٣٤ - " ائتدموا من هذه الشجرة، يعني الزيت، ومن عرض عليه طيب فليصب منه (طس) عن ابن عباس" (ض).
(ائتدموا) من هذه الشجرة، يعني الزيت وهذا التفسير لعله مدرج، وهو على تقدير مضاف أي من دهنها (ومن عرض) مبني للمجهول، (عليه طيب) بالإهداء ونحوه (فليصب منه) أي يأخذ منه؛ لأنه خفيف المؤنة يقوي الأعضاء، ويحبه الله تعالى وهو مما حبب إلى رسول الله ﵌، والأمر للندب (طس عن ابن عباس) (١) وهو حيث أطلق عبد الله صحابي جليل، رمز المصنف لضعفه وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح، فيه مجهولٌ وآخر ضعيفٌ.
٣٥ - " ائتزروا كما رأيت الملائكة تأتزر عند ربها إلى أنصاف سوقها (فر) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده".
(ائتزروا) البسوا الإزار، وهو إرشاد إلى كيفية لبسها لقوله: (كما رأيت الملائكة تأتزز عند ربها) أي في محل كرامته وإجلاله على جهة التمثيل كما ذكره أئمة التفسير في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية. [الأعراف: ٢٠٦]، (إلى أنصاف سوقها)، وسيأتي في ذلك أحاديث مبينة أنها إلى نصف الساق، وفيما بينه وبين الكعبين، وأنها يحرم من تحت الكعبين، وفيه دلالة على أن الملائكة تلبس الثياب كلبسه بني آدم وهم أصناف، كان هؤلاء صنف منهم (فر (٢) عن عمرو بن
стр. 212
شعيب عن أبيه عن جده) هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وللناس في قبول روايته وردها كلام كثير، ذكره الذَّهبي في النُّبلاء (١)، وأختار توثيقه سكت عليه المصنف، وهو من حديث عمران القطان ضعَّفه الذَّهبي (٢).
٣٦ - " ائذنوا للنساء أن يصلين بالليل في المسجد الطيالسي عن ابن عمر (ح) ".
(ائذنوا للنساء) إذا لم تخافوا عليهن الفتنة كذا قيده الشارح (أن يصلين بالليل في المسجد) فيه جواز خروج المرأة إلى الصلاة في المساجد في الليل للجماعة، ويأتي أحاديث في ذلك وأنها لا تخرج إلا غير متطيبة، والأمر يحتمل الإباحة والندب، والتقييد بالليل، إما لأنه محل للستر أو لأنه كان مظنة منعهن لما فيه من انتشار أهل الريبة، فعلى الأول لا يؤذن لهن بالنهار، وعلى الثاني يؤذن لهن (الطيالسي) (٣) نسبة إلى الطيلسان، إقليم واسع، من نواحي الديلم (٤) ويأتي أبو داود الطيالسي وهو هذا (عن ابن عمر) رمز المصنف لحسنه.
٣٧ - " ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد (حم م د ت) عن ابن عمر (صح) ".
(ائذنوا للنساء بالليل) أي لتأدية الصلاة جماعة (إلى المساجد) (حم م د ت
стр. 213
عن ابن عمر) (١).
٣٨ - " أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة (طب) والضياء في المختارة عن أنس (صح) ".
(أبى الله) الإباء أشد الامتناع، والمراد أن حكمته تعالى وعدله وإنصافه منع من (أن يجعل لقاتل المؤمن) عمدًا (توبة) وإنما قيدنا بالعمد لأنه المراد لتقييد الآية له في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] وقد ذهب ابن عباس وآخرون إلى هذا وأنه لا توبة [ص: ٢٩] لقاتل المؤمن عمدًا، وأن عمومات عدم قبول التوبة مخصصة بالقاتل، وقيل: إن كان يفتي من يظن أنه سيقتل بعدم التوبة، ويفتي من قتل بالتوبة، وقال ابن القيم: هما روايتان عن أحمد، واستدل من منع من قبول التوبة بأنه حق لآدمي لم يستوفه في دار الدنيا، وخرج بظلامته فلابدَّ أن يستوفيه في دار العدل، قالوا: والذي استوفاه الوارث حقه الذي خيره الله بين استيفائه والعفو عنه، وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه، وأي استدراك لظلامته حصل باستيفاء وارثه واستدل من قال بالقبول أن التوبة تمحو أثر الشرك والسحر وما هو أعظم إثمًا من القتل، فكيف تقصر عن محو أثر القتل، وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءه، وجعلهم من خيار عباده، ثم قال ابن القيم (٢) بعد نقله لأدلة الفريقين: والتحقيق في هذه المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للمقتول، وحق للولي، فإذا سلم القاتل نفسه طوعًا واختيارًا إلى الولي وندمًا على ما فعل وخوفاً من الله وتوبة نصوحًا، سقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء أو العفو، وبقي حق المقتول يعوضه الله سبحانه يوم القيامة, عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه ولا يذهب
стр. 214
ولا يبطل حق هذا ولا يذهب دمه هدراً انتهى.
فكأنه حمل عدم قبول التوبة على عدم سقوط حق المقتول بتوبة القاتل (طب (١) والضياء في المختارة عن أنس) رمز المصنف لصحته، وقال في الفردوس: صحيح.
والضياء هو الإمام الحجة محدث الشام شيخ السنة ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد السعدي المقدسي الصالحى الحنبلي صاحب التصانيف النافعة ولد سنة ٥٦٩ سمع ما لا يوصف كثرة، وحصل أصولاً كثيرة ونَسَخَ وصنَّف وجرَّح وعدَّل، وكان الرجوع إليه في هذا الشأن، كان مجتهدًا في العبادة كثير الذكر منقطعًا متواضعًا، قال ابن النجار: حافظ متقن، عالم بالرجال ورع، مات سنة ٦٤٣ (٢)، والمختارة: كتاب صنَّفه في مختار الأحاديث التي ليست في الصحيحين إلا أنَّه لم يتمه, قال ابن كثير الشافعي: إنه أرجح من المستدرك للحاكم (٣).
٣٩ - " أبى الله أن يرزقَ عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب (فر) عن أبي هريرة (هب) عن علي" (ض).
(أبى الله أن يرزق عبده المؤمن) قيل: الكامل الإيمان (إلا من حيث لا يحتسب) أي من جهة لا يظنها ولا يخطر بباله أنه منها ليكون ذلك أتم لسروره، وأكمل في زيادة يقينه.
فإن قلت: كثيراً ما يأتي رزق المؤمن من جهة يقدرها ويحتسب رزقه منها كزراعته وتجارته وحرفته؟
стр. 215
قلت: المراد جهة خاصة فإنه قد يقدر التاجر رزقه في سلعة معينة فيأتيه من سلعة أخرى لا يقدر فيها ذلك، وقد جرّب كثير من هذا، ويحتمل: أنه أريد بالمؤمن من رسخت فيه الثقة بالله والانقطاع إلى الله تعالى، ويدل لهذا خبر الطبراني (١): "من انقطع إلى الله كفاه كل مؤنه, رزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها"، والحديث يفسر بعضه بعضًا.
(فر (٢) عن أبي هريرة) لكنه قال: من حيث لا يعلم، ورمز المصنف لضعفه لأنه فيه عمر بن راشد عن عبد الرحمن بن حرملة، قال الذهبي: عمر مجهول، منكر الحديث، وابن حرملة ضعيف. (هب عن علي) وتعقبه بقوله: لا أحفظه بهذا الإسناد، وهو ضعيف بمره.
٤٠ - " أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته (٥) وابن أبي عاصم في السنة عن ابن عباس (ح) ".
(أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة) في القاموس (٣) البدعة بالكسر، الحدث في الدين بعد الإكمال، وما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال، وفي النهاية (٤): أنها نوعان بدعة هدى وبدعة ضلالة، فما كانت في خلاف ما أنزل الله به ورسوله فهي في حيز الذم [ص:٣٠] والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه، أو رسوله فهي في حيّز المدح انتهى.
стр. 216
والحديث يراد به بدعة الضلال، والعمل هنا عام لكل عمل ابتدع فيه أو بكل عمل عمله مبتدع، ولو كان على سنة فلا يقبل لابتداعه في غيره، ويدل لهذا حديث حذيفة مرفوعًا: "لا يقبل الله لصاحب بدعةٍ صلاة ولا صوماً ولا صدقةً ولا حجاً ولا صرفاً ولا عدلاً" أخرجه ابن ماجة (١) (حتى) يدع (يترك) بدعته ونفي القبول نفى الإثابة أو للإجزاء سيأتي فيه التحقيق، وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن الابتداع, ولقد عم الابتداع في كل ذرة من ذرات الدين، ولا يزال كل يوم في مزيد، فإن لله وإن إليه راجعون (٥ بن أبي عاصم في السنة عن ابن عباس) (٢) رمز المصنف لحسنه على رمز ابن ماجة، إلا أنه من رواته بشر بن الحناط عن أبي زيد عن المغيرة عن بن عباس قال في (الميزان) (٣): أبو زيد والمغيرة لا يعرفان انتهى.
قلت: ورمز المصنف خلاف الصواب. وابن أبي عاصم هو ابن الحافظ الكبير الإمام أبو عمر بن النبيل بن أبي عاصم الشيباني الزاهد قاضي أصبهان، سمع من خلائق وله الرحلة الواسعة والتصانيف النافعة، قال ابن أبي حاتم: صدوق ذهبت كتبه في البصرة في فتنة الزنج، فأعاد من حفظه خمسين ألف
стр. 217
حديث، وكان ظاهري المذهب مات سنة ٣٨٧ (١).
٤١ - " أبى الله أن يجعل للبلاء سلطاناً على بدن عبده المؤمن (فر) عن أنس (ض) ".
(أبى الله أن يجعل للبلايا) بالكسر والقصر وهو التألم والمشقة سلطانًا تسلطًا (على بدن عبده المؤمن) أي تسلطًا يدوم ويستمر، وإن اتفق ذلك لزيادة في أجره أحيانًا كذا قال الشارح.
قلت: هذا ذكره الشارح أيضًا فتدبر، ويحتمل أن يكون من بلي الثوب إذا تلاشى وذهب، وأنَّ المراد أنَّه لا يبتلي العبد المؤمن في قبره الذي هو بيت النبلاء كما قال الجريري، وإهالة بيت النبلاء ويكون خاصًا بالعلماء والشهداء الذين ورد أنها لا تأكلهم الأرض، وأما الأول فيرده أو يبعده ما في الأحاديث من أن المؤمن كخامة الزرع لا يزال النبلاء يصيبه وما لا يأتي عليه العد من الأحاديث في هذا الباب، ويؤيد ما حملناه عليه ذكر البدن (فر عن أنس) (٢) رمز المصنف لضعفه لأن فيه القاسم بن إبراهيم الملطي كذاب، له عجائب من الأباطيل.
قلت: وهذا مما يخالف شرط المصنف الذي ذكره في الخطبة.
٤٢ - " ابتدروا الأذان، ولا تبتدروا الإمامة (ش) عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً".
(ابتدروا) بكسر الهمزة، أي يبادر بعضكم بعضًا مسارعة (الأذان) أي الإعلام بدخول وقت الصلاة، والمراد بادروا وسارعوا، والأذان لغة: الإعلام، وفي الشرع: الإعلام بألفاظ مخصوصة على أمر مخصوص، وهذا يصلح له كل
стр. 218
مؤمن، (ولا تبتدروا الإمامة) لأنه ما يصلح إمامة كل مؤمن، بل قد اعتبر الشارع لمن يؤمّ شرائط وأوصاف: من كونه أقرأهم ونحوها مما يأتي، ولأن ابتدار الأذان لا مفسدة فيه بخلاف بابتدار الإمامة، فإنه قد يتقدم من ليس بأهل على من هو أهل لها, ولأن ابتدار الأذان لا خلل فيه، ولا تفريق لجماعة المسلمين بخلاف ابتدار الإمامة (ش عن يحيى (١) بن أبي كثير مرسلاً) وهو ابن منصور اليمامي أحد الأعلام العباد أرسل عن أنس وغيره، وله شواهد.
٤٣ - " ابتغوا الرفعة عند الله: تحلم عمن جهل عليك، وتعطي من حرمك (عد) عن ابن عمر" (ض).
(ابتغوا) هو بالغين المعجمة اطلبوا (الرفعة) بكسر الراء هي علو الدرجة (عند الله) وفي الكبير: أنه لما قال ﷺ الرفعة، قالوا: وما هي يا رسول الله، قال: (تحلم) بضم اللام من الحِلم بكسر الحاء المهملة وهي جملة استئنافية، وقعت جوابًا عن السؤال، فهو مرفوع لا مجزوم، لأنَّه ليس جوابًا للأمر ولذا عطف عليه، وتعطي مرفوعًا، والحلم العقل، والمراد هنا لازمه وهو الوقار وأنه لا يستفزه الغضب (عمن جهل عليك وتعطي من حرمك) مقابلة للسيئة بالحسنة، وذلك مما يوجب الرفعة عند الله في الدارين (عد عن ابن (٢) عمر) رمز المصنف
стр. 219
لضعفه [ص٣١] لأن فيه الوازع بن نافع متروك.
٤٤ - " ابتغوا الخير عند حسان الوجوه (قط) في الأفراد عن أبي هريرة".
(ابتغوا الخير) اطلبوه (عند حسان الوجوه) المراد بها جمالها وثيابها وذلك أنها لما كانت الصورة الظاهرة عنواناً للصورة الباطنة والأخلاق تبع الخلق أرشد ﷺ إلى أن من كمل الله صورته فهو مظنة للخير، ومحل لقضاء ما يراد منه من الحاجات على يديه، وقد كان ﷺ يأمر أصحابه إذا بردوا إليه بريداً أن يجعلوه حسن الوجه؛ ويأتي ذلك، ولذلك، يقول الإنسان في قبره لقرينه الصالح فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير، ولقرينه السيئ فوجهك الوجه الذي يأتي بالشر، كما ثبت في الأحاديث، وفي هذا الحديث إرشاد إلى القيافة والاستدلال بالصور إلى أثارها وهو علم مأثور له شأن متبع، ومن حمله على حسن الخلق فقد أبعد وقد روى عن ابن عباس (قط في الأفراد عن أبي هريرة) (١) سكت عليه المصنف، وهو من رواية محمد بن جعفر بن عبد الله الغفاري عن يزيد بن عبد الملك عن عمران بن إياس عنه، قال ابن الجوزي: موضوع، وتعقبه المصنف في مختصر الموضوعات، بأنَّ ابن أبي الدنيا أخرجه عن مجاهد بن موسى عن معن عن يزيد بن عبد الملك فزالت تهمة الغفاري.
٤٥ - " أبد المودة لمن وادك فإنها أثبت، الحارث بن أبي أسامة (طب) عن أبي حميد الساعدي" (ح).
(أبد) بفتح الهمز وسكون الباء والدال مكسورة، وتحذف ياء الأمر، وفي
стр. 220
بعض النسخ بألف بعد الدال، وهو غلط، يوهم أنه من المهموز وليس كذلك فإنه من بدا يبدوا إذا ظهر، لا من بدأ مهموز لأنه لا معنى له هنا، ولأن النسخ الصحيحة بإسقاط الألف والمعنى أظهر (المودة) وهي المحبة أي مودتك (لمن وادك) فإنها أي هذه الخصلة هي إبداك المودة لمن وادك (أثبت) لإدامة الود بينكما ويأتي المعنى هذا باسط (الحارث) هو ابن محمد (بن أبي أسامة) الإمام أبو محمد التميمي البغدادي الحافظ صاحب المسند ومسنده لم يرتبه، ولد سنة ١٧٦ وسمع عن خلائق، وعنه خلائق، وثقه ابن حبان، وقال الدارقطني: صدوق، وأما أخذه على الرواية فكان فقيرًا كثير البنات، وضعفه الأزدي وابن حزم، مات سنة ٢٧٦ (١) (طب عن أبي حميد) (٢) بضم المهملة (الساعدي) بالمهملات نسبة إلى بني ساعدة بطن من الخزرج واسم أبي حميد منذر وقيل عبد الرحمن من فقهاء الصحابة توفي أول خلافة معاوية (٣)، وقد رمز المصنف لحسن الحديث، وقال الهيثمي: فيه من لم أعرفهم.
٤٦ - " ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فَضَلَ شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا (ن) عن جابر (ح) ".
(ابدأ) هذا من المهموز بمعنى ابتدأ الشيء وفعله أولاً (بنفسك فتصدق عليها) بالإنفاق فإن الإنفاق على النفس صدقة، والأمر للندب أو للإباحة
стр. 221
والإيثار فضيلة (فإن فضل) زاد (شيء) من الذي ينفق منه (فلأهلك) وفيه أن نفقة الأهل بعد كفاية النفس، والمراد بالأهل الزوجة، (فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك) الأولاد ونحوهم إن أريد بالأول الزوجة، وإن أريد أعم منها فالقرابة يراد بهم الأعم من الأولاد (فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا) أي بين يديك وعن يمينك وشمالك، وهو كناية عن كثرة عدد الإنفاق، وأصل كذا كناية عن العدد، ويجيء من الخبر قليلاً (ت عن جابر) قال: اعتق رجل عبدًا لله له عن دبر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال: (ألك مال غيره؟) قال: لا، فقال: (من يشتريه مني؟) فاشتراه نعيم العدوي، بثمانمائة درهم فجاء بها النبي ﷺ فدفعها إليه، ثم ذكره، رمز المصنف لحسنه، وقد رواه مسلم (١).
٤٧ - " ابدأ بمن تعول (طب) عن حكيم بن حزام (صح) ".
(ابدأ بمن تعول) في النهاية (٢): من تمونه وتلزمك نفقته من عيالك، يقال: عال الرجل عياله يعولهم، إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة ونحوها.
قلت: وهو مقيد بما قبله أي بعد كفاية نفسك، وتبين أن المراد بالأصل فيه من يلزم نفقتهم (طب (٣) عن حكيم) بزنة أمير (بن حزام) (٤) بالمهملة مكسورة فزاي صحابي جليل ابن أخي خديجة أم المؤمنين، مات سنة ٥٤، قال البخاري: عاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإِسلام ستين سنة، قال: سألت
стр. 222
رسول الله ﷺ أي الصدقة أفضل؟ فذكره، ورمز المصنف لصحته، وقال الهيثمي: فيه أبو صالح مولى حكيم لم أجد من ترجمه.
٤٨ - " ابدؤا بما بدأ الله به (قط) عن جابر (صح) ".
(ابدأوا) أي في السعي بين الصفا والمروة، ثبتت الرواية لهذا اللفظ بصيغة المضارع عند أحمد ومالك وجماعة من الأئمة (بما بدأ الله به) قاله ﷺ خطاباً لأصحابه عند طوافه بين الصفا والمروة مشيرًا بذلك إلى الآية، ثم بدأ ﷺ بالصفا، وذلك لأنه لا يبتدئ المتكلم إلا بما هو الأهم الأقدم عنده، لا لأن الواو تفيد الترتيب كما استدل به من ذهب إلى ذلك قال سيبويه ما معناه أن الواو لا تفيد الترتيب، لكنهم يقدمون ما هم بشأنه أعني وببيانه أهم وظاهر الأمر الوجوب (قط (١) عن جابر) رمز المصنف لصحته، وجابر هو بن عبد الله صحابي جليل إذا أطلق المحدثون اسمه فهو المراد، وفي الصحابة ممن اسمه جابر عشرون، ولا يذكر أحد منهم إلا مقيدًا باسم أبيه أو صفة، مات جابر بالمدينة سنة ٧٨ وعمره ٩٤ (٢).
٤٩ - " أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم (خ هـ) عن أبي سعيد (حم ك) عن صفوان بن مخرمة (ن) عن أبي موسى (طب) عن ابن مسعود (عد) عن جابر (هـ) عن المغيرة بن شعبة" (صح).
(أبردوا) في النهاية: (٣) الإبراد: انكسار الوهج والحر، وهو من الإبراد
стр. 223
الدخول في البرد، وقيل: معناه صلوها في أول وقتها من برد النهار، هو أوله وفي القاموس (١): أبرد دخل في آخر النهار، وقوله: (بالظهر) أي بصلاته فإن الظهر اسم للوقت وهو ساعة الزوال، كما في القاموس (٢): أيضاً (فإن شدة الحرِّ من فيح جهنم) بالفاء مفتوحة فمثناه تحتية فحاء مهملة، قال في النهاية (٣): سطوع الحرِّ وفورانه، ويقال: بالواو وفاحت القدر يفيح ويفوح إذا غلت، وقد أخرجه مخرج التشبيه والتمثيل أي كأنه نار جهنم في حرها انتهى.
والمراد: تأخير الظهر عن أول وقتها حتى يعتدل حر الظهيرة، ذلك لأنه مع شدة الحرِّ لا تُقبل القلوب على الصلاة لشغلها بالمؤذي من شدة الحر، كما نهي عن الصلاة عند حضور الطعام، وعند مدافعة الأخبثين، وهذا الحديث دال على الأمر بتأخير صلاة الظهر أيام الحر، وهو حديث صحيح، وقال المصنف: هو متواتر رواه بضعه عشر (٤) صحابيًّا.
قلت: إلا أنه قد عارضه حديث خبَّاب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا أخرجه مسلم (٥)، في رواية البيهقي: فما أشكانا (٦)، وقال: "إذا زالت الشمس فصلوا"، وقال الحافظ ابن حجر (٧): مال
стр. 224
الطحاوي إلى نسخ حديث خبَّاب هذا، وحمل بعضهم حديث الإبراد على ما إذا صار الظل فيئًا، وحديث خبَّاب على ما إذا كان الحصا لم تبرد؛ لأنه لا تبرد حتى تصفر الشمس فلذلك رخص ﷺ : في الإبراد ولم يرخص في التأخير إلى خروج الوقت انتهى.
قلت: يأتي هذا التأويل في قوله ﷺ : (فصلوا إذا زالت الشمس) وقد، بحثنا عن هذا في رسالتنا المسماة اليواقيت في المواقيت (خ ٥ عن أبي سعيد (١) /حم ك عن صفوان بن مخرمة الزهري ن عن أبي موسى) هو حيث أطلق الأشعري اسمه عبد الله بن قيس صحابي معروف وفاته سنة ٤٤ وقيل: سنة ٥٠ (٢) (طب عن ابن مسعود/ عد عن جابر/ ٥ عن المغيرة) بضم الميم وبكسر بعدها غين معجمة فمثناه تحتيه (بن شعبة) بضم المعجمة فعين مهملة فموحدة والمغيرة صحابي معروف مات سنة خمسين وفي الصحابة ستة يسمون بالمغيرة (٣).
٥٠ - "أبردوا بالطعام فإن الحار لا بركة فيه (فر) عن ابن عمر (ك) عن جابر، وعن أسماء، مسدد عن أبي يحيى (طس) عن أبي هريرة (حل) عن أنس".
(أبردوا) أمر إرشاد وندب (بالطعام الحار) أخروه حتى يبرد (فإن الحار لا
стр. 225
بركة فيه) أي لا نماء ولا خير وقد ذكر الأطباء ردأة الحار من الطعام، ويأتي النهي عنه، ويأتي في هذا الحرف وعليكم بالبارد فإنه أهنأ وأكثر بركة، (فر عن ابن عمر (١) ك عن جابر وعن أسماء) بفتح الهمزة وسين مهملة [ص:٣٣] ممدودة، وهي إذا أطلقت بنت أبي بكر زوج الزبير والدة عبد الله بن الزبير ذات النطاقين، توفيت بمكة سنة ٧٣، قال الذهبي: هي آخر المهاجرات وفاة (٢) (مسدد) في القاموس كمعظم وهي بالمهملات بن مسرهد بن مجرهد، محدث، قال الذهبي: هو أبو الحسن الأسدي سمع من عوالم، وعنه البخاري وأبو زرعة وأبو داود وخلق، قال الذهبي: هو ثقة، وقال أبو حاتم: أحاديثه عن العطار عن عبيد الله عمر كالدنانير كأنه سمعها من النبي ﷺ .
قال الذهبي: قلت لمسددٍ: مسند سمعتُ بعضه، مات سنة ٢٢٨ ﵀ (٣)، (عن أبي يحيى) اسمه شيبان صحابي له هذا الحديث الواحد (٤) (طس عن أبي هريرة) سكت عليه المصنف وفيه عبد الله بن يزيد البكري ضعفه أبو حاتم (٥)
стр. 226
(حل عن أنس) قال: أُتي النبي ﷺ بقصعة تفور، فقال: "إن الله لم يُطعمنا نارًا فذكره" (١).
٥١ - " أبشروا وبشروا من وراءكم أنَّه من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا بها دخل الجنة (حم طب) عن أبي موسى (صح) ".
(أبشروا) خطاب لكل من يصلح له الخطاب من باب ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، فيحتمل أن يراد الحاضرون السامعون والبشرى أول خبر سار (وبشروا من ورائكم) وهو يؤيد أن الخطاب للسامعين إنه أي بأنه المبشّر لا يتعدى إلى المبشر به بنفسه إلا أن يحذف الجار مع أن قياسًا مطرداً (أنه من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا بها) أي قائمًا به الصدق بمضمونها والاعتقاد بأنها حق؛ لأن كلمة الشهادة صادقة بلا ريب؛ لأنها مطابقة لما في نفس الأمر، ولو صدرت عمن يعتقد كذبها كالمنافق، بأن صادقته الكلام لا يلزمها صادقته المتكلم، فإنه لا يتصف بالصدق حتى يقوم به بأن يعتقده بخلاف صادقته الكلام، فهي مطابقته للواقع سوى صدر عمن يعتقده أولاً وشهد له قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ فوصفهم بما قام بهم من الكذب مع صادقته ما قالوه وهو الشهادة بأنه رسول الله، وإذا عرفت هذا عرفت ملازمة صدق المتكلم لصدق الكلام، وعرفت ما في كلام الجمهور وخلاف الجاحظ من عدم التحرير، وهذا القيد في الحديث أخرج المنافق فإنه يقولها بلسانه غير صادق بها.
ثم هذا الحديث مقيد للأحاديث الواردة في فضل هذه الكلمة بهذا القيد،
стр. 227
وهو الصدق بها، وهو أيضًا مقيد بالأحاديث الدالة على إن مات على ذلك التصديق دخل الجنة.
واعلم أنها لما وردت الأحاديث في فضل هذه الشهادة أنها تدخل قائلها الجنة، وقد علم يقينًا أن للإسلام فرائض من أخلّ بها أو بشيء منها لم يكن من أهل الجنة، كما وردت النصوص بذلك تأول النَّاس أحاديث كلمة الشهادة فمنهم من قال: إنها منسوخة، ومنهم من قال بغير ذلك، قال الحافظ المنذري (١): وقد ذهب جماعة من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال لا إله إلا الله دخل الجنة. أو حرمت عليه النار، أو نحو ذلك، إنما كانت في ابتداء الإِسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد، فلما فرضت الفرائض وحدت الحدود نسخ ذلك، والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة ثم قال: وإلى هذا القول ذهب الضحاك والزهري وسفيان الثوري وغيرهم، وقالت طائفة أخرى: لا احتياج إلى ادعاء النسخ في ذلك، فإن كل ما هو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين، ومتمماته، فإذا أقر ثم امتنع عن شيء جاحدًا ومتهاونًا على تفاصيل في ذلك، وخلاف حكمنا عليه بالكفر، وعدم دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا القول قريب، وقالت طائفة: التلفظ بكلمة التوحيد سبب يقتضي دخول الجنة والنجاة من النار: بشرط أن يأتي بالفرائض ويجتنب الكبائر وهذا قريب من الذي قبله انتهى.
قلت: أما النسخ فرده الإمام الحافظ مؤلف العواصم ما هو مبسوط في الجزء الثالث منها، وقد تأولت أيضًا بتقييدها بالموت على التوبة, وضعف بأنه لا ينبغي للمبشر بكلمة التوحيد [ص:٣٤] فضيلة أو بأنها مقيدة بعفو الله أو شفاعته ﷺ أو يبعد الخروج من النار كما يدل له حديث: "نفعته يومًا من دهره
стр. 228
يصيبه قبل ذلك ما أصابه) وسيأتي (١).
ثم المراد: من قال لا إله إلا الله مع الإقرار بأنَّ محمدًا رسول الله؛ لأنه علم من ضرورة دينه ﵌ وجوب الإقرار برسالته بكلمة التوحيد، حيث وردت مقيدة بما علم من الدين ضرورة، وأنها لا تتم إفادتها إلا مع قرينتها، فإن اليهود تقولها وتعتقدها مع أنهم في النار خالدين، فمثل: "من كان آخر قوله من الدنيا لا إله إلا الله" (٢) أي مع اعتقاد الرسالة ثم الأظهر أن هذه البشرى مثل قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وإن من كان من أهلها ولم يقم بحقها داخل تحت المشيئة وهذا أقرب التأويل (حم (٣) طب عن أبي موسى) رمز المصنف لصحته، قال الهيثمي: رجاله ثقات وله طرق.
٥٢ - " أبعد الناس من الله يوم القيامة القاص الذي يخالف إلى غير ما أمر به (فر) عن أبي هريرة".
(أبعد الناس من الله يوم القيامة) أي من رحمته (القاص) بقاف وآخره صاد مهملة ثقيلة وهو الذي يأتي بالقصة على وجهها ويحض الناس ويخوفهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ثم يخالف قوله فعله كما قال (الذي يخالف) أي يأتي مخالفًا في فعله (إلى غير ما أمر به) وقد ذمَّ الله من هذا شأنه حيث قال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. [البقرة: ٤٤]، وذمَّه العقلاء قال (٤):
стр. 229
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وتأتي في معناه عدة أحاديث (فر عن (١) أبي هريرة) سكت عليه المصنف، وهو ضعيف، لضعف راويه عمرو السكسكي.
٥٣ - " أبغض الحلال إلى الله الطلاق (د هـ ك) عن ابن عمر (صح) ".
(أبغض الحلال إلى الله) البغض خلاف المحبة، وهو كراهة القول والفعل أو الشخص وهو هنا للأول (الطلاق) لما فيه من كسر النفس وحل عقدة الألفة التي يحبها الله تعالى ولأنه قد تفوت العفة الحاصلة بالنكاح للمرأة والرجل، وفيه أن كراهة الله تعالى للفعل لا ينافي حِلّه.
إن قلت: قد طلَّق ﷺ وأمرنا بالطلاق، بل وأمر الله تعالى به فكيف يكون مبغوضًا إليه؟
قلت: ليس المراد هنا إلا الطلاق الذي لم يأمر به الشارع، ولا أذن فيه، وذلك الذي لا يكون له سبب إلا التشهي والتنقل في الحريم والرجال، فالمرأة تطلب الطلاق شهوة في غير من هي تحته وهو يفارق أهله ليذوق غيرها، ويأتي ذم الذواقين من الرجال والذواقات.
وأما ما كان لسوء عشرتها ومخافة أن لا يقيما حدود الله، فإنه محبوب إلى الله لأنه خلوص عن معصيته يحب الله الخلوص منها، فقد نهى الله تعالى عن الإمساك ضرارًا.
واعلم أن (أبغض) اسم التفضيل من بغض الثلاثي وهو هنا مبني للمفعول أي أشد الخلق مبغوضيةً والأكبر أنه يبني للفاعل إلا أنه في هذا الخمسة
стр. 230
الأحاديث مبني للمفعول (د هـ ك عن ابن عمر (١)) رمز المصنف لصحته، وقد روي مرسلاً قال الحافظ ابن حجر (٢): رجح أبو حاتم والدارقطني تصحيح المرسل.
٥٤ - " أبغض الخلق إلى الله من آمن، ثم كفر، تمام عن معاذ" (ح).
(أبغض الخلق إلى الله) أي شر الخلق عنده وأشدهم عذابًا لديه (من آمن ثم كفر) ومات كافرًا لأنه عرف الحق ثم خرج عنه بعد الدخول فيه، فبدل نعمة الله كفرًا، فهو أشد كفرًا وعذابًا من الكافر الأصلي (تمام) (٣) بالمثناة الفوقية وتشديد الميم، هو الحافظ الإمام أبو جعفر محمد بن غالب الضبي البصري نزيل بغداد سمع من خلائق، وصنف وجمع، قال الدارقطني: ثقة محمود، وقال أيضًا: ثقة مأمون، إلا أنه يخطئ، مات سنة ٢٧٣ (٤) (عن معاذ) وهو بضم الميم ثم مهملة
стр. 231
آخره معجمة، إذا أطلق منه وابن جَبَل بالجيم والموحدة مفتوحتين صحابي جليل أحد من تشتاق إليه الجنة (١)، ورمز المصنف لحسنه ورواه الطبراني وفيه صدقة بن عبد الله السمين ضعَّفه أحمد ووثَّقه أبو حاتم، قال الهيثمي: بقية رجاله ثقات.
٥٥ - " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم (ق حم ت ن) عن عائشة (صح) ".
(أبغض الرجال إلى الله) أشدهم مبغوضية إليه (الألد) بفتح الهمزة آخره دال مهملة وهو الذي لا يرجع إلى الحق (الخصم) بالخاء المعجمة فصاد مهملة بزنه فرح هو المخاصم من خاصم إذا جادل وما راء وهو الذي [ص:٣٥] يلح في الخصومة ولا ينفك والمراد: أنه أبغض الخلق في الخصومة (ق حم ت ن عن عائشة) (٢) بالعين المهملة وستين معجمة هي: أم المؤمنين وأعلم أزواج سيد المرسلين، روت ألفاً ومائتي حديث عنه ﷺ .
٥٦ - " أبغض العباد إلى الله من كان ثوباه خيرًا من عمله: أن تكونَ ثيابه ثياب الأنبياء، وعمله عمل الجبارين (عق فر) عن عائشة".
(أبغض العباد) أشدهم مبغوضية من حيث اللباس، فكأنه قال: أشد اللابسين بغضًا عند الله فلا يعارض ما تقَّدم (إلى الله من كان ثوباه) الإزار والرداء، إذ هما غالب ملبوس أهل ذلك العصر (خيرًا من عمله) قد فسرت الإبدال منه بقوله: (أن يكون ثيابه ثياب الأنبياء) في الهيئة والخشونة, (وعمله عمل الجبارين) جمع جبار وهو المتمرد العاتي كما في النهاية (٣)، وشدة بغض الله
стр. 232
له؛ لأنه كالمستهزئ بالله بتواضعه في اللباس وتجبره في الأفعال أو لتدليسه على الناس وإيهامه أنه من الزهاد، ولكن الزهد في الملبوس وإن كان خير مطلقاً لكان عارضه ما صيره شرًّا محضًا (عق فر عن عائشة) (١) سكت عليه المصنف، وقال العقيلي: منكر، وفيه أبو صالح كاتب الليث وفيه مقال، عن سليم بن عيسى وهو متروك، وفيه أيضًا جعفر بن زبرقان ولا يحتج به، وجزم ابن الجوزي بوضعه، وقال الذهبي: باطل. وقال المصنف في الكبير: أنه أورده ابن الجوزي في الموضوعات ولم يتعقبه، فالعجب من إتيانه به هنا مع ما قاله في الخطبة.
٥٧ - " أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية, ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه (خ) عن ابن عباس (صح) ".
(أبغض الناس إلى الله أشدهم) مبغوضية لديه (ثلاثة) فسَّرهم بقوله: (ملحد في الحرم) بالحاء والدال المهملتين قال في القاموس (٢): ألحد في الحرم ترك القصد فيما أمر به أو أشرك بالله أو ظلم أو احتكر الطعام (ومبتغ) من بغي بالموحدة والغين المعجمة طالب (في الإسلام سنة الجاهلية) طريقها وسيرتها وذلك شامل لكل ما كانت عليه الجاهلية من الطرائق والسير (ومطلب) أصله متطلب أدغمت التاء في الطاء بعد قلبها إليها (دم امرئ) لم يبح الشرع قتله كما أفاده بغير حق (ليهريق) أصله أراق أبدلت الهمزة هاء (دمه) الضمير فيه لامرئ ويحتمل أنه لمتطلب أي ليهريق دم نفسه، فإنه إذا قتل قُتل، والمعنى أن أشد
стр. 233
أهل السيئات من الناس هؤلاء الثلاثة أما هم فيما بينهم فلا دلالة فيه على أن أحدهم أشد بغضًا من الآخر إلا أن ترتب الذكر يدل على أن المقدم أعرق في المبغوضية ثم ما يليه وقد يقال: صيغة الترقي تقتضي العكس، ولكل وجهه (خ عن ابن عباس) (١) ولم يخرجه مسلم وزاد في الكبير عن ابن ماجه.
٥٨ - " ابغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم (حم ٣) عن أبي الدرداء".
(ابغوني) يقال أيضًا: بغيني كذا بهمزة الوصل أي أطلب لي أو أبغني بهمزة القطع أي أعني على الطلب، فالحديث يحتملهما والمراد، اطلبوا لي (الضعفاء) يصحبونني أو أعيونني على طلبهم فإني طالب لهم (فإنما ترزقون وتنصرون) على أعدائكم (بضعفائكم) بسببهم فلا يغتر الأقوياء بقوَّتهم، وهذا قاله ﷺ عند الخروج للجهاد، ويأتي حديث: "إذا بعثت سريةً فلا تنتقهم من الانتقاء" واقتطعهم فإن الله ينصر القوم بأضعفهم (حم ٣ عن أبي الدرداء) (٢) بدالين مهملتين بينهما راء ثم آخره همزة ممدودة، اسمه عويمر مصغَّر ابن زيد، ويقال بن عبد الله صحابي جليل عرف بكنيته, والدَردَاء ذهاب الأسنان، والدرداء ابنته توفي بدمشق سنة ٣٢ وقيل غيرها (٣)، سكت عليه المصنف وقد صحَّحه الحاكم وأقرَّه الذَّهبي وفي الرياض سنده جيد.
٥٩ - "أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته، فمن أبلغ سلطانًا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبَّت الله تعالى قدميه على الصراط يوم القيامة (طب) عن
стр. 234
أبي الدرداء (ح) ".
(أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته) هو أمر لذي الوجاهة والقبول عنده، وعند السلاطين. وقيل: وهو أمر ندب؛ لأنه قرن بفعله الأجر، ولم يقرن بتركه الوعيد، وقد يقال: إنه للوجوب في شيء من الحاجات وللندب في شيء على حسب الأحوال (فمن أبلغ سلطانًا حاجة من لا يستطيع إبلاغها) لعدم قدرته على الاتصال به, ولعدم وجاهته عند السلطان (ثبَّت الله قدميه على الصراط) قد فسَّره الحديث أنَّه جسر على جهنم يعبر عليه الخلائق، فمنهم هالك، ومنهم ناجٍ، وتثبيت القدم كناية عن النَّجاة (يوم القيامة طب (١) عن أبي الدرداء) ورمز المصنف لحسنه وفي سنده إدريس بن يوسف الحراني، قال في "اللسان": لا يعرف حاله، قال الشارح: تبع المؤلف في عزوه للطبراني الديلمي، قال السخاوي (٢): وهو وهم، فإن لفظه عنده: "رفعه الله إلى الدرجات العلى في الجنة" وأما لفظه الذي هنا فإنَّه رواه البيهقي عن علي وفيه من لم يسم.
٦٠ - " ابنوا المساجد واتخذوها جُمًّا (ش هق) عن أنس (ح) ".
(ابنوا المساجد) أمر للندب (واتخذوها جُما) بضم الجيم وتشديد الميم بزنة خمر جمع أجم قال في "النهاية" (٣) لا شرف لها شبه الشرف بالقرون انتهى. وكان ذلك لئلا تعرف المساجد بأعقابها فيقصدها المشركون بالأذى، أو كأنه لأنها بيوت الله، ولا يحسن فيها فعل ما لا يحتاج إليه، أو لأنه زينه لظاهرها، وقد نهى
стр. 235
عن تزيين باطنها فظاهرها كذلك (ش هق (١) عن أنس) رمز المصنف لحسنه، وفيه ليث ابن أبي سليم ضعيفٌ، وفيه انقطاعٌ كما صرَّح مخرجه البيهقي.
٦١ - " ابنوا مساجدكم جُمًّا، وابنوا مدائنكم مشرفة (ش ق) عن ابن عباس (ح) ".
(ابنوا مساجدكم جُمًّا، وابنوا مدائنكم مشرفة" ذات شرف بتشريف بيوتها أو سورها، وكأنه لأنها أهيب في صدور الأعداء أو لغير ذلك (ش هق عن (٢) ابن عباس) رمز المصنف لحسنه.
٦٢ - " ابنوا المساجد، وأخرجوا القمامة منها: فمن بنى لله بيتًا بنى الله بيتًا في الجنة، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين (طب) والضياء في المختارة عن أبي قرصافة".
(ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها) بضم القاف وتخفيف الميم، الكناسة (فمن بنى لله بيتًا) مسجدًا ويأتي ولو مثل مفحص قطاه (بنى الله تعالى له بيتًا في الجنة) في الكبير زيادة فيه قيل: يا رسول الله، وهذه المساجد التي تبنى في الطرق، قال: "نعم" (وإخراج القمامة منها مهور) جمع مهر وهو صداق المرأة، (الحور) بضم الحاء المهملة وسكون الواو جمع حوراء من الحور، وهو أن يشتد بياض بياض العين وسواد سوادها ويستدير حدوقها وترق جفونها وتبيض ما حواليها أو شدة بياضها وسوادها في بياض الجسد وسواد العين كلها كالطائر، ولا يكون في بني آدم بل يستعار لها، قاله في القاموس (٣)، (والعين)
стр. 236
بكسر المهملة جمع عين وهي بجلاء العين من النحل بالتحريك، وهو سعة العين، والحديث حثَّ على الأمرين: بناء بيوت الله، وتنظيفها (طب (١) والضياء في المختاره عن أبي قرصافه) بكسر القاف وبالراء والصاد المهملة وفي اسمه خلافٌ، قيل: جندل، وقيل: جندرة، وكذلك في اسم أبيه، وهو صحابي (٢)، سكت عليه المصنف، وضعَّفه المنذري وأعلَّه العراقي بأن في سنده جهالة، ومثله قال الهيثمي.
٦٣ - " أبِنِ القدح عن فِيكَ ثم تنفَّس (سمويه في فوائده (هب) عن أبي سعيد".
(ابن) من الإبانة الإزالة (القدح عن فيك) أزله عنه (ثم تنفَّس) أطلق نفسك من الفم، بعد إبانة الإناء الذي تشرب فيه عنه؛ لأَنه ينتن القدح إذا اتصل به النفس، فيفسده على نفسه أو على غيره، وهذا من آداب الشُّرب، ويأتي أنَّه يتنفَّس عنده ثلاثاً ويأتي الكلام فيه (سمويه) بفتح السين المهملة وتشديد الميم وضمها وفتح الواو وبعدها مثناة تحتية مفتوحة، هو الحافظ المتقين الطوّاف أبو بشر إسماعيل بن عبد الله بن مسعود العبدري الأصبهاني سمع عن عوالم، وعنه خلق، قال أبو الشيخ: كان حافظًا متقنًا مذاكرًا بالحديث، وقال أبو نعيم الحافظ: كان من الحفاظ والفقهاء، وقال ابن أبي حاتم: ثقة صدوق، قال الذهبي: قلت: من تأمل فوائده المروية عنه، علم اعتناءه بهذا الشأن توفي سنة ٢٩٣ (٣) (في فوائده هب عن (٤) أبي سعيد) سكت عليه المصنف، وقد أخرجه
стр. 237
مالك في الموطأ، وفيه زيادة في أوله، أخرجه الترمذي وصححه وأقره الحفاظ، ورواه البيهقي في الشعب.
٦٤ - " ابن آدم، أطع ربك تسمى عاقلا، ولا تعصه فتسمى جاهلاً (حل) عن أبي هريرة وأبي سعيد".
(ابن آدم) خطاب عام لكل بني آدم من المذكور والإناث والصبيان وغيرهم، والعقلاء والمجانين، إلا أنه خص العقلاء المكلفين لأدلة أخرى، وهو منادي، والمطلوب استمالة قلب السامع للإصغاء إلى ما يلقى إليه من قوله (أطع ربك) والطاعة الانقياد له في كل ما أمر به ونهى عنه، والتعيين بالرب مع إضافته إلى المخاطب إيقاظ له بأنه مملوك، وأن من شأن المملوك، طاعة مالكه، سيما إذا كان مفيضًا عليه إحسانه مسبلاً عليه امتنانه، مبتدئًا بإيجاده فضلاً وبإبقائه له، وإدرار نعمه عليه (تسمَّى عاقلاً)، لم يجزمه في جواب الأمر؛ لأنه لم يقصد السببية؛ لأنها لا يناسب هنا؛ لأنها تقضي بأنه ليس بعاقل إن لم يطع ربه، مع أنه عاقل أطاع أو عصى إذ هو مكلف إلا أنه لما كان عاصيًا كان كأنه غير مستحق؛ لأن يسمي عاقلاً فإنَّ العاقل من عقله غفلة عن معاصيه وحجزه عن مناهيه (ولا تعصه فتسمي جاهلاً) لأنه مع العصيان لا يستحق أن يسمي عاقلاً؛ لأنه اسم تشريف وتكريم لا يستحقه إلا من قام بمعناه؛ لأن من غمره مولاه ومالكه بالنعم وأفاض عليه من جوده ما لا يحيط به الإحصاء إذا عصاه كان من الجهل في رتبة هي أعظم رتب الجهل، ولا يستحق أن يكون من ذوي العقل ولذا جعلهم الله كالأنعام بل أضلّ، وخصّ تعالى الخطاب في القرآن بذوي الألباب تعريضًا بأن من لا لب له ينتفع به كالبهائم، ويأتي حديث أفلح من رزق لبًّا، وقال الفقهاء: وأعقل الناس أزهدهم؛ لأنه لا يزهد في الدنيا إلا أرغب الناس في طاعة مولاه ويأتي حديث: "الكيس من عمل لما بعد
стр. 238
الموت" (حل عن (١) أبي هريرة وأبي سعيد) سكت عليه المصنف وقال مخرجه: غريب.
٦٥ - " ابن آدم، عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك. ابن آدم، لا بقليل تقنع، ولا بكثير تشبع. ابن آدم، إذا أصبحت معافى في جسدك، آمنا في سربك، عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء (عد هب) عن ابن عمر".
(ابن آدم عندك ما يكفيك) بما ضمنه تعالى من الكفاية، أليس الله بكاف عبده، ولم يكتف به العبد (وأنت تطلب ما يطغيك) من الغنى والزيادة في الدنيا، اللذين هما أسباب الطغيان ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، (ابن آدم لا بقليل) من المال ونحوه (تقنع) تكتفي وترضى (ولا من كثير تشبع) هذا كالتفسير لصدر الحديث (ابن آدم إذا أصبحت معافى في جسدك) من الأسقام والآلام وأراد الشارح والآثام وليس بمراده من الحديث، وإن كان لا عافية إلا بالسلامة في الدين، إلا أن الحديث مسوق لغير ذلك (آمنا في سربك) بكسر المهملة وسكون الراء نفس الإنسان، يقال: فلان واسع السرب أي رخى البال، ويروى بالفتح لها وهو المسلك والطريق، يقال: خلاله سربه أي طريقه، (عندك قوت يومك فعلى الدنيا) ليس جواب الشرط (العفاء) بالمهملة والفاء ممدودة بزنة سما، كما في النهاية (٢): أي الدروس وذهاب الأثر، وقيل: التراب، والمعنى: إذا أصبح عندي العافية في الجسد والقوت، والأمن, فهو يغنيك عن الدنيا، فإذا درست وذهب أثرها؛ فإنه لا يضرك ذلك، وقد عرفت أن جواب الشرط ما قدرناه أقيم مقامه قوله، فعلى الدنيا أو المراد:
стр. 239
فقل أنت ذلك تحقيرًا لشأنها وإبعادًا لها فحذف القول، وبقي المقول وليس دعاء على الدنيا بالذهاب والدروس بل إظهارًا؛ لعدم المبالاة بها إن ذهبت (عد هب عن (١) ابن عمر) سكت عليه المصنف، وفيه أبو بكر الداهري أحد رجاله كذاب متروك، وقال الذهبي: متهم بالوضع، وذكر نحوه الحافظ ابن حجر.
٦٦ - " ابن أخت القوم منهم (حم ق ت ن) عن أنس (د) عن أبي موسى (طب) عن جبير بن مطعم، وعن ابن عباس، وعن أبي مالك الأشعري (صح) ".
(ابن أخت القوم منهم) هو قطعه من حديث فيه قصَّة واللفظ النبوي هو الذي في الكتاب، وسبب حديث أنس هو ما أخرجه ابن أبي شيبة عن أنس (٢) قال: أعطى رسول الله ﷺ من غنائم حنين الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وعيينة بن حصن مائةً من الإبل، فقال ناس من الأنصار: يعطي رسول الله ﷺ غنائمنا ناسًا تقطر سيوفنا من دمائهم، أو تقطر سيوفهم من دمائنا، فبلغ رسولَ الله فأرسل إليهم، فجاءوا فقال: فيكم غيركم؟ فقالوا: لا، إلا ابن أختنا، فقال: "ابن أخت القوم منهم".
وأما حديث أبي موسى فله خبر آخر وذلك ما أخرجه أحمد وغيره من حديث أبي موسى أن رسول الله ﷺ قام على باب فيه نفر من قريش وأخذ بعضادتي الباب وقال: هل في البيت إلا قرشي، قال: فقيل: يا رسول الله غير فلان ابن أختنا، فقال: "ابن أخت القوم منهم" (٣)، والمراد: أنه متصل بهم بما له عليهم
стр. 240
من الخولة والاتصال بهم، ولا تنافيه أنه من آبائه نسباً، فإن المراد هنا: أنه ليس غيرًا لهم، كما دل عليه قوله ﷺ : هل فيكم غيركم (حم ق ت ن (١) عن أنس د عن أبي موسى طب عن جُبَيْر) بضم الجيم وباء موحدة فمثناه تحتية آخره راء (ابنِ مُطعِم) اسم فاعل من أطعم، وجبير صحابي جليل قرشي نوفلي، توفي سنة تسع أو ثمان وخمسين بالمدينة (٢)، (وعن ابن عباس وعن أبي مالك الأشعري) صحابي جليل.
٦٧ - " ابن السبيل أول شارب يعني من زمزم (طص) عن أبي هريرة (ح) ".
(ابن السبيل) في النهاية (٣): أنه المسافر الكثير السفر سمي ابناً لها لكثرة ملازمته لها، والمراد به هنا: الوافد إلى مكة من قصَّادها (أوَّل شارب) أول مستحق، وأقدم بالشرب، فلا يقدم عليه غيره، وقوله (يعني من زمزم) مدرج في الحديث، ليس من كلامه ﷺ ، وفي حديث أخرجه البيهقي (٤): "ابن السبيل أحق بالماء، والظل من الباني عليه"، قال ابن الأثير (٥): يعني إذا مرَّ بقوم مقيمين على الماء فهو أحق. انتهى.
قلت: وهذا في كل ظل، وما لا يختص بمكة كما خصصه من فسر ذلك، والأولى بقاء الحديث الذي في الكتاب على عمومه إلا أن يكون الذي أدرج
стр. 241
التفسير الصحابي فإنه يقدم تفسيره لمعرفته بموقع الخطاب والسياق (طص (١) عن أبي هريرة) رمز المصنف لحسنه، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
٦٨ - " أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين (حم ت هـ) عن علي (هـ) عن أبي جحيفة (ع) والضياء في المختارة عن أنس (طص) عن جابر، وعن أبي سعيد".
(أبو بكر) اسمه عبد الله أو عتيق إلا أنه غلب عليه كنيته (وعمر) هو ابن الخطاب (سيدا كهول أهل الجنة) (٢) السياد هنا الرفعة عند الله تعالى والأفضلية والكهل كفلس جمعه كهول هو من وخطه الشيب، أو من جاوز الثلاثين أو أربعًا وثلاثين إلى إحدى وخمسين، قاله في القاموس (٣) وقريب منه في النهاية (٤)، وقيل: أراد بالكهل هنا الحليم العاقل، فإن أريد به الأول ورد أن الجنة لا كهل فيها، بل كلهم في سن واحدة أبناء ثلاث وثلاثين، كما جاءت به الأحاديث، ويدفع الإيراد بأن المراد هنا سيدا من أكهل في الدنيا، وهو من أهل الجنة، فلا ينافيه حديث: "الحسنين سيدا شباب أهل الجنة" وحديث: "لا يبلي شبابهم" سيأتي، وحينئذ فالحسنان أفضل أهل الجنة إلا الأنبياء، وإلا أباهما فهو خير منهما. لما يأتي، وإن أريد بالكهل المعنى الثاني، والمراد: سيدا أهل الحلم والعقل في الجنة، عارضه حديث: "الحسنان سيدا شباب أهل الجنة" لأن أهلها كلهم
стр. 242
شباب حلماء عقلاء، فيكون دالاً على أفضلية الشيخين على من عداهما إلا الحسنين، ومن استثني وحديث الحسنين دال على أفضليتهما إلا على الشيخين، فالحديثان لا يدلان إلا على أفضلية من ذكر فيهما من حسنين على من عداهما إلا الشيخين ومن استثنى، وحديث الكتاب هذا دال على أفضلية الشيخين على من عداهما إلا الحسنين ومن استثني، ونظيره أن يقال: زيد أفضل أهل البلد إلا عمرًا، وعمر أفضل أهل البلد إلا زيدًا، فإنه يدل على أفضلية كل واحد منهما على أهل البلد، إلا من استثنى، وأما أفضلية زيد على عُمَر وعكسه فإنه لا دليل عليه من هذا التركيب، ويأت لهذا نظائر في الحديث (من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين) في هذا العطف دليل على مغايرة الرسول للنبي، خلافاً لمن زعم ترادفهما، ويأتي هذا مبسوطًا إن شاء الله تعالى (حم ت ٥ عن علي) قال الصدر المناوي سنده سند البخاري (١) (٥ عن أبي جحيفة) مصغَّر جحفة بالجيم والحاء المهملة والفاء صحابي جليل من صغار الصحابة، توفي رسول الله ﷺ ولم يبلغ الحلم، وشهد مع علي على المشاهد كلها، ومات سنة ٧٤ بالكوفة (٢) (ع والضياء في المختارة عن أنس (٣) طص عن جابر وعن أبي سعيد).
٦٩ - " أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس (ع) عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه عن جده، قال ابن عبد البر (٤): وما له [حديث]-
стр. 243
غيره (حل) عن ابن عباس (خط) عن جابر" (ح).
(أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر) لمكانهما ومحلهما في الانتفاع بهما، والاستعانة بهما، أو بتلك المنزلة، في القرب والمحبة، أو في وجوب إكرامهما والصيانة لهما، ثم إنه يحتمل أن المراد: كل واحد منهما بمنزلة الحاستين، ويحتمل أنه أراد أن كل واحد منهما بمنزلة حاسة واحدة من الحاستين، لاحتمال أنَّ قوله: (بمنزلة السمع والبصر)، خبر عنهما معًا وأنه خبر عن الأول حذف خبر الثاني، لدلالته عليه، ويأتي الكلام على حديث: "أن عليًّا منه ﷺ بمنزلة الرأس من الجسد" في حرف العين (ع عن المطلب) بضم الميم وتشديد الطاء (بن عبد الله بن حنطب) بالحاء المهملة المفتوحة فنون ساكنة وفتح الطاء بعدها موحدة تابعي وجده صحابي، ووقع في الموطأ حويطب، وقال الحفاظ أنه غلط وأن الصواب ما ذكرناه (١)، وكان المطلب تابعيًّا، من وجوه قريش، سمع عمر بن الخطاب وأبا هريرة، وعن أبيه عبد الله وعن جده حنطب (٢)، (قال ابن عبد البر) هو الحافظ الكبير عالم الغرب مولده ٣٦٨، سمع الكثير وساد أهل زمانه في حفظه، وإتقانه، له تآليف لا مثيل لها في جميع معانيها، وكتاب الاستيعاب في الصحابة ليس لأحد مثله، والتمهيد والاستذكار، وعدة مؤلفات، كان ديِّنا صينًا ثقة صاحب سنة، توفي سنة ٤٦٣ (٣) (وماله غيره) أي ليس لحنطب غير هذا الحديث يرويه، سكت عليه المصنف، وفي سنده اختلاف كثير قاله في الإصابة، وقال في أسد الغابة (٤): سنده
стр. 244
ضعيف، (حل عن ابن عباس) (١)، وسكت عليه المصنف، وفيه الوليد بن الفضل عن عبد الله بن إدريس قال الذهبي: مجهول واه، (خط عن جابر) رمز المصنف لحسنه إلا أن لفظه عند الخطيب: "أبو بكر وعمر من هذا الدين بمنزلة السمع والبصر من الروس"، ورواه الطبراني أيضًا، قال الهيثمي: رجاله ثقات.
٧٠ - " أبو بكر خير الناس؛ إلا أن يكون نبي (طب عد) عن سلمة بن الأكوع" (ض).
(أبو بكر خير الناس) الخيرية هنا مطلقة، قال الشارح: سقط من قلم المصنف لفظ بعدي، بعد قوله: "خير الناس".
قلت: وهو ثابت في الجامع الكبير.
(إلا أن يكون) أي يوجد (نبي) فكان تامة الحجة إلا أن لا يوجد بعده ﷺ نبي، وفيه: فضيلة لأبي بكر (طب عد عن سلمة) بسين مهملة مفتوحة ولام مفتوحة، صحابي جليل من شجعان الصحابة، وفي الصحابة أربعون رجلاً يسمون بهذا الاسم (٢) وهذا (ابن الأكوع) بفتح الهمزة آخره عين مهملة، والمصنف رمز لضعفه لأن فيه عكرمة بن عمار، ومن طريقه أخرجه ابن عدي والخطيب، قال ابن عدي: هذا الحديث مما أنكر على عكرمة, وقال الهيثمي
стр. 245
بعد عزوه للطبراني: فيه إسماعيل بن زياد الأُبُلِّي (١) ضعيف (٢).
٧١ - " أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار، سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبى بكر (عم) عن ابن عباس".
(أبو بكر صاحبي) هذه صحبة خاصة له، وقد سماه الله صاحبه، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ والإخبار بأنه صاحبه تنويه بشأنه، وإبانة لفضله، إلا أنه اختار لإفادة الحكم، أو لازمه (ومؤنسي في الغار) وهو غار ثور الذي اختفيا فيه، لما هاجرا، والقصة معروفة، ويحتمل أنه أراده ﷺ تفسير الصاحب في الآية وبيان أنه المراد فيكون الإخبار لإفادة الحكم وهو الظاهر، وقوله في الغار قيد للأمرين (سدوا كل خوخة في المسجد) هي بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو ثم آخره معجمة أيضًا باب صغير كالنافذة الكبيرة يكون بين بيتين ينصب عليهما باب، غير خوخة أبي بكر، قال السمهودي في "خلاصة الوفا" (٣): وبوب البخاري لقوله سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، وساق حديثًا عن ابن عباس، وفيه: "لا يبقينَّ باب إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكر" (٤)، وفي رواية مسلم (٥): "إلا خوخة أبي بكر"، قال: والخوخة: طاقة تفتح في الجدار للضوء، وحيث تكون سفلاً يمكن
стр. 246
الاستطراق منها، وهو المراد هنا، لذا أطلق اسم الباب عليها (١) قال الحافظ ابن حجر (٢) في حديث: "سدوا الأبواب" ما يخالف ظاهره ما سبق، كحديث سعد بن أبي وقاص أمر رسول الله كما ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب علي أخرجه أحمد والنسائي وسنده قوي (٣)، زاد الطبراني في الأوسط (٤): قالوا: يا رسول الله، سددت أبوابنا، قال: "ما أنا سددتها ولكن الله سدها"، ورجاله ثقات، وذكر في المعنى أحاديث، ثم قال الحافظ: هذه الأحاديث تقوي بعضها بعضًا، وكل حديث منها صالح للاحتجاج به، وقد أورده يعني سدوا الأبواب إلا باب علي ابن الجوزي في الموضوعات (٥)، وقد أخطأ في ذلك خطأ شنيعًا، لرده الأحاديث الصحيحة، بتَوَهُّم المعارض يريد حديث خوخة أبي بكر، مع إمكان الجمع، وقال البزار (٦): الجمع ما دل عليه حديث أبي سعيد يريد الذي في الترمذي مرفوعًا (٧): "لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبًا غيري وغيرك" يريد علي بن أبي طالب ﵇؛ لأن الخطاب له، والمعنى أن باب علي
стр. 247
عليه السلام كان لجهة المسجد، ولم يكن له باب غيره، فلذلك لم يؤمر بسده بخلاف أبي بكر، فإنه كان له باب من خارج المسجد، وخوخة إلى المسجد، كما صرح به الكلاباذي، ويقال: وهو الأصح أنهم أمروا بسدِّ الأبواب، إلا باب علي فسدوها، ثم أحدثوا خوخًا يستقربون الدخول منها، بعد الاستئذان فيه فأمروا أخرى سدها غير خوخة أبي بكر، وقد أطال السمهودي في خلاصته بما هذا خلاصته (١).
واعلم أنه سقط عن قلم المصنف ما هو ثابت في الجامع الكبير بعد قوله: في الغار، فاعرفوا ذلك له، فلو كنت متخذا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، سدوا إلى آخره (عم عن ابن عباس) (٢) سكت عليه المصنف، وقال في الفتح (٣): رجاله ثقات، وكذا رواه الديلمي وابن مردويه.
٧٢ - " أبو بكر مني وأنا منه, وأبو بكر أخي في الدنيا والآخرة (فر) عن عائشة (ض) ".
(أبو بكر مني) قال في الكشاف: قولهم: فلان مني كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما، والمراد: هو يختلط ويتصل بي، وأنا كذلك فعرفت معنى قوله: (وأنا منه وأبو بكر أخي في الدنيا والآخرة) هذه أخوة خاصة غير أخوة الإيمان العامة، وليست هي المؤاخاة التي عقدها ﷺ بين أصحابه فإنه عقد الأخوة بين
стр. 248
أبي بكر وعمر فواخى بينهما كما ذكره المصنف في الجامع الكبير في مسند زيد بن أبي أوفى، ولأنه ﷺ عقد الأخوة بينه وبين علي ﵇ كما أخرجه أحمد في كتاب مناقب ﵇ من حديث ابن أبي أوفى أيضًا قال: لما آخى النبي ﷺ بين أصحابه قال علي: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإن كان هذا من سخط عليَّ ذلك العقبى والكرامة، فقال رسول الله ﷺ : "والذي بعثني بالحق نبيًّا ما أخَّرتك إلا لنفسي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي .. " (١) الحديث.
وفي الباب أحاديث كثيرة أودعناها "الروضة الندبة" في شرح قوله:
واخي قال له خير الورى ... وهو أمر ظاهر ليس خفيًّا
وحينئذ فلا تعارض بين إخائه ﷺ ﵇، وإخباره بأن أبا بكر أخوه في الدنيا والآخرة؛ لأن رتب الأخوة ودرجاتها متفاوتة وقد قال ﷺ لعمر لما ودَّعه وهو خارج إلى مكة: "لا تنسانا يا أخي من دعائك" (٢) (فر عن (٣) عائشة) رمز المصنف لضعفه؛ لأن فيه عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، قال الذهبي في الضعفاء: كذبوه، وفي الميزان عن ابن أبي حاتم: كان يكذب، وعن الدارقطني: كان يضع.
стр. 249
٧٣ - " أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة (حم) والضياء عن سعيد بن زيد (ت) عن عبد الرحمن بن عوف".
(أبو بكر في الجنة) محكوم له وهو في دار الدنيا بأنه في الجنة، أو إخبار باعتبار ما يؤول إليه، وهؤلاء المذكورون هم العشرة الذين أخبر ﷺ بأنهم في الجنة (وعمر في الجنة) هو حيث يطلق: ابن الخطاب (وعثمان) هو ابن عفان (في الجنة وعلي) هو ابن أبي طالب (في الجنة، وطلحة) هو ابن عبد الله، أسلم على يد أبي بكر قديماً (١) (في الجنة والزبير) هو أبو عبد الله هو: ابن العوام زهري قرشي (٢) (في الجنة وعبد الرحمن بن عوف) العوف: بفتح المهملة الشأن أو الذكر والجد واسم طائر وكأنه نقل من أحد هذه الأسماء، وهو زهري، وكان اسمه: عبد عمر فسمَّاه النبي ﷺ عبد الرحمن، أسلم بمكة قديمًا على يد أبي بكر (٣) (في الجنة وسعد) هو أبو إسحاق هو ابن أبي وقاص واسم أبي وقاص مالك بن وهيب زهري قرشي أسلم قديمًا على يد أبي بكر (٤) (في الجنة وسعيد) هو أبو الأعور، (بن زيد) بن عمرو بن نفيل العدوي القرشي (٥)، (في الجنة وأبو عبيدة) اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري القرشي (٦) (في الجنة) فهؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة نظّمهم السيد الحافظ محمد بن إبراهيم بن الوزير
стр. 250
رحمه الله تعالى:
للمصطفي خير صحبٍ نص أنهم ... في جنَّة الخلد نصًّا زادهم شرفاً
هم طلحة وابن عوف والزبير ... مع أبي عبيدة والسعدان والخلفاء
ونظم عددهم جماعة من أئمة الحديث، واعلم أن الإخبار بأنهم في الجنة، المراد: أنهم داخلون الجنة في أول الأمر من دون أن يصيبهم بعذاب، فلا يرد أن كل من مات على الإيمان يدخل الجنة، وفيه فضيلة لهم ليست لغيرهم، إلا من شهد له ﷺ بمثل ذلك (حم والضياء عن سعيد بن زيد ت عن عبد الرحمن بن عوف (١).
٧٤ - " أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان أهل الجنة، ابن سعد (ك) عن عروة مرسلاً".
(أبو سفيان) في سببه الثلاث حركات (بن الحارث) هو ابن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ أسلم أبو سفيان عام الفتح، وحسن إسلامه (سيد فتيان أهل الجنَّة) الفتيان بكسر الفاء جمع فتى، وهو الشباب السخي الكريم، قاله في القاموس (٢)، وهذه السيادة أخص من سيادة الحسين والعمرين، كما لا يخفى واسم أبي سفيان المغيرة، (ابن سعد ك عن عروة) بضم المهملة وهو إذا أطلق فهو عروة بن الزبير ليس له صحبة؛ لأنه ولد سنة ٢٩ وهو أحد الفقهاء السبعة وهو ثقة مأمون (٣) (مرسلاً) (٤) ورواه ابن سعد عنه بلفظه، وروى الحاكم