← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122096

التنوير شرح الجامع الصغير

الصنعاني

Полный текст (6 289 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٩٩ - " اتخذوا السراويلات فإنَّها من أستر ثيابكم، وحصنوا بها نساءكم إذا خرجن (عق عد) والبيهقي في الآداب عن علي (ض) ". (اتخذوا) أمر يعم الأمة (السراويلات) في القاموس (١): السراويل بالكسر فارسية معربة، وقد يذكر جمعها سراويلات انتهى. وهو لباس معروف (فإنها من أستر ثيابكم) أشدها سترة للعورات، وذكر ابن القيم (٢) أنها اتخذت له ﷺ ومات ولم يلبسها و (حصنوا) بالمهملتين والنون امنعوا (بها نساؤكم) اجعلوها كالمحصون لمنع عوراتهن إذا خرجن من منازلكم، وسببه أن امرأة مرت على رسول الله ﷺ راكبة على حمار، فسقطت فأعرض عنها بوجهه فقالوا: إنها متسرولة، فقال: "اللهم اغفر للمتسرولات، يا أيها الناس اتخذوا ... " الحديث. (عق عد والبيهقي في الأدب عن علي) (٣) رمز المصنف لضعفه؛ لأنه قال مخرجاه العقيلي وابن عدي: أن فيه محمد بن زكريا العجلي، وأنه لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به، وقال أبو حاتم: حديثه منكر، وقال ابن عدي: يحدث بالبواطل، وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع، لكن تعقبه الحافظ ابن حجر: بأن البزار والمحاملي والدارقطني رووه من طريق آخر به، قال: فهو ضعيف لا

стр. 282

موضوع، وتابعه المصنف. ١٠٠ - " اتخذوا السودان؛ فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن (حب) في الضعفاء (طب) عن ابن عباس" (ض). (اتخذوا السودان) هم أولاد حام، والمراد: تملكوا منهم، ويأتي النهي عن اتخاذ الزنج فهو عام مخصص وقوله (فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة) تعليل للأمر باتخاذهم، وإعلام بأنهم مظنة للخير، وأبان الثلاثة بالإبدال منه بقوله (لقمان الحكيم) لقمان وهو ابن باعورا بن أخت أيوب ﵇، وقيل: ابن خالته، عمِّر ألف سنة، وأدرك داود، [ص ٥٢] وأخذ عنه العلم، وقيل: كان قاضيا في بني إسرائيل، وأكثر الأقاويل أنه كان حكيمًا, ولم يكن نبيًّا، وقد قص الله بعض حكمته في القرآن في خطابه لابنه (والنجاشي) هو أصحمة بمهملتين، ابن الحركان من أعلم الناس بالإنجيل، أسلم وحسن إسلامه وصلى عليه رسول الله ﷺ يوم مات بالمدينة، وموته بالحبشة (١)، (وبلال) هو ابن رباح مولى أبي بكر أسلم قديمًا بمكة، وعُذِّب في الله، وكان المؤذن له ﷺ (٢) (حب في الضعفاء طب عن ابن عباس) (٣) رمز المؤلف لضعفه، قال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: فيه أبين بن سفيان ضعيف (٤)، وقال غيره: فيه أيضًا أحمد بن عبد الرحمن الحرَّاني

стр. 283

عدّه الذهبي في الضعفاء، قال: أبو عروبة ليس بمؤتمن على دينه (١)، وجزم ابن الجوزي بوضعه، فإن سلم عن الوضع فهو ضعيف شديد الضعف. ١٠١ - " اتخذوا الديك الأبيض؛ فإن دارا فيها ديك أبيض لا يقربها شيطان، ولا ساحر، ولا الدويرات حولها (طس) عن أنس (ض) ". (اتخذوا الديك الأبيض) بكسر المهملة يجمع على ديوك، وأدياك، وديكة كقردة، وقد يطلق على الدجاجة ويأتي فيه أحاديث (فإن دارًا فيها ديك أبيض لا يقرّبها شيطان ولا ساحر) أي لا يضر أهلها سحره، ولا يقربها أصلاً (ولا الدويرات حولها) كأن المراد إلى أربعين جارًا كما في الجار، ويحتمل: ما حولها منتهى سماع صوت الديك، وقد أخرج أبو القاسم علي بن أحمد بن عبد القدوس الكوفي في "فوائده" عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: أخبرني واقد أنَّ جنيًّا عشق جارية لا أعلمه إلا قال منهم، أو من آل عمر، قال: وكان في دارهم ديكًا فكلما جاءها صاح الديك فهرب، فتمثل في صورة إنسان ثم خرج، فلقي بعض شياطين الإنس، فقال: له اذهب فاشتري لي ديك بني فلان، بما كان وائت به في مكان كذا، فذهب الرجل فأغلاهم في الديك، فباعوه، فلما رآه الديك صاح، فهرب وهو يقول: اخنقه فخنقه حتى صرع الديك، فجاءه فحز رأسه فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى صرعت الجارية، وروى ابن الجوزي في كتاب العرائس ما يناظرها. فائدة: ذكر بعض الحفاظ أن أهل التجربة ذكروا أن الديك الأبيض الأفرق إذا ذبح لم يزل الرجل ينكت في ماله. واعلم أن الحديث دال على أن للسحر حقيقة، وإليه ذهب أئمة التحقيق، وخالف فيه جماعة، وقالوا: لا حقيقة له، قال القرافي (٢): السحر اسم وقع على

стр. 284

حقائق مختلفة، وهي السميا والهيميا، وخواص الحقائق من الحيوانات وغيرها، والطلمسيات والأوفاق، والرقي والعزائم، والاستخدامات، فالسميا عبارة عما ركب من خواص أرضيه كدهن خاص، أو كلمات خاصة توجب تخيلات خاصة، وإدراك الخواص الخمس أو بعضها لحقائق من المأكولات والمشمومات والمبصرات والمسموعات، وقد يكون لذلك وجود يخلقه الله إذ ذاك، وقد يكون لا حقيقة له بل هي تخيلات. والهيميا تمتاز عن السميا أن أثارها الصادرة عنها تضاف للأثار السماوية من الاتصالات الفلكية وغيرها، والخواص للحيوانات وغيرها كثيرة، وليست مما يذكره الأطباء من خواص النباتات وغيرها يزيد، بل هي أمور مجموعة من أشياء يعتني بها السحرة وقد ذكر لها أمثلة، لا يتسع لها هذه الكلمات، وأراد بالحيوانات، قال: والطلسميات نقش أشياء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب، على زعم أهل هذا العلم في الأجسام من المعادن وغيرها، على قوة نفس صالحة لهذه الأعمال فليس كل النفوس مجبولة على ذلك، والأوفاق ترجع إلى مناسبات الأعداء، وجعلها على شكل مخصوص، وكان الغزالي يعتمده كثيراً حتى نسب إليه، وأما الرقى فهي ألفاظ خاصة فإن حدث عنها الشفاء فهي رقى، وإن حدث عنها ضرّ فهي سحر، والعزائم: كلمات يزعم أهل العلم أن سليمان ﵇ وجد الجن يعبثون بالناس في الأسواق ويخطفونهم [ص ٥٣] في الطرقات، فسأل الله أن يولي على كل قبيلة من الجن ملكًا يضبطهم، فولى الله على كل قبيلة ملكًا من الملائكة، فإذا عتا بعض الجن وأفسد ذكر المعزم كلمات يعظمها الملك، ويزعمون أن لكل

стр. 285

ملك من الملوك أسماء يعظمونها، ومتى أقسم عليه بها أطاعته وأجابته، وفعلت ما يريد المعزم، وأما الاستخدامات فهي قسمان: للكواكب والجن، ويزعمون أنَّ للكواكب إدراكات فهذا كلام القرافي فيه إبانة لما يسأل عنه من هذه الأمور (طس عن أنس) (١) رمز المصنف لضفعه. ١٠٢ - " اتخذوا هذه الحمام المقاصيص في بيوتكم؛ فإنها تلهي الجن عن صبيانكم الشيرازي في الألقاب (خط فر) عن ابن عباس (عد) عن أنس (ض) ". (اتخذوا هذه الحمام المقاصيص) بقاف وصادين مهملتين أي التي قصت ريشها فلا تطير ولزمت البيوت (فإنها تلهي الجن) تشغلهم (عن صبيانكم) فلا يتعرض لهم بأذى، وفيه دليل على جواز قصّ الحمام واتخاذها، وأما حبسها في الأقفاص، فقد أفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بعدم جوازه أو كراهته، وفيه: دليل على أن للجن تسلطًا على الصبيان ابتلاءًا وامتحانًا (الشيرازي في الألقاب خط (٢) فر عن ابن عباس) رمز المصنف لضعفه، فإن فيه محمد بن زياد كذاب يضع الحديث، قال ابن حجر: كذبوه، وقال الذهبي: وضّاع، وساق له في "الميزان" هذا الحديث، (عد عن أنس) رمز المصنف لضعفه؛ لأن فيه عثمان بن زفر، قال الذهبي: يروي الموضوعات عن الأثبات، وساق له هذا الحديث. ١٠٣ - " اتخذوا الغنم فإنها بركة (طب خط) عن أم هانئ، وروى (هـ) بلفظ "اتخذي غنما فإنها بركة".

стр. 286

(اتخذوا الغنم فإنها بركة) أي نماء وزيادة، وبركتها درها ونسلها وصوفها، ولكونها من دواب الجنة، وجعلها نفس البركة مبالغة، وبركتها مشاهدة، وقد اتخذها ﷺ كما أخرج الشافعي وأحمد وأبو داود (١) أنه كان له ﷺ مائة من الغنم، ولفظه عنه ﷺ : "لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد فإذا ولد الراعي بهمه ذبحنا مكانها شاة" (طب خط عن أم هانئ) هي بنت أبي طالب أخت علي ﵇ واسمها فاختة، وقال أحمد: هند أسلمت يوم الفتح، وقيل: قبله (وروى (٢) ٥) أي ابن ماجه (بلفظ اتخذي) خطابا لأم هانئ الراوية (غنما فإن فيها بركة). ١٠٤ - " اتخذوا عند الفقراء أيادي؛ فإن لهم دولة يوم القيامة (حل) عن الحسين بن علي (ض) ". (اتخذوا عند الفقراء أيادي) جمع يد بمعنى النعمة، وجمعها بمعنى الجارحة أيدي، وذلك بالإحسان إليهم، (فإن لهم دولة) الدال المهملة (يوم القيامة) شفاعة وقبولاً عند الله، وذكر المصنف في ذيل الجامع من حديث أنس عند ابن ماجة: "يصف الناس يوم القيامة صفوفاً فيمر الرجل من أهل النار، على الرجل من أهل الجنة فيقول: يا فلان! أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة فيشفع له .. " الحديث (٣). (حل عن (٤) الحسين بن علي) هو سبط رسول الله صلى الله

стр. 287

عليه وآله وسلم شهيد كربلاء رضى الله عنه, وقد ذكرنا شطرًا صالحًا من أحواله في "الروضة الندية شرح التحفة العلوية" والحديث رمز المصنف لضعفه، قال الحافظ ابن حجر: أنه باطل، وقال السخاوي: بعد إيراده وإيراد عدة أحاديث في معناه: كل هذا باطل، وسبقهما إلى ذلك، ابن تيميه والذهبي، قالوا: إنه مقطوع بوضع هذا الحديث. ١٠٥ - " اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالا، يعني الخاتم (٣) عن بريدة (ح) ". (اتخذه) الضمير يعود على الخاتم المذكور في صدر الحديث، ولفظه عن بريدة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ عليه خاتم من حديد، فقال: "مالي أرى عليك حلية أهل النار"، ثم جاءه وعليه خاتم من صفر، وفي رواية: من تشبّه فقال: "مالي أجد فيك ريح الأصنام" ثم جاءه وعليه خاتم من ذهب، فقال: "مالي أرى عليك حلية أهل الجنة"، فقال: من أي شيء أتخذه يا رسول الله قال: "اتخذه من ورق" بفتح الواو وكسر الراء الفضة، وفيه كراهة التحلي بالحديد، والشبه: وهو بفتح المعجمة الموحدة نوع من النحاس وهو الصفر، وكراهته بالذهب، وإباحة اتخاذه من الفضَّة، قال الخطابي (١): قوله "مالي أرى عليك حلية أهل النار" أي زي الكفار، وهم أهل النار، يقال: إنما كرهه لذلك، وقيل: لزهومة ريحه، وقد عارض هذه الكراهة حديث معيقيب: كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملوي عليه (٢) فضة، وهذا أجود إسنادًا مما قبله، لا سيما وقد عضده حديث:

стр. 288

"التمس ولو خاتمًا من حديد" (١)، فلو كان مكروهًا لم يأذن فيه، قال البيهقي (٢): وهذا لأنه بالفضة التي لويت عليه لا توجد منه رائحة الحديد، [ص: ٥٤] فيشبه أن ترتفع الكراهة انتهى. قال الحافظ ابن حجر (٣): إن كان الحديث الأول محفوظًا حمل المنع على ما كان حديدًا صرفاً، وأما الشبه فإنما كرهه ﷺ لأنها كانت تتخذ الأصنام منه. فائدة: للعلماء في لبس الخاتم ثلاثة أقوال: الإباحة, إلا عند قصد الزينة، الكراهة: إلا لذي سلطان، الإباحة مطلقًا. قال الحافظ ابن حجر: الصواب الأول، فإنه لبسه ﷺ ولبسه أصحابه. ولم ينكر. قلت: ولو قيل الصواب الآخر، فإن كراهة الزينة لا دليل عليها، بل قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] عام لإباحة كل زينة، ما لم يرد النهي عنه كالتشبه بالنساء (ولا تتمه مثقالاً) كأنه لأنه عبث إذ يحصل الخاتم من أقل من ذلك (يعني الخاتم) مدرج من الراوي تفسير للضمائر (٣ عن (٤) بريدة) بضم الموحدة فراء فمثناه تحتية فدال مهملة صحابي جليل أخر من مات من الصحابة بخراسان، وهو ابن الحصيب ولم يقيده باسم أبيه لأنه ليس في الصحابة من له هذا الاسم غيره (٥)، رمز المصنف لحسنه، وضعفه النووي في شرح مسلم، وتابعه على ذلك جماعة.

стр. 289

١٠٦ - " أتدرون ما العَضَه؟ نقل الحديث من بعض الناس إلى بعض ليفسدوا بينهم (خد هق) عن أنس" (ح). (أتدرون ما العضة) جاء في كتب اللغة (١)، العضة: بكسر العين وفتح الضاد، وقال الزمخشري (٢): أصلها العضهة فعلة من العِضة، وهو البهت حذفت لامُه، كما حذفت من السنة انتهى. ويأتي: إياكم والعضه النميمة بين الناس، وقد أفاده قوله (نقل الحديث من بعض الناس إلى بعض) أي نقل قبيح ما يقوله الرجل في الآخر لا مطلق ما يقوله فيه، كما يدلس لذلك قوله (ليفسدوا بينهم) فإنهم لا إفساد إلا بنقل ما يكره الذي قيل فيه الحديث المنقول، وفي احتراز لو أراد الناقل بالنقل النصيحة للمنقول إليه مثل ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ فيحترز على نفسه، وقد بحثنا عليه في "العدة حاشية شرح العمدة" (٣) في كلام على حديث: "أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة" (٤) (خد هق (٥) عن أنس) رمز المصنف لحسنه، وفي سنان بن سعد ضعيف، وكأنه حسنه المصنف لغيره. ١٥٧ - " أترعوا الطسوس، وخالفوا المجوس (هب خط فر) عن ابن عمر". (اترعوا) الإتراع الإملاء (الطسوس) بضم الطاء وسينين مهملتين جمع طس لغة في الطست (وخالفوا المجوس) في هذا؛ لأن مخالفة المشركين في كل أمر

стр. 290

مدعو إليها ومنها، أنَّ المشابهة في الأفعال تسرق الطبع إلى من يشابهه، وهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا نهي عن مشابهتهم في هذا، علم أن النهي في غيره بالأولى (١) (هب خط (٢) فر عن ابن عمر) سكت عليه المصنف وضعفه البيهقي وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح. ١٠٨ - " أَتَرْعَونَ عن ذكر الفاجر أن تذكروه؟ فاذكروه يعرفه الناس (خط) في رواة مالك عن أبي هريرة". (أترعوون) من ورع يرع كوعد يعد أي اتقي من الورع، محرك الراء، وهو التقوى والمعنى أتتورعون (عن ذكر الفاجر) بوصف فجوره تحذيرًا منه، ونصيحة للناس إذا تورعتم (أن تذكروه) فمتى يعرف فجوره الناس فيحذروه (فاذكروه) أي الفاجر، أمر بذكر فجور الفاجر للتحذير منه كما دل له ما يأتي في الأحاديث (يعرفه الناس) مجزوم جواب الأمر أي فلا يغتر به الجاهل بحاله، ومن هنا اتفق الناس على القدح في رواة الأخبار، وفي الشهود، وبنيت عليه كتب التخريج، فمن عرف فاجرًا وجب عليه ذكر فجوره، لئلا يغتر به الناس في شيء من الأمور التي لا يقبل فيها، فإذا كان قد عرف فجوره فلا فائدة في ذكره ولا في التفكه بعرضه والامتلاء من لحمه (خط في رواية (٣) مالك عن أبي هريرة) سكت

стр. 291

عليه المصنف، وقال مخرجه الخطيب: تفرد به الجارود، وهو منكر الحديث. ١٠٩ - " أترعون عن ذكر الفاجر؟ متى يعرفه الناس؟ اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، والحكيم في نوادر الأصول، والحاكم في الكنى، والشيرازي في الألقاب، (عد طب هق خط) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده" (ض). (أترعون عن ذكر الفاجر متى يعرفه الناس) أن تروعتم عن ذكر فجوره (اذكروا الفاجر بما فيه) من دون زيادة (يحذره الناس) فإن نصح الناس واجب فذكر الفاجر واجب للتحذير كما سلف (ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والحكيم في نوادر الأصول) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن الحكيم الترمذي، صاحب التصانيف أخذ عن عالَم وعنه عالَم، ثم نفي من ترمذ بسبب تأليف "كتاب ختم الولاية" وكتاب "عدل الشريعة" قالوا: زعم أن للأولياء خاتمًا، وأنه يفضل الولاية على النبوة، فنفوه من ترمذ إلى بلخ وهو غير الترمذي صاحب الرمز (١) (والحاكم) هو غير الحاكم أبي عبد الله الذي قدمنا ذكره في أهل الرموز، ولذا ذكره المصنف هنا بلفظه، وهو أبو أحمد محدث خراسان الإمام الحافظ محمد بن محمد بن أحمد الإمام النيسابوري، صاحب التصانيف، الحاكم الكبير، مؤلف كتاب "الكنى" سمع من ابن خزيمة والباغندي والبغوي وطبقتهم، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله المتقدم ذكره وخلائق، قال الحاكم: هو إمام عصره في هذه الصنعة كثير التأليف، مقدّم في معرفة شروط الصحيح

стр. 292

والأسامي والكنى، وقال أيضًا: كان من الصالحين الثابتين على سنن السلف، ومن المنصفين فيما يعتقده في أهل البيت والصحابة، توفي سنة ٣٧٨ ﵀ (١)، (في الكنى) بضم الكاف جمع كنية وهي الإسم المصدر بلفظ أب أو أم، وهو كتاب في أسماء الرواة، وهو نظير الألقاب للشيرازي وهو نوع من علوم الحديث (والشيرازي في الألقاب، عد طب هق خط عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده) (٢) رمز المصنف لضعفه، قال البيهقي بعد إخراجه: ليس بشيء، وقال غيره من مخرجيه: هذا غير صحيح، وكلهم رووه من حديث الجارود، وهو واه، قال أحمد: حديثه منكر، وقال ابن عدي: لا أصل له، قال: وكل من روى هذا الحديث فهو ضعيف، وقال الدارقطني: هو من وضع الجارود.

стр. 293

١١٠ - "اتركوا الترك ما تركوكم؛ فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء (طب) عن ابن مسعود" (ض). (اتركوا الترك) بضم الفوقية المثناة وسكون الراء جيل من الناس، (ما تركوكم) لا تتعرضوا لهم ما لم يتعرضوا لكم (فإن أول من يسلب) من باب قتل يقتل (أمتي ملكهم وما خولهم الله) بالخاء المعجمة (أعطاهم بنو قنطوراء) بفتح القاف وسكون النون وضم الطاء المهملة وألف مقصورة قال المصنف "في مرقاة الصعود حاشية سنن أبي داود" يقال: إنها اسم جارية كانت لإبراهيم ﵇ والترك من نسلها، وقيل: أراد بهم يأجوج ومأجوج (طب عن ابن مسعود) رمز المصنف لضعفه، قال الهيثمي: فيه مروان بن سالم متروك، وقال السمهودي: قد أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير بإسناد حسن، ولم يصب ابن الجوزي حيث جزم بوضعه، وقد جمع فيه الضياء جزءًا (١). ١١١ - " اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبش (دك) عن ابن عمر". (اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة) الكنز: المال المدفون، ولم يذكر هنا ما هو المراد به، فيحتمل: أنه قال مدفون في جوفها، فإنه

стр. 294

ثبت أنه ﷺ بعث، وفيها أموال من النذور ولم يتعرض لها، وأراد عمر إخراجها والانتفاع بها في الجهاد، فشاور الصحابة في ذلك فأشار عليه علي ﵇ بتركه، ويحتمل: أنه أراد به الحجر الأسود فسماه كنزًا تشبيها واستعارة بجامعها لنفاسته (إلا ذو السويقتين من الحبشة) في النهاية (١): أنه تصغير الساق وظهرت التا لأنها مؤنثة وإنما صغّرها لأن الغالب على سوق الحبشة الدقة والحموشة انتهي. وذكر الحليمي (٢) وغيره عن كعب: أن ظهور ذو السويقتين في زمن عيسي ﵇ وذلك بعد هلاك يأجوج ومأجوج، ويبعث إليه عيسى ﵇ طليعة ما بين السبعمائة والثمانمائة, فبينا هم يسيرون إذ بعث الله ريحًا يقبض فيها روح كل مؤمن انتهى. وأخرج أحمد والبخاري: "كأني أنظر إليه أسود أفحج ينقضها حجرًا حجرًا" (٣) يعني الكعبة، فيحتمل أن يراد بالكنز الكعبة نفسها، وباستخراجها هدمها، وإذا كان تعالى قدر خروج الحبشة آخر الزمان كما قال كعب فالأمر بتركهم يشعر أنهم إذا حركوا قبل ذلك كان سببًا لظهورهم قبل ذلك. (د ك عن ابن عمر) (٤) وصححه الحاكم ولكن أعله عبد الحق بأن فيه زهير بن محمَّد شيخ أبي داود سيء الحفظ لا يحتج به.

стр. 295

١١٢ - " اتركوا الدنيا لأهلها؛ فإنه من أخذ منها فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر (فر) عن أنس" (ض). (اتركوا الدنيا لأهلها) الذين رضوا بها واطمأنوا إليها، فحقهم أن ينسبوا إليها ويكونوا أهلها وأن تضاف إليهم (فإنه) أي الشأن (من أخذ منها فوق ما يكفيه) فإنه قد اقبح منها الكفاية [ص:٥٦] وخلقت الأرض وما فيها لذلك، فمن جاوز الكفاية في أخذه منها (أخذ من حتفه) ضبط بالحاء المهملة بعدها مثناة فوقية من هلاكه فإنها تهلكه في أخراه، بل ربما هلك بها في دنياه، وبالجيم فمثناة تحتية أي هي كالجيفة في الآخرة، لتضرر صاحبها بها أو في الدنيا يتكالب الناس عليها تكالب الكلاب على الجيف، كما قال الشافعي (١) ﵀: وما هي إلا جيفة مستحيلة، عليها كلاب همهن اجتذابها، فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها، وإن تجتذبها نازعتك كلابها، وقوله (وهو لا يشعر) لجهله بعاقبتها (فر (٢) عن أنس) رمز المصنف لضعفه، وذلك لأن في سنده من لا يعرف، إلا أن له شواهد تصيره حسنًا، كذا قاله الشارح. ١١٣ - " اتق الله فيما تعلم (تخ ت) عن زيد بن سلمة الجعفي". (اتق الله فيما تعلم) في القاموس (٣): اتقيت الشيء وتقيته اتقاء وتقية وتقاء، ككساء: حَذِرته، والاسم: التقوى، انتهى. والحديث في الترمذي عن يزيد بن سلمة بلفظ: قلت: يا رسول الله! سمعت حديثًا كبيرًا أخاف أن يُنْسِينى آخره أوله، فحدثني بكلمة تكون جماعًا، قال: "اتق الله فيما تعلم وادرز واعمل به"

стр. 296

واعلم أن هذا من جوامع كلمة ﷺ ، ومعناه: اتق الله فيما تعلم أنه سائلك عنه إن فعلته، لم فعلته؟ وإن تركته، لم تركته؟ فأت ما أمرك به، واجتنب ما نهاك عنه، ودع ما لا علم لك به (تخ ت عن يزيد بن سلمة) (١)، بفتح المهملة والسلام (الجعفي) بضم الجيم وسكون العين المهملة صحابي كوفي، له حديث، منسوب إلى جعفي ككُرسي، ابن سعد العشيره أبو حي من اليمن كما في القاموس (٢). ١١٤ - " اتق الله في عسرك ويسرك أبو قرة الزبيدي في سننه عن طليب بن عرفة". (اتق الله في عسرك وشرك) أي على أي صفة كنت من شدة أو رخاء لا ينسينك الفقر، ولا يطغيك الغنى، بل طاعته وتقواه لازمة لك في جميع أحوالك، والمراد: اتق الله في عسرك بالصبر عليه, والعفة عمَّا لا يحل، وفي يسرك بالصدقة، والإحسان والشكر (أبو قرة) (٣) بضم القاف وتشديد الراء اسمه: موسى بن طارق، قال ابن حبان: كان ممن جمع وصنف وذاكر وتفقه (٤)، (الزبيدي) بفتح الزاي نسبة إلى زبيد (في سننه عن طليب) (٥) مصغر آخره موحدة (بن عرفة) بفتح العين المهملة وسكون الراء ففاء، وطليب له وفاده ولم يرو عنه إلا ابنه كليب، وكلاهما مجهولان ذكره الذهبي وابن الأثير.

стр. 297

١١٥ - " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن (حم ت ك هب) عن أبي ذر (ح) (حم ت هب) عن معاذ ابن عساكر عن أنس". (اتق الله حيثما كنت) في أي مكان نزلت وأي جهة حللت، فلا يخص بالتقوى مكانًا دون مكان؛ لأنك بمرأى منه تعالى، ولأن الأماكن بالنسبة إلى علمه بعملك سوى (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) تمح إثمها، وتذهب أثره، وهو مشتق من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (وخالق الناس بخلق حسن) هو ملكة نفسانية تسهّل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة والآداب المرضية، فتصير ذلك كالخلقة في صاحبه، فيدخل فيه التحرر من البخل والشح والكذب وغير ذلك من الصفات المذمومة، ويدخل فيه التحبب إلى الناس بالقول والفعل، والبذل وطلاقة الوجه مع الأقارب والأجانب، والتساهل في الأمور، والتسامح وما يلزم من الحقوق، وترك التقاطع والتهاجر، واحتمال الأذى مع الأعلى والأدنى، مع طلاقة الوجه وإدامة البشر. فهذه الخصال تجمع محاسن الخلق ومكارم الأفعال، ولقد كان جميع ذلك وأضعافه من أخلاقه ﷺ ، وبه وصفه الله بأنه على خلق عظيم، وجَمَع من قال: طلاقة الوجه وكفُّ الأذى ... وبذلك المعروف حسن الخلق هذه أمهات مكارم الأخلاق، وفي عطفه على التقوى ما يشعرك بعلو شأن الخلق الحسن وفي قوله: الناس، إعلام بأنه يحسن خلقه مع كل مؤمن وكافر قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] (حم ت ك هب عن أبي (١) ذر)

стр. 298

رمز المصنف لصحته، وقال الترمذي: حسن صحيح (حم ت هب عن معاذ) وحسنه الترمذي (ابن عساكر عن أنس) سكت عليه المصنف وإسناده ضعيف. ١١٦ - " اتَّق الله، ولا تَحْقِرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تقرغَ من دلوك في إناء المستسقي، وأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة ولا يحبها الله، وإن امرؤ شتمك وعيرك بأمر ليس هو فيك فلا تعيره بأمر هو فيه، ودعه يكون وباله عليه وأجره لك، ولا تسبنَّ أحدًا الطيالسي، (حب) عن جابر بن سليم الهجيمي" (صح). (اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئًا) لا تعدّن بأي شيء من المعروف حقيرًا، فتزهد فيه لحقارته، وقد تصدقت عائشة بحبةٍ من عنب، فقيل لها في ذلك، فقالت: كم فيها من مثقال ذرة (١) (ولو بأن تفرغ) تصب (من دلوك في إناء المستسقي) فإن هذا معروف، يعد حقيرًا فلا تحتقره فتتركه (و) لو (أن تلق أخاك) في الدين (ووجهك إليه منبسط) جملة حالية، وانبساط الوجه طلاقته، وظهور البشر عليه، (وإياك) إيا صفته ضمير منصوب لحقه كاف الخطاب، وناصبه مقدر محذوف وجوبًا، من باب التحذير أي احذر، (وإسبال الإزار) منصوب لأنه المحذر منه، معطوف على المحذر، والإسبال مجاوزة الإزار الكعبين، لحديث: "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" (٢)، وحديث: "إزرة المؤمن إلى نصف الساق، ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين" (٣)،

стр. 299

والحكم شامل للقميص والعباءة ونحوهما، إلا أنه قد قيد الحديث بقوله (فإن إسبال الإزار من المخيلة) فإن حمل على أنه العلة المظنة حرم مطلقًا، وإن أريد بها المس لم يحرم، إلا لمن حصلت له المخيلة، وهو ظاهر حديث أبي بكر حيث قال: يا رسول الله! إن إزاري يسترخي أو نحوه فقال رسول الله: "إنك لست ممن يفعل ذلك مخيلة" (١) أو نحو هذا اللفظ، والمخيلة: بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة هي الكبر، أي الإسبال من دلائلها وذرائعها وقررنا في "رسالة الإسبال" تحريم ذلك لكل حال، لما أقمناه من الأدلة التي ليس فيها مقال (ولا يحبها الله) بل يبغضها كما يدل له أحاديث أخرى (وإن امرؤٌ) مرفوع على أنه فاعل فعل محذوف وجوبًا أي إن شتمك امرؤ (شتمك) هو الذم (وعيرك) من العار بالمهملة وهو كل شيء لزم به عيب، وعيره الأمر ولا يقال بالأمر كما في القاموس (٢)، فعليه قوله (بأمرٍ) يتعلق بشتم على رأي الكوفيين (هو فيك) أنت متصف به، ويفهم منه أنه إذا لم يكن فيه أنه ينتصر لنفسه، وتبين أنه ليس فيه، ويحتمل إنه يدعه أيضًا بالأولى؛ لأنّ الوبال على الشاتم فيه أكثر لأنه بهت وكذب (فلا تعيّره) شاتمًا له بأمر (هو فيه) نهي للتنزيه وإلا فهو جائز بدليل ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] وقوله (ودعه يكون وباله) إثم الشتم والتعيير (عليه، وأجره لك) يدل لذلك، وإلا لعلَّله بأنه إثم (ولا تسبن أحدًا) نهي للتحريم مؤكد بالنون، وأدلته واسعه، وفيه أن المنتصف لا

стр. 300

يسمى سبابًا (الطيالسي) (١) هو أبو داود الحافظ الكبير سليمان بن داود الفارسي الأصل، سمع عن خلائق، وعنه خلائق، منهم أحمد وبندار ومن في طبقتهم، قال الفلاس: ما رأيت أحفظ منه، وقال عمر بن شيبة: كتبوا عن أبي داود من حفظه أربعين ألف حديثًا، قال الذهبي: قلت قد كان يتكل على حفظه فغلط في أحاديث، توفي سنة ٢٠٤ (٢) (حب عن جابر بن سليم) بالمهملة مصغرًا، ويقال فيه سليم بن جابر وهو أبو جزي بالجيم مصغرًا (الهجيمي) بضم الهاء فجيم نسبة إلى هجيم بطن جابر بن سليم، رمز المصنف لصحته وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي. ١١٧ - " اتق الله يا أبا الوليد، لا تأتي يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثواج (طب) عن عبادة بن الصامت" (ح). (اتق الله يا أبا الوليد) نادى ﷺ المخاطب استمالة لقلبه، وطلبًا لإصغائه سمعه لما يلقيه إليه وهو كنية عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي راوي الحديث، والخطاب له، وهو عام في حق غيره (لا تأتي يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء) بضم الراء وغين معجمة ممدودة بزنة غراب صوت الإبل (أو بقرة لها خوار) بالخاء المعجمة وراء بزنة الأول صوت البقر (أو شاةٍ لها ثؤاج) بمثلثة مضمومة آخره جيم بزنة أجوف، وهو صوت الغنم والحديث مسوق للنهي عن غلول الصدقة، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وفيه: دليل على حشر الحيوانات وأن الغال يحشر حاملاً لما غلَّه، وتمام الحديث: فقال: عبادة يا رسول الله ذلك كذلك، قال: أي والذي نفسي بيده إلا من رحم

стр. 301

الله، قال: والذي بعثك بالحق لا أعمل على اثنين (طب عن عبادة) (١) بضم العين المهملة بعدها موحدة حقيقة آخره دال مهملة فتاء تأنيث هو أبو الوليد عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي صحابي جليل شهد العقبتين (٢) (بن الصامت) رمز المصنف لحسنه. ١١٨ - " اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب (حم ت هب) عن أبي هريرة" ض). (اتق المحارم) أول الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من يأخذ مني هذه الكلمات فيعمل بهن، أو يعلّم من يعمل بهن"، قال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيده فعد خمسًا، والمحارم ما حرّمه الله، كما في القاموس (٣) (تكن أعبد الناس) اسم تفضيل من العبادة، وهي غاية الخضوع والتذلل، والمراد إذا ترك المحارم وأتى بالواجبات، تكن أعبد الناس، لا أنه بتركه المحارم فقط يكون كذلك، أو يراد يكون من أعبدهم بالنسبة إلى تركه المحارم [ص:٥٨] لا أعبدهم مطلقًا. إن قلت: أي ذلة في ترك المحارم حين سمي عبادة؟ قلت: تركك ما تهواه النفس وتحبه امتثالاً للنهي وزيادة للنفس عنه نهاية الإذلال لها. (وارض بما قسم الله) من الأرزاق (تكن أغنى الناس) الغنى: ضد الفقر، ومن

стр. 302

رضي بالقسمة، وعلم أنها جارية على وفق الحكمة لم يأسف على ما فاته من حظوظ الدنيا، ولم يحزنه ما ناله أهلها منها فصار أغنى الناس بقلبه، فإن الغنى غنى القلب كما يأتي. قيل: إِنَّ الغَنِي هُو الغَنِي بِنَفسه ... ولو أَنه عاري المَناكب حافِ (١) (وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً) يأتي حديث أن الجوار أربعون (٢) دارًا، والله قد وصَّى في الجار، والحديث فيه لا يحصى والعقل قاضي بحسن الإحسان إليه، فقد تطابق العقل والشرع على ذلك، وقد استوفى الغزالي في الإحياء (٣) حقوق الجار، وقد كانت الجاهلية تعرف ذلك كما قال الحماسي: وَاعرِف لجارِكَ حَقَّه ... والحقُّ يَعرِفُهُ الكَريمُ (٤) وفيه أن من لم يحسن إلى الجار لا يتصف بالإيمان فكيف من يؤذيه. (وأحبّ للناس) المؤمنين أو ذلهم وأرتض لهم ما تريده، وترتضيه لنفسك من أمور الدنيا والآخرة (ما تحب لنفسك تكن مسلماً)، والمراد: مثل ما يحبه لنفسه، لا أنه يحب له أن تكون زوجته لغيره وولده ونحوه، ويحتمل أن لفظ الناس على عمومه، وأنه يحب للكافر الإيمان، وللفاجر الطاعة، وفيه أنه لا يتحقق فيه صفة الإِسلام حتى يتصف بهذا، ولما كان الإحسان إلى الجار أرفع رتبة من مجرد المحبة، كان المترتب عليه الاتصاف بكمال الإيمان، ولما كانت المحبة كالجزء منه ناسب أن يرتب عليها الاتصاف بالإِسلام الذي هو كالجزء من الإيمان، إذ الإيمان لا يكون إلا بعد الاستسلام (ولا تكثر الضحك فإن كثرة

стр. 303

الضحك يميت القلب) يخرجه عن حياته، وذلك لأن حياة القلب في استعماله لما خلق له من معرفة الله، والإقبال عليه، والسكون إلى ذكره، والتلذذ بمناجاته، فلا حياة له ولا إنارة إلا بهذا، وكثرة الضحك لا تنشأ إلا عن الإعجاب بالأمور الدنيوية، والسرور بها، ووفور محبتها، والرغبة فيها، والقلب لا يتسع إلا لمحبوب واحد، فموت القلب هو خلوه عن ذكر الله، وإنارته بحبه وتعظيمه وخوفه ورجائه، ولما كان البشر لا يخلو عن إعجاب يتولد عنه ضحكه عفى الله عن قليله لطفاً منه بعباده، فلم يجعله مميتًا للقلب (حم ت (١) هب عن أبي هريرة) رمز المصنف لضعفه، وقال الترمذي: غريب، وقال المنذري: وبقية إسناده فيه ضعيف. ١١٩ - " اتق دعوة المظلوم؛ فإنما يسأل الله تعالى حقه، وإن الله تعالى لن يمنع ذا حق حقه (خط) عن علي (ض) ". (اتق دعوة المظلوم) هذا نهي عن المسبب، والمراد النهي عن السبب وهو الظلم، إلا أنه أقيم المسبب مقام سببه مجازًا، والنكتة في إيثاره على الحقيقة، ولم يقل: اتق الظلم للإشارة إلى أن المظلوم له ناصر يجيبه إذا دعاه، ويلبيه إذا ناداه، ويغيثه إذا استغاث به، ويأتي أن دعوة المظلوم لا ترد، ولو كان كافرًا (فإنما يسأل الله حقه) وهو إنصافه من ظالمه (وأن الله تعالى لن يمنع ذا حق حقه) أفاد أن دعوته مجابة وأنه طالب لحقه الذي لا يمنع عنه (خط (٢) عن علي) رمز المصنف

стр. 304

لضعفه؛ لأنه أخرجه الخطيب في ترجمة صالح بن حسان وقال: قال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: أنه منكر الحديث. ١٢٠ - " اتقوا الله في البهائم المعجمة: فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة (حم د) وابن خزيمة (حب) عن سهل بن الحنظلية" (صح). (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة) هي كل ذات أربع (فاركبوها صالحة) للركوب قوية عليه، وسببه أنه مر ﷺ على بعير قد لجيء بطنه بظهره، فقال: اتقوا الله فلا يحل تحميلها إلا ما تطيق، ولا ركوبها إلا على حسب ما تقوى عليه (وكلوها صالحة) للأكل لا تتركوها حتى يهلكها الهزال من الجوع أو المرض (حم (١) د وابن خزيمة) بالخاء مضمومة وزاي، هو الإمام الكبير الثبت إمام الأئمة شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ولد سنه ٢٢٣، وعني بهذا الشأن في الحداثة، سمع فأكثر، وجوّد وصنف، واشتهر اسمه، وإليه انتهت الإمامة والرئاسة، والحفظ في زمانه بخراسان، حدّث عنه الشيخان خارج الصحيحين [ص:٥٩] وخلائق، سئل من أين أوتيت العلم؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "ماء زمزم لما شرب له" (٢) وأنا لما شربت ماء زمزم سألت الله علمًا نافعًا، قال الدارقطني: كان ابن خزيمة إمامًا ثبتًا معدوم النظير، وقال أبو حاتم ابن حبان: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزيادتها حتى كأن السنن بين عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة،

стр. 305

قال الحاكم: وفضائل ابن خزيمة مجموعة عندي في أوراق كثيرة ومؤلفاته تزيد على مائة وأربعين كتابًا غير المسائل، والمسائل مائة جزء، وأثنى عليه الأئمة بما لا يتسع له هذا المقام، مات سنة ٣١١ (١) (حب عن سهل بن الحنظلية) بالحاء المهملة فنون بعد اللام ياء النسبة، وهي أمه واسم أبيه الربيع بن عمر وسهل صحابي جليل من الأنصار، قال البخاري: بايع تحت الشجرة (٢)، والمصنف رمز لصحة الحديث، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح. ١٢١ - " اتقوا الله واعدلوا في أولادكم (ق) عن النعمان بن بشير" (صح). (اتقوا الله) يحتمل أن اتقوا منزل هنا منزلة اللازم أي أوجدوا التقوى، فلا يقدّر له مفعول، ويحتمل تقديره عامًا أي في كل شيء فيكون عطف (واعدلوا في أولادكم) من التخصيص بعد التعميم، إبانة لزيادة التوصية في ذلك وهكذا في نظائره الآتية، وعلى الأول فهو عطف على اتقوا جعل بديلاً له، وقسيمًا بيانًا لذلك أيضًا، والعدل هو القسط، والتوسط في الأمور بين طرفي ذمها الإفراط والتفريط، والمراد هنا عدم الميل بإيثار أحد الأولاد بالإحسان إليه دون غيره، إما بهبة أو إكرام أو نحو ذلك، بل يجعلهم في كل أمر على حد سواء (ق عن النعمان بن (٣) بشير) نعمان بزنة لقمان وبشير بموحدة فمعجمة بزنة كريم، والنعمان أنصاري خزرجي صحابي بن صحابي أول مولود أنصاري بعد الهجرة ولي الكوفة ودمشق وقتل بالشام سنة ٦٤. (٤) ١٢٢ - " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يبروكم (طب) عنه [أي النعمان بن بشير]- (صح) ". (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يبروكم) هو صفة لمصدر

стр. 306

محذوف تقديره: اعدلوا بينهم عدلاً مشابهًا لمحبتكم برهم، أي كما أنكم تحبون أن يكونوا في برهم بكم على نهج واحد، بالغ أحسن درجات البر، كذلك اعدلوا بينهم عدلًا واحداً، وعاملوهم معاملةً يحبون أن يعاملوكم بها، فإنكم إذا فضلتم أحدهم انكسرت نفس المفضل عليه، وأحرجتم صدره فكما لا يرضيكم صدور مثل هذا عن أحد منهم إليكم، كذلك لا يصدر منكم إليهم، ويحتمل أن الكاف للتعليل أي اعدلوا لأجل أنكم تحبون أن يبروكم أي العدل بينهم سبب لبرهم بكم، فبالعدل يحصل ما تريدون من برهم، وعدم العدل سبب للقطيعة والعقوق ويناسبه ما يأتي من حديث: "رحم الله من أعان ولده على بره" (١) وسبب الحديث: أن بشيرًا والد النعمان أنحله غلامًا ثم جاء إلى رسول الله ﷺ يشهده على ذلك فقال له: "أكل ولدك نحلته" قال: لا، قال: "أما أنا لا أشهد على جور" وله ألفاظ عديدة قد استوفيناها "في المسائل المهمة فيما يعم به البلوى وحال الأمة"، وبينا أن الحديث دليل على تحريم تخصيص بعض الأولاد بالهبة دون بعض، وقد بسطنا القول في ذلك وقررناه في حواشي شرح العمدة وحواشي ضوء النهار (طب (٢) عنه) أي عن النعمان، رمز المصنف لصحته. ١٢٣ - " اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم؛ فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة (ع ك) عن أنس" (صح).

стр. 307

(اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) قال جار الله ﵀ في الكشاف (١): فإن قلت: ما حقيقة ذات بينكم؟ قلت: أحوال بينكم يعني ما بينكم من الأحوال، حتى تكون أحوال إلفة ومحبة، واتفاق، كقوله: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وهي مضمراتها، لما كانت الأحوال ملابسة للبين، قيل لها ذات البين، كقولهم: اسقني ذا إنائك يريدون ما في الإناء من الشراب (فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة) علة للأمر، والمراد إذا كان الله تعالى يصلح بين عباده وقد ورد "تخلقوا بأخلاق الله" (٢)، فيحسن منكم ويليق بكم إصلاح ذات البين بين العباد وقد نص الله على الحث على الإصلاح في كتابه الكريم ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وندب إلى بعث الحكمين بالإصلاح بين الزوجين، بل أباح لأهل الإيمان مصالحة عُباد الأوثان، وبالجملة فالألفة وعدم الفرقة محبوبة لله كما أن ضدها مكروه مذموم، وإصلاح الله بين العباد يوم القيامة، قد أرشد إليه ما في صدر هذا الحديث الذي أورد المصنف آخره ولفظه: فيما أخرجه الحاكم عن أنس مرفوعًا بلفظ: "رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما: يا ربِّ خذ لي، يا ربِّ خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله : كيف نصنع بأخيك؟ ولم يبق من حسناته شيء؟ قال يا ربِّ فليحمل من أوزاري؛ لأن ذلك اليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله للطالب: ارفع بصرك فانظر، فرفع رأسه فقال: يا ربِّ أرى مدائن من ذهب وقصور من ذهب مكلَّلة باللؤلؤ، لأيِّ نبي هذا؟ أو لأيِّ صديق هذا؟ أو لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطي الثمن، قال: يا ربِّ ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا ربِّ، فإني قد عفوت عنه، فقال الله: فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة، اتقوا الله

стр. 308

وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المسلمين يوم القيامة"، وأخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (ع ك عن أنس) (١) رمز المصنف لصحته، وقال الحاكم: صحيح وردَّه الذهبي بأن فيه عباد بن الحبطي ضعيف وشيخه سعيد بن أنس لا يعرف. ١٢٤ - " اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم (خد) عن علي (صح) ". (اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم) قيل: المراد التوصية بالأرقاء والمماليك من الدواب وغيرها، وقيل: الزكاة، ولا يبعد أن يراد الجميع، ويأتي بيان حقوق المماليك (خد عن (٢) علي) رمز المصنف لصحته وهذا الحديث من آخر ما تكلم به ﷺ قال علي ﵇ كان آخر ما تكلم به النبي ﷺ : "الصلاة، الصلاة، اتقوا الله ... " الحديث. ١٢٥ - " اتقوا الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم (خط) عن أم سلمة" (ض) ". (اتقوا الله في الصلاة) أي في أمرها وشأنها، والمراد احذروا عقابه بسبب تركها، أو عدم الإتيان بها على وجهها الكامل فإنها أعظم أركان الإِسلام، ولأنها تكرر كل يوم خمس مرات فكانت مظنة التساهل والإخلال بها (وما ملكت أيمانكم) سلف فيه الاحتمالان، وإرادة الزكاة أظهر لأنها قرينة الصلاة في القرآن،

стр. 309

لا يكاد تذكر إلا ذكرت معها (خط (١) عن أم سلمة) هي أم المؤمنين واسمها هند، وقيل: رملة بنت أبي أميَّة سهيل، ويسمى زاد الراكب لجوده، ورمز المصنف لضعفه. ١٢٦ - " اتقوا الله في الضعيفين: المملوك والمرأة. ابن عساكر عن ابن عمر (ض) ". (اتقوا الله في الضعيفين: المملوك، والمرأة) سماهما ضعيفين لأنهما في أسر المالك، والزوج إن أريد بالمرأة ذات الزوج، وإن أريد مطلق المرأة فلأن ضعفها واضح لنقصان عقلها ودينها، وفي الحديث من علم البيان التوسع من باب يشيب المرء ويشيب معه خصلتان الحرص وطول الأمل (ابن عساكر عن ابن (٢) عمر) رمز المصنف لضعفه. ١٢٧ - "اتقوا الله في الصلاة، اتقوا الله في الصلاة، اتقوا الله في الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم، اتقوا الله في الضعيفين: المرأة الأرملة. والصبي اليتيم (هب) عن أنس" (ص). (اتقوا الله في الصلاة) تقدم وكرر ذكره تأكيدًا بشأن الصلاة، فقال: (اتقوا الله في الصلاة، اتقوا الله في الصلاة) تأكيد على تأكيد (اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم) نسب الملك إلى اليمين؛ لأنه يكون التصرف بها غالبًا في كل ما ملكت، وإلا فالمالك ذو اليمين كما ينسب الأعمال إلى الأيدي ﴿وذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] (اتقوا الله في الضعيفين المرأة الأرملة) في النهاية (٣): يقال: رجل أرمل

стр. 310

للذي ماتت زوجته، وامرأة أرملة للذي مات زوجها، سواء كانا غنيين أو فقيرين. والمرأة هنا المسكينة التي لا كافل لها، وقد يقيد به ما سلف قريبًا، والأظهر أن المرأة مطلقًا موصّى فيها بتقوى الله، وإن خصَّت امرأة كما هنا فهو لزيادة تأكيد في بعض الأفراد (واتقوا الله في الصبي اليتيم) هو من لا أب له ولم يبلغ سن التكليف (هب (١) عن أنس) قال: كنا عند رسول ﷺ حين حضرته الوفاة، فقال لنا: "اتقوا الله ... " إلى آخره، وفيه بشر بن منصور الحناط أورده الذهبي في الضعفاء والمصنف رمز لحسنه. ١٢٨ - " اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وأطيعوا ذا أمركم؛ تدخلوا جنة ربكم (ت حب ك) عن أبي أما مة (صح) ". (اتقوا الله وصلوا خمسكم) عطف على مقدر أي اتقوه في كل شيء، وصلوا تخصيص بعد التعميم، ويحتمل أنه استئناف ونسبها إليهم لتعلق الوجوب بهم، وملابسة الإتيان بها منهم (وصوموا شهركم) أراد به رمضان، ونسبه إليهم لذلك، وأطلقه للعلم به، (وأدوا زكاة أموالكم) اشتمل الحديث على الثلاثة من أركان الإِسلام، ولم يذكر الحج كأنه قبل فرضه، أو لأن هذه الأمور لتكررها كل يوم، وكل عام تثقل أداؤها، فخصّها بالأمر والتوصية [ص: ٦١] وقد ذكر الحج في رواية أخرى، ورواه الخلعي في فوائده بلفظ: "وحجوا بيت ربكم"، وأما الشهادتان فهذه الأمور فروعها لا يتم إلا فيمن يأتي بها أولاً (وأطيعوا ذا أمركم) صاحب الأمر فيكم، والمراد به السلطان والأمر بطاعته فيما هو طاعة، وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما قيدته الأحاديث الكثيرة (تدخلوا جنة

стр. 311

ربكم) جزم في جواب الأمر أي إن فعلتم ذلك دخلتم الجنة التي لربكم، ولا حق لكم فيها، ولذا أضافها الله تعالى، ويأتي أن دخول الجنة لا يكون بمجرّد العمل كما يفيده هذا الحديث، وأمثاله، ويأتي أيضًا أن العدة بدخول الجنة لا ينافيها العقاب على الذنوب قبل ذلك (ت حب ك عن أبي أمامة) (١) هو الأنصاري الحارثي اسمه إياس بن ثعلبة أو عبد الله بن ثعلبة صحابي (٢)، والحديث رمز المصنف لصحته، وقال الترمذي: حسن صحيح. ١٢٩ - " اتقوا الله وصلوا أرحامكم، ابن عساكر عن ابن مسعود (ض) ". (اتقوا الله وصلوا أرحامكم) في النهاية (٣): يقال وصل رحمه يصلها وصلاً صلة كأنه بالإحسان إليهم، قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر، وصلة الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن تعدوا أو اساؤا أو قطعوا الرحم عاملهم بضد ذلك كله، وتحقيق الرحم يأتي (ابن عساكر (٤) عن ابن مسعود) رمز المصنف لضعفه، وقال الشارح: سنده ضعيف، إلا أنه ساق أحاديث في معناه ثم قال وبذاك يصير حسناً. ١٣٠ - " اتقوا الله، فإن أَخْوَنَكم عندنا من طَلَب العمل (طب) عن أبي موسى (ح) ". (اتقوا الله فإن أخونكم عندنا) اسم تفضيل من الخيانة بالمعجمة ضد الأمانة

стр. 312

أي أشدكم خيانة (من طلب) أي من الأمر (العمل) على الصدقات ونحوها من الولايات، وهو وعيد شديد، وزجر عن طلب الولايات والأعمال من السلطان، ويأتي أن من طلب القضاء وسأل فيه الشفعاء وكّله الله إلى نفسه. إن قلت: قد طلب يوسف الصديق الولاية وقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]؟ قلت: لأنه أحق بها من ولاية الكافر، إذ لا ولاية للكافر، وإنما هو غاصب لمنصب غيره، فما طلبه لها إلا توصلاً إلى إنكار المنكر، ومثله خروج أئمة الحق على سلاطين الجور، فإنه طلب للإمارة لكنه واجب لما فيه من إنكار المنكر ونزع الأمر من غاصبه، إلا أنه انقلب الحال وصار ملوك الأرض لا يولون أمرًا من أمورهم إلا لمن طلبه، وبالغ فيه، وسأل الشفعاء وبذل الرشاء، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون (طب عن أبي موسى) (١) رمز المصنف لحسنه. ١٣١ - " اتقوا البول: فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر (طب) عن أبي أمامة" (ح). (اتقوا البول) أي احذروا إصابته لأبدانكم وثيابكم فتجردوا عنه (فإنه) أي البول أو ذنب أصابته والألف واللام في البول لجنس بول الإنسان، بول نفسه أو بول غيره، القول بأنه يضم الأبوال من كل حيوان فلأنه الظاهر، ولأن التعليل بأن أول ما يحاسب به العبد في قبره يناسب بول الإنسان لحديث صاحبي القبرين وأن في لفظه أن "أحدهما كان لا يستبرأ من بوله". (أول ما يحاسب) ليعاقب عليه (به العبد في القبر) وقد ثبت أن عامة عذاب القبر من البول، وثبت أنه ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان" وأخبره أن عذاب أحدهما لأنه كان لا

стр. 313

يتنزه من البول (١)، وكأن الحكمة في تعجيل عقوبته أنه سهل الاحتراز عنه، فحيث تساهل فيه مع سهولته عجلت عقوبته في أول منازل الآخرة (طب عن أبي أمامة) (٢) رمز المصنف لحسنه، وقال المنذري: إسناده لا بأس به وقال الهيثمي: رجاله موثقون. ١٣٢ - " اتقوا الحجر الحرام في البنيان، فإنه أساس الخراب (هب) عن ابن عمر (ض) ". (اتقوا الحجر الحرام في البنيان) احذروا البناية، وجعله في الأبنية (فإنه أساس الخراب) الأساس أصل البناء واستعماله في الخراب من جعل لازم أحد الضدين لازمًا للآخر، وفيه نوع من التهكم والإشارة إلى أن فاعل ذلك ساع في ضدِّ ما يريد، وظاهره أن الحجر الواحد من الحرام لو خالط ألوفاً من الحلال لغلب خبثه طيب الحلال، وهذا شيء قد شاهده كل من له فكر في أحوال العالم ومثله الدرهم الحرام بين الحلال، ويحتمل أنه أريد بالحجر ما ينفق في البنيان، فالفضة والذهب يطلق عليهما الحجر والأول أوضح (هب عن (٣) ابن عمر) رمز المصنف لضعفه، وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح لكن له طرق وشواهد، وممن رواه الخطيب والديلمي والبيهقي وابن عساكر والقضاعي.

стр. 314

١٣٣ - " اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم: فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده في النار (حم ت) عن ابن عباس (ح) ". (اتقوا الحديث عني) أي التحديث (إلا ما علمتم) أي أنه عني، والمراد بالعلم: ما يشمل الظن لأنه غالب الأحاديث لا يخبر المخبر إلا ومعه ظن أنها عنه ﷺ ، وقد ثبت الدليل على العمل بمعناها، وهو فرع روايتها وقبولها (فمن كذب على متعمدًا) أي تقوَّل عليَّ ما لم أقله، أو نسب إليَّ فعل ما لم أفعله أو تقرير ما لم أقرره، فإنه ليس المراد بالكذب اختلاق القول فقط، فإن الفعل والتقرير كالقول في علة النهي لأن فعله ﷺ وتقريره تشريع كالقول، إلا أنه لما كان غالب الكذب في الأقوال اقتصر عليها. وقوله: (فليتبوأ) التبوأ النزول قال تعالى: ﴿يَتبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦] مقعده بفتح الميم اسم مكان من القعود أي ينزل مكانه الذي أعد له (من النار) وأمره بنزوله وإضافته إليه دليل أنه مكان معين قد أعده الله له واهبه وهيَّأَه وصار أمرًا مفروغًا منه (ومن قال في القرآن برأيه) أي من فسر منه بما لا يعلم إلا التوقيف من علم قصصه، وأسباب نزوله ومغيباته ونحوها (فليتبوأ مقعده من النار) وأما حل تراكيبه وبيان معانيها اللغوية وبيان وجوه إعرابه، وإبراز خفيات أسراره، واستخراج أحكامه وما دلت عليه ألفاظه من أوامره ونواهيه، فإن هذا مأمور به وهو من فوائد تدبره الذي أمر الله به، وجعله وجه الحكمة لإنزاله حيث قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وهذا مجمع على جوازه كما دل عليه فعل الصحابة، ومن معهم إلى الآن، وقد قسَّم المصنف ﵀ التفسير (١) في "الإتقان" إلى أربعة أقسام: الرابج: التفسير بالمقتضى من كلام العرب، ومعنى

стр. 315

الكلام والمقتضب من وجوه الشرع، وهذا هو الذي دعا به النبي ﷺ لابن عباس حيث قال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (١) والذي عناه علي ﵇ بقوله: إلا فهم يؤتاه رجل في القرآن (٢)، ومن ها هنا اختلف الصحابة في معنى الآية، فأخذ كل برأيه على مقتضى نظره ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد، من غير أصل قال الله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾ [لإسراء: ٣٦] وقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] وقال: ﴿لِتُبيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فأضاف البيان إلى رسول الله ﷺ . انتهى. وأما حديث: "من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ" أبو داود والترمذي والنسائي (٣)، قال البيهقي: إذا صح، فإنما أراد -والله أعلم- الرأي الذي يغلب من غير دليل تام، وأما الذي شيده البرهان فالقول به جائز، وقال الماوردي (٤): قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره، ومنع أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبها الشواهد ولم يعارض شواهدها نص صريح، وهذا عدول عما تعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن، واستنباط الأحكام منه قال الله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ولو صح ما ذهب إليه لم يعلم شيء بالاستنباط، ولما فهم الأكثر من كتاب الله شيئًا، وإن صح الحديث فتأويله أن من تكلم في القرآن بمجرد رأيه ولم يعرج على سواء لفظه، وأصاب الحق فقد أخطأ الطريق، وإصابته اتفاق إذ الغرض أنه مجرد رأي لا شاهد له، وفي الحديث:

стр. 316

"القرآن ذلول ذو وجوه فأحملوه على أحسن وجوهه"، أخرجه أبو نعيم (١) وغيره من حديث ابن عباس، فقوله: "ذلول" يحتمل معنيين: أحدهما: أنه مطيع لحامليه، تنطق به ألسنتهم، والثاني: أنه موضح لمعانيه، حتى لا يقصر عنه إفهام المجتهدين، وقوله: "ذو وجوه" يحتمل: أن من ألفاظه ما يحتمل وجوهاً من التأويل، أو أنه قد جمع وجوهًا من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحليل والتحريم، وقوله: "فأحملوه على أحسن وجوهه" هكذا عبارته، وكأنه يحتمل أحد معنيين: أحدهما: الحمل على أحسن معانيه، والثاني: أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص، والعفو دون الانتقام، وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله انتهى. (حم ت (٢) عن ابن عباس) رمز المصنف لحسنه وقال الشارح: رمز المصنف لحسنة اغتراراً بالترمذي، وقال ابن القطان: ينبغي أن يضعف، فإن فيه سفيان بن وكيع، قال أبو زرعة: متهم بالكذب [ص:٦٣] لكن ابن أبي شيبة رواه بسند صحيح، قال ابن القطان (٣): فالحديث صحيح من هذا الطريق لا من الطريق الأول. انتهى. ١٣٤ - " اتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن إبليس طَلَّاع رَصَّاد حَصَّاد. وما هو بشيء من فُخُوخه بأوثق لصيده في الأتقياء من فُخُوخة النساء (فر) عن معاذ (ض) ".

стр. 317

(اتقوا الدنيا) الاغترار بها، وقد حذّرت عنها الآيات والأحاديث (واتقوا النساء) عطف خاص على عام إذ النساء من الدنيا كما سلف في شرح أول أحاديث في الكتاب (فإن إبليس طلاع) بزنة صراب مشدَّدا، في القاموس (١): رجل طلاع الثنايا، والأنجد كشداد مجرب للأمور ممارس ركاب لها يعلوها ويقهرها بمعرفته وتجاربه وجودة رأيه (رصَّاد) برايته بالمهملتين، في القاموس (٢): رصَّاد من رَصده رَصْدًا ورَصدَا راقبه، والمعنى: احذروا فتنة الدنيا والنساء، فإن إبليس خابر للأمور التي بها إضلالكم وفتنتكم، ومن أين يأتيكم ومع ذلك فهو مرتقب عريكم ناظر لمواقيت غفلتكم (وما هو بشيء من فخوخه) بالفاء ومعجمتين بزنة فلوس جمع فخ، والفخ المصيدة تجمع على فخاخ وفخوخ (بأوثق لصيده في الأتقياء) قيده به إعلامًا بأنَّه أعدَّ الفتنة من النساء لأبعد الناس عن الاغترار به، وهم الأتقياء فكيف بغيرهم (فر عن (٣) معاذ) رمز المصنف لضعفه لأن فيه هشام بن عمار، قال أبو حاتم: صدوق تغيّر وكان يلقن الحديث، وفيه غيره ممن اتهم بالوضع. ١٣٥ - " اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة (حم طب هب) عن ابن عمر (صح) ". (اتقوا الظلم) الظلم هو الجور ومجاوزة الحد، والمعنى احذروا عقوبة الظلم (فإن الظلم) لصاحبه (ظلمات يوم القيامة) يحتمل أن الله تعالى يجعل المعنى جسمًا فيكون الظلم ظلمة حقيقية تعم صاحبها من جميع جهاته، يوم

стр. 318

يسعى نور المؤمنين يوم القيامة بين أيديهم ومن خلفهم، وللنشأة الآخرة أحكام ليست لهذه الدار، فإن الله يجعل الموت كبشًا ينحر (حم طب هب عن ابن عمر) رمز المصنف لصحته (١). ١٣٦ - " اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، وحملهم على أن سَفَكُوا دماءهم واستحلوا محارمهم (حم خدم) عن جابر (صح) ". (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح) بضم المعجمة، في النهاية (٢): الشح أشد البخل وهو أبلغ في المنع من البخل، وقيل: هو البخل مع حرص، وقيل: البخل، في أفراد الأمور وأحادها، والشح عام، وقيل: البخل بالمال، والشح بالمال والمعروف. انتهي. (فإن الشح أهلك من كان قبلكم) كان سببًا في هلاكهم حرصوا على الدنيا (حملهم على أن سفكوا دماءهم) سفك الدم صبّه، (واستحلوا محارمهم) صيَّروا ما حرم الله عليهم حلالاً. إن قلت: ما هو الشح الذي حذر عنه ﷺ ؟ قلت: بيَّنه حديث: "بريء من الشح من أدى الزكاة، وقرى الضيف وأعطى في الناببة" أخرجه ابن عدي، والطبراني (٣)، وفي حديث ابن مسعود (٤): "والشح أن تأخذ مال أخيك بغير حقه" (حم خدم عن جابر) رمز المصنف لصحته (٥).

стр. 319

١٣٧ - " اتقوا القدر، فإنه شعبة من النصرانية، ابن أبي عاصم (طب عد) عن ابن عباس" (ض). (اتقوا القَدَر) بفتح المهملة والقاف، في النهاية (١): قد تكرر ذكر القدر في الحديث، وهو عبارة عما قضاه الله، وحكم به من الأمور، وهو مصدر قَدَر يقدر قدرًا، وقد سكّن داله (فإنه شعبة) بضم المعجمة الطائفة من كل شيء، والقطعة منه (من النصرانية) من دينها الذي أمرت الأمة باجتنابه والإيمان به، وفي أحاديث النهي هذا، واعلم أنها قد طفحت الأحاديث في الإيمان بالقدر والنهي عن الخوض فيه، وسيأتي من الأمرين شطر واسع في الكتاب، وكأنه تعالى أعلم رسول الله ﷺ بتشعب الناس فيه، فأكد النهي عنه، ولقد خاضوا في القدر وركبوا فيه كل صعب وذلول وخبطوا خبط عشواء، وضللت كل طائفة من خالفها، قالت المعتزلة: لم يقدر تعالى الأشياء توهما منهم أن التقدير يقتضي الجبر، وعدم الاختيار، وهو وهم فاحش، فإنه ليس فيه شيء من ذلك وما هو إلا كسبق العلم وكان يلزمهم نفي سبق العلم؛ لأن التقدير نوع منه، وقالت الأشاعرة: بل قدر الله الأشياء كلها ثم جاءوا بالطامة الكبرى وهي نفيهم الاختيار، بناء على أن التقدير ينافي الاختيار ثم تفرع من ذلك ترامي الفريقين الأحاديث الواردة في ذم القدرية، فالمعتزلة تقول القدرية القائلون بالقدر، فالذم يتوجه إليهم، والأشعرية يقولون القدري من نفى القدر، وكلا الطائفتين غالط على نفسه، وعلى خصمه، والحق ما قاله غيرهما من المحققين وهو: أن كل حادث فله عند الله تعالى ثلاثة أمور: علمه تعالى المحيط بكل كائن أنه واقع قبل وقوعه، ثم تنزيله لكل جزئي على ما سيوقعه الفاعل المختار، فالإيقاع مع تفصيل العلم بالجزئيات، هو المسمى بالتقدير، ثم إنه تعالى قد كتب على كل جزء على أي

стр. 320

صفة وقع، فالكتب قد تضمن التقدير قطعًا، وحينئذ تعلم أن الكتب والتقدير على حسب العلم، والعلم على حسب ما الحقائق عليه، والحقائق متابعة للاختيار، فالتقدير كالتحديد، وتواتر شرعًا تقدير الله لجميع الأشياء، ولو لم يرد ذلك في الشرع لكان في إدراك العقل كفاية كما ذكرنا، لكنه بفضل الله تعالى بإرداف الحجة العقلية بالشرعية، وإذا حققت هذا علمت أنه لا ينبغي أن يختلف في القدر بهذا المعنى المذكور، ولا نعلم فيه بهذا المعنى مخالف إلا ما يحكى عن بعض القدماء أنهم يقولون الأمر أنف أي أنه تعالى عما يقولون لا يعلم الشيء إلا حال وقوعه، وبنفيهم العلم نفوا القدر، ولذا قال الشافعي ﷺ (١) إذا أثبتوا العلم فقد حجوا أنفسهم، قالوا: وقد انقرض القائل بأن الأمر أنف قبل عصر الشافعي ﵁ وبهذا نعلم إثبات الفريقين للقدر؛ لأنهم أثبتوا العلم إلا أنهم اختبطوا فيه بعد ذلك، وقالوا: إذا كان الله قد قدَّر الحقائق على ما علم أنها ستكون فلا يمكن فيها تقديم ولا تأخير، وكذلك قالوا في العلم إلا أنه اشتهر عنهم ذلك في القدر، وله جوابه فيه أكثر مع أنهما من واد واحد ثم أخذتها الأشعرية دليلاً على الجبر وحين لهجت بالقدر زاعمة أنه دليل لها على الجبر ونفي الاختيار، قائلهم المعتزلة بنفيه مساعدة لهم على معناه، وفرارًا عما التزمته الأشعرية، وقد [[ثبَّته]] المحققون منهم، لهذا قال السيد الشريف الجرجاني: لو كان سبق العلم مستلزمًا لجبر ونفي الاختيار للزم أن الرب تعالى وتنزَّه مجبور في أفعاله غير مختار فيها؛ لأنه قد سبق علمه بها كسبق علمه بأفعال عباده. قلت: ونعم ما قال، وهذا القدر كاف في هذا المقام بل فيه زيادة على قدره، والمسألة مبسوطة في كتب المقالات، وقد بسطنا بعض البسط في كتابنا: "إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة" ولعلنا لا نعيد البحث في هذا عند سياق أحاديث القدر
следующие страницы →