← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122096

التنوير شرح الجامع الصغير

الصنعاني

Полный текст (6 289 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

١٧٤ - " اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها، فمن ألَمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نُقم عليه كتاب الله (ك هق) عن عمر (صح) ". (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها) في النهاية (١): القاذورة هنا الفعل القبيح والقول السيء (فمن ألم بشيء منها) ألم به: نزل به (فليستتر بستر الله) والتوبة عنها كما دل له (وَلْيتُبْ إلى الله) يرجع إليه نادمًا عن قبيح ما أتى (فإنه من يبدِ) من أبدا أي يظهر (لنا صفحته) بالصاد والحاء المهملتين الوجه وصفحة كل شيء وجهه وناحيته والمعنى من أظهر لنا ما أتاه من القبيح عبر عنه بإبداء الوجه لأنه لا يظهر إلا بإبدائه (نقم عليه كتاب الله) أي حكمه الذي أنزل في كتابه أو كتبه على عباده (ك هق عن عمر) (٢) قال: قام النبي ﷺ بعد رجم الأسلمي فذكره، رمز المصنف لصحته وقال الحاكم: على شرطهما وتعقَّبه الذهبي فقال: غريب جدًّا لكنَّه قال في المهذب (٣): قال: إسناده جيدٌ، وصحَّحه ابن السكن. ١٧٥ - " اجتنبوا مجالس العشيرة (ص) عن أبان بن عثمان مرسلاً". (اجتنبوا مجالس العشيرة) بالشين المعجمة القبيلة، وعشيرة الرجل بنو أبيه الأدنون، وكأن النهي هنا؛ لأنه لا تخلو مجالسهم عمَّا لا يحل من القيل والقال والمنكر والباطل واللغو (ص عن أبان بن عثمان) (٤) هو تابعي ثقة كما قال

стр. 352

العجلي ولذا قال (مرسلاً). ١٧٦ - " اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا (ابن جرير عن قتادة مرسلاً) ". (اجتنبوا الكبائر) في النهاية (١): واحدها كبيرة، وهي الفعلة القبيحة المنهي عنها من الذنوب شرعًا لعظم أمرها؛ كالقتل والزنا والفرار من الزحف وغير ذلك، وهي من الصفات العالية. اهـ ويأتي الكلام فيها في قوله: "أكبر الكبائر" في حرف الهمزة مع الكاف (وسددوا) (٢) بالمهملات من السداد القصد في الأمر والعدل فيه (وأبشروا) أي بغفران الله وعفوه، فإنه قد وعد من اجتنب الكبائر بتكفير ذنبه (ابن جرير عن قتادة مرسلاً) وقتادة بالقاف المثناة فوقية ودال مهملة هو: ابن دعامة بفتح الدال المهملة وعين مهملة، تابعيٌّ جليلٌ أحد الأعلام، احتج به أهل الصحاح. ١٧٧ - " اجتنبوا دعوة المظلوم، ما بينها وبين الله حجاب ((ع) عن أبي سعيد وأبي هريرة معاً" (صح). (اجتنبوا دعوة المظلوم) بترك ظلمه (ما بينها وبين الله حجاب) فهي مجابةٌ لا محالة وتقدَّم قريبًا (ع عن أبي سعيد وأبي هريرة معًا) (٣) رمز المصنف لصحته. ١٧٨ - " اجتنبوا كل مسكر (طب) عن عبد الله بن مغفل (صح) ". (اجتنبوا كل مسكر) أي شربه أو كل ملابسة منهي عنها فيه، سواء كان

стр. 353

مصنوعًا كالخمر أو خلقيًا، فالنبيذ إذا أسكر قد شمله النص إلا أنه مقيس (طب عن عبد الله بن مغفل) (١) هو اسم مفعول من مضاعف العين المعجمة بزنة معظم، وعبد الله صحابي معروف، بايع تحت الشجرة، وقال الحسن: كان من بقايا الصحابة، مات سنة ٥٧ (٢)، والحديث رمز المصنف لصحته فيما رأيناه مقابلاً على خط المصنف، وقال الشارح: إنَّه رمز المصنف لضعفه، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده لين، ولكن رواه أحمد بسند حسن بلفظ: "اجتنبوا المسكر" وله طرق كثيرة. ١٧٩ - " اجتنبوا ما أسكر (الحلواني عن علي (صح) ". (اجتنبوا ما أسكر) هو كما سلف (الحلواني) تقدم ضبط لفظه (عن علي) (٣) والحلواني هو: الإِمام الحافظ أبو محمَّد الحسن بن محمَّد بن علي الحلواني محدث مكة، حدَّث عن خلائق، ورحل إلى عبد الرزاق فأكثر، وصنَّف وتعب في هذا العلم، قال أبو داود: كان عالمًا بالرجال، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة متقنًا، مات سنة ٢٤٢ (٤)، والحديث رمز المصنف لصحته، وقال الشارح: فيه علي بن زيد بن جدعان لينه الدارقطني وغيره، وقال الحافظ ابن حجر: في الباب عن نحو ثلاثين صحابيًا وأكثر الأحاديث عنهم جياد ومضمونها: أن المسكر لا

стр. 354

يحل تناوله بحال، قال ابن المبارك: لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء ولا عن التابعين إلا عن النخعي. ١٨٠ - " اجثوا على الركب، ثم قولوا: يا ربِّ يا ربِّ أبو عوانة والبغوي عن سعد (صح) ". (اجثوا على الركب) عند الدعاء (ثم قولوا يا ربِّ، يا ربِّ) وسببه أن قومًا شكوا إليه ﷺ قحط المطر فقال: (اجثوا ...) الحديث، بتمامه ففعلوا فمُطروا، والرَّب: السيد والمالك وهو المراد هنا، وفيه الحثُّ على قعدة الاستكانة وتكرير نداء الرب عند طلب الحاجات (أبو عوانة) بفتح المهملة هو الحافظ الفقيه الكبير يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري الأصل، صاحب الصحيح والمسند المخرج على صحيح مسلم وله فيه زيادات عدة، طوف البلاد وعني بهذا الشأن وسمع من خلائق، قال الحاكم: أبو عوانة من علماء الحديث وثقاتهم (١) (والبغوي عن (٢) سعد) رمز المصنف لصحته، قال الشارح: إنه من حديث عامر بن خارجة بن سعد عن أبيه عن جده وعامر هذا قال البخاري: فيه نظر، ثم ساق له هذا الخبر. ١٨١ - " أجرؤكم على قسم الجد أجرؤكم على النار (ص) عن سعيد بن المسيب مرسلاً) (ض). (أجرأكم) هو اسم تفضيل من الجرأة كالجرعة الشجاعة أي أشجعكم (على قسم الجد) على الإفتاء فيه وبيان مقدار ما يستحقه الجد من ميراث فرعه والقسم بكسر القاف النصيب بالفتح المصدر والمعنى هنا على الأول وميراث الجد من مشاهير مسائل الخلاف بين السلف والخلف (أجرؤكم على النار) أي أشجعكم

стр. 355

عليها فإن كان الحديث مرفوعًا كما هو الظاهر، فلعله يقال لم يبين ﷺ قسم الجد كما بين غيره لحكمه وأبقاه الله على نظر عباده ليجتهدوا وإن كان موقوفًا فكأنه وقع في نظر الصحابي إشكاله وعلى كل تقدير فهو للتحذير عن المسارعة إليه مع إشكاله والمجتهد لا إثم عليه لأنه مأمور بما أدى إليه نظره فهو تحذير للمقلد وتثبيت للمجتهد عن المسارعة (ص عن سعيد بن المسيب (١) مرسلاً) رمز المصنف لضعفه. ١٨٢ - " أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار، الدارمي عن عبيد الله بن أبى جعفر مرسلًا". (أجرأكم على الفتيا) في النهاية (٢) يقال: أفتاه في المسألة يفتيه إذا أجابه، والاسم الفتوى، وفي القاموس (٣): أفتاه في الأمر أبان له والفتيا والفتوى وتفتح ما أفتى به الفقيه (أجرؤكم على النار) لشدة خطر الفتيا لأنها إخبار بأن هذا حكم الله وفيه خطارة عظيمة إلا لمن قام الدليل له ولا يعارضه حديث: "من سئل عن علم فكتمه لجمه الله بلجام من نار" (٤) سيأتي فإنه خاص بعلم وهو ما كان عن دليل وذلك يكون للمجتهد، والتحذير من الفتيا بالرأي أو فيما لا يلزم بعلمه ويأتي تحقيقه هنالك (الدارمي (٥)) بالدال المهملة مفتوحة فراء نسبه إلى دارم اسم جد له، وهو عبد الله بن عبد الرحمن التيمي الإِمام الحافظ شيخ

стр. 356

الإِسلام أبو محمَّد السمرقندي، أحد الأئمة الأعلام، ولد سنة ١٨١ صنف المسند العالي، وحدث عنه خلائق منهم: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وخلائق قال ابن نمير: غلبنا عبد الله بن عبد الرحمن بالحفظ والورع، قال ابن أبي حاتم عن أبيه عبد الله بن عبد الرحمن: إمام أهل زمانه، وقال ابن حبان: كان من الحفَّاظ المتقنين ممن جمع وتفقه وصنَّف وأظهر السنة في بلده ودعا إليها وذبَّ عنها من خالفها، توفي سنة ٢٥٥ (عن عبيد الله (١) بن أبي جعفر مرسلاً) عبيد الله مصغَّر هو: الكناني مولاهم أبو بكر المصري الفقيه أحد الأعلام وثَّقه ابن أبي حاتم، وقال ابن سعد: هو فقيه أهل زمانه، وقال ابن يونس: كان عالمًا عابدًا زاهدًا مات سنة ١٣٣ (٢). ١٨٣ - " اجعل بين أذانك وإقامتك نفسًا حتى يقضيَ المتوضئ حاجته في مهل، ويفرغ الأكل من طعامه في مهل (عم) عن أبي، أبو الشيخ في الأذان عن سلمان، وعن أبي هريرة" (ح). (اجعل) لبلال المؤذن كما صرَّح به في رواية البيهقي (بين أذانك) ندائك (للصَّلاة وإقامتك لها نفسًا) بالتحريك للفاء سعة وفسحة (حتى يقضيَ المتوضئ) من يريد الوضوء (حاجته) التي يتم بها صلاته في مهل بفتح الميم والهاء وتسكن المهملة (ويفرغ الآكل من طعامه في مهل) هو أمر للمؤذن أن يجعل بين أذانه وإقامته فرجة وسعة حتى يدرك السامع حضور الصلاة فإن النداء دعاء إليها لمن هو غير حاضر فلا يدرك الصلاة إلا إذا تأخرت الإقامة

стр. 357

وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، وهو يفيد أن من سمع النداء وهو على طعام فلا يقوم حتَّى يفرغَ من قضاء وطره منه فإنْ فاتته الجماعة كان التفريط من المؤذِّن (عم عن أُبي) (١) بضم الهمزة وتشديد المثناه من تحت هو: ابن كعب أبو المنذر الأنصاري الخزرجي النجاري أحد أئمة الصحابة وسيد القرَّاء شهد بدرًا والمشاهد كلها، توفي سنة ٢٢ ﵀ (٢) (أبو الشيخ في الأذان عن سلمان وعن أبي هريرة) رمز المصنف لحسنه، قال الشارح: إنه حسَّنه لشواهده وإلا ففيه جماعة ضعفاء. ١٨٤ - " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا (ق د) عن ابن عمر (صح) ". (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) بكسر الواو وسكون المثناة الفوقية ويأتي الكلام عليه في شرح قوله: "أوتروا فإن الله يحب الوتر" (ق د عن ابن عمر) (٣). ١٨٥ - " اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم (قط هق) عن ابن عمر (ض) ". (اجعلوا أئمتكم في الصلاة خياركم) جمع خير بالتشديد ككيس وهو الكثير الخير وقد بينه ﷺ في قوله: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ... " (٤) الحديث. ويأتي: خيارهم علمائهم (فإنهم) أي (الأئمة وفدكم) في النهاية (٥) قد تكرَّر ذكر الوفد في الحديث وهم القوم يجتمعون ويردون البلاد، واحدهم وافد وكذلك الذين

стр. 358

يقصدون الأمراء للزيارة والاسترفاد والانتجاع. انتهى. فقد شبَّه ﷺ الأئمَّة بالوفد على الأمراء وكان لا يفد على الأمراء من القوم إلا أشرافهم وخيارهم، وفيه دليل على أنَّ ذلك هو الأولى والواجب، ولا دليل فيه على عدم صحة إمامة الفاسق في الصلاة غايته أنهم يكونون بتقديمه تاركين الواجب أو الأفضل فيأثمون وقد بينا ذلك في رسالة سميناها "إنباه الأنباء على عدم شرطية عدالة إمام الصلاة" (قط (١) هق عن ابن عمر) رمز المصنف لضعفه، قال الشارح: إسناده مظلم. ١٨٦ - " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا (حم ق د) عن ابن عمر (ع) والروياني والضياء عن زيد بن خالد، ومحمد بن نصر في الصلاة عن عائشة" (صح). (اجعلوا من صلاتكم) أراد بها النوافل كما يدل له حديث: "أفضل صلاة المرء صلاته في بيته إلا المكتوبة" (٢) ولذا جاء بحرف التبعيض أي اجعلوا بعض صلاتكم (في بيوتكم ولا تتخذوها) أي بيوتكم (قبورًا) أي كالقبور التي ليست منازل أعمال بل منازل جزاء ويحتمل: لا تجعلوها كالقبور مظلمة لعدم تنويرها بالطاعات فإن الطاعات تنور القلوب والوجوه والبيوت وأعظم الطاعات الصلاة (حم ق د عن بن عمر ع والروياني) (٣) بضم الراء وسكون الواو ثم مثناة

стр. 359

ثم نون آخره مثناة هو الإِمام الحافظ أبو بكر محمَّد بن هارون صاحب المسند المشهور سمع عن جماعة وعنه جماعة، ووثقه أبو يعلى الخليلي، وجمعت الرحلة بينه وبين محمَّد بن جرير ومحمد بن نصر ومحمد بن خزيمة بمصر فنفد ما عندهم وجاعوا قالوا: نقترع فمن خرجت عليه القرعة خرج يسأل فاقترعوا فخرجت على ابن خزيمة فقال: أمهلوني حتى أصلي، فقام قال: فإذا هم بشمعة وخصي من قبل أمير مصر ففتحوا له فقال: أيكم محمَّد بن نصر فقيل: هذا، فأخرج له صرَّة فيها خمسون دينارًا فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمَّد بن جرير فأعطاه مثلها، ثم قال: أيكم محمَّد بن خزيمة، ثم كذلك بالروياني، ثم حدَّثهم أنَّ الأمير كان قائلاً فرأى في النوم أن المحامدة جياعٌ قد طووا فأنفذ إليكم هذه الصرر وأقسم عليكم إذا نفدت فعرفوني، مات الروياني سنة ٣٠٧ ﵀، وهو غير الروياني الفقيه الشافعي (١)، (والضياء روياه عن زيد بن خالد) ورواه (محمَّد بن نصر (٢)) بالنون فصاد مهملة فراء هو الإِمام الشيخ شيخ الإِسلام أبو عبد الله المرزوي الفقيه، ولد سنة ٢٠٢، سمع من جماعة وبرز في هذا الشأن وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة قال أبو بكر الصبغي: أبو بكر إمام وما رأيت أحسن صلاة منه وأثنى عليه ابن حزم ثناءً عجيبًا، وبالجملة فهو إمام بلا نزاع، قال السليماني: الحافظ محمَّد بن نصر: إمام موفق من السماء له كتاب تعظيم الصلاة وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله (في الصلاة) مات سنة ٢٩٤ (عن عائشة). ١٨٧ - " اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك استبراءً لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه.

стр. 360

وإن لكل ملك حمى وإن حِمى الله في الأرض مَحَارِمُه (حم طب) عن النعمان بن بشير (صح) ". (اجعلوا بينكم وبين الحرام سترًا من الحلال) الستر ما يستتر به، أي اجعلوا اتخاذ ما أحله الله لكم من الطيبات سترًا لكم عمَّا حرَّمه، فأعدوا من النساء الزوجات ومن الإماء ما يستركم من الزنا، ومن المكاسب الحلال ما يستركم من الحرام ويقرب منه حديث: "إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأتِ أهله فإن معها مثل الذي معها" سيأتي (١) ويحتمل: أنَّ المرادَ أنكم تجتنبوا الحرام وبعدوا عنه أنفسكم حتى كان بينكم وبينه سترًا يمنع عن ملابسته والاتصال به والدنو منه والأوَّل أقرب وهذا بآخر الحديث أنسب أعني قوله (من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه) هو من استبرأ ذكره استبقاه من البول وفي التعبير بهذه العبارة إشارة إلى أنَّ المعاصي والحرام كالبول في قذارته والنهي عنه وأضراره بالأديان والأبدان (ومن ارتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى) يفال: رتع وارتع ورتعت الماشية أكلت ما شاءت، قال الزمخشري (٢): ومن المجاز رتع القوم أكلوا ما شاءوا في رغد وخصب، والحمى بكسر المهملة من حميت المكان فهو محمي إذا جعلته حمى وهذا شيء حمي أي محضور لا يقرب (يوشك) بزنة يسرع ومعناه (أن يقع فيه) يؤخذ منه تحريم ذرائع الحرام (أن لكل ملك) من ملوك الدنيا (حمى) قيلت: كان الشريف من العرب إذا نزل أرضًا حية استعوى كلبًا فحمى مَدَّ عوى الكتب لا يشركه فيه غيره (٣) فشبه ﷺ ما حماه الله تعالى بذلك الحمى الذي يمنع فيه كل أحد (وأن حمى الله في الأرض محارمه) أي ما حرَّمه فإنه

стр. 361

قد حمى العباد عن قربانه والدنو إليه (حب طب (١) عن النعمان) بن بشير، رمز المصنف لصحته فيما رأيناه مقابلاً على خطه، قال الشارح: لم يرمز له المصنف وفيه كما قال الهيثمي: المقدام بن داود شيخ الطبراني وثق على ضعف فيه وبقية رجاله رجال الصحيح. ١٨٨ - " اجعلوا بينكم وبين النار حجاباً، ولو بشق تمرة (طب) عن فضالة بن عبيد (ح) ". (اجعلوا بينكم وبين النار حجابًا) شيئًا يحجبها عنكم لئلا تقعوا فيها من الصدقة كما دلَّ له قوله (ولو بشق تمرة) وتقدَّم "اتقوا النار ولو بشق تمره" (طب (٢) عن فضالة) بالفاء والضاد المعجمة بزنة سحابة (بن عبيد الله) التصغير لعبد، وفضالة أنصاري أوسي شهد بيعة الرضوان وولي قضاء دمشق والحديث رمز المصنف لحسنه، وقال الهيثمي: فيه ابن لهيعة إلا أنه شهد له ما أخرجه أحمد، قال في الفتح (٣): سنده حسنٌ "يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمره" (٤) فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان. ١٨٩ - " اجلوا الله يغفر لكم (حم ع طب) عن أبي الدرداء (ح) ". (أجلوا الله) الإجلال الإعظام أي عظموه بترك معاصيه وباتباع أوامره (يغفر لكم) ما وطئتم فيه من المخالفات وهذا على رواية الجيم ولذا أدخله المصنف

стр. 362

هنا وفي النهاية (١) ذكره في الحاء المهملة وفسره بقوله: أسلموا، ثم قال: كذا فسر الحديث، قال الخطابي (٢): معناه الخروج من حظر الشرك إلى حل الإِسلام وسعته من أحل الرجل إذا خرج من الحرم إلى الحل، قال: ويروى بالجيم وهذا الحديث عند الأكثر من كلام أبي الدرداء (حم ع طب عن أبي (٣) الدرداء) رمز المصنف لحسنه، وقال الشارح: فيه أبو العذراء مجهول (٤)، وبقية رجال أحمد وثقوا. ١٩٠ - " أجملوا في طلب الدنيا: فإنَّ كُلاًّ مُيَسَّر لما كُتِبَ له منها (هـ ك طب هق) عن أبي حميد الساعدي" (صح). (أجملوا في طلب الدنيا) في القاموس (٥): أجمل في الطلب أتاه واعتدل ولم يفرط (فإن كلاً) التنوين بدلٌ من المضاف إليه، أي كل مخلوق أو واحد أو إنسان (ميسر لما كتب له منها) أي مستهل له ما سبق به الكتاب من حظوظ الدنيا فلا يأتي الاجتهاد بزيادة ما سبق به الكتاب ففيه بدئية الطلب أو وجوبه والنهي عن الاجتهاد والكد ومن هنا يعلم بطلان قول من قال: أنه لا يحسن الطلب لأنه إن قد كتب له الرزق وقدره فهو سائقه إليه لا محالة وإن لم يكتبه ضاع السعي والطلب. والجواب: أنه تعالى قد قدَّر الرزق وكتبه وقدر له سببًا هو الطلب بالإجمال، فمن فعل السبب أتاه المسبب ومن لا فلا، وكل أعمال الدنيا والآخرة منوطة

стр. 363

مسبباتها بأسبابها (هـ ك هب (١) هق عن بن حميد الساعدي) رمز المصنف لصحته، وقال الحاكم: على شرطهما، وأقرَّه الذهبي، قال الشارح: وفيه هشام بن عمار أورده في الضعفاء، وقال: صدوق تغير، قال الذهبي: هشام بن عمار خطيب دمشق ومقرئها، ثقة مكثر، له ما ينكر، وإسماعيل بن عياش أورده في الضعفاء أيضًا وقال مختلف فيه. ١٩١ - " أجوعُ الناس طالبُ العلم، وأشبعُهم الذي لا يبتغيه (أبو نعيم في كتاب العلم (فر) عن ابن عمر" (ض). (أجوع الناس) هو اسم تفضيل من جاع يجوع وهو ضد الشبع أي أجوعكم (طالب العلم) أشدهم إليه رغبةً وفاقةً واستعير الجوع للعلم وهو للطعام إشارة إلى أنه صار من شدة رغبة طالبه فيه كأنه قوام بدنه الذي لا يعيش إلا به وإلى أنه كالأغذية الحسية (وأشبعهم) عن العلم (الذي لا يبتغيه) من بغى الشيء بالمعجمة طلبه ويحتمل أن المراد أشد الناس طلبًا لمطلوب وأشبع الناس أقلهم طلباً لمطلوب الذي مطلوبه غير، العلم وهذا أتم نحو العبارة النبوية وفي معناه حديث أبي سعيد عند الترمذي (٢): "لن يشبع مؤمن من خير سمعه حتى يكون منتهاه الجنة" (أبو نعيم) هو صاحب الرمز إلا أنه صرَّح باسمه؛ لأنَّ الرمز إنما هو لما يخرجه في كتاب الحلية وهذا أخرجه (في كتاب العلم فر عن ابن

стр. 364

عمر) (١) رمز المصنف لضعفه؛ لأنَّ فيه الحسن بن الفضل، قال فيه الذهبي: ضعيفٌ مزقوا حديثه، وقال ابن حجر في اللسان: قال ابن حزم: مجهول. ١٩٢ - " أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها (ق) عن ابن عمر" (صح). (أجيبوا هذه الدعوة) بضم الدال المهملة وهي دعوة وليمة العرس، والأمر للوجوب كما يأتي إذا كملت شروطها (إذا دعيتم لها) وإذا لم يدعى حرم عليه الحضور (ق عن ابن عمر) (٢) وتمام الحديث في البخاري أنه كان عبد الله بن عمر يأتي الدعوة في العرس وهو صائم. ١٩٣ - " أجيبوا الدعوة، ولا تردوا الهدي، ولا تضربوا المسلمين (حم خد طب هب) عن ابن عمر" ح. (أجيبوا الدعوة (٣) ولا تردوا الهدية) بزنة غنية وهي ما يتحف به يأتي أنه من شمائله ﷺ أنَّه كان يقبل الهدية (٤) ويثيب عليها وقد أمر بها في قوله: "تهادوا تحابوا، وذلك؛ لأنه يحصل بها ما يريده الله تعالى من ألفة القلوب وميل بعضها إلى بعض (ولا تضربوا المسلمين). فإن قلت: ما الجامع في عطف الضرب على الهدية؟ قلت: التضاد فإن ذلك إحسان وهذا إساءة وذلك سببًا للتحاب وهذا سبب للتباغض. (حم خد طب هب عن ابن عمر) (٥) رمز المصنف لحسنه قال الشارح:

стр. 365

وحقه الرمز لصحته، فقد قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. ١٩٤ - " أجيفوا أبوابكم، وأكفىوا آنيتكم، وأوكئوا أسقيتكم، وأطفئوا سرجكم فإنهم لم يؤذن لهم بالتسور عليكم (حم) عن أبي أمامة" (ح). (أجيفوا) بالفاء بعد المثناة التحتية (أبوابكم) يقال: أجفت الباب أي رددته أفاده في القاموس (١) (وأكفئوا آنيتكم) وهو من كفأت القدر إذا كفيته وحولته وظاهره أنه عام للآنية التي فيها طعام وشراب والخالية إلا أنه يأتي: "خمروا الطعام والشراب ولو بعود يعرض عليه" (٢) فهذا الحديث خاص بإكفاء الآنية الخالية ولأنَّ إكفاء ما فيه طعام أو شراب إتلاف له وإضاعة، وهو منهي عنه (وأوكئوا أسقيتكم) أي شدوا رؤوسها بالوكاء لئلا يدخلها حيوان، يقال: أوكيت السقاء أوكيه إيكاءًا فهو موكي، والوكاء الخيط الذي يشد به فم القربة (وأطفئوا سرجكم) كل هذه الآداب عند إرادة النوم (فإنهم) أي الشياطين ومردة الجن، المدلول عليهم بالسياق (لم يؤذن لهم بالتسور عليكم) بالسين المهملة من تسور عليه حائطه إذا دخل عليه والمراد أنهم لا يضرونكم إذا جعلتم ذلك وهذا تعليل لتغليق الأبواب ويأتي تعليل إطفاء السرج بأن الفويسقة ربما جَرّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت (حم عن أبي أمامة) رمز المصنف لحسنه وقال الهيثمي: رجاله ثقات (٣).

стр. 366

حرف الهمزة مع الحاء المهملة ١٩٥ - " أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله (حم ق د ن) عن ابن مسعود (صح) ". (أحب الأعمال) أي أعمال أهل الإيمان فلا يرد أن الإيمان أحب (إلى الله) حب الله للعمل إثابته عليه وقبوله له ومحبته لفاعله (الصلاة) المفروضة كما دل له قوله (لوقتها) فإنها ذات الأوقات، ولأنها الفرد الكامل إذا أطلقت فهي المتبادرة، فلا يرد أن من النوافل ما له وقت كالضحى أو نحوها، وقد قيَّد إطلاقه ما في رواية لحديث ابن مسعود هذا، وحديث أم فروة بلفظ: "لأول وقتها" (١) ويأتي حديث عند الطبراني بلفظ: "لأول وقتها" وفيه راوٍ ضعيف، ولكنه شهد له مداومته ﷺ عليه كما قال الشافعي، ولأنه يشعر به التفضيل فإنه أريد أفضلية الصلاة الواقعة في الوقت على التي تقع خارج الوقت فالتي تقع خارج الوقت لا فضيلة لها فضلاً عن كونها مفضلاً، عليها ويدل له حديث: "أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله"، يأتي (٢)، وإذا كان آخر الوقت عفو الله فالصَّلاة في غير وقتها غير مقبولة، ويأتي البحث بأطول من هذا، وبيان أن التفضيل حقيقي وأن اللام في الأعمال للاستغراق في أثناء الوقت لا على التي تقع (ثم بر الوالدين) طاعتهما والإحسان إليهما وإن كان بر الأم أفضل من برِّ الأب كما يأتي (ثمَّ الجهاد في سبيل الله) يستفاد منه لعطفه بثم أنه لا يخرج الولد مجاهدًا إلا برضا الوالدين، إذ رضاهما بخروجه من برهما، وكذلك لا يخرج

стр. 367

للحجِّ إلا بإذنهما، ومثله خروجه لطلب العلم. وتقديم الصَّلاة يدلُّ أنَّه يؤديها أول وقتها وإن كرهًا (حم ق د ن عن ابن مسعود) (١) زاد في رموز الكبير رمز ابن حبان وحذف رمز أبي داود. ١٩٦ - " أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل (ق) عن عائشة" (صح). (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ) هذه الأحبية للعمل باعتبار صفة الدوام فيكون أعم من الأول باعتبار الصفة، فالصلاة المداوم عليها أوَّل وقتها أحبُّ إلى الله من صلاة أوَّل الوقت لا يداوم عليها فالعمل المداوم عليه أفضل من عمل لا يداوم عليه من حيث صفة الدوام وإن كان ذلك أفضل باعتبار ذاته ويحتمل أنَّه أُريدَ بهذا فرائض الطاعات؛ لأَنَّها دائمة متكررةٌ، فكأَنَّه قال: أحب الأعمال إلى الله الفرائض لدوامها في كل يوم كالصلاة أو في كل عام كالحجِّ والزَّكاة والصَّوم إلا أن قوله: "وإن قل" لا يناسب هذا (ق عن عائشة) (٢). ١٩٧ - " أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله (حب) وابن السني في عمل يوم وليلة (طب هب) عن معاذ" (صح). (أحب الأعمال إلى الله أن تموت) خطاب لغير معين لكلِّ من يصلح للخطاب (ولسانك رطب من ذكر الله) أي قريب عهد بالذكر، جعل الذكر للسان بمثابة الماء وذلك لأن بالذكر حياة القلب كما أن بالماء حياة الأرض، فأثبت له الرطوبة كما هي ثابتة بالماء أو لأن بالذكر يجري ماء اللسان بخلافه مع السكوت، كما قال الزمخشري، ومن المجاز رطب لساني بذكرك وهذه الأحبية باعتبار الذكر وبالنظر إليه أي أحب الذكر إلى الله هذا النوع منه وهو ما يتصل

стр. 368

بحالة الموت ويحتمل أنه إشارة إلى حديث: "من كان آخر قوله من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة" (١) (حب وابن السني) (٢) بضم المهملة فنون فتحتية مثناة هو الإِمام الحافظ الثقة أبو بكر أحمد بن محمَّد بن إسحاق بن إبراهيم من موالي جعفر بن أبي طالب الهاشمي، عرف بابن السني صاحب كتاب "عمل يوم وليلة" وراوي سنن النسائي عنه، سمع النسائي وغيره أكثر الترحال وسمع عنه جماعات، قال الذهبي: كان دينًا خيرًا صدوقًا، اختصر السنن وسمَّاه "المجتبى" عاش بضعًا وثمانين سنة، مات سنة ٣٨٤ (٣) في عمل يوم وليلة كتاب ألفه في ذلك. (طب هب عن معاذ) رمز المصنف لصحته، قال الشارح: إنه تبع ابن حبَّان في تصحيحه، قال الهيثمي في رواية الطبراني: فيه خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك ضعَّفه جمعٌ ووثَّقه أبو زرعة وبقية رجاله ثقاتٌ. ١٩٨ - " أحب الأعمال إلى من أطعم مسكينًا من جوع، أو دفع عنه مغرما أو كشف عنه كربا (طب) عن الحكم بن عمير (ض) ". (أحبُّ الأعمال إلى الله من أطعم مسكينًا) في النهاية (٤) قد تكرَّر ذكر المسكين والمساكين والمسكنة والتمسكن وكلها يدرو بمعناها على الخضوع والذلَّة وقلَّة المال والحال السيئة واستكان إذا خضع والمسكين الذي لا شيء له وقيل: هو

стр. 369

الذي له بعض الشيء. انتهى. وإطعام المسكين من أشرف أنواع البر وناهيك أنه تعالى جعل عدم الحضِّ على إطعامه قرينًا للتكذيب بيوم الدين (من جوع أو دفع عنه مغرمًا) بفتح ميمه وسكون المعجمة من الغرامة وهي ما يلزم أداؤه (أو كشف عنه كربًا) الكشف الإزالة والكرب بفتح أوَّله وسكون ثانيه الذي يأخذ النفس والكربة بالضم مثله ويأتي الحث على هذه الأنواع من البر في حق غير المسكين أيضًا، وهذه الأحبية بالنظر إلى الإحسان إلى العباد فلا ينافي ما سلف لاختلاف جهات التفضيل (طب عن الحكم بن عمير) (١) رمز المصنف لضعفه قال الشارح: لكن له شواهد. ١٩٩ - " أحب الأعمال إلى الله، بعد أداء الفرائض، إدخال السرور على المسلم (طب) عن ابن عباس" (ض). (أحبُّ الأعمال إلى الله) أي الأعمال النفل كما دلَّ له قوله (بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم) بفعل أو قول فهو أعم من حديث الحكم في المدخل عليه ويؤخذ منه أن أبغضها إليه تعالى إدخال الحزن على المسلم (طب عن ابن (٢) عباس) رمز المصنف لضعفه، وقال الهيثمي: فيه إسماعيل بن عمر البجلي (٣) وثَّقه ابن حبَّان وضعفه غيره.

стр. 370

٢٠٠ - " أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان (هب) عن أبي جحيفة (ض) ". (أحب الأعمال) المتروكة (إلى الله حفظ اللسان) عن النطق فيما لا ينفع وهذه الأحبية باعتبار الترك والأولات باعتبار الفعل وتأتي في حفظ اللسان أحاديث ويأتي زيادة في الكلام عليها (هب (١) عن أبي جحيفة) رمز المصنف لضعفه. ٢٠١ - " أحب الأعمال إلى الله الحبُّ في الله، والبغض في الله (حم) عن أبي ذر (ح) ". (أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله) كلمة في للتعليل، مثلها في حديث: "أن امرأة دخلت النار في هرة" (٢) أي الحب لأجل الله وهو أن يحب من يحبه الله وهم أهل طاعته وتبغض من يبغضه الله وهم أهل معصيته فتحب أنبياءه وصالحي عباده وتبغض أعداءه وأعداء رسله كالكفار والفساق وتأتي أحاديث يحصر فيها الإيمان على ذلك (حم عن أبي ذر) (٣) رمز المصنف لحسنه. ٢٠٢ - " أحب أهلي إليَّ فاطمة (ت ك) عن أسامة ". (أحب أهليَّ إلى فاطمة) أي من النساء فاطمة ابنته ﷺ فلا ينافيه حديث الحسنين الآتي (ت ك عن أسامة بن زيد) (٤) سكت عليه المصنف وقد حسَّنه

стр. 371

الترمذي وصحَّحه الحاكم. ٢٠٣ - " أحب أهل بيتي إلى الحسن والحسين (ت) عن أنس) " (ح). (أحب أهل بيتي) أي من الرجال والنساء (إليّ الحسن والحسين) فهما أحب إليه من فاطمة إن حمل على عموم أهله الذي تفيده الإضافة، ويحتمل أنَّ المراد ما عدا فاطمة لما قدَّمناه فيكون الحسنان أحبُّ أهله إليه إلا أمَّهما وهي أحب أهله إليه إلا ابناها فلا تفيد أحبية أحد الفريقين إليه على الآخر (ت عن أنس) (١) رمز المصنف لحسنه، قال الشارح: فيه أبو شيبة، قال أبو حاتم: ضعيف. ٢٠٤ - " أحبّ النساء إليَّ عائشة، ومن الرجال أبوها (ق ت) عن عمرو بن العاص (ت هـ) عن أنس (صح) ". (أحب النساء (٢) إليَّ) من الزوجات الموجودات حال التكلم فلا تدخل خديجة ولا فاطمة (عائشة ومن الرجال) عطف على مقدر كأنَّه قال: أحب النَّاس إليَّ من النساء ومن الرجال (أبوها) كأنَّ المراد من الرجال غير أهل بيته فلا ينافيه حديث الحسنين ويأتي فيه الاحتمال الآخر (ق ت عن عمرو بن العاص ت عن أنس) (٣). ٢٠٥ - " أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن (م د ت هـ) عن ابن عمر" (صح). (أحب الأسماء إلى الله) ما سمِّي به العبد (عبد الله وعبد الرحمن) لشرف في ما

стр. 372

أضيف إليه لفظ "عبد" فإنهما اسمان مختصان بالله تعالى وهو حث على التسمية بهما (م د ت هـ (١) عن ابن عمر). ٢٠٦ - " أحب الأسماء إلى الله ما تعبد له، وأصدق الأسماء همام وحارث، الشيرازي في الألقاب (طب) عن ابن مسعود" (ض). (أحب الأسماء إلى الله) التي تسمى به العباد فلا تدخل فيها أسماؤه الحسنى (ما تعبد) بضم المثناة وتشديد المُوحدة (له) أي ما دلَّ على العبودية لله من كل لفظ عبد أضيف إلى اسم من أسمائه الحسنى وظاهره استوائها في الأحبية إلا أن إفراد عبد الله وعبد الرحمن يدل على أنهما أحبّ الأحب وأما هما فلا دليل على أحبية أحدهما على الآخر، ويحتمل: أن عبد الله أحب من عبد الرحمن لتقديم ذكره، أو وجه أحبية ما أضيف إلى اسم من أسمائه الحسنى أنها محبوبة إليه قد اختارها لنفسه وأمر عباده أن يدعوه بها فأحب ما أضيف إليها واكتسب الأحبية منها وهذه سراية معنوية من المضاف إليه إلى المضاف، أشرف من السرايات اللفظية كاكتسابه منه تعريفًا وتأنيثاً (وأصدق الأسماء حارث وهمام) (٢) كلاهما اسم فاعل من "حرث وهم" إلا أن الثاني جاء على صيغة المبالغة، قال في النهاية (٣): الحارث الكاسب والإنسان لا يخلو من الكسب قطعاً، ومنها همام فعال من هم بالأمر يهم إذا عزم عليه وإنما كان أصدق لأن ما من أحد إلا وهو يهم بأمر كان خيرًا أو شرًا. انتهى. إن قلت: عبد الله وعبد الرحمن من أصدق الأسماء لتحقيق العبودية فيهما، فلم كان حارث وهمام أصدق منهما. قلت: إنهما وإن كانا صادقين باعتبار العبودية وتحققها فيهما لكن القيام بحقها لا يفي به المسمى، فإنَّ حق العبد أن

стр. 373

لا يخالف مولاه في كل ما أمر به ونهاه عنه، ومن ذا يقوم بذلك من العباد وكل بني آدم خطاءون كما قاله ﷺ (١) فهما اسمان من أحب الأسماء وأصدقهما باعتبار لفظهما لا باعتبار مطابقة المسمى لمعناها بخلاف حارث وهمام فكل من المسمى بهما قائم بمدلوله أتم قيام فكانا أصدق الأسماء (الشيرازي في الألقاب طب عن ابن مسعود) (٢) رمز المصنف لضعفه وجزم في الدرر بضعفه؛ لأنَّ فيه محمَّد بن محصن العكاشي متروك. ٢٠٧ - " أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة (حم خد طب) عن ابن عباس (صح) ". (أحب الأديان إلى الله الحنيفية) في النهاية (٣): الحنيفية عند العرب من كان على دين إبراهيم ﵇ وأصل الحنف الميل وفيها (السمحة) السهلة التي ليس فيها شيء من الأصار والأغلال التي كانت في شرائع الأنبياء ﵈ ولما كانت أحب الأديان إليه اختارها لأحب رسله ﷺ إليه وأمته ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (حم خد طب عن بن عباس) (٤) رمز المصنف

стр. 374

لصحته وقال الهيثمي: فيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري منكر الحديث، وقال العلائي: له طرق لا تنزل عن درجة الحسن بانضمامها، قال ابن حجر: له شاهد مرسل عند ابن سعد وقال في المختصر: إسناده حسن. ٢٠٨ - " أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها (م) عن أبي هريرة (حم ك) عن جبير بن مطعم" (صح). (أحب البلاد إلى الله مساجدها) لأنَّها بيوت طاعته وكفاها شرفًا أنها بيوت الله تضاف إليه ولأنها محل أوليائه وأحبابه وإليها تنزل ملالكته ومنها بالأعمال الصالحات تصعد إلى سماواته (وأبغض البلاد إلى الله أسواقها) لأنها محل الشياطين وموضع الكذب والأيمان الفاجرة والفحش والتفحش والمعاملات الباطلة، وحبه تعالى للبقاع وبغضه لها حبه لأهلها والساكنين بها وبغضه لهم ولمن يلازمها (م عن أبي هريرة (١) حم ك عن جبير بن مطعم). ٢٠٩ - " أحب الجهاد إلى الله كلمة حق تقال لإمام جائر (حم طب) عن أبي أمامة (ح) ". (أحب الجهاد إلى الله كلمة حق تقال لإمام جائر) إنما كان هذا أحب إلى الله لما فيه من الإعلان بالحق والصدوع به وإيثار مرضاة الله على مرضاة عباده والمخاطرة بالنفس لإعلاء كلمته وإنما كان أحب من القتال وملاقة الأقران؛ لأنَّ ذلك فيه مظنة الظفر والغلبة والسلب وقوة النفس في الدفع عن دمها بخلاف المتكلم عند الجائر فليس فيه شيء من ذلك بل ما هو إلا مخاطرة بالنفس لا غير، وفيه أن أحب الأعمال إلى الله أشقها على فاعلها، وفيه: أن التعرض للشهادة مع القطع بعدم الغلبة جائز وأنه لا يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمان على النفس لأنَّ هذه المواقف مظنة عدم السلامة

стр. 375

ويحتمل: أن المراد أحب الجهاد اللساني؛ لأنَّ الجهاد نوعان جهاد بالسنان وجهاد باللسان كما ذكره أئمة التفسير في قوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أن جهاد الكفار بالسنان وجهاد المنافقين باللسان (حم طب (١) عن أبي أمامة) رمز المصنف لحسنه، ورواه النسائي بلفظ "أفضل" وسيأتي، وإسناده صحيح فيؤخذ منه أنَّ الأحب هو الأفضل وأنه يرادفه. ٢١٠ - " أحب الحديث إليّ أصدقه (حم خ) عن المسور بن مخرمة ومروان معا (صح) ". (أحب الحديث إليّ أصدقه) لا يخفى أن الصدق مطابقة الواقع والصادق من قام به الصدق، وإذا كان كذلك ورد السؤال عن المراد بالأصدق فإنها لا تفاوت رتب المطابقة، والجواب: المراد أنه يراد أحد الأمرين إما أنه أراد بأصدق الكلام ما طابق الواقع وزاد باشتماله على موعظة وترغيب في الخير وزجر عن الشر وكما يرشد إليه ما يأتي من حديث: أصدق كلمة قالتها العرب: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، ويحتمل: أنه أراد بأصدق الحديث القرآن لحديث البيهقي وابن عساكر وغيرهما: "أصدق الحديث كتاب الله" (٢) ذكره المصنف في الذيل فيكون المعنى: أحب الحديث إليّ كتاب الله والقرآن سمي حديثًا لقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (حم خ عن المسور (٣)) بكسر ميمه وسكون السين المهملة وفتح الواو وآخره راء مهملة (بن مخرمة) بفتح الميم وسكون

стр. 376

الخاء المعجمة فراء فميم آخر تاء تأنيث والمسور صحابي معروف من بني زهرة أمه الشفاء أخت عبد الرحمن بن عوف (١) (ومروان معًا) أي أخرجه كل منهما عنهما رمز المصنف لصحته. ٢١١ - " أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه (حم ق د ن) عن ابن عمرو (صح) ". (أحب الصيام إلى الله) أي أفضله إليه كما صرح به حديث آخر (٢)، وهذه الأحبية للصيام والصلاة باعتبار الزمانين التي وقعت هذه العبادة فيهما فهما أحب الفعل إليه باعتبار زمانهما وذلك لأنهما في غاية العدل والله يحب العدل كله فإنه جعل للعبد لنفسه حقًّا ولربه حقًّا وقام بالحقين فأتى بالعبادة على وجهها من الكمال والنشاط والرغبة فامتاز عمن أغفل حق الله وآثر حق نفسه وراحتها وعمن أوغل في عبادة الله وأفرط حتى مل وكرهها إلى النفس كما يأتي عدة أحاديث في النهي عن ذلك وعن الإيغال في العبادة وقد أبان ذلك بقوله (صيام داود) أي ما كان على صفته في الزمان لا أنه مجرد إخبار عن أحبية (صيام داود) فقط وكأنه قيل: وكيف كان: قال (كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) فقام بحق الله وحق نفسه فهذا الأفضل منه (وأحب الصلاة) من نوافل الليل إلى الله تعالى (صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه) من أول النصف الثاني وهو بعد أخذه حظًّا لنفسه من النوم فيقبل على الطاعة برغبة ونشاط (وينام سدسه) الأخير ليأتي بصلاة الصبح وقد أخذت النفس راحتها من النوم والراحة والعبادة وفيه أن هذا أفضل النوافل صيامًا وصلاة.

стр. 377

إن قلت: قد تحت أن أحب الأوقات وأفضلها ثلث الليل الأخير وهنا قد جعل محلاً للنوم. قلت: يحتمل أن ذلك في هذه الشريعة، ويحتمل أنه لمن لم يقم النصف الآخر أو أنه أطلق السدس على جزء منه فلا يفوت به كل الثلث الآخر (حم ق د ن عن بن عمرو) (١). ٢١٢ - " أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي (ع حب هب) والضياء عن جابر (صح) ". (أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي) لأنه يدل على صحة النفوس وانشراح الصدور وكرم طباع الآكلين ولأنه الطعام الذي يبارك فيه كما سلف (ع حب هب (٢) والضياء عن جابر) رمز المصنف لصحته. ٢١٣ - " أحب الكلام إلى الله تعالى أن يقول العبد "سبحان الله وبحمده" (حم م ت) عن أبي ذر" (صح). (أحب الكلام إلى الله تعالى أن يقول العبد: سبحان الله) أنزِّه الله عن كلِّ قبيح (وبحمده) عطف على الجملة الفعلية المفادة سبحان الله؛ لأنَّه مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبًا أي أسبِّح الله تسبيحًا ثم وضع سبحان موضع التسبيح وصار علمًا له ويحتمل أنها حالية أي أسبّحه متلبسًا بحمده والمعنى أسبح الله وأتلبس بحمده والإضافة في بحمده تفيد الحمد اللائق بجلاله الذي يستحق

стр. 378

إضافته إليه فالياء للملابسة ووجه أحبيته هاتين الكلمتين أنهما اشتملتا على تنزيه الله مقرونًا به تحميده فأفادتا صفتي السلب والإيجاب فسلبت الأولى كل نقص عنه تعالى وأثبت الثانية صفة الثناء المتضمنة كل صفة كمال ووقفنا على أحسن ترتيب حيث تقدمت التخلية بالخاء المعجمة على التحلية بالحاء المهملة وهو الترتيب العقلي الوضعي والمراد أحب الكلام الثنائي فلا يرد أن الكلام المشتمل عليهما وعلى غيرهما أحب إليه تعالى كما يأتي قريبًا وكما يأتي في حديث: "أربع أفضل الكلام" (حم م ت عن أبي ذر) (١) رمز المصنف لصحته على القاعدة أنه إذا كان في الرموز الشيخان أو أحدهما رمز لصحته. ٢١٤ - " أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" لا يضرك بأيهن بدأت (حم م) عن سمرة بن جندب (صح) ". (أحب الكلام) أي كلام العباد فلا يرد القرآن وإن كانت هي من القرآن أيضًا (إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) لأنها جمعت أنواع الثناء والتحميد والكبرياء (لا يضرك بأيهن بدأت) أي لا ينقص أجرها بالبداية بأيها لأنه لا ترتيب فيها (حم م (٢) عن سَمُرَة) بفتح المهملة وضم الميم آخره راء بعدها تاء التأنيث بن جُنْدب بضم الجيم وفتح الدال المهملة وضمها رمز المصنف لصحته. ٢١٥ - " أحب اللهو إلى الله تعالى إجراء الخيل والرمي (عد) عن ابن عمر (ح) ". (أحب اللهو) في النهاية (٣): اللهو اللعب يقال لهوت بالشيء لهوًا وتلهيت به إذا لعبت به وتشاغلت به وغفلت عن غيره.

стр. 379

قلت: وريحوه بأنها ترويح النفس بما تقتضيه الحكمة (إلى الله تعالى إجراء الخيل) تأديبها واللهو بها ويأتي أنه لا سبق إلا في ثلاث وذلك لما فيه من التدريب في الفراسة ومراوغة الأقران ويأتي استيفاء الكلام عليه هنالك ويأتي ضم ثالث إليهما ورابع وهو ملاعبة الرجل أهله (والرمي) بالنشاب والعلة العلة (عد (١) عن بن عمر) رمز المصنف لحسنه وكأنه لشواهده، قال الشارح: كل أسانيده ضعيفة. ٢١٦ - " أحب العباد إلى الله تعالى أنفعهم لعياله (عبد الله في زوائد الزهد عن الحسن مرسلاً". (أحب العباد إلى الله تعالى) أكثرهم ثوابًا (أنفعهم لعياله) لعيال الله في القاموس (٢): عيال ككتاب من يتكفل به الرجل من عالة، والعباد عيال الله؛ لأنه المتكفل بهم في جميع أحوالهم والأنفع شامل لنفع الدين والدنيا (عبد الله) هو ابن أحمد بن حنبل، أحد أهل الرموز، ولم يأت هنا برمزه؛ لأنه إنما جعله لروايته في رواية المسند وهنا رواه (في زوائد الزهد) والزهد كتاب لأحمد (عن الحسن) وهو حيث يطلق الإِمام الكبير أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، تابعيٌّ جليلٌ (مرسلاً) سكت عليه (٣) المصنف، وقال الشارح: إسناده ضعيفٌ. ٢١٧ - " أحبُّ عباد الله إلى الله أحسنهم خلقًا (طب) عن أسامة بن شريك (ح) ".

стр. 380

(أحب عباد الله إليه أحسنهم خلقًا) تقدَّم حسن الخلق ويأتي فيه عدَّة أحاديث ويجمعه، أي يجمع أصول كما سلف قوله: "طلاقة الوجه، وكف الأذى" وبذلك المعروف حسن الخلق (طب عن أسامة بن شَرِيك) (١) رمز المصنف لحسنه. ٢١٨ - " أحب بيوتكم إلى الله بيت فيه يتيم مكرم (هب) عن عمر" (ض). (أحب بيوتكم إلى الله بيت فيه يتيم) تقدَّم من هو (مكرم) يكرمه أهل البيت؛ لأنه لانفراده عن أبيه صار أحقُّ الناس بالإكرام ولصغر سنه (هب عن عمر) (٢) رمز المصنف لضعفه. ٢١٩ - " أحب الله تعالى عبدًا سمحًا إذا باع، وسمحًا إذا اشترى، وسمحًا إذا قضى، وسمحًا إذا اقتضى (هب) عن أبي هريرة" (ح). (أحب الله) فعل ماض إخبار أنه تعالى أحب (عبدًا سمحًا إذا باع) المسامحة المساهلة في الأمور وعدم المشاحة فيها (وسمحًا إذا اشترى وسمحًا إذا قضى) غريمه دينًا (وسمحًا إذا اقتضى) من غرمائه والسماحة في هذه الأربعة دليل على السخاء وسماحة النفس والله تعالى يحب ذلك (هب عن أبي هريرة) (٣) رمز المصنف لحسنه، قال الشارح: وفيه الواقدي وفيه كلام. ٢٢٠ - " أحبكم إلى الله أقلكم طعما وأخفكم بدنًا (فر) عن ابن عباس (ض) ".

стр. 381

(أحبكم إلى الله أقلكم طُعْمًا) بضم الطاء الأكل على وقته وبالفتح هو ما يؤديه ذوق الشيء من حلاوة ومرارة أفاده في النهاية (١) (وأخفكم) بالخاء المعجمة ففاء من الخفة (بدنًا) نصب على التمييز كالأولى وخفة البدن من عدم امتلائه سمنًا، وذلك لأن قلَّة الطعام سبب للنشاط للعبادة ولقلة النوم ولقلة دواعي الشهوة، ومفاسد الأكل كثيرة، وآفاته عديدة، وقد عدَّه الأطباء من آفات الأبدان كما أنها من آفات الأديان، ولذا قيل: فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب وخفة البدن من ثمرات قلة الأكل وفوائده فوائده (فر عن ابن (٢) عباس) رمز المصنف لضعفه؛ لأنَّ فيه أبا بكر بن عياش، قال الذهبي: ضعَّفه ابن نمير. واعلم أنَّ هذه ثلاثة وعشرون حديثًا وردت بصيغة اسم التفضيل والأصل فيه أن يجيء للفاعل، فنقول: زيدًا أفضل من عمرو أو من الناس، أي أزيدهم فاضلية على غيره، وجاء قليلاً للمفعول، نحو: أشغل الناس أي أكثرهم مشغولية، وهذه الأحاديث جميعًا وردت على الأقل، إذ المراد بأحب الأعمال إلى الله أزيدها محبوبية وكذلك ما بعده وهو استعمال صحيح فصيح وإن كان أقل من الأوَّل، ثمَّ اعلم أنه أشكل إيراد هذه الصيغة التفضيلية في كلِّ ما ذكر لدلالتها على أن كلَّ ما ذكر بعدها أحب من كل ما عداها، وقد تعدَّدت وأنه يؤدِّي إلى التناقض، وقد ذكر المصنِّف نظير هذا في الإتقان في آيات ﴿ومن أظلم ممن ...﴾ كذا [ومن أظلم ممن ...] كذا بمعنى صلته. ثم قال: وأجيب بأوجه، منها تخصيص كل موضع. قلت: وقد أشرنا في كثير مما مضى إلى شيء من هذا ولم يجر في كلها إلا

стр. 382

بتكلف وذكر المصنف أجوبة لا تجرى ها هنا، وأقول: إذا تعذَّر التَّوجيه فلا ضير في أن يرادَ في أنَّ هذه المذكورة في نفسها هي أحب الأشياء إليه تعالى، وأما هي فيما بينها فمسكوت عن بيان أكثر محبوبية منها. ٢٢١ - " أحب للناس ما تحب لتفسك (تخ ع طب ك هب) عن يزيد بن أسيد (صح) ". (أحب للناس) المسلمين (ما تحب لنفسك) قد تقدَّم. إن قلت: المحبة فعل قلبي غير اختياري، ولذا فسَّروا قوله ﷺ : "اللَّهمَّ هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (١) بالمحبة. قلت: المراد أنَّك تأتي إلى الناس ما تحب أن يأتوا إليك، فعبر بالمحبة عن لازمها وما يتسبب عنها إذا أراد بذكر أسباب المحبة من تذكرك أن الله يحب منك أن تحب أخاك ويأمرك بذلك ويأجرك عليه ومن فعل ما هو من أسبابها كالمهاداة كما أرشد إليه حديث: "تهادوا تحابوا" أو المراد: أرد به لهم ما تريد لنفسك (تخ ع طب ك هب عن يزيد (٢) بن أسد) بفتح الهمزة وسكون المهملة آخره مهملة، رمز المصنف لصحته. ٢٢٢ - " أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما (ت هب) عن أبي هريرةً (ح) ". (أحبب حبيبك هونًا ما) في النهاية (٣): حبًا مقتصدًا لا إفراط فيه وإضافة ما

стр. 383

إليه مفيد التقليل بمعنى لا تسرف في الحب والبغض (عسى أن يكون بغيضك يومًا ما) وعسى هنا للإشفاق (وأبغض بغيضك بغضًا) ما مثل ما سلف (عسى أن يكون حبيبك يومًا ما) وعسى للترجي كلعل، والحديث إرشاد إلى الاعتدال في الأمور وعدم المبالغة والغلو في الحب والبغض، وأن كلا طرفي قصد الأمور ذميم، والأمر هنا للندب، والم بمعنى الحديث من قال: واحبب إذا أحببت حبًّا مقاربًا ... فإنَّك لا تدري متى أنت رافع وأبغض إذا ابغضت غير مباين ... فإنك لا تدري متى أنت راجع (ت هب (١) عن أبي هريرة) رمز المصنف لحسنه. ٢٢٣ - " أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي (ت ك) عن ابن عباس (صح) ". (أحبوا الله) وجوبًا (لما يغذوكم به) في القاموس (٢): الغذاء بالكسر ككساء ما به نماء الجسم غذاه يغذوه غذواً، أي لأجل ما يسديه إليكم من نعمة جمع نعمة وكلمة من للتبعيض إعلامًا بأن بعض نعمه تعالى توجب محبته ويحتمل أنها للبيان وكل نعمة من الله نعمة الإيجاد من العدم والإمداد من النعم وهو حث على حب الله بتذكر نعمه وإلا فأسباب محبته لا تنحصر فإنه تعالى محبوب بكماله الذاتي وإفاضته لأنواع عجائب مخلوقاته وبدائع ملكوته وإنما خص ﷺ هذا؛ لأنه السبب اللازم للإنسان وحب المنعم واجب عقلاً كشكره (وأحبوني)

стр. 384

وجوبًا أيضاً (لحب الله) لأجل حبكم لله فمن أحب الله أحب رسله أو لأجل حبه إياي أو لأجل حب الله له ولذلك قيل: حبيت إلى قلبي حبيب حبيبتي، وقالوا: الأحباب ثلاثة: حبيبك، وحبيب حبيبك، والثالث: عدو عدوك، وهذا من أسباب حبه ﷺ وإلا فإنه نعمة ورحمة فهو يحب لكونه نعمة فاضت بواسطته خيرات الدارين على العباد نالوا باتباعه كل ما يقر به العين فيه نالوا كل خير وبه دفع عنهم كل بؤس وضير وحبه طبعي فإن النعمة محبوبة طبعًا إلا أنه ﷺ أشار إلى سبب المحبة الشرعي، (وأحبوا أهل بيتي) وجوبًا أيضًا (لحبي) لحبكم إياي فإنَّ من أحبه أحب آله؛ لذلك قيل: ويكرم ألف للحبيب المكرم، أو لحبي إياهم أو لحبي إياكم أيها الأمة فإني أحبكم فأسوق إليكم كل خير فأحبوا أهل بيتي مكافأة لي على محبتي إياكم (ت ك عن ابن (١) عباس) رمز المصنف لصحته، وصححه الحاكم والذهبي، وقول ابن الجوزي: هو غير صحيح وهموه فيه، نعم فيه عبد الله بن سليمان النوفلي أورده في الميزان، وقال: فيه جهالة ثم أورد له هذا الحديث. ٢٢٤ - " أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي (عق طب ك هب) عن ابن عباس (صح) ". (أحبوا العرب) اسم لهذا الجيل من الناس سواء أقام بالبادية أو لا، ولا واحد له من لفظه (لثلاث لأني عربي) أي لأنَّ لساني ولغتي عربية كما في قرينتيه أو لأني واحد من العرب نسبي ونسبهم واحد أو للأمرين (ولأن القرآن عربي)

стр. 385

أي فصاحته وبلاغته وأسلوبه (وكلام أهل الجنة عربي) من الحور العين المنشأة بها ومن الأولين والآخرين النازلين بها وحين كانت هذه الثلاث خاصة بالعرب تعينت محبتهم وظاهره عموم كافرهم ومؤمنهم ويحتمل أنه أريد به أهل الإيمان منهم وان أريد به الأعم فهو يحب الكافر لبلاغته وبيانه وفصاحته وإن كان مبغوضًا لكفره وإن أريد المؤمن فإنه يفيد أن لمؤمن العرب زيادة خصوصية في المحبة على المؤمنين من غيرهم وإلا فإن أهل الإيمان مأمور بمحبتهم مطلقًا (عق طب ك هب عن ابن (١) عباس) رمز المصنف لصحته. وهو من رواية العلاء بن عمرو الحنفي، وهو متروك، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال أبو حاتم: هذا حديث كذب، وقال الذهبي في الميزان: العلاء بن عمرو الحنفي الكوفي متروك، ثم ساق له هذا الحديث عن ابن عباس ثم قال الذهبي: هذا موضوعٌ، وقال أبو حاتم: هذا كذب. انتهى. قلت: وبه يُعرف ما في رمز المصنف لصحته ويُعرف أنَّ قوله في خطبة الكتاب أنه صانه عما تفرَّد به وضَّاع أو كذَّاب ليس بصحيح وسيأتي، وقد سلف بشأن كثير من الأحاديث التي لها هذا الحكم وأنه ما كان ينبغي ضمها إلى هذا الكتاب فقد شرط مصنفه في خطبته أنه صانه عن الوضاعين والكذابين إذا تفردوا بالحديث. ٢٢٥ - " أحبوا قريشًا فإنه من أحبهم أحبه الله (طب) عن سهل بن سعد (ض) ". (أحبوا قريشًا) ذكر في القاموس (٢) وجوهًا في تسمية قريش بهذا الاسم أنه

стр. 386

لتجمعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البياعات يشترونه، أو لأن النضر بن كنانة تجمّع في ثوبه يومًا فقالوا تقرش إلى أن قال: وسميت بمصغر القرش وهو دابة بحرية (فإنه من أحبهم أحبه الله) والأظهر أنَّ المراد أهل الإيمان منهم وكأن ﷺ أمر بحبهم حثًّا للعباد على ذلك؛ لأنه قد جرى منهم في صدر الإِسلام ما جرى من تكذيبه ﷺ ورميه بمثل السحر والكهانة وأذيته مما يوجب نفرة القلوب عنهم فإن آل ﷺ ذلك بالأمر بحبهم وأخبر أن حبهم يتسبب عنه حب الله لمن أحبهم (طب عن سهل بن سعد) (١) رمز المصنف لضعفه، وقال الهيثمي: فيه عبد المهيمن بن عباس وهو ضعيف. ٢٢٦ - " أحبوا الفقراء وجالسوهم، وأحب العرب من قلبك، وليردك عن الناس ما تعلم من نفسك (ك) عن أبي هريرة (صح) ". (أحبوا الفقراء وجالسوهم) لأن ذلك يبعد عنكم الكبر ويلين القلوب ويهضم النفس (وأحب العرب من قلبك) كما سلف وإنما قيد به لئلا يكون حبهم تقية من غير القلب (وليردك عن الناس) عن الخوض فيهم والاعتراض عليهم (ما تعلم من نفسك) من العيوب فإنك إن نظرت إلى عيوبك استحييت أن تذكر غيرك بما هو فيك وهو مثل قوله: "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس" (٢)

стр. 387

وأحسن من قال: في عيوب النفس شغل شاغل ... عن عيوب الناس إن كنت عليمًا فإذا فهمت بشيء فيهم ... فاذكرن نفسك إن كنت حليمًا وفي معناه عدة أحاديث كحديث ابن عباس: "إذا أردت أن تذكر عيوب الناس فاذكر عيب نفسك" (١). (ك عن أبي هريرة) (٢) رمز المصنف لصحته وقال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي. ٢٢٧ - " احبسوا صبيانكم حتى تذهب فَوْعةُ العشاء، فإنها ساعة تخترق فيها الشياطين (ك) عن جابر (صح) ". (احبسوا صبيانكم) امنعوهم من الخروج من المنازل (حتى تذهب فوعة العشاء) بالفاء والواو بزنة فورة في النهاية (٣): أوله كفورته، وفوعة الطيب أول ما يفوح ويروى بالغين المعجمة لغة فيه (فإنها ساعة تخترق) بالخاء والراء والقاف من الاختراق قطع المفازة (فيها الشياطين) والحديث نهى عن إطلاق الصبيان أول وقت العشاء؛ لأنه مع انتشار الشياطين قد يصيبونهم بشر، وفيه دليل أنَّه قد يصاب الصبي بأذى من الشَّياطين فإذا احترس لم ينالوه بسوء (ك عن جابر) (٤) رمز المصنف لصحته، وقال الحاكم: على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي.

стр. 388

٢٢٨ - " احبسوا على المؤمنين ضالتهم: العلم (فر) وابن النجار في تاريخه عن أنس (ض) ". (احبسوا على المؤمنين ضالتهم) في النهاية (١): قد تكرَّر ذكر الضالة في الحديث وهي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره يقال: ضل الشيء إذا ضاع (العلم) بدل من ضالتهم وسماه ضالة؛ لأن العبد يطلبه ويفتش عنه كما يطلب الضالة وفي هذه التسمية والإبدال تنويه بشأن العلم ورفع من قدره وحثَّ على حفظه والخطاب للصحابة ﵃ أن يحفظوا علومه ﷺ إلى من يأتي بعدهم، ثم هي وصية لأهل كل قرن من القرون بحفظ العلم ومن حفظه كتابته وتأليفه، ونشره بالتعليم وغير ذلك (فر وابن النجار) (٢) ابن النجار هو: الإِمام الحافظ الكبير البارع مؤرخ العصر مفيد العراق محب الدين أبو عبد الله محمَّد بن محمود النجار البغدادي، صاحب التصانيف ولد سنة ٥٧٨ سمع من خلائق وجمع فأوعى وكتب العالي والسافل وخرج لغير واحد وجمع تاريخ مدينة السلام ذيل به واستدرك على الخطيب وهو ثلاثمائة جزء، وكان من أعيان الحفاظ الثقات مع الدين والصيانة والنسك والفهم وسعة الرواية قال ابن الشاعر: كانت رحلة ابن النجار سبعة وعشرين سنة واشتملت مشيخته على ثلاثة آلاف شيخ وألف كتاب "القمر المنير في المسند الكبير" ذكر كل صحابي وما له من الحديث. قلت: سرد الذهبي (٣) مؤلفاته خمسة عشر مؤلفًا وأثنى عليه، وفاته ٦٤٣ (في

стр. 389

تاريخه عن أنس) رمز المصنف لضعفه؛ لأن فيه إبراهيم بن هانئ أورده الذهبي (١) في الضعفاء، وقال: مجهول يأتي بالبواطل عن شيوخ متروكين كما نبه الشارح. ٢٢٩ - " احتجموا لخمس عشرة، أو لسبع عشرة، أو لتسع عشرة، أو إحدى وعشرين، لا يتبيَّغْ بكم الدم فيقتُلَكم، البزار وأبو نعيم في الطب عن ابن عباس" (ض). (احتجموا) أمر إرشاد (لخمس عشرة أو لسبع عشرة أو لتسع عشرة) اللام للوقت وليست مثلها في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] قال بعض المحققين: هذه الأحاديث في الأيام المعينة المذكورة موافقة لما أجمع عليه الأطباء من أنَّ الحجامة في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع له من أوله وآخره ثم هذه الأوقات تختار إذا كانت الحجامة على سبيل الاحتياط والتحرز من الأذى وحفظ الصحة وأما في مداواة الأمراض فحيث ما وجد الاحتياج إليها (أو إحدى وعشرين) حذفت اللام والمعنى عليها كأنه لدلالة ما قبلها (لا يتبيغ) بمثناة تحتية ومثناة فوقية فموحدة فمثناة تحتية مشددة آخره غين معجمة قاله في النهاية (٢) يقال: تبيَّغ به الدم إذا احترق وتحير في مجراه ومنه يتبيَّغَ الماء إذا تحير وتردد في مجراه، ويقال فيه: تبوّغ بالواو، وقيل: إنه من المقلوب أي لا يَبْغي عليه الدم فيقتله من البغي: مجاوزة الحد والأول أوجه. انتهى. قلت: ولعل هذا مقيد بما لم تكن هذه الأيام أربعًا أو سبتًا؛ لحديث أبي هريرة عند الحاكم والبيهقي (٣) مرفوعًا: "من احتجم يوم الأربعاء ويوم السبت فرأى في

стр. 390

جسده وضحًا فلا يلومنَّ إلا نفسه" (بكم الدم فيقتلكم) وهذا تعليم منه ﷺ لما يصلح به الأبدان؛ لأنه بعث لما يصلح العباد للأديان والأبدان. وقد ألَّف أبو نعيم كتابًا في الطب النبوي، وذكر ابن القيم في الهدي (١) من الطب النبوي شطرًا نفيسًا (البزار وأبو نعيم في الطب عن ابن عباس) (٢) رمز المصنف لضعفه، قال الهيثمي: فيه ليث بن أبي سليم ثقة لكنه مدلس، وقال العراقي: روى بسند حسن موقوفًا ورفعه الترمذي. ٢٣٠ - " احترسوا من الناس بسوء الظن (طس عد) عن أنس". (احترسوا من النَّاس بسوء الظنِّ) في القاموس (٣): الاحتراس الاحتياط والمعنى تحفظوا من مكائد الناس وأذاهم بسوء الظن فيهم؛ لئلا يطلعوا على سرائركم وشركم وذلك أنه قد يحسن الإنسان ظنه بأحد الناس فيطلعه على سره ويبثه ما لديه من خفي أمره فيضره ويؤذيه، ولذا قال: أسأت إذ أحسنت ظني بكم والحزم سوء الظن بالناس. إن قلت قد نهى ﷺ عن سوء الظن، ويأتي فيه أحاديث كحديث: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" (٤). قلت: يحتمل أنه أراد هنا الاحتراس عمن يظن شره ويجوز فيه أن يظن
следующие страницы →