سعيد السكري قال حدثني به علي بن محمد النوفلي قال حدثنيه أبي عن مشايخه قالوا: خرج الحارث بن عبد المطلب في نيف وعشرين ومائة من قريش وغيرهم من حلفائهم يريدون الشام في تجارة، فلما انصرف نزل بموضع يقال له ذو ضال ويدعى القصيبة وهو ماء لبني سعد تميم، فوافق نزوله الماء أن أغار [١] رجلان [٢] من عجل وشيبان يقال لأحدهما عمرو والآخر عوف فيمن معهما من قومهما فأغاروا على الماء وأهله خلوف [٣] ليس غير النساء والصيبان فسبوا وساقوا المال، فجاءت امرأة من بني سعد يقال لها عاتكة قد سقط نصيفها [٤] عن رأسها إلى الحارث وأصحابه فناشدتهم رحم خندف لما أغاثوها، فندب الحارث أصحابه فأجابوه، فقاتلهم قتالا شديدا فأنكر العجليون والشيبانيون لغاتهم فقالوا: والله! ما أنتم من بني سعد فمن أنتم؟ قال لهم الحارث: نحن قريش، قالوا: يا معشر [٥] قريش! ما لنا ولكم، نحن قوم من أهل دينكم ونحج حرمكم وبيتكم، قال الحارث: فلا تؤثمونا في/ ديننا، فإن في ديننا منع الجار، لكم النعم وخلوا السبايا، فأبوا، فقاتلهم أشد القتال وجرح الحارث يومئذ عشرين جراحة وأسر عمرا أحد الرئيسين وانهزم القوم وأصاب الحارث قتيلا من بني سعد وقد كان متخلفا مع النساء فدفع الحارث إلى السعديين [٦] الرئيس الذي أسره بقتيله الذي قتل منهم ثم أنشأ يقول:
(البسيط)
أبلغ قريشا إذا ما جئتها [٧] منا [٨] ... أن الشجاعة منها والندى خلق
стр. 352
لولا فوارس من كعب [١] ذوو شرف ... يوم القصيبة لما احمرت الحدق [٢]
أمست نساء بني سعد يقودهم ... ليث لأقرانه في الحرب معتنق
فكم ترى يوم ذاكم من مولولة [٣] ... إنسان مقلتها في دمعها غرق
لما رأونا بذي ضال [٤] نقيم لهم ... ضربا لها له أمهات الهام تنفلق
ولت جماعة شيبان ينقّلها ... جرد مقدّحة [٥] أقرابها [٦] لحق [٧]
وأفلت المرء عوف غير منفلت ... يعدو به سابح الرجلين منطلق
وأصبح المرء عمرو [٨] بعد صولته ... بهم ذليلا أسيرا قيده قلق
وقالت عاتكة السعدية: (الطويل)
جزى [٩] الله خيرا والجزاء بكفه [١٠] ... فوارس حيي عبد شمس وهاشم
وأهل «العلى تيم بن مرة إنهم ... ولاة المساعي [١١] والأمور العظائم
/ هم ذببوا [١٢] عنا ربيعة كلها ... بصم [١٣] القنا والمرهفات الصوارم
وأصبح عمرو عانيا [١٤] في ديارنا ... أسير تعنّيه [١٥] حلاق الأداهم [١٦]
стр. 353
فلا تكفروا [١] سعد خراطيم [٢] غالب [٣] ... قريش العلى ما حج أهل المواسم
وقدم الحارث على عبد المطلب بمكة [٤] وخبّر ما كان منه فسرّ بذلك ونحر الجزر وأطعم الناس
. قدوم أوس بن حجر مكة ونزوله على أبي جهل
قال قدم أوس بن حجر التميمي مكة على أبي جهل بن هشام المخزومي فمدحه فقال له أوس: إني أحب أن أنظر إلى قومك، فبعث أبو جهل إلى فتيان قومه أن لا يحضر أحد منكم المسجد إلا في أجود ما يقدر عليه من الثياب، فلبسوا القطر [٥] والأتحمى [٦] والمورّس من البياض، فجعل أوس لا يرى حلة حسنة ولا ثوبا فاخرا فيسأل عنه إلا قالوا: من بني المغيرة [٧] فعظم بنو المغيرة عنده وازداد فيهم رغبة، ثم أمر أبو جهل بطعام فصنع فدعا أوسا وقومه فتقدموا ثم خرجوا إلى المسجد فبينما هم في الطواف إذ طلع عبد المطلب بن هاشم في محفة حوله بنوه، فنظر أوس إلى شيخ أبيض كأنه فضة طول وجهه ذراع وإذا فتيان يحملون محفته بيض طول كأنهم الرماح لم ير صورا تشبهها، فجعل ينظر إليهم وجعل أبو جهل يشغله بالحديث عنهم وجعل أوس يتطلع [٨] / إليهم لما يرى من هيئة الشيخ وحسنه وكمال صورته وما يرى من تمام فتيته وشطاطهم [٩] وحسن وجوههم وكمال هيئتهم فقال: يا أبا الحكم! من هذا الشيخ وهؤلاء الفتية؟ والله! ما رأيت شيخا أجمل ولا أكمل ولا أطول ولا
стр. 354
فتية أفصح ولا أصبح وأرجح، قال أبو جهل: قد رأيته، هذا عبد المطلب وبنوه هذا من لا تعتقد معه قريش شرفا ما بقي فلا أبقاه الله
حلف جحش [١] بن رئاب [٢] أمية ومصاهرته عبد المطلب
قال: لما قدم جحش [١] بن [٣] رئاب [٢] بن يعمر الأسدي [٤] مكة حالف أمية بن عبد شمس فقيل له تركت أشرف منهم وأعظم عند قريش قدرا عبد المطلب بن هاشم، قال: أما والله! لئن فاتني حلفه لا يفوتني صهره، فخطب أميمة بنت عبد المطلب فزوجه إياها
. حديث مجلس القلادة
قال: كان أشراف من أشراف قريش وغيرهم يجتمعون في مجلس فيه أبناء المهاجرين وكان ذلك المجلس يسمى القلادة يشبه بالقلادة المنظومة بالجواهر لحسنه وجماله وشرف أهله، وكان معاوية إذا قدم عليه قادم سأله عن مجلس القلادة عناية منه به، فذكروا أنه حلت [٥] لتاجر على ابن أبي عتيق [٦] ستة آلاف درهم فأتاه يقتضيه، فقال له ابن أبي عتيق:
ما هي/ عندي ولكن إذ قعدت في مجلس القلادة فسلني عن بيت بني عبد مناف، فجاء ابن أبي عتيق حتى جلس إلى جانب الحسن بن علي ابن أبي طالب ﵉، فقال التاجر لابن أبي عتيق: يا أبا محمد! أخبرني عن بيت بني عبد مناف، فقال له: آل حرب، أشركوا فأشرك الناس وأسلموا فأسلم الناس، قال: ثم من؟ عافاك الله! قال: بنو العاص، أكثر الناس شهيدا ورجلا شريفا، قال الرجل: يا سبحان الله! فأين بنو عبد المطلب؟ قال له: يا أحمق! إنما سألتني عن بيوت الآدميين ولو سألتني عن
стр. 355
وجوه [١] الملائكة لأخبرتك عن بني عبد المطلب، فيهم رسول الله صلى الله عليه وفيهم أسد الله [٢] وفيهم الطيار في الجنة، فقال الحسن ﵇ أقسم بالله عليك! إن لك حاجة يا أبا محمد؟ قال: إي والله! عليّ لهذا الرجل ستة آلاف، قال: قد قضاها الله عنك، هي علينا دونك، فلم تزل ذلك المجلس ملتئما يحضره عبد الله بن العباس وعبيد الله بن عدي بن الخيار بن نوفل وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وأبو يسار [٣] [ابن-] [٤] عبد الرحمن بن عبيد الله بن شيبة بن ربيعة بن عبد شمس وموسى بن طلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عبد القاري، ويجلس معهم فيه سراة الناس وأشرافهم، فقال [٥] معاوية: لن تبرح المدينة عامرة ما دام مجلس القلادة، فاجتمعوا ليلة كما كانوا يجتمعون فقال [٦] عبيد الله [٦] بن عدي وذكروا الصحابة فقال: ما رأيت كبلاغة علي ﵇ وفقهه، فقال أبو يسار:
كأنك لم تر معاوية،/ فو الله ما رأى معاوية إلا إنسان ولا قلبه إلا إنسان- وأطنب في معاوية، فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر: كأنك لم ترى عمر وعدله وكماله، فقال عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة [٧] كأنكم لا ترون فضلا إلا في المهاجرين فو الله ما عدا أن أسلموا [٨] فما كانوا، ألم تر الحارث بن هشام [٩] ؟ فقال موسى بن طلحة: وإنك لههنا تذكرهم مع
стр. 356
المهاجرين فو الله ما هم إلا عبيدهم اعتقوهم [١] عتاقة بعد أن أحاطوا بهم [٢] وقدروا عليهم، وتواثبا فحال القوم دونهما وحلف عبد الرحمن ليخبرن مروان بن الحكم أنه جعله عبدا وجعل معاوية عبدا، فجاء موسى بيت عائشة ﵂ وخشي مروان وحده، ففتحت له بريرة [٣] الباب، فدخل وعائشة نائمة [٤] ، وكانت عائشة خالته من الرضاعة، كانت أسماء [٥] أرضعت موسى بن طلحة وكانت عنده بنت [٦] عبد الرحمن بن أبي بكر أخيها، فلما صلى الصبح وعائشة لا تدري بمكانه، وصلى مروان فجلس [٧] على المنبر وقال: أين هذا الذي يزعم أن أمير المؤمنين عبد عتيق لأفعلن ولأفعلن، وكانت عائشة لا تتكلم [٨] حتى تطلع الشمس، فلما طلعت الشمس قال: يا بريرة! ما بال [٩] مروان وما يقول؟ فطلع عليها موسى فقال: إياي يعني، وأخبرها الخبر، فقالت: وا ثكلاه [١٠] أينكر [١٠] مروان أن يكون رسول الله ﷺ أظل عليهم عفوه ثم وهب لهم أنفسهم؟ فيا مريوان [١١] ! ورفعت صوتها وقالت: انطلق إلى منزلك، فقال لها: اني أخاف/ مروان، فقالت: [١٢] أهو يتعرض لك [١٢] جهده! فخرج موسى وبلغ مروان قول عائشة فكتب [١٣] بذلك الأمر كله إلى معاوية، فلما قرأه معاوية قال: فسد والله مجلس القلادة، لعن الله مروان! وكتب إليه أن لعنك الله ولعن خطبتك وجلوسك على منبر رسول
стр. 357
الله ﷺ تخبر أن زاعما زعم أنا عبيد، فإذا بلغك كتابي هذا فلا تذكرن من هذا الحديث شيئا ولا تعرض له [١] بذكر واكفف عن صاحبه، وتفرقوا من تلك الليلة فلم يعودوا لذلك المجلس
. مقتل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وعلته [ ٢]
ذكر ابن الكلبي عن خالد بن سعيد [٣] عن أبيه أن معاوية لما أراد أن يبايع [٤] ليزيد قال لأهل الشام: إن أمير المؤمنين قد كبرت سنه ودنا من أجله وقد أردت أن أولي الأمر رجلا بعدي فما ترون؟ فقالوا: عليك بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة، وكان فاضلا، فسكت معاوية وأضمرها في نفسه، ثم إن عبد الرحمن اشتكى فدعا معاوية ابن أثال [٥] وكان من عظماء الروم وكان متطببا يختلف إلى معاوية فقال: ائت عبد الرحمن فاحتل [٦] له، فأتى عبد الرحمن فسقاه شربة فانخرق عبد الرحمن ومات، فقال حين بلغه موته: لا جدّ إلا من أقعص [٧] عنك من تكره، فبلغ ابن أخيه خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد الخبر فقال لمولى له يقال له نافع وكان روميا وكان من أشدّ الناس قلبا وخالد/ بن المهاجر يومئذ بمكة وكان سيء الرأي في عمه عبد الرحمن وذلك أن المهاجر كان مع علي كرم الله وجهه فقتل يوم صفين [٨] وكان خالد بن المهاجر مع بني هاشم في الشعب زمن ابن الزبير فقال لمولاه نافع: انطلق معي،
стр. 358
فخرجا حتى أتيا دمشق ليلا وسألا [١] عن أبي أثال فقيل هو عند معاوية وإنما يخرج في جوف الليل، فجلسا له حتى خرج في جماعة فشد خالد فانفرجوا له فضربه بالسيف فقتله وانصرفا فاستخفيا، فلما أصبح معاوية قصوا عليه القصة فقال: هذا والله خالد بن المهاجر! وأمر بطلبه فطلبوه حتى وجدوه [٢] هو ونافع، فلما أدخل على معاوية قال: أقتلته؟ لا جزاك الله من زائر خيرا! فقال خالد: قتل المأمور وبقي الآمر، فقال معاوية: والله لو كان تشهّد مرة واحدة لقتلتك، فقال خالد: أما والله! لو كنا على السواء، فقال معاوية: أما والله! لو كنا على السواء كنت معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية وكنت خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة وكانت داري بين المأزمين [٣] ينشق عنها الوادي [٤] وكانت دارك بأجياد [٥] أسفلها حجر [٦] وأعلاها مدر [٧] ، وأمر بنافع فضرب مائة سوط [٨] ولم يضرب خالدا، ثم أمر بهما فأخرجا من دمشق وقضى في ابن أثال باثني عشر ألفا، فودتها بنو مخزوم، فأخذ معاوية منها ستة آلاف فأدخلها بيت المال، فلم تزل الدية كذلك للمعاهدين حتى ولي عمر بن عبد العزيز ﵀ فأبطل النصف الذي/ كان يأخذه السلطان،
стр. 359
فدخل كعب بن جعيل [١] التغلبي [٢] وكان صديقا لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد على معاوية، فقال معاوية [٣] : إن هذا كان صديقا لعبد الرحمن فما الذي قلت فيه؟ قال: قلت: (الوافر)
ألا تبكي وما ظلمت قريش ... بأعوال البكاء على فتاها
ولو سألت دمشق وأرض حمص ... وبصرى [٤] من أباح لكم قراها [٥]
فسيف الله أدخلها المنايا ... وهدّم حصنها وحمى [٦] حماها
وأسكنها معاوية بن حرب [٧] ... وكانت أرضه أرضا سواها
قال ابن الكلبي: كان عروة بن الزبير كثيرا ما يعير خالد بن المهاجر بقتل عمه عبد الرحمن ولم يثأر [٨] به، فلما قتل خالد بن أثال أنشأ يقول:
(الطويل)
قضي لابن سيف الله بالحق سيفه ... وعطل من حمل التراقي [٩] رواحله
فان كان حقا فهو حق أصابه ... وإن كان ظنا فهو بالظن فاعله
سل ابن أثال هل ثأرت ابن خالد ... فهذا ابن جرموز [١٠] فهل أنت قاتله
فقال عروة: أين ابن جرموز حتى أقتله.
стр. 360
حلف المقداد بن الأسود بن عبد يغوث
ذكر هشام أن عمرو بن ثعلبة البهراني [١] أبا المقداد صاحب رسول الله صلى الله عليه أصاب دما في قومه فلحق بحضرموت وتزوج امرأة من الصّدف [٢] / من بطن يقال لهم بنو شكل [٣] ولها ولد ستة أو سبعة من ابن عم لها، فولدت له المقداد فجرى بين إخوته لأمه وبين أبي شمر [٤] حجر [٥] بن مرة وكان قيلا من أقيال حضرموت يقال له الاذمري [٦] كلام فشد المقداد على أبي شمر فضربه بالسيف على رجله فعرج، وهرب المقداد إلى مكة، وغنم أبو شمر وأصحابه أصحاب المقداد، فقال أبو شمر [٧] : (الطويل)
ونحن هزمنا الجيش [٨] جيش ابن ضجعم [٩] ... ونحن قتلنا عامرا وابن مالك
ونحن قتلنا من يريد خيارنا ... ونحن أتانا سبي سعد وماسك
وأفلتنا المقداد والليل دامس [١٠] ... كأن على أثوابه حيض عارك [١١]
стр. 361
فان ينجك اليوم الفرار فلم يزل ... بك الفر مني هيبة في فؤادك
فدخل المقداد مكة فنظر إلى الرجل يطوف بالبيت متقلدا سيفين فقال:
ما تقلد هذا سيفين إلا وهو منيع، فسأل عنه فقيل هذا الأسود بن [١] عبد يغوث بن عبد مناف بن زهرة، فأتاه المقداد وأخبره وسأل أن يحالفه وأن يجيره، ففعل الأسود فكان يقال المقداد بن [١] الأسود حتى أمر النبي صلى الله عليه بأن [٢] ينسبهم إلى آبائهم، أراد ضجعم [٣] بن حماطة [٤] بن سعد بن سليح بن بهراء ومالك بن سليح كانا رئيسين يومئذ وسعد بن سليح وماسك بن سليح
. الندماء من قريش [ ٥]
/ كان عبد المطلب نديما لحرب بن أمية حتى تنافر إلى نفيل بن عبد العزى، فلما نفّر عبد المطلب تفرقا، ومات عبد المطلب قبل الفجار وهو ابن مائة وعشرين سنة، فنادم حرب [٦] بن [أمية-[٧]] عبد الله بن جدعان التيمي، وكان أبو أحيحة [٨] سعيد بن العاص [٩] بن أمية نديما للوليد بن المغيرة
стр. 362
المخزومي، وكان معمر [١] بن حبيب [بن وهب-] [٢] بن حذاقة بن جمح نديما لأمية بن خلف الجمحي، وكان عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية نديما للأسود [٣] بن عبد يغوث الزهري، وكان أبو طالب بن عبد المطلب نديما لمسافر بن أبي عمرو بن أمية فمات مسافر فنادم أبو طالب بعده عمرو بن عبد ود بن نضر [٤] بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، قتله [٥] علي بن أبي طالب ﵇ يوم الخندق، وكان عتيبة بن ربيعة بن عبد شمس نديما لمطعم [٦] بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وكان أبو سفيان بن حرب نديما للعباس بن عبد المطلب، وكان الفاكه بن المغيرة نديما لعوف بن عبد عوف بن الحارث [٧] بن زهرة [٨] ، وكان زيد بن عمرو بن نفيل ابن عبد العزى نديما لورقة [٩] بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان شيبة ابن ربيعة بن عبد شمس نديما لعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وكان العاص بن سعيد بن العاص بن أمية نديما للعاص بن هشام بن المغيرة المخزومي/ وكانا يدعيان أحمقي قريش، قتل علّي ﵇ العاص بن هشام [١٠] يوم بدر وكان خرج بديلا لأبي لهب، وذلك أن قريشا لما خرجوا إلى عيرهم أخرجوا بني هاشم لحرب رسول الله ﷺ مكرهين، فمن لم يخرج منهم أخرج بدله رجلا، وكان أبو لهب قامر العاص بن هشام
стр. 363
فقمره أبو لهب ماله فكان له عبدا فجعله قينا [١] ثم أخرجه بديلا فقتل يوم بدر، وكان أبو لهب نديما [٢] للحارث بن نوفل [٢] بن عبد مناف بن قصي، وكان الوليد بن عتبة بن ربيعة نديما للعاص بن منبه بن الحجاج السهمي فقتلهما علي ﵁ يوم بدر، وكان ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري نديما لهبيرة بن أبي وهب المخزومي، وكان أبو جهل وهو عمرو بن هشام بن المغيرة نديما للطريد وهو الحكم بن أبي العاص بن أمية، وكان الحارث بن هشام بن المغيرة نديما لحكيم بن حزام بن خويلد، وكان حكيم ولدته أمه في الكعبة، وكان العاص بن وائل [٣] بن هاشم [٤] ابن سعيد [٥] بن سهم نديما لهشام بن المغيرة أبي أبي جهل بن هشام، وكان نبيه [٦] بن الحجاج بن عامر السهمي نديما للنضر بن الحارث أحد بني عبد الدار، قتله رسول الله ﷺ يوم بدر صبرا، وكان زنديقا مؤذيا لرسول الله ﷺ ، وكان عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي نديما لحنظلة بن أبي سفيان، قتل حنظلة يوم بدر كافرا، وكان الزبير بن عبد المطلب/ نديما لمالك [٧] بن عميلة [٨] بن السبّاق [٩] بن عبد الدار، وكان الأرقم بن نضلة بن هاشم بن عبد مناف نديما لسويد بن هرمي [١٠] بن عامر الجمحي، وكان سويد أول من
стр. 364
وضع [١] الأرائك [٢] وسقى اللبن والعسل بمكة لا عقب له، وكان الحارث بن حرب بن أمية نديما للعوام [٣] بن خويلد بن أسد، وكان الحارث بن أسد بن عبد العزى نديما لعبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكان أبو البختري العاص بن هاشم بن الحارث بن أسد نديما لطلحة بن أبي طلحة بن عبد الدار، قتل أبا البختري المجذر [٤] بن ذياد [٥] البلوي يوم بدر وقتل علي ﵇ طلحة يوم أحد، وكان منبه بن الحجاج بن عامر السهمي نديما لطعيمة [٦] بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، قتل طعيمة يوم بدر، وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب نديما لعمرو بن العاص بن وائل [٧] السهمي، وكان أبو أمية بن المغيرة المخزومي نديما لأبي وداعة [٨] بن ضبيرة [٩] بن سعيد [١٠] بن سهم وكانا يسقيان العسل بمكة بعد سويد بن هرمي، وكان أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة نديما لقيس [١١] بن عدي بن سهم وله يقول الشاعر: (الرجز)
في بيته في بيته يؤتى الندى ... كأنه في العز قيس بن عدى
стр. 365
وكان يأتي الخمار وفي يده مقرعة [١] فيعرض عليه خمرة فان كان جيدا وإلا قال: أجد خمرك، ويقرع رأسه وينصرف، العدة ثمانية وخمسون رجلا
. / الحكام من قريش [ ٢]
فمن بني هاشم عبد المطلب بن هاشم والزبير وأبو طالب ابنا عبد المطلب ومن بني أمية حرب بن أمية وأبو سفيان صخر بن حرب، ومن بني زهرة بن كلاب العلاء بن جارية [٣] الثقفي حليف بني زهرة، ومن بني مخزوم العدل وهو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن بني سهم قيس بن عدي بن سعد بن سهم والعاص بن وائل [٤] بن هاشم بن سعيد [٥] بن سهم، ومن بني عدي بن كعب نفيل بن عبد العزى بن رياح [٦] بن عبد الله ابن قرط [٧] بن رزاح [٨] بن عدي بن كعب
. أزواد الركب من قريش [ ٩]
وكانوا إذا سافروا لم يختبز معهم أحد ولم يطبخ [١٠] وهم الأسود [١١] بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي ومسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد
стр. 366
شمس وأبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وزمعة [١] بن الأسود بن المطلب بن أسد
. حديث مسافر وهند
كان مسافر بن [٢] أبي عمرو يتعشق هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فوفد [٣] على النعمان بن المنذر اللخمي فأكرمه ونادمه، فقدم عليه قادم فأعلمه أن هند تزوجت أبا سفيان، فمرض غما وسقى [٤] بطنه فكشح [٥] بالنار، فلما نظر [٦] الطبيب الذي يكويه إلى المكاوي وصبر مسافر جعل يضرط، فقال مسافر: (البسيط)
قد يضرط العلج والمكواة في النار
/ فذهبت مثلا، وقال مسافر [٧] : (الطويل)
стр. 367
ألا إن هندا [١] أصبحت منك محرما [٢] ... وأصبحت من أدنى حموّتها حما
وأصبحت كالمسلوب [٣] جفن سلاحه ... يقلب بالكفين قوسا وأسهما
ثم خرج متوجها إلى مكة فمات بهبالة [٤] فقال أبو طالب [٥] يرثيه:
(الخفيف)
ليت شعري مسافر بن أبي عمرو [٦] ... وليت يقولها المحزون
كم رأينا من صاحب صدق ... وابن عم عدت [٧] عليه المنون
فتعزّيت بالجلادة والصبر ... وإني بصاحبي لضنين [٨]
فهل [٩] القوم راجعون إلينا ... وخليلي في مرمس مدفون
بورك الميت الغريب كما بو ... رك نضر [١٠] الريحان والزيتون
стр. 368
مدره [١] يدرأ [٢] الخصوم [٣] بأيد ... وبوجه يزينه [٤] العرنين
ليت شعري هل أصبحنّ من الحز ... ن لقلبي فما لقيت بحينى [٥]
ميت ذرو [٦] على هبالة قد حالت ... صحار من دونه ومتون [٧]
غير أني إذا ذكرت لقلبي ... فاض دمعي وفاض مني الشئون
أجواد قريش [ ٨]
هاشم بن عبد مناف وقد كتبنا حديثه في أول الكتاب، وأمية بن عبد شمس/ وقد بذّه هاشم ومر حديثهما، ومن بني تيم بن مرة شارب الذهب وهو عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم وكان المطاعيم، وأبوه السيال وهو عمرو بن كعب بن سعد بن تيم وكان جوادا مطعاما، وعبد الله بن جدعان [٩] بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم وكان قومه قد حجروا عليه [١٠] لما أسن، فكان إذا أعطى أشياء استرجعه قومه من المعطي، فلما رأى ذلك كان يقول للسائل [١١] يسأله: اجلس قريبا مني حيث تنالك يدي فأني سألطمك
стр. 369
فإذا فعلت فقل: لا أرضى حتى ألطم عبد الله كما لطمني حتى ترضى من مالي بحكمك، وله يقول عبيد الله بن قيس الرقيات: (الخفيف)
والذي إن أشار نحوك [١] لطما ... تبع اللطم نائل [٢] وعطاء
وكان له مناديان يناديان أحدهما بأسفل مكة والآخر بأعلى مكة وكان المناديان أبا سفيان بن عبد الأسد وأبا قحافة [٣] ، وكان أحدهما ينادي: ألا من أراد الشحم واللحم فليأت دار عبد الله بن جدعان، وهو أول من أطعم الفالوذ [٤] بمكة، وله يقول الشاعر [٥] : (الوافر)
له داع بمكة مشمعلّ [٦] ... وآخر فوق دارته [٧] ينادي
إلى ردح [٨] من الشيزى [٩] عليها [١٠] ... لباب البر يلبك [١١] بالشهاد [١٢]
ومن بني مخزوم هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان
стр. 370
شريفا مطعاما/ وجعلت قريش موته تاريخا، وله يقول الشاعر [١] : (الوافر)
وأصبح بطن مكة مقشعرا [٢] ... كأنّ الأرض ليس بها هشام
وابناه أبو جهل والحارث كانا جوادين، وللحارث حديث [٣] قد مضى وخلف [٤] بن وهب بن [٥] حذافة بن جمح، وعبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف وعمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف، وكان خلف جوادا وابنه أمية جوادا وابنه صفوان جوادا وابنه عبد الله بن صفوان بن أمية جوادا وابنه [٦] عمرو بن عبد الله بن صفان بن أمية [٦] كان جوادا، فعمرو جواد ابن [٧] جواد ابن [٧] جواد [ابن جواد ابن جواد-] [٨] فكان أعرق الناس في الجود عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف إلا ما كان من قيس جواد ابن سعد [٩] جواد ابن عبادة جواد ابن دليم [١٠] جواد ابن حارثة جواد ابن حزيمة [١١] جواد ابن ثعلبة جواد ابن طريف [١٢] جواد ابن الخزرج، فإنه جواد ابن [٧] جواد ابن [٧] جواد ابن [٧] جواد ابن [٧] جواد ابن [٧] جواد ابن [٧] جواد ابن [٧] جواد، فهذا أعرق الناس في الجود، وعمرو [١٣] أعرق قريش في الجود،
стр. 371
وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وسأله رجل برحم بينه وبينه فقال له: هذا حائطي [١] بمكان كذا وكذا وقد أعطيت به ستمائة ألف درهم يراح إليّ بالمال العشية فإن شئت فالمال وإن شئت فالحائط [٢] ، [و-] [٣] عبيد الله [٤] بن العباس بن عبد المطلب وذكر عن جوده أن صيرفيا/ أفلس بالمدينة فلزمه غرماؤه، فسألهم النفس [٥] ليحتال لهم فقالوا:
لسنا ندعك أو يكفل بك عبيد الله [٦] بن العباس. فأتوا بابه فاستأذنوا عليه فأذن لهم ويده في حوض يخوض [٧] فيه البزر [٨] للغنم فقال له الصيرفي: إن لهؤلاء القوم عليّ تسعة آلاف [٩] دينار وقد سألتهم أن ينفسوني حتى أضطرب لهم فسألوني كفيلا فأعطيتهموه فأبوا أن يرضوا إلا بك، فأحب أن تضمنني، فقال لهم: هاتوا صكاككم، فدفعوها إليه فخرقها وأمر بقضائهم من ماله.
وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وكان مما ذكر من جوده ﵇ أن مولى لعبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي قدم عليه فقال: إنا نسمع عن عبد الله بن جعفر بأشياء لم يسمع بمثلها عن أحد قط، فقال له عبد الله بن مطيع:
صدق [١٠] كل ما [١٠] تسمعه عنه ففيه أكثر من ذلك، فقال: إني لأحب أن أرى بعض ذلك، فقال: هات صحيفة، فجاء بها فقال: اكتب ذكر حق فلان بن فلان على عبد الله بن جعفر ثلاثمائة دينار حالّة ثم اذهب إليه فسلم عليه وقل
стр. 372
له: [هذا-] [١] ذكر حق لي يا أبا جعفر عليك، فمضى إليه وفعل ذلك وألاح له بالصحيفة فقال له ﵇ عنه: لك أنت؟ قال: نعم، قال: كم؟ قال:
ثلاثمائة دينار، قال: يا غلام! ادفعها إليه، ولم يأخذ الصحيفة، فجاء مولى عبد الله بن مطيع بالدنانير إليه وحدثه الأمر وقال: والله! ما رأيت أعجب من هذا، فقال له ابن مطيع:/ احتفظ بالدنانير، ثم تركه عشرا وقال له: اذهب إليه فقل له مثل ما قلت، فقال له [٢] المولى: جعلت فداك توهمني في المرة الأولى الآن أليس يعرف أني [٣] صاحبه، قال: اذهب كما أقول لك، فذهب فجرى [٤] بينهما من الكلام مثل الكلام الأول فأمر له بها، فجاء إلى ابن مطيع وهو يكثر التعجب، فقال له ابن مطيع: احتفظ بها، فلما مضى له شهر قال له ابن مطيع: اذهب فعد إليه، فلما عاد إليه قال له كما قال له في المرتين فأمر له بها، فجائها إلى ابن مطيع فقال له ابن مطيع: اجمع كل ما أخذت فأت به فأتاه به فركب ابن مطيع إليه ومعه مولاه والمال فقال له: يا أبا جعفر! اتق الله وانظر لنفسك وذمتك فان لك معادا، فقال: وما ذلك؟ فقال له: أتاك مولاي هذا بصكّ يذكر أن له فيه عليك ثلاثمائة دينار ولم يكن بينك وبينه معاملة فلا تزيد على أن تقول له: أنت كم هو؟ أعطه إياه، حتى أخذ منك تسعمائة دينار، قال: كأنك تقول: لا أعرف ما لي مما عليّ، قال: إن ذلك لكذلك، قال: مالي درهم إلا وأنا أعرفه وقد علمت أن ذاك ليس عليّ ولكني خيّرت نفسي في أن أقول: لا ليس لك، ويقول: هو بل لي، فيسمع سامع بذلك فأكون بين مصدق ومكذب وبين دفع [٥] ذلك إليه فكان دفع ذلك إليه أخف عليّ، قال ابن مطيع:/ اتق الله وانظر لنفسك، يا غلام! هات ما معك، فجاءه بالمال فقال له ابن جعفر ﵉: ما هذا؟ قال: هذا مالك، قال: يغفر
стр. 373
الله لك! أيرجع إليّ شيء خرج مني؟ هو لك حلالا طيبا.
قال: وجاءت عجوز إلى ابن جعفر ﵉ بدجاجة قد سمنتها، فقالت: يا أبا جعفر! إني قد سمنت هذه الدجاجة حتى بلغت غايتها، فأحببت أن تأكلها، قال: اقبضوها، يا غلام! ادفع إليها ألف درهم، فقالت: أبقاك الله! قال: زدها ألفا، فقالت حفظك الله! قال: زدها ألفا، قالت: أمتعني الله بك، قال: زدها ألفا، قالت: جعلني الله فداك، قال: زدها ألفا، قالت:
حسبك يا مسرف! قال: لو ثبت لثبت لك..
وروى عن ابن سيرين أن دهقانا كلم ابن جعفر في أن يكلم له عليا ﵇ في حاجة فكلمه فيها عبد الله فقضاها، فأرسل الدهقان إلى عبد الله بأربعين ألفا فردها عليه وقال: إنا أهل البيت لا نأخذ على معروفنا جزاء.
قال: واستأمن عبد الله بن جعفر عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس الرقيات وكان مدح ابن الزبير وحضّ على عبد الملك، فلما مات مصعب استأمن له فآمنه ودخل عليه ابن قيس فاستأذنه أن ينشده فأذن له، فأنشده كلمته التي يقول فيها: (الكامل)
اسمع أمير المؤمني ... ن لمدحتي وثنائها [١]
أنت ابن معتلج البطا ... ح كديها [٢] فكدائها [٣]
/ فقال له عبد الملك [٤] : (الخفيف)
إنما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلت عن وجهه الظلماء
стр. 374
قال: يا أمير المؤمنين! أنا الذي أقول: (الخفيف)
ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا
فقال له عبد الملك: [١] : (الخفيف)
كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء
قد آمنتك ولكن [٢] لا والله ما تأخذ مع الناس عطاء أبدا، فلما خرج قال ابن جعفر لابن قيس: قد سمعت قسمه فلا عليك عمّر [٣] نفسك، قال ستين سنة، قال: كم عطاؤك؟ قال: ألفان، فأمر له بمائة ألف درهم وعشرين ألف درهم، وكان ابن قيس يومئذ ابن نحو من ستين سنة.
قال: وقدم عبد الله بن جعفر ﵉ على يزيد بن معاوية فقال له: كم كان معاوية أمير المؤمنين أعطاك حين وفدت عليه؟ قال: ألف ألف درهم، قال: فلك ألفا ألف درهم، قال: فداك أبي وأمي [٤] : فقال يزيد:
قلت: فداك أبي وأمي، قال: نعم ولم أقل لأحد قبلك إلا لرسول الله صلى الله عليه ولا أقولهما لأحد بعدك، قال: فان لك ضعفها أربعة آلاف ألف درهم، فقيل لزيد: أعطيت عبد الله بن جعفر أربعة آلاف ألف! فقال:
ويحكم! إنما أعطيت الناس، عبد الله لا يمسك درهما، فلما خرج من عنده وودّعه رأى ببابه ناقة سوداء، فقال له بديح [٥] : هذه تعجب بها أهل المدينة،
стр. 375
فقال: خذها، فأبي/ الغلام أن يدفعها، فرجع إلى يزيد وقال: ناقة سوداء ببابك أحب بديح أن يعجب بها أهل المدينة، فقال: يا غلام! ادفعها إليه وكل ناقة سوداء قبلكم، فكانت سبعمائة سودا، وكتب له إلى [عامل-] [١] أذرعات [٢] يحملها كلها له زيتا، فلم يجده لكلها [٣] فأعطي ثمنه، فقال هشام بن عبد الملك لبديح: كم وصل به إلى المدينة من السبعمائة ناقة؟ قال بديح: ثلاثون ناقة. وسأل بديحا هشام بن عبد الملك عن عبد الله بن جعفر فقال: لو وصفته عمري لما خرجت [٤] إلا مقصرا عن وصف سخائه وكرمه، قال: فأخبرنا عنه، قال جاءه من قريش رجل فسأله أن يسوق عنه مهره، قال: وكم؟ قال: هو خمسون دينارا، فقال: يا بديح! هات الكيس، فجئت به، فقال: عد له، ولم يكن الناس يزنون، فعددت وطربت ورجّعت [٥] ، فلما بلغت الخمسين وقفت، فقال: امض، فمضيت حتى أتيت على الكيس، فقال: ليت [٦] الكيس بقي وبقي صوتك، فقال هشام: فكم كان في الكيس؟
قال أربعمائة دينار، قال له: فمن الرجل؟ فقال: لا أخبرك، قال: ولم؟ قال:
أخاف أن تأخذ منه، فقال: يا خبيث! يعطيه عبد الله وآخذها أنا منه، فقال:
إي والله! إنك لتفعل.
وذكروا أن ابن جعفر أراد سفرا فأمر رجلا أن يجهزه، ففعل وجاء بحسابه، فقال له ابن جعفر: ما تصنع بالحساب؟ قال: لتقرأه وتعرفه أبقاك الله! / فقال:
لا حاجة لي به إن كان لك فضل فأخبرنا به حتى نعطيكه وإن كان لنا عندك فضل فأخبرنا حتى نأمرك فيه بما نرى، قال: أني أحب أن تقرأه، فقرأه فكان
стр. 376
أول شيء قرأه: حبل بخمسين درهما، فقال: لقد غليت [١] الحبال [٢] ، قال:
إنه أبرق [٣] ، فقال ابن جعفر: إن كان أبرق فأجيزوه، فهو إلى اليوم مثل بالمدينة: وذكروا [٤] أن رجلا من الحاج مات بعيره فأتى مروان وهو على المدينة فشكا إليه فلم يصنع شيئا، فأتى عبد الله بن جعفر فقال: (الطويل)
أبا جعفر إن الحجيج ترحلوا ... وليس لرحلي فاعلمن بعير
أبا جعفر ضن الأمير بماله ... وأنت على ما في يديك أمير
أبا جعفر من حي صدق مبارك ... صلاتهم للمسلمين ظهير
وقد قدّم إلى ابن جعفر نجيب مرحول وعليه قراب [٥] فقال: شأنك النجيب وما عليه واحتفظ [٦] بالسيف فاني أخذته بألف دينار، فقال الرجل:
(الطويل)
حباني [٧] عبد الله نفسي فداؤه ... بأعيس [٨] موّار [٩] وسباط [١٠] مشافره
وأبيض من ماء الحديد كأنه ... شهاب بدا والليل داج عساكره
ومن الأجواد السفّاح، وهو عبد الله الأصغر بن علي بن عبد الله بن العباس ومحمد بن جعفر بن عبيد الله وسعيد بن العاص بن أمية/ وكان ينحر في كل يوم جزرا [١١] يطعمها وكان ممدحا، وعبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس وكان من فتيان قريش، وحمزة بن عبد الله بن
стр. 377
الزبير بن العوام وكان جوادا ممدحا وله يقول موسى شهوات: (الرمل)
حمزة المبتاع بالمال الندى ... ويرى في بيعه أن قد غبن
ويعقوب بن طلحة بن عبيد الله [١] التيمي، وعمر بن عبيد الله [٢] بن معمر بن عثمان التيمي وله أحاديث في الجود، فمنها أن عبد الملك بن مروان أراد أن يضع منه وذلك أنه كان عاملا لعبد الله بن الزبير على البصرة فأفشى فيها من الجود ما تحدّث به الناس في الآفاق، فلما أفضى الأمر إلى عبد الملك قدم عليه فسايره وكان على بعير أشف [٣] من بعيره فاستشرفه الناس فغاظ [٤] ذلك عبد الملك فأمر له بالخروج إلى المدينة والمقام بها لما فيها من أشراف قريش، فلما بلغ أهل المدينة قدومه خرجوا يتلقونه منها على أميال، فنزل يمشي ونزل الناس معه فلم يزل راجلا وهم معه رجال حتى دخل المدينة، فلما دخلها قسم الكسي بينهم، فلم يدخل مسجد رسول الله ﷺ أحد لصلاة الظهر من ذلك اليوم إلا في كسوة عمر، فبلغ ذلك عبد الملك فقال:
أردت أن أضع منه فأبت نفسه إلا ارتفاعا، فيقال إنهم قالوا له: أتمشي وأنت أكثر الناس دابة؟ فقال: لا أركب بها/ قرشي يمشي، ويقال إن الذي حمل عبد الملك على فعله به أنه كان ضابطا بعمله لابن الزبير فولاه البصرة فلم يحمد [٥] ضبطه لها، فقال له: أنت لابن الزبير سيف مشحوذ [٦] ولي شفرة كليلة، والله لأبعثنك إلى بلدة يتضاءل [٧] بها شخصك، فوجهه إلى المدينة فكان منه الذي اقتصصت.
стр. 378
وكانت لأبي حزابة [١] التميمي جارية يقال لها بسباسة وكان يحبها [٢] فاضطر إلى بيعها فاشتراها منه [٣] عمر بن عبيد الله [٣] بمال كثير، فلما دفع إليه المال وقبضها ذهبت لتدخل [٤] فتعلق بثوبها ثم قال: (الطويل)
تذكر من بسباسة اليوم حاجة ... أتت كمدا من حاجة المتذكر
ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
أبوء [٥] بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلبا طويل التفكر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشأ ابن معمر
فقال: قد شئنا [٦] هي لك وثمنها.
وخالد بن عبد الله بن أسيد بن أبي العيص بن أمية وكان جواد أهل الشام شريفا ممدحا.
وطلحة الندى بن عبد الله بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة وكان طلحة هذا يأتيه الرجل يسأله فيقعده ثم يأتي آخر فيقعده ثم يأتي ثالث فإذا/ كانوا بعدد ما عليه من الثياب دخل ورمى بردائه إلى الأول وبقميصه إلى الثاني فإذا صار إلى الثالث قال: ناولوني ثوبا، ثم [٧] بإزاره إليه، قال: وكانت بنو أمية ترسله على السعايات [٨] على أسد وغطفان فيجيء
стр. 379
بالأموال الكثيرة ثم تسوغه [١] الثمن من ذلك فيحبو [٢] ويمنح [٣] ويعطي ويقسم، فأقبل يوما فقيل لأعرابي قريب عهد بعلّة قد أضربه الدهر: ألا تتعرض [٤] لهذا القرشي فانه قد يصنع الخير، قال: فتعرض له في كسي له أحمر، فلما أقبل عليه قال له: أعني على الدهر، قال: نعم، ثم أقبل على وكيله فقال: كم معك؟ قال [٥] : فضلة من المال قال: صبّها في كسائه، فصبّها فأثقلته حتى أقعدته، قال: فتأمله طويلا، ثم بكى فقال له: ما يبكيك؟
أاستقللت ما أعطيتك؟ قال: لا ولكني فكرت فيما تأكل الأرض من كرمك فبكيت. وذكر مصعب بن عبد الله أن امرأة طلحة هذا [٦] قالت لطلحة:
ما رأيت كأصدقائك ما كنت موسرا فهم في منزلك وبفناءك [٧] فإذا التوى عليك الزمان اجتنبوك، فقال: ما زدت إلا أن امتدحتهم إذا كنت لهم محتملا آنسوا [٨] وجملوا [٩] وإذا عجزت عنهم خففوا وعذروا.
وطلحة بن عبد الله [١٠] بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵃ وهو طلحة الدراهم وكان معطاء وله يقول/ الحزين الكناني [١١] : (المتقارب)
стр. 380
فإن تك يا طلح أعطيتني ... عذافرة [١] تستخف [٢] الضفارا [٣]
فما كان نفعك [٤] لي مرة ... ولا مرتين ولكن مرارا
أبوك الذي صدّق المصطفى ... وسار مع المصطفى حيث سارا
وأمك بيضاء تيمية [٥] ... إذا عددا [٦] الناس كانت [٧] نضارا [٨]
وطلحة الخير وهو طلحة بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈ وأمّه أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان وكان مطعاما ولم يعقب والأزرق وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ولّاه ابن الزبير اليمن فأعطى بها أموالا كثيرة حتى عزله عنها وله يقول أبو دهبل [٩] الجمحي: (البسيط)
أعطى أميرا ومنزوعا وما نزعت ... عنه المكارم تغشاه وما نزعا
وله يقول أبو دهبل [١٠] : (الكامل)
عقم النساء فما يلدن شبيهه [١١] ... إن النساء بمثله عقم
غض [١٢] الكلام من الحياء كأنه [١٣] ... ضمن [١٤] وليس بجسمه سقم
стр. 381
متهلّل [١] بنعم مباعد [٢] لا ... سيّان منه الوفر والعدم
إن البيوت [٣] معادن فنجاره [٤] ... ذهب وكل جدوده [٥] ضخم
والحكم بن المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب [٦] بن عبيد المخزومي [٧] / وكان جوادا ممدحا. والمغيرة الأعور ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي بذّ [٨] أجواد الكوفة بالطعام حتى خلوه وإياه، وكان بها زمن [٩] يطعم عيسى بن موسى بن طلحة التيمي وعبد الملك بن بشر بن مروان بن الحكم وخالد بن خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط وبنو عمارة ابن عقبة بن أبي معيط [١٠] فبذهم كلهم [١٠] الأعور، فبسط الأنطاع بالكوفة وألقى عليها الحيس [١١] فيأكل منه الراكب والقائم والقاعد، فأمسك كل من كان يطعم بالكوفة، وله يقول الأقيشر [١٢] الأسدي: (الطويل)
стр. 382
أتاك البحر طم على قريش ... مغيرى [١] فقد راع [٢] ابن بشر [٣]
وراع [٤] الجدى جدي التيم [٥] لما ... رأى المعروف منه غير نزر [٦]
ومن أوتار [٧] عقبة قد شفاني ... ورهط الحاطبي ورهط صخر
فلا يغررك حسن الزي [٨] منهم ... ولا سرج [٩] ببزيون [١٠] ونمر [١١]
أراد بالحاطبي محمد [١٢] بن [الحاطب بن-] [١٣] الحارث بن معمر بن حبيب الجمحي وكان مطعاما وأراد بصخر صخير [١٤] بن أبي الجهم العدوي وكان
стр. 383
مطعاما. ومن الأجواد نهشل بن عمرو بن عبد الله بن وهب الفهري وكان مطعاما
. حكام المفاخرات والمنافرات من قريش
/ قال ابن الكلبي: كان في قريش أربعة نفر يتحاكمون إليهم في عقولهم ويحكمون بين الناس في المفاخرة وكلّ قد أدرك الإسلام، منهم عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، ومخرمة بن نوفل بن أهيب [١] بن عبد مناف بن زهرة، وحويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن نصر بن مالك بن حسل [٢] بن عامر بن لؤي، وأبو الجهم بن حذيفة بن غانم العدوي، وكان أبغضهم إليهم عقيل بن أبي طالب لأن الثلاثة كانوا يعدون محاسن الرجلين إذا تنافرا إليهم فأيهما كان أكثر محاسن فضلوه، وكان عقيل يعد المساوي فأيهما كان أكثر مساوي أخره فيقول الرجلان: وددنا أنّا لم نأته [٣] ، أظهر من مساوينا ما كان خافيا عن الناس
. المؤذون [٤] لرسول الله ﷺ
أبو لهب عبد العزّى بن عبد المطلب، والحكم هو الطريد بن أبي العاص ابن أمية، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية، والنضر بن الحارث بن كلدة [٥] من بني عبد الدار
. المستهزؤن [٦] من قريش ماتوا كفارا بميتات مختلفات [٧]
العاص بن وائل [٨] بن هاشم السهمي، والحارث بن قيس بن عدي
стр. 384
السهمي وهو/ صاحب الأوثان كلما مر بحجر أحسن من الذي عنده أخذه وألقى ما عنده وفيه نزلت: أَفَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ٤٥: ٢٣ [١] والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم والأسود بن عبد يغوث بن وهب [٢] بن عبد مناف بن زهرة.
فأما [٣] سبب موتهم فإن العاص بن وائل [٣] خرج في يوم مطير على راحلته ومعه ابنان له يتنزه ويتغدى [٤] ، فنزل شعبا من تلك الشعاب، فلما وضع قدمه على الأرض صاح، فطافوا فلم يروا شيئا، فانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات من لدغة الأرض، وأما الحارث بن قيس فانه أكل حوتا مالحا فأخذه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى قدّ [٥] فمات وهو يقول: قتلني رب محمد، وأما الأسود بن المطلب فكان له ابن بارّ به يقال له زمعة وكان متجره إلى الشام، فكان إذا خرج من عند أبيه في سفر قال: أسير كذا وكذا وآتي البلد يوم كذا وكذا ثم خرج يوم كذا وكذا، فلا يخرم [٦] مما يقول شيئا، وكان رسول الله ﷺ قد دعا عليه أن يعمى بصره ويثكله ولده، فخرج في ذلك اليوم الذي وعده فيه ابنه زمعة القدوم ومعه غلام له، فأتاه جبريل ﵇/ وهو قاعد في ظل شجرة فجعل يضرب رأسه وجبهته [٧] بورقة خضراء فذهب بصره ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث غلامه فقال: ما أرى أحدا يصنع بك شيئا إلا نفسك، فأعمى الله بصره وأثكله ولده.
стр. 385
وأما الوليد فمر على رجل من خزاعة وعنده نبل [١] قد راشها فتعلق به سهم، وقد تقدم ذكر قصّة الوليد وموته في الكتاب [٢] .
وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج من عند أهله فأصابته السموم فاسودّ، فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا دونه فمات وهو يقول: قتلني رب محمد. وحكى إبراهيم بن سعد أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت فمر الأسود بن المطلب فرمى وجهه بورقة خضراء فعمي، ومرّ به الأسود بن عبد يغوث الزهري فأشار إلى بطنه فاستسقى ومات حبنا، الحبن الاستسقاء. ومرّ الوليد [٣] فأشار إلى أثر جرح في أسفل كعبه كان أصابه قبل ذلك بسنين وهو يجر إبله [٤] فمر برجل من خزاعة [٥] فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدشه خدشا وليس بشيء، فلما أشار إليه جبريل ﵇ انتقض ذلك الخدش فقتله، ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص [٦] رجله فخرج على حمار له وهو يريد الطائف [٧] فربض به حماره على شبرقة [٨] فدخلت في أخمصه منها شوكة فقتلته
. زنادقة [٩] قريش
/ صخر بن حرب أسلم وعقبة بن أبي معيط ضرب عنقه رسول الله صلى
стр. 386
الله عليه وسلم صبرا منصرفه من بدر بالصفراء [١] وأبيّ بن خلف قتله رسول الله ﷺ بيده يوم أحد طعنه بالحربة [٢] ولم يقتل بيده ﵇ غير أبيّ هذا، وأبو عزة [٣] ضرب عنقه بيده ﵇ يوم أحد وقد كان ﵇ أسره يوم بدر فشكا إليه العيال والفاقة فرق له ﵇ ومن عليه وأخذ عليه عهدا أن لا يخرج عليه، فخرج يوم أحد يحضّ على رسول الله ﷺ ، فضرب رسول الله ﷺ عنقه بيده، والنضر بن الحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار، وقتله رسول الله ﷺ أيضا صبرا وكان له مؤذيا، ونبيه [٤] ومنبه ابنا الحجاج بن عامر السهميان قتلا يوم بدر، والعاص بن وائل السهمي والوليد بن المغيرة المخزومي، تعلموا الزندقة من نصارى الحيرة
. المطعمون من قريش بحرب [يوم بدر -] [٥]
أبو جهل وهو عمرو بن هشام بن [٦] المغيرة نحر أول يوم عشرا، ثم نحر أمية بن خلف تسعا، ثم نحر سهيل بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي عشرا، ثم شيبة بن ربيعة نحر عشرا، ثم نحر منبه ونبيه ابنا الحجاج عشرا، ثم نحر أبو البختري [٧] العاص بن هشام بن الحارث بن أسد عشرا، ثم نحر العباس بن عبد المطلب وكان أخرج/ إلى بدر كارها عشرا، وذكر محمد بن عمر [٨] أن قريشا لم تطعم من الطعام العباس لعلمها [٩] بهواه وميله مع رسول الله ﷺ وأنه أخرج مكرها.
стр. 387
الحمقى من قريش وأخبارهم ومن أنجب منهم ولم ينجب [ ١]
عبد الدار بن قصي منجب، وكريز [٢] بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس لم ينجب، وكان كريز هذا قد قتلت أباه ربيعة بنو جشم بن معاوية بن بكر من هوازن، قتله صريح بن نضلة بن طريف بن كلفة بن الأحمر من بني عصمة، فكان كريز يصعد أبا قبيس فيرمي بسهم في الهواء وقد عصب [٣] عصبة، وابنه عامر بن كريز بن ربيعة منجب، وكان عثمان بن عفان ﵁ ولى ابنه عبد الله بن عامر البصرة فاستأذن عامر عثمان في زيارة ابنه، فأذن له فشخص إليه، فلما صعد عبد الله المنبر [٤] وكان خطيبا أخذ عامر يذكر نفسه وجعل يقول لمن يليه: أترون أميركم هذا من هذا خرج [٥] ؟ فلم يدعه عبد الله يقيم وأحسن جهازه وسرحه إلى المدينة خوف [٦] الفضيحة، والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية منجب قتل يوم الفجار، والعاص بن هشام بن المغيرة منجب قتل يوم بدر كافرا وكان قامر أبا لهب فقمره ماله ونفسه فصيره قينا، فلما خرجت قريش لتمنع عيرها [٧] من رسول الله صلى الله عليه أخرجوا بني هاشم مكرهين/ فمن لم يخرج أخرج بدله رجلا فأخرجه أبو لهب بديلا فقتل يوم بدر كافرا. وكان العاص بن سعيد والعاص بن هشام يدعيان أحمقي قريش، وسهيل [٨] بن عمرو أحد [٩] بني عامر بن لؤي منجب، ومحمد بن حاطب بن الحارث بن معمّر بن حبيب الجمحي، كان معاوية بن أبي
стр. 388
سفيان طلق ميسون بنت بحدل [١] الكلبية أم يزيد ابنه فأتاه محمد بن حاطب فقال له معاوية: ما حاجتك يا أبن حاطب؟ قال: جئت خاطبا، قال: ومن ذكرت؟ قال: ميسون بنت بحدل الكلبية أم يزيد، فسكت معاوية، قال:
ما تقول أمير المؤمنين في هذا؟ قال: أقول: إنك حمار، فخرج من عنده فما زال يقول: قال: إنك حمار، قال: إنك حمار، حتى دخل إلى منزله، وعمرو بن حريث المخزومي لم ينجب، وعتبة بن أبي سفيان لم ينجب وولّاه معاوية مصر فكان يخرج إلى النيل ومعه أشراف أهل عمله يريهم كيف يسبح مكتوفا، وعمرو بن سهيل بن عمرو لم ينجب. وعبد الله بن معاوية لم يعقب [٢] .
ومعاوية بن مروان بن الحكم منجب، قال: بينا معاوية هذا ينتظر عبد الملك بن مروان بدمشق على باب طحّان وحماره يدور بالرحى وفي عنقه جلج فقال للطحان: لم جعلت هذا الجلج في عنق حمارك؟ قال: ربما أدركتني الفترة فأغفل عنه، فإذ لم أسمع الجلجل علمت أنه قد قام فصحت به، قال: أرأيت إن قام ثم قال/ برأسه [٣] هكذا وهكذا وحرك رأسه ما يدريك؟ قال: فمن أين للحمار مثل عقل الأمير! قال: وكان خالد بن يزيد بن معاوية يهزأ بمعاوية بن مروان هذا فقال له يوما: إن أمير المؤمنين قد ولى إخوته لأبيه: ولى عبد العزيز مصر وبشرا العراق ومحمدا الجزيرة [٤] ، فلو سألته أن يوليك! قال:
ما أسأله؟ قال: سله بيت لهيا [٥] وهي قرية بدمشق، قال: فدخل عليه فقال:
يا أمير المؤمنين! ألست ابن أمك؟ قال: بلى وأحب الناس إليّ، قال: قد وليت إخوتك ولم تولني، قال سل يا أبا المغيرة ما شئت [٦] ، فقال معاوية: دار لهيا، قال عبد الملك: متى لقيت خالدا؟ قال: أمس، قال: فلا تكلمه، قال:
ودخل خالد بعقب هذا الكلام فقال: كيف أصبحت يا أبا المغيرة؟ قال: قد
стр. 389
نهانا هذا عن كلامك، قال: وكانت الخيرة [١] بنت أنيف [٢] بن زبّان [٣] الكلبي عند معاوية هذا فلما بنى بها وأصبح غدا عليه عبد الملك يهنئه [٤] ومعه أنيف أبوها، فقال له عبد الملك: كيف رأيت أهلك؟ قال: آذتنا بدمائها الليلة، فقال أبوها أنيف: إنها من نسوة يخبأن [٥] ذلك [٦] لأزواجهن [٧] ، لعن الله وملائكته من غرّني منك! قال: وكانت كلب تسمى أبا بكر [بن-] [٨] عبد الملك بن مروان مبقّت [٩] الأصفر لحمقه [١٠] ، وبكار [١١] بن عبد الملك بن مروان وهو أبو بكر لم ينجب، قال السكري: أحسبه أراد/ معاوية بن مروان هذا وكذا [١٢] كان أخبرنا به، قال: كان عبد الملك بن مروان ينهي بكارا أن يجالس خالد بن يزيد بن معاوية لما يعلم من حمقه، فجلس إليه ذات يوم فقال خالد: هذا والله المردد في قريش أمه فلانة وأمها فلانة وامرأته فلانة، فقال بكار: أنا والله كما قال الشاعر: (البسيط)
مردد في بني اللخناء ترديدا
стр. 390
فبلغ [١] عبد الملك فغضب وقال: ألم أنهك عن مجالسة خالد؟ قال:
وطار لبكار هذا بازى [٢] فبعث [٣] إلى صاحب باب مدينة دمشق: أغلق باب المدينة فإن بازى قد طار لا يخرج [٤] .
وعبد الله بن قيس بن مخرمة بن المطلب وكان بنو المطلب يدعون النوكى وكان عمر بن عبد العزيز ولىّ عبد الله هذا مكّة فكتب إلى عمر بن عبد العزيز فبدأ بنفسه: من عبد الله بن قيس إلى عمر أمير المؤمنين، فقيل له:
ويحك! تبدأ [٥] بنفسك قبل أمير المؤمنين، قال: إن لنا الكبر عليهم، فلما بلغ عمر كتابه وقوله قال: إنه والله أحمق من أهل بيت حمق.
والأحوص بن جعفر بن عمرو بن حريث لم ينجب، وكان تزوج امرأة من قريش فوقع بينه وبين إخوتها خصومة في أمرها، فوكلّت أحدهم بخصومته، فقدم إلى ابن أبي ليلى [٦] القاضي فجرى الكلام بين يدي القاضي فقال الأحوص: أصلحك الله! أما والله خصيتيها/ في يدي فليصنعوا ما أحبوا، فقال إخوتها: لا نخاصمك والله بعدها أبدا، وكان الأحوص هذا يجالس حمزة بن بيض [٧] وجميل بن حمران ومالك بن عيينة بن أسماء [٨] بن خارجة والمغيرة بن أعشى بن [٩] أبي ربيعة فقال بعضهم: تعالوا، نضحك من الأحوص، فغدا عليهم فقال ابن بيض: أتشتكي شيئا؟ قال: لا والله! قال: