(المتقارب)
ونحن إياد عباد الإله ... ورهط مناجيه في سلم
ونحن ولاة حجاب العتيق ... زمان النخاع [١] على جرهم
ذكر ابن الكلبي أن الله سلط على الذين يلون البيت من جرهم دوابا شبيهة بالنغف [٢] فهلك منهم ثمانون كهلا في ليلة واحدة سوى الشباب حتى جلوا من مكة إلى إضم وقامت نائحة [٣] وكيع على أبي قبيس وقالت:
(الوافر)
ألا هلك الوكيع أخو إياد ... سلام المرسلين على وكيع
مناجي الله مات فلا خلود ... وكل شريف قوم في خضوع [٤]
ثم إن مضر ربلت بعد إياد، فكان أول من ربل منها عدوان وفهم [٥] وإن رجلا من إياد ورجلا من مضر خرجا يتصيدان فمرت بهما أرنب فاكتنفاها ليرميانها فرماها الايادي، فزل سهمه فنظم قلب المضري فقتله، فبلغ الخبر مضر، فقالوا: إنما أخطأه، فأبت فهم وعدوان إلا قتله فتناوش الناس بينهم المديد [٦] وهو مكان فهمّت [٧] مضر من إياد ظفرا، فقالت لهم إياد: أجلوا لنا ثلاثا [٨] فانا لا [٨] نساكنكم بأرضكم، فأجلوهم ثلاثا فظعنوا قبل المشرق، فلما
стр. 282
ساروا يوما تبعتهم فهم وعدوان حتى أدركوهم، فقالوا: ردوا علينا نساء مضر المتزوجات فيكم، فقالوا: لا تقطعوا قرابتنا، اعرضوا على النساء فأية [١] امرأة اختارت قومها رددتموها، وإن أحبت الذهاب مع زوجها أعرضتم لنا عنها، قالوا: نعم، فكان فيمن اختار أهله امرأة من خزاعة.
وقد كانت إياد حين أرادت الظعن في آخر ليلة عمدوا إلى الركن فحملوه على بعيرهم فلم يقم البعير فحولوه على آخر فلم يقم فجعلوا لا يحملونه على شيء إلا رزم [٢] ، فدفنوه تحت شجرة وانطلقوا، فلما فقدته مضر عظم في أنفسهم، فقالت الخزاعية لقومها: خذوا على فهم وعدوان وجميع مضر إن دللتموهم عليه ليولينّكم البيت، فجاؤوا فهما وعدوان فقالوا:
أرأيتم إن دللناكم على الركن أتجعلوننا [٣] ولاته؟ قالوا: نعم، وقالت مضر جميعا: نعم، فدلتهم عليه فابتحثوه فأعادوه في مكانه و [٤] ولوها إياه [٤] ، فلم يبرح في أيدي خزاعة حتى قدم قصي فكان من أمره الذي كان، وهو الذي كتبناه في أمر قصي وأخيه رزاح العذري، ثم إن قصيا تزوج حبّى [٥] بنت حليل [٦] بن حبشية [٧] ، وكان مفتاح البيت إلى [٨] حليل فأقام قصي بمكة مع أقنانه [٩] فولدت له حبّى [١٠] عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى وعبدا بني قصي، ثم إن خزاعة أخذ فيها موت شديد بمكة ورعاف عمّهم ذلك فخرجوا
стр. 283
إلى ما حولها فنزلوا [١] الظهران [٢] فلما خرجوا رفع عنهم الموت وانقطع عنهم الرعاف، وأقام حليل بن حبشية حاجب البيت في نفر من قومه بمكة فيهم أبو غبشان [٣] وأخرج بنيه [٤] فيمن أخرج من قومه فيهم المخترش [٥] وهلال وعامر وعبد، وهم [٦] بنو حليل، ثم إن حليلا مات، وأوصى بالحجابة من بعده إلى المخترش [٧] ، ودفع المفاتيح الى حبّى [٨] امرأة قصي وأمرها أن تبعث بها إلى أخيها المخترش [٧] بن حليل فتدفع إليه ما كان بيديه من الحجابة وغيرها، وأشرك معها في الوصية أبا غبشان الملكاني [٩] وابنها عبد الدار بن قصي، فلما رأى قصي أن حليلا قد مات وبنوه غيّب والمفاتيح في يد امرأته وابنه طلب إلى حبّى أن تدفع المفاتيح إلى ابنها عبد الدار وقال: إن رجع إخوتك إلى مكة أصابهم هذا الداء [١٠] فلم يزل يحمل عليها بنيها [١١] وقال: اطلبوا إلى أمكم توليكم حجابة أبيكم حتى سلست [١٢] له بذلك، وقالت كيف أصنع بأبي
стр. 284
غبشان وهو وصي معي شاهد علي؟ فقال: أنا [١] قصي كفيتك أبا غبشان وأرضيه حتى يكتم ذلك ويخبر الناس إنما أوصى حليل بالمفاتحى إلى ابن ابنته [٢] عبد الدار بن قصي، ففعلت وإن قصي بن كلاب دعا أبا غبشان الملكاني [٣] فقال له: هل لك أن تدع هذا الأمر الذي أوصى به إلى حبّى وعبد الدار فتخلى بينهما وبينه فتصيب عرضا من الدنيا؟ فطابت نفس أبي غبشان وأجابهم إلى ذلك، فأعطاه قصي أثوابا وأبعرة، فقال الناس: أخسر صفقة من أبي غبشان، فذهبت مثلا، ولم يكن أبو [٤] غبشان وارثا لحليل ولا وليا، إنما كان وصيا فقال: فخان وصيته وصيرت حبّى إلى ابنها عبد الدار حجابة البيت ودفعت المفاتيح إليه فلم يزل في ولد عبد الدار، فلما فتح الله مكة على نبيّه ﷺ أمر عثمان بن أبي طلحة بن عثمان بن عبد الدار أن يأتيه بمفتاح الكعبة، ويقال إنه أراد أن يدفعه صلى الله عليه للعباس بن عبد المطلب يضم إليه الحجابة مع السقاية، فأتى [٥] عثمان أمه فأبت أن تدفعه إلى ابنها، فقال لها:
إن الأمر على غير ما تظنين، فدفعته إليه فأتى به إلى رسول الله ﷺ فدفعه إليه وقال: خذه يا رسول الله! بأمانة الله، ففتح النبي صلى الله عليه البيت وصلى فيه ثم أنزل الله : إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ٤: ٥٨ [٦] فرده النبي ﷺ إلى عثمان، ويقال في رواية أبي عمرو الشيباني إن حجابة البيت صارت إلى خزاعة لأن ربيعة [٧] بن حارث بن [٨]
стр. 285
عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن تزوج مهيرة [١] .
بنت عمرو بن الحارث بن مضاض [٢] الجرهمي، فولدت له عمرو بن ربيعة فلما شب عمرو وساد وشرف طلب الحجابة حجابة البيت، فعند ذلك نشبت الحرب بينهم وبين جرهم، وذكروا [٣] أن عمرو بن ربيعة عاش ثلاثمائة سنة وخمسا وأربعين سنة، وبلغ ولده في حياته ألف مقاتل [و-] [٤] من ولده كعب وعدي وسعد ومليح [٥] وعوف بني عمرو، فكانت بينهم حرب طويلة- أو [٦] قال:
شديدة [٧]- ثم إن خزاعة غلبوا جرهما [٨] على البيت وخرجت جرهم حتى نزلت وادي إضم فهلكوا فيه، وكان عمرو بن ربيعة أول من غيرّ دين إبراهيم ﵇ وإنه خرج إلى الشام واستخلف على البيت رجلا من بني عبد [بن-] [٩] ضخم يقال له آكل المروة وعمرو يومئذ وأهل مكة على دين إبراهيم ﵇، فلما قدم الشام نزل البلقاء [١٠] فوجد أقواما يعبدون أوثانا، فقال:
ما هذه الأنصاب التي أراكم تعبدون؟ فقالوا: أربابا نتخذها فنستنصر بها على عدونا فننصر ونستشفي بها من المرض فنشفى، فوقع قولهم في نفسه فقال:
هبوا لي منها ربا أتخذه [١١] ببلدي فإني صاحب بيت الله الحرام، وإليّ وفد
стр. 286
العرب من كل أوب فأعطوه صنما يقال له هبل [١] ، فحمله حتى نصبه للناس بمكة ودعا الناس إلى عبادته ووضع للناس دينا ابتدعه لم يسبقه اليه أحد، فسيّب [٢] السائبة [٣] وبحّر [٤] البحيرة ووصل الوصيلة [٥] وحّمى الحامي [٦] ، فبايعته العرب على ذلك، فذكروا والله أعلم أن إسافا [٧] كان رجلا من بني قطوراء [٨] أحبّ [٩] امرأة من جرهم يقال لها نائلة [١٠] ففجر بها في الكعبة فمسخهما الله حجرين، فغضب عمرو من ذلك فأخرج بني مضاض وكانوا أخواله وكانوا أخرجوهم خروجا من مكة، فلحقوا باليمن فتفرقوا في القبائل [١١] ، فقال
стр. 287
بكر [١] بن غالب بن عمرو بن الحارث بن مضاض وهو يذكر مكة بعد ما خرج منها: (الطويل)
كأن لم يكن بين الحجون [٢] إلى الصفا [٣] ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن أهلها فأبادنا [٤] ... صروف [٥] الليالي والجدود العواثر
وأخرجنا [٦] عمرو سواها لبلدة ... بها الذئب يعوي والعدو المحاصر [٧]
وقال أيضا: (الطويل)
وكنا ولاة البيت والقاطن الذي ... إليه يوفي نذره كل محرم
سكنا به [٨] قبل الظباء وراثة ... لنا من بني هيّ [٩] بن بيّ بن جرهم
стр. 288
فأزعجنا عنه وكنا عقيده [١] ... قبائل من كعب [٢] وعوف وأسلم
وقال حليل [٣] بن حبشية: (الرجز)
واد حرام طيره ووحشه [٤] ... نحن وليناه [٥] فلا نغشه
وابن مضاض قائم [٦] يمشه [٧]
وقال حليل أيضا: (الرجز)
نحن بنو عمرو ولاة المشعر ... نذب بالمعروف أهل المنكر
حمسا ولسنا نهزة للمحضر [٨]
فأجابه نصر بن الأحب العدواني: (الرجز)
إن الخنا منكم وقول المنكر ... والصدق منا تحت وقع [٩] الكوثر [١٠]
جئناكم بالزحف في السّنوّر [١١] ... بكل ماض في اللقاء مشهر [١٢]
قال: ثم صار البيت إلى عبد الدار بالقصة الأولى.
стр. 289
سبب إسلام خالد وعمرو ابني سعيد
ذكر العباس عن عبد الله بن الهاشمي [١] قال: كان سبب ذلك أن خالد بن سعيد بن العاص رأى رؤيا [٢] قبل مبعث النبي ﷺ كأن ظلمة غشيت مكة فلم يبصر لها سهلا ولا جبلا، ثم رأى نورا سطع من زمزم كهيئة المصباح ثم علا فسمع هاتفا في النور يقول: سبحانه سبحانه! هلك ابن مارد بحطمة [٣] الغضا [٤] بين أذرح [٥] والأكمة [٦] ، سبحانه سبحانه! بعث النبي الأمي، سبحانه سبحانه! كذبه أهل هذه القرية، وتعذب [٧] مرتين وتهلك في الثالثة، وعلا النور حتى رأيت نخل يثرب وفيه الأعذاق [٨] ، فأتى خالد بن سعيد أخاه عمرا وكان صفيّة [٩] من بين إخوته، فقصّ عليه رؤياه، فقال له عمرو: يا أخي! إن صدقت رؤياك ليحدثن في ولد عبد المطلب حدث شريف، وكانا شريكين في تجارتهما يقيم أحدهما عاما ويسافر الآخر، فخرج عمرو إلى الشام في نوبته [١٠] وبعث الله محمدا صلى الله عليه فآمن به خالد، وسمع بأخيه مقبلا فلقيه في موضع لم يكن يلقاه في مثله [١١] ، فلما بصر به عمرو راعه ذلك وقال: يا أخي! استقبلتني في موضع لم تكن لتستقبلني في
стр. 290
مثله فهل حدث حدث؟ قال: لم يحدث إلا خير، ثم خلا به فقال: يا أخي! أما تذكر الرؤيا [١] التي كنت قصصتها عليك؟ قال: ما، اذكرني لها، قال:
فقد بعث الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب نبيا يدعوا إلى الله، فآمن عمرو ودخلا جميعا مؤمنين يكتمان [٢] إيمانهما قال: ودخل النبي صلى الله عليه على سعيد بن العاص في مرضه الذي [٣] مات فيه وقد أغمي عليه وفي يد النبي صلى الله عليه خرقة فوضعها على جبهة سعيد فأفاق [٤] سعيد، فبصر بالنبي صلى الله عليه عند رأسه فقال: أنت الذي تعيب آلهتنا وتسفه أحلامنا، لئن رفع الله سعيدا ليجلينك عن مكة، ورجله في حجر خالد ورأسه في حجر عمرو، فنبذا رأسه ورجله وقالا: لا رفع الله صرعتك! ثم التفتا إلى النبي ﷺ وقالا: قد آمنا بك وصدقناك، فيقال إن هذه الآية نزلت فيهما لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ من حَادَّ الله وَرَسُولَهُ ٥٨: ٢٢ [٥] إلى آخر الآية، فأمر سعيد بحبسهما فحبسا واشتد وجعه، فقال: أخرجوني إلى مالي بالطائف، فأخرجوه فمات بأرض يقال لها: الظريبة [٦] ، وأبان بن سعيد أخوهما لم يسلم يومئذ، فأنشأ يقول: (الطويل)
ألا ليت ميتا بالظريبة شاهد ... لما يفتري [٧] في الدين عمرو وخالد
[٨] أضافا إلى دين [٨] جميعا فأصبحا ... يعينان من أعدائنا من نكايد [٩]
فأجابه عمرو وقال: (الطويل)
стр. 291
أخي ما أخي لا شاتم أنا عرضه ... ولا هو عن سوء المقالة [١] مقصر [٢]
يقول إذا شكت [٣] عليه أموره ... ألا ليت ميتا بالظريبة [٤] ينشر
فدع [٥] عنك ميتا قد مضى لسبيله ... وأقبل إلى الحي [٦] الذي هو أفقر
فلما أشرف النبي صلى الله عليه على الطائف [٧] إذا هو بقبر مشيد وعلى يمينه أبو بكر ﵁ وعلى يساره [٨] خالد بن سعيد ﵀، فقال أبو بكر: بأبي وأمي! هذا قبر أبي أحيحة سعيد بن العاص المشرك لا ﵀! فقال خالد: بل أبو قحافة [٩] فلا ﵀! فو الله ما كان يقري ضيفا، ولا يمنع ضيما [١٠] ! وما يسرني أن أبا قحافة أبي وأن أبا أحيحة في أعلى علّيين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وقال: يا أبا بكر! لا تسبوا الأموات فتغضبوا الأحياء
. حروب بني عدّي بن كعب بن لؤي في الإسلام
إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الحزامي [١١] قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي عن سعيد بن عبد الكريم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب عن أبيه قال: كان من حديث الحرب التي كانت بين عدي
стр. 292
ابن كعب في الإسلام أن أبا الجهم [١] بن حذيفة بن غانم كان من رجال قريش في الجاهلية وكان يوازن عمر بن الخطاب قبل إسلامه في [٢] غيلته [٣] لرسول [٤] الله صلى الله عليه ومعاداته، فأكرم الله عمر بما أكرمه من الإسلام واستجاب فيه دعوة نبيه ﵇ وأعزّ به دينه وأبطأ أبو الجهم عن الإسلام حتى أسلم يوم الفتح [٥] ، ثم انتقل إلى المدينة ولزم النبي صلى الله عليه، وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه أتي بخميصتين [٦] سوداوين فلبس إحداهما [٧] وبعث بالأخرى إلى أبي الجهم، وكانت خميصة رسول الله صلى الله عليه ذات علم فكان إذا قام إلى الصلاة نظر إلى علمها فكرهها لذلك وبعث بها إلى أبي الجهم بعد ما لبسها لبسات وأرسل إلى خميصة أبي الجهم فلبسها بعد ما لبسها أبو الجهم لبسات، وكان أبو الجهم في خلافة عمر يجلس في موضع البلاط [٨] بالمدينة في أشياخ من نظرائه من أهل مكة يتحدثون، فكان الفتى من فتيان قريش يمر بهم فيرمونه بعيوب آبائه وأمهاته في الجاهلية، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فنهاهم عن ذلك المجلس، فلما قتل عثمان بن عفان خرج به نفر من قريش ليلا ليصلوا عليه ويدفنوه فأتاهم جبلة بن عمرو الساعدي فمنعهم الصلاة عليه، فقال أبو الجهم وهو في القوم: والله! لئن لم تصلوا عليه لقد صلى عليه رسول الله صلى الله عليه، وكانت تحت أبي الجهم خولة بنت القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس [٩] فولدت له محمد بن أبي الجهم، وكان
стр. 293
له حميد [١] بن أبي الجهم وأمه حبيبة [٢] بنت الجنيد بن جمانة [٣] بن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي، وكان له صخر وصخير [٤] من أم ولد [٥] ، وكان له عبد الرحمن من أم ولد، وعبد الله الأصغر وسليمان من أم ولد يقال لها زجاجة [٦] وهي أخيذة [٧] من غسان، وكان بنو أبي الجهم أشداء [٨] جلداء [٩] ذوي شر وعرام [١٠] ، ولم يكن يتعرض لهم أحد إلا آذوه، فكان السلطان منهم في مؤونة ومشقة، وقد كان عمرو بن الزبير يمد حبلا فيعترض به الطريق وهو في أيدي حبشانة، فإذا مر إنسان علقوه فيسقط على وجهه، فمر الحسن بن علي ﵇ فقال له حبشانة: يا ابن رسول الله! نحن مأمورون، فقال ﵁: سفيه لو يجد مسافها، وعدل عنهم إلى طريق آخر فمر بهم أبو الجهم وهو مكفوف فعلقوه فسقط، فلما أتى منزله جمع بنيه ثم أخرج ذكره فبزق عليه وقال: لو خرج من هذا حر [١١] ما فعل بي ما فعل، فمشى بنوه إلى دار عمرو [١٢] فأشعلوا بابه بالنار يلتمسون أن يخرج إليهم، فلم يفعل، فخرج إليهم مروان بن الحكم وهو أمير المدينة في خلاف معاوية حاجا فبينا هو يسير يوما في مركبه في بعض الطريق دنا منه عبد الله بن مطيع ابن الأسود فكلمه بشيء فرد عليه مروان فأجابه ابن مطيع فأغلظ له في القول، فأقبل مصعب بن
стр. 294
عبد الرحمن بن عوف وهو يومئذ على شرط مروان فضرب وجه ناقة ابن مطيع بسوطه وقال: تنح، فتنحى، وأقبل صخير بن أبي الجهم يتخلل الموكب حتى دنا من مصعب فخطم [١] أنفه بالسوط ثم ولّى وهو على ناقة له مهرية [٢] بكرة [٣] وأمسك مصعب على أنفه ثم دنا من مروان فأخبره الخبر واستعداه على صخير، فوقف مروان وغضب غضبا شديدا وقال: عليّ به، والله لأقطعن يده! فقال ابن مطيع: لقد أردت أن تكثر جذمي [٤] قريش، فاتبعه قوم فلم يقدروا [٥] عليه ولم يتعلقوا به حتى نجا، فلما انتهى القوم إلى مكة وقضوا حجهم بعث عبد الله بن مطيع جارية له يقال لها خيرة ذات ميسم وعقل ولسان وكان ابتاعها بأربعة آلاف درهم إلى عبد الملك بن مروان وهو يومئذ غلام بطرفة [٦] وقال لها: تعرضي لصاحب الشرط، فإن كلمك فكلميه وضاحكيه، فانطلقت الجارية ففعلت ما أمرت به، فلما مرت بمصعب بن عبد الرحمن سألها لمن هي وما أمرها؟ فأجابته وراجعته الكلام، فأعجبته فبعث إلى عبد الله بن مطيع يسومه بها، فبعث بها إليه فقبضها مصعب وبعث إليه بثمنها، فأبى أن يقبله وقال: إن مثلي لا يبيع مثلك، فلما حضر الصدر [٧] ركب عبد الله بن مطيع وعبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي إلى مصعب ابن عبد الرحمن فاستوهباه الضربة [٨] التي يطلب بها صخير بن أبي الجهم
стр. 295
فوهبها [١] لهما، فلما قدموا المدينة أرسل في ذلك صخير بن أبي الجهم أبياتا من رجز فبلغت مصعبا فندم على ما كان منه ولم يجد بدا من التمام عليه، وذلك قول صخير بن أبي الجهم: (الرجز)
نحن خطمنا [٢] بالقضيب مصعبا ... يوم كسرنا أنفه ليغضبا
لعل حربا بيننا أن تنشبا [٣] ... لأن عبدا قد تعالى [٤] مرقبا
وكان في القوم هجينا مغربا [٥] ... ضربته بالسوط حتى أندبا
وما أبالي قول من تعصبا ... إذا مشت [٦] حولي عديّ غضبا [٧]
وارتكبت [٨] خيرة منه مركبا ... ولعبت منه وتلهو [٩] ملعبا
ثم أبينا عاتبا إن يعتبا [١٠] ... فلا يجد إلا السلاح مذهبا
ثم إن خولة [١١] بنت القعقاع كبرت وسقمت ووجعت مفاصلها وثقلت رجلاها فأتاها أبو الجهم بعد ما تطاول وجعها ذات يوم يعودها، فقالت له:
إني مسحورة وإن زجاجة [١٢] هي التي سحرتني، وقد قيل لي إن شفائي في مخ ساقيها إن ادهنت به، وإلى أن فعلت لم يكن دون شفائي شيء، فقال أبو الجهم وكانت فيه بقية من عمية [١٣] الجاهلية: نعم لك ذلك وقلّ لك، ثم
стр. 296
خرج من عندها ونمى الخبر إلى أم ولده إلى ابنيها عبد الله وسليمان [١] فأتيا أباهما فذكر له الذي بلغهما من ذلك فوجدا رأيه عليه، وأخبرهما أنه فاعل، فعظّما عليه وذكّراه الله تعالى والإسلام والحق، فأبى وقال [٢] : ليست أمكما عندي كخولة ولا أنتما عندي كولدها، فلما أعياهما انطلقا إلى خولة وكلماها وقالا لها: إنك لم تسحري وإنما الذي بك داء من الأدواء التي تعرض للناس، وهذا من قول النساء وقول من لا رأي له ولا عقل، فاتقي [٣] الله وكفي عنا ولا تحملي أبانا على ما لا ينبغي أن يركبنا به، فقالت لهما: أمكما سحرتني وقد كنت أظن ثم حقق ظني ما أتيت به من الخبر، فانصرفا عنها وأتيا إخوتهما فذكرا لهم ما قال أبوهما وما قالت خولة وسألاهم [٤] أن يكفوهما عما هما عليه من سوء رأيهما، فقال محمد وهو ابن خولة: ما يأمرنا أبونا وأمنا بشيء حسن ولا قبيح إلا أطعناهما فيه، وتابعه إخوته الآخرون صخر وصخير وعبد الرحمن على قوله وكانوا على مثل رأيه، وأما حميد فكان غائبا بالعراق، فأغلظا لهم القول وقالا [٥] : إن كنا [٦] عذرنا شيخا كبيرا أو امرأة كبيرة سقيمة سفيهة لرأيهما [٧] رأي النساء فما عذركم عندنا، والله لا يكون هذا أبدا حتى نقتل وو الله لا نقتل حتى يقتل بعضكم فلا تبقوا إلا على أنفسكم، ونشب الشر بين بني أبي الجهم وشغلوا عن الناس وصار بأسهم بينهم، وخرج عبد الله وسليمان ابنا أبي الجهم فأتيا عبد الله بن عمر بن الخطاب فقصّا عليه القصّة وسألاه أن يمنعهما وينصرهما، فقال: سبحان الله! هذا أمر لا يكون، منع الإسلام هذا ونحوه، فجعلا يعيدان عليه الحديث فيخبرانه بما قالا وقيل لهما،
стр. 297
فلا [١] يصدق بأن ذلك يكون، فخرجا من عنده فلقيهما المسور [٢] ابن مخرمة [٣] الزهري فسألهما عن شأنهما، فأخبراه الخبر وذكرا له ما كلماه عبد الله وما رد عليهما، فقال لهما: إن ابن عمر قد [٤] نزل عن الدخول [٤] في اختلاف أمة محمد ﷺ فكيف يدخل في اختلاف بني أبي الجهم، اعمدا إلى من هو أشرع إليكما منه وإلى ما تريدان، فانطلقا حتى دخلا على عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فقصّا عليه قصتهما إلى أن بلغا [٥] ذلك الموطن فأفزعه ما أتيا [٦] به وقال: مهلا انظر في هذا الأمر وأتثبت [٧] فيه وأعلم حقه من باطله، فدعا ابنه عمر بن عبد الرحمن وهو ابن الثقفية [٨] وكان يقال له المصوّر من حسنه وجماله وكان قد وفد على معاوية وأقام عنده شهرا ثم قام إليه يوما فقال: يا أمير المؤمنين! اقض لي حاجتي، فقال له معاوية: أقضي لك أنك أحسن الناس وجها، ثم قضى له حاجته ووصله وأحسن جائزته، فقال له عبد الرحمن: يا بني! انطلق إلى عمك أبي الجهم فسل عنه وعن حاله وعن صاحبته ووجعها [٩] ثم ادخل على ابنة القعقاع فسلم عليها واقعد إليها وسلها عن وجعها وما تجد ثم أحص [١٠] ما يردان عليك من القول، ثم أقبل إليّ، فانطلق الفتى ففعل ما أمره به أبوه، فلما سأل أبا الجهم عن امرأته قال:
إنها لسقيمة لا تحرك يدا ولا رجلا ولا تقلب إلا ما قلبت وقد [١١] قيل لها إنها مسحورة وإن شفاءها قريب مني، ثم دخل إلى خولة فسلم عليها وجلس
стр. 298
إليها واستخبرها عن وجعها فجاءته بمثل ذلك وقالت له: سحرتني، وقد وعدني أبو الجهم أن يذبحها وينزع لي مخ ساقيها فأدهن به، فانصرف عمر بن عبد الرحمن فزعا مروعا لما سمع ولم يكن بلغه الأمر قبل، فأبلغ أباه ما قال وما قيل له وعبد الله وسليمان جالسان عنده فقال لهما عبد الرحمن: ما أرى الأمر إلا حقا وأيم الله! لا يصلون إلى ما يريدون منكما ومن أمكما أبدا إن شاء الله، وأمرهما بأن [١] يحملا [٢] أمهما وما كان لهما من أهل ومال ثم ينتقلا إليه، ففعلا فأنزلهما في دار مولاه عبيد بن حنين وهو مولى أمه لبابة بنت أبي لبابة [٣] الأنصارية وكانت [٤] من سبي عين التمر [٥] الذين سباهم خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ وكان عبيد بن حنين لبيبا فقيها علامة، وكان عبد الرحمن بن زيد حين ولي مكة ولاه قضاء [٦] أهل مكة، وانطلق عبد الله وسليمان ابنا أبي الجهم إلى عاصم بن عمر بن الخطاب فقصّا عليه أمرهما وأخبراه بما كان من رأي عبد الرحمن فيهما فقال لهما: وأنا معكما ولن [٧] يصل إليكما شيء تكرهانه، وانطلقا إلى زيد بن عمر بن الخطاب وأمهم [أم-] [٨] كلثوم بنت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فأخبراها الخبر وسألاه النصر، فأجابهما وقال:
لا هضيمة [٩] عليكما ولا ضيم [١٠] ، وأتيا بني عبد الله بن عمر بن الخطاب الأكابر عمر ومحمدا وعثمان وأبا بكر وأمهم أسماء بنت عطارد بن حاجب بن
стр. 299
زرارة [١] فأخبراهم الخبر وسألاهم النصر فوعدوهما ذلك، وأتيا ابني سعيد [٢] بن زيد بن عمرو بن نفيل: زيدا [٣] وعبد الله، وأمهما جليسة بنت سويد بن صامت الأنصارية ومحمدا وإبراهيم ابني سعيد [٤] وأمهما حزمة بنت قيس الفهرية أخت الضحاك بن قيس فوعدوهما النصر، وأتيا بني سراقة وبني المؤمل فأجمعوا على نصرهما ومعونتهما، ولما رأى بنو أبي الجهم الأكابر ما فعل أخواهم انطلقوا إلى عبد الله بن مطيع بن الأسود فأخبروه خبر أخويهم واستنجادهما بني الخطاب وغيرهم من قومهم ومن ظاهرهما [٥] منهم، وكان بنو أبي الجهم يد عبد الله بن مطيع وناهضته [٦] في كل مهمة نزلت به وأمر أراده، فقال لهم: أما ما أردتم بذات حرمتكم وأم ولد أبيكم فإني لا [٧] أرى أن أعلم [٧] علمه ولا أن أدخل معكم فيه وأما غير ذلك فو الله لو أن أخي وابن أمي وأبي عاداكم لنصرتكم عليه، ثم مشوا في رهطهم بني عويج [٨] بن عدي فلما علموا أن عبد الله بن مطيع قد تابعهم وشايعهم مالوا إليه ثم لم يتغادر منهم أحد منهم سليمان [٩] بن أبي حثمة [١٠] بن حذيفة وحكيم بن مؤرق [١١] بن حذيفة وهما أخوان لأمهما الشفاء [١٢] بنت عبد الله [بن شمس بن خلف بن صداد بن
стр. 300
عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب-] [١] عبد الرحمن بن حفص ابن خارجة بن حذافة بن غانم [و-] [٢] عبد الرحمن بن مسعود بن الأسود ابن حارثة ونافع بن عبد عمرو بن عبد الله بن نضلة [٣] بن عوف وإبراهيم ابن نعيم وصالح [٤] بن النعمان بن عدي الذي استعمله [٥] عمر بن الخطاب على دستميسان [٦] صاحب الجوسق المتهدم [٧] ولم يستعمل أحدا فيما علمناه من بني عدي غيره فافترقت بنو عدي فرقتين ووقع الشر ونشبت العداوة بينهم وكان كهولهم يقعدون في منازلهم ويخرج شبابهم ليلا فيجتلدون بالعصي ويرمون بالحجارة ولا يفترقون إلا عن شجاج [٨] وجراح وكسر أيد وأرجل، فطال ذلك
стр. 301
البلاء بينهم وكانوا إذا لم يخرجوا يرتمون ليلا من السطوح بالنبل والحجارة وكان من أشد وقعة كانت بينهم ليلة التقوا فيها بحرة وأقم [١] ففقئت عين نافع بن عبد عمرو وكسرت رجل صالح بن النعمان وثقل على بني أبي الجهم الأكابر موازرة بني الخطاب رهطهم [٢] [و-] [٣] إخوتهم وأرادوا أن يستظهروا ببعضهم فأتوا واقد بن عبد الله [٤] وسالم بن عبد الله وهما يومئذ فتيان حدثان فذكرا لهما تظاهر العشيرة عليهم وشكوا بني عبيد الله بن عمر وقالوا: كنا بهم واثقين لقرابتنا بهم من قبل الخؤولة مع الذي كنا عليه من المودة والملاطفة فصاروا [٥] علينا ألبا [٦] واحدا وأعوانا وكان بين بني عبد الله وبني عبيد الله بعض ما يكون بين بني العم فقارباهم في القول والهوى ولم يقدرا [٧] على المعونة لهيبة أبيهما، فانصرفوا عنهم راضين، وأقبل حميد بن أبي الجهم من العراق ومعه الحر بن عبيد الله بن عمر [٨] أمه أم ولد وكان بنو عبد الله يدفعونه، فأعانا عبد الله [٩] وسليمان [١٠] فقال عبد الله بن أبي الجهم يذكر ما كان بينهم بحرة واقم:
(الطويل)
رددنا بني العجماء [١١] عنا وبغيهم ... وأحمر عاد في الغواة الأشائم [١٢]
стр. 302
بحول من الله العزيز وقوة ... ونصر على ذي البغي حامي [١] المآثم [٢]
وذكر ابن زيد [٣] ذي الفضائل [٤] إنه ... له عادة يجري بدفع المظالم
أقام لنا منه قناة صليبة ... ولم يستمع فينا مقالة لائم [٥]
وأحضر فينا عاصم [٦] الخير نصره ... وما خار [٧] فرد مستغيث [٨] كعاصم
وزيد [٩] أتيناه فهش ولم يخم [١٠] ... لدن أن ندبناه ابن خير الفواطم [١١]
وآل سعيد [١٢] قد أثابوا بعزهم ... وآل عبيد الله [١٣] زين المواسم
فإن تلقني يوما تجدني مؤيدا ... بنصر الإله والكهول الخضارم [١٤]
سراقة [١٥] حولي والمؤمل كلها ... وفيهم قديما سابقات المكارم
أبينا فلم نعط العدو [١٦] ظلامة ... ونحمي حمانا بالسيوف الصوارم
ألم ينهكم ما قد أصاب سراتكم ... معا إذ لقيناكم بحرة وأقم
لقيتم رجالا لم يهابوا قراعكم ... ولم ينكلوا في المأزق [١٧] المتلاحم
стр. 303
فأجابه صخر بن أبي الجهم: (الطويل)
ألا أبلغا عني عبيدا [١] بأنه ... سيرجع عما قال مرجع نادم
أفارقت عزّا كنت أوسط أهله ... وصرت إلى خزي [٢] وذل ملازم
متى تدع في الخطاب [٣] لأمك منهم ... بحق يقين القول لا قول زاعم
وليس ابن زيد [٤] بالمناضل عنكم ... ولا عاصم [٥] والحلم مرسوس عاصم
ولا بمهين عرضه [٦] بحمائكم [٧] ... ونصركم منا ابن [٨] خير الفواطم
وأما السعيديون [٩] والبر منهم ... وأبناء [١٠] ذات المجد من آل دارم
فنحن بهم أوفى ويعطف ودهم ... شوابك أرحام النساء الأكارم
ونفزع في جل الأمور محالة ... إلى واقد [١١] ذي الفضل منا وسالم [١٢]
وإني امرؤ لم أدع غير مكذب ... مجاهرة في الغانمين ابن غانم [١٣]
وحولي من الأكفاء أكرم أسرة ... إذا عد في الأحياء أهل المكارم
стр. 304
بنو نضلة [١] الأخيار لا حي مثلهم ... وآل نعيم [٢] والذرى [٣] والغلاصم [٤]
أتنسون ما لاقيتم من شقائكم [٥] ... وجبنكم [٦] منا بحرة وأقم [٧]
ثم التقوا ليلة عند أحجار الزيت [٨] فافترقوا عن شجاج وجراح وآثار قبيحة، فقال في ذلك صخر بن أبي الجهم: (الرمل)
ازجروا طير حروب للموالي [٩] ... أبنحس [١٠] اطلعن [١١] أم بسعد
قد جرت نحسا لكم واحتوينا ال ... فوز منها مسعدين [١٢] كل جدّ
إن نكن ملنا عليكم بعضب [١٣] ... وعلوناكم بأرعن [١٤] معدّ [١٥]
فعلى [١٦] غير قلي وكينة [١٧] ... نسب منكم يصير [١٨] لبعد
стр. 305
هل رأيتم كابن هند [١] قرشيا [٢] ... لاه [٣] در الأحوذي [٤] ابن هند [٥]
هو فيها يوم شب للظاها [٦] ... كعفرني [٧] ذي زوائد [٨] [و-] [٩] ورد [١٠]
ومن الإعجاب [إذ-] [١١] أن حميدا [١٢] ... ذا ندى أقبل في شد ومد [١٣]
من يكن زوّد حمدا [و-] [١١] حميدا ... فله زاد [١٤] أتى [من] غير [١٤] حمد
ساق من نحو العراقين [١٥] إلينا ... بين حر بابلي [١٦] وعبد
وعبيد [١٧] يتمنى [١٨] لوفاتي [١٩] ... من لكم يا ابن زجاجة [٢٠] بعدي
стр. 306
إن مت تذكر غناء بمكاني [١] ... وتجد يا ابن زجاجة فقدي
فأجابه عبد الله وقال: (الرمل)
قال صخر الغي جهلا وما ين ... فك يأتي جهله من غير عمد
ذرو قول مفند جاء [٢] منه ... وله حذو المكافأة عندي
تلك حرب لكم وعليكم ... وهما الأمران ليسا برشد [٣]
ليس فيها حين يحضر جمع ... مرشد يهدي لأمر ويهدي
طيرنا طير السعود ومنها ... نحكم تجري [٤] لكم لا بسعد
بابن [٥] هند ما فخرتم علينا ... ولقد لاقى التباب ابن هند
إذ تولى الجمع منكم شلالا [٦] ... من شباب مترفين [٧] ومرد
كافر نعمى حميد وقد كا ... ن بجد الحي ساعة جد
كف عنه القوم حيث تردّى ... بئس شكر المرهق [٨] المتردي
ولقد ذقتم هناك نكالا ... ولقيناكم بحد وحرد [٩]
ثم إن عبد الله بن مطيع ركب ذات يوم يطلع غنما له وبلغ ذلك عبد الله [١٠] وسليمان ابني أبي الجهم فخرجا يرصدانه لرجعته، وأتى الخبر إخوتهما فخرجوا إليهما وتداعى الفريقان وانصرف ابن مطيع، فالتقوا بالبقيع [١١] فاقتتلوا، وتنوول ابن مطيع بعصا، فنالت مؤخرة السرج فكسرته، وأقبل
стр. 307
زيد بن عمر بن الخطاب ليحجز وينهى بعضهم عن بعض فخالطهم فضربه رجل منهم في الظلمة وهولا يعرفه ضربة على رأسه شجته [١] ، فصرع [٢] وتنادى القوم زيدا زيدا، فتفرقوا وسقط في أيديهم، وأقبل عبد الله بن مطيع فلما رآه صريعا نزل ثم أكب عليه فناداه: يا زيد! بأبي أنت وأمي- مرتين أو ثلاثا، ثم أجابه فكب ابن مطيع ثم حمله عل بغلته حتى أداه إلى منزله فدووي زيد من شجته تلك حتى أفاق [٣] وقيل قد برئ [٤] ، وكان يسأل من ضربه فلا يسمونه [٥] ، قال الحزامي: وسمعت أن خالد بن أسلم مولى عمر [٦] بن الخطاب ﵁ أصابه برمية وهو لا يعرفه، وهو أثبت من الأول، فقال في ذلك عبد الله بن عامر بن ربيعة [٧] العنزي حليف آل الخطاب: (الرجز)
إن عديا ليلة البقيع ... تفرقوا [٨] عن رجل صريع
مقابل [٩] في الحسب الرفيع ... أدركه شؤم بني مطيع
وقال عاصم بن عمر لأخيه زيد يذكر ما كانوا فيه: (الطويل)
مضى عجب من أمر [ما-] [١٠] كان بيننا ... وما نحن فيه بعد من ذاك [١١] أعجب
تعدى [١٢] جناة الشر [من-] [١٠] بعد إلفه ... رجونا وفينا فرقة وتحزّب
стр. 308
مشائيم جلابون للشر مصحرا ... وللغي في أهل الغواية مجلب
إذا ما رأينا صدعهم لم يلائموا [١] ... ولم يك فيهم للمزايل مرأب
ويأبى لهم فيها شراسة أنفس ... وكلهم مر النحيزة [٢] مصعب
فيا زيد صبرا حسبة [٣] وتعرضا [٤] ... لأجر ففي الأجر المعرض مركب
ولا تكتمن [٥] ما [٦] نالك اليوم إن في ... شبابك من يسعى بذاك [٧] ويطلب
ولا تأخذن [٨] عقلا [٩] من القوم إنني ... أرى الجرح يبقى والمعاقل [١٠] تذهب
كأنك لم تنصب [١١] ولم تلق أزمة [١٢] ... إذا أنت أدركت الذي كنت [١٣] تطلب
وقال محمد بن إياس بن البكير [١٤] حليف بني عدي بن كعب:
(الرمل)
إن ليلي طال والليل قصير ... طال حتى كاد صبح لا ينير
ذكر أيام عرتنا منكرات ... حدثت فيها أمور وأمور
زاد فيها الغي جهلا فترامى ... وتولى الحلم ذلا ما يحور [١٥]
فالذي يأمر بالغي مطاع ... والذي يأمر بالعرف دحير [١٦]
стр. 309
لقحت حرب عدي عن حبال [١] ... فرحى حربهم اليوم تدور
إن صخرا وصخيرا أرهقانا [٢] ... مفظعات عقبة [٣] الشر الشرور [٤]
قذفتنا بهم في كل يوم ... قلع مستردفات وصخور
ثم إن الشجة انتقضت بزيد بن عمر فلم يزل منها مريضا وأصابه بطن [٥] فهلك ﵀، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه وأمه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رحمة الله عليهم وكانت تحت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵇، مرضا جميعا وثقلا ونزل بهما وأن رجالا مشوا بينهما لينظروا أيهما يموت قبل صاحبه فيرث [٦] منه الآخر وأنهما قبضا في ساعة واحدة، ولم يدر أيهما قبض قبل صاحبه فلم يتوارثا.
وذكر عمرو بن جرير البجلي أن زيدا صمخ [٧] في صلاة الغداة فخرجت أمه وهي تقول: يا ويلاه! ما لقيت من صلاة الغداة، وذلك أن أباها وزوجها وابنها كل [واحد منهم-] [٨] قتل في صلاة الغداة، ثم وقعت عليه فرفعا ميتين، فحضر جنازتيهما الحسن بن علي عليهما الصلاة والسلام وعبد الله بن عمر ﵄، فقال ابن عمر للحسن ﵇: تقدم فصل على أختك وابن أختك، فقال الحسن لعبد الله بل تقدم فصل على أمك وأخيك، فتقدم ابن عمر فصلى عليهما صلاة واحدة وكبر أربعا. وقال محمد بن إياس بن
стр. 310
البكير [١] يرثي زيدا ويذكر أمرهم: (الوافر)
ألا يا ليت أمي لم تلدني [٢] ... ولم أك في الغواة لدى البقيع
ولم أر مصرع ابن [٣] الخير زيد ... وهدّ به [٤] هنالك من صريع
هو الرجل [٥] الذي عظمت وجلت ... مصيبته على الحي الجميع
كريم في النجار [٦] تكنفته [٧] ... عروق المجد والحسب الرفيع
شفيع الجود ما للجود حقا ... سواه إذا تولى من شفيع
أصاب الحي حي بني عدي ... مجللة [٨] من الخطب الفظيع [٩]
وخصهم لشقاء به خصوصا [١٠] ... لما يأتون من سوء الصنيع
بشؤم بني حذيفة [١١] إن فيهم ... معا نكدا وشؤم بني المطيع
وكم من ملتقى خضبت حصاه ... كلوم القوم من علق [١٢] نجيع [١٣]
ثم إن معاوية بن أبي سفيان لما تتابعت عليه أخبارهم أعظم الذي أتاه من ذلك وبعث إلى أبي الجهم بن حذيفة فأتاه بالشام فاحتفى به [١٤] وأكرمه وعتبة فيما بلغه عن بنيه وقومه وعزم عليه ليكفنّهم عما كانوا عليه حتى يصلح الذي بينهم ويعود إلى الأمر الجميل، وبعث إليه بمائة ألف درهم جائزة، فلما
стр. 311
وصلت إليه استقلها وقال: اللهم غيّر! ثم انصرف إلى المدينة قاطعا ذلك الأمر، واصطلح القوم وكف بعضهم عن بعض.
ولما هلك معاوية واستخلف يزيد وفد عليه أبو الجهم فيمن وفد عليه من قريش، فلما أراد أن يأمر بجائزته سأل كم كان معاوية أعطاه؟ فقيل له مائة ألف، فحط عنها عشرة آلاف وبعث إليه تسعين ألفا، فلما وصلت إليه استقلها وقال: اللهم غير! فلما هلك يزيد وفد أبو الجهم على عبد الله بن الزبير ليفرض له فأمر له بخمسة آلاف درهم، فلما وصلت إليه قال: اللهم لا تغير! فإنك إن غيرت جئتنا بقردة وخنازير، وقال الحزامي [١] : وسمعت أن ابن الزبير أعطاه عشرة آلاف درهم.
قال الحزامي: ولما خرج عبد الله بن الزبير وغلب على مكة وسار الحسين [٢] بن علي ﵉ إلى العراق بلغ يزيد بن معاوية أن عبد الله ابن مطيع قد أراد أن يثور بالمدينة وأشفق من ذلك فكتب إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو يومئذ عامله على المدينة يأمره أن يأخذ ابن مطيع فيحبسه في السجن قبله ويكتب إليه بذلك ليكتب إليه برأيه فيه، فأخذه الوليد فحبسه في السجن، فلبث [٣] فيه أياما، ثم إن عبد الله بن عمر بن الخطاب أقبل حتى جلس في موضع الجنائز بباب المسجد، فاجتمعت إليه رجال بني عدي بن كعب في أمر ابن مطيع، ثم بعث إلى الوليد بن عتبة أن ائتنا [٤] نذكر لك بعض شأننا، فأتاه الوليد فجلس فتكلم عبد الله بن عمر فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم أقبل على الوليد فقال: استعينوا بالله والحق على إقامة دينكم وما تحاولون من صلاح دنياكم ولا تطلبوا إقامة ذلك وإصلاحه بظلم البراء وإذلال الصلحاء وإخافتهم، فإنكم إن استقمتم أعانكم الله وإن جرتم وكلتم إلى أنفسكم، كفوا عن صاحبنا وخلوا سبيله فإنا لا نعلم عليه حقا فتحبسوه
стр. 312
عليه، فإن زعمتم بأنكم حبستموه على الظن والتهم فإنا لا نرضى أن ندع صاحبنا مظلوما مضيما [١] فقال الوليد: إنما أخذناه فحبسناه بأمر أمير المؤمنين فننظر وتنظرون ونكتب [٢] وتكتبون فإنه لا يكون إلا ما تحبون، فقال أبو الجهم: ننظر وتنظرون ونكتب وتكتبون وابن العجماء [٣] محبوس في السجن، أما والله حتى لا يبقى [٤] منا ومنكم إلا الأراذل لا يكون [٥] ذلك، فقام الوليد فانصرف، وخرج فتيان من بني عدي بن كعب فاقتحموا السجن، فلما سمع ابن مطيع أصواتهم ظن أن الوليد قد بعث إليه من يقتله، فوثب يلتمس شيئا يمتنع به ويقاتل، فلم يجد إلا صخرة ملء الكف، فأخذها ودخل أصحابه عليه فلما عرفهم طرحها وكبر واحتملوه فأخرجوه فلحق بابن الزبير. وبلغنا أن أبا الجهم بن حذيفة أدرك بنيان الكعبة حين بناها عبد الله بن الزبير فعمل فيها مع من كان يعمل فيها من رجال قريش ثم قال:
قد عملت في بنيان الكعبة مرتين مرة في الجاهلية بقوة غلام وفي الإسلام بقوة كبير فان، وقال أذينة [٦] بن [٧] معبد الليثي يمدح بني عدي بن كعب ويذكر تخليصهم [٨] عبد الله بن مطيع من السجن: (البسيط)
عزت عدي بن كعب في الكياد [٩] ومن ... كانت عديّ له أهلا وأنصارا
نجّت عدي أخاها بعد ما خصفت [١٠] ... له المنية أنيابا وأظفارا
تأبى الإمارة إلا ضيم سادتها ... والله يأبى [١١] لها بالضيم إقرارا
стр. 313
ومن يكن من عدي ينتزح [١] بهم ... عن الأذى أو نزيلا فيهم جارا
فكم ترى فيهم يوما إذا حضروا ... ذوي بصائر [٢] في الخيرات أبرارا
وسادة فضلوا مجد ومكرمة ... ساسوا مع الحلم أحسابا وأخطارا
يعم بذلهم الأحياء قاطبة ... كالنيل [٣] يركب بلدانا وأمصارا
بهم ينال أخوهم بعد همته ... وتقتضي بهم الأوتار [٤] أوطارا [٥]
وذكر الحزامي عن ابن شهاب [٦] أن أبا الجهم بن حذيفة قال: ليلة أتى بابنه محمد بن أبي الجهم مقتولا حين قتله مسرف [٧] وذلك أن مسلم بن عقبة المرّي لما قتل أهل الحرة [٨] وظفر بالمدينة أخذ الناس بالبيعة ليزيد ابن معاوية [٩] على أنهم [٩] عبيد قنّ ليزيد، فأبى ابن أبي الجهم أن يبايع على أنه عبده، فقدّمه فضرب عنقه، فلما رأى الناس ذلك بايعوا على ذلك، وأتى [١٠] بعلي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب فقال له: بايع على أنك عبد قن، فثار الحصين بن نمير الكندي ثم السكسكي وكان معه من كندة أربعة آلاف فقال: والله لا يبايع ابن أختنا على هذا أبدا، فخشي أبو مسلم أن ينتشر عليه أمره، فبايعه على أنه ابن عمر أمير المؤمنين، ورده مسلم إلى منزله على بغلته وسأله أن يرفع إليه حوائجه، وبايع سائر الناس عل أنهم عبيد- والله ما وترت [١١] قط إلا الليلة، وعنده ناس من بني أمية فيهم ختنه
стр. 314
على ابنته أمية بن عمرو بن سعيد وعنده يومئذ سعدى [١] بنت أبي الجهم فقال أبو الجهم: إنكم يا بني أمية تظنون أن دمي في بني مرة [٢] لا [٣] والله ما دمي هنالك، ولا أجد لي ولكم مثلا إلا ما قال القائل [٤] : (الطويل)
ونحن لأفراس أبوهن واحد ... عتاق جياد ليس فيهن مجمر [٥]
وما لكم فضل علينا نعده [٦] ... سوى أنكم قلتم لنا نحن أكثر
ولستم بأثرى في العديد لأننا ... صغار وقد يربو الصغير فيكبر
قال: فلما خرجت بنو أمية في خرجتهم الآخرة إلى الشام جمع حميد بن أبي الجهم رجالا من قريش وغيرهم فأدخلهم دار أبيه أبي الجهم بن حذيفة وقال تصيبون ثأركم من بني أمية يريد بدماء من قتل مسلم بن عقبة يوم الحرة منهم فجمعهم حتى كانوا [٧] قريبا من مائة رجل، منهم عبيد الله بن علي بن أبي طالب ﵉ وعبد الله بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وسلمة بن عمر بن أبي سلمة ومحمد بن معقل بن سنان الأشجعي وعمر بن شويفع بن عثمان بن حكيم السلمي حليف بني عبد شمس ويحيى بن عبد الرحمن بن سعد في رجال كثير فأدخلهم الدار عشاء عليهم الحديد، فأقبل أبو الجهم من صلاة العشاء وهو يومئذ ابن مائة سنة ونيف، فقال: أصبح غدا أكرم قريش واستسمن ولا تقتلن [٨] بأخيك إلا رجلا سمينا، ثم دخل البيت وصبر ساعة لا يسمع الهائعة [٩] فخرج خرجة فنادى: حميد- أي حميد!
стр. 315
اعضض ببظر أمك، ما لي لا أسمع الهائعة [١] ، قال: يا أبتاه! لا تعجل فو الله! إني لفي طلبهم والتماسهم، ثم رجع فلبث ساعة فأبت نفسه أن تقره، فخرج فنادى: أي حميد، اعضض ببظر أمك: (الوافر)
[و-] [٢] لو كنت القتيل وكان [٣] حيا ... لقاتل لا أنف [٤] ولا سؤوم
فلم يزل ذلك شأنهم يمشون في الأزقة يبتغون الغرة منهم ولا يجدونها حتى أرسلت بنو أمية حسان بن كعب المحنث مولى أبي الجهم فقالوا: اعلم لنا ما في دار أبي الجهم، فانطلق حتى أبصر الكتيبة في سقيفة الدار، فرجع إلى القوم يولول، فقال: الداهية في دار أبي الجهم فاسلكوا بطحان [٥] ، فسلكوا تلك الطريق وأغار حميد على دار يعقوب [٦] بن طلحة بالبلاط وفيها حمس أهل الشام وعلى دار ابن عامر [٧] برومة [٨] فانتهب ذلك كله ثم إن ابن الزبير لما بلغه ذلك كتب [٩] إلى حميد أنه بلغني أنه لم يكن بالمدينة أحد حي غيرك فانتدب فيمن اتبعك من الناس، فاتبع آثارهم فإنهم يتساقطون تساقط الينّع [١٠] فاطلبهم ما بينك وبين وادي القرى [١١] فأصب [١٢]
стр. 316
منهم ومن أموالهم ما قدرت عليه، فبينا هو يتجهز إذ أتاه كتاب [١] منه آخر أن أبطئ عنهم يومك حتى [٢] أكتب إليك [٢] ، فإنه أخبر [٣] أن عمرا وعمر [٤] ابني عثمان قد لويا أعناقهما على ابن الزبير، فحمله ذلك على الانصراف عن بني أمية.
ابن شهاب قال: اقتتل محمد بن أبي الجهم وأبو يسار [٥] بن عبد الرحمن ابن شيبة بن ربيعة فصرعه محمد بن أبي الجهم فوطئ على بطنه فأسلحه، فسجنه مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير المدينة فقال: أسلحت سيدنا ورجلا منا فو الله لا تنفلت مني حتى أسلحك، فأوطأ بطنه الرجال، فصاح محمد:
يا مروان! إن استى [٦] مؤكاة ولست من أستاهكم، فقالت أم أبان [٧] :
لا توطئ بطنه فإنه والله ما كان يسلح، فأرسله. قال: وخطب مروان بن الحكم إلى أبي الجهم ابنته سعدى على أخيه يحيى بن الحكم وكان ممن مشى في ذلك مليكة بنت خارجة بن سنان بن أبي حارثة وسارية بنت عوف أخت سعدى وأم يحيى فأبى أبو الجهم، وعمرو [٨] بن سعيد والي المدينة يومئذ، فأرسل ابن قطن مولى [٩] أبي الجهم فأمره أن يطلع رأى أبي الجهم في ابنه [١٠] أمية بن عمرو [١٠] وخشي أن يرده كما رد مروان، فذهب ابن قطن فاطلع رأي أبي الجهم، فقال أبو الجهم: سأنظر قي ذلك، ودعا أبو الجهم
стр. 317
ابنه حميدا فقال له: [١] ابن أبي أحيحة [١] أحب إليك أم [٢] ابن خالتك يحيى بن الحكم؟ فقال له: أنت أبصر وأعلم، ثم جرت الرسل بينهم حتى وعدهم أبو الجهم، فأرسل إلى عبد الله وعاصم ابني عمر [٣] وعبد الله بن مطيع في رجال من بني عدي بن كعب، وجاء عمرو بن سعيد في رجال من بني آل سعيد وبني أمية فجلس مع أبي الجهم على السرير وقال: هل تنتظرون من أحد؟ فقال أبو الجهم: ننتظر محمد بن أبي الجهم، اذهب يا غلام! فادع لنا محمدا، فذهب إليه، فقال: لا والله لا أشهدها ولا نكاحها، وعبد الله بن مطيع عند رجليه وصخر بن أبي الجهم عند رأسه فأرسل إلى محمد أني أعزم عليك أن تأتينه، فأقبل يمشي حتى قام بين الناس وقال: انكح أيها الرجل ابنتك، فو الله لا أدخل في شيء من ذلك ولا أشهد نكاحها، وذلك لشيء كان بينه وبين عمرو بن سعيد، ثم تكلم عمرو فذكر ما كان بين أبي الجهم وبين آل سعيد بن [٤] العاص وعظم من بيت أبي الجهم وشرفه، ثم تكلم أبو الجهم فذكر عنهم حتى قال: كنتم بيت قومكم وكان شبهكم فيهم شبه الدخنة في قشرها فأخذ ابن مطيع برجله وقال: حسبك يرحمك الله! قال: دعني يا عبد الله بن مطيع! فاني والله ما أنا من الذين [٥] ينفسون [٦] على العشيرة ولا يتشوفون [٧] لهم، فلم يزل ذلك من ابن مطيع حتى رده عن بعض ما يقول، فجعل عمرو بن سعيد ينظر إلى صخر بن أبي الجهم ويقول: يا صخر! انظر إلى هذا وما يصنع ثم أنكحه.
ابن شهاب قال: قدم أبو الجهم بن حذيفة على معاوية وقد كان بينه
стр. 318
وبين ثقيف ملاحاة فقال له معاوية: يا أبا الجهم! ما لك ولثقيف يشكونك [١] إلي؟ فقال [٢] : ما أعجبك! والله لا أصالحهم حتى يقولوا قريش وثقيف وليتا [٣] وج [٤] ولا يحبون منا إلا أحمق ولا يحبهم منا إلا أحمق وبذلك [٥] نعتبرك من حمقانا [٥] وقال في قدمة قدمها عليه أخرى [٦] وافدا: يا أبا الجهم! ألم أفرغ من حاجتك؟ قال: بلى غير شيء واحد ذكرته لا بد لي منه، قال: فهلمه، قال:
إن بني بكر [٧] يتكثرون علينا بأرضنا [٨] فابعث إلى بني سامة بن لؤي فاخطط لهم دون الخندق فاجعلهم جناب بني بكر وارزقهم من القرى: خيبر [٩] وفدك [١٠] ووادي [١١] القرى، قال: نعم، وماذا زعمت أيضا؟ قال: وإن ثقيفا يتكثرون علينا بوجّ فأكثر من الروم والفرس فأكثر من الروم والفرس حتى تأكلهم بهم، فقال معاوية: مرحبا بك وأهلا! فو الله إن كنت لأحب موافقتك على ما سألتني، أما بنو بكر فقد ملأتكم [١٢] مقاتلة [١٣] وكتائب [١٤] حتى أن الواحد
стр. 319
منكم [١] ليغضب مغضبة [١] فيرسل إلى [٢] أحدهم فيقاد [٣] فيصنع به ما أراد، فارجع فاطلع، فان ابتغيت الزيادة [٤] زدتك، وإن رضيت فالله يرضيك [٥] ، وأما ثقيف فقد رأيت ما صنعت فيهم أخرجتهم من قرار أرضهم وألحقتهم بالشواهق من السراة، وقالوا: افرض لنا بالعراق، فأبيت [٦] ذلك عليهم، وقلت: لا والله إلا بالشام أرض المطواعين لأريحك ونفسي منهم حتى جعلت أموالهم كلها لقريش وملأت الأرض فرسا وبرذونا، فارجع فاطلع، فان رأيت ما يرضيك فالله يرضيك إلا فاكتب إليّ أزدك.
الحزامي قال ابن شهاب: لقي إسماعيل بن [خالد بن-] [٧] عقبة بن أبي معيط عيسى بن عبد الله بن شتيم [٨] فشجه بالهراوة شجة مأمومة [٩] ، ثم مر على سالم مولى ابن مطيع فانتزع سالم منه الهراوة التي شج بها [١٠] عيسى بن عبد الله [١٠] فشجه بها، ثم إن بني عقبة بن أبي معيط ثاروا إلى دار بني مسعود بن العجماء [١١] التي بالسوق وفيها سالم أبو الغيث [١٢] فأخبروا بني عدي [١٢] بحصارهم سالما، فالتقوا بالسوق فاقتتلوا واشتد قتالهم، ثم حجز بينهم فلبثوا حينا، ثم إن عبد الله بن مطيع خرج إلى السوق فعرض له إسماعيل بن خالد [١٣] بالسيف صلتا حتى ضربه في رأسه ضربة بلغت العظم، ثم إن بني
стр. 320
أمية أتوا بإسماعيل إلى ابن مطيع، فقالوا: ها هو ذا نرضيك ونمكنك منه، فقال ابن مطيع: ما أنا بفاعل حتى أشاور [١] أبا الجهم، فأرسل إلى أبي الجهم ما ترى فيه فإنهم قد أمكنوني من حقي، فأرسل إليه أبو الجهم: إن كانوا أعطوك يده تقطعها فاقبل منهم واقبضه حتى ترى فيه رأيك، وأرى إن فعلوا ذلك أن تكسوه حلّة وقميصا وتعفو عنه [٢] وترسله، فأعطوه ذلك، فأرسله عشية ذلك اليوم وكساه حلّة، فلبث الناس سنين ثم إن [ابن-] [٣] سليمان بن [٤] مطيع قدم من مصر فدخل حمام ابن عقبة [٥] فوجد فيه الحارث بن عبد الرحمن بن الحكم فتلاحيا [٦] فلج السباب [٧] بينهما، فقال له الحارث [٨] : ألا أراك تسبني وقد ضربنا عمك [٩] الضربة التي صارت مثل حر البقرة، فقال الآخر [١٠] : لا أستطيع لعمري أسابك بعد هذا، فلما خرج [ابن-] [١١] سليمان من الحمام دخل على حميد بن أبي الجهم فقال: ألم تر ما لقيت من الحارث بن عبد الرحمن؟ ثم أخبره بما كان بينهما في الحمام وما قال له، فخرجا حتى دخلا على محمد بن أبي الجهم فقص عليه الخبر، فقال له محمد: أبعدك الله وأبعد عمك! فقد والله كنت أظن أنهم سيعتدونها عليكم، أرسل يا [١٢] حميد! إلى سيفي القائم القاعد فأعطه هذا فليضرب خالد [١٣] بن