مهملة قبيلة معروفة أخبر أن الأمانة فيها أي هم مظنة الأمانة ومحلها. (والحياء) بالمد وتقدم حده كائن. (في قريش) أي أنهم مظنة الاتصاف به وهو من شريف الصفات يأتي حصر الإيمان فيه وهو إعلام بأن بعض القبائل تختص بصفات شريفة ويراعى ذلك فيها. (طب) (١) عن أبي معاوية الأزدي) نسبة إلى القبيلة المذكورة.
٣٠٦٥ - "الأمانة غنى". القضاعي عن أنس.
(الأمانة) هي لفظ يقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمانة وقد جاء في كل حديث. (غنى) فإنه إذا عرف بها الرجل كثر معاملوه وكان ذلك سبباً لغناه وأطلق عليها الغنى مبالغة كأنها نفسه فخصها بهذه الصفة وإن كانت لها صفات أخر من أنه يحبها الله ويحب فاعلها لأن النفوس إلى الخير الدنيوي أقرب طلباً وإرادة. (القضاعي (٢) عن أنس).
٣٠٦٦ - "الأمانة تجلب الرزق، والخيانة تجلب الفقر". (فر) عن جابر القضاعي عن علي.
(الأمانة تجلب الرزق) لصاحبها بأن يسوقه الله إليه لأنه عف عما لا يحل فرزق من حيث يحل، أو لأنه يعرف بها فيكثر معاملوه كما سلف. (والخيانة) هي ضد الأمانة. (تجلب الفقر) لأنه تعالى يكله إلى ما اختاره لنفسه من الخيانة فما اختارها إلا ليتوسع رزقه ولأنها تنفر عنه القلوب فلا يعامله أحد. (فر) (٣) عن جابر، القضاعي عن علي).
٣٠٦٧ - "الأمراء من قريش ما عملوا فيكم بثلاث: ما رحموا إذا استرحموا،
стр. 2347
وأقسطوا إذا قسموا، وعدلوا إذا حكموا". (ك) عن أنس (صح).
(الأمراء) عليكم. (من قريش) بحكم الله تعالى. (ما عملوا فيكم بثلاث) بينها بقوله: (ما رحموا إذا استرحموا) معبر صيغة أي ما رحموكم إذا طلبتم منهم الرحمة. (وقسطوا) أي عدلوا وساووا بينكم. (إذا قسموا) ما هو لكم من مال الله تعالى. (وعدلوا إذا حكموا) فهذه الثلاث الحق في الإمارة لهم عليكم لا تجوز منازعتهم ويحتمل أنه إخبار عن قدر الله وأنه قد قضى بأن الإمارة لهم مدة اتصافهم بهذه الخلال. (ك) (١) عن أنس) رمز المصنف لصحته.
٣٠٦٨ - "الأمراء من قريش، ومن ناوأهم أو أراد أن يستفزهم تحات الورق". الحاكم في الكنى عن كعب بن عجرة.
(الأمراء من قريش، ومن ناوأهم) بالنون أي عداهم. (وأراد أن يستفزهم) بالزاي يزعجهم ويفزعهم. (تحات) بتشديد المثناة الفوقية أي تساقط وخذل. (تحات الورق) اليابسة من الشجر فيه أنهم منصورون على من عداهم وظاهره ولو كانوا جائرين. الحاكم في الكنى (٢) عن كعب بن عجرة).
٣٠٦٩ - "الأمر أسرع من ذلك". (د) عن ابن عمرو.
(الأمر أيسر من ذلك) هذا قاله ﷺ لابن عمر وقد مر به وهو يطين جداراً فقاله، أي أمر بقاء الإنسان في الدنيا أو أمر الدنيا والأمر الذي يأبى الإنسان من موته أسرع من عمارة الدنيا والهمة بها، وهو تزهيد عن عمارة الدنيا الذي خالفه الناس شرقاً وغرباً. (د) (٣) عن ابن عمر).
٣٠٧٠ - "الأمر المفظع، والحمل المضلع، والشر الذي لا ينقطع: إظهار
стр. 2348
البدع". (طب) عن الحكم ابن عمير.
(الأمر المفظع) بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء فمهملة أي الشديد الشنيع (والحمل المضلع) بزنته هو الثقيل كأنه يبكي على الاطلاع. (والشر الذي لا ينقطع) إلهام بعد إلهام أظهره بقوله: (إظهار البدع) وذلك لأنها تسلب الدين وتغيره وتمسخه وتخرجه عن صورته مع اعتقاد حسنها فلذا كان لها هذا الشأن وتقدم رسم البدعة. (طب) (١) عن الحكم بن عمير) مصغر عمر.
٣٠٧١ - "الأمن والعافية نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس". (طب) عن ابن عباس.
(الأمن) ضد الخوف. (والعافية نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس) لأنهما لا يعدونهما نعمة أو لأنهم ينفقونها في غير ما ينفعهم فهم مغبونون فيهما. (طب) (٢) عن ابن عباس).
٣٠٧٢ - "الأمور كلها: خيرها وشرها من الله تعالى". (طس) عن ابن عباس.
(الأمور كلها: خيرها وشرها من الله تعالى) قد سبق علمه بها أو هي منه لأن الخير يجازى به الذين أحسنوا والشر وهي العقوبات يكافأ بها الذين أساءوا ولا ينافي: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذلك لأن العقوبات من العبد لأنه الذي سببها لنفسه. (طس) (٣) عن ابن عباس).
٣٠٧٣ - "الأناة من الله تعالى، والعجلة من الشيطان". (ت) عن سهل بن سعد.
стр. 2349
(الأناة) أي التؤدة في الأمور التي لا تفوت بالتؤدة والإتيان بأمور على تؤدة. (من الله تعالى) أي من الصفات التي يرزقها عبده ويحبها له (والعجلة) الطيش والخفة والحدة. (من الشيطان) أي مما يحبه ويحثه عليه لأن بها يكونه الإتيان بالأمور على خلاف وجهها الذي ينبغي أن يكون عليه، والحديث حث على الأناة وتحذير من العجلة. (ت) (١) عن سهل بن سعد).
٣٠٧٤ - "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون". (ع) عن أنس.
(الأنبياء أحياء في قبورهم) ظاهره حياة حقيقة للأجسام ولا مانع عنها والقبر منزل من المنازل يوسعه الله كيف يشاء، والأرواح بيده يردها لمن يشاء إن ثبت ذلك وقوله: (يصلون) صريح في الحياة الحقيقية (ع) (٢) عن أنس).
٣٠٧٥ - "الأنبياء قادة, والفقهاء سادة, ومجالسهم زيادة". القضاعي عن علي.
(الأنبياء قادة) بالقاف والدال المهملة جمع قائد أي يقودون الناس إلى الخير والأعمال الصالحة وإلى قتال الأعداء وتنفيذ أحكام الله في الدنيا ويقودونهم في الآخرة إلى الجنات. (والفقهاء سادة) أي يسودون من سواهم لما علموه من الأحكام الإلهية وهما علم الكتاب والسنة. (ومجالستهم) أي الفقهاء. (زيادة) لأنهم يدلون على الخير وينهون على الشر ويتخلق بأخلاقهم جليسهم، ويحتمل عود الضمير إلى الكل. (القضاعي (٣) عن علي ﵁).
٣٠٧٦ - "الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل
стр. 2350
السفلى، فأعط الفضل، ولا تعجز عن نفسك". (حم د ك) عن مالك بن نضلة (صح).
(الأيدي) عند الإعطاء. (ثلاثة: فيد الله العليا) لأنه المعطي للمعطى والسائل. (ويد المعطي) لغيره. (التي تليها) لأنها معطية. (ويد السائل السفلى) لأنه الآخذ. (فأعط) خطاب لغير معين يراد به كل من يمكنه العطاء. (الفضل) ما يفضل عما يجب عليه من نفسه وأهله. (ولا تعجز عن نفسك) أي لا تعط غير الفضل فتعجز عن إعطاء نفسك فإنها المقدمة: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويحتمل ولا تعجز عن إعطاء السائل فتعجز عن إعطاء نفسك الأجر. (حم د ك) (١) عن مالك بن نضلة) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة رمز المصنف بالصحة على أبي داود.
٣٠٧٧ - "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". (م ٣) عن عمر (صح).
(الإيمان) حقيقته: (أن تؤمن بالله) أي تصدق بوجوده وبإثبات كل كمال له ونفي كل نقص عنه. (وملائكته) أي بوجودهم واتصافهم بما وصفهم الله به. (وكتبه) التي أنزلها على رسله كلهم وأنها من عنده. (ورسله) الأولين إلى خاتمهم المصطفى ﷺ أي تصدق بأنهم رسله وبكل ما جاءوا به. (واليوم الآخر) أنه كائن مجموع له الناس يجازى فيه كل بما فعل بعد إحياء الأموات وحشرهم. (وتؤمن بالقدر) حققناه فيما سلف. (خيره وشره) بالجر بدل من القدر. (م ٣) (٢) عن عمر) هو قطعة من الحديث الطويل المعروف.
٣٠٧٨ - "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله, وتؤمن بالجنة والنار
стр. 2351
والميزان, وتؤمن بالبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره". (هب) عن عمر.
(الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) فلا يتم إيمان من انفراد أحد هذه المذكورة عن الآخر بالتصديق كما قالته اليهود: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] (وتؤمن بالجنة) وأنها أعدت للمتقين. (والنار) وأنها أعدت للظالمين. (والميزان) كما وصفه الصادق بأن له لسانًا وكفتين توزن به الأعمال، أما الصحائف أو نفس الأعمال بعد تجسمها أو نفس الإثابة والعقاب والأول أظهر (وتؤمن بالبعث) من القبور والحياة (بعد الموت) وهو لتضمين الإيمان باليوم الآخر (وتؤمن بالقدر خيره وشره). (هب) (١) عن ابن عمر).
٣٠٧٩ - "الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان". (هـ طب) عن علي.
(الإيمان معرفة بالقلب) أي تصديق محله ومتعلقه بالقلب لأنه محل المعارف. (وقول باللسان) إقرار بما انطوى عليه القلب. (وعمل بالأركان) لما أمر الشارع بالعمل بها وحذف ما يتعلق بالمعرفة والعمل والإقرار للعلم به من أنه أركان الإِسلام التي بني عليها وفيه أن الإيمان مركب من هذه الأركان التي هي اعتقاد وقول وعمل وأنه لا بد من قيامه كل من الثلاثة بما أمرت به وإلا فلا إيمان كامل. (هـ طب) (٢) عن علي).
٣٠٨٠ - "الإيمان بالله إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالأركان".
стр. 2352
الشيرازي في الألقاب عن عائشة.
(الإيمان بالله إقرار باللسان) قدمه؛ لأنه الذي يظهر ويعلم به إيمان صاحبه وقدم في الأول المعرفة؛ لأنها الأصل الذي يتفرع عنه الإقرار والعمل تفرعاً صحيحاً. (وتصديق بالقلب) لما أمر العبد أن يصدق به. (وعمل بالأركان) عبارة عن الأعضاء؛ لأن بها قام الإنسان كما يقوم البنيان بالأركان (الشيرازي في الألقاب (١) عن عائشة).
٣٠٨١ - "الإيمان بضع وسبعون شعبة: فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" (م د ن هـ) عن أبي هريرة (صح).
(الإيمان بضع) بفتح الباء وكسرها، من ثلاث إلى تسع على الأصح. (وسبعون شعبة) بضم المعجمة خصلة، قال الكرماني: شبه الإيمان بشجرة ذات أغصان وشعب كما شبه حديث: "بني الإِسلام على خمس" بخباء ذي أعمدة وأطناب، قال القاضي: أراد التكثير على حد: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرًّةً﴾ [التوبة: ٨٠] أو المراد الحصر وأن شعب الإيمان وإن كانت متعددة لكن حاصله ترجع إلى أصل واحد وهو تكميل النفس على وجه يصلح معاشه ويحسن معاده وذلك أن يعتقد ويسبقهم في العمل، قال الطيبي: الأظهر التكثير وذكر البضع للترقي يعني شعب الإيمان أعداد مبهمة ولإبهامة لكثرتها إذ لو أريد التحديد لم يبهم.
(فأفضلها قول: لا إله إلا الله) أي هذا الذكر أفضل الشعب والتصديق القلبي خارج منها اتفاقاً قال القاضي: لكن إنه أراد أفضلها من وجه وهو أنه يوجب عصمة الدم والمال لا أنه أفضل من كل وجه إلا لزم أنه أفضل من الصلاة
стр. 2353
والصوم ويجوز أن يراد الزيادة المطلقة لا على ما أضيف إليه أي المشهور من بينها بالفضل. (وأدناها) مقداراً من الآخر. (إماطة) بكسر الهمزة إزالة. (الأذى) كل ما يؤدي من شوك وحجر. (عن الطريق) ظاهره ولو طريق غير المسلمين إلا أنه يأتي تقييدها بطريق المسلمين (والحياء) بالمد. (شعبة من الإيمان) أي الحياء الإيماني المانع من إتيان القبيح سبب الإيمان لا النفساني المخلوق في الجبلة كذا قيل وإفراده بالذكر؛ لأنه كالداعي لسائر الشعب، قال الزمخشري (١): جعل الحياء من الإيمان؛ لأنه قد يكون خلقياً أو اكتسابياً كجميع أعمال البر وقد تكون غريزة لكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية فهو من الإيمان لهذا ويكون باعثاً على أعمال الخير ومانعًا من المعاصي وهذا الحديث نص في إطلاق اسم الإيمان الشرعي على الأعمال ومنعه الكرماني وزعم أن المراد شعب الإيمان بضع. (م د ن هـ) (٢) عن أبي هريرة) ورواه غيرهم وهو في البخاري بلفظ: "الإيمان بضع وستون شعبة".
٣٠٨٢ - "الإيمان يمان". (ق) عن ابن مسعود (صح م).
(الإيمان يمان) أي منسوب إلى أهل اليمن لأنهم آمنوا من غير كلفة ولا قتال قيل بل لأن الإيمان بدأ من مكة وهي من تهامة، وتهامة من اليمن ولهذا يقال الكعبة اليمانية وقيل: أنه قال هذا القول وهو بتبوك ومكة والمدينة بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة، وقيل: أراد بهذا الأنصار لأنهم يمانيون فنسبه إليهم لأن لهم العناية بالجهاد والجلاد فيه. (ق) (٣) عن أبي
стр. 2354
مسعود) قال المصنف: إنه متواتر.
٣٠٨٣ - "الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن". (تخ د ك) عن أبي هريرة (حم) عن الزبير، عن معاوية (ح).
(الإيمان قيد الفتك) أي يمنع من الفتك وهو القتل بعد الإيمان غدراً كما يمنع العبد من التصرف. (لا يفتك مؤمن) لأن إيمانه يمنعه عن ذلك وينهاه عنه والمراد كامل الإيمان, قال الشارح: وما وقع من الفتك بكعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق وغيرهما فكان قبل النهي أو هي وقائع مخصوصة بأمر سماوي، قال الزمخشري (١): الفرق بين الفتك والغيلة أن الفتك أن تهتبل غرته فتقتله جهارًا، والغيلة أن يكمن له في محل فيقتله خفية انتهى. (تخ د ك) عن أبي هريرة) رمز المصنف بالصحة على الحاكم، (حم) (٢) وعن الزبير، وعن معاوية).
٣٠٨٤ - "الإيمان الصبر والسماحة". (ع طب) عن في مكارم الأخلاق عن جابر.
(الإيمان الصبر) على الطاعات فعلًا وعن المعاصي تركًا (والسماحة) بالحقوق وبما يحبه الشارع قال البيهقي: يعني بالصبر عن محارم الله وبالسماحة أن يسمح بأداء ما افترض الله عليه، ومثله قال الحسن البصري، فالصبر والسماحة هما ملاك شعب الإيمان فمن اتصف بهما أتى بسائر شعبه فلذا اختصر عليهما. (ع طب) (٣) في مكارم الأخلاق عن جابر) قال الهيثمي: فيه يوسف بن محمَّد بن المنكدر متروك وقال النسائي: ضعيف.
стр. 2355
٣٠٨٥ - "الإيمان بالقدر نظام التوحيد". (فر) عن أبي هريرة.
(الإيمان بالقدر نظام) بزنة كتاب. (التوحيد) أي سلكه الذي يجمعه ويضمه فإنه لا يتم التوحيد ويجتمع للعبد إلا به وتقدم الكلام فيه, وفيه تشبيه التوحيد بالدرر واللآلئ والعقد سلكها الذي ينضم فيه ويجمع. (فر) (١) عن أبي هريرة) فيه محمَّد بن معاذ قال في الميزان: فيه لين، أورده ابن الجوزي في الواهيات وقال: حديث لا يصح.
٣٠٨٦ - "الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن". (ك) في تاريخه, والقضاعي عن أبي هريرة.
(الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن) عمن آمن به لأنه يعلم أن كل ما أصابه لم يكن ليخطئه وكلما أخطأه لم يكن ليصيبه فلا تهتم بآت ولا تحزن على فائت. (ك) في تاريخه, والقضاعي (٢) عن أبي هريرة) فيه السري بن عاصم الهمداني مؤذن المعتز قال في الميزان: وهاه ابن عدي وقال: سرق الحديث وكذبه ابن خراش، قال: ومن بلاياه هذا الخبر، وأورده ابن الجوزي في الواهيات، وقال السري قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به.
٣٠٨٧ - "الإيمان عفيف عن المحارم، عفيف عن المطامع". (حل) عن محمَّد بن النضر الحارثي مرسلاً.
(الإيمان عفيف عن المحارم) أي ذو الإيمان الصادق كذلك أو الإيمان.
стр. 2356
عفيف نفسه لأنه ليس فيه إلا النهي عنها. (عفيف عن المطامع) لأنها منافية للإيمان والاتصاف به. (حل) (١) عن محمَّد بن النضر الحارثي مرسلاً) ثم قال: وهذا لا يعرف له طريق عن محمَّد الأنصاري مرسلاً.
٣٠٨٨ - "الإيمان بالنية واللسان، والهجرة بالنفس والمال". عبد الخالق بن زاهر الشحاني في الأربعين عن عمر.
(الإيمان بالنية) أي الاعتقاد الحازم والنية من مبادئه، فأطلقت عليه مجازاً. (واللسان) إقرار بالتزامه والتزام أحكامه أي يكون مبدأه بها دين ثم عام العمل بالأركان. (والهجرة) بالنفس عن بلاد الكفر إلى بلاد الإِسلام. (بالنفس) بالخروج بها. (والمال) بإخراجه إن أمكن لئلا يتقوى به العدو فإن تعذر هاجر بنفسه. (عبد الخالق بن زاهر الشحاني) (٢) بضم المعجمة وإهمال الحاء ثم نون محدث مشهور كذا ضبطه الشارح وفي نسخة مقابلة على خط المصنف بالميم عوض النون (في الأربعين عن عمر).
٣٠٨٩ - "الإيمان والعمل أخوان شريكان في قرن، لا يقبل الله أحدهما إلا بصاحبه ". ابن شاهين في السنة عن علي.
(الإيمان والعمل أخوان) أراد بالإيمان نفس التصديق والعمل القول باللسان وعمل بالأركان وبين الأخوة بقوله: (شريكان في قرن) بتحريك الراء هو الحبل الذي يقرن به بين الشيئين. (لا يقبل الله أحدهما إلا بصاحبه) فمن صدق ولم يعمل لم يقبل إيمانه كأبي طالب ومن عمل ولم يصدق لم يقبل عمله كالمنافق.
стр. 2357
(ابن شاهين (١) في السنة عن علي) وأخرجه الحاكم والديلمي بلفظه.
٣٠٩٠ - "الإيمان والعمل قرينان، لا يصلح كل واحد منهما إلا مع صاحبه". ابن شاهين عن محمَّد بن علي مرسلاً.
(الإيمان والعمل قرينان، لا يصلح كل واحد منهما) صلاحًا ينفع صاحبه (إلا مع صاحبه). (ابن شاهين (٢) عن محمَّد بن علي) وابن الحنفية المدني ثقة عالم من الطبقة الثانية (مرسلًا) وأخرجه عنه الحاكم.
٣٠٩١ - "الإيمان نصفان: فنصف في الصبر ونصف في الشكر". (هب) عن أنس.
(الإيمان نصفان) أي يقوم بالأمرين. (نصف في الصبر) على الطاعات وعن المحرمات وعلى الأقدار الماضيات. (ونصف في الشكر) على ما يسقه الرب من النعم والمضارة مداره على هذين الأمرين، قيل وجه التنصيف أن الإيمان اسم مسماه مجموع العمل والقول والنية وهو يرجع إلى شطرين فعل وترك فالفعل العمل بالطاعة وهو حقيقة الشكر والترك الصبر عن المعصية والدين كله في هذين فعل المأمور وترك المحظور وقد أطلنا الكلام في هذا في كتابنا في الصبر والشكر والذي انتزعناه من كتاب ابن القيم (٣). (هب) (٤) عن أنس فيه يزيد
стр. 2358
الرقاشي) قال الذهبي وغيره: متروك.
٣٠٩٢ - "الإيماء خيانة, ليس لنبي أن يومئ". ابن سعد عن سعيد بن المسيب مرسلاً.
(الإيماء) هو الإشارة بأي عضو من الأعضاء. (خيانة، ليس لنبي أن يومئ) فإنه لا يكون أمره ونهيه إلا ظاهراً لأنه مشرع الأحكام وهذا قاله يوم الفتح لما أمر بقتل ابن أبي سرح وكان رجل من الأنصار نذر إن رآه ليقتله فجاء عثمان فشفع له وقد أخذ الأنصاري بقائم السيف ينتظر النبي ﷺ متى يومئ إليه فيشفع عثمان حتى تركه فقال النبي ﷺ : "هلا وفيت بنذرك"، فقال: انتظرت متى تومئ فذكره. (ابن سعد (١) عن سعيد بن المسيب مرسلاً). فيه علي بن زيد بن جدعان ضعفوه، قال ابن عساكر (٢): ورواه بمعناه الحسن بن بشر عن الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس.
٣٠٩٣ - "الأئمة من قريش: أبرارها أمراء أبرارها، وفجارها أمراء فجارها، وإن أمرت عليكم قريش عبداً حبشياً مجدعاً فاسمعوا وأطيعوا له وأطيعوه, وما لم يخير أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه، فإن خير بين إسلامه وضرب عنقه فليقدم عنقه". (ك هق) عن علي (صح).
(الأئمة من قريش) قيل هو إخبار في معنى الأمر وأنهم لا يكونون إلا منهم وبه احتج أبو بكر يوم السقيفة على الأنصار وإليه ذهب الجماهير وتأولوا: "ولو عبداً حبشياً" بأن المراد من ولاه الإِمام القرشي، وقيل أنه من باب الأذان في الحبشة ونحوه كما يأتي عن ابن الأثير. (أبرارها أمراء أبرارها) أي قدر الله الأمر
стр. 2359
هكذا أن يولى على الأبرار مثلهم أبرار. (وفجارها أمراء فجارها) والأمر معتبر بأغلب الأمة، قال ابن الأثير: على جهة الإخبار عنهم لا على طريق الحكم عليهم وهو نظير حديث: "كما تكونوا يولى عليكم" قال ابن حجر (١): فوقع مصداق ذلك لأن العرب كانت تعظم قريشاً لسكناها الحرم فلما بعث المصطفى ﷺ ودعا إلى الله توقف غالب العرب عن اتباعه وقالوا: ننظر ما يصنع قومه فلما فتح مكة وأسلمت قريش اتبعوه ودخلوا في دين الله أفواجاً واستمرت الخلافة والإمارة فيهم.
وصارت الأبرار تبعًا للأبرار والفجار تبعًا للفجار. (وإن أمرت عليكم قريش عبداً حبشياً مجدعاً) بميم ودال مشددة مقطوع الأنف أو غيره (فاسمعوا له وأطيعوا) في كل أمر. (ما لم يخير) الأمير. (أحدكم بين إسلامه) أي ترك إسلامه. (وضرب عنقه فإن خير، بين إسلامه وضرب عنقه فليقدم عنقه) فإنه لا يؤثر على إسلامه شيء من نفس ولا مال.
واعلم: أنه قد اختلف الناس اختلافاً كبيراً في منصب الأمة بما هو معروف في محله. (ك هق) (٢) عن علي ﵁) رمز المصنف بالصحة على الحاكم؛ لأنه قال صحيح إلا أنه تعقبه الذهبي، فقال: حديث منكر، وقال الحافظ ابن حجر: حسن لكن اختلف في رفعه ووقفه ورجح الدارقطني وقفه وقال: قد جمعت حديث الأئمة من قريش في جزء ضخم عن نحو أربعين صحابياً فقال العلائي: لم أجده ذهول، قال السبكي: وفي الصحيحين معناه والذي فيهما: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقى في الناس اثنان" قال ابن حجر: وفيهما: "الناس تبع لقريش".
стр. 2360
٣٠٩٤ - "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". مالك (حم م ٤) عن ابن عباس (صح).
(الأيم) هي في الأصل من لا زوج لها قيل والمراد هنا الثيب بدليل عطف البكر عليها. (أحق بنفسها من وليها) في الرغبة والزهد في الزوج وفي اختيارها له لا في العقد فإن مباشرته لوليها لخبر: "لا نكاح إلا بولي ونية بأحق أن لوليها حقا لكن حقها آكد. (والبكر) البالغ. (تستأذن في نفسها) أي يطلب منها الإذن بأن تنكح يستأذنها وليها. (وإذنها صماتها) بالضم سكوتها قيل: أفاد الحديث أن ولي البكر أولى بها من نفسها؛ لأن الشيء إذا قيد بأخص أوصافه دل على أن ما عداه بخلافه فقوله "أحق بنفسها" جمع نصاً ودلالة والعمل بالدلالة واجب كوجوبه بالنص، وإنما شرع للولي استئذانها تطييبًا لنفسها لا وجوباً عند الشافعية بدليل جعل صماتها إذنها والصمت ليس بإذن إنما جعل بمنزلة الإذن لأنها قد تستحي أن تفصح. مالك (حم م ٤) (١) عن ابن عباس) ورواه الشافعي ولم يخرجه البخاري.
٣٠٩٥ - "الأيمن فالأيمن". مالك (حم ق٤) عن أنس (صح).
(الأيمن فالأيمن) سببه أنه أتي ﷺ بلبن فشرب منه وأبو بكر عن يساره وأعرابي عن يمينه فأعطى الأعرابي ثم ذكره فهما منصوبان بمحذوف أي قدموا أو ابدؤوا وروي رفعه أي الأيمن حقه ورجحه العيني لأن في بعض رواته "الأيمنون فالأيمنون" وكرر لفظ الأيمن للتأكيد إشارة إلى ندب البداءة بالأيمن بل قال ابن حجر: لا يجوز مناولة غير الأيمن إلا بإذنه ولا ينافيه خبر القسامة وقوله: "كبر كبر" ولا قوله في حديث أبي يعلى: "كان إذا سعى قال: ابدؤوا
стр. 2361
بالكبير" (١) بحمله على الحالة التي يجلسون فيها على سواء ما بين يديه أو عن يساره أو خلفه.
قلت: أما خبر القسامة فهو في المتقدم وفي الكلام وما هنا في نحو الشرب والإكرام فقد يفترقا لأن الأغلب أن الأكبر أحسن بمواقع الخطاب وإبانة الصواب. مالك (حم ق ٤) (٢) عن أنس) وتقدم ذكر سببه.
стр. 2362
حرف الباء
أي هذا حرف الباء أو حرف الباء هذا، قال الواسطي: إذا دار الأمر بين كون المحذوف مبتدأ أو خبر فالأولى كون المحذوف المبتدأ لأن الخبر محط الفائدة، وقال العبدي: الأولى كونه الخبر لأن التجوز في آخر الجملة أسهل ولا كلام في جواز الأمرين إنما الكلام في الأولى حيث لا قرينة بغير المحذوف وإضافة حرف إلى الباب إضافة العام إلى الخاص أي حرف له اختصاص بالباء أي بذكر الجملة التي أولها باء (١).
٣٠٩٦ - "بسم الله الرحمن الرحيم" مفتاح كل كتاب". (خط) في الجامع عن أبي جعفر معضلاً.
(بسم الله الرحمن الرحيم) أي هذا اللفظ فقد جعله مبتدأ لأنه أريد به اللفظ وأخبر عنه بقوله. (مفتاح كل كتاب) والمفتاح اسم الآلة من فتح والكتاب مصدره كتبه كتبًا وكتابًا خطه والكتاب أيضًا ما يكتب فيه والمعنى أن هذا اللفظ آلة لكل مخطوط ومكتوب لا يدخل إليه إلا به كما أنه لا يدخل المنغلق إلا بالمفتاح فيحتمل أن الإضافة عهدية وأن المراد كل كتاب من كتب الله المنزلة على رسله فهو إخبار عن تشريع الله سبحانه وسنته في كتبه وأنه افتتح كل كتبه بها، ويحتمل أنها جنسية إعلام منه تعالى لعباده عما سببه من شرعه لهم أن يفتح كل ما يصدق عليه أنه كتاب بالتسمية واعترض الأول بأنه ينافي ما ورد من حديث ضعيف أن التسمية اختص بها الأمة ودفع بأنه لضعفه لا يعول عليه كيف وقد ثبت أنه كتبها سليمان ﵇ في صدر كتابه ويؤيد الاحتمال الثاني حديث:
стр. 2363
"كل أمر ذي بال لا يبدئ فيه باسم الله فهو أبتر" (١) وما ثبت من ابتداءه ﷺ بها كتبه وإن كان اتصاله دخل في تأييد الأول ولا يخفى لطف افتتاح المصنف لهذا الحرف بهذا الحديث. (خط) (٢) عن أبي جعفر معضلاً).
стр. 2364
فصل الباء مع الألف
٣٠٩٧ - " باب أمتي الذي يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب المجود ثلاثا، إنهم ليضغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول". (ت) عن ابن عمر.
(باب أمتي الذي يدخلون منه الجنة) أي الباب الذي تختص الأمة به فلا يدخله غيرهم وأما هم فيشاركون الناس في الدخول من أي أبواب الجنة شاءوا، قال الحكيم الترمذي: وهو الباب المسمى باب الرحمة، قال القرطبي: وقوله باب أمتي يدل على أنه لسائر أمته ممن لم يغلب عليه عمل يدعى به ولذا يدخلون مزدحمين انتهى، يريد أنه ليس كباب الريان الخاص بالصائمين ونحوه. (عرضه مسيرة الراكب المجوّد ثلاثاً) بكسر ميمه وتشديد الواو مكسورة أي صاحب الجواد وهو الفرس الجيد والمجود الذي يكون دوابه جياداً، وقال الديلمي: المجود المسرع والتجويد السير بسرعة وقال الطيبي: المجود يحتمل أن تكون صفة الراكب أي الذي يجود ركض الفرس وأن تكون صفة المضاف إليه والإضافة لفظية أي الفرس الذي يجود في عدوه انتهى، وقد فهم أن طوله أكثر من ذلك لما علم من أغلبية زيادته على العرض إلا أن الباب معتبر بعرضه فلذا خصه: (إنهم ليضغطون) بضم المثناة التحتية وسكون الضاد المعجمة فغين معجمة، في النهاية (١): أي يزدحمون يقال ضغطه إذا عصره وضيق عليه وقهره.
(حتى تكاد مناكبهم تزول) تقدم تفسير المنكب، واعلم أنه قد ورد أن ما بين المصراعين من مصارع الجنة كما بين مكة وهجر، وعند أحمد: "ما بين المصراعين مسيرة أربعين عامًا" (٢)، فقال الشارح: لا تعارض بين الأول
стр. 2365
وحديث الكتاب "بين الراكب المجود غاية الإجادة تجري ليلاً ونهارًا يقطع سهمًا" انتهى ولا يخفى ضعفه ولم يذكر الجمع بينه وبين حديث أحمد ولعله يقال: أن أبواب الجنة الثمانية هي التي لها السعة وهي مختلفة منها ما هو في غاية السعة كما في حديث أحمد ومنها ما هو دونه كما في الحديث الأول، وأما الأبواب الخاصة كباب الريان وهذا الباب الذي قال الحكيم أنه باب الرحمة فليست لها تلك الصفة من السعة بل باب الرحمة مسافة ثلاث وغيره إن ورد فيه تحديد وإلا بقي حده مجهولاً لنا كباب الريان. (ت) (١) عن ابن عمر بن الخطاب) واستغربه مخرجه الترمذي قال: وسكت محمَّد يعني البخاري عنه ولم يعرفه وقال: خالد بن أبي بكر يعني أحد رجاله له مناكير عن سالم.
٣٠٩٨ - "بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغيُ، العقوق". (ك) عن أنس.
(بابان يعجلان عقوبتهما) عقوبتهما مبتدأ ويعجلان خبر مقدم فلا جمع بين فاعلين وأفرد العقوبة لتثنية الضمير لأنهم يكرهون الجمع بين تثنيتين فيفردون الأول أو يجمعونه كما علم وشبه كلا من. (العقوق، البغي) بالباب لأن منهما تنفتح على العبد عقوبة ما يأتيه، وفيه تنبيه على أن له أن يختار فتح ذلك الباب أو إغلاقه وأن الأمر إليه وتقدم الكلام على بقية ما فيه مراراً. (ك) (٢) عن أنس قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي.
٣٠٩٩ - "بادروا الصبح بالوتر". (م) عن ابن عمر (صح).
(بادروا الصبح بالوتر) المبادرة المسارعة مفاعلة كأن كل واحد من الصبح والوتر يسابق الآخر وفيه ندبية تأخير الوتر حتى لا يبقى بعده متسع إلى الفجر
стр. 2366
قال الطيبي: كأن الصبح مسافر تقدم عليك طالباً منك الوتر وأنت تستقبله مسرعاً بمطلوبه وإيصاله إلى بغيته.
فائدة: فرق ابن القيم (١) بين المبادرة والعجلة:
بأن المبادرة انتهاز الفرصة في وقتها فلا يتركها حتى إذا فاتته طلبها فهو لا يطلب الأمور في إقبالها ولا قبل وقتها بل إذا حضر وقتها بادر وقتها ووثب عليها. والعجلة طلب الشيء قبل وقته (م ت) (٢) عن ابن عمر وأخرجه أبو داود.
٣١٠٠ - "بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم". (حم قط) عن أبي أيوب.
(بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم) اللام للجنس أي نجم كان والقول بأن ثم نجوماً نهارية قول لا دليل عليه وفي معناه ما عند مسلم: كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب" (٣) وفي قوله بادروا ما في الأول من الحث على المسارعة وقد عورض هذا لما عند مسلم وفيه أنه: "لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد" (٤) والشاهد النجم.
وأجيب: بأنه إخبار عن أحد علامات غروب الشمس لا توقيت للمغرب وبأنه يحتمل أن حديث الشاهد في يوم الغيم فان ظهور الشاهد يعرف به غروب الشمس فلذا قال: الشاهد على أن الأحاديث المعارضة له قولاً وفعلاً أكثر وأقوى. (حم قط) (٥) عن أبي أيوب) فيه ابن لهعية قال الذهبي: وشاهده: "لا
стр. 2367
تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم" (١).
٣١٠١ - "بادروا أولادكم بالكنى, قبل أن تغلب عليهم الألقاب". (قط) في الأفراد عن (عد) عن ابن عمر.
(بادروا أولادكم بالكنى) جمع كنية في قولك كنيت عن الآخر، وكنوت عنه إذا وريت عنه بغيره قاله في النهاية (٢) فالكنية ما صدرت بأم أو أب وذلك أنك عبّرت عن الشخص بغير اسمه الذي وضع له، والكنية واللقب يجمعهما العمل بالتحريك ويتغايران بأن اللقب ما أشعر بمدح أو ذم والكنية ما صدرت بأب أو أم وما عدا ذلك فهو الاسم. (قبل أن تغلب عليهم الألقاب) جمع لقب محرك القاف وهي النبز كما في النهاية (٣) وكان يكثر في الذم وهو المراد في الحديث وفيه جواز أن يدعى الرجل الذي لا ولد له بأبي فلان تفاؤلاً. (عد) (٤) عن ابن عمر قال مخرجه ابن عدي: بشر بن عبيدة أحد رجاله منكر الحديث عن الثقات وقد كذبه الأزدي وأورده في الميزان في ترجمته قال: أنه غير صحيح، وقال ابن حجر في الألقاب (٥): سنده ضعيف والصحيح عن ابن عمر وأورده ابن الجوزي في الموضوعات.
٣١٠٢ - "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم: يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل". (حم م ت) عن أبي هريرة (صح).
(بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم) جمع قطعة وهي الجانب منه
стр. 2368
والطائفة أي أنها في التباس بعضها ببعض كجوانب الليل المظلم لا يتميز بعضه عن بعض أو في إطباقها وعمومها للأوقات كعمومه أو إيقاعها للناس في الحيرة وعدم الاهتداء أو في كل ذلك، والمعنى: سابقوا بالأعمال الصالحات هذه الفتن فإنها إذا وقعت كان فيها شغل شاغل عن الأعمال الصالحة. (يصبح الرجل) أي جنس الرجل (مؤمناً ويمسي كافراً) أي لأنه يأتيه في الفتن ما يزل به قدمه عن صفة الإيمان، والضمير في قوله: (ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً) عائد إلى الرجل باعتبار معناه الجنسي لا أنه رجل بعينه يتفق له ذلك بل هو إعلام بأنها تتقلب الأحوال بالناس ولا يثبتون على صفة واحدة، ويحتمل أنه يتفق ذلك لأفراد معينين من الرجال (يبيع) أحدهم. (دينه بعرض من الدنيا) بفتح الراء أي متاع ونكره ووصفه بأنه: (قليل) للإعلام بأنه يتساهل الناس بأمر الدين ولا يقدرون شيئاً، قال الحسن (١): فوالله لقد رأيناهم صوراً ولا عقول، وأجساماً ولا أحلام فراش نار وذباب طمع يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين يبيع أحدهم دينه بثمن عنز، وقال في المطامح: هذا وما أشبهه من أحاديث الفتن من جملة معجزاته الاستقبالية التي أخبر بها ستكون بعده وكانت وستكون وقد أفردها جمع بالتأليف. (حم م ت) (٢) عن أبي هريرة) قال الشارح: لكن "قليل" لم أره في النسخة التي وقفت عليها في مسلم.
٣١٠٣ - "بادروا بالأعمال الصالحة هرماً ناغصاً، وموتاً خالساً، ومرضاً حابساً، وتسويفاً مؤيساً". (هب) عن أبي أمامة.
(بادروا بالأعمال الصالحة هرماً) أي كبراً وعجزاً. (ناغضاً) بالنون وغين وضاد
стр. 2369
معجمات أي مقلقاً محركاً من نغضت أسنانه تحركت وقلقت أي مقلقاً بالآلام والأوجاع والضعف في الأعضاء والحواس، ويحتمل أنه بالصاد المهملة أي مكدراً بذلك. (وموتا خالساً) بالخاء المعجمة والسين المهملة أي يختلسكم على غفلة ويختطفكم بسرعة. (ومرضاً حابساً) اسم فاعل من حبس بالمهملتين أوله وآخره بينهما موحدة أي مانعا عن الأعمال مقيدا عن الحركات. (وتسويفاً مؤيساً) قال في الفردوس: هو قول الرجل سوف أفعل سوف أعمل فلا يعمل إلى أن يأتيه أجله فييأس من ذلك، قال الحكماء: الإمهال رائد الإهمال. (هب) (١) عن أبي أمامة.
٣١٠٤ - "بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض والدجال وخويصة أحدكم وأمر العامة" (حم م) عن أبي هريرة (صح).
(بادروا بالأعمال ستاً) أي شمروا وأجدوا أراد خصالاً وتقدم الكلام في: (طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال) وقوله: (وخويصة أحدكم) بالخاء المعجمة والصاد المهملة تصغير خاصة والمراد بها حادثة الموت التي تختص الإنسان قيل: وصغرت لاستصغارها في جنب سائر العظائم من بعث وحساب وغيرهما.
قلت: يدل له ما يأتي قريباً من حديث: "الخمس العقاب وإن أهونها الموت" أو للتعظيم من باب دويهة تصغّره فيها الأنامل.
وقيل: المراد بها ما يخص الإنسان من الشواغل المقلقة في نفسه أو الفتنة التي تعمي وتصم وقوله: (وأمر العامة) أراد به القيامة لأنها تعم كل الناس الأحياء والأموات بل وكل الحيوانات والمراد بالأمر بالمبادرة بهذه الست لأن
стр. 2370
العمل بعدها لا يمكن في الأخيرتين وفي الأُوَل لا يقبل لما قدمناه مراراً لحق أن المراد ببعض الآيات التي لا ينفع نفساً إيمانها من بعدها أو كسبها خيراً هي طلوع الشمس من مغربها. (حم م) (١) عن أبي هريرة).
٣١٠٥ - "بادروا بالأعمال ستاً: إمارة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافاً بالدم، وقطيعة الرحم، ونشأ يتخذون القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليغنيهم وإن كان أقلهم فقهاً". (طب) عن عابس الغفاري.
(بادروا بالأعمال ستاً: إمارة السفهاء) بكسر الهمزة أي ولا يتهم لما يحدث فيها من التعسف والطيش والخفة، والسفهاء جمعه سفيه وهو ناقص العقل. (وكثرة الشَّرَط) بفتح المعجمة وفتح الراء وسكونها أعوان الولاة سُموا به لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يُعْرَفون بها والشرط: العلامة (وبيع الحُكْم) أراد أخذ الرشوة عليها سمي بيعاً بالمعنى اللغوي وهي معاملة شيء بشيء. (واستخفافًا بالدم) أي عدم مبالاة بسفكه وعدم الاقتصاص من القاتل. (وقطيعة الرحم، ونَشْواً) بفتح النون وسكون المعجمة وقد تفتح ثم همز جمع ناش فاعل من نشأ وهو الغلام أو الحادثة جاوز حد الصغر خصهم لأن غالب حسن الصوت وطراوته وتطريبه لهم. (يتخذون القرآن مزامير) جمع مزمار آلة الزمر أي يتغنون به ويتشدقون ويأتون بنغمات مطربة. (يقدمون أحدهم ليغنيهم) أي في الصلاة التذاذا بصوته لا إقبالاً على ما يجب ولذا قال (وإن كان أقلهم فقهاً) مع أنه منهي عن تقدم غير الأفقه، وفيه: أن حسن الصوت لا اعتبار به في الإمامة، واعلم أن الأمر بالمبادرة بالأعمال لهذه الأمور لأنها إذا حدثت عسرت معها أعمال الخير أو كان وقوعها سبباً لعدم قبول الأعمال ولأنه يحال بين المرء وبين ما
стр. 2371
يريده من الخير بسبب هذه الأعمال عقوبة للعباد. (طب) (١) عن عابس) بمهملة بعد الألف موحدة ثم مهملة (الغفاري) بكسر الغين المعجمة ففاء نسبة إلى غِفار قبيلة، قال الهيثمي؛ فيه عثمان بن عمير ضعيف.
٣١٠٦ - "بادروا بالأعمال سبعاً: ما ينظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال، فإنه شر منتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر". (ت ك) عن أبي هريرة.
(بادروا بالأعمال سبعاً: ما ينظرون إلا فقراً منسياً) أي هل يترقب الناس إلا هذه الأمور، في هذه العبارة ما يشعر بغاية الحث أي هل يترقب الأغنياء إلا فقراً منسيًا من الأعمال الصالحة ويشغله عن آخرته أو فقراً عن الأعمال إذا وافاه الحُمام. (أو غنى مطغياً) أو لا ينتظر الفقير الذي لم يشغله الله بغنى يطغيه ولا بفقر ينسيه إلا أن يأتيه غنى يطغيه وعن آخرته وأعمالها يلهيه وفيه أن خيار الناس أوسطهم حالاً الذي لم ينسه فقره ولا أطغاه غناه. (أو مرضاً مفسداً) أي للأبدان شاغلاً عن أعمال الآخرة. (أو هرماً مفنداً) بضم الميم وفتح فائه وتشديد نونه مكسورة أي موقعاً في الفند وهو كلام الخرف والفند في الأصل الكذب ثم قالوا للشيخ إذا كبر قد أفند لأنه يتكلم بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة. (أو موتاً مجهزاً) بالجيم والزاي مخفف الهاء من أجهز على الجريح أسرع قتله. (أو الدجال، فإنه شر منتظر، أو الساعة، والساعة أدهى وأمر) أي في إفظاعاته من الفظاعة والمرارة والداهية الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص عنه وإظهار الساعة في موضع الإضمار لير فيه التهويل قال العلائي:
стр. 2372
مقصود هذه الأخبار كلها الحث بالبداءة بالأعمال قبل طول الآجال واغتنام الأوقات قبل هجوم الآفات فقد كان المصطفى ﷺ من ذلك بالمحل الأسنى والحظ الأوفى قام في رضا الله تعالى حتى ورمت قدماه ﷺ . (ت ك) (١) عن أبي هريرة) قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي، قال المنذري: رواه الترمذي من رواية محرز بالزاي وهو واه عن الأعرج.
٣١٠٧ - "باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة". (طس) عن علي (هب) عن أنس.
(باكروا بالصدقة) أي بكروا بإخراجها وسارعوا ففاعل هنا بمعنى فَعَّل وعلله بقوله: (فإن البلاء لا يتخطى الصدقة) هو تمثيل جعل كلاًّ من الصدقة والبلاء كفرسي رهان فإنهما سبق لم يلحقه الآخر ولم يتخطه والتخطي تفعل من الخطو. (طس) عن علي (هب) (٢) عن أنس قال الهيثمي: فيه عيسى بن عبد الله وهو ضعيف وأورده ابن الجوزي في الموضوعات.
٣١٠٨ - "باكروا في طلب الرزق والحوائج، فإن الغدو بركة ونجاح". (طس عد) عن عائشة.
(باكروا في طلب الرزق والحوائج، فإن الغدو بركة ونجاح) أي أن الأعمال في الغدو وتقدم تفسيره فيها النمو والزيادة وفيها نجاح الحوائج أي تمامها وقضاؤها وفيه ندبية التبكير في الحوائج قال ابن الكمال: ولهذا ندبوا الابتكار في طلب العلم وقيل: إنما ينال العلم ببكر كبكور الغراب، قيل لبزرجمهر: بم
стр. 2373
أدركت العلم قال: ببكور كبكور الغراب، وتملق كتملق الكلب، وتضرع كتضرع السنور وحرص كحرص الخنزير، وصبر كصبر الحمار. (طس عد) (١) عن عائشة) قال الهيثمي: فيه إسماعيل بن قيس بن سعد وهو ضعيف.
стр. 2374
فصل الباء مع الحاء المهملة
٣١٠٩ - " بحسب المرء إذا رأى منكراً لا يستطيع له تغيراً أن يعلم الله تعالى أنه له منكر". (تخ طب) عن ابن مسعود.
(بحسب المرء إذا رأى منكراً) بحسب بمهملتين في القاموس (١) هذا بحسب ذا أي بعدده وقدره وقد تسكن، وفي النهاية (٢) بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام أي يكفيك فالمراد يكفي الرجل عن تكليفه بالإنكار للمنكر. (لا يستطيع له تغييرًا) بيده ولا بلسانه. (أن يعلم الله تعالى أنه له منكر) بقلبه أي أنه يكفيه عند تعذر القيام بما أمره به من تغيير المنكر، والمنكر: ضد المعروف وكل ما كرهه الشرع وقبحه فهو منكر وتغييره واجب بالفعل ثم بالقول مع الاستطاعة وفسروا الاستطاعة بالقدرة على إزالة المنكر في ظنه فإن تعذرا فبالقلب وهو أضعف الإيمان كما يأتي. (تخ طب) (٣) عن ابن مسعود) قال الهيثمي: فيه الربيع بن سهل وهو ضعيف.
٣١١٠ - "بحسب امرئ من الإيمان أن يقول: "رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإِسلام ديناً". (طس) عن ابن عباس.
(بحسب امرئ من الإيمان أن يقول: "رضيت بالله رباً) أي يكفيه هذا القول معتقداً له لما علم من أن من لم يعتقده فهو منافق والرضا بربوبية الله يستلزم القبول لكل ما كان من عنده من الأوامر الشرعية والأمور القدرة. (وبمحمد
стр. 2375
رسولاً) والرضا برسالته ﷺ مستلزم الإيمان لجميع ما جاء به واتباعه في كل شرعة. (وبالإِسلام ديناً) يستلزم التدين بأحكامه دون غيره من الأديان، والحديث ظاهر في أنه لهذا القول حصان الدم ويحكم لقائله بالإِسلام. (طس) (١) عن ابن عباس) تفرد به محمَّد بن عمير عن هشام انتهى.
٣١١١ - "بحسب امرئ من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا، إلا من عصمه الله تعالى". (هب) عن أنس وعن أبي هريرة.
(بحسب امرئ من الشر أن يشار إليه بالأصابع) الإشارة بالأصابع كناية عن الاشتهار بخصلة من الخصال (في دين أو دنيا) أي الإشارة حقيقة لأن من اشتهر بخصلة تاق إليه العيون ويراها الناظرون وأشارت إليه الأصابع ورمقته عيون أهل المجامع كما قيل:
وأفتى فيك الناظرون فأصبع ... تومئ إليك بها وعين تنظر
وإنما كان ذلك كافياً في الشر لأنه يكتسب صاحبه الفخر بنفسه والفخر بما أوتيه كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] والفخر يفسد الأعمال وكفى بفساد الأعمال شرًا.
إن قلت: الأنبياء وغالب أئمة الدين قد أشير إليهم بالأصابع واشتهروا غاية الشهرة بالخير؟
قلت: قد قيده سيد الرسل ﷺ بقوله: (إلا من عصمه الله تعالى) وهم الأنبياء ومن سلك سبلهم.
إن قلت: إن هذه الشهرة لا اختيار فيها للإنسان.
قلت: بل هي نوعان: نوع لا اختيار له فيه فيجب دفع ما ينشأ عنه، ونوع
стр. 2376
يتكلفه هو بإظهار محاسنه وإبراز ما يشتهر به بين الناس ونشر فضائله ليعرف فهو منهي عنه وعن ما ينشأ عنه، ويحتمل أنه تحذير من اللازم للإشارة بالأصابع وهو الإعجاب بالنفس والاستعظام لها حيث صارت لها شهرة بكمالاتها في دين أو دنيا فإنه إذا اشتهر بتلك وجب عليه دفع ما ينشأ عنه وتعريف نفسه أنها إنما فضلت بتفضيل الله وشهرت بإكرامه لها، كما قال سليمان ﵇: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]. (هب) (١) عن أنس) فيه يوسف بن يعقوب فإن كان النيسابوري (٢) فقال أبو علي الحافظ: ما رأيت في نيسابور من يكذب عليه فإن كان القاضي باليمن فمجهول وابن لهيعة (وعن أبي هريرة) ورواه أبو داود عنه من طريقين وضعفه، وذلك لأن في أحدهما كلثوم بن محمَّد بن أبي سدرة (٣) قال أبو حاتم: تكلموا فيه، وعطاء بن مسلم الخرساني ذكره الذهبي في الضعفاء (٤) عند البعض وفي الأخرى عبد العزيز بن حصين (٥) ضعفه يحيى ومن ثم جزم الحافظ العراقي بضعف الحديث.
٣١١٢ - "بحسب امرئ يدعو أن يقول: "اللهم اغفر لي، وارحمني وأدخلني الجنة". (طب) عن السائب بن يزيد.
(بحسب امرئ يدعو أن يقول: اللهم اغفر لي، وارحمني وأدخلني الجنة) إن قلت: المغفرة متسببة عن الرحمة فإنه إذا رحمه غفر له فلم قدم طلب المغفرة؟
стр. 2377
قلت: أُطْرِدَ هذا التقدم في كتاب الله سبحانه: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ [لأعراف: ٢٣]، ﴿واغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا في رَحْمَتِكَ﴾ [الأعراف: ١٥١] ﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ [المؤمنون: ١١٨] ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
فالجواب: أن الرحمة قسمان رحمة عامة شاملة لكل كائن وهي المرادة في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وبقوله عن ملائكته: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رحْمَةً وَعِلْمًا﴾ ﴿غافر: ٧] فهذه الرحمة العامة قد أعطاها تعالى عباده ووسعتهم وبسببها فتح لهم الباب إلى سؤاله ودلهم على ما يقربهم إليه كما أشار إليه: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ودعاهم إلى دعائه ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فما أحد إلا وله من الرحمة العامة جزء موفور، فإذا عرفت هذا علمت أنه سبحانه قد أعطى عباده الرحمة فهم بين قابل لها وراد لها كالكافر لم يقبلها فالمسئول هنا هو الرحمة الخاصة الكائنة بعد المغفرة وهي التي ينزل الله بها عباده غرف الجنان وهي التي أشار إليها في قوله: "لا أحد يدخل الجنة بعمله"، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" فهذه رحمة وراء المغفرة فالمغفرة سترت الذنوب وتجنب العبد من العذاب وبالرحمة الخاصة يدخل الجنة، وبه يعرف أن عطف قوله: "وأدخلني الجنة" كالتفسير لهما والله أعلم. (طب) (١) عن السائب بن يزيد) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وفيه ضعف.
٣١١٣ - "بحسب أصحابي القتل". (حم طب) عن سعيد بن زيد.
стр. 2378
(بحسب أصحابي القتل) صدره عن راويه أن رسول الله ﷺ قال: "تكون فتن يكون فيها ويكون" قلنا: إن أدركنا ذلك هلكنا فقال: "بحسب ... " إلخ. قال ابن جرير: يعني يكفي القتل المخطئ منهم في قتاله في الفتنة إن قتل فيها عن العقاب في الآخرة على قتاله من قاتل أهل الحق إن كان قاتل مخطئاً عن اجتهاد وتأويل، أما من قاتل مع علمه بالخطأ وقَتل مُصِرّا فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ولا يناقضه خبر من فعل معصية فأقيم عليه الحد فهو كفارته لأن قتل أهل الحق له كفارة عنه قتاله لهم وأما إصراره على معصية ربه في مدافعته أهل الحق عن حقهم وإقامته على العزم للعود لمثله فأمره إلى الله فقتله على قتاله الذي أخبر المصطفى ﷺ أنه عقوبة ذنبه، إلى هنا كلامه. (حم طب) (١) عن سعيد بن زيد) قال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد رجال أحدها ثقات.
стр. 2379
فصل الباء مع الخاء المعجمة
٣١١٤ - " بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه". البزار عن ثوبان (ن حب ك) عن أبي سلمى (حم) عن أبي أمامة.
(بخ بخ) في النهاية (١): هي كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرر للمبالغة وهي مبنية على السكون فإن وصلت جرت وتؤنث وربما شددت وبخبخت الرجل إذا قلت له ذلك ومعناها تعظيم الأمر وتفخيمه انتهى. (لخمس) متعلق بمحذوف أي أقول هذه العبارة معظماً لخمس من الكلمات. (ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر) وتقدم الكلام على الأربع الكلمات وعلى ثقلها وقوله: (والولد الصالح) أي المسلم ولعل هذا مراد به موت المكلفين من الأولاد لأنه الذي يتصف بالإِسلام والصلاح حقيقة فهذه البشرى غير البشرى التي في أحاديث موت الأطفال الذين لم يبلغوا الحنث فإن تلك تندب بهذا القيد وهي عبارة عن بلوغ سن التكليف. (يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه) قال الديلمي: الاحتساب أن يحتسب الرجل الأجر بصبره على ما مسه من حرقة المصيبة. (البزار عن ثوبان) قال الهيثمي: حسن يعني البزار إسناده، إلا أن شيخه العباس بن عبد العزيز البالساني لم أعرفه (ن حب ك) عن أبي سلمى بفتح السين راعي رسول الله ﷺ قال ابن عساكر: يعرف بكنيته ولم أقف على اسمه وقال غيره: اسمه حريث (حم) (٢) عن أبي أمامة) قال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي.
стр. 2380
٣١١٥ - "بخل الناس بالسلام". (حل) عن أنس (ض).
(بخل الناس بالسلام) بخل كفرح وكرم والحديث إخبار بالبخل بالسلام أما في عصره ﷺ أو فيما يأتي بعد من باب: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، وإذا بخلوا بالسلام فهم بغيره أبخل ففيه إخبار بأنها تغيرت الأحوال أو ستغير. (حل) (١) عن أنس).
стр. 2381
فصل الباء مع الراء
٣١١٦ - " براءة من الكبر لباس الصوف، ومجالسة فقراء المؤمنين وركوب الحمار، واعتقال العنز". (حل هب) عن أبي هريرة.
(براءة) هي مصدر بريء من الأمر يبرأ وهي مبتدأ خصصها صلتها بقوله: (من الكبر لبوس الصوف) بفتح اللام ما يلبس وفي رواية: "لباس". (ومجالسة فقراء المؤمنين). (وركوب الحمار، واعتقال العنز) أي اعتقاله ليحلب لبنه وفي رواية البيهقي: واعتقال العنز أو قال البعير على الشك والمراد: الإخبار بأن من فعل هذه الأشياء فإنه لا كبر فيه وإنها علامة براءته عنه. (حل هب) (١) عن أبي هريرة) فيه القاسم بن عبد الله العمري أورده الذهبي في المتروكين (٢)، وقال قال أحمد: كان يكذب ويضع، قال الزين العراقي في شرح الترمذي: فيه القاسم العمري ضعيف.
٣١١٧ - "برئ من الشح من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة". هناد (ع طب) عن خالد بن زيد بن حارثة (ح).
(برئ من الشح) هو كالتفسير لقوله تعالى: (ومن يوق شح نفسه). (من أدى الزكاة، وقرى الضيف) هو من قرى الضيف يقريه قرّا مكسور مقصور والفتح والمد إضافة. (وأعطى في النائبة) أي أعان الإنسان على ما ينوبه أي ينزل به من المهمات والحوادث، وفي الحديث دليل على أن ما في المال حقّا سوى الزكاة.
стр. 2382
(هناد (ع طب) (١) عن خالد بن زيد بن جارية) بالجيم والراء والمثناة التحتانية الأنصاري، قال في الإصابة: إسناده حسن لكن ذكره يعني خالد بن زيد البخاري وابن حبان في التابعين فيكون حينئذ مرسلاً.
٣١١٨ - "برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في ديارهم". (طب) عن جرير.
(برئت الذمة) في النهاية (٢): أن لكل أحد من الله عهداً بالحفظ والكلائة فإذا ألقى بيده إلى التهلكة أو فعل ما يحرم عليه أو خالف ما أمر به خذلته ذمة الله انتهى والمراد هنا برئت ذمة أهل الإِسلام أي أراها براء. (ممن أقام مع المشركين في ديارهم) فلم يهاجر منها مع التمكن. (طب) (٣) عن جرير البجلي) وفي الفردوس أنه رواه الترمذي وأبو داود.
٣١١٩ - "بردوا طعامكم يبارك لكم فيه". (عد) عن عائشة.
(بردوا طعامكم) أي أمهلوا بأكله حتى يبرد. (يبارك لكم فيه) لأن البركة مع البارد. (عد) (٤) عن عائشة).
٣١٢٠ - "بر الحج إطعام الطعام وطيب الكلام". (ك) عن جابر.
(بر الحج) بكسر الباء الموحدة مصدر بر، تبر، براً والحديث كالتفسير لأحاديث: "الحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة"، وخبر قوله: "بر الحج".
стр. 2383
(إطعام الطعام) أي بذله للمسافرين. (وطيب الكلام) عام لكل كلام طيب وتقدم أن أطيب الكلام سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والمراد أعم من ذلك وهو طيبه بالذكر وبحسن خطاب الناس. (ك) (١) عن جابر).
٣١٢١ - "بر الوالدين يجزئ عن الجهاد". (ش) عن الحسن مرسلاً.
(بر الوالدين يجزئ عن الجهاد) أي يقوم مقامه في نيل الأجر وقد ورد أنه لا جهاد إلا بإذنهما فأفاد أن برهما مقدم عن الجهاد وظاهره ولو كافرين قال الرازي: أجمع أكثر العلماء أنه يجب تعظيم الوالدين والإحسان إليهما إحساناً غير مقيد لكونهما مؤمنين لقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقد ثبت في الأصول أن الحكم المترتب على الوصف يشعر بعلية الوصف فدلت الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين بمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم. (ش) (٢) عن الحسن مرسلاً) وهو تصريح أنه أراد به الحسن البصري وقد عزاه الديلمي وغيره إلى الحسن بن علي ﵄ فلا يكون مرسلاً.
٣١٢٢ - "بر الوالدين يزيد في العمر، والكذب ينقص العمر، والدعاء يرد القضاء والله في خلقه قضاءان: قضاء نافذ، وقضاء محدث، والأنبياء على العلماء فضل درجتين، وللعلماء على الشهداء فضل درجة". أبو الشيخ في التوبيخ (عد) عن أبي هريرة.
(بر الوالدين يزيد في العمر، والكذب ينقص العمر، والدعاء يرد القضاء) تقدم الكلام على هذه الألفاظ وقوله: (والله في خلقه قضاءان) تقدم تفسير القضاءان وهنا قسمه قسمان. (قضاء نافذ) وهو القضاء الأولى الذي لا شرط له. (وقضاء محدث) وهو القضاء الذي في صحف الملائكة أو في اللوح
стр. 2384
المشروط فهو الذي يكون فيه التغيير والتبديل. (للأنبياء على العلماء فضل درجتين) أي زيادة درجتين من درج الجنة بين كل درجتين ما بين السماء والأرض كما يأتي (وللعلماء على الشهداء فضل درجة). أبو الشيخ في التوبيخ (عد) (١) عن أبي هريرة) ضعفه المنذري.
٣١٢٣ - "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم". (طس) عن ابن عمر.
(بروا آباءكم) أي وأمهاتكم فكأنه اكتفى للعلم بأنهما في البر سيان بل الأم أحق كما علم فتكون أولى (تبركم أبناؤكم) أي يكون الجزاء من جنس العمل قال الماوردي: البر نوعان صلة ومعروف والصلة التبرع ببذل المال في جهاد محمودة لغير غرض مطلوب وهذا يبعث عليه سماحة النفس وسخاؤها ويمنع عنه شحها وإباؤها: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] والثاني نوعان قول وعمل فالقول طيب الكلام وحسن البشر والتودد وحسن القول ويبعث عليه حسن الخلق ورقة الطبع لكن لا يسرف فيصير منفى مذمومًا انتهى. ولم يذكر العمل في الآخر (وعفواً) عما لا يحل من التعرض للنساء (تعف نساؤكم) أي تكون عصمتكم عن نساء عباد الله سبباً لعصمة نسائكم عن العباد.
نكتة: قال الغزالي: كان رجل صالح له زوجة صالحة وكان تاجراً فاتفق في بعض الأيام أنه جاءته امرأة تشاوره في شيء فاستحسن يدها فغمزها، ثم أنه دخل منزله فقالت له زوجته: ما الذي أحدثت في يومك؟ قال: لم أحدث شيئاً، قالت: اتق الله واصدق فحدثها ثم قال: ما الذي دعاك إلى السؤال قالت: إن
стр. 2385
فلانا السقاء يدخل علينا بالماء نحوًا من عشر سنين لا يرفع له طرفاً وأنه دخل اليوم فغمز يدي فقلت إنه لأمر حدث منك بهذا معنى ما ذكره ولم يحضرني لفظه. (طس) (١) عن ابن عمر) قال المنذري: إسناده حسن، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني أحمد غير منسوب والظاهر أنه من المستكثرين من شيوخه فلذلك لم ينسبه انتهى، وبالغ ابن الجوزي فجعله موضوعاً.
٣١٢٤ - "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا عن النساء تعف نساؤكم، ومن تنصل إليه فلم يقبل فلن يرد على الحوض". (طب ك) عن جابر (صح).
(بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم، ومن تنصل إليه) بضم الفوقية المثناة والنون فصاد مهملة مشددة من تنصل إليه من الخيانة خرج وفتر أو المراد من اعتذر إليه جان قد أساء إليه. (فلم يقبل) عذره (فلن يرد علي الحوض) أي حيل بينه وبين وروده لأنه لم يبرد غلة أخيه بقبول عذره وقد جاءه ليطفئ حرارة خيانته بمعين عفوه ناسب أن يجازى برده عن تطفئة حرارته في يوم القيامة حرارة لا تقاس بما لا تماثل وقد حسن العقلاء قبول العذر ولذلك قيل:
اقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا (٢)
فقد أجلك من أعطاك ظاهرة ... وقد أطاعك من يعصيك مستترا
وفيه دليل على وجوب قبول العذر وإلا لما توعد عليه ولذلك قالت المعتزلة