← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122096

التنوير شرح الجامع الصغير

الصنعاني

Полный текст (6 289 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وكمال الاتصاف بهن إلا بعجب هو بضم العين وسكون الجيم الزهو والكبر أي لا يبطل ثوابهن إلا ذلك وقال الشارح: أنها بفتح العين والجيم أي لا توجد وتجتمع في إنسان في آن واحد إلا على وجه عظيم يتعجب منه لعظم موقعه إذ قل أن تجتمع انتهى. ولا يخفى أن الأول هو الأقرب [١/ ٢٥١] إذ إخبار الشارع بما يبطل الأجور وبما يحصلها هو الذي بعث له الإخبار بأن من تكمل فيه خصال الخير قليل يتعجب من وجوده وإن كان هذا قد جاء عنه: "مثل الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة" (١) إلا أن حمله على الأول أولى ليفيد النهي عن العجب إلا أن تثبت رواية بالضبط فهي العمدة (الصمت) عما لا خير فيه (وهو أول العبادة) العبادة هي التذلل فالصمت ليس منها إلا أنه من مبادئها فإن من صمت فتحت له أبواب العبادة لأنه يشرب قلبه ويمتلئ بالخشوع فلذا جمع الله بين الإعراض عن اللغو والخشوع في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٣] إشارة إلى أنهما متلازمان ويلقي الحكمة فيحسن الاقتراب منه وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً: "إذا رأيتم الرجل قد أعطى زهداً في الدنيا وقلة منطق فاقتربوا منه فإنه يلقي الحكمة" (٢) كما تقدَّم (والتواضع) بأن لا يتكبر على أحد من العباد هو من تواضع إذا تذلل وتخاشع كما في القاموس (٣) (وذكر الله) هو قرينة ما أشرنا إليه من أن المراد بالصمت عن اللغو وما لا خير فيه من الأقوال (وقلة الشيء) هو عبارة عن قلة ذات اليد فإنه علامة على أن الله يريد أن يصافيه كما تقدم من

стр. 877

حديث علي ﵁: "إذا رأيتم العبد ألم به الفقر والمرض فإن الله يريد أن يصافيه" (١) والمراد مع الصبر على ذلك وعدم الشكوى وقد فضل الفقر على الغنى بهذا الحديث وأمثاله وبأن الغنى سبب الطغيان كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] وقال: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٢٣] الآية وقال الشاعر: الفقر خير فاقتنع واقتصد ... إن من العصمة أن لا تجد كم واجد أطلق وجدانه ... عنانه في بعض ما لم يرد ومدمن للخمر غاد على ... سماع عود وغناء غرد لو لم يجد خمراً ولا مسمعا ... برّد بالماء غليل الكبد (٢) والفقر شعار الصالحين والناس الأتقياء وسيأتي كلام في تفضيل الغنى على الفقر (طب ك هب عن أنس) (٣) سكت المصنف عليه وهو بغفلة عن تضعيف المنذري والذهبي والحافظ العراقي له وتعجب الذهبي في الميزان من إخراج الحاكم له وقد عده ابن الجوزي في الموضوعات وتعقبه المصنف وقال ابن حبان: فيه العوام بن حوريه يروى الموضوعات وذكر له هذا الحديث. ٩٢٠ - "أربع لا يقبلن في أربعة: نفقة من خيانة أو سرقة أو غلول أو مال يتيم، في حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صدقة (ص) عن مكحول مرسلاً (عد) عن ابن عمر (ح) ".

стр. 878

(أربع) أي نفقات أو صدقات (لا يقبلن في أربع نفقة من خيانة) بدل من الأربع بدل بعض (أو سرقة أو غلول) بضم المعجمة هو الخيانة في المغنم فعطفه على السرقة عطف عام على خاص (أو قال يتيم) فإن هذه الأربع لا تقبل (في حج) إن أنفقت فيه (ولا عمرة) وإن قبلتا منه فإنه آثم بالإنفاق (ولا جهاد ولا صدقة) لأن الله لا يقبل إلا طيبا والحرام خبيث وإذا لم يقبل في هذه التي هي أم خصال الخير ففي غيرها أولى (ص عن مكحول مرسلاً عد عن ابن عمر) (١) رمز المصنف لحسنه وفيه كوثر بن الحكيم قال الترمذي: تركوه وضعفوه. ٩٢١ - "أربع أنزلن من كنز تحت العرش: أم الكتاب, وآية الكرسي، وخواتيم البقرة, والكوثر (طب) وأبو الشيخ والضياء عن أبي أمامة (صح) ". (أربع) من الآيات والمراد بها العلامة الدالة على الرب لا معنى الآية [١/ ٢٥٢] الواحدة من القرآن أو أربع من الجمل أو آيات وسور؛ لأنه عد سورتين وآيات مجموعها أربع (أنزلن من كنز) بالنون والزاي وهو المعدن في الأصل وأريد به هنا معدن خير الأقوال أي نزلن من شيء مكنوز (تحت العرش) في أشرف محل والمراد به أنه شيء ما أعطاه الله أحداً قبله ﷺ كما صرح به حديث حذيفة في خواتيم البقرة أنه لم يعطها نبي قبله ﷺ ويأتي على هذا زيادة (أم الكتاب) في القاموس (٢): أم الكتاب أصله أو اللوح المحفوظ أو الفاتحة أو القرآن جميعه انتهى ولا يخفى أن المراد هو الثالث كما يرشد إليه حديث معقل:

стр. 879

"أعطيت فاتحة الكتاب من كنز تحت العرش"، سيأتي ولا يصح إرادة الرابع بل العطف يرشد إلى إرادة الثالث أيضاً وإرادة الرابع والقول أنه من عطف الخاص على العام مفيد جداً لأن الأحاديث إنما سيقت للتحدث بما أنعم الله به عليه من إعطائه آيات وسور مخصوصة لا في إعطائه القرآن جميعه (وآية الكرسي) قد سلف في أول هذا الحرف في آية الكرسي أنها ربع القرآن ووجه تفضيلها وبيان ما اشتملت عليه (وخواتيم البقرة) وهي من قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] إلى آخر السورة أو من قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (والكوثر) أي السورة المسماة به لذكره فيه وهو نهر في الجنة كما ثبت في الأحاديث (طب أبو الشيخ والضياء عن أبي أمامة) (١) رمز المصنف لصحته وفيه عبد الرحمن بن الحسن أورده الذهبي في الضعفاء وقال أبو حاتم: لا يحتج به والوليد بن جميل عن القاسم قال أبو حاتم: روى عن القاسم أحاديث منكره. ٩٢٢ - "أربع حق على الله تعالى أن لا يدخلهم الجنة، ولا يذيقهم نعيمها: مدمن خمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه (ك هب) عن أبي هريرة ة (صح) ". (أربع) أي أنفس (حق على الله) أي ثابت عليه لعدله ووعيده ومفهوم عدده غير مراد فكم متوعد بهذا ثم المراد أن هذه حق عدله ووعيده لا حق فضله وعفوه فلا ينافيه ما تقدم من حديث أبي موسى عند أحمد: "أبشروا وبشروا من ورائكم من شهد أن لا إله إلا الله صادقاً بها قلبه دخل الجنة" (٢)، وحديث عبادة

стр. 880

عند أحمد: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار" (١) ويحتمل أن المراد حق على الله (أن لا يدخلهم الجنة) حتى يدخلهم النار، كما ترشد إليه أحاديث وتقدم هنالك كلام بأبسط من هذا إلا أن قوله (ولا يذيقهم نعيمها) يشعر بعدم دخولهم إليها أبداً، وقد يحتمل على أن المراد لا يذيقهم مع السابقين الأولين (مدمن خمر) هو اسم فاعل من أدمن الشيء أدامه قاله في القاموس، ويأتي أن مدمن خمر كعابد وثن (وأكل الربا) تقدم ذكره مراراً (وأكل مال اليتيم بغير حق) فيه دليل على جواز أكل القائم بمال اليتيم منه كما أفاده قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] والمسألة مبسوطة في محلها (والعاق لوالديه) تقدم تفسير العقوق وعقوق أحدهما كعقوقهما في الإثم وإن نقص عنه قليلاً لأن معصيتين أشد من معصية وذكرهما جميعاً بناء على الأغلب فإن الغالب أن العاق يعق أبويه معا وإنما قلنا أن عقوق أحدهما كعقوقهما لحديث: "من أدرك أبويه [١/ ٢٥٣] أو أحدهما" وفي حديث أحمد: "والديه فمات فدخل النار فأبعده الله" (٢). الحديث عند الطبراني وغيره من حديث جابر (ك هب عن أبي هريرة) (٣) رمز المصنف لصحته وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي والمنذري بأن فيه متروكًا. ٩٢٣ - "أربع أفضل الكلام، ولا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (هـ) عن سمرة (صح) ".

стр. 881

(أربع أفضل الكلام) تقدم حديث سمرة أنها أحب الكلام إلى الله من رواية أحمد ومسلم وهنا نسبه أيضاً لسمرة إلا أنه لم يسم أباه وفي الصحابة جماعة بهذا الاسم فإن كان هذا هو ابن جندب كما هو الظاهر عند الإطلاق فالحديث واحد إلا أنه عبر تارةً "بأحب" وتارةً "بأفضل" وقدّم وأخّر إما لاختلاف رواياته أو رواته عنه وإن كان غيره فظاهر ويأتي من حديث أبي هريرة أنها خير الكلام فقد ثبت لهذه الأربع الأحبية والأفضلية والأخيرية وقد فسرت الباقيات الصالحات بهذه الكلمات (لا يضرك بأيهن بدأت) أي أنه لا ترتيب بين جملها (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) ووجه أشرفيتها على أشرف المطالب من تنزيه الرب تعالى وإثبات الحمد له وقهره عليه ونفي الشريك عنه وإثبات صفة الكبرياء وهذه هي أمهات الصفات والتوحيد قال بعض المحققين: إن صلاة التسبيح إنما فضلت وبلغت الرتبة التي وصفها الرسول ﷺ بها إلا لأنها اشتملت على هذه الكلمات وترديدها فيها وهل هذا محمول على عمومه أعني قوله أفضل الكلام فيراد أنها أفضل كل كلام حتى القرآن أو المراد وما عداه يحتمل وحديث: "فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الرحمن على سائر خلقه" (١) يدل على أن المراد ما عدا القرآن وأن مراده خير كلام المخلوقين يدل له ما في غيره أن الله اختار من الكلام أربعاً ليس القرآن وهي من القرآن وذلك أن قوله ليس القرآن استثناء من اختار لكم والاختيار لا يكون إلا للأفضل فكأنه قال اختار لكم هذا الأفضل على كل كلام إلا القرآن فإن صحت هذه الرواية وهي في الطبراني عن أبي الدرداء دلت على أنها أفضل الكلام غير القرآن. وهل يعارضه حديث: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله" (٢) وقد

стр. 882

تدفع المعارضة بأن أفضل في هذا الحديث وورد: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة" و"أفضل ما قلت .. " الحديث، فيكون ذلك أفضل في يوم عرفة ويبقى أفضلية هذه الكلمات فيما عداه ويحتمل أن المراد أفضل ما قلت من الكلام المشتمل على توحيد الله بخلاف تلك الكلمات فإنها تشتمل عليه وعلى غيره ويحتمل أن أفضل تلك الكلمات لاشتمالها على كلمة التوحيد فلا تعارض حينئذ وفي قوله ﷺ ولا يضرك بأيهن بدأت دلالة على أن سائر الأذكار التي علمها أمته مرتبة على حسبما ألقاه ﷺ بخلاف هذه الأربع (٥ عن سمرة) (١) جزم الشارح أنه ابن جندب وزعم أنه رمز المصنف لضعفه والذي رأيناه فيما قوبل على خط المصنف الرمز لصحته. ٩٢٤ - "أربع دعوتهم مستجابة: الإِمام العادل، والرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب، ودعوة المظلوم، ورجل يدعو لوالديه (حل) عن واثلة (ض) ". (أربعة) من الذين يدعون الله (دعوتهم مستجابة) [١/ ٢٥٤] أي لا ترد وتقدم حديث: "أربع دعوات لا ترد" (٢) وعد منه بعض ما هنا فمفهوم عدده غير مراد (الإِمام العادل) هو الذي يتوقف على الشريعة فعلاً وتركاً وهو أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله (والرجل) أو المرأة (يدعو لأخيه بظهر الغيب) وتقدم أنه أسرع من ذكر معه هناك إجابة (ودعوة المظلوم) سلف أنها تجاب وإن كان كافراً (ورجل يدعو لوالديه) قد أطلقه هنا وقيده فيما سلف أو ولد صالح وإن كان ذلك في الدعاء بعد الموت فالحكم واحد ومفهوم الرجل غير مراد إلا أنه أطرد في الكتاب والسنة تعليق الأحكام بالذكور مع أن النساء كذلك فيها (حل عن (٣)

стр. 883

واثلة) هو ابن الأسقع رمز المصنف لضعفه لأن فيه محمَّد بن جعفر ضعفه الذهبي وفيه غيره. ٩٢٥ - "أربعة لا ينظر الله تعالى إليهم يوم القيامة: عاق، ومنان، ومدمن خمر، ومكذب بالقدر (طب عد) عن أبي أمامة (ض) ". (أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة) أي نظر رحمة وهو لفظ قرآني (عاق لوالديه) أو لأحدهما كما يقتضيه إطلاقه (ومنان) بعطيته (ومدمن خمر) سلف معناه قريبا (ومكذب بالقدر) تقدم تحقيقه أيضاً (طب عد عن أبي أمامة) رمز المصنف لضعفه, قال الهيثمي: أخرجه الطبراني بإسنادين في أحدهما متروكٌ وفي الآخر ضعيف (١). ٩٢٦ - "أربعة يبغضهم الله: البياع الخلاف، والفقير المختال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر (ن هب) عن أبي هريرة (صح) ". (أربعة يبغضهم الله) تعالى (البياع الحلّاف) كلاهما صيغة مبالغة وهي غير مراده فإن الوعيد صادق وإن لم يحصل منه على جهتها إذ المراد المنفق سلعته بالأيمان كما في حديث أبي ذر: "والمنفق سلعته بالحلف" (٢) وذلك أنه يجمع بين القبائح الكذب والتهاون بالله وغرر المشتري (والفقير المختال) بالخاء المعجمة من الاختيال وهو التكبر وهو منهي عنه وخص الفقير مع أنه محرم على الغني أيضاً إلا أنه من الفقير أقبح إذ الفقر يقتضي الانكسار والذلة

стр. 884

والمسكنة فالتكبر منه أقبح من الغني كما في قوله (والشيخ الزاني) وهو من استبانت فيه السن أو من خمسين أو إحدى وخمسين كما في القاموس (١) فصدور الزنا منه أقبح من صدوره من الشباب لأنه في سن قد انكسرت معها منه قوة الشهوة ودنت منه المنية وقارب وفاته الرقاب وذهب منه الشباب الذي هو شعبة من الجنون كما يأتي في حديث زيد بن خالد الجهني (والإمام الجائر) لأن الجور منه أقبح من غيره لأنه مع تمكنه وبسط يده في الأقطار يجب معاملة ذلك بالعدل (ن هب عن أبي هريرة) (٢) رمز المصنف لصحته. ٩٢٧ - "أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: من مات مرابطا في سبيل الله، ومن علم علماً أجري له عمله ما عمل به, ومن تصدق بصدقة فأجرها يجري له ما وجدت، ورجل ترك ولدا صالحا فهو يدعو له (حم طب) عن أبي أمامة (ح) ". (أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت) أجور أعمالهم كما كانت تجري وهم يعملونها أحياء (من مات مرابطا) في النهاية (٣) الرباط الإقامة على جهاد العدو بالحرب والرباط الخيل وإعدادها (في سبيل الله) في النهاية (٤) أيضًا سبيل الله عام يقع في كل عمل خالص يسلك به طريق التقرب إلى الله بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات وإذا أطلق فهو واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه (ومن علم) مشدد اللام علّم غيره (علماً أجرى له

стр. 885

عمله) أي أجر علمه لقرينة أجورهم (ما عمل به) أي مدة ما عمل العاملون به بعده وتقدم حديث أبي هريرة أو علم ينتفع به ويأتي في حديث الضياء علماً نشره فيقيد النشر بالانتفاع به ويحتمل أن يراد من شأنه أن ينتفع به سواء وقع الانتفاع أم لا ويحمل عليه ما هنا من العمل أن المراد من شأنه ذلك. واعلم أن المراد بالعلم حيث أطلق في السنة والكتاب هو ما في حديث أبي داود: "العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة" وسيأتي. وما كان من العلوم وسيلة إلى هذه الثلاثة فله حكمها وتعليم العلم يشمل التأليف والتدريس والنسخ وتصحيح كتب أهل الإِسلام (ومن تصدق بصدقة) قيد في حديث أبي هريرة بجارية وأغنى عنه قوله هنا (فأجرها يجري له ما وجدت) فإنه تلازم الجريان إذ لا يجري إلا ما وجدت (ورجل) أي عبد ذكراً كان أو أنثى كما أتى في بعض إنسان وفي بعض المؤمن وفي بعض العبد كما أن المراد من الولد في قوله (ترك ولداً صالحاً) أعم من الذكر والأنثى (فهو يدعو له حم طب عن أبي أمامة) (١) رمز المصنف لحسنه. ٩٢٨ - "أربعة يؤتون أجورهم مرتين: أزواج النبي ﷺ ، ومن أسلم من أهل الكتاب، ورجل كانت عنده أمة فأعجبته فأعتقها ثم تزوجها، وعبد مملوك أدى حق الله تعالى وحق سادته (طب) عن أبي أمامة (ح) ". (أربعة يؤتون أجرهم) أجر كل عمل عملوه (مرتين) يثابون على كل طاعة إثابتين كما يثاب من أتى بطاعتين (أزواج النبي ﷺ ) اللام للعهد أي أزواجه ﷺ ويحتمل للجنس أي كل نبي وهو بعيد وقد ثبت ذلك بنص الله "في كتابه" ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، قال جار الله: إنَّما ضوعف أجرهن

стр. 886

لطلبهنَّ رضا رسول الله ﷺ بحسن الخلق وطيب المعاشرة والقناعة وتوفرهن على عبادة الله والتقوى (ومن أسلم من أهل الكتاب) هو ثابت بالنص القرآني قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] وعلل ذلك بصبرهم فقيل على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وبعد نزوله أو بصبرهم على أذى أهل الكتاب والمشركين كلها وجوه في التفسير إن قيل: قد ثبت هذا للمؤمنين من غير أهل الكتاب قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. قلت: الآية واردة في أهل الكتاب أيضاً والمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى أو الذين آمنوا بعيسى آمنوا بمحمد كما ترشد إليه آمنوا إخباراً وآمنوا أمراً ولأن السياق مبنى على ذلك وحينئذ فهي كالأولى وهذا أحد احتمالين في التفسير ويحتيل أن المراد: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله واثبتوا على الإيمان برسوله يؤتكم مثل ما أتى أهل الكتاب من الأجر ومفهوم العدد غير مرادٍ إذ قد روي مضاعفة الأجر مرتين على كثير من الأعمال وقد صنف فيه المصنف كتاباً مستقلاً عد فيه نحوًا من أربعين (ورجلاً كانت عنده أمة) جارية (فأعجبته فأعتقها ثم تزوجها) والظاهر أنه يضاعف له أجر هذا العمل بخصوصه لأنه أحسن إليها بالإعتاق ثم بالإعفاف والكفالة لها ويحتمل أنه بسبب هذه الحسنة يضاعف له كل عمل بعد وهذا أقرب لعموم قوله أجورهم (وعبد مملوك أدى حق الله وحق سادته) قام بما أوجبه الله من طاعته وما أوجبه من طاعة سادته ووجه المضاعفة أنه قام بحقين حق الله [١/ ٢٥٦] وحق سادته ولما أعتق أبو رافع بكى وقال: كان لي أجران فذهب أحدهما (طب عن أبي أمامة) (١) رمز

стр. 887

المصنف لحسنه وقال الهيثمي: فيه علي بن يزيد الألهاني فيه ضعف وقد وثق. ٩٢٩ - "أربعة من كنز الجنة: إخفاء الصدقة، وكتمان المصيبة، وصلة الرحم، وقول "لا حول ولا قوة إلا بالله" (خط) عن علي". (أربعة من كنز الجنة) أي أجرها مدخر لفاعلها كادخار الكنوز إلا أنه يفارق الكنوز كونه من كنوز الدار التي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (إخفاء الصدقة) ظاهره للمفروضة والنافلة وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] يؤيد ذلك إلا أنه صرح أئمة التفسير أن ذلك في صدقة النفل وأما الفرض فيعلن بها لما في حديث ابن عباس (١): "صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفًا وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفًا" وعلل ذلك برفع التهمة وأنه لو كان لا يعرف باليسار فالإخفاء أفضل وكذلك إن اقتدى به فالإبداء أفضل (وكتمان المصيبة) عدم شكواها وهي تعم كل ما أصيب به حتى الشوكة يشاكها والمراد عن كل أحد يفوت ذلك بالشكاية على الطبيب والصديق والقريب يحتمل أن يفوت كونها من كنوز الجنة وإن بقي الأجر ويحتمل أن لا يفوت لأنه ﷺ قد شكا مرضه وقال لعائشة في مرض موته: "بل أنا وا رأساه" (٢) وغيره ويحتمل أن يُراد بالكتمان عدم الشكاية على جهة التبرم والتحرم لا لاستيفاء دواء واستجلاب دعاء فإنه قد أمر الشارع بالدواء ومن

стр. 888

لازمه ذكر الألم أو لأجل تأسيه بمصاب آخر فإنه ﷺ قال: "بل أنا وا رأساه" لما شكت إليه عائشة وجع رأسها فأما ما كان على جهة الشكاية إلى المخلوقين فإنه يفوت هذا الوصف بلا شك ولذا قال يعقوب ﷺ : ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقد كان دأب الصالحين أن لا يذكروا بلواهم وثبت أن عمران بن الحصين كانت تسلم عليه الملائكة عياناً لجراحة كانت به لم يشكها إلى أحد فلما شكاها انقطع تسليمهم عليه فخبره ﷺ أنه انقطع لشكاية ألمه (١) وفي النبلاء للذهبي (٢) عن إبراهيم الحربي أنه قال لي: عشرون سنة أبصر بفرد عين ما أخبرت به أحداً (وصلة الرحم) تقدم الكلام عليها مراراً (وقول لا حول ولا قوة إلا بالله) تقدم ذكرها مراراً ولم نتكلم على معناها فنقول قال في النهاية (٣): الحول ها هنا الحركة يقال حال الشخص يحول إذا تحرك والمعنى لا حركة ولا قوة إلا بمشيئة الله وقيل: الحول الحيلة والأول أشبه، ومنه الحديث (٤): "اللهم بك أصول وبك أجول" أي أتحول، وقيل احتال، وقيل: أدفع وأمنع من حال بين الشيئين إذا منع. قلت: وتقدير المشيئة هنا يناسب مذهب الأشاعرة من أن الله تعالى يشاكل كائنه ويزيدها وهي مسألة كلامية معروفة لا تليق بمن يشتغل بكلام الله وكلام رسوله الاشتغال بها والذي تفهمه هذه الكلمة الشريفة أنه لا حركة ولا قدرة على شيء إلا بإقدار الله تعالى وهذا قدر متفق عليه بين أهل المذاهب أن الله

стр. 889

تعالى خالق العبد [١/ ٢٥٧] وخالق قدرته وإنما خلافهم هل هذه القدرة متقدمة على الفعل أو مقارنة له كما هو معروف ولما كانت هذه الكلمة مشتملة على الإقرار بخلق الله للعبد فإن الإقرار بخلق القدرة يتضمن خلق العبد والإقرار به وعلى قدرته على ما يريده وعلى حصر ذلك على أنه لا قدرة ولا حول إلا بإقداره كانت من كنوز الجنة لأن هذا الإقرار مطلوب لله من عباده كما احتج به عليهم في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] وبقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦] وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] وبهذه الآيات يتضح لك أن التقدير إلا بإقدار الله أولى من التقدير إلا بمشيئة الله لأنه تعالى في جميع هذه الآيات يمدح بكونه خالقاً لا بكونه مريدا فكذلك تقدير ما يحتاج إليه من الخلق للعبد وقدرته ويأتي تفسير نبوي لهذه الكلمة الشريفة في خطابه ﷺ لابن مسعود (خط عن علي) (١). ٩٣٠ - "أربعون خصلة أعلاهن منحة العنز، لا يعمل عبد بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله تعالى بها الجنة (خ د) عن ابن عمرو (صح) ". (أربعون خصلة) في القاموس (٢) الخصلة الخلة والفضيلة والرذيلة وقد غلب على الفضيلة (أعلاهن منحة العنز) هو من منحه كضربه ومنعه والاسم المنحة

стр. 890

قاله في القاموس (١) وفي النهاية (٢) أنها تطلق على الهبة والقرضة والعارية والظاهر أن المراد هنا هبة لبنها لحديث أو منحة لبن سيأتي والإضافة بيانية أي منحة هي عنز وهذه جملة اعتراضية بين المبتدأ والخبر مستأنفه استأنافًا بيانيا كأنه قيل: وما هي؟ قال: أعلاهنَّ ولم يأت هنا تعيين شيء من الأربعين غير هذه (لا يعمل عبد بخصلة منها رجاء ثوابها) إضافة للمصدر إلى المفعول أي لرجائه ثوابها (وتصديق موعدها) هو مثل الأول وهما مفعول لأجله حذف لامه لتكامل شروطه (إلا أدخله الله بها الجنة) وفيه أن الأعمال معتبرة بالنيات إلا أنه طوى بساط تفصيل هذه الخصال. فإن قلت: الإبهام للخصال التي وعد الأجر على فعلها يقلل فائدة الحديث إذ هو حث على أمر مجهول. قلت: قد عين الأعلى منها واستفيد من ذلك أن الملاحظ يقع على العباد فيتبع العبد كل ما فيه أدنى نفع لتصدق عليه أنه منها كإعطاء جرعة الماء وإقباس النار وإعطاء كسر الخبز وإعارة الفأس وما لا يأتي عليه العد من إرشاد الضال والنكتة في إبهامها في الحديث أن يجتهد العبد في كل نفع رجاء موافقة سائر الخصال وقوله: "عبد" عام للكافر والمؤمن إلا أنه خرج الكافر من العلة فإنه لا يرجوا ثواباً ولا يصدق موعوداً وظاهر الحديث أنه تعالى يدخل الجنة بهذه الخصال ويكون سائر طاعاته زيادة له وراء ذلك. وفيه دلالة واضحة على صحة فعل الطاعة رجاء ثوابها وهل هذه الأربعون من شعب الإيمان البضع والسبعون التي أدناها إماطة الأذى من الطريق وأعلاها قول لا إله إلا الله عند مسلم وغيره (٣) لا يبعد أن هذه الأربعون منها

стр. 891

ويحتمل أنَّها غيرها وعلى الأول هل يتعين أن أدنى الأربعين إماطة الأذى كما هو أدنى البضع والسبعون، الظاهر أنه يتعين ذلك لأنها أدنى البضع والسبعون [١/ ٢٥٨] التي فيها الأربعون فيكون أدنى الأربعين إذ لو ثبت لها أدنى غير إماطة الأذى لما صح أنه أدنى البضع والسبعين التي منها الأربعون بخلاف الأعلى فيصح اختلافه ولذا كان أعلى تلك قول لا إله إلا الله وأعلى هذه منحة العنز، ثم هل هذه الخصال خاصة بما فيه نفع للعباد فلا تدخل فيها العبادات الخاصة بفاعلها أو يعم ظاهر ذكر أعلاها والاقتصار عليه الأول ويدل عليه أنه لما أراد الأعم في الشعب مثل له بما يخص فاعله وهي قول لا إله إلا الله وبما فيه نفع للعباد من إماطة الأذى (خ د عن ابن عمرو) (١) ورمز المصنف لصحته. ٩٣١ - "أربعون رجلاً أمة، ولم يخلص أربعون رجلاً في الدعاء لميتهم إلا وهبه الله تعالى لهم، وغفر له الخليلي في مشيخته عن ابن مسعود". (أربعون رجلاً أمة) الأمة تقال لكل جيل من الناس والحيوان أمه وقد يطلق على الواحد كما في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] وكما في حديث قس بن ساعدة أنه يبعث أمة وتقدم إذا شهدت أمة من الأمم هم الأربعون فصاعداً (ولم يخلص أربعون رجلاً في الدعاء لميتهم إلا وهبه الله لهم وغفر له) تقدم معناه مراراً والمراد الدعاء في الصلاة عليه كما أرشد إليه: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" تقدم. وحديث: "إذا شهدت" فإنه ظاهر في شهودها الصلاة عليه ويحتمل أن يراد في الصلاة أو خارجها كما شهد له حديث: "إذا صلوا على الميت فأثنوا عليه خيراً يقول الرب أجزت شهادتهم فيما يعلمون" (٢) الحديث. فإنه يحتمل الثناء في الصلاة عند الدعاء إلا أنه في خارجها أظهر وقد

стр. 892

أفاد مجموع الأحاديث أن شهادة الأربعين في الصلاة عليه أو الشهادة بالثناء خيرًا أو إخلاص الدعاء له سبب للغفران له فينبغي أن يتحرى في الإتقان بها جميعاً لعل الله أن يغفر له وإطلاق الهبة والغفران ظاهره عموم كل ذنب حتى التبعات إلا أن يخص بأحاديث أخر (الخليلي في مشيخته) (١) عن ابن مسعود مشيخة بزنة مسبحة جمع شيخ أو اسم مكان أي في مكان ذكر شيوخه وتقدم ذكر الخليلي، والحديث سكت عليه المصنف فيما رأيناه على خطه. ٩٣٢ - "أربعون دارا جار (د) في مراسيله عن الزهري مرسلاً". (أربعون داراً جار) كأن الظاهر جيران ليطابق المبتدأ وإن لم يكن من ألفاظ المجموع ففيه معناها وكأنه لما كان اسم جنس صح إيقاعه خبرا عن الأربعين أو لأول في تأويل كل واحد جاراً ولتأويل الأربعين بهذا العدد أو لمطابقة المميز وعلى كل تقدير ففي إفراده إشارة إلى أن لكل من الجيران حق واحد وأن الأبعد والأقرب في حق الجوار ورعايته في الجملة سواء، وإن كان الإهداء أو الإجابة إذا دعاه جيران في حين واحد لأقربهم بابًا لأن ذلك لا ينفي استواء الجيران فيما عدا ذلك واعلم أن الحديث ورد بياناً للجار الموصى به سنة وكتاباً وأن الأربعين معتبرة في كل من الجهات الأربع لأنه لا وجه للتخصيص ويحتمل أن يراد بالأربعين من الجهات الأربع فيصير من كل جهة عشرة دور وتمام الحديث عند أبي داود: "قلت للزهري كيف أربعون داراً جاراً؟ قال: أربعون عن يمينه وشماله وخلفه وأمامه"، فيحتمل أيضاً وهذا في حق رعاية الجار وأما

стр. 893

حديث: "جار الدار أحق بالدار" (١) فالمراد به الملاصق كما دل له حديث: "الجار أحق بصقبه"، فإن الصقب القرب والملاصق وفيه بعض تأمل [١/ ٢٥٩] (د في مراسيله عن الزهري (٢) مرسلاً) قال الزركشي صحيح، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات. ٩٣٣ - "ارجعن مأزورات غير مأجورات (٥) عن علي (ع) عن أنس (صح) ". (ارجعن) خطاب لجماعة النساء (مأزورات) من الوزر الذنب والإثم (غير مأجورات) في النهاية (٣) قياسه موزورات يقال وزره فهو موزور وإنما قال مأزورات للازدواج لمأجورات انتهى. إلا أنه رواه فيها مأجورات غير مأزورات وكأنه رواية أو أنه لما كان كلامه في شأن الألفاظ لا الرواية فساق على التقديم والتأخير والحديث قاله ﷺ لنسوة خرجن يشيعن جنازة فقال لهن ذلك وكأنه قد كان نهاهن أولا إذ لا وزر على جاهل (٥ عن علي) (٤) رمز المصنف لصحته وقال ابن الجوزي: جيد الإسناد (ع عن أنس) سكت عليه المصنف وقال فيه الذهبي: ضعيف. ٩٣٤ - "أرحامكم أرحامكم (حب) عن أنس (صح) ".

стр. 894

(أرحامكم أرحامكم) بالنصب على الإغراء حذف الناصب للإغناء بفعل التكرير عنه أي الزموا أرحامكم أي الإحسان إليهم أو على التحذير احذروا أرحامكم والإساءة إليهم والقطيعة (حب عن أنس) رمز المصنف لصحته (١). ٩٣٥ - "ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء (طس) عن جابر، (طب ك) عن ابن مسعود (صح) ". (ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء) أي يجازيك بالرحمة على الرحمة جزاء وفاقا وهو من جزى الشيء بمثله وهو كثير كتاباً وسنة ونبهنا عليه مراراً وقوله في السماء يؤل عند بعض العلماء مما أول به قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] الآية. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وقال ابن الصلاح في إملائه: في هذا الحديث وأشباهه ثلاث فرق: فرقة تأول وأخرى تشبه وفرقة ترى أنه لم يطلق الشارع مثل هذه اللفظة إلا وإطلاقها سائغ حسن فيطلقها كما قال مع التنزيه والتقديس مع التبري من التحذير والتشبيه ونكل علمها إلى من أحاط بها وبكل شيء خبراً وعلى هذه الطريقة مضى صدر هذه الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وإليها ذهب أئمة الحديث (طس عن جابر (٢) طب ك عن ابن مسعود) رمز المصنف لصحته. ٩٣٦ - "ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون (حم خد هب) عن ابن عمرو (صح).

стр. 895

(ارحموا) أطلقه يعني المفعول تعميما للمرحوم وأنه كل شيء إلا ما خصه الله من مثل قوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] (ترحموا) أي يرحمكم من في السماء ويلقي لكم الرحمة في قلوب العباد (واغفروا) كذلك أطلق لما سلف (يغفر لكم) فإن الله يحب من خلقه التخلق بصفاته وهو الغفور الرحيم (ويل لأقماع القول) بالقاف والعين المهملة في النهاية (١) جمع قِمع كضلع وأضلاع وهو الإناء الذي يترك في رؤوس الطروق لتملأ من المائعات من الأشربة والأدهان شبه إسماع الذين يستمعون القول ولا يحفظونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها وكأنه يمر عليها القول مجتازًا كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازاً والويل الهلاك والحزن والمشقة كما مر قريباً (ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا) هو من أصر على الأمر عزم عليه، والمراد الذين فعلوا القبيح ثم عزموا على معاودته (وهم يعلمون) قبحه والوعيد عليه، وقيد المصرين بالعالمين لأن من لا يعلم قبح الذنب لا عقاب عليه والمراد بأقماع القول الذين لا يعملون بما يعلمون لأن الحفظ والعلم المراد بهما العمل ولذا قال: وهم يعلمون [١/ ٢٦٠] (حم خد هب عن ابن عمرو) رمز المصنف لصحته وقال الشارح: إسناده جيد (٢). ٩٣٧ - "أردية الغزاة السيوف (عب) عن الحسن مرسلاً". (أردية الغزاة) جمع غاز والأردية جمع رداء وهو ملحفة معروفة كما في

стр. 896

القاموس (١) (السيوف) استعار الرداء استعارة مصرحة وذكر السيوف لا ينافي الاستعارة لأنه لا ينافيها إلا إذا كان على وجه يشعر بالتشبيه كما قاله السكاكي (٢) كما في مثل: قد زر إزراره على القمر كما عرف في فن البيان وقد اشتهر هذا الإطلاق حتى سرده القاموس في الحقيقة وإن كانت قاعدته خلط المجاز بالحقيقة وجهلها عيب كناية ومن استعارة الرداء للسيف قول الشاعر: ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر لي الشطر الذي ملكت يمينى ... ودونك فاعتجر منه بشطر قال جار الله في الكشاف: أراد به سيفه ثم قال فاعتجر منه بشطر فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار انتهى (٣). قلت: يريد أنه فاعتجر منه بشطر ترشيح الاستعارة لأنه من لوازم لفظ الرد الحقيقي وهذا الإخبار منه ﷺ فيه الحث للغزاة على ملازمة حمل السيوف وأن تكون لهم كالأردية (عب عن الحسن البصري مرسلاً) (٤). ٩٣٨ - "إرضخي ما استطعت، ولا توعي فيوعي الله عليك (م ن) عن أسماء بنت أبي بكر (صح) ". (إرضخي) بكسر الهمزة والراء والضاد المعجمة من الرضخ وهو العطية القليلة (ما استطعت) هو خطاب لمؤنث أمر بالإعطاء حسب الاستطاعة وفيه إرشاد إلى أنها لا تبسط كل البسط (ولا توعي) من الإيعاء بكسر الهمزة والعين

стр. 897

المهملة للإمساك (فيوعي الله عليك) لا تمسكي عن الإنفاق فيمسك الله عليك الأرزاق والحديث قاله ﷺ لما قالت له أسماء بنت أبي بكر: يا رسول الله ما لي مال إلا ما أدخل علي الزبير أفأتصدق وفي رواية: أنها قالت: يا نبي الله ما لي مال إلا ما أدخل علي الزبير فهل علي جناح أن أرضخ مما يدخل علي؟ وفيه دليل على جواز إنفاق الزوجة من مال زوجها إلا أن يقال إنه مقيد بحديث أبي أمامة: "لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها"، وهذا قاله ﷺ في حجة الوداع، أخرجه الترمذي (١) (م (٢) عن أسماء بنت أبي بكر) (٣) زوج الزبير ووالدة عبد الله. ٩٣٩ - "أرضوا مصدقيكم (حم م د ن) عن جرير (صح) ". (ارضوا) خطاب للأغنياء (مصدقيكم) جمع مصدق بكسر الدال المهملة وهو العامل الذي يأخذ الزكاة من أربابها بأمر الإِمام أي أعطوهم ما يرضون به والحديث شبيه أنه شكى إليه ﷺ أن المصدقين يجورون عليهم فقاله وتمامه: "فإن ذلك من تمام صدقتكم"، وفي معناه حديث جابر بن عتيك (٤) عنه ﷺ : "سيأتيكم ركيب مبغضون فإن جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليهم وأرضوهم فإن تمام زكاتهم رضاهم وليدعوا لكم" أخرجه أبو داود، واستدل به على إضافة المصدق وأنها لازمة لمن يأخذون منهم زكاتهم لقوله فرحبوا بهم (حم م د ن عن جابر) (٥).

стр. 898

٩٤٠ - "ارفع إزارك، واتق الله (طب) عن الشريد بن سويد (ض) ". (ارفع إزارك) تقدم في الحديث أن منتهى رفعه إلى نصف الساق وأنه إزرة الملائكة عند ربها تعالى وأدناه إلى الكعبين فالأمر بالرفع يحتمل أنه أسفل الكعبين وهو الظاهر ويحتمل أنه عما فوقها تعليماً له (واتق الله) يحتمل أنه [١/ ٢٦١] مقدر مفعوله خاص أي في هذا القرينة السياق ويحتمل العموم أي في كل شيء فيدخل هذا بالأولى وقد تقدم هذا مرارا (طب عن الشريد) (١) بالمعجمة المفتوحة (ابن سويد) مصغر أسود وتصغير الترخيم ورمز المصنف لضعفه. ٩٤١ - "ارفع إزارك فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك ابن سعد (حم هب) عن الأشعث بن سليم عن عمته عن عمها (صح) ". (ارفع إزارك) فإنه أي الرفع (أنقى) بالنون والقاف من النقاء ويحتمل أنه بالموحدة من البقاء أنزه له عن القاذورات (٢) (لثوبك وأتقى) بالمثناة الفوقية والقاف من التقوى (لربك) والتعليل أنه أبقى على رواية الموحدة يدل على محافظة الشارع لحفظ المال في جميع الأحوال وأن صيانة الثياب مندوب إليه والرواية المشهورة بالنون حث على التنزه عن الأوساخ وفي الحديث من البديع الجناس (ابن سعد (٣) حم هب عن الأشعث بن سليم عن عمته عن عمها) رمز المصنف لصحته. ٩٤٢ - "ارفع البنيان إلى السماء واسأل الله السعة (طب) عن خالد بن الوليد".

стр. 899

(ارفع البنيان إلى السماء واسأل الله السعة) يعارضه حديث أنس: "من بني فوق عشرة أذرع ناداه مناد من السماء يا عدو الله إلى أين تريد" (١) وحديثه الآخر عند أبي نعيم في الحلية (٢): "إذا بنى الرجل سبعة أذرع ناداه مناد من السماء إلى أين تذهب يا أفسق الفاسقين". ووجه الجمع بينهما أن حديث أنس فيما إذا كان لغير حاجة كما يرشد إليه حديث ابن مسعود عند البيهقي: "من بنى فوق ما يكفيه كلف يوم القيامة أن يحمله على عنقه" (٣)، وحديث أنس: "من بنى أكثر مما يحتاج إليه كان عليه وبالاً يوم القيامة" (٤)، وحديث خالد: "هذا مبني على البناء للحاجة والأمر فيه للإباحة وفي أمره أن يسأل الله السعة إرشاد إلى أن يجمع بين التوسيع في بنائه وسؤال الله السعة يجمع بين المباح والمندوب، وفيه مام بأن الشيء بالشيء يذكر نظير قوله لعلي: "أسأل الله السداد واذكر تسديدك السهم" (٥) (طب عن خالد بن الوليد) (٦) قال: شكوت على رسول الله ﷺ الضيق في مسكني فذكره، قال

стр. 900

الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن والمصنف سكت عليه قال الشارح المناوي: والذي رأيته في المعجم: ارفع يديك إلى السماء ولفظ: "ارفع البنيان" هو ما في خط المصنف. ٩٤٣ - "ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرًا (طب) عن سهل بن سعد (ح) ". (ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين) أي عن ذمهم وأذيتهم (وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيراً) هذا الأمر للندب وتقدم أن الثناء عليه خيراً سبب لغفران الله له وظاهره وإن لم يكن من أهل الخير فإنه يتطلب له من صفات الخير ويحتمل أن المراد من له خير ظاهر (طب عن سهل بن سعد) (١) رمز المصنف لحسنه. ٩٤٤ - "أرقاءكم أرقاءكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، وإن جاءوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم (حم) وابن سعد عن زيد بن الخطاب (ح) ". (أرقاءكم أرقاءكم) نصب على الإغراء أو التحذير كما سلف في أرحامكم والتكرير أغنى عن إعادة العامل وهو جمع رقيق وفي النهاية (٢): الرقيق المملوك فعيل بمعنى مفعول. قلت: وجمعه على أفعلاء خلاف بابه وإنما أفعلاء جمع فعيل بمعنى فاعل مثل أصدقاء، وأما بمعنى مفعول فبابه فعلى وكأنه لما غلب اسماً جمع جمعها الأسماء

стр. 901

كما في أنصباء جمع نصيب (فأطعموهم) تفصيل التوصية المتضمن لها التحذير (مما تأكلون) والأمر فيه للإيجاب لأنه الأصل فيه وقد زاده هنا أصالة تقديم التحذير فلا يقال حديث: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه" (١) وفيه فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين، [١/ ٢٦٢] يدل على أنه لا يجب إطعامه من عين ما يأكله مولاه لأنا نقول ليس في ذلك الحديث الإتيان أنه يجوز أن لا يأكله معه في قصعته لا أنه يأكل من نوع طعام مولاه فإن قام على صرفه عن الوجوب دليل وإلا فهو الأصل ومثله الكلام في قوله (وألبسوهم مما تلبسون وإن جاءوا) الأرقاء (بذنب لا تريدون أن تغفروه) لعظمته ولا تطاوعكم أنفسكم على غفرانه (فبيعوا) أخرجوهم عن ملككم سداً للذريعة إلى التعذيب وفي قوله (عباد الله) ترقيق وتخويف للملاك بإضافتهم إلى من الكل تحت ملكه وعبيده وإشارة إلى إن أنتم وهم عبيد لمالك واحد منصف لهم منكم ولا يجعل لكم عليهم مزية إن أسأتم الملكة وعذبتم ما خولكم الله كما قال (ولا تعذبوهم) فلله در الكلام النبوي فإنه أضافهم إليهم لما أمرهم بالإحسان إليهم في ضمير التحذير ليكونوا أقبل لذلك ويكون أدعى لهم على الامتثال والإحسان ولما نهاهم عن تعذيبهم أضافهم إلى الاسم الكريم فلينتبه الفطن لمواقع الكلمات النبوية، والمراد بالتعذيب ما يخرج عن حد التأديب الذي أذن فيه فإنه جائز وتقدم حديث: "إذا ضرب أحدكم خادمه" وحديث: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه" ولذا سماه هنا تعذيبًا لخروجه عن الجائز قال الإِمام الغزالي (٢): جملة حقوق المملوك أن يشركه في طعمته وكسوته ولا يكلفه فوق ما يطيقه ولا ينظر إليه بعين الكبر والازدراء وأن يعفو عن زلته ويتفكر عند غضبه عليه جنايته في حق الله. في

стр. 902

تقصيره عن طاعته في أن قدرة الله عليه فوق قدرته (حم وابن سعد عن زيد بن الخطاب) (١) هو أخو عمر بن الخطاب قتل شهيدا يوم اليمامة (٢) قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "أرقاءكم ... " الحديث رمز المصنف لحسنه وقال الهيثمي بعد عزوه لأحمد والطبراني: فيه عاصم بن عبد الله ضعيف. ٩٤٥ - "أرقاؤكم إخوانكم، فأحسنوا إليهم، استعينوهم على ما غلبكم، وأعينوهم على ما غلبهم (حم خد) عن رجل (ح) ". (أرقاؤكم) مبتدأ خبره (أخوانكم) في الدين (فأحسنوا إليهم) إذ ذلك من حق الأخ لأخيه (استعينوهم على ما غلبكم) بالغين المعجمة والموحدة وكذا ما في آخره أي ما شق عليكم من الأعمال (وأعينوهم على ما غلبهم) فلا تكلفوهم ما لا طاقة لهم به (حم خد (٣) عن رجل) رمز المصنف لحسنه. ٩٤٦ - "أرقي ما لم يكن شرك بالله (ك) عن الشفاء بنت عبد الله". (أرقى) بفتح الهمزة فعل الأمر من الرقية قاله ﷺ للشفاء بنت عبد الله كانت ترقى في الجاهلية من النملة فلما هاجرت وكانت قد بايعته ﷺ بمكة قالت: يا رسول الله إني كنت أرقى في الجاهلية من النملة وأريد أن أعرض ذلك عليك فذكره (ما لم يكن شرك بالله) والرقية بالضم العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات، والحديث دل على جواز الرقية وقد

стр. 903

عارضه حديث ابن مسعود عند مالك وغيره: "نهى عن الرقى" ونحوه ويأتي مفرقًا وأجاب ابن الأثير (١) عن التعارض وقال: وجه الجمع أن الرقى تكره منها ما كان بغير اللسان العربي وغير أسماء الله وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة وأن يعتقد أن الرقى نافعة لا محالة فيتكل عليها وإياها أراد لقوله: "ما توكل من استرقى" (٢) ولا يكره منها ما كان بخلاف ذلك كالتعوذ بالقرآن وبأسماء الله تعالى، والرقى المروية ولذلك قال [١/ ٢٦٣] للذي رقى بالقرآن وأخذ عليه أجراً: "من أخذ برقية باطل فقد أخذت برقية حق" (٣) وكذلك قوله في حديث جابر: "اعرضوها علي" فعرضناها فقال: "لا بأس بها إنما هي مواثيق" (٤) كأنه خاف أن يقع فيها شيء مما كانوا يتلفظون به ويعتقدونه من الشرك في الجاهلية وما كان بغير اللسان العربي مما لا يعرف له ترجمة ولا يمكن الوقوف عليه فلا يجوز استعماله انتهى. قلت: هذا الحديث فيه الإذن بالرقية من النملة وهي قروح تخرج في الجنبين ويسمى نملة لأن صاحبه يحيى كأنه يدب عليه نمل ويعضه وهو داء معروف. وقد عارضه وعارض الأحاديث سواه حديث مسلم: "لا رقية إلا من عين أو حمة" (٥). وسيأتي وقد جمع بينها ابن الأثير أيضاً بأن قال: وأما قوله: "لا رقية إلا من عين أو حمة" فمعناه لا رقية أوفى وأنفع كما قيل: "لا فتى إلا علي". قلت: أو يكون القصر إدعائياً أي لا رقية في الوجود كأنه لا اعتداد بما عداها وهو أولى من تقدير الخاص أي أنفع وأوفى وقد ظهر من كلامه ﷺ أن الأمر

стр. 904

بالرقية للإباحة لا للندب حيث قال: ولا يكره منها ما كان خلاف ذلك والأقرب أنه للندب بل الأصل فيه الوجوب إلا لصارف وقد تكرر الأمر به كما هنا وحديث: "استرقوا لها" (١) وقد كان يأمر بالرقية ويفعلها ويعلمهم التعوذات وبأقل من ذاك يثبت الندب إلا أنه يشكل عليه أنه ﷺ لما وصف السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب بأنهم لا يرقون (٢) ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون فإنه يفهم منه أن فعل الرقى مباح وإن ترك المندوب لا يفضل على فعله. ولعله يجاب بأن فضيلة الصبر على الألم والتجرع بمرارة السقم والرضا بما نزل من الألم رتبة تربو على فضيلة فعل المندوب ولا يبلغ كنهها ولا يدنو إليها فالمتداوي فاعل للمندوب فيثاب على فعله، والصابر على الألم القارس لذلك أكثر ثوابًا وأعلى رتبة من حيث الصبر والرضا لا من حيث ترك المندوب أو لأن حظ النفوس في التداوي وطلبها للعافية لا يكاد يتمحص فيه قصد الندب، وقال ابن الأثير (٣): إنما ترك في الحديث صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها وتلك درجة الخواص لا يبلغها أحد غيرهم وأما العوام فرخص لهم في التداوي والمعالجات ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء ومن لم يصبر رُخّص له في الرقية والدواء والعلاج. قلت: ولا يقال يرد عليه أنه كيف يقول التداوي والاسترقاء طريقة العوام وقد ثبت أنه تداوى سيد البشر وداوى ورقى لأنا نقول الكلام في الحديث في الأمة لأنه ﷺ قال: "يدخل من أمتي" الحديث، أو لأن التداوي في حقه ﷺ واجب لأنه مأمور بما لا يتم إلا بالعافية من تبليغ أحكام الله والجهاد لأعدائه

стр. 905

وتعليم شرائعه فإذا ترك التداوي وصبر على الألم عجز عن هذه الواجبات التي لأجلها بعث ولها خلقت السماوات والأرض ومن فيهما وما لا يتم الواجب إلا به [١/ ٢٦٤] يجب فالتداوي في حقه أفضل أو لأنه كان مأمورًا من الله تعالى بخصوصيته بالتداوي لما ثبت من أنه لما سحر أتاه جبريل ﵇ وأمره أن يأمر من يستخرج السحر من البئر (ك عن الشفاء) (١) بكسر الشين المعجمة وبالفاء والمد (بنت عبد الله) بن عبد شمس قرشية عدوية قيل: اسمها ليلى والشفاء بنت لها، أسلمت قبل الهجرة وهي من المهاجرات الأولات وهي من عقلاء النساء وفضلاهن كان رسول الله ﷺ يأتي منزلها ويقيل عندها في بيتها (٢). ٩٤٧ - "اركبوا هذه الدواب سالمة. واتدعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرا لله منه (حم ع طب ك) عن معاذ بن أنس (صح) ". (اركبوا هذه الدواب سالمة) غير عليلة ولا مشقوق عليها بالحمل (وابتدعوها سالمة) في النهاية (٣): يقال ابدعت الناقة إذا انقطعت عن السير بكلال أو ظَلْع انتهى وبكسر الهمزة بالباء الموحدة والمثناة الفوقية والعين المهملة المعنى: اقطعوها عن السير سالمة قبل أن ينقطع بإتلافكم لها (ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق) ولا تجعلوها كالكراسي التي تحدثون عليها فهو نهي عن التحدث عليها واتخاذها لذلك وقد ثبت النهى عن التحدث على ظهور الدواب وأن تركب لذلك في عدة أحاديث إلا إذا وقع ذلك تبعا ولذا عبر بالإتحاد والتقييد بالطرق والأسواق لأنه غالب المواضع

стр. 906

للأحاديث لكثرة ملاقاة الناس فيها إن أريد بها أزقة المدن وإن أريد المطلق على سبيل الأسفار فواضح. واعلم أن المراد ما يعتاده الناس من المفاكهات والإخبار عن أحوالهم لا ما فيه إفادة علم أو قضاء حاجة فإنه ﷺ كان يحدث أصحابه في أسفاره وهو راكب ويستحدثهم وقد خطب على ناقته لأجل إسماعهم وكذلك كان يخاطب بعضهم بعضاً وهو يشاهدهم (فرب مركوبة) صفة لدابة (خير من راكبها وأكثر ذكراً لله منه) سيقت لتعليل النهي ورب للتقليل كما هو الأصل فيها أي قليل من الدواب خير من راكبها وإذا كانت خيراً منه فلا يتخذها كرسيا لحديثه ولغوه فإنه قبيح عند العقلاء إهانة من هو خير من مهينة ولأنه خلاف ما خلقت له وإذا كان فيها من هو خير من راكبه اجتنبت الأحاديث عليها كلها احتياطاً، وإن جاز أن راكبها خير منها ويحتمل أن رب للتكثير أي كثير من المركوبات خير من راكبها ويناسب هذا قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] فإنه تعالى أخبر بسجود جميع الدواب له ولم يخبر إلا عن سجود كثير من الناس له، فدل على أن المنقاد من الناس بعضهم له ومن الدواب جميعهم والأخيرية من حيث أنها أكثر لله ذكراً كما أفاده الحديث وفيه دلالة على أن الدواب تذكر الله كما يذكره العباد والناس فريقان في مثل هذا المعنى الذي يفيده الحديث والآيات مثل ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وهو كثير سنة وكتاباً فالمتكلمون والمفسرون منهم على تأويل ذلك وحمله على خلاف ظاهره وأئمة الحديث وجماعة من المحققين على حمله على ظاهره [١/ ٢٦٥] وعدم تأويله والإيمان به مع الإقرار بعدم معرفة كيفيته لأنه تعالى لم يجعل لنا على الإطلاع عليه سبيلاً وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وقال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] وهذا هو الحق وقد أشبعنا الكلام عليه في غير هذا وأما أنها مكلفة وأن إليها

стр. 907

رسلاً منها وغير ذلك فكما تكلفه من ذهب إليه فهو من البحث عما لم يجعل لنا عليه دليلاً وإتيانه بالعمومات مثل ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] مما لا يطمئن للقلب إليه لاحتمال الآية لتأويلات كثيرة فنقف على ما اتضح لنا (حم ع طب ك عن معاذ بن أنس) (١) هو صحابي جهني معدود في أهل مصر (٢) والحديث رمز المصنف لصحته. ٩٤٨ - "اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم: السبحة بعد المغرب (هـ) عن رافع بن خديج (ح) ". (اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم السبحة بعد المغرب) بضم السين المهملة وسكون الموحدة فحاء مهملة قال في النهاية (٣): يقال لصلاة النافلة سبحة يقال قضيت سبحتي، والسبحة من التسبيح كالسحرة من التسحير وإنما خصت النافلة بالسبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح لأن التسبيحات في الفرائض نوافل فقيل لصلاة النافلة سبحة لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة انتهى. والمراد بها الركعتان بعد صلاة المغرب وقد ثبت أنه ﷺ كان لا يصليها إلا في بيته وقد ثبت أن النفل في البيت أفضل إلا أن في هذه زيادة حث على أداء هذه في البيوت.

стр. 908

قال بعض أئمة الحديث: إنه لم ينقل عنه ﷺ أنه صلاها في المسجد البتة، وقال السائب بن يزيد: لقد رأيت الناس في زمن عمر بن الخطاب إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعاً حتى لا يبقى في المسجد أحد كأنهم لا يصلون بعد المغرب حتى يصيروا إلى أهليهم وذهب البعض إلى أنها لو صليت في المسجد ما أجزأت، قال عبد الله بن أحمد: راوية عن أبيه أنه قال: بلغني عن رجل سماه أنه قال: لو أن رجلاً صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد ما أجزأته فقال ما أحسن ما قال هذا الرجل وما أجود ما انتزع. قلت: كأنه حمل الأمر على الوجوب وأيده فعله ﷺ لها دائما في بيته (٥ عن (١) رافع بن خديج) رمز المصنف لحسنه. ٩٤٩ - "ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا. كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا رمي الرجل بقوسه، أو تأديبه فرسه، أو ملاعبته امرأته، فإنهن من الحق، ومن ترك الرمي بعد ما علمه فقد كفر الذي علمه (حم ت هب) عن عقبة بن عامر (ح) ". (ارموا) بالنبل (واركبوا) على الخيل وهو أمر بالتدرب في الأمرين لأن بهما نكاية العدو (وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا) لأنه أشد نكاية وأخف مؤنه وأنفع في حزن وسهل وأسرع عند الغارة والتقاء الجيش (كل شيء يلهو به الرجل باطل) في النهاية (٢): اللهو اللعب يقال لهوت بالشيء ألهو به وتلهيت به إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت عن غيره (إلا رمى الرجل بقوسه أو تأديبه فرسه) هو إزالة تشمسه وتعليمه مراوغة العدو والسباق وكان ﷺ يسابق بين الخيل (أو

стр. 909

ملاعبته امرأته) فإنه من تمام حسن العشرة وقد قال ﷺ : "هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك" لما أخبره أنه تزوج ثيباً ولأن في ملاعبة الزوجة كف النفس عن الحرام وإقناعها بالحلال (فإنهن من الحق) وتقدم حديث: "أحب اللهو إلى الله إجراء الخيل والرمي"، وتكررت الأحاديث في إباحة هذه الثلاثة [١/ ٢٦٦] ويأتي حديث: "اللهو في ثلاث تأديبك فرسك ورميك بقوسك وملاعبتك أهلك"، (ومن ترك الرمي بعد ما علمه فقد كفر الذي علمه) الكفر هنا تغطية هذه النعمة التي أتاه الله إياها من الحذاقة بالرمي فخص ترك هذه من بين الثلاث؛ لأن تأديب الفرس مما تتوق إليه النفوس ولا يكاد يتركه من عرفه ولأن يتركه لا تفوت الحذاقة فيه بخلاف الرمي فإن الغفلة عنه يفوت الحذاقة فيه والجودة في الإصابة فإنه يخونه عند الحاجة إليه وملاعبة الزوجة أمر يدعو إليه الطبع (حم ت هب عن عقبة بن عامر) (١) رمز المصنف لحسنه وأخرجه الطيالسي والشافعي. ٩٥٠ - "ارموا الجمرة بمثل حصى الخذف (حم) وابن خزيمة، والضياء عن رجل من الصحابة (صح) ". (ارموا الجمرة) هو للجنس فيشمل الثلاث (بمثل حصى الخذف) هو معروف وهو نهي عن الغلو في الدين والرمي بدونها وبأكبر منها لا يجزئ (حم وابن خزيمة والضياء عن رجل من الصحابة) (٢) رمز المصنف لصحته. ٩٥١ - "إرهقوا القبلة البزار (هب) وابن عساكر عن عائشة (ض) ".

стр. 910

(إرهقوا القبلة) هو من رهق كفرح كما في القاموس (١) وفي النهاية (٢): أي ادنوا منها، ومنه غلام مراهق مقارب للحلم انتهى. وهو أمر بالدنو من الجدار والسترة واختلف في أقل ذلك فقال ابن بطال: أقله أن يكون بين المصلي وسترته قدر ممر الشاة، وقيل: أقله ثلاثة أذرع لحديث بلال: "أنه ﷺ صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع" أخرجه البخاري (٣) والحكمة في الأمر بالدنو ما رواه أبو داود (٤) عن سهل بن أبي حثمة مرفوعاً: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن لا يقطع الشيطان عليه صلاته" كما في فتح الباري (٥) (البزار هب وابن عساكر عن عائشة) (٦) رمز المصنف لضعفه وذلك لأن فيه بشر بن السري ضعفه الذهبي. ٩٥٢ - "أريت ما تلقى أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض، وكان ذلك سابقا من الله كما سبق في الأمم قبلهم، فسألته أن يوليني شفاعة فيهم يوم القيامة ففعل (حم طس ك) عن أم حبيبة (صح) ". (أريت) بضم الهمزة أي شاهدت وأرنيه الله تعالى (ما تلقى أمتي من بعدي) وقد فسر هذه الإراءة حديث ابن عمر عند الطبراني وغيره بلفظ (٧): "إن الله قد رفع لي الدنيا فأنا أنظر إلى ما هو كائن منها إلى يوم القيامة" الحديث. وأما كيفية

стр. 911

الإراءة وهل هي بخلق الله لكل كائن فرآه ﷺ أو مثل له ذلك أو نحو ذلك فلا دليل عليها (وسفك) بالنصب على الإبدال من ما (بعضهم دماء بعض) وقد وقع كما أريه ﷺ (وكان ذلك سابقًا من الله كما سبق في الأمم قبلهم) تصديقًا لما قالته الملائكة: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] وكأن الملائكة كانت علمت ذلك من سبق القدرية (فسألته أن يوليني شفاعة فيهم يوم القيامة ففعل) هي غير الشفاعة العظمى فإنَّ تلك في فصل القضاء بين الأمم وهذه شفاعة لهؤلاء العصاة بأعيانهم في ذنوب سفك الدماء ولا ينافيها ما تقدم من حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". لاحتمال أن هذه الشفاعة بعد دخولهم النار أو بعد الحكم عليهما بأنهما من أهلها قبل الدخول، وفيه دليل أن الشفاعة ثابتة لأهل الكبائر ويأتي فيه عدة أحاديث (حم طس ك عن أم حبيبة) (١) بالحاء المهملة مفتوحة فموحدة هي بنت أبي سفيان (٢) إحدى أمهات المؤمنين قيل: اسمها رملة، وقيل: هند، قال ابن الأثير (٣): والأول أصح والحديث رمز المصنف لصحته وقال الحاكم: صحيح على شرطهما وقال الهيثمي: رجال أحمد والطبراني رجال الصحيح.

стр. 912

الهمزة مع الزاي المعجمة ٩٥٣ - " إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه (ن) عن أبي هريرة، وأبي سعيد وابن عمر، والضياء عن أنس (صح) ". (إزرة المؤمن) في النهاية (١): الإزرة بالكسر الحالة وهيئة الائتزار مثل الركبة والجلسة [١/ ٢٦٧] (إلى أنصاف ساقيه) وتمام الحديث عند الطبراني: "لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين" (ن عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر) رمز المصنف لصحته (الضياء عن أنس) (٢) كل ما كان من الضياء فهو كناية عن كتابه المختارة تارة يقيده به المصنف وتارة يطلقه للعلم به. (حقيقة الزهد) ٩٥٤ - " ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس (٥ طب ك هب) عن سهل بن سعد (صح) ". (إزهد في الدنيا) واختلف الناس في حقيقة الزهد قيل: وأحسن ما قيل فيه هو أن لا تكون الدنيا بمنزلة من القلب واختلف أيضاً في حقيقة الدنيا وأحسن ما قيل فيها أنها كل لذة قبل الموت لا أثر لها بعده بمعنى أثر خير، وسئل الزهري (٣) عن الزهد في الدنيا فقال: هو أن لا تغلب الحلال شكره ولا الحرام

стр. 913

صبره قال في النهاية (١): أراد أن لا يعجز ولا يقصر شكره على ما رزقه الله من الحلال ولا صبره عن ترك الحرام وفي الفتح: الزهد بين كلمتين في القرآن ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] فمن لم ييأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه. قلت: قد فسر الزهد حديث أبي ذر عند الترمذي وابن ماجه: "الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله وأن يكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك في ثوابها لو بقيت لك" (يحبك الله) وإنما كان الزهد في الدنيا سببا لمحبة الله لأن الدنيا عنده تعالى غير محبوبة ولا نظر إليها منذ خلقها فمن زهد فيها فقد زهد فيما لا يحبه الله فأحبه الله ولأنها هي التي تلهي العبد عن مولاه وتقطع عليه طريق سيره إلى الله ولأن الغالب أنه لا يزهد في الدنيا إلا من يرغب فيما عند الله (وازهد فيما في أيد الناس يحبك الناس) الزهادة عما في أيديهم يكون بترك التشوق إلى ما في أيديهم والتذلل لما عندهم وعدم الطمع في أموالهم وهذا من أعظم أسباب محبة العباد فإن طبع بني آدم محبة من لم يطمع فيما عندهم ولا يتشوق لأخذه منهم ولأنه بذلك يفارق أبناء جنسه فيعظم عندهم ويحبونه ومن رغب فيما عندهم أبغضوه وملوه ولذا قيل: وأخو الحوائج وجهه مملول .. (٢). ولمحبة المال قد تغير الصديق على صديقه إذا استرفده مما في يده، كما قيل: وصاحب كان لي وكنت له ... أشفق من والد على ولد كنا كساق تسعى بها قدم ... أو كذراع نيطت إلى عضد

стр. 914

وكان لي مؤنسا وكنت له ... ليست بنا حاجة إلى أحد حتى إذا استرفدت يدي يده ... كنت كمسترفد يد الأسد وأزورّ عني وكان ينظر من ... عيني ويرمي بساعدي ويدي (١) واعلم أن في هذا الكلام النبوي ترغيباً بليغاً في الزهد وحثًّا عليه إلى الغاية فإن أعظم المطالب السنية للعبد أن يكون محبوبا لخالقه ومولاه فإن محبته تعالى لعبده هي غاية كل مطلوب ومحط رحال كل محبوب والرتبة التي يطلبها كل من سمت به همته في المطالب العلية [١/ ٢٦٨] فهذه الفائدة بالنسبة إلى ما يناله من مولاه وفاطره والفائدة الثانية ما يناله من العباد من محبتهم له فإن أحب شيء إلى الإنسان أن يكون عند الناس محبوبا خفيف الروح مقبول غير مستثقل ولا مملول وأكثر الناس ينفق الأموال في طلب ذلك ويتكلف شريف الخصال في تحصيل ما هنالك وهي نعمة عظيمة امتن الله بها على موسى كليمه بقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] ومن لازم محبة الله لعبده محبة الناس له كما أسلفناه وكما قيل: وإذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة من الناس واقتصر ﷺ على هاتين الفائدتين مع أن للزهد فوائد أخر لأنهما أعظم فوائده، ومن فوائده ما في حديث طاووس عند أحمد (٢) وغيره: "الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن والرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن"، (هـ طب ك هب عن

стр. 915

سهل (١) ابن سعد" صححه الحاكم، قيل: ورمز المصنف لصحته ولم أره فيما قوبل على خطه إلا أنه تعقبه البيهقي بقوله فيه خالد بن عمرو ضعيف وكذلك تعقب الذهبي الحاكم في تصحيحه له بأن فيه خالد بن عمرو وضاع وأعله بغيره. ٩٥٥ - "أزهد الناس في العالم أهله وجيرانه (حل) عن أبي الدرداء (عد) عن جابر (ض) ". (أزهد الناس في العالم) اسم فاعل من العلم أقلهم رغبة فيه وفي متابعة أقواله والإقتداء بأفعاله (أهله وجيرانه) وكل من بعد عنه كان فيه أرغب وله أحب وهو من أعلام النبوة (حل عن أبي الدرداء عد عن جابر) (٢) رمز المصنف لضعفه. ٩٥٦ - "أزهد الناس في الأنبياء وأشدهم عليهم الأقربون، ابن عساكر عن أبي الدرداء (ض) ".
следующие страницы →