العشاء والصبح) أي حضور صلاتهما فالشهود مصدر شهد إذا حضر فهو مضاف إلى مفعوله، (لا يستطيعونهما) أي ليس لهم إيمان يحملهم على حضورهما فعبَّر بالمسبب عن

стр. 204

السبب لا أن المراد نفي الاستطاعة التي هي شرط التكليف. واعلم أنه لا تنافي بين هذه العلامات المذكورة في هذه الأحاديث الثلاثة بل هي إخبار بأن أيها حصل فهي علامة النفاق (ص عن سعيد ابن المسيب (١) مرسلاً) [ص:٢٦]، سعيد بن المسيب هو شيخ الإسلام فقيه المدينة أجل التابعين ولد في زمن عمر بن الخطاب وسمع منه شيئًا وهو يخطب، قال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا من سعيد هو عندي أجل التابعين، قال العجلي: كان لا يقبل جوائز السلطان، وله أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت، أفرد الذهبي سيرته في مؤلف، مات سنة ٩٤ (٢) على أحد الأقوال، والمسيب بفتح الياء المثناة التحتية المشددة، ورُوي عنه أنه كان يقوله بكسر الياء ويقول: سيّبَ الله من سيب أبي، والمرسل اسم مفعول من أرسله، وهو في عرف المحدثين: قول التابعي: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، وفي قبوله ورده خلاف مفصل في كتب الأصول. ٢٧ - " آيتان هما قرآن، وهما يشفيان، وهما مما يحبهما الله، الآيتان من آخر سورة البقرة (فر) عن أبي هريرة". (آيتان هما قرآن) في النهاية (٣): الأصل في هذه اللفظة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسمي به القرآن؛ لأنه جمع القصص والأمر والنهي والوعد

стр. 205

والوعيد، والآيات المرسلة والسور بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالغفران والكفران. انتهى. قلت: والإخبار عنهما هنا بأنهما قرآن، تشريف لهما وإعلام بفضلهما، وإلا فكل ما اشتمل عليه دفتا المصحف من الآيات والسور فإنه قرآن وكذا قوله، (وهما يشفيان) فإن كل القرآن شفاء كما هو الحق في أنَّ ﴿مِن﴾ في قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] للبيان لا للتبعيض، وسيأتي الكلام على خاصية القرآن في كونه شفاء (وهما مما يحبهما الله الآيتان من آخر البقرة) بيان بعد الإبهام، فيه دلالة على شرفهما وتنويه بشأنهما، وهما من قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُول﴾ إلى آخر السورة، أخرج أبو عبيد في (فضائله) (١) عن كعب قال: إن محمدًا ﷺ أعطي أربع آيات لم يعطهن موسى، ثم فسرها قال: والآيات التي أعطيها محمَّد ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ حتى ختم السورة. انتهى. وهذه هي خواتيم البقرة الذي سيأتي أنه أعطيها ﷺ من كنز من تحت العرش، فيحتمل إنما ذكره هنا خاص بآيتين منها، ويحتمل: أنه أطلق الآيتان على الأكثر منها، وأريد بالتنبيه عين معناها على مطلق التعدد، من باب فارجع البصر كرتين، وقوله: من آخر البقرة دليل على جواز هذا الإطلاق على السورة، خلافاً لمن زعم أنه لا يقال إن السورة التي يذكر فيها البقرة، (فر عن أبي هريرة) سكت عليه المصنف وهو ضعيف؛ لضعف إبراهيم بن يحيى (٢).

стр. 206

٢٨ - " ائت المعروف، واجتنب المنكر، وانظر ما يعجب أذنك أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فأته، وانظر الذي تكره أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فاجتنبه (خد) وابن سعد، والبغوي في معجمه, والباوردي في المعرفة, (هب) عن حرملة بن عبد الله بن أوس، وما له [حديث]-غيره (ح) ". (إئت) بالياء الساكنة بعد الهمزة وأصلها همزة ساكنة، قلبت ياء لما عرف في التصريف (المعروف) في النهاية (١): المعروف: حسن الصحبة والنصيفة مع الأهل وغيرهم، والمنكر: ضد ذلك (واجتنب المنكر) قال المناوي: المنكر ما ليس فيه رضي الله تعالى من قول أو فعل، والمعروف ضده (وانظر ما يعجب أذنك) نسبة الإعجاب إلى الأذن مجاز، وإلا فالمعجب الإنسان، إلا أنه لما كان السمع سبب إهدائه الإعجاب، نسبت إليه، أو من باب إطلاق الجزء على الكل، ويحتمل أن قوله (أن يقول) هو الفاعل فيكون المجاز في الأول في الإيقاع (الك القوم) الحاضرون (إذا قمت من عندهم) أي فارقتهم، والمراد ما يقولونه مع غيبته عنهم، فأته بفتح الهمزة مقصورًا أي الفعل الذي مدحت به، ولا ملامة عليك في إتيانه وإعجاب أذنك بما قالوه منه، (وانظر الذي تكره أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فاجتنبه) فهو حث على أنه لا يأتي إلا بما يمدح به، وأن يجتنب ما يذم به، وفيه مراعاة الإنسان لأقوال جلسائه، وأنه لا يأتي إلا ما يمدح به (خد وابن سعد (٢) والبغوي) هو الحافظ الكبير مسند العالم أبو القاسم

стр. 207

عبد الله بن محمد البغوي الأصل البغدادي، سمع من عالم، وحدث عنه خلائق، وألّف معجم الصحابة [ص:٢٧] والجعديات، وطال عمره وتفرد في الدنيا، مولده سنة ٣١٤، قال الذهبي: احتج به عامة من خرج الصحيح كالإسماعيلي والدارقطني والبرقاني عاش، ١٠٤، ومات سنة ٣١٧، ليلة عيد الفطر (١). قلت: فقوله: في معجمه أي معجم الصحابة، وهذا غير البغوي مؤلف معالم التنزيل، وشرح السنة والمصابيح، والتهذيب، فإن اسم ذلك أبو الحسين محمد بن الحسين بن مسعود وفاته سنة ٥١٩ هـ في شوال (٢)، والبغوي بالموحدة فغين معجمة نسبة إلى بغوان بلد من أعمال نيسابور، أو إلى بغثور، قال في القاموس: البغوي الأخير منسوب إليها, ولم يذكر الأول، والباوردي: بفتح الموحدة وسكون الراء وآخره، دال مهملة نسبة إلى بلدة بناحية خراسان، وهو أبو منصور، (في المعرفة) كتاب له في معرفة الصحابة (هب عن حرملة) بالحاء المهملة مفتوحة وراء ساكنة فميم مفتوحة فلام ابن عبد الله بن أوس وماله حديث يرويه غيره، غير هذا الحديث، قال: قلت: يا رسول الله ما تأمرني به أعمل؟ فذكره، رمز المصنف بحسنه، وفيه عبد الله بن رجا، قال الفلاس: كثير الغلط، والتصحيف، ليس بحجة، وقال أبو حاتم: ثقة، لكن قال الحافظ ابن حجر: حديثه يعني حرملة في الأدب المفرد للبخاري، ومسند الطيالسي، وغيرهما بإسناد حسن، قلت: ولذا رمز المصنف عليه بالحسن. ٢٩ - " ائت حرثك أنى شئت، وأطعمها إذا طعمت، واكسها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه، ولا تضرب (د) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (ح) ".

стр. 208

(ائت حرثك) أي أهلك، لأنهم محل الحرث أي النسل، قال تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أنَّى (شئت) أي من أي مكان شئت، من قُبل أو دُبر إذا كان المأتي موضع الحرث وهو القبل، والحديث مشتق من الآية (وأطعمها إذا طعمت) ليس ذلك شرطًا في إطعامها، وأنه لا يطعمها إلا إذا طعم بل ذلك مبالغة في الإيجاب، وأنه كما يطعم نفسه يطعمها، ومثله قوله: (واكسها) من الكسوة (إذا اكتسيت) (ولا تقبح الوجه) لا تدع عليها بذلك فتقول: قبح الله وجهك أو لا تصفها بقبح الوجه، وتقول يا قبيحة الوجه لما فيه من سوء العشرة، (ولا تضرب) أي الوجه على تقدير المفعول، وأنه حذف بدلالة الأول، عليه وذلك لأنه قد ثبت النهي عن ضرب الوجه، لا أنه نهي عن الضرب مطلقًا فقد ثبت إباحته في القرآن، ويحتمل أنه نهي إرشاد عن مطلق الضرب لما يأتي من حديث: "اضربوهن ولا يضرب إلا شراركم" (١) إلا أن في لفظ أبي داود: "ولا تضرب الوجه" وهو يؤيد الاحتمال الأول، (د عن بهز) (٢) بالموحدة مفتوحة وهاء ساكنة آخره زاي (بن حكيم عن أبيه) حكيم المذكور، عن جَدِّه معاوية بن حيدة بالحاء المهملة فمثناة تحتية ساكنه القشيري وهو صحابي أعني معاوية -قال الذهبي: بهز صدوق فيه لين، وحديثه حسن، وثقه ابن المديني وابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وسئل ابن معين عن بهز عن أبيه عن جده؟ فقال: إسناد صحيح إذا كان من دون بهز ثقة،

стр. 209

والمصنف رمز هنا لحسن الحديث. ٣٠ - " ائتوا المساجد حسرًا ومعصبين، فإن العمائم تيجان المسلمين (عد) عن علي (ض) ". (ائتوا) من الإتيان وهو القصد (المساجد) للصلاة (حُسرًا) بضمِّ الحاء المهملة وفتح السين المهملة المشددة آخره راء، جمع حاسر قال في (النهاية) (١): حسرت العمامة عن رأسي، والثوب عن بدني كشفتهما والمراد هنا بغير عمائم (ومعصبين) بالعين والصاد المهملة جمع معصب وهو المعمم والعمامة يقال لهما العصابة، (فإن العمائم تيجان المسلمين) بكسر المثناة الفوقية جمع تاج، وهو ما يصاغ للملوك من الذهب والجواهر وأراد ﷺ أن العمائم للمسلمين بمنزلة التيجان للملوك لأنهم أكثر ما يكونون في البوادي مكشوفي الرؤس، وبالقلانس والعمائم فيهم قليل، والحديث إعلام بأنهم يقصدون المساجد على أية هيئة، وفيه حث على العمامة لقوله تيجان المسلمين، (عد (٢) عن علي) هو حيث أطلق ابن أبي طالب، أمير المؤمنين عليًّا كما سلف [ص:٢٨]، ورمز المصنف لضعفه؛ لأن فيه مبشر بن عبيد متروك، إلا أنه يشهد له ما رواه ابن عساكر (٣) بلفظ: "ائتوا المساجد حسرًا ومعتمين فإن ذلك من سيماء المسلمين". ٣١ - " ائتوا الدعوة إذا دعيتم (م) عن ابن عمر (صح) ". (ائتوا الدعوة) بفتح الدال وغلط نغلب وقطرب القائلين بالضم، وأما دعوة النسب فبالكسر، والمراد: إجابة المسلم إلى الطعام، ويأتي فيها أحاديث،

стр. 210

والإجابة من جملة حقوق المسلم على المسلم (إذا دعيتم) شرط للأمر بالإجابة، ومفهومه مراد، فإنه لا يجوز مع عدمها لحديث ابن عمر: من دخل على غير دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا (م عن ابن عمر) (١). ٣٢ - " ائتدموا بالزيت، وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة (هـ ك هب) عن عمرو (صح) ". (ائتدموا) أمر للندب والإباحة والإرشاد (بالزيت) هو دهن الزيتون ذكره الله في القرآن، وهو حار رطب يسخن باعتدال وينفع من السموم ويطلق البطن ويخرج الدود، وفوائده كثيرة (وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة) فتبركوا به أكلا ودهنًا للبدن والشعر، وذلك لأن الله وصفها بالبركة، وقيل: لأنَّها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين (٥ ك هب عن عمرو (٢)) رمز المصنف لصحته، وقال الحاكم: على شرطهما. ٣٣ - " ائتدموا ولو بالماء (طس) عن ابن عمر (ض]). (ائتدموا) أي أصلحوا الخبز بالإدام، فإن أكله بغير إدام ضار، (ولو بالماء) فإن لم تجدوا إدامًا فإن الماء يقوم مقام الإدام في إصلاح الخبز، (طس (٣) عن ابن عمرو) رمز المصنف لضعفه، وقال ابن الجوزي: لا يصح.

стр. 211

٣٤ - " ائتدموا من هذه الشجرة، يعني الزيت، ومن عرض عليه طيب فليصب منه (طس) عن ابن عباس" (ض). (ائتدموا) من هذه الشجرة، يعني الزيت وهذا التفسير لعله مدرج، وهو على تقدير مضاف أي من دهنها (ومن عرض) مبني للمجهول، (عليه طيب) بالإهداء ونحوه (فليصب منه) أي يأخذ منه؛ لأنه خفيف المؤنة يقوي الأعضاء، ويحبه الله تعالى وهو مما حبب إلى رسول الله ﵌، والأمر للندب (طس عن ابن عباس) (١) وهو حيث أطلق عبد الله صحابي جليل، رمز المصنف لضعفه وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح، فيه مجهولٌ وآخر ضعيفٌ. ٣٥ - " ائتزروا كما رأيت الملائكة تأتزر عند ربها إلى أنصاف سوقها (فر) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده". (ائتزروا) البسوا الإزار، وهو إرشاد إلى كيفية لبسها لقوله: (كما رأيت الملائكة تأتزز عند ربها) أي في محل كرامته وإجلاله على جهة التمثيل كما ذكره أئمة التفسير في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية. [الأعراف: ٢٠٦]، (إلى أنصاف سوقها)، وسيأتي في ذلك أحاديث مبينة أنها إلى نصف الساق، وفيما بينه وبين الكعبين، وأنها يحرم من تحت الكعبين، وفيه دلالة على أن الملائكة تلبس الثياب كلبسه بني آدم وهم أصناف، كان هؤلاء صنف منهم (فر (٢) عن عمرو بن

стр. 212

شعيب عن أبيه عن جده) هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وللناس في قبول روايته وردها كلام كثير، ذكره الذَّهبي في النُّبلاء (١)، وأختار توثيقه سكت عليه المصنف، وهو من حديث عمران القطان ضعَّفه الذَّهبي (٢). ٣٦ - " ائذنوا للنساء أن يصلين بالليل في المسجد الطيالسي عن ابن عمر (ح) ". (ائذنوا للنساء) إذا لم تخافوا عليهن الفتنة كذا قيده الشارح (أن يصلين بالليل في المسجد) فيه جواز خروج المرأة إلى الصلاة في المساجد في الليل للجماعة، ويأتي أحاديث في ذلك وأنها لا تخرج إلا غير متطيبة، والأمر يحتمل الإباحة والندب، والتقييد بالليل، إما لأنه محل للستر أو لأنه كان مظنة منعهن لما فيه من انتشار أهل الريبة، فعلى الأول لا يؤذن لهن بالنهار، وعلى الثاني يؤذن لهن (الطيالسي) (٣) نسبة إلى الطيلسان، إقليم واسع، من نواحي الديلم (٤) ويأتي أبو داود الطيالسي وهو هذا (عن ابن عمر) رمز المصنف لحسنه. ٣٧ - " ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد (حم م د ت) عن ابن عمر (صح) ". (ائذنوا للنساء بالليل) أي لتأدية الصلاة جماعة (إلى المساجد) (حم م د ت

стр. 213

عن ابن عمر) (١). ٣٨ - " أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة (طب) والضياء في المختارة عن أنس (صح) ". (أبى الله) الإباء أشد الامتناع، والمراد أن حكمته تعالى وعدله وإنصافه منع من (أن يجعل لقاتل المؤمن) عمدًا (توبة) وإنما قيدنا بالعمد لأنه المراد لتقييد الآية له في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] وقد ذهب ابن عباس وآخرون إلى هذا وأنه لا توبة [ص: ٢٩] لقاتل المؤمن عمدًا، وأن عمومات عدم قبول التوبة مخصصة بالقاتل، وقيل: إن كان يفتي من يظن أنه سيقتل بعدم التوبة، ويفتي من قتل بالتوبة، وقال ابن القيم: هما روايتان عن أحمد، واستدل من منع من قبول التوبة بأنه حق لآدمي لم يستوفه في دار الدنيا، وخرج بظلامته فلابدَّ أن يستوفيه في دار العدل، قالوا: والذي استوفاه الوارث حقه الذي خيره الله بين استيفائه والعفو عنه، وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه، وأي استدراك لظلامته حصل باستيفاء وارثه واستدل من قال بالقبول أن التوبة تمحو أثر الشرك والسحر وما هو أعظم إثمًا من القتل، فكيف تقصر عن محو أثر القتل، وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءه، وجعلهم من خيار عباده، ثم قال ابن القيم (٢) بعد نقله لأدلة الفريقين: والتحقيق في هذه المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للمقتول، وحق للولي، فإذا سلم القاتل نفسه طوعًا واختيارًا إلى الولي وندمًا على ما فعل وخوفاً من الله وتوبة نصوحًا، سقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء أو العفو، وبقي حق المقتول يعوضه الله سبحانه يوم القيامة, عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه ولا يذهب

стр. 214

ولا يبطل حق هذا ولا يذهب دمه هدراً انتهى. فكأنه حمل عدم قبول التوبة على عدم سقوط حق المقتول بتوبة القاتل (طب (١) والضياء في المختارة عن أنس) رمز المصنف لصحته، وقال في الفردوس: صحيح. والضياء هو الإمام الحجة محدث الشام شيخ السنة ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد السعدي المقدسي الصالحى الحنبلي صاحب التصانيف النافعة ولد سنة ٥٦٩ سمع ما لا يوصف كثرة، وحصل أصولاً كثيرة ونَسَخَ وصنَّف وجرَّح وعدَّل، وكان الرجوع إليه في هذا الشأن، كان مجتهدًا في العبادة كثير الذكر منقطعًا متواضعًا، قال ابن النجار: حافظ متقن، عالم بالرجال ورع، مات سنة ٦٤٣ (٢)، والمختارة: كتاب صنَّفه في مختار الأحاديث التي ليست في الصحيحين إلا أنَّه لم يتمه, قال ابن كثير الشافعي: إنه أرجح من المستدرك للحاكم (٣). ٣٩ - " أبى الله أن يرزقَ عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب (فر) عن أبي هريرة (هب) عن علي" (ض). (أبى الله أن يرزق عبده المؤمن) قيل: الكامل الإيمان (إلا من حيث لا يحتسب) أي من جهة لا يظنها ولا يخطر بباله أنه منها ليكون ذلك أتم لسروره، وأكمل في زيادة يقينه. فإن قلت: كثيراً ما يأتي رزق المؤمن من جهة يقدرها ويحتسب رزقه منها كزراعته وتجارته وحرفته؟

стр. 215

قلت: المراد جهة خاصة فإنه قد يقدر التاجر رزقه في سلعة معينة فيأتيه من سلعة أخرى لا يقدر فيها ذلك، وقد جرّب كثير من هذا، ويحتمل: أنه أريد بالمؤمن من رسخت فيه الثقة بالله والانقطاع إلى الله تعالى، ويدل لهذا خبر الطبراني (١): "من انقطع إلى الله كفاه كل مؤنه, رزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها"، والحديث يفسر بعضه بعضًا. (فر (٢) عن أبي هريرة) لكنه قال: من حيث لا يعلم، ورمز المصنف لضعفه لأنه فيه عمر بن راشد عن عبد الرحمن بن حرملة، قال الذهبي: عمر مجهول، منكر الحديث، وابن حرملة ضعيف. (هب عن علي) وتعقبه بقوله: لا أحفظه بهذا الإسناد، وهو ضعيف بمره. ٤٠ - " أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته (٥) وابن أبي عاصم في السنة عن ابن عباس (ح) ". (أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة) في القاموس (٣) البدعة بالكسر، الحدث في الدين بعد الإكمال، وما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال، وفي النهاية (٤): أنها نوعان بدعة هدى وبدعة ضلالة، فما كانت في خلاف ما أنزل الله به ورسوله فهي في حيز الذم [ص:٣٠] والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه، أو رسوله فهي في حيّز المدح انتهى.
следующие страницы →